هذا مظهر من مظاهر ما أشارت إليه الآية الأولى في السورة من كون هذه السورة فيها من معجزات هذا القرآن.
نقول من الظلال:
١ - [تعليق على قصتي إبراهيم ولوط ﵉ في السورة]
قال صاحب الظلال تعليقا على قصتي إبراهيم ولوط في سورة الحجر:
(وقد وردت هذه الحلقة من قصة إبراهيم وقصة لوط ﵇ في مواضع متعددة بأشكال متنوعة، تناسب السياق الذي وردت فيه. ووردت قصة لوط وحده في مواضع أخرى.
وقد مرّت بنا حلقة من قصة لوط في الأعراف، وحلقة من قصة إبراهيم ولوط في هود .. فأما في الأولى فقد تضمنت استنكار لوط لما يأتيه قومه من الفاحشة، وجواب قومه: أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ وإنجاءه هو وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين. وذلك دون ذكر لمجئ الملائكة إليه وائتمار قومه بهم. وأما في الثانية فقد جاءت قصة الملائكة مع إبراهيم ولوط مع اختلاف في طريقة العرض. فهناك تفصيل في الجزء الخاص بإبراهيم وتبشيره وامرأته قائمة. وجداله مع الملائكة عن لوط وقومه. وهو ما لم يذكر هنا. وكذلك يختلف ترتيب الحوادث في القسم الخاص بلوط في السورتين .. ففي سورة هود لم يكشف عن طبيعة الملائكة إلا بعد أن جاءه قومه يهرعون إليه وهو يرجوهم في ضيفه فلا يقبلون رجاءه، حتى ضاق بهم ذرعا وقال قولته الأسيفة: لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ. وأما هنا فقدم الكشف عن طبيعة الملائكة منذ اللحظة الأولى، وآخرها حكاية القوم وائتمارهم بضيف لوط.
لأن المقصود هنا ليس هو القصة بترتيبها الذي وقعت به، ولكن تصديق النذير، وأن الملائكة حين ينزلون فإن القوم لا ينظرون ولا يمهلون).
٢ - [كلام حول الآية وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ]
وقال صاحب الظلال عند قوله تعالى: وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ:
(والتعبير على هذا النحو يكشف عن مدى الشناعة والبشاعة الذي وصل إليه القوم في الدنس والفجور في الفاحشة الشاذة المريضة. يكشف عن هذا المدى في مشهد أهل المدينة يجيئون جماعة، يستبشرون بالعثور على شبان يعتدون عليهم جهرة وعلانية. هذه العلانية الفاضحة في طلب هذا المنكر- فوق المنكر ذاته- شئ بشع لا يكاد الخيال يتصور وقوعه لولا أنه وقع. فقد يشذ فرد مريض فيتوارى بشذوذه، ويتخفى بمرضه،
стр. 2732
ويحاول الحصول على لذته المستقذرة في الخفاء وهو يخجل أن يطلع عليه الناس. وإن الفطرة السليمة لتتخفى بهذه اللذة حين تكون طبيعية. بل حين تكون شرعية. وبعض أنواع الحيوان يتخفى بها كذلك. بينما أولئك القوم المنحوسون يجاهرون بها ويتجمهرون لتحصيلها، ويستبشرون جماعات وهم يتلمظون عليها! إنها حالة من الارتكاس معدومة النظير).
٣ - [كلام حول الآية فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ والتي تليها]
وقال صاحب الظلال عند قوله تعالى: فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ، فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ:
(وقد خسف بقرى لوط بظاهرة تشبه ظاهرة الزلازل أو البراكين وتصاحبها أحيانا ظاهرة الخسف وتناثر أحجار ملوثة بالطين وهبوط مدن بكاملها تسيح في الأرض.
ويقال: إن بحيرة لوط الحالية وجدت بعد هذا الحادث. بعد انقلاب عمورة وسدوم في باطن الأرض، وهبوط مكانها وامتلائه بالماء.
وقرى لوط في طريق مطروق بين الحجاز والشام يمر عليها الناس. وفيها عظات لمن يتفرس ويتأمل، ويجد العبرة في مصارع الغابرين. وإن كانت الآيات لا تنفع إلا القلوب المؤمنة المتفتحة المستعدة للتلقي والتدبر واليقين:
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ. وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ* إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ)
٤ - [تعليق على ورود قصتي قومي شعيب وصالح في السورة]
وعلّق صاحب الظلال على ورود قصتي قوم شعيب وقوم صالح في سورة الحجر فقال: وقد فصّل القرآن قصة شعيب مع قومه: أهل مدين وأصحاب الأيكة في مواضع أخرى. فأما هنا فيشير إشارة إلى ظلمهم وإلى مصرعهم تصديقا لنبأ العذاب في هذا الشوط، ولإهلاك القرى بعد انقضاء الأجل المعلوم الوارد في مطالع السورة.
ومدين والأيكة كانتا بالقرب من قرى لوط. والإشارة الواردة هنا وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ قد تعني مدين والأيكة، فهما في طريق واضح غير مندثر، وقد تعني قرية لوط السالفة الذكر، وقرية شعيب، جمعهما لأنهما في طريق واحد بين الحجاز والشام، ووقوع القرى الدائرة على الطريق المطروق أدعى إلى العبرة، فهي شاهد حاضر يراه الرائح والغادي. والحياة تجري من حولها وهي دائرة كأن لم تكن يوما عامرة. والحياة لا تحفلها وهي ماضية في الطريق.
стр. 2733
أما أصحاب الحجر فهم قوم صالح، والحجر تقع بين الحجاز والشام إلى وادي القرى، وهي ظاهرة إلى اليوم. فقد نحتوها في الصخر في ذلك الزمان البعيد، مما يدل على القوة والأيد والحضارة .... ).
ثم علّق على قوله تعالى: وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ فقال:
(وهذه اللمحة الخاطفة من الأمن في البيوت الحصينة في صلب الجبال، إلى الصيحة التي تأخذهم فلا تبقي لهم مما جمعوا ومما كسبوا ومما بنوا ومما نحتوا .. شيئا يغني عنهم ويدفع الهلاك الخاطف. هذه اللمحة تلمس القلب البشري لمسة عنيفة. فما يأمن قوم على أنفسهم أكثر مما يأمن قوم بيوتهم منحوتة في صلب الصخور. وما يبلغ الاطمئنان بالناس في وقت أشد من اطمئنانهم في وقت الصباح المشرق الوديع .. وهاهم أولاء قوم صالح تأخذهم الصيحة مصبحين وهم في ديارهم الحصينة آمنون. فإذا كل شئ ذاهب، وإذا كل وقاية ضائعة، وإذا كل حصين موهون. فما شئ من هذا كله بواقيهم من الصيحة. وهي فرقعة ريح أو صاعقة، تلحقهم فتهلكهم في جوف الصخر المتين).
الفوائد:
١ - [سبب نزول الآية نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ... ]
بمناسبة قوله تعالى: نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ .. قال ابن كثير: وذكر في نزولها ما رواه موسى بن عبيدة عن مصعب بن ثابت قال: مرّ رسول الله ﷺ على ناس من أصحابه يضحكون فقال: «اذكروا الجنة واذكروا النار».
فنزلت: نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ... رواه ابن أبي حاتم وهو مرسل.
وروى ابن جرير بسنده عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: طلع علينا رسول الله ﷺ من الباب الذي يدخل منه بنو شيبة فقال: «ألا أراكم تضحكون». ثم أدبر حتى إذا كان عند الحجر رجع إلينا القهقرى فقال: «إني لما خرجت جاء جبريل ﵇ فقال يا محمد إن الله يقول لك لم تقنط عبادي نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ....
٢ - [سنة الأنبياء مع أصحابهم في الحرب]
وبمناسبة حكايته تعالى ما أمر به لوط يوم أمر بالخروج: وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ لفت النظر ابن كثير أن رسولنا ﵊ كان يفعل هكذا يقدم أصحابه أمامه قال ابن كثير: «وهكذا كان رسول الله ﷺ يمشي في الغزو إنما يكون ساقة يزجي
стр. 2734
الضعيف ويحمل المنقطع (١)». أقول: بل سنته الدائمة ﵊ ذلك أنه كان يقدم أصحابه أمامه ويقول: «خلوا ظهري للملائكة»)
٣ - [بعض الأحاديث حول فراسة المؤمن]
بمناسبة قوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ نقل ابن كثير بعض الأحاديث عن فراسة المؤمن قال:
وروى ابن أبي حاتم بسنده عن أبي سعيد مرفوعا قال: قال رسول الله ﷺ : «اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله» ثم قرأ النبي ﷺ : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ وروى ابن جرير .. عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «اتقوا فراسة المؤمن فإن المؤمن ينظر بنور الله». وعن ابن جرير أيضا .. عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : «احذروا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله وينطق بتوفيق الله».
وروى ابن جرير أيضا .. عن أنس بن مالك قال: قال النبي ﷺ : «إن لله عبادا يعرفون الناس بالتوسم». ورواه الحافظ أبو بكر البزار ...
٤ - [حول شرف قسم الله تعالى بحياة محمد ﷺ في الآية لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ .. ]
وعند قوله تعالى: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ قال ابن كثير:
«أقسم تعالى بحياة نبيه صلوات الله وسلامه عليه، وفي هذا تشريف عظيم ومقام رفيع وجاه عريض. قال عمرو بن مالك النّكري عن أبي الجوزاء عن ابن عباس أنه قال:
ما خلق الله وما ذرأ وما برأ نفسا أكرم عليه من محمد ﷺ وما سمعت الله أقسم بحياة أحد غيره، قال الله تعالى: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ يقول وحياتك وعمرك وبقائك في الدنيا إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ رواه ابن جرير. وقال قتادة: في سكرتهم أي: في ضلالهم يَعْمَهُونَ أي يلعبون. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس لَعَمْرُكَ لعيشك إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ يترددون).
стр. 2735
المجموعة السادسة وتمتدّ من الآية (٨٥) إلى نهاية السورة أي إلى نهاية الآية (٩٩) وهذه هي:
١٥/ ٩٩ - ٨٥
التفسير:
وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ أي إلا خلقا ملتبسا بالحق، لا باطلا وعبثا، أو إلا بسبب العدل والإنصاف اللذين سيكتملان يوم الجزاء
стр. 2736
على الأعمال وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ أي وإن القيامة لآتية، وسميت القيامة ساعة لتوقعها كل ساعة. وذكر مجئ الساعة في هذا المقام فيه إشارة إلى أن الله ينتقم لك فيها من أعدائك أيها الرسول، ويجازيك على حسناتك، ويجازيهم على سيئاتهم، فإنه ما خلق السموات والأرض وما بينهما إلا لذلك، ومن ثم فسوف يعلم هؤلاء الكافرون ومن ثم ذرهم، ومن ثم فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ أي فأعرض عنهم إعراضا جميلا بحلم وإغضاء
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ الخلاق الذي خلق كل شئ، العليم بحالك وحالهم فلا يخفى عليه ما يجري بينكم، وهو يحكم بينكم، وفي هذا تقرير للمعاد، وأنه تعالى قادر على إقامة الساعة؛ فإنه الخلاق الذي لا يعجزه خلق شئ، العليم بما تمزّق من الأجساد وتفرّق في سائر الأقطار، وفي هذا تثبيت لرسول الله ﷺ أن يطمئن فيذر ويصفح.
في أول السورة قال لرسوله ﷺ : ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ وهاهنا قال له فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ.
وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً أي سبع آيات وهي الفاتحة مِنَ الْمَثانِي هي من التثنية وهي التكرير لأن الفاتحة مما يتكرر في الصلاة، أو من الثناء لاشتمالها على ما هو ثناء على الله وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ أي ما وراء الفاتحة لأن اسم القرآن يقع على البعض كما يقع على الكل، ويحتمل أن يكون ذكر الفاتحة تشريفا. ثم ذكر القرآن كله بما في ذلك الفاتحة، وبناء على هذه النعمة العظيمة
لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ أي لا تطمح ببصرك طموح راغب فيه متمنّ له إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً أي أصنافا مِنْهُمْ أي من كفارهم الأغنياء، أي لا تتمنّ أموالهم وما متعوا به من النساء وغير ذلك، يعني قد أوتيت النعمة العظمى التي كل نعمة- وإن عظمت- فهي إليها حقيرة وهي القرآن العظيم، فعليك أن تستغني به، ولا تمدنّ عينيك إلى متاع الدنيا وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ أي إن لم يؤمنوا حرصا منك على أن يتقوّى بمكانهم الإسلام والمسلمون وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ أي وتواضع لمن معك من المؤمنين فقراء وأغنياء
وَقُلْ للناس جميعا إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ أي بيّن النذارة أنذركم ببيان وبرهان أن عذاب الله نازل بمن كذّب وتولى، وهكذا تتحدد المواقف من الكافرين: ذَرْهُمْ فَاصْفَحِ وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ كما تتحدّد من المؤمنين نَبِّئْ عِبادِي .... وَاخْفِضْ جَناحَكَ ... ولنعد إلى السياق:
стр. 2737
كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ* الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ* فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ* عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ فهم هذه الآيات على غاية من الأهمية، لأنها تعرّضت لداء الأمم السابقة مع كتبها، وهو داؤنا اليوم، كما أن فهمها مهم لبناء الأمرين اللاحقين عليها، وللتدليل على أن سورة الحجر مقدمة للسور اللاحقة ضمن السياق القرآني العام.
كَما أي مثلما، وأين نعلق هذه الكاف؟ يذهب النسفي إلى أنها متعلقة بقوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ كما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ والمقتسمون كما روى البخاري عن ابن عباس هم أهل الكتاب جزّءوه أجزاء فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه، فصار المعنى: ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم، كما أنزلنا على أهل الكتاب كتبا، فآل أمرهم إلى أن جزّءوا كتبهم واقتسموها، فطبّقوا بعضها وأهملوا بعضا آخر، ولذلك قال الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ أي الكتاب المنزّل عليهم، لأن القرآن كما يطلق على كتابنا يطلق على الزبور والإنجيل والتوراة، وقد رأينا دليل ذلك في سورة الرعد عِضِينَ أي أجزاء آمنوا ببعض، وكفروا ببعض، عملوا ببعض وتركوا بعضا، بتواطؤ العلماء والزعماء فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ* عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ أقسم بذاته وربوبيته ليسألن يوم القيامة واحدا واحدا من هؤلاء المقتسمين عما عملوه، مفرطين في شأن كتبهم اعتقادا وعملا
فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ من الشرائع كلها والشعائر كلها فاجهر به وأظهره.
ولنقف وقفة: [عند قوله تعالى فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ]
عرفنا من الآيات السابقة أن داء الأمم السابقة الكفر ببعض كتبها والإيمان ببعض، وقد أصاب هذا الداء أمتنا قديما وحديثا، ومن ثم وحتى لا تقع هذه الأمة في هذا الداء، أمر الله رسوله ﷺ أن يجهر بكل ما أنزل إليه، وأن يعرض عن المشركين، فأشعرنا بذلك أنه من الشرك التسليم لبعض الكتاب ورفض بعضه، فإذا اتضح هذا وعرفنا أن السور اللاحقة لسورة الحجر تفصّل في حيز قوله تعالى في سورة البقرة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً أي في الإسلام جميعا، ندرك أن ذكر هذا المعنى هنا له مغزى خاص فيما له علاقة في السياق القرآني العام.
ولنعد إلى السياق: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ يقال صدع بالحجة، إذا تكلّم بها جهارا
стр. 2738
أي أحدث في الباطل صدعا بالأوامر التي أمرك الله بها كلها وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ استهانة بهم واحتقارا لشأنهم، وقد دلّت الآية في هذا السياق أن داء الأمم السابقة في تفريق الكتب لا يداويه إلا جهر أهل الحق بالحق كله
إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ أي بلّغ ما أنزل إليك من ربك، ولا تلتفت إلى المشركين، الذين يريدون أن يصدوك عن آيات الله بالاستهزاء والتحقير، ولا تخفهم؛ فإن الله كافيك إياهم، وحافظك منهم، إن هذه الآية جاءت بعد الأمر بالصدع، فهي وعد من الله لرسوله ﷺ ، وتطمين وتثبيت بأنه معه إذا بلّغ
الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ عاقبة أمرهم يوم القيامة، دلّ ذلك على أنه لا يستهزئ برسول الله ﷺ إلا مشرك كافر
وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ فيك، أو في القرآن، أو في الله
فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ أي فافزع فيما نابك إلى الله بالذكر الدائم وكثرة السجود؛ يكفك الله ويكشف عنك الغم
وَاعْبُدْ رَبَّكَ أي ودم على عبادة ربك حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ أي الموت يعني: ما دمت حيا فاشتغل بالعبادة، دلّ ذلك على أن باب العبادة واسع، فكل عمل هو طاعة لله عبادة، حتى المباح إذا رافقته نية صالحة، ومعنى الآيات الثلاثة: وإنا لنعلم يا محمد أنك يحصل لك من أذاهم ضيق صدر وانقباض فلا يهمنّك ذلك، ولا يثنينّك عن إبلاغك رسالة الله، وقابل ذلك بالتسبيح والسجود، فإن الله يفرج عنك، واستمر على عبادة الله حتى تموت، دلّ ذلك على أن رجل الدعوة إذا لم يقابل الإيذاء بالسجود والتسبيح فإنه لا يستطيع الاحتمال والاستمرار، فالسجود والتسبيح هما زادا رجل الدعوة.
ملاحظة: [حول تحديد مكانة سورة الحجر بالنسبة لما بعدها بمدى تشابهها بسورة الأعراف]
مما يفيد في تحديد مكانة سورة الحجر بالنسبة لما بعدها أن نشير إلى هذا التشابه بين سورة الحجر وسورة الأعراف.
لاحظ خاتمة الأعراف وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ* إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ ولاحظ خاتمة سورة الحجر فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ.
ثم لاحظ تعدد ورود كلمة (لقد) (ولقد) في السورتين بشكل يلفت
стр. 2739
النظر. ثم لاحظ المعاني:
في سورة الأعراف: وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ ...
وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا ....
وفي سورة الحجر: وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً ... وَالْأَرْضَ ... وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ .... وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ....
فسورة الحجر تقوم بدور سورة الأعراف، كما سنرى- في حيثية من الحيثيات.
كلمة في المجموعة الأخيرة وفي سورة الحجر: [حول أفكارها وترابطها وصلتها بالمحور]
١ - بدأت سورة الحجر بالكلام عن الكافرين، وأمرت رسول الله ﷺ أن يتركهم، ثمّ أقامت عليهم الحجة بخلق الكون والحياة والإنسان، وعلّلت لضلالتهم، وذكرت استحقاقهم العذاب، واستحقاق المتقين النعيم، وعلّلت لذلك، بأن الله شديد العقاب، وأنه غفور رحيم، وذكرت نموذجا دنيويا على رحمته في قصة إبراهيم ﵇، وذكرت نماذج دنيوية على تعذيبه في قصة لوط وأصحاب الأيكة وأصحاب الحجر، ثمّ عللت لتعذيبه وإنعامه بأنه ما خلق السموات والأرض إلا بالحق، ثمّ هو قد أنزل القرآن، فكيف يترك الناس سدى، وبناء عليه فإن على الرسول النذير أن يعمل، وأن يعلن، وأن يتخذ مواقف، وأن يرد على مواقف، ومن تأمل هذه المعاني كلها رأى السورة على غاية من الوحدة والانسجام، وعلى غاية من الترابط والتسلسل.
٢ - يلاحظ أن ما بين بداية السورة وخاتمتها صلات:
في بدايتها: ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا ... وفي نهايتها فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ. وفي بدايتها إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ وفي نهايتها وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ وكما أن هناك تلاحما بين البداية والنهاية فهناك تلاحم ما بين النهاية والواسط:
في الواسط وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وفي النهاية وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ فالسورة على غاية من الانسجام في سياقها الخاص.
٣ - والسورة تفصّل في مقدمة سورة البقرة، فهي محورها: تفصّل في الفلاح
стр. 2740
الذي سيناله أهل التقوى، وتفصّل في أن الله هو منزل القرآن، وتفصّل في ضرورة اتباع القرآن، وتفصّل في أحوال الكافرين، وفيما يستحقون من عذاب في الدنيا والآخرة، وتفصّل فيما ينبغي أن يكون عليه حال النذير من إعراض، أو تبليغ، أو تسبيح، أو سجود، أو عبادة.
نقول من الظلال:
١ - [الربط بين الآيتين (٨٥) و (٨٧) من المجموعة الأخيرة في السورة]
قال صاحب الظلال رابطا بين قوله تعالى وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ ... وبين الآية التي جاءت بعدها وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ:
والمهم أن وصل هذا النص بآيات خلق السماوات والأرض وما بينهما بالحق والساعة الآتية لا ريب فيها، يشي بالاتصال بين هذا القرآن، والحق الأصيل الذي يقوم به الوجود وتقوم عليه الساعة. فهذا القرآن من عناصر ذلك الحق، وهو يكشف سنن الخالق، ويوجه القلوب لإدراكها، ويكشف أسباب الهدى والضلال، ومصير الحق والباطل، والخير والشر، والصلاح والطلاح. فهو من ذلك الحق ومن وسائل كشفه وتبيانه. وهو أصيل أصالة ذلك الحق الذي خلقت به السماوات والأرض، ثابت ثبوت نواميس الوجود، مرتبط بتلك النواميس. وليس أمرا عارضا ولا ذاهبا. إنما يبقى مؤثرا في توجيه الحياة وتصريفها وتحويلها، مهما يكذب المكذبون، ويستهزئ المستهزءون.
ويحاول المبطلون الذين يعتمدون على الباطل وهو عنصر طارئ زائل في هذا الوجود.
ومن ثم فإن من أوتي هذه المثاني وهذا القرآن العظيم، المستمد من الحق الأكبر، المتصل بالحق الأكبر .. لا يمتد بصره ولا تتحرك نفسه لشئ زائل في هذه الأرض من أعراضها الزوائل. ولا يحفل بمصير أهل الضلال، ولا يهمه شأنهم في كثير ولا قليل. إنما يمضي في طريقه مع الحق الأصيل: لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ، وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ، وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ* وَقُلْ: إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ.
٢ - [حول الآية وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ .. ]
وعند قوله تعالى: لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ قال صاحب الظلال: (وليس المقصود هو أن يقنع المحرومون بحرمانهم ويدعوا المتمتعين لمتاعهم، حين تختل الموازين الاجتماعية وينقسم المجتمع إلى محرومين ظلما ومتمتعين بغيا، فالإسلام الذي يقوم على الحق، ويقرر أن الحق هو قوام هذا الوجود لا يرضى
стр. 2741
الظلم أصلا. إنما هو معنى خاص في هذا السياق. للموازنة بين الحق الكبير والعطاء العظيم الذي مع الرسول، والمتاع الصغير الذي يتألق بالبريق وهو ضئيل في الطريق إلى توجيه الرسول ﷺ إلى إهمال القوم المتمتعين، والعناية بالمؤمنين فهؤلاء هم أتباع الحق الذي جاء به والذي تقوم عليه السماوات والأرض وما بينهما؛ وأولئك هم أتباع الباطل الزائل الطارئ على صميم الوجود).
٣ - [الربط بين الآيتين (٨٧) و (٩٠) من المجموعة الأخيرة في السورة]
وقد ربط صاحب الظلال بين قوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ وبين قوله تعالى: كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ فقال بمناسبة هذا السياق:
لقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم .. كما أنزلنا على المقتسمين فلست بدعا من الرسل الذين آتيناهم الكتاب، فأصل الكتاب واحد، ومنزله واحد، وكل الكتب نزلناها نحن، فما يجوز أن ينكر بعضها من أنزلنا عليهم من قبل. فالذي ينزل الكتب هو أعلم بحاجة الناس في كل عصر. وهؤلاء الذين فرقوا القرآن وجعلوه عضين (جمع عضة وهو الجزء، من عضى الشاة أي فصل بين أعضائها) واقتسموه: قسما مقبولا وقسما مردودا .. هؤلاء حالفوا عن مقتضى إعطائهم الكتاب فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ وما وراء السؤال معروف.
فوائد:
١ - [حول ما قيل في السبع المثاني بمناسبة آية وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي .. ]
في قوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ أقوال ذكرنا أرجحها في صلب التفسير، فهناك من ذهب إلى أن المراد بالسبع المثاني: السبع الطول على خلاف في السابعة، هل هي يونس؟ أو الأنفال وبراءة؟ وهناك من ذهب إلى أن السبع المثاني التي تتكرر في القرآن هي الأمر والنهي، والتبشير والإنذار، والأمثال، والنعم، والأخبار، وهناك قول بأنها الفاتحة، وقد ورد في ذلك أكثر من حديث مذكور عند الكلام عن سورة الفاتحة. وبعد أن ذكر ابن كثير حديثين في هذا المقام قال (فهذا نص في أن الفاتحة السبع المثاني والقرآن العظيم، ولكن لا ينافي وصف غيرها من السبع الطول بذلك، لما فيها من هذه الصفة، كما لا ينافي وصف القرآن بكماله بذلك أيضا كما قال تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ من وجه ومتشابه من وجه، وهو القرآن العظيم أيضا. كما أنه ﵊ لما
стр. 2742
سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى فأشار إلى مسجده. والآية نزلت في مسجد قباء فلا تنافي؛ فإن ذكر الشئ لا ينفي ذكر ما عداه، إذا اشتركا في تلك الصفة والله أعلم).
٢ - [الربط بين الآيتين (٨٧) و (٨٨) من المجموعة الأخيرة في السورة]
الصلة بين قوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ وبين ما بعدها لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ... واضحة إذا المعنى: استغن بما آتاك الله من القرآن العظيم عماهم فيه من المتاع والزهرة الفانية، ومن هاهنا ذهب ابن عيينة إلى تفسير الحديث الصحيح «ليس منا من لم يتغن بالقرآن» إلى أنه يستغني به عما عداه. قال ابن كثير: (وهو تفسير صحيح ولكن ليس هو المقصود من الحديث). والخطاب وإن توجه إلى رسول الله ﷺ فهو خطاب لكل فرد من أمته. قال ابن عباس فيها: «نهي الرجل أن يتمنى ما لصاحبه» وفي سبب نزول قوله تعالى: لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ... أخرج ابن أبي حاتم بسنده كما ذكره ابن كثير عن أبي رافع صاحب النبي ﷺ قال: ضاف النبي ﷺ ضيف ولم يكن عند النبي ﷺ أمر يصلحه. فأرسل إلى رجل من اليهود: «يقول لك محمد رسول الله أسلفني دقيقا إلى هلال رجب» قال لا إلا برهن. فأتيت النبي ﷺ فأخبرته فقال: «أما والله إني لأمين من في السماء وأمين من في الأرض، ولئن أسلفني أو باعني لأؤدين إليه». فلما خرجت من عنده نزلت هذه الآية لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا إلى آخر الآية كأنه يعزيه عن الدنيا.
٣ - [حديث بمناسبة الآية وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ .. ]
بمناسبة قوله تعالى: وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ يذكر ابن كثير الحديث الموجود في الصحيحين عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: «إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قومه فقال: يا قوم إني رأيت الجيش بعيني، وإني أنا النذير العريان، فالنجاء النجاء، فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا وانطلقوا على مهلهم فنجوا، وكذّبه طائفة منهم فأصبحوا مكانهم فصبّحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعني واتبع ما جئت به، ومثل من عصاني وكذّب ما جئت به من الحق».
٤ - [حول بعض الاتجاهات في تفسير المقتسمين في آية كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ .. ]
رجحنا أثناء التفسير ما رواه البخاري عن ابن عباس في قوله تعالى: كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ* الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ وهو الذي لا يحتمل غيره وذكرنا هناك أن هناك اتجاهات أخرى في تفسير المقتسمين. ومن ذلك تفسير المقتسمين بأنهم الذين تحالفوا
стр. 2743
على مخالفة الأنبياء وتكذيبهم وأذاهم، ومن ذلك تفسير العضين بالسحر، على لغة قريش، وفي ذلك يذكر ابن إسحاق رواية عن ابن عباس هي بمثابة سبب نزول؛ لأننا رأينا أن ابن عباس في الرواية الصحيحة عنه قد فسر الآيات بما اعتمدنا هناك، وعلى هذا وفي حالة صحة ما نقله ابن إسحاق عن ابن عباس يكون سبب النزول مما يدخل ضمن عموم الآية من باب: خصوص السبب لا يمنع عموم اللفظ، أو أن ما ذكره ابن إسحاق عن ابن عباس كان تأريخا لنزول الآية وليس تفسيرا لها، ويكون بعض ما في كلام ابن إسحاق من كلامه هو لا من كلام ابن عباس، وعلى كل فهذه رواية ابن إسحاق:
أخرج ابن إسحاق بسنده الذي ذكره ابن كثير عن ابن عباس أن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش، وكان ذا شرف فيهم، وقد حضر الموسم، فقال لهم: يا معشر قريش، إنه قد حضر هذا الموسم، وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فأجمعوا فيه رأيا واحدا، ولا تختلفوا فيكذّب بعضكم بعضا، ويرد قولكم بعضه بعضا، فقالوا: وأنت يا أبا عبد شمس، فقل وأقم لنا رأيا نقول به، قال: بل أنتم قولوا لأسمع، قالوا: نقول: كاهن؟ قال: ما هو بكاهن، قالوا: فنقول: مجنون؟ قال: ما هو بمجنون، قالوا: فنقول: شاعر؟ قال: ما هو بشاعر، قالوا: فنقول: ساحر؟ قال ما هو بساحر. قالوا: فماذا نقول؟ قال: والله إن لقوله لحلاوة، فما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل، وإن أقرب القول أن تقولوا هو ساحر، فتفرقوا عنه بذلك وأنزل الله فيهم الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ...
٥ - [روايات في تفصيل قوله تعالى فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ .. ]
وفي تفصيل قوله تعالى: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ* عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ نذكر هذه الروايات:
روى الترمذي وأبو يعلى الموصلي وابن جرير وابن أبي حاتم عن أنس عن النبي ﷺ فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ قال: «عن لا إله إلا الله». وقال عبد الله بن مسعود والذي لا إله غيره ما منكم من أحد إلا سيخلو الله به يوم القيامة كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر. فيقول: ابن آدم ماذا غرّك مني بي؟ ابن آدم ماذا عملت فيما علمت؟ ابن آدم ماذا أجبت المرسلين؟.
٦ - [قول ابن مسعود بمناسبة الآية فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ]
قال ابن مسعود: ما زال النبي ﷺ مستخفيا حتى نزلت فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ فخرج هو وأصحابه.
стр. 2744
٧ - [روايات حول قوله تعالى إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ]
عند قوله تعالى: إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ذكر ابن كثير ما أخرجه البزار عن يزيد بن درهم عن أنس. قال: سمعت أنسا يقول في هذه الآية إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ قال: مرّ رسول الله ﷺ فغمزه بعضهم فجاء جبريل- قال: أحسبه قال: فغمزهم- فوقع في أجسادهم كهيئة الطعنة فماتوا. كما ذكر ما ذكره ابن إسحاق عن يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير قال: كان عظماء المستهزئين خمسة نفر، وكانوا ذوي أسنان وشرف في قومهم: من بني أسد بن عبد العزى بن قصي الأسود بن أبي رفعة كان رسول الله ﷺ فيما بلغني قد دعا عليه لما كان يبلغه من أذاه واستهزائه فقال: «اللهم اعم بصره وأثكله ولده». ومن بني زهرة الأسود بن عبد يغوث ابن وهب بن عبد مناف بن زهرة، ومن بني مخزوم الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، ومن بني سهم ابن عمر بن هصيص بن كعب بن لؤي العاص بن وائل بن هشام ابن سعيد بن سعد، ومن خزاعة الحارث بن الطلاطلة بن عمرو بن الحارث بن عمرو بن ملكان. فلما تمادوا في الشر
وأكثروا برسول الله ﷺ الاستهزاء أنزل الله تعالى: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ* إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ إلى قوله فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ.
٨ - [حديث بمناسبة قوله تعالى وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ .. ]
بمناسبة قوله تعالى: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ يذكر ابن كثير الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن نعيم بن عمار أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «قال الله تعالى: يا ابن آدم لا تعجز عن أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره». ثم ذكر ابن كثير من رواه غير أحمد ثم قال:
ولهذا كان رسول الله ﷺ «إذا حزبه أمر صلى».
٩ - [حول التفسير الصحيح لقوله تعالى وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ وتعليق عليه]
هناك اتجاه يتجه إليه بعض كفرة الصوفية في تفسير قوله تعالى: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ إذ يفسرون اليقين بمعرفة الله، ويزعمون أنه متى حصّل الإنسان هذه المعرفة سقط عنه التكليف، وابن كثير يركز في هذا المقام على التفسير الصحيح لهذه الآية ثم يرد على هذا الاتجاه وهذا كلامه.
(وقوله تعالى: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ روى البخاري ... عن سالم قال:
الموت. وسالم هذا هو سالم بن عبد الله بن عمر كما روى ابن جرير عن سالم بن عبد الله وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ قال: الموت. وهكذا قال مجاهد والحسن وقتادة
стр. 2745
وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيره والدليل على ذلك قوله تعالى إخبارا عن أهل النار أنهم قالوا: لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ* وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ* وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ* وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ* حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ (المدثر: ٤٣ - ٤٧) وفي الصحيح من حديث الزهري عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أم العلاء- امرأة من الأنصار- أن رسول الله ﷺ لما دخل على عثمان بن مظعون وقد مات قالت أم العلاء:
رحمة الله عليك أبا السائب فشهادتي عليك لقد أكرمك الله، فقال رسول الله ﷺ :
«وما يدريك أن الله أكرمه؟ فقلت: بأبي وأمي يا رسول الله فمن؟ فقال: «أما هو فقد جاءه اليقين وإني لأرجو له الخير» ويستدل بهذه الآية الكريمة وهي قوله وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ على أن العبادة كالصلاة ونحوها واجبة على الإنسان ما دام عقله ثابتا، فيصلي بحسب حاله، كما ثبت في صحيح البخاري عن عمران بن حصين ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب» ويستدل بها على تخطئة من ذهب من الملاحدة إلى أن المراد باليقين المعرفة، فمتى وصل أحدهم إلى المعرفة سقط عنه التكليف عندهم. وهذا كفر وضلال وجهل، فإن الأنبياء ﵈ كانوا هم وأصحابهم أعلم الناس بالله وأعرفهم بحقوقه وصفاته وما يستحق من التعظيم، وكانوا مع هذا أعبد وأكثر الناس عبادة ومواظبة على فعل الخيرات إلى حين الوفاة، وإنما المراد باليقين هاهنا الموت، كما قدمناه ولله الحمد والمنة. والحمد لله على الهداية، وعليه الاستعانة والتوكل، وهو المسئول أن يتوفانا على أكمل الأحوال وأحسنها؛ فإنه جواد كريم).
أقول: ويظهر أن هذا الاتجاه الذي رده ابن كثير موجود قديما وأصحابه كفار بلا شك، ومن ثم نجد الجنيد يقول عن ناس يتركون الصلاة لأنهم في زعمهم قد وصلوا قال: نعم وصلوا ولكن إلى سقر.
ولا زال هذا النوع من الصوفية الكفرة موجودين حتى الآن. وحكم الله فيهم أن يقتلوا أو يتوبوا.
كلمة في سورة الحجر وعلاقتها بالسور التي بعدها:
تشبه سورة الحجر سورة الأعراف من ناحيتين:
١ - في أسلوبها، وكثير من مضامينها، ومعانيها، وكلماتها.
стр. 2746
٢ - وفي كون ما بعد سورة الأعراف تفصيل لمعنى ضارب في أعماق سورة البقرة، ونحن عند ما نفتش عن محاور للسور الأربعة بعد الحجر فإننا نراها في الآيات التالية:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ* فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ، فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ* هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ «هذه محور سورة النحل».
سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ «هذه محور سورة الإسراء».
زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ «هذه محور سورة الكهف».
كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ «هذه محور سورة مريم».
هذه الآيات الأربع جاءت في سياق أمر من أهم الأوامر وهو الدخول في الإسلام كله، وفي سياق نهي هو الانتهاء عن اتباع خطوات الشيطان، ولقد ذكرنا أثناء تفسير سورة البقرة كيف أن كل معنى من معاني هذه الآيات الأربع يخدم هدف هذا الأمر والنهي، ولكن خدمته لهذا الأمر والنهي يحتاج إلى تفصيل شامل، ومن ثم جاءت سور كاملة تفصّل هذه الآيات.
ولذلك فإن سورة الحجر من هذه الحيثية تعتبر مقدمة لهذه السور، وهذه السور الخمس بمجموعها تشكل مجموعة مربّية على هذه المعاني القرآنية.
ومن ثم نلاحظ ورود قوله تعالى في سورة الحجر: الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ وهو معنى له صلة بالدخول في الإسلام كله، ثمّ إن سورة الحجر قد فصّلت قطاعات كثيرة في سورة البقرة هي بمثابة المقدمة لقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ.
стр. 2747
وهكذا فإن سورة الحجر مقدمة للسور الأربع التي تفصّل الآيات الداخلة في حيز هذه الآية وهذا شئ ليس لنا عليه دليل إلا المعاني.
بين يدي السور الأربع التالية: [(النحل، الإسراء، الكهف، ومريم)]
مرّ معنا من قبل أن كلّ سورة تأتي بعد سورة البقرة لها محورها من سورة البقرة، وأن السورة تفصّل في محورها وفي امتدادات معاني هذا المحور من سورة البقرة، وقد رأينا نماذج كثيرة على ذلك، وقد آن الأوان أن نذكر جديدا في موضوع الوحدة القرآنية.
...........
إنك تجد آية من آيات سورة البقرة قد أتت محورا لسورة من السور، كآية اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ ... فهذه الآية كما رأينا جاءت محورا لسورة إبراهيم ﵇، ولو أنك رجعت إلى هذه الآية في سورة البقرة لوجدتها آتية في سياق قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ .. لقد رأينا أثناء عرضنا لسورة البقرة أن المقطع الثاني من القسم الثالث يبدأ بهذه الآية وقد جاء في سياقها قوله تعالى: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ فهذه الآية تخدم سياق مقطعها وقسمها، فهي آتية في حيز معيّن، والملاحظ أن الآية الآتية في حيز ما، عند ما تأتي كمحور لسورة، فإن السورة في هذه الحالة تفصّل بما يخدم تفصيل المحور مراعى في ذلك محل هذا المحور في سياقه، لاحظ كمثال على ذلك أن سورة إبراهيم قد ورد فيها قوله تعالى: قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ.
لاحظ صلة ذلك بقوله تعالى في سورة البقرة: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ.
فسورة إبراهيم تفصّل محورها الآتي في حيّز قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ ....
يبدأ القسم الثالث من أقسام سورة البقرة بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا
стр. 2748
فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ* فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ثم تأتي بعد ذلك مباشرة أربع آيات تخدم هذا المعنى الذي بدأ به هذا القسم. وسنرى أن السور الأربع الآتية كل منها يفصّل في آية من هذه الآيات فتكون كل منها محورا لسورة من السور الأربع.
ولكن كما رأينا فكل آية من هذه الآيات آتية في حيّز الأمر بالدخول في الإسلام كله، وفي حيز النهي عن اتباع خطوات الشيطان، ولذلك فإن كل سورة من السور الأربع تفصّل محورها المرتبط بسياقه من سورة البقرة، فهي تفصّل آيه في الحيّز الذي جاءت فيه، ولذلك فإننا نجد في السور الأربع ما له صلة بتعميق التمسك في الإسلام كله، وبتعميق البعد عن متابعة خطوات الشيطان، زيادة على ما في السور الأربع من تفصيل للآية التي هي محور السورة.
وسنرى ذلك واضحا إذا جاءت مناسبته فلنبدأ عرض سورة النحل.
***
стр. 2749
سورة النّحل
وهي السّورة الثانية من المجموعة الثانية من قسم المئين وهي السّورة السّادسة عشرة بحسب رسم القرآن وهي مكيّة وهي مائة وثمان وعشرون آية
стр. 2750
بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله وآله وأصحابه ربّنا تقبّل منّا، إنّك أنت السّميع العليم
стр. 2751
قال الألوسي في تقديمه لسورة النّحل:
«وتسمى كما أخرجه ابن أبي حاتم سورة النعم قال ابن الفرس: لما عدد الله تعالى فيها من النعم على عباده، وأطلق جمع القول بأنها مكية، وأخرج ذلك ابن مردويه عن ابن عباس. وابن الزبير ﵃، وأخرج النحاس من طريق مجاهد عن الحبر أنها نزلت بمكة سوى ثلاث آيات من آخرها فإنهن نزلن بين مكة والمدينة في منصرف رسول الله ﷺ من أحد، وفي رواية عنه أنها كلها مكية إلا قوله تعالى: وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا إلى قوله سبحانه: بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ وروى أمية الأزدي عن جابر بن زيد أن أربعين آية منها نزلت بمكة، وبقيتها نزلت بالمدينة، وهي مائة وثمان وعشرون آية، قال الطبرسي وغيره: بلا خلاف، والذي ذكره الداني في كتاب العدد أنها تسعون وثلاث، وقيل أربع، وقيل خمس في سائر المصاحف، وتحتوي على المنسوخ، قيل على أربع آيات بإجماع، وعلى آية واحدة على اختلاف فيها، وسيظهر لك حقيقة الأمر في ذلك إن شاء الله تعالى، ولما ذكر في آخر السورة السابقة المستهزءون المكذبون له ﷺ ابتدئ هنا بعد قوله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ بقوله : أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ المناسب لذلك على ما ذكر غير واحد في معناه وسبب نزوله. وفي
البحر بيان وجه الارتباط أنه تعالى لما قال: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ كان ذلك تنبيها على حشرهم يوم القيامة وسؤالهم عما فعلوه في الدنيا فقيل: أَتى أَمْرُ اللَّهِ فإن المراد به على قول الجمهور يوم القيامة، وذكر الجلال السيوطي أن آخر الحجر شديدة الالتئام بأول هذه، فإن قوله سبحانه: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ الذي هو مفسر بالموت ظاهر المناسبة بقوله سبحانه هنا: أَتى أَمْرُ اللَّهِ وانظر كيف جاء في المتقدمة يَأْتِيَكَ بلفظ المضارع وفي المتأخرة أَتى بلفظ الماضي لأن المستقبل هنا سابق على الماضي كمّا.
كلمة في سورة النحل ومحورها:
تأتي سورة النحل تفصيلا لقوله تعالى في سورة البقرة: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ
الآتية في حيز قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ* فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا
стр. 2752
أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ فإذا كانت آية هَلْ يَنْظُرُونَ .... جاءت معانيها لتخدم معنى الدخول في الإسلام كله، وترك اتباع خطوات الشيطان فإن سورة النحل جاءت تفصيلا لهذا كله.
ومن ثم نلاحظ في سورة النحل مثل قوله تعالى: أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ .... وهو يصل بسبب إلى قوله تعالى إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ .... وَقُضِيَ الْأَمْرُ. فإذا عرفنا أن هذه أول آية في سورة النحل أدركنا الصلة بين السورة والآية.
كما نجد في سورة النحل قوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وهو يصل بسبب إلى الآية التي هي محور هذه السورة، كما نجد في سورة النحل: وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ وهي تصل بسبب إلى قوله تعالى: ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ونجد قوله تعالى فيها إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ وهي تصل بسبب إلى الأمر بالدخول في الإسلام كله، وترك اتباع خطوات الشيطان.
...
وإذن فمن الآن نستطيع أن نقول:
جاءت الآية هَلْ يَنْظُرُونَ .... في سورة البقرة لتخدم الأمر بالدخول في الإسلام كله، وترك اتباع خطوات الشيطان ... لأن من لا يؤمن بالله وباليوم الآخر وما يكون فيه لا يطبق الإسلام كله ولا يترك اتباع خطوات الشيطان وكيف يفعل ذلك؟ وفيه ما فيه من ترك لذاذات وشهوات، وتأتي سورة النحل لتفصّل مقاطعها في كل ما يحتاجه هذا المعنى من تفصيلات: إنّ في تصوير ما سيحدث يوم القيامة، أو في التدليل على وجود الله الذي يعتبر الإيمان باليوم الآخر فرع الإيمان به، أو في التدليل على اليوم الآخر، أو في التذكير به، أو فيما ينبغي على أهل الإيمان بالله واليوم الآخر من التزام كامل بالأوامر والنواهي، مع تفصيلات لبعض هذه الأوامر والنواهي، تميّز مواقف هذه الأمة المؤمنة بالله واليوم الآخر، مع تفصيلات تطمئن المسلم في دنياه وأخراه، مع توجيهات للداعية لهذا الدين، إلى غير ذلك مما سنراه .. مما يخدم الآية المفصّلة في الحيّز الذي جاءت هي لخدمته.
...
стр. 2753
تتألف سورة النحل من قسمين رئيسيين:
القسم الأول يمتد من أول السورة حتى قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى ... وهو تسع وثمانون آية، والقسم الثاني من قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ ... إلى نهاية السورة وهو تسع وثلاثون آية.
القسم الأول يضع الأساس النظري.
والقسم الثاني يبني على الأساس النظري فيأمر وينهى ويوجّه ويؤدّب.
والقسم الأول ثلاثة مقاطع والقسم الثاني مقطع واحد يتألف من مقدمة هي آية واحدة وهي قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. ثم من خمس مجموعات.
ولنبدأ عرض السورة:
стр. 2754
القسم الأول ويتألف من ثلاثة مقاطع
[المقطع الأول من القسم] ويمتدّ من أول السورة حتى نهاية الآية (١٨) وهذا هو:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ١٦/ ١٨ - ١
стр. 2755
التفسير:
أَتى أَمْرُ اللَّهِ هذا إخبار منه تعالى عن اقتراب الساعة ودنوّها معبّرا بصيغة الماضي الدالّ على التحقيق والوقوع لا محالة، والمراد بأمره: أمره بقيام الساعة، والتعبير بالماضي عن المستقبل مستعمل عند العرب ويفيد بلاغيا التحقيق. فقوله تعالى هنا أَتى أَمْرُ اللَّهِ يفيد أن أمره بمنزلة الآتي الواقع لقرب وقوعه فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ أي فلا تستعجلوا الله فإن الله لا يعجل لعجلة أحد، أو فلا تستعجلوا عذاب الله إذا جاء أمره، والخطاب للكافرين لأنهم هم الذين يستعجلون قرب ما تباعد فإنه آت وكأن قد.
ثم إنه تعالى نزّه نفسه عن إشراكهم به غيره، وعبادتهم معه ما سواه من الأوثان والأنداد فقال: سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ تبرّأ جلّ وعزّ عن أن يكون له شريك وعن إشراكهم، واتصال هذا المعنى باستعجالهم النابع عن استهزائهم وتكذيبهم يدل على أن ذلك من الشرك، فلو عرفوا الله ووحّدوه لأسلموا له، ولم يستعجلوا ويستهزءوا ويكذّبوا، ومن هنا نفهم أن التوحيد أوسع بكثير مما يظنّه الجاهلون، كما سنرى
يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ أي بالوحي أو بالقرآن وهو من الوحي، وسمي الوحي والقرآن روحا لأنه يقوم في الدين مقام الروح في الجسد، أو لأنه يحيي القلوب
стр. 2756
الميتة مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وهم الأنبياء أَنْ أَنْذِرُوا أي لينذروا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا هذه هي محور دعوة الأنبياء والرسل، وهذا محور الوحي كله التوحيد، فكل وحي أنزله الله إنما هو من أجل تقرير التوحيد وتأكيده وتفهيمه وتعليمه، فدعوة الرسل من بدايتها إلى نهايتها، وكل ما شرع الله لعباده إنما هو من أجل تقرير هذه الحقيقة وتوكيدها، والقرآن الكريم الذي هو أعظم كتاب منزل إنما هو من أوله لآخره شرح لهذه الحقيقة، وتعليم لها، وتذكير بها، وحماية لها فَاتَّقُونِ أي فاتقوا عقوبتي لمن خالف أمري وعبد غيري، وإذ كان الوحي كله من أجل التوحيد، فقد بدأت الآيات تعرّفنا على الله، وتؤكّد وحدانيته، وتدلّنا عليه وعلى أنّه واحد
خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ لا للعبث، ومن كان هذا فعله الذي هو آثار صفاته يتعالى عن أن يشرك به غيره لذلك قال: تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ هو المستقل بخلق السموات والأرض. وحده، فلهذا يستحق أن يعبد وحده فكيف يشركون به غيره، وهو خالقهم، وخالق كل ما يحتاجون إليه، مما ستأتي تفصيلاته، ألا إنها الخصومة لله رب العالمين، ومن ثم نجد السياق يقرّر:
خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أي مهينة ضعيفة، فلما استقل ودرج فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ أي إذا هو يخاصم ربه تعالى، ويكذّبه، ويحارب رسله، وهو إنما خلق ليكون عبدا لا ضدا، وهو وصف للإنسان بالوقاحة والتمادي في كفران النعمة، ومن رأى آلاف الكتب التي تطرح يوميا في عصرنا، وكلها خصومة لله، وإنكار لوجوده، أدرك الوصف، والآية كما هي إنكار على الإنسان، فإن فيها تدليلا على الله، فإن هذا الإنسان الذي أصله هذه النطفة في حقارتها وصغرها، هو هذا المنطيق المجادل المخاصم ليس لبني البشر فحسب بل لله رب العالمين.
ولقد قال صاحب الظلال عند هذه الآية خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ: (ويا لها من نقلة ضخمة بين المبدأ والمصير، بين النطفة الساذجة والإنسان المخاصم، الذي يخاصم خالقه فيكفر به، ويجادل في وجوده، أو في وحدانيته. وليس بين مبدئه من نطفة وصيرورته إلى الجدل والخصومة فارق ولا مهلة، فهكذا يصوره التعبير، ويختصر المسافة بين المبدأ والمصير، لتبدو المفارقة كاملة، والنقلة بعيدة، ويقف الإنسان بين مشهدين وعهدين متواجهين: مشهد النطفة المهينة الساذجة، ومشهد الإنسان الخصيم المبين وهو إيجاز مقصود في التصوير).
стр. 2757
وهكذا نجد أن السورة بدأت بتبيان أن استعجال العذاب شرك، ثم بينت أن الرسل بعثوا بالتوحيد، ثم بدأت تقرر أدلة التوحيد إجمالا وتفصيلا لا من خلال ظاهرة الخلق وظاهرة العناية، إذ كل شئ مسخّر للإنسان، فمن الذي فعل هذا كله إلا الله الواحد الأحد.
وَالْأَنْعامَ أي الإبل والبقر والغنم والماعز خَلَقَها فليس ثم خالق غيره لَكُمْ فِيها دِفْءٌ من أصوافها وأوبارها وأشعارها تلبسون وتفترشون وغير ذلك وَمَنافِعُ في نسلها ودرّها وَمِنْها تَأْكُلُونَ لحما
وَلَكُمْ فِيها زيادة على ما مرّ جَمالٌ فالمتعة في النظر إليها نعمة كذلك حِينَ تُرِيحُونَ أي وقت رجوعها من المرعى فإنّها تكون أمدّه خواصر وأعظمه ضروعا وأعلاه أسنمة وَحِينَ تَسْرَحُونَ أي غدوة حين تبعثونها إلى المرعى. قال النسفي: (منّ الله تعالى بالتجمل بها، كما منّ بالانتفاع بها، لأنه من أغراض أصحاب المواشي، لأن الرعيان إذا روّحوها بالعشي، وسرّحوها بالغداة، تزيّنت بإراحتها وتسريحها الأفنية، وفرحت أربابها وأكسبتهم الجاه والحرمة عند الناس، وإنما قدمت الإراحة على التسريح لأن الجمال في الإراحة أظهر إذا أقبلت ملأى البطون حافلة الضروع).
وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ أي أحمالكم الثقيلة التي تعجزون عن نقلها وحملها إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ.
والمعنى وتحمل الإبل أحمالكم إلى بلد لم تكونوا واصلين إليه لو لم تخلق الإبل إلا بجهد ومشقة، لأنكم ستضطرون أن تحملوا أثقالكم على ظهوركم في الحج والعمرة والغزو والتجارة، وما جرى مجرى ذلك، فخفّف الله عنكم بأن خلقها لكم تستعملونها أنواع الاستعمال من ركوب وتحميل إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ حيث رحمكم بخلق هذه، ويسّر لكم الاستفادة منها، وكما خلق لكم الأنعام فقد خلق لكم غيرها
وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً أي خلقها للركوب وللزينة وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ للركوب والزينة، ويدخل في ذلك السيارات والطيارات والقطارات والسفن وغير ذلك.
[نقل: لصاحب الظلال حول قوله تعالى وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ]
قال صاحب الظلال عند قوله تعالى: وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ.: (يعقّب بها على خلق الأنعام للأكل والحمل والجمال، وخلق الخيل والبغال والحمير للركوب والزينة.
стр. 2758
ليظل المجال مفتوحا في التصور البشري لتقبل أنماط جديدة من أدوات الحمل والنقل والركوب والزينة، فلا يغلق تصورهم خارج حدود البيئة، وخارج حدود الزمان الذي يظلهم، فوراء الموجود في كل مكان وزمان صور أخرى، يريد الله للناس أن يتوقعوها فيتسع تصورهم وإدراكهم، ويريد لهم أن يأنسوا بها حين توجد، أو حين تكتشف، فلا يعادوها ولا يجمدوا دون استخدامها والانتفاع بها. ولا يقولوا: إنما استخدم آباؤنا الأنعام والخيل والبغال والحمير فلا نستخدم سواها، وإنما نص القرآن على هذه الأصناف فلا نستخدم ما عداها.
إن الإسلام عقيدة مفتوحة مرنة قابلة لاستقبال طاقات الحياة كلها، ومقدرات الحياة كلها، ومن ثم يهيئ القرآن الأذهان والقلوب لاستقبال كل ما تتمخّض عنه القدرة، ويتمخض عنه العلم، ويتمخض عنه المستقبل. استقباله بالوجدان الديني المتفتح المستعد لتلقي كل جديد في عجائب الخلق والعلم والحياة.
ولقد وجدت وسائل للحمل والنقل والركوب والزينة لم يكن يعلمها أهل ذلك الزمان. وستجدّ وسائل أخرى لا يعلمها أهل هذا الزمان. والقرآن يهيئ لها القلوب والأذهان، بلا جمود ولا تحجر وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ).
...
وفي وسط الحديث عن نعم الله المادية على الإنسان نبّه على الطرق المعنويّة الدينية إذ هي أعلى أنواع النعم، وكثيرا ما يقع في القرآن مثل هذا إذ يعبر بك السياق من أمر حسي إلى أمر معنوي مناسب، ثم يعود السياق إلى ما كان عليه وذلك أسلوب في التربية آثاره جليلة وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ قال الزجاج: (معناه وعلى الله تبيين الطريق الواضح المستقيم، والدعاء إليه بالحجج). والسبيل القصد هو الطريق المستقيم والخط المستقيم هو أقرب بعد بين نقطتين وَمِنْها جائِرٌ أي ومن الطرق حائد مائل زائغ عن الاستقامة. قال ابن عباس وغيره: هي الطرق المختلفة والآراء والأهواء المتفرقة كاليهودية والنصرانية والمجوسية، فطريق الحق بيانه على الله وكل طريق إلا طريقه ظالمة مائلة زائفة زائغة حائدة لا توصل إليه فهي مضيعة، والأعمال فيها مردودة ثم أخبر تعالى أن ذلك كله كائن عن قدرته ومشيئته فقال: وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ أي لخلق فيكم الهداية كما بيّنها لكم، ولكنه أمضى فيكم سنته وأقام عليكم الحجة.
стр. 2759
ثم يعود السياق إلى تعداد النعم الحسيّة هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ قال ابن كثير: وهو العلو ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ أي جعله عذبا زلالا يسوغ لكم شرابه، ولم يجعله ملحا أجاجا وَمِنْهُ شَجَرٌ أي وأخرج لكم منه شجرا فِيهِ تُسِيمُونَ أي ترعون أنعامكم
يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ أي بالمطر إذ الأنهار والعيون والآبار كل ذلك أصله مطر الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ بأن يخرجها من الأرض بهذا الماء إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً أي دلالة. وحجة على وجوده ووحدانيته لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ فيستدلون بها عليه وعلى قدرته وحكمته وعنايته وإرادته، أما الذين لا يتفكرون فهؤلاء وحدهم الذين لا يرون، فمن تفكّر رأى، وإن هؤلاء الذين يلحدون مصيبتهم أنهم لا يتفكرون، ولا يشعرون أنهم لا يتفكرون بل يظنون أنفسهم أنهم مفكرون،
ثمّ عدّد الله نعما عظيمة وجسيمة أخرى على هذا الإنسان: وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ للسكن والإبصار وغير ذلك وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كل منهما يؤدي وظيفته في المساعدة على صلاحية الحياة للاستمرار وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ لخدمة هذا الإنسان، إن الكرة الأرضية جزء من المجموعة الشمسية، والمجموعة الشمسية جزء من المجرّة، والمجرّة جزء من هذا الكون الواسع، فالنجوم تخدم وجود هذا الإنسان على الأرض بأشكال شتى، ومن ذلك اهتداء الإنسان في ظلمات البر والبحر بها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أي لدلالات واضحات وليس آية واحدة لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ لقوم عندهم عقل يحكّمونه فيعرفون الظاهرة وما تدلّ عليه، وذكر العقل بعد ذكر الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم للإشارة على أن الدلالة في هذه على القدرة أبهر والشهادة فيها على الكبرياء والعظمة أبين ومن ثمّ فيكفي أن يكون للإنسان عقل حتى يعرف الله بذلك
وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ أي وما خلق فيها من حيوان وشجر وثمر وسهل وجبل وغير ذلك مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ لكل ألوانه الكثيرة التي تثير إحساسات الشعور بالجمال والمتعة والتفكير عند الإنسان إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ آلاء الله ونعمه فيشكرونها، ونلاحظ في أكثر من مكان في هذه الآيات أن الله يمنّ على الإنسان بما خلق مما يثير إحساسات المشاعر الجمالية التي هي نعمة من نعمه تعالى، فإن يخلق كل شئ للإنسان، وأن يخلق هذا الإنسان بحيث يستفيد من هذا الكون بكل أنواع الاستفادة من الإحساس بجماله إلى غير ذلك، فهذا كله يدل على الله بشكل قطعي، وتفصيلات هذا في كتابنا (الله ﷻ
وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ
стр. 2760
العظيم المتلاطم الأمواج المخيف، يمنّ الله على عباده بتذليله وتيسيره لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا فلحم حيواناته أكثر أنواع اللحوم طراوة وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً كاللؤلؤ والمرجان تَلْبَسُونَها أي تلبسها نساؤكم لكم، وإنّما يتزيّن من أجلهم فكأنها زينتهم ولباسهم وَتَرَى الْفُلْكَ أي السفن مَواخِرَ فِيهِ أي جواري تجري فيه جريا، وتشق الماء شقا وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ بالتجارة والتصدير والاستيراد وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ الله على ما أنعم عليكم به
وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أي جبالا ثوابت أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ أي لئلا تضطرب، ومن المعروف الآن في علم الجيولوجيا أنه لولا الجبال لكانت تمزقات القشرة الأرضية والبراكين والزلازل من الكثرة بحيث تستحيل الحياة وَأَنْهاراً أي وجعل فيها أنهارا وَسُبُلًا أي طرقا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ أي إلى مقاصدكم
وَعَلاماتٍ أي وجعل فيها علامات وهي معالم الطرق وكل ما يستدل به السابلة من جبل وغير ذلك وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ أي وبالنجم خصوصا هم يهتدون، وهل المراد
به نجم واحد فيكون نجم القطب، أو كل جنس النجم فيكون المراد كل النجوم؟ المرجح الثاني، وهداية الإنسان في صحرائه وبحره وأرضه بواسطة النجم شئ معروف على تفاوت بين الناس في هذا الموضوع، ومن المعلوم أن الدول البحرية تصدر كتبا سنوية ليستطيع البحارة بواسطة آلات معينة أن يعرفوا مكانهم من خلال مواقع النجوم في اللحظة التي هم فيها
أَفَمَنْ يَخْلُقُ وهو الله كَمَنْ لا يَخْلُقُ كغيره ممّن سمّوهم آلهة أَفَلا تَذَكَّرُونَ فتعرفون أن العبادة لا تنبغي إلا له إقرارا وشكرا،
ثم نبّه على كثرة نعمه وإحسانه فقال: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها أي لا تضبطوا عددها، ولا تبلغه طاقتكم، فضلا أن تستطيعوا القيام بحقها من أداء الشكر، وإنّما أتبع ذلك ما عدّد من نعمه تنبيها على أن ما وراءها لا ينحصر ولا يعدّ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ أي يتجاوز عنكم، ولو طالبكم بشكر جميع نعمه لعجزتم عن القيام بذلك، ولو أمركم به لضعفتم وتركتم، ولو عذّبكم لعذّبكم وهو غير ظالم لكم، ولكنّه غفور رحيم، يغفر الكثير، ويجازي على اليسير، قال ابن جرير في ذلك: إن الله لغفور لما كان منكم من تقصير في شكر بعض ذلك إذا تبتم وأنبتم إلى طاعته واتباع مرضاته، رحيم بكم لا يعذبكم بعد الإنابة والتوبة، وهكذا قررت الآيات وحدانية الله من خلال تقرير أنه الخالق وحده، وأنّه هو الذي سخّر كل شئ لصالح الإنسان، فقامت الحجة على وجوده بذلك، وعلى استحقاقه وحده العبادة شكرا له.
стр. 2761
كلمة في السياق: [حول معاني المقطع ومدى صلته بمحور السورة]
بدأت السورة بتقرير أن يوم القيامة آت، ونزّهت الله عن الشرك، وبيّنت أن الرسل بعثوا بالتوحيد. ثم ذكرت بعض ما خلق الله، وعدّدت نعمه، وفي ذلك برهان على التوحيد، ومن ثم برهان على اليوم الآخر، وهكذا وضعت هذه الآيات الأساس الأول في فهم قضية التوحيد التي تبنى عليها طاعة الله في كل ما أمر، والتي هي الأساس لفهم قضية اليوم الآخر المؤيد الأول لهذا التوحيد في مدلوله الواسع الذي منه الدخول في الإسلام كله، وترك اتباع خطوات الشيطان، إن الآيات التي مرّت معنا أفهمتنا أن الله سيقيم القيامة، والذي فعل هذا كله حري أن يطاع في كل أمر، وأن يتبع دينه كله شكرا له، فلنتذكر أن الآية التي هي محور سورة النّحل قالت: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ
إن هذه الآية جاءت بعد الأمر بالدخول في الإسلام، وترك اتباع خطوات الشيطان، فكأنها تقول: ادخلوا في الإسلام، واتركوا خطوات الشيطان، فها هي القيامة قد قامت، فهل تنتظرون قيامها لتعقلوا؟ إنّه لا ينفعكم وقتذاك عمل، وهاهنا بدأ هذا المقطع بالتذكير أن أمر الله آت ليطالبنا بعد ذلك بالتوحيد والشكر اللذين يقابلهما الشرك والكفران: الأولان إسلام، والآخران من اتّباع خطوات الشيطان.
فوائد:
١ - [روايات بمناسبة قوله تعالى أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ .. ]
بمناسبة قوله تعالى: أَتى أَمْرُ اللَّهِ ...... ذكر ابن كثير ما أخرجه ابن أبي حاتم عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : «تطلع عليكم عند الساعة سحابة سوداء من المغرب مثل الترس، فما تزال ترتفع في السماء، ثم ينادي مناد فيها: يا أيها الناس فيقبل الناس بعضهم على بعض: هل سمعتم؟ فمنهم من يقول نعم ومنهم من يشك، ثم ينادي الثانية: يا أيها الناس فيقول الناس بعضهم لبعض هل سمعتم؟ فيقولون نعم: ثم ينادي الثالثة: يا أيها الناس أتى أمر الله فلا تستعجلوه» قال رسول الله ﷺ «فو الذي نفسي بيده إن الرجلين لينشران الثوب فما يطويانه أبدا، وإن الرجل ليمدّن حوضه فما يسقي فيه شيئا أبدا، وإن الرجل ليحلب ناقته فما يشربه أبدا- قال:
ويشتغل الناس».
стр. 2762
٢ - [حديث بمناسبة الآية خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ .. ]
بمناسبة قوله تعالى: خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ذكر ابن كثير الحديث الذي رواه الإمام أحمد وابن ماجه عن بشر بن جحاش قال: بصق رسول الله ﷺ في كفه ثم قال: يقول الله تعالى: ابن آدم: أنّى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه، حتى إذا سوّيتك فعدلتك مشيت بين برديك وللأرض منك وئيد، فجمعت ومنعت، حتى إذا بلغت الحلقوم قلت أتصدق؟ وأنّى أوان الصدقة؟».
٣ - [مسائل فقهية بمناسبة الآية وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها .. ]
تثور مسائل فقهية بمناسبة قوله تعالى وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ فقد دلّ النص على جواز ركوب هذه الدواب ومنها البغال فما حكم إنزاء الحمر على الخيل؟ وما حكم أكل لحم الخيل خاصة وقد ذكرت مع نوعين حرّم الله أكل لحومها، فممن ذهب إلى حرمة أكل لحم الخيل أبو حنيفة وحجته الآية، بأن الله علّل خلقها للركوب والزينة، ولم يذكر الأكل بعد ما ذكره في الأنعام، ومنفعة الأكل أقوى، والآية سيقت لبيان النعمة ولا يليق بالحكيم أن يذكر في مواضع المنّة أدنى النعمتين ويترك أعلاهما، وذهب بقية الأئمة إلى جواز ذلك، وقد تحدث ابن كثير عن الموضوعين اللذين ذكرناهما عند الآية فقال: (هذا صنف آخر مما خلق ﵎ لعباده، يمتن به عليهم، وهو الخيل والبغال والحمير، التي جعلها للركوب والزينة بها وذلك أكبر المقاصد منها، ولما فصلها من الأنعام وأفردها بالذكر استدلّ من استدل من العلماء ممّن ذهب إلى تحريم لحوم الخيل بذلك على ما ذهب إليه فيها، كالإمام أبي حنيفة ﵀، ومن وافقه من الفقهاء، بأنه تعالى قرنها
بالبغال والحمير، وهي حرام، كما ثبتت به السنة النبوية، وذهب إليه أكثر العلماء، وقد روى الإمام أبو جعفر بن جرير بسنده عن ابن عباس أنه كان يكره لحوم الخيل والبغال والحمير، وكان يقول: قال الله تعالى: وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ فهذه للأكل وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها فهذه للركوب، وروى الإمام أحمد في مسنده ... عن خالد بن الوليد ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمير. وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث صالح بن يحيى بن المقدام- وفيه كلام- به، وروى الإمام أيضا ... عن المقدام بن معد يكرب قال: غزونا مع خالد بن الوليد الصائفة فقرم (١) أصحابنا إلى اللحم، فسألوني رمكة (٢)، فدفعتها إليهم، فحبلوها:- أي ربطوها بالحبل- ليذبحوها وقلت:
стр. 2763
مكانكم حتى آتي خالدا فأسأله، فأتيته فسألته فقال: غزونا مع رسول الله ﷺ غزوة خيبر، فأسرع الناس في حظائر يهود، فأمرني أن أنادي الصلاة جامعة، ولا يدخل الجنة إلا مسلم. ثم قال: «أيها الناس: إنكم قد أسرعتم في حظائر يهود، ألا لا يحل أموال المعاهدين إلا بحقها، وحرام عليكم لحوم الحمر الأهلية، وخيلها وبغالها، وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير».
٤ - [إحدى المعجزات القرآنية في الآية وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ]
من المعجزات الموجودة في الآيات السابقة ما ورد في قوله تعالى: وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ هذه المعجزة متضمّنة في قوله تعالى وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ فبعد أن ذكر أدوات الركوب المعروفة وقت نزول هذا النص، أشارت الآية إلى مركوبات للإنسان ستخلق لا يعلمها الإنسان حين نزول النص، وهذا الذي رأيناه في عصرنا أكثر من أي عصر مضى، وإذ كان القرآن خطابا لكل عصر، فهذا يفيد أن ما سيخلقه مما يركبه الإنسان ويكون زينة له سيكون متطورا يأتي في العصور اللاحقة ما لا يعلمه أهل العصور السابقة.
ولننتقل إلى المقطع الثاني ويتألف من ست مجموعات ومقدمة، ومن ثم فسنعرض كل مجموعة من مجموعاته على حدة
***
стр. 2764
المقطع الثاني [من القسم وهو الآيات (١٩ - ٦٤)]
ويتألف من مقدمة وست مجموعات ويمتد من الآية (١٩) إلى نهاية الآية (٦٤) وسنعرضه على أجزاء بسبب طوله بادئين بعرض مقدمة المقطع.
مقدمة المقطع الثاني وتمتد من الآية (١٩) إلى نهاية الآية (٢٣) وهذه هي:
١٦/ ٢٣ - ١٩
التفسير:
وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ يخير تعالى أنه يعلم الضمائر والسرائر كما يعلم الظواهر، وفي الآية وعيد يفيد أنّه تعالى سيجزي كل عامل بعمله يوم القيامة، إن خيرا فخير؛ وإن شرا فشر
وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي والآلهة الذين يدعونهم الكفار لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ ومن كان كذلك كان عبدا لا ربا، فكيف إذا كان زيادة على ذلك ميتا
أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ أي هي جمادات لا أرواح فيها، فلا تسمع ولا تبصر ولا تعقل وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ أي لا يدرون متى تكون الساعة، فكيف يرتجى عند هذه نفع أو ثواب أو جزاء؟! إنما يرجى ذلك من الذي يعلم كل شئ وهو خالق كل شئ، وهكذا نفى عنهم خصائص الإلهية بنفي كونهم خالقين أحياء لا يموتون، عالمين بوقت البعث، وأثبت لهم صفات الخلق بأنهم مخلوقون أموات جاهلون بالبعث، ومعنى أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ:
стр. 2765
أنهم لو كانوا آلهة على الحقيقة لكانوا أحياء غير أموات، أي غير جائز عليهم الموت، بينما هم بالعكس من ذلك إما أموات على الحقيقة، أو يمكن أن يطرأ عليهم الموت، والضمير في (يبعثون) للداعين، أي لا تشعر هذه الآلهة المزعومة متى تبعث عبدتهم، وفيه تهكّم بالمشركين، وأن آلهتهم لا يعلمون وقت بعثهم فكيف يكون لهم وقت جزاء منهم على عبادتهم؟ وفيه دلالة على أنّه لا بد من البعث
إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ أي ثبت بما مرّ أنّ الإلهية لا تكون لغير الله، فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ أي للوحدانية وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ عن الإقرار بالوحدانية، وعن مضموناتها، وعن عبادة الله
لا جَرَمَ أي حقا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ أي سرهم وعلانيتهم أي وسيجزيهم على ذلك أتم الجزاء إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ وهم الذين أشركوا به غيره.
قال صاحب الظلال بمناسبة قوله تعالى: إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ: «فالذين لا يسلّمون بهذه الحقيقة، ولا يؤمنون بالآخرة- وهي فرع عن الاعتقاد بوحدانية الخالق وحكمته وعدله- هؤلاء لا تنقصهم البراهين، إنما تكمن العلة في كيانهم وفي طباعهم. إن قلوبهم منكرة جاحدة لا تقر
بما ترى من الآيات، وهم مستكبرون لا يريدون التسليم بالبراهين والاستسلام لله والرسول. فالعلة أصلية، والداء كامن في الطباع والقلوب.
والله الذي خلقهم يعلم ذلك منهم. فهو يعلم ما يسرون وما يعلنون. يعلمه دون شك ولا ريب ويكرهه فيهم. إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ فالقلب المستكبر لا يرجى له أن يقتنع أو يسلم. ومن ثم فهم مكروهون من الله لاستكبارهم الذي يعلمه من يعلم حقيقة أمرهم ويعلم ما يسرون وما يعلنون.
كلمة في السياق:
هذه الآيات مقدمة لمجموعات المقطع الثاني، وهي امتداد للمقطع السابق من حيث إنها تقرر وحدانية الله، وتقرر مجئ اليوم الآخر، وتقيم الحجة على المشركين وتتوعدهم وتصفهم بالمستكبرين، وأن الله لا يحبهم، وبعد هذه المقدمة تأتي المجموعة الأولى في هذا المقطع وهي تحدد موقف المستكبرين من القرآن، وما يستحقون بسبب ذلك، وموقف المؤمنين من القرآن وما يستحقون بسبب ذلك، ومن ثم فالمجموعة هذه تحدّد جزاء من
стр. 2766
دخل بالإسلام كله، وجزاء من اتبع خطوات الشيطان، وهكذا تسير السورة شيئا فشيئا في التربية على الدخول في الإسلام كله، وترك اتباع خطوات الشيطان من خلال التعريف على الله، والتحذير مما أعده الله لمن استكبر عن الدخول في دينه. فلنر المجموعة الأولى من المقطع الثاني.
المجموعة الأولى من المقطع الثاني وتمتدّ من الآية (٢٤) إلى نهاية الآية (٣٤) وهذه هي:
١٦/ ٣٤ - ٢٤
стр. 2767
التفسير:
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أي لهؤلاء المستكبرين الذين لا يحبهم الله ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ أي أيّ شئ أنزل ربكم قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ أي أحاديث الأولين وأباطيلهم، أي لم ينزل شيئا، إنما هذا الذي يتلى علينا أساطير الأولين، والأساطير: جمع أسطورة، وهي الخرافة، هذا منطق المستكبرين قديما، وهو منطقهم حديثا، فالقلوب واحدة، والمرض واحد، وإنما يعبّر كل جيل عن الماهية بأسلوبه الخاص
لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أي قالوا ذلك إضلالا للناس؛ فحملوا أوزار- أي أثقال- ضلالهم كاملة، وبعض أوزار من ضلّ بضلالهم، وهو وزر الإضلال، لأن المضل والمضل شريكان، والذين أضلّوهم بغير علم هم الذين لا يعلمون أنّهم ضلّال. قال مجاهد في الآية: أي يحملون أثقال ذنوبهم وذنوب من أطاعهم ولا يخفف عمن أطاعهم من العذاب شيئا. قال ابن كثير: كما جاء في الحديث ومن دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا» أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ أي ألا ساء الحمل حملهم
قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني أنهم فعلوا ما فعل هؤلاء من الاستكبار عن اتّباع الرسل والصدّ عن سبيل الله، ونشر الدعايات الكاذبة عنه فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ
أي اجتثه من أصله وأبطله، دلّ هذا على أنهم أقاموا بناء على فلسفتهم الباطلة، كما تقوم اليوم أحزاب الكفر والضلال على فلسفات كافرة، كلها يراد به الكيد للإسلام والمسلمين، ولقد رأينا الكثير من هؤلاء كيف ينهار بناؤهم، ويخرّ عليهم ما بنوه فيكون ضدّهم ويحطّمهم فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ أي سقط عليهم السقف الذي
стр. 2768
بنوه وَأَتاهُمُ الْعَذابُ أي في الدنيا مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ أي من حيث لا يحتسبون، ولا يتوقعون، ولقد رأيناها إذ سلط على أمثال هؤلاء في بلادنا أخلص أتباعهم فساموهم العذاب، وهكذا ضرب الله مثلا لهؤلاء الذين يحتالون كل حيلة في إضلال الناس، وإحالتهم إلى الكفر بكل وسيلة، وبعد أن بيّن ما يفعل بهم في الدنيا بيّن ما يفعل بهم في الآخرة
ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ أي يذلّهم بعذاب الخزي سوى ما عذبوا به في الدنيا، فيظهر فضائحهم، وما كانت تكنّه ضمائرهم وما كانوا يسرونه من المكر فيخزيهم على رءوس الخلائق ويقول لهم الرب ﵎ مقرّعا وموبّخا وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ أي تعادون وتخاصمون المؤمنين في شأنهم، وتحاربون وتعادون في سبيلهم، أين هم عن نصركم وخلاصكم هاهنا؟ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أي في ذلك المقام، والذين أوتوا العلم هم الأنبياء والعلماء الربانيون الذين كانوا يدعون هؤلاء المستكبرين ويعظونهم، فلا يلتفتون إليهم ويشاقّونهم، هؤلاء السادة في الدنيا والآخرة، المخبرون عن الحق في الدنيا والآخرة، هؤلاء يقولون في هذا المقام إِنَّ الْخِزْيَ أي الفضيحة وَالسُّوءَ أي العذاب عَلَى الْكافِرِينَ تغطيهم وتحيط بهم
الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ أي تقبض أرواحهم ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ بالكفر بالله والإشراك به فَأَلْقَوُا السَّلَمَ أي أظهروا السمع والطاعة والانقياد قائلين ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ متبرءين من أفعالهم، وهل هذا الإلقاء عند الاحتضار، وهذا القول للملائكة عند قبض الروح، أو هو حالهم يوم يبعثون؟ قولان للعلماء بَلى أي كنتم تعملون السوء إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وهل هذا من كلام الملائكة لهم عند قبض الروح، أو من قول العلماء لهم في عرصات القيامة، أو من كلام الله لهم ردا عليهم؟ أقوال للعلماء
فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هذا يرجح أن الإلقاء والقول والردّ كان في عرصات القيامة وإن كان يحتمل قبل ذلك كما سنرى من تعليق ابن كثير على نهاية الآية فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ قال ابن كثير: (أي بئس المقيل والمقام والمكان من دار هوان لمن كان متكبرا عن آيات الله واتباع رسله، وهم يدخلون جهنم من يوم مماتهم بأرواحهم، وينال أجسادهم في قبورها من حرها وسمومها، فإذا كان يوم القيامة سلكت أرواحهم في أجسادهم وخلدت في نار جهنم).
كلمة في السياق:
لاحظنا في مقدمة هذا المقطع أن كلمة المستكبرين وردت أكثر من مرة قُلُوبُهُمْ
стр. 2769
مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ وفي ما مرّ معنا من المجموعة انصب الكلام على هؤلاء المستكبرين وختم به فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ فالمجموعة التي نحن فيها ترتبط بما قبلها ارتباطا تاما كما رأينا، كما أنها ترتبط بما بعدها، ومجموعات هذا المقطع كلها مترابطة، والمقطع كله مرتبط بما قبله وما بعده كما سنرى، والآن لنتذكر شيئا: قلنا: إن سورة النحل تفصل آية من سورة البقرة واقعة في حيّز قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ فسورة النحل تفصّل في حيز هذا الأمر وهذا النهي، وقد لاحظنا أن هذا المقطع بآياته التي مرت معنا قد ركز على استنكار الاستكبار وهو الخلق الأول من أخلاق الشيطان، والخطوة الأولى من خطاه. والآن لاحظ شيئا آخر:
قلنا: إن سورة النحل تفصّل لتخدم قوله تعالى: ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ فلنلاحظ أن الآيات التي فسرناها من هذه المجموعة ورد فيها قوله تعالى: فَأَلْقَوُا السَّلَمَ إن السلم الذي فرض عليهم أن يدخلوا فيه كله فاستكبروا عنه، سيعطونه كاملا يوم القيامة، ولكن لا ينفعهم، فإذا لاحظنا ما ورد من كلام عن الكبر الذي هو سبب خطوة الشيطان الأولى في رفضه للسجود لآدم، ومجئ كلمة السّلم في هذا السياق ندرك أن اتجاهنا صحيح في العرض، ولله الحمد والمنة، ونعوذ به أن نقول على كتابه ما ليس لنا به علم.
فائدة: [حول موضوع (الكبر) كأحد السلوك البشري وكيفية العلاج منه]
إن موضوع الكبر من أدقّ المواضيع المتغلغلة في السلوك البشري، وقد فسّر الرسول ﷺ الكبر بأنه غمط الناس وبطر الحق، فأي موقف للإنسان رفض فيه حقا مع معرفة أنه حق، أو انتقص خلق الله، فإنه بذلك يكون سالكا خطوات الشيطان، ومن غمط الناس ما نراه من استكبار الكثيرين عن الأخذ عن العلماء الربانيين أو طاعتهم أو التواضع لهم، إذ إن الله جعل التواضع لعباده تواضعا له، وهذا هو امتحانه الأكبر، إن إبليس لم يستنكف عن عبادة الله، ولكن عند ما كلفه ربه بالسجود لمخلوق مثله ظهر كبره وكفره، وكثيرون من الخلق- تجدهم- على غاية من العبادة، ولكنهم يأنفون من طاعة غيرهم ومن اتباعه، ولو كان في ذلك مصلحة الإسلام والمسلمين، ومن ثم نجد المسلمين لا يلتقون إلا قليلا على عمل جماعي منظم لصعوبة انقياد بعضهم لبعض،
стр. 2770
مع أنهم يعطون أعداء الله من الانقياد- أحيانا- ما لا يعطونه لرسل الله عليهم الصلاة والسلام، وكل ذلك مظهر من مظاهر الكبر، واتباع لخطوات الشيطان، إلا من عصم ربي وحفظ ممن يحررون مواقفهم فيمنعهم من الاتباع أو الانقياد، أو العمل المشترك مانع شرعي محرر، ولنعد إلى تفسير المجموعة:
فبعد أن بيّن الله موقف المستكبرين مما أنزل، وعقوبتهم الدنيوية والأخروية على هذا الموقف يخبرنا الله عن موقف أوليائه ممّا أنزل وما يكافئهم به في الدنيا والآخرة: وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا الشرك واتباع خطوات الشيطان ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ أيّ شئ أنزل ربكم قالُوا خَيْراً أي قالوا: أنزل خيرا أي رحمة وبركة لمن اتبعه وآمن به، هذا هو موقفهم مما أنزل الله: ثناء عليه؛ فاستحقوا خيري الدنيا والآخرة، ومن ثم أخبر الله عما يعدهم به فقال: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ أي من أحسن عمله في الدنيا، أحسن الله إليه في الدنيا والآخرة وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ أخبر بأن دار الآخرة خير أي: من الحياة الدنيا والجزاء فيها أتم من الجزاء في الدنيا، وإحسان العبد إنما يكون بالإيمان والعمل الصالح، وقد عرّف الله المحسنين في أكثر من مكان في كتابه، وفي الفوائد كلام. والحسنة التي يعطيها الله مكافأة في الدنيا قد تكون أمنا وطمأنينة، وقد تكون نصرا وفوزا، وقد تكون كل ذلك مع غيره، ومن ثم نكّرها فقال (حسنة) ثم وصف الدار الآخرة فقال: وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ
جَنَّاتُ عَدْنٍ فجنات عدن هي دار المتقين، والعدن: الإقامة يَدْخُلُونَها فلنحرص على التحقق بالتقوى لندخلها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أي بين أشجارها وقصورها لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ قال ابن كثير:
وفي الحديث: «إن السحابة لتمر بالملإ من أهل الجنة وهم جلوس على شرابهم، فلا يشتهي أحد منهم شيئا إلا أمطرته عليهم، حتى إن منهم لمن يقول: أمطرينا كواعب أترابا فيكون ذلك». كَذلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ أي مثل هذا الجزاء يجزي الله كل من آمن به واتقاه وأحسن عمله، ثم أخبر تعالى عن حال المتقين عند الاحتضار أنهم طيبون، أي مخلّصون من الشرك والدنس وكل سوء، وأن الملائكة تسلم عليهم وتبشرهم بالجنة فقال:
الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ أي طاهرين من ظلم أنفسهم بالكفر يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أي بعملكم، فالملائكة تسلّم عليهم وتبشرهم بالجنة، وقد مر معنا من قبل أن نسمة المؤمن تدخل الجنة بعد الموت، والدخول الكامل بالجسم والروح إنما يكون بعد البعث.