دخل بالإسلام كله، وجزاء من اتبع خطوات الشيطان، وهكذا تسير السورة شيئا فشيئا في التربية على الدخول في الإسلام كله، وترك اتباع خطوات الشيطان من خلال التعريف على الله، والتحذير مما أعده الله لمن استكبر عن الدخول في دينه. فلنر المجموعة الأولى من المقطع الثاني.
المجموعة الأولى من المقطع الثاني وتمتدّ من الآية (٢٤) إلى نهاية الآية (٣٤) وهذه هي:
١٦/ ٣٤ - ٢٤
стр. 2767
التفسير:
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أي لهؤلاء المستكبرين الذين لا يحبهم الله ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ أي أيّ شئ أنزل ربكم قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ أي أحاديث الأولين وأباطيلهم، أي لم ينزل شيئا، إنما هذا الذي يتلى علينا أساطير الأولين، والأساطير: جمع أسطورة، وهي الخرافة، هذا منطق المستكبرين قديما، وهو منطقهم حديثا، فالقلوب واحدة، والمرض واحد، وإنما يعبّر كل جيل عن الماهية بأسلوبه الخاص
لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أي قالوا ذلك إضلالا للناس؛ فحملوا أوزار- أي أثقال- ضلالهم كاملة، وبعض أوزار من ضلّ بضلالهم، وهو وزر الإضلال، لأن المضل والمضل شريكان، والذين أضلّوهم بغير علم هم الذين لا يعلمون أنّهم ضلّال. قال مجاهد في الآية: أي يحملون أثقال ذنوبهم وذنوب من أطاعهم ولا يخفف عمن أطاعهم من العذاب شيئا. قال ابن كثير: كما جاء في الحديث ومن دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا» أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ أي ألا ساء الحمل حملهم
قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني أنهم فعلوا ما فعل هؤلاء من الاستكبار عن اتّباع الرسل والصدّ عن سبيل الله، ونشر الدعايات الكاذبة عنه فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ
أي اجتثه من أصله وأبطله، دلّ هذا على أنهم أقاموا بناء على فلسفتهم الباطلة، كما تقوم اليوم أحزاب الكفر والضلال على فلسفات كافرة، كلها يراد به الكيد للإسلام والمسلمين، ولقد رأينا الكثير من هؤلاء كيف ينهار بناؤهم، ويخرّ عليهم ما بنوه فيكون ضدّهم ويحطّمهم فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ أي سقط عليهم السقف الذي
стр. 2768
بنوه وَأَتاهُمُ الْعَذابُ أي في الدنيا مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ أي من حيث لا يحتسبون، ولا يتوقعون، ولقد رأيناها إذ سلط على أمثال هؤلاء في بلادنا أخلص أتباعهم فساموهم العذاب، وهكذا ضرب الله مثلا لهؤلاء الذين يحتالون كل حيلة في إضلال الناس، وإحالتهم إلى الكفر بكل وسيلة، وبعد أن بيّن ما يفعل بهم في الدنيا بيّن ما يفعل بهم في الآخرة
ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ أي يذلّهم بعذاب الخزي سوى ما عذبوا به في الدنيا، فيظهر فضائحهم، وما كانت تكنّه ضمائرهم وما كانوا يسرونه من المكر فيخزيهم على رءوس الخلائق ويقول لهم الرب ﵎ مقرّعا وموبّخا وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ أي تعادون وتخاصمون المؤمنين في شأنهم، وتحاربون وتعادون في سبيلهم، أين هم عن نصركم وخلاصكم هاهنا؟ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أي في ذلك المقام، والذين أوتوا العلم هم الأنبياء والعلماء الربانيون الذين كانوا يدعون هؤلاء المستكبرين ويعظونهم، فلا يلتفتون إليهم ويشاقّونهم، هؤلاء السادة في الدنيا والآخرة، المخبرون عن الحق في الدنيا والآخرة، هؤلاء يقولون في هذا المقام إِنَّ الْخِزْيَ أي الفضيحة وَالسُّوءَ أي العذاب عَلَى الْكافِرِينَ تغطيهم وتحيط بهم
الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ أي تقبض أرواحهم ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ بالكفر بالله والإشراك به فَأَلْقَوُا السَّلَمَ أي أظهروا السمع والطاعة والانقياد قائلين ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ متبرءين من أفعالهم، وهل هذا الإلقاء عند الاحتضار، وهذا القول للملائكة عند قبض الروح، أو هو حالهم يوم يبعثون؟ قولان للعلماء بَلى أي كنتم تعملون السوء إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وهل هذا من كلام الملائكة لهم عند قبض الروح، أو من قول العلماء لهم في عرصات القيامة، أو من كلام الله لهم ردا عليهم؟ أقوال للعلماء
فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هذا يرجح أن الإلقاء والقول والردّ كان في عرصات القيامة وإن كان يحتمل قبل ذلك كما سنرى من تعليق ابن كثير على نهاية الآية فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ قال ابن كثير: (أي بئس المقيل والمقام والمكان من دار هوان لمن كان متكبرا عن آيات الله واتباع رسله، وهم يدخلون جهنم من يوم مماتهم بأرواحهم، وينال أجسادهم في قبورها من حرها وسمومها، فإذا كان يوم القيامة سلكت أرواحهم في أجسادهم وخلدت في نار جهنم).
كلمة في السياق:
لاحظنا في مقدمة هذا المقطع أن كلمة المستكبرين وردت أكثر من مرة قُلُوبُهُمْ
стр. 2769
مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ وفي ما مرّ معنا من المجموعة انصب الكلام على هؤلاء المستكبرين وختم به فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ فالمجموعة التي نحن فيها ترتبط بما قبلها ارتباطا تاما كما رأينا، كما أنها ترتبط بما بعدها، ومجموعات هذا المقطع كلها مترابطة، والمقطع كله مرتبط بما قبله وما بعده كما سنرى، والآن لنتذكر شيئا: قلنا: إن سورة النحل تفصل آية من سورة البقرة واقعة في حيّز قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ فسورة النحل تفصّل في حيز هذا الأمر وهذا النهي، وقد لاحظنا أن هذا المقطع بآياته التي مرت معنا قد ركز على استنكار الاستكبار وهو الخلق الأول من أخلاق الشيطان، والخطوة الأولى من خطاه. والآن لاحظ شيئا آخر:
قلنا: إن سورة النحل تفصّل لتخدم قوله تعالى: ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ فلنلاحظ أن الآيات التي فسرناها من هذه المجموعة ورد فيها قوله تعالى: فَأَلْقَوُا السَّلَمَ إن السلم الذي فرض عليهم أن يدخلوا فيه كله فاستكبروا عنه، سيعطونه كاملا يوم القيامة، ولكن لا ينفعهم، فإذا لاحظنا ما ورد من كلام عن الكبر الذي هو سبب خطوة الشيطان الأولى في رفضه للسجود لآدم، ومجئ كلمة السّلم في هذا السياق ندرك أن اتجاهنا صحيح في العرض، ولله الحمد والمنة، ونعوذ به أن نقول على كتابه ما ليس لنا به علم.
فائدة: [حول موضوع (الكبر) كأحد السلوك البشري وكيفية العلاج منه]
إن موضوع الكبر من أدقّ المواضيع المتغلغلة في السلوك البشري، وقد فسّر الرسول ﷺ الكبر بأنه غمط الناس وبطر الحق، فأي موقف للإنسان رفض فيه حقا مع معرفة أنه حق، أو انتقص خلق الله، فإنه بذلك يكون سالكا خطوات الشيطان، ومن غمط الناس ما نراه من استكبار الكثيرين عن الأخذ عن العلماء الربانيين أو طاعتهم أو التواضع لهم، إذ إن الله جعل التواضع لعباده تواضعا له، وهذا هو امتحانه الأكبر، إن إبليس لم يستنكف عن عبادة الله، ولكن عند ما كلفه ربه بالسجود لمخلوق مثله ظهر كبره وكفره، وكثيرون من الخلق- تجدهم- على غاية من العبادة، ولكنهم يأنفون من طاعة غيرهم ومن اتباعه، ولو كان في ذلك مصلحة الإسلام والمسلمين، ومن ثم نجد المسلمين لا يلتقون إلا قليلا على عمل جماعي منظم لصعوبة انقياد بعضهم لبعض،
стр. 2770
مع أنهم يعطون أعداء الله من الانقياد- أحيانا- ما لا يعطونه لرسل الله عليهم الصلاة والسلام، وكل ذلك مظهر من مظاهر الكبر، واتباع لخطوات الشيطان، إلا من عصم ربي وحفظ ممن يحررون مواقفهم فيمنعهم من الاتباع أو الانقياد، أو العمل المشترك مانع شرعي محرر، ولنعد إلى تفسير المجموعة:
فبعد أن بيّن الله موقف المستكبرين مما أنزل، وعقوبتهم الدنيوية والأخروية على هذا الموقف يخبرنا الله عن موقف أوليائه ممّا أنزل وما يكافئهم به في الدنيا والآخرة: وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا الشرك واتباع خطوات الشيطان ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ أيّ شئ أنزل ربكم قالُوا خَيْراً أي قالوا: أنزل خيرا أي رحمة وبركة لمن اتبعه وآمن به، هذا هو موقفهم مما أنزل الله: ثناء عليه؛ فاستحقوا خيري الدنيا والآخرة، ومن ثم أخبر الله عما يعدهم به فقال: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ أي من أحسن عمله في الدنيا، أحسن الله إليه في الدنيا والآخرة وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ أخبر بأن دار الآخرة خير أي: من الحياة الدنيا والجزاء فيها أتم من الجزاء في الدنيا، وإحسان العبد إنما يكون بالإيمان والعمل الصالح، وقد عرّف الله المحسنين في أكثر من مكان في كتابه، وفي الفوائد كلام. والحسنة التي يعطيها الله مكافأة في الدنيا قد تكون أمنا وطمأنينة، وقد تكون نصرا وفوزا، وقد تكون كل ذلك مع غيره، ومن ثم نكّرها فقال (حسنة) ثم وصف الدار الآخرة فقال: وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ
جَنَّاتُ عَدْنٍ فجنات عدن هي دار المتقين، والعدن: الإقامة يَدْخُلُونَها فلنحرص على التحقق بالتقوى لندخلها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أي بين أشجارها وقصورها لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ قال ابن كثير:
وفي الحديث: «إن السحابة لتمر بالملإ من أهل الجنة وهم جلوس على شرابهم، فلا يشتهي أحد منهم شيئا إلا أمطرته عليهم، حتى إن منهم لمن يقول: أمطرينا كواعب أترابا فيكون ذلك». كَذلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ أي مثل هذا الجزاء يجزي الله كل من آمن به واتقاه وأحسن عمله، ثم أخبر تعالى عن حال المتقين عند الاحتضار أنهم طيبون، أي مخلّصون من الشرك والدنس وكل سوء، وأن الملائكة تسلم عليهم وتبشرهم بالجنة فقال:
الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ أي طاهرين من ظلم أنفسهم بالكفر يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أي بعملكم، فالملائكة تسلّم عليهم وتبشرهم بالجنة، وقد مر معنا من قبل أن نسمة المؤمن تدخل الجنة بعد الموت، والدخول الكامل بالجسم والروح إنما يكون بعد البعث.
стр. 2771
ثم ختم الله هذه المجموعة بهاتين الآيتين: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ* فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ وقبل أن نفسرهما نحب أن نذكر كلمة حول السياق.
كلمة في السياق:
رأينا أن محور سورة النحل هو قوله تعالى من سورة البقرة هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ. الآتي في حيز قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ* فَإِنْ زَلَلْتُمْ ....
وقد رأينا أن المجموعة التي بين أيدينا حدثتنا عن مآل الذين يرفضون الدخول في السلم في الدنيا، وعن مآل الذين يدخلون فيه بقبولهم كتابه. ورأينا أن الذين يرفضون كتاب الله هم المستكبرون الذين يتبعون خطوات الشيطان، ثم تأتي هاتان الآيتان وفي الآية الأولى منهما شبه بآية البقرة لدرجة اتحاد بعض الألفاظ لتختم بهما هذه المجموعة، فهذا دليل كذلك على أن اتجاهنا في فهمنا للوحدة القرآنية، والسياق العام صحيح والحمد لله.
فلنفسر الآيتين: هَلْ يَنْظُرُونَ أي هؤلاء المستكبرون المشركون، نلاحظ أن الخطاب عاد كما بدأ في أول المجموعة فكما بدأت المجموعة بخطاب المستكبرين، بضمير الغائب:
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا ... فالآن يتجه الخطاب إليهم بضمير الغائب إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أي هل ينتظر هؤلاء المستكبرون إلا أن تأتيهم الملائكة لقبض أرواحهم فيكون حالهم كما وصف الله منذ قليل الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ... ومن ثم ندرك أن ما ورد من قبل إنما هو تفصيل يخدم هذه الآية.
أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ قال ابن كثير في تفسيرها: أي يوم القيامة وما يعاينونه من الأهوال، ويشهد له أول آية في السورة أَتى أَمْرُ اللَّهِ كَذلِكَ أي مثل ذلك الفعل فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فتمادوا في الشرك والاستكبار والمكر حتى ذاقوا بأس الله وحلوا فيما هم فيه من العذاب والنكال وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ أي فيما أذاقهم لأنه تعالى أعذر إليهم وأقام حججه عليهم بإرسال رسله، وإنزال كتبه وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ أي بمخالفة الرسل والتكذيب بما جاءوا به، فلهذا أصابتهم عقوبة الله فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا أي فأصابهم جزاء سيئات أعمالهم وَحاقَ بِهِمْ ما
стр. 2772
كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ أي وأحاط بهم جزاء استهزائهم.
كلمة في السياق:
رأينا أن مقدمة هذا المقطع هي امتداد في معانيها للمقطع الأول، ورأينا ما بين المقدمة والمجموعة الأولى من ترابط. والآن لنرى ما بين المجموعة التي مرت معنا، وما بين المقطع الأول من ترابط:
لا شك أنك لحظت الصلة بين قوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ ... وبين قوله تعالى في نفس المجموعة الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ...
والآن تذكر الصلة بين أول السورة التي هي بداية المقطع الأول: أَتى أَمْرُ اللَّهِ وبين آية هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ. فإذا تذكرت هذه الصلة تعرف الارتباط بين المجموعة الثانية، والمقطع الأول، ثم إذا تذكرت أن قوله تعالى فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ فيه إشارة إلى استعجالهم العذاب من باب الاستهزاء، وختم هذه المجموعة بقوله تعالى: وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ تدرك الصلة بشكل أعمق بين هذه المجموعة والمقطع الذي سبقها، وكل ذلك ضمن السياق القرآني العام.
فوائد:
١ - [حول التعريف بكلمتي الإحسان والتقوى وسبب ذكرهما معرفتين غالبا في القرآن]
بمناسبة قوله تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ أقول: إن كلمات الإحسان والتقوى معرّفتان كثيرا في القرآن الكريم. وفي كتابنا (جند الله ثقافة وأخلاقا). تعريف دقيق من خلال النصوص القرآنية والحديثية لموضوعي التقوى والإحسان، ولكون هذين المقامين قد علّق الله على التحقق فيهما ما علّق، فإنه من المستحسن أن يرجع الإنسان إلى ذلك الكتاب، وباختصار فإن الإحسان: فعل الأحسن في مصطلح الشرع، مع الإخلاص لله فيه، في حالة شعورية عليا يراقب فيها الإنسان الله . قال ﵊ لما سأله جبريل ﵇ عن الإحسان: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». وأما التقوى: فهي ملكة في القلب تتكوّن من سلوك طريق معين، وتنتج إذا وجدت آثار معينة، وعلامتها معاني محددة، وقد جمعنا في موضوعها صفحات كثيرة في كتابنا المشار إليه.
٢ - [حول المعارك التي تدور حول تأويل آيات وأحاديث الصفات]
هناك معارك عنيفة تدور حول تأويل آيات وأحاديث الصفات ما بين المعتزلة
стр. 2773
والأشاعرة، وما بين الأشاعرة وبعض الحنابلة والمحدثين، وهناك معارك عنيفة جدا بين كل المسلمين وفرق الباطنية في التأويل الذي يشتطون فيه حتى لا يبقوا كلمة قرآنية في محلها.
والملاحظ أن أشد الناس حربا للتأويل يضطرون لتأويل بعض النصوص بصرفها عن ظاهرها الحرفي إلى غيره بسبب من الأسباب، وإذن فلا بد من تأويل ولكن إذا توفرت شروط معينة، كأن يكون هناك ضرورة للتأويل، وكأن يكون المتأول من الراسخين في العلم، وكأن يكون التأويل بما لا يجعل النصوص تتناقض، وكأن يكون ضمن ما تتحمله لغة العرب، نقول هذا بمناسبة مرور آية هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ فهذه الآية وسورتها تفصلان قوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ فالأشاعرة يؤولون قوله تعالى إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ بتقدير كلمة الأمر هنا، أي إلا أن يأتيهم أمر الله في ظلل من الغمام والملائكة، وقد أخذوا ذلك من آية النحل التي ذكرت كلمة الأمر هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ غير أن الآخرين يردون بأنّ سورة البقرة استعملت حرف العطف الواو الذي يقتضي الجمع وهاهنا استعمل حرف العطف (أو) الذي يفيد مجئ أحد المذكورين، مما يشير إلى أن المقامين بينهما شئ من الاختلاف، وأنا
أميل في هذه الأمور إلى ترك التأويل احتياطا، مع مراعاة جانب التنزيه كفريضة واجبة.
ولننتقل الآن إلى المجموعة الثانية في هذا المقطع الذي هو المقطع الثاني: ولنقدم لها بكلمة
رأينا أن مقدمة هذا المقطع قد انتهت بقوله تعالى: إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ. ثم رأينا المجموعة الأولى تقول: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أي للمستكبرين ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ
والآن تأتي المجموعة الثانية مبدوءة بقوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أي المستكبرون أنفسهم. وسنرى أن كل مجموعة من مجموعات هذا المقطع مبدوءة إما بقوله للمستكبرين أو بموقف. فالصلة إذن بين مقدمة المقطع، وبين كل مجموعات المقطع على غاية الوضوح، وعلامة البداية لكل مجموعة واضحة، وعلامة البداية والنهاية للمقطع كله واضحة كما سنرى، وهكذا فإن المجموعة الثانية المؤلفة من ثلاث آيات تتضمن قولا للمشركين وردا عليه:
стр. 2774
المجموعة الثانية من مجموعات المقطع الثاني وتمتد من الآية (٣٥) إلى نهاية الآية (٣٧) وهذه هي:
١٦/ ٣٧ - ٣٥
التفسير:
وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ أي من البحائر والسوائب والوصائل وغير ذلك مما كانوا ابتدعوه واخترعوه من تلقاء أنفسهم ممّا لم ينزل به سلطانا، وهذا الكلام يقوله واحد من ثلاثة: إما إنسان يريد أن يحمل الله مسئولية أفعاله ليبرئ نفسه من أي فعل؛ أو إنسان يريد أن يحتج بمشيئة الله على جواز ما يفعله، فكون الله شاء يعني عنده أنّه أباح، أو إنسان يقول هذا الكلام استهزاء بالمؤمنين الذين يؤمنون بأن كل شئ بمشيئة الله فهؤلاء يستهزءون بالمؤمنين، مدّعين أن ما يفعلونه صحيح لأنه مشيئة الله، وهي اتجاهات خاطئة لأن مشيئة الله لا تنافي مسئولية الإنسان، ولأن هناك فارقا بين مشيئة الله ورضاه، فكل شئ بمشيئته، ولكن ليس كل شئ بأمره، وهو موضوع سنتحدث عنه في الفوائد، وقد ردّ الله عليهم أبلغ ردّ بأكثر من حجة:
стр. 2775
«الرّدّ الأول: كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي كذّبوا الرسل وحرموا الحلال وقالوا مثل هذه الأقوال فماذا حدث لهم؟ لقد عذّبهم الله غير ظالم لهم، كما قال تعالى في الآيتين السابقتين: وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ* فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا ... فتعذيب من قبلهم الذين قالوا مثل قولهم دليل على بطلان أقوالهم التي عرضناها لأن الله لا يظلم أحدا.
الردّ الثاني: فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ أي ليس على الرسل إلا أن يبلغوا الحق بمنتهى البيان الذي به تقوم الحجة، وهذه الكلمة هي الرد الثاني على اتجاهاتهم، فإذا كان صحيحا ما ذهبوا إليه فلم يبعث الله الرسل؟ ويأمرهم بالبلاغ؟ ثمّ قرّر الله أنّه قد بعث في كل أمة رسلا من أجل التوحيد وترك اتباع الطاغوت، فكيف يكون هذا فعله ثمّ يدّعون أنّ في الشرك واتباع الشيطان رضاه.
وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ أي وحّدوه وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ أي الشيطان، أي اجتنبوا طاعته واتباع خطواته، ثم وضع الله مسألة المشيئة في إطارها الصحيح فقال: فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ لاختياره الهدى واستحقاقه له بدليل نهاية الآية وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ أي لزمته لاختياره لها واستحقاقه ذلك، ومن ثم قال تعالى: فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ حيث أهلكهم الله وأخلى ديارهم عنهم، فعقوبته لهم دليل على إنكاره عليهم؛ وإلا لم يعاقبهم؟
لا كما زعموه في فهمهم لموضوع المشيئة. صحيح أن كل شئ بمشيئة الله، ولكن هذا لا ينفي اختيار الإنسان، ولذلك سمّى الله هؤلاء بالمكذّبين، وكلمة مكذّب اسم فاعل، لقد اختار هؤلاء طريق الضلال فأضلّهم الله قال ابن كثير: (فمشيئته تعالى الشرعية عنهم منتفية؛ لأنه نهاهم عن ذلك على ألسنة رسله، وأما مشيئته الكونية- وهي تمكينهم من ذلك قدرا- فلا حجة لهم فيها؛ لأنه تعالى خلق النار وأهلها من الشياطين والكفرة، وهو لا يرضى لعباده الكفر، وله في ذلك حجة بالغة وحكمة قاطعة) ثم أخبر الله تعالى رسوله ﷺ أن حرصه على هدايتهم لا ينفعهم إذا كان الله قد أراد إضلالهم
إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ أي لا يهدي من اختار الضلال، يدل على ذلك القراءة المتواترة التي تفتح ياء يضل، أو لا يهدي من أضل في مواقفه غيره، أو لا يهدي من استحق الإضلال، فإن مجموع القراءات الواردة في هذا النص تحتمل مجموعة الأوجه، وما من وجه إلا وهو يعبر عن معنى صحيح.
стр. 2776
لهذا الموضوع وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ يمنعونهم من جريان حكم الله عليهم، ويدفعون عذابه الذي أعدّ لهم، وينقذونهم من عذابه ووثاقه وهكذا انتهت هذه المجموعة.
فوائد: [حول أدق مواضيع المعرفة: معرفة شمول الإرادة الإلهية، وموضوع الاختيار عند الإنسان]
إن من أدق مواضيع المعرفة معرفة شمول الإرادة الإلهية، ومعرفة أن الإنسان مختار، وأنه لا تنافي بين عموم الإرادة الإلهية واختيار الإنسان، وأن صفة الإرادة لله غير أوامره وغير رضاه، فالله يأمر ولا يرضى إلا عما يأمر به، فهناك تلازم بين الرضا والأمر، وليس هناك تلازم بين الرضى والإرادة، إن كل شئ بإرادة الله، وهذا لا يتنافى مع اختيار الإنسان؛ لأن قدرة الله على وفق إرادته، وإرادته على وفق علمه، والعلم كاشف لا مجبر. فالله علم أزلا أن فلانا سيفعل، وعلمه ليس مجبرا، فأراد ذلك، فأبرزه بقدرته، فكونه أراده وأبرزه بقدرته لا يعني أنه أجبر، لأنه لو لم يرده لم يكن، ولو لم يبرزه لم يوجد فهو وحده الخالق، على أن ما ذكرناه من ترتيب
الإرادة على العلم إنما هو لمجرد الإفهام، وليس هناك من ترتيب في الأزل، فالله علم أزلا وأراد أزلا.
كلمة في السياق: [حول صلة المجموعة الثانية بالمحور وبالمجموعة الثالثة]
رأينا أن محور سورة النحل هو الآية التي تنذر الكافرين في سياق الأمر بالدخول في الإسلام، وترك اتباع خطوات الشيطان، وفي هذه المجموعة التي مرّت معنا نسف لحجة من حجج الكافرين، وبيان أن كل الرسل قد بعثوا بعبادة الله واجتناب الطاغوت، والأمر بالعبادة دعوة إلى الدخول في السلم، والأمر باجتناب الطاغوت، نهي عن طاعة الشيطان واتباع خطواته، وهكذا أدّت هذه المجموعة دورها ضمن سياق السورة، وقد رأينا في مقدمة الكلام عنها محلها الخاص ضمن السياق الخاص لسورة النحل، والآن تأتي مجموعة ثالثة في هذا المقطع، وتبدأ بذكر موقف للكافرين، وهو:
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ ... ثمّ تردّ عليه، فالمجموعة الجديدة تنسجم مع سياق السورة، فما دامت السورة تفصّل الآية التي تنذر الكافرين باليوم الآخر إن لم يدخلوا في الإسلام كله، فإنّ ذلك يقتضي كلاما عن هذا اليوم الذي ينكره الكافرون، لقد كانت مقدمة هذا المقطع حديثا عن المستكبرين. ثم جاءت المجموعة الأولى فذكرت موقفا لهم وردّت عليه. ثم جاءت المجموعة الثانية فذكرت موقفا وردّت عليه، ثم تأتي المجموعة الثالثة الآن فتذكر موقفا وترد عليه. وهذه هي المجموعة وتتألف من خمس آيات:
стр. 2777
المجموعة الثالثة وتمتدّ من الآية (٣٨) إلى نهاية الآية (٤٢) وهذه هي:
١٦/ ٤٢ - ٣٨
نقل: [عن صاحب الظلال حول قضية البعث وكونها مشكلة العقيدة عند كثير من الأقوام]
قال صاحب الظلال عند قوله تعالى: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ* لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ* إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ: (ولقد كانت قضية البعث دائما هي مشكلة العقيدة عند كثير من الأقوام منذ أن أرسل الله رسله للناس، يأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر، ويخوفونهم حساب الله يوم البعث والحساب.
وهؤلاء المشركون من قريش أقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت، فهم يقرون بوجود الله ولكنهم ينفون عنه بعث الموتى من القبور. يرون هذا البعث أمرا عسيرا بعد الموت والبلى وتفرق الأشلاء والذرات.
وغفلوا عن معجزة الحياة الأولى .. وغفلوا عن القدرة الإلهية، وأنها لا تقاس إلى تصورات البشر وطاقتهم. وأن إيجاد شئ لا يكلف تلك القدرة شيئا، فيكفي أن تتوجه الإرادة إلى كون الشئ ليكون.
وغفلوا كذلك عن حكمة الله في البعث. وهذه الدنيا لا يبلغ أمر فيها تمامه. فالناس
стр. 2778
يختلفون حول الحق والباطل، والهدى والضلال، والخير والشر. وقد لا يفصل بينهم فيما يختلفون فيه في هذه الأرض لأن إرادة الله شاءت أن يمتد ببعضهم الأجل، وألا يحل بهم عذابه الفاصل في هذه الديار، حتى يتم الجزاء في الآخرة ويبلغ كل أمر تمامه هناك.
والسياق يرد على تلك المقولة الكافرة، ويكشف ما يحيط بها في نفوس القوم من شبهات فيبدأ بالتقرير: بَلى. وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا ومتى وعد الله فقد كان ما وعد به لا يتخلف بحال من الأحوال وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ حقيقة وعد الله.
وللأمر حكمته: لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ فيما ادعوا أنهم على الهدى؛ وفيما زعموا من كذب الرسل، ومن نفي الآخرة؛ وفيما كانوا فيه من اعتقاد ومن فساد.
والأمر بعد ذلك هيّن إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ والبعث شئ من هذه الأشياء يتم حالما تتوجه إليه الإرادة دون إبطاء).
التفسير:
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ قال النسفي: معطوف على وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا وهذا يؤكد ما ذهبنا إليه من كون هذه بداية مجموعة وتلك بداية مجموعة والمعنى: أنهم حلفوا فأقسموا بالله جهد أيمانهم، أي اجتهدوا في الحلف وغلّظوا الأيمان على أنه لا يبعث الله من يموت، فقد استبعدوا ذلك، وكذّبوا الرسل في إخبارهم لهم بذلك، وحلفوا على نقيضه، فقال تعالى مكذبا لهم ورادا عليهم بَلى أي بلى سيكون ذلك وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا أي لا بد منه لأنه لا يخلف الميعاد وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ أنهم يبعثون أو يجهلون، فلجهلهم يخالفون الرسل، ويعتون في الكفر،
ثم ذكر تعالى حكمته في المعاد وقيام الأجساد يوم التناد فقال: لِيُبَيِّنَ لَهُمُ أي للمكلفين الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ من كل شئ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ في أيمانهم وأقسامهم ومواقفهم، هذه هي الحكمة الأولى للبعث التي يسجلها الرد الأول على المنكرين،
ثم يقول تعالى: إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ هذا إخبار منه تعالى عن قدرته على ما يشاء وأنه لا يعجزه شئ في الأرض ولا في السماء وإنما قوله تعالى إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون، والمعاد من ذلك إذا أراد كونه، فإنما يأمر به مرة واحدة فيكون، إنّه تعالى لا يحتاج إلى تأكيد
стр. 2779
فيما يأمر به فإنه تعالى لا يمانع ولا يخالف، والمعنى أن إيجاد كل مقدور على الله بهذه السهولة، فكيف يمتنع عليه البعث الذي هو من بعض المقدورات؟
ثم يكمل الله الرد فيقول: وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ أي في حقه ولوجهه مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا فأوذوا في الله، ومنعوا من عبادة الله وحده لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً أي تبوئة حسنة مأوى ورزقا وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ مما أعطوا في الدنيا لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ أي لو يعلم الذين كفروا لعملوا لذلك، ولرغبوا في الدين، ولكنهم جهلة،
ثم وصف الذين يستأهلون هذا المقام فقال: الَّذِينَ صَبَرُوا على مفارقة الأوطان وعلى المجاهدة وبذل الأرواح في سبيل الله وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ أي يفوضون الأمر إلى ربهم، ويرضون بما أصابهم في دين الله، اجتمع لهم الصبر والتوكل، فأحسن الله لهم العاقبة في الدنيا والآخرة. وبهذا تم الرد الأول، والسؤال الآن ما علاقة الكلام عن الصابرين المتوكلين المهاجرين بالرد؟ الجواب إن حكمة البعث هي أن يعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين فينالوا جزاءهم، وكذلك أن ينال من تحمّل في دين الله جزاءه الكريم من الله، ومن ثم كانت الآيتان الأخيرتان جزءا من الرد، إلا أنهما عرضتا هذا العرض ليحملا مع كونهما ردا معنى مستقلا هو التهييج على الهجرة، والصبر، والتوكل.
فائدة: [كلام ابن كثير حول الآية وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ .. والتي تليها]
مما قاله ابن كثير بمناسبة الآيتين الأخيرتين:
(يخبر تعالى عن جزائه للمهاجرين في سبيله ابتغاء مرضاته، الذين فارقوا الدار والإخوان والخلان، رجاء ثواب الله وجزائه. ويحتمل أن يكون سبب نزول هذه الآية الكريمة في مهاجرة الحبشة الذين اشتد أذى قومهم لهم بمكة حتى خرجوا من بين أظهرهم إلى الحبشة ليتمكنوا من عبادة ربهم، ومن أشرافهم: عثمان بن عفان، ومعه زوجته رقية بنت رسول الله ﷺ ، وجعفر بن أبي طالب، ابن عم الرسول ﷺ ، وأبو سلمة بن عبد الأسود في جماعة قريب من ثمانين، ما بين رجل وامرأة، صدّيق وصديقة، ﵃ وأرضاهم، فوعدهم الله تعالى بالمجازاة الحسنة في الدنيا والآخرة فقال: لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً قال ابن عباس والشعبي وقتادة:
المدينة. وقيل: الرزق الطيب قاله مجاهد، ولا منافاة بين القولين، فإنهم تركوا مساكنهم وأموالهم فعوّضهم الله خيرا منها في الدنيا، فإن من ترك شيئا عوّضه الله بما هو
стр. 2780
خير له منه، وكذلك وقع؛ فإنهم مكّن الله لهم في البلاد وحكّمهم على رقاب العباد، فصاروا أمراء حكاما، وكل منهم للمتقين إماما، وأخبر أن ثوابه للمهاجرين في الدار الآخرة أعظم مما أعطاهم في الدنيا، فقال: وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ أي مما أعطيناهم في الدنيا لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ أي لو كان المتخلفون عن الهجرة معهم يعلمون ما ادّخر الله لمن أطاعه واتبع رسوله، ولهذا قال هشيم، عن العوام، عمن حدثه: أن عمر ابن الخطاب ﵁ كان إذا أعطى الرجل من المهاجرين عطاءه يقول: خذ بارك الله لك فيه، هذا ما وعدك الله في الدنيا، وما ادّخر لك في الآخرة أفضل، ثم قرأ هذه الآية: لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ثم وصفهم تعالى فقال: الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ أي صبروا على الأذى من قومهم متوكلين على الله الذي أحسن لهم العاقبة في الدنيا والآخرة.
ولننتقل إلى المجموعة الرابعة، وتتألف من ثمان آيات:
стр. 2781
المجموعة الرابعة وتمتدّ من الآية (٤٣) إلى نهاية الآية (٥٠) وهذه هي:
١٦/ ٥٠ - ٤٣
ملاحظة: [مقارنة بين طريقة عرض المجموعات السابقة والمجموعة الرابعة]
لاحظنا أن كل مجموعة من المجموعات السابقة تسجل موقفا للكافرين وترد عليه، وفي كل مرة كانت تذكر الموقف بشكل صريح، ثم ترد عليه، أما هذه المجموعة فلم تسجل الموقف صراحة بل ردت عليه، ومن خلال الرد عرفنا هذا الموقف، وهذا الموقف هو ما ذكره ابن كثير فقال:
قال الضحاك عن ابن عباس: لما بعث الله محمدا ﷺ أنكر العرب ذلك أو من أنكر منهم، وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا فأنزل الله أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً
стр. 2782
أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ الآية (يونس: ٢) وقال: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ يعني سلوا أهل الكتب الماضية أبشرا كانت الرسل إليهم أم ملائكة؟ فإن كانوا بشرا فلا تنكروا أن يكون محمد ﷺ رسولا، قال تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى (يوسف: ١٠٩) ليسوا من أهل السماء كما قلتم».
هذا هو الموقف الذي ترد عليه الآيات، وهكذا نجد أن مجموعات المقطع- وإن كانت تسجيلا لمواقف الكافرين وردا عليها، إلا أنها- تسجل هذه المواقف بأساليب متنوعة.
التفسير:
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فهي سنة الله إذن في أن يرسل رجالا من البشر فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ أي أهل الكتاب ليعلموكم أن الله لم يبعث إلى الأمم السالفة إلا بشرا، وسمّي الكتاب ذكرا لأنه موعظة وتنبيه للغافلين إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ أن هذه سنة الله في هذه القضية
بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ البينات:
المعجزات: والزبر: الكتب. والمعنى: أرسلوا بالمعجزات والكتب، وهما علامتان على الرسالة وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ أي القرآن وهو كتاب ومعجزة بآن واحد فاجتمعت لك به علامتا الرسالة لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ من ربهم لعلمك بما أنزل الله عليك، وحرصك عليه، واتباعك له، ولعلمنا بأنك أفضل الخلائق، وسيد ولد آدم فتفصّل لهم ما أجمل، وتبين لهم ما أشكل وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ في تنبيهاته فينتبهوا، دل هذا على أن مما ينبغي أن يحرص عليه قارئ القرآن التفكر، لأنه بذلك يكون قد حقق حكمة من حكم إنزال هذا القرآن، وبعد أن ردّ الله شبهتهم، وأقام عليهم الحجة، هدّدهم واصفا إياهم بأنهم يمكرون السيئات بموقفهم هذا في إثارة الشبهة حول الرسول ﷺ والقرآن:
أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أي مكروا المكرات السيئات في محاربة الله ورسوله وكتابه، بمواقفهم وأقوالهم، ودعاء الناس إلى ذلك، وحملهم الناس على هذا المكر أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ كما فعل بمن تقدمهم أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ أي بغتة من حيث لا يعلمون مجيئه إليهم
أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ أي في المعايش واشتغالهم بها في أسفارهم ونحوها من الأشغال الملهية في
стр. 2783
ليلهم ونهارهم فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ أي فإنهم لا يعجزون الله على أي حال كانوا عليه،
أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ أي متخوفين وهو أن يهلك أحدا قبلهم فيتخوفوا فيأخذهم العذاب وهم متخوفون متوقعون وهو خلاف حالة مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ. قال ابن كثير في تفسيرها: أي أو يأخذهم الله في حال خوفهم من أخذه لهم، فإنه يكون أبلغ وأشد، فإن حصول ما يتوقع مع الخوف شديد، ثم قال تعالى:
فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ حيث لم يعاجلكم بالعقوبة، فهو يحلم عنكم مع استحقاقكم، والمعنى: أنه إذا لم يأخذكم مع ما فيكم فلرأفته ورحمته، فكفّوا إذن عن مكركم السيئات، وآمنوا برسول الله، وادخلوا في دينه، ولا تتبعوا خطوات الشيطان، وبعد أن أنذرهم لفت نظرهم إلى خضوع الأشياء كلها له، وفي ذلك ترغيب لهم أن يوافقوا الأشياء فلا يشذوا عنها، وأن يشاركوا الملأ الأعلى بكمالاته
أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ أي ترجع ظلاله من موضع إلى موضع عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ أي ذات اليمين وذات الشمال، أي بكرة وعشيا سُجَّداً لِلَّهِ أي هذه الظلال خاضعة له تعالى: وَهُمْ داخِرُونَ أي صاغرون، أي الأشياء نفسها خاضعة صاغرة، كما أن ظلالها ساجدة، والمعنى: أو لم يروا إلى ما خلق الله من الأجرام التي لها ظلال متفيئة عن أيمانها وشمائلها، بحيث ترجع الظلال من جانب، إلى جانب منقادة لله تعالى، غير ممتنعة عليه فيما سخّرها له من التفيؤ، والأجرام في أنفسها داخرة أيضا صاغرة منقادة لأفعال الله فيها، غير ممتنعة، أو لم يروا ذلك؟ أي: أو لم يروا خضوع الأشياء كلها لله فيخضعوا ويسلموا
وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ فملائكة السموات والأرض تسجد، ودواب الأرض والسموات ساجدة وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ عن السجود له تعالى والخضوع
يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ فهم خاضعون خائفون وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ فهم مطيعون.
فإذا كانت الأشياء كلها خاضعة ساجدة، وإذا كان الملائكة ساجدين خائفين مطيعين، فما بال هؤلاء لا يسجدون ولا يخافون ولا يطيعون أي فما لهم لا يدخلون في السلم كافة.
стр. 2784
كلمة في السياق: [في صلة المجموعة الرابعة بمقدمة المقطع الثاني وبالمحور، وترابط المجموعات السابقة]
١ - سجلت هذه المجموعة موقفا للمستكبرين، وردت عليه، ووعظتهم، ولفتت نظرهم وهذا يذكّرنا بمقدمة المقطع الثاني، ويذكّرنا بأن هذه المجموعة استمرار لمجموعاته.
٢ - جاء في أول السورة قوله تعالى: يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ. .. وقد جاءت هذه المجموعة لتناقش استغراب من استغرب أن يوحي الله إلى بشر، وتأتي المجموعة التالية مبدوءة بقوله تعالى: وَقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ فالمجموعتان السابقة واللاحقة إذن مرتبطتان بالمقطع الأول أيّ رباط، ارتباط التوحيد بالرسالة، وارتباط التوحيد باليوم الآخر، كما ورد في مقدمة هذا المقطع: إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ فالمجموعتان السابقة واللاحقة مرتبطتان بالمجموعة قبلهما التي ردّت على منكري اليوم الآخر، والمجموعات الثلاث مرتبطة بمقدمة المقطع أيّ ارتباط، والمقطع الثاني مرتبط بالمقطع الأول بروابط كثيرة، والمجموعات الثلاث تخدم السياق الكلي للقرآن، فتخدم الآية التي هي محور السورة في حيزها من سورة البقرة، فتعمّق معنى الإنذار باليوم الآخر، وتعمّق معنى الدخول في السلم كافة، وكل ذلك في تداخل لا يحيط بجماله وكماله إلا الله، وقبل أن نذكر فوائد هذه المجموعة نذكر المجموعة الخامسة، ونفسرها للارتباط الكامل بينها وبين المجموعة السابقة، حتى لتكادان أن تكونا مجموعة واحدة: يتقرر في أولاها الوحي والرسالة، ويتقرر في الثانية التوحيد، ثمّ نذكر بعد ذلك بعض الفوائد المتعلقة بالمجموعتين.
стр. 2785
المجموعة الخامسة: وتتألف من خمس آيات، وتمتد من الآية (٥١) إلى نهاية الآية (٥٥) وهذه هي:
١٦/ ٥٥ - ٥١
ملاحظة: [موضوع المجموعة تصحيح أفظع انحرافات المستكبرين وهو الشرك وصلة المجموعة بما قبلها]
رأينا أن كل مجموعة في هذا المقطع تسجل موقفا وتردّ عليه، إلا أنه في المجموعة الرابعة ردت على موقف دون تسجيله فعلم من الرد، وهذه المجموعة تقرر موضوعا هو تصحيح لأفظع انحرافات المستكبرين وهو الشرك، ونلاحظ أن هذا التصحيح جاء عقب لفت النظر في آخر آيات المجموعة الرابعة إلى خضوع الأشياء كلها لله.
التفسير:
وَقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ بإعطاء غير الله خصائص الإلهية من عبادة أو طاعة استقلالية أو حاكمية إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فلا تنبغي العبادة بمعانيها كلها إلا له، فله السجود، وله الخضوع، وله الطاعة، وله الانقياد؛ لأنه مالك كل شئ وخالقه وربه فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ أي فخافوني وحدي، ومن التركيب نفهم أنه لا يجوز أن يكون في قلب الإنسان رهبة إلا من الله، وإذا وجدت بحكم الجبلة فعليه أن يدافعها
وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ أي الطاعة واصِباً أي واجبا ثابتا دائما خالصا، وإذ كان الأمر كذلك، له ملك كل شئ، وعلى كل
стр. 2786
شئ طاعته، فكيف يتقى غيره! ومن ثم قال: أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ أي تخافون وتحذرون، وتحاولون وقاية أنفسكم منه،
ثم أخبر تعالى أن ما بالعباد من رزق ونعمة ونصر فمن فضله عليهم، وإحسانه لهم قال: وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ أي وأيّ شئ اتصل بكم من نعمة: عافية، وغنى، وخصب، فهو من الله فكيف تشركون معه غيره! ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ من مرض وفقر، وجدب، وخذلان، ومصائب وخوف، وغير ذلك فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ أي ترفعون أصواتكم إليه بالدعاء والاستغاثة، أي فما تتضرّعون إلا إليه؛ لعلمكم الفطري أنه لا يقدر على إزالته إلا هو، فإنكم عند الضرورات تلجئون إليه وتسألونه، وتلحون في الرغبة إليه مستغيثين به
ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ يوحّدون في الشدائد، ويشركون في الرخاء، أقام الحجة على التوحيد أولا بالوحي، ثم بخضوع كل شئ له إذ ما من شئ يشذ عن النظام الذي خلقه، ثم بكون النعم كلها منه، فهو الذي أوجدها وسخرها وأنعم بها، ثم بالالتجاء إليه وحده عند الشدة لما ركبت عليه الفطرة البشرية، وهكذا ردّت هذه المجموعة الشرك.
وعرّفت التوحيد، ثم ختمت بقوله تعالى لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ كأن هذا جواب سؤال هو: ما غرض هؤلاء من الشرك؟
الجواب: هو كفران النعمة التي آتاهم الله إياها، فهم يشركون لمجرد الكفران، تذكر أوائل السورة خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ وبعد أن بين الله غرضهم الخبيث المريض من الشرك أوعدهم فقال: فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ أي اعملوا ما شئتم، وتمتعوا بما أنتم فيه قليلا، فسوف تعلمون عاقبة ذلك، بعد أن أقام عليهم الحجّة، وبيّن سبب شركهم الذي لا يقبله عقل سليم، هدّدهم هذا التهديد الشديد فمن لم تؤثّر فيه الحجة فلعل الوعيد يفيده.
قال صاحب الظلال: (هذا النموذج الذي يرسمه التعبير هنا: ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ، ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ. .. نموذج متكرر في البشرية. ففي الضيق تتوجه القلوب إلى الله، لأنها تشعر بالفطرة ألّا عاصم لها سواه. وفي الفرج تتلهى بالنعمة والمتاع، فتضعف صلتها بالله، وتزيغ عنه ألوانا من الزيغ تبدو في الشرك به وتبدو كذلك في صور شتى من تأليه قيم وأوضاع ولو لم تدع باسم الإله.
стр. 2787
ولكن يلجأ إلى بعض مخاليقه يدعوها للنصرة والإنقاذ والنجاة؛ بحجة أنها ذات جاه أو منزلة عند الله، أو بغير هذه الحجة في بعض الأحيان. كالذين يدعون الأولياء لإنقاذهم من مرض أو شدة أو كرب .. )
فوائد المجموعتين [الرابعة والخامسة]:
١ - [حول الآية وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ .. وكون السنة بيان للكتاب]
من قوله تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ نفهم أن من مهمات رسول الله ﷺ تبيان الكتاب، ومن ثم فإن كل أفعاله ﷺ وأقواله وأحواله بيان للكتاب، حتى إن المتتبّع ليستطيع أن يرجع كل ما أثر في السنة عنه ﵊ إلى موضوع البيان، ومن ثم فإن الكتاب لا يفهم بدون السنة، فنحن لا نعرف كيف ننفّذ الكثير من أوامر الله، كأوامره بالصلاة والزكاة والصوم والحج، ولا نستطيع أن نفهم الحدود في الكثير من النواهي، كالربا وأكل أموال الناس بالباطل، وغير ذلك إلا من خلال السنة، فهي الشرح العملي والنظري للكتاب، فهناك تلازم كامل بين الكتاب والسنة، فمن لم يعرف السنة لا يستطيع أن يفهم الكتاب، ومن ثم فإننا جعلنا هذه السلسلة (الأساس في المنهج) تشتمل على ثلاثة أقسام الأساس في التفسير والأساس في السنة وفقهها والأساس في قواعد المعرفة وضوابط الفهم للنصوص. وما يصاب المسلمون بشيء أفظع من جهل بالكتاب والسنّة إنك لا تعرف حدود وقيود ما أمر الله به ونهى، ولا تعرف وضع الأمور في مواضعها، إن في التصور أو في السلوك، إلا من خلال السنة الشارحة للكتاب، ومن ثم تسمى السنة في القرآن بالحكمة، حتى إن الشافعي يرى أن كل حكمة مقرونة بالكتاب في القرآن إنما يراد بها السنة، فلا تقف همتك دون استيعاب الكتاب والسنة
٢ - [حديثان بمناسبة الآية فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ]
بمناسبة قوله تعالى: فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ يذكر ابن كثير حديثين في الصحيحين:
أ- «لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله إنهم يجعلون له ولدا وهو يرزقهم ويعافيهم».
ب- «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ثم قرأ رسول الله ﷺ وَكَذلِكَ أَخْذُ
стр. 2788
رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ.
٣ - [إحدى المعجزات القرآنية في الآية وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ .. ]
قال الله تعالى: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ يفهم من ظاهر الآية أن في السموات دواب، كما في الأرض دواب، وفي عصرنا يزداد الكلام عن احتمالات وجود حياة في أجرام كجرم أرضنا، ونحن الآن لا نستطيع أن نجزم بشيء، ولكن على فرض اكتشاف جرم فيه حياة فإن الآية يمكن أن تحمل عليه، أما إذا لم يتبين مثل ذلك فالآية تحمل على أن المذكور فيها يراد به دواب الجنة والله أعلم.
ولننتقل إلى المجموعة السادسة في هذا المقطع وهي المجموعة الأخيرة، وهي كسابقاتها تسجل مواقف للمستكبرين، وتردّ عليها، وبهذه المجموعة ينتهي هذا المقطع الذي يتألف من مقدمة وست مجموعات، فإذا اعتبرنا المقدمة مجموعة يكون المقطع مؤلفا من سبع مجموعات.
стр. 2789
المجموعة السادسة وتمتد من الآية (٥٦) إلى نهاية الآية (٦٤) وهذه هي:
١٦/ ٦٤ - ٥٦
التفسير:
قال صاحب الظلال: (وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمَّا رَزَقْناهُمْ فإذا هم يحرّمون على أنفسهم بعض الأنعام لا يركبونها أو لا يذوقون لحومها. أو يبيحونها
стр. 2790
للذكور دون الإناث- كما أسلفنا في سورة الأنعام- باسم الآلهة المدّعاة، التي لا يعلمون عنها شيئا، إنما هي أوهام موروثة من الجاهلية الأولى والله هو الذي رزقهم هذه النعمة التي يجعلون مما لا يعلمون نصيبا منها، فليست هي من رزق الآلهة المدعاة لهم ليردوها عليها، إنما هي من رزق الله، الذي يدعوهم إلى توحيده فيشركون به سواه.
وهكذا تبدو المفارقة في تصورهم وفي تصرفهم على السواء .. الرزق كله من الله.
والله يأمر ألا يعبد سواه، فهم يخالفون عن أمره فيتخذون الآلهة. وهم يأخذون من رزقه فيجعلونه لما نهاهم عنه. وبهذا تتبدّى المفارقة واضحة جاهرة عجيبة مستنكرة.
وما يزال أناس بعد أن جاءت عقيدة التوحيد وتقررت، يجعلون نصيبا من رزق الله لهم موقوفا على ما يشبه فعل الجاهلية. ما يزال بعضهم يطلق عجلا يسميه «عجل السيد البدوي» يأكل من حيث يشاء لا يمنعه أحد، ولا ينتفع به أحد، حتى يذبح على اسم السيد البدوي لا على اسم الله، وما يزال بعضهم ينذرون للأولياء ذبائح يخرجونها من ذمتهم لا لله، ولا باسم الله، ولكن باسم ذلك الولي، على ما كان أهل الجاهلية يجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقهم الله، وهو حرام نذره على هذا الوجه، حرام لحمه ولو سمي اسم الله عليه لأنه أهلّ لغير الله به.
تَاللَّهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ بالقسم والتوكيد الشديد فهو افتراء يحطم العقيدة من أساسها لأنه- يحطم فكرة التوحيد).
ونعيد تفسير هذه الآية بعد أن رأينا كلام صاحب الظلال فيها: وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ أي لآلهتهم أي ويجعلون لأشياء غير موصوفة بالعلم ولا تشعر نَصِيباً مِمَّا رَزَقْناهُمْ الله يرزقهم، ويجعلون قسما منه لآلهتهم الباطلة؛ تقربا إليها، بل يفضلونها على جنابه سبحانه تَاللَّهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ أي تكذبون في أنها آلهة، وأنها أهل للتقرب إليها. أقسم الله تعالى بنفسه الكريمة ليسألنهم عن ذلك الذي افتروه وائتفكوه وليجازيهم عليه أوفر الجزاء في نار جهنم. فهذا أول موقف من مواقف المستكبرين في هذه المجموعة: يسجل ويرد عليه بآن واحد، إذ يتقربون بما رزقهم الله لمن لا يشعر بفعلهم أصلا، فأي حماقة وأي ظلم وأي جهل؟ ثم يخبر تعالى عنهم أنهم جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا، وجعلوها بنات الله؛ فعبدوها معه، فأخطئوا خطأ فظيعا في كل مقام من هذه المقامات الثلاث فنسبوا إليه تعالى أن له ولدا،
стр. 2791
ولا ولد له، ثم أعطوه من يعتبرونه أخس القسمين من الأولاد وهم في مفاهيمهم الجاهلية لا يرضونها لأنفسهم، ثم زادوا على ذلك أن عبدوها، وهذا هو الموقف الظالم الثاني للمستكبرين في هذه المجموعة
وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ فيقعون بذلك كما مر بثلاثة من أفظع أنواع الكفر سُبْحانَهُ عن قولهم وإفكهم أي تنزيها لذاته من نسبة الولد إليه وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ أي ويجعلون لأنفسهم ما يشتهون من الذكور، يجعلون لهم البنين، ويجعلون لله البنات سبحانه. ثم ذكر الله نظرتهم إلى البنات، ممّا يدل على أن تصورهم عن الذات الإلهية في غاية الفساد، فهم يختارون لأنفسهم الذكور، ويأنفون لأنفسهم من البنات التي نسبوها إلى الله، لدرجة أن الواحد منهم إذا بشّر بالأنثى يكاد يهلك، أليس هذا يدل على أنهم يضعون الله في المقام الأدنى من مقام أنفسهم، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا
وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا أي كئيبا مغتمّا فهو أسود الوجه من الكآبة والحياء من الناس وَهُوَ كَظِيمٌ أي ساكت من شدة ما هو فيه من الحزن، مملوء حنقا على المرأة
يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ أي يكره أن يراه الناس؛ فيستخفي منهم مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أي من أجل سوء المبشّر به، ومن أجل تعييرهم أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أي
ويحدث نفسه وينظر أيمسك ما بشّر به على هون وذل، أم يئده، بأن يدفنها حية كما كانوا يصنعون في الجاهلية؟ أفمن يكرهونه هذه الكراهة ويأنفون لأنفسهم عنه يجعلونه لله؟! أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ أي بئس ما قالوا وبئس ما قسموا، وبئس ما نسبوه إليه، حيث يجعلون الولد الذي هذا محله عندهم لله ويجعلون لأنفسهم من هو على عكس هذا الوصف فما أسوأ محاكمتهم وما أسوأ حكمهم؟.
قال صاحب الظلال بمناسبة هذه الآية:
(ومن عجب أن ينعق الناعقون بلمز العقيدة الإسلامية والشريعة الإسلامية- في مسألة المرأة، نتيجة لما يرونه في هذه المجتمعات المنحرفة ولا يكلف هؤلاء الناعقون اللامزون أنفسهم أن يراجعوا نظرة الإسلام، وما أحدثته من ثورة في التطورات والأوضاع وفي المشاعر والضمائر وهي بعد نظرة علوية لم تنشئها ضرورة واقعية ولا دعوة أرضية ولا مقتضيات اجتماعية أو اقتصادية. إنما أنشأتها العقيدة الإلهية الصادرة عن الله الذي كرم الإنسان، فاستتبع تكريمه للجنس البشري تكريمه للأنثى. ووصفها بأنها شطر النفس البشرية، فلا تفاضل بين الشطرين الكريمين على الله.).
стр. 2792
لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ أي صفة النقص أي صفة السوء، وهي هنا الحاجة إلى الأولاد الذكور وكراهة الإناث ووأدهنّ خشية الإملاق وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى أي الكمال المطلق من كل وجه، ومن ذلك الغنى عن العالمين، والنزاهة عن صفات المخلوقين وَهُوَ الْعَزِيزُ أي الغالب في تنفيذ ما أراد الْحَكِيمُ في إمهال العباد
وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ أي بكفرهم ومعاصيهم ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ أي لأهلك جميع دواب الأرض تبعا لإهلاك بني آدم، ولكن الرب ﷻ يحلم ويستر وينظر إلى أجل مسمى وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى أي إلى وقت مسمى عنده تقتضيه الحكمة، أو إلى يوم القيامة، وإذن فهو لا يعاجلهم بالعقوبة إذ لو فعل ذلك بهم لما أبقى أحدا، دلّت الآية على أن المستكبرين يستحقون العقوبة بسبب ظلمهم، لولا أن حكمة الله اقتضت الإنظار فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ فهو آت مهما أنظروا، فكل آت قريب
وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ يكرهون البنات ويجعلونها لله، ويكرهون أن يكون لأحدهم شريك في ماله ويجعلون لله شريكا في ملكه، ويكرهون أن يستخف أحد برسلهم وهم يستخفون برسل الله ويستهزءون بهم ويكرهون أراذل المال ويجعلونها له، ويجعلون لأصنامهم أكرمها، فقد أقاموا الله بالمقام الأدنى من أنفسهم وأصنامهم وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أي ويقولون الكذب مع ذلك وهو أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى أي عند الله، وإن كان ثمّ معاد ففيه أيضا لهم الحسنى وهي الجنة، إن كان البعث حقا، فهم يفعلون ما يفعلون، ويظلمون ما يظلمون، ويسبّون الله ما يسبّون، وينسبون لله جل شأنه من الصفات الدنيا ما ينسبون، ومع ذلك يعتبرون أن لهم مقاما عنده يؤهلهم لخيري الدنيا والآخرة لا جَرَمَ أي حقا، أَنَّ لَهُمُ النَّارَ فهي التي يستحقونها وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ أي مقدّمون عنده، ولكن إلى النار معجّلون إليها، ثم ختم الله هذه المجموعة، وهذا المقطع كله بآيتين:
تَاللَّهِ يقسم بذاته الكريمة لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ أي أرسلنا رسلا إلى من تقدمك من الأمم فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ من الكفر والتكذيب والاستهزاء وأمثال ما مر معك، فلا تتعجب من تزيين أعمال هؤلاء لهؤلاء على سوئها فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ أي فالشيطان قرين الكافرين في الدنيا، المتولي لإضلالهم بالغرور وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ في القيامة، دلت الآية على أن مواقف المستكبرين التي مرّت معنا كلها من تزيين الشيطان واتباع خطواته، ثم قال الله لرسوله ﷺ
وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ أي القرآن إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ أي للناس
стр. 2793
الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ فالقرآن فاصل بين الناس في كل ما يتنازعون فيه وَهُدىً للقلوب والعقول وَرَحْمَةً لمن تمسك به، ومن ثم قال لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ فهو هدى لقلوبهم وعقولهم وسلوكهم، ورحمة لهم في كل حال. فالقرآن فيه بيان لكل شئ، ولكن يستفيد منه المؤمنون، فهو رحمة لهم وهدى، وبهذا انتهت المجموعة السادسة، وانتهى بها المقطع الثاني. وقد دلنا على انتهائه أنه جاءت بداية جديدة تشبه بدايته. فقد بدأ المقطع بقوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ ....
والآن يأتي قوله تعالى: وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً .... فهذه بداية المقطع الثالث.
ملاحظة حول السياق: [توضيح لمدى ترابط آيات المجموعة وصلتها بالمحور]
لاحظ أنه قد جاء في وسط هذه المجموعة قوله تعالى:
لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى مما يشعرنا أنّ هذه المواقف للكافرين سببها كفرهم بالآخرة، فالكفر بالآخرة هو سبب هذه الجرأة على الله. لاحظ صلة هذا بمقدمة المقطع إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ ثم لاحظ أنّ المقطع أفهمنا بآيته قبل الأخيرة أن مواقف الكافرين إنما هي من تزيين الشيطان لهم، فإذا تذكرنا أن المجموعات الستة في المقطع قد تحدثت عن مواقف للمستكبرين، وإذا تذكّرنا أن الكبر هو خلق الشيطان الأول، أدركنا أن المقطع كان حديثا عن خطوات الشيطان التي نهينا عن اتباعها، وإذا تذكّرنا الكلام الكثير عن اليوم الآخر في المقطع، وإذا تذكرنا ختم المقطع بقوله تعالى: وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ أدركنا صلة المقطع بمحور السورة، وبحيز محور السورة من البقرة، إذ يأمر بالدخول في السّلم كافّة، وإذا تذكّرنا هذه الآية، وتذكّرنا الآية الثانية من سورة النحل يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ أدركنا الصلة ما بين مقاطع السورة
..
ومن كل ما مرّ معنا ندرك ارتباط سلامة التصور عن الذات الإلهية بسلامة التصور عن اليوم الآخر، بموضوع الدخول في الإسلام كله، بموضوع عدم اتباع خطوات الشيطان، وعلى عكس ذلك، فإنه يترتب على فساد التصور عن الله واليوم الآخر؛
стр. 2794
اتباع لخطوات الشيطان وعدم دخول في السلم كله.
فوائد:
بمناسبة قوله تعالى: وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى يذكر ابن كثير بعض الآثار والأحاديث التي تفيد تعدي أثر ظلم الظالم، وعدل العادل لغيرهما. قال ابن كثير: (قال سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص أنه قال: كاد الجعل (١) أن يعذب بذنب بني آدم وقرأ الآية وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ روى الأعمش عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة قال: قال عبد الله: كاد الجعل أن يهلك في جحره بخطيئة بني آدم. وروى ابن جرير ... عن أبي سلمة قال: سمع أبو هريرة رجلا وهو يقول: إن الظالم لا يضر إلا نفسه؛ قال: فالتفت إليه فقال: بلى والله حتى إن الحبارى (٢) لتموت في وكرها بظلم الظالم. وقال ابن أبي حاتم ... عن أبي الدرداء ﵁ قال: ذكرنا عند رسول الله ﷺ (لعلهم ذكروا زيادة العمر) فقال: «إن الله لا يؤخر شيئا إذا جاء أجله، وإنما زيادة العمر بالذرية الصالحة، يرزقها الله العبد فيدعون له من بعده فيلحقه دعاؤهم في قبره فذلك زيادة العمر».
ملاحظة: [العلامة على تحديد مقاطع السورة]
رأينا أن المقطع الثاني بدأ بكلمة (والله) وكذلك المقطع الثالث يبدأ بنفس الكلمة إنه من خلال هذه العلامة، ومن خلال المعاني حدّدنا مقاطع السورة.
стр. 2795
المقطع الثالث ويمتد من الآية (٦٥) إلى نهاية الآية (٨٩) وهذا هو:
١٦/ ٨٩ - ٦٥
стр. 2796
التفسير:
وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ أي من السحاب ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها فتلك نعمة من أجلّ نعمه تعالى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً أي لدلالة واضحة على الله وقدرته وعنايته لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ أي يفهمون الكلام ومعناه، ويسمعونه سماع إنصاف وتدبّر، لأنّ من لم يسمع بقلبه فكأنه لا يسمع
وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ أي في الإبل والغنم والبقر والماعز لَعِبْرَةً أي لآية ودلالة على حكمة خالقها وقدرته ورحمته نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ أي بطون النعم مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ أي فضلات وَدَمٍ لَبَناً أي نسقيكم من بين هذا وهذا لبنا خالِصاً لا أثر فيه لدم ولا فرث، لا في اللون ولا في الطعم ولا في الرائحة سائِغاً لِلشَّارِبِينَ سهل المرور في الحلق، وفي هذه الآية معجزة عظيمة زائدة على الإعجاز العام في القرآن، سنراها في الفوائد، ولما ذكر الله نعمته على خلقه باللبن وكونه شرابا سائغا ثنّى بتذكير الناس بما يتخذونه من أشربة مما خلق، والفعل فعله، من أجل أن يحرّك في أنفسهم الشعور بنعم
стр. 2797
الله
وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ أي من عصيرها تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً أي خمرا وَرِزْقاً حَسَناً كالخل والدبس والنقيع، وفي الآية كلام كثير سنراه في الفوائد إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً أي لدلالة واضحة على الله الذي خلق لهذا الإنسان ما خلق، ولكن هذه الآية يدركها أصحاب العقول، لذلك قال: لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وناسب ذكر العقل هاهنا لذكر السكر الذي حرّمه الله على هذه الأمة صيانة لعقولها.
ثم ذكّر الله تعالى بآية أخرى ونعمة أخرى وَأَوْحى رَبُّكَ أي ألهم وهدى وأرشد إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً تأوين إليها وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ أي مما يعرش الناس، أي يرفعون من سقوف البيوت، أو ما يبنون للنحل من الأماكن التي تعسل فيها
ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ أي وألهمها أن كلي من كل الثمرات فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ: أي فإذا أكلت الثمار في المواضع البعيدة من بيوتك، فاسلكي إلى بيوتك راجعة سبل الله لا تضلين فيها ذُلُلًا أي مذللة لك أي مسهّلة عليك، فهي ترعى حيث شاءت ثم تعود كل واحدة منها إلى بيتها لا تحيد عنه يمنة ولا يسرة، بل إلى بيتها يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ هو العسل مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ منه أبيض وأصفر وأحمر، وخروجه من بطونها يكون عن طريق فمها فِيهِ أي في العسل شِفاءٌ لِلنَّاسِ لم يقل فيه الشفاء للناس لأنه ليس شفاء من كل داء، بل فيه شفاء للناس من أدواء تعرض لهم، وقد ألفت المؤلفات الكثيرة، شرقية وغربية في العسل كدواء كما سنرى في باب الفوائد إِنَّ فِي ذلِكَ أي في مجموع ما مرّ من هداية النحل، إلى الشفاء بما يخرج منه لَآيَةً ولكن لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ أما الذي لا يتفكر فإنه قد أعمته الألفة عن رؤية الآية فلم يعد يشعر بما تدلّ عليه، ثم قال تعال:
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ فتذكروا نعمته عليكم في ذلك ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ فاعرفوه بصفة الإحياء والإماتة وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ أي إلى أخسه وأحقره وهو الهرم لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً أي لينسى ما يعلم، أو لئلا يعلم زيادة علم على علمه إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ عليم بحكم التحويل إلى الأرذل من الأكمل، أو إلى الإفناء من الإحياء، قدير على تبديل ما يشاء كما يشاء من الأشياء، بعد أن ذكّرهم في الآيات السابقة على هذه الآية بمجموعة من نعمه ذكّرهم هنا بكمال قدرته وتصرفه، وعجزهم وقهرهم تحت سلطانه؛ ليدركوا افتقارهم في كل حال إليه، فهم مفتقرون إلى نعمه، مفتقرون إليه، ثم قال تعالى
وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ رزق هذا أكثر من هذا، وجعل هذا مالكا وهذا مملوكا، وهذا لا يملك شيئا.
стр. 2798
وسنرى حكمة ذلك في باب الفوائد فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ أي فما الذين فضّلوا بالرزق- وهم الملّاك- برادي رزقهم أي: بمعطين رزقهم لمملوكيهم فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ أي فيستووا مع عبيدهم في الرزق، أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ هذه حجتهم وفلسفتهم ذكرها الله في عدم رد ما فضلوا به على مماليكهم أنهم لو فعلوا لجحدوا نعمة الله عليهم الذي فضّلهم على غيرهم، وبهذا أقام الله الحجة على المشركين فهو مثل ضربه الله لهم معناه: أنتم لا ترضون أن تسووا بينكم وبين عبيدكم فيما أنعمت به عليكم، ولا تجعلونهم فيه شركاء، ولا ترضون ذلك لأنفسكم، فكيف رضيتم أن تجعلوا عبيدي لي شركاء، وتعتقدون أنني راض عن ذلك. والآية تحتاج إلى كلام كثير سنراه في الفوائد.
وهكذا بدأت هذه المجموعة بالتذكير بنعم الله ثم بالتذكير بقهره، ثم بإقامة الحجة على المشركين لتحرير التوحيد، والآن تعود للتذكير بالنعمة، وتقرير التوحيد بآن واحد
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً.
قال ابن كثير: «يذكر الله تعالى نعمه على عبيده بأن جعل لهم من أنفسهم أزواجا من جنسهم وشكلهم. ولو جعل الأزواج من نوع آخر ما حصل الائتلاف والمودة والرحمة، ولكن من رحمته خلق من بني آدم ذكورا وإناثا، وجعل الإناث أزواجا للذكور، ثم ذكر الله تعالى أنه جعل من الأزواج البنين والحفدة: وهم: أولاد البنين) وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أي من المطاعم والمشارب، وهذا من كمال نعمته عليكم، وإذ كان الأمر كذلك فكيف تشركون. ومن ثم قال: أَفَبِالْباطِلِ الباطل هو الشئ الذي لا حقيقة له يُؤْمِنُونَ أي يصدّقون وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ التي يحسونها ويتنعّمون بها يَكْفُرُونَ يضيفونها إلى غيره ولا ينسبونها إليه، وهذا دأب المشركين خلال العصور، ومن ذلك ملاحدة عصرنا الذين يخلعون على الطبيعة خصائص الإلهية، ويجعلونها هي الخالقة الرازقة.
وبعد أن ذكّر الله بنعمه، وأقام الحجة على المشركين أخبر عن المشركين، وماذا يفعلون؟ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً فالله هو المنعم المتفضل الخالق الرازق وحده، وغيره لا يملك أن يرزق أدنى شئ وَلا يَسْتَطِيعُونَ أي لا يملكون الرزق، ولا يمكنهم أن يملكوه، ولا يتأتى ذلك منهم، ومن كان كذلك فكيف يعبد؟ ولا شك أن الذين يعبدون من دون الله ما يعبدون
стр. 2799
يفلسفون ذلك ويموّهونه، ويحاولون تقريبه إلى الأذهان بضرب الأمثال. ولذلك قال تعالى:
فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ أي إنه يعلم ويشهد أنه لا إله إلا هو، وأنتم بجهلكم تشركون به غيره، ثم ضرب الله مثلين لإبطال شركهم وإقامة الحجة عليهم.
المثل الأول: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ أي مثلكم في إشراككم بالله الأوثان مثل من سوّى بين عبد مملوك عاجز عن التصرّف، وبين حر مالك قد رزقه الله مالا فهو يتصرف فيه وينفق منه ما يشاء، فهل يستوي هذا مع هذا؟ ولما كان الفرق بينهما ظاهرا واضحا بيّنا لا يجهله إلا غبي، قال الله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ بأن الحمد والعبادة لله. قال مجاهد عن هذا المثل: هو مثل مضروب للوثن وللحق تعالى فهل يستوي هذا وهذا؟
المثل الثاني: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ الأبكم: هو الذي ولد أخرس فلا يفهم ولا يفهم وَهُوَ كَلٌّ أي ثقل وعيال وكلفة عَلى مَوْلاهُ أي على من يلي أمره ويعوله أَيْنَما يُوَجِّهْهُ أي يبعثه لا يَأْتِ بِخَيْرٍ فلا تنجح مساعيه، فحيثما يرسله ويصرفه في مطلب أو حاجة أو كفاية مهم لم ينفع ولم يأت بنجاح هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ أي ومن هو سليم الحواس نفّاع ذو كفايات، مع رشد وديانة، فهو يأمر الناس بالعدل والخير وَهُوَ أي في نفسه عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ أي على سيرة صالحة ودين قويم، وهذا مثل آخر للوثن وللحق تعالى، يعني: أن الوثن أبكم لا يتكلم ولا ينطق بخير ولا بشيء، ولا يقدر على شئ بالكلية، فلا مقال ولا فعال، وهو مع هذا كلّ على من يتولاه، والله يفيض على عباده من آثار رحمته، فينزل وحيا ويرسل رسلا، وينزل كتبا تعرّف الناس على العدل الخالص، وله الصفات العليا والأسماء الحسنى، فكيف يشرك المشركون؟ ولمّا كان هذان المثلان قد ذكرا من باب تقريب المعاني إلى الأذهان، وقد يترتب عليه في الأذهان الكليلة تصور لا يليق بالعظمة، أتبع الله ذلك بآية تتحدث عن عظمة الله بما يخلع القلوب
وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي يختص به علم ما غاب فيهما عن العباد وخفي عليهم علمه وَما أَمْرُ السَّاعَةِ في قرب كونها، وسرعة
стр. 2800
قيامها، مع أنها تغيير لنظام الكون كله إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ أي إلا كرجع طرف أو الأمر أقرب من ذلك. وفسر بعضهم (أو) هنا بمعنى بل. والمعنى بل أمر الساعة
أقرب من لمح البصر إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فهو يقدر على أن يقيم الساعة ويبعث الخلق، وهذا بعض مقدوراته. أخبر تعالى بذلك عن كمال علمه في علمه غيب السماوات والأرض، واختصاصه بعلم الغيب، فلا اطّلاع لأحد على ذلك إلا أن يطلعه تعالى على ما يشاء، وعن كمال قدرته التامة التي لا تخالف ولا تمانع، وأنه إذا أراد شيئا فإنما يقول له كن فيكون.
ثم يعود السياق إلى تعداد نعم الله.
وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ فهذه وسائل الإدراك لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أنه ﷻ ركّب فيكم هذه الأشياء لإزالة الجهل الذي ولدتم عليه، واجتلاب العلم الذي يوصل إلى شكر المنعم، وعبادته والقيام بحقوقه، فماذا فعل الناس فيها؟ استعملها الكثيرون فأفادتهم، ولكن لم يحققوا بها ما خلقت له، وهو الوصول إلى الشكر، والقليل هم الذين شكروا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ (سبأ: ١٣)
ثم لفت نظرهم إلى آيات من آيات الله أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ أي مذللات للطيران بما خلق لها من الأجنحة والأسباب المواتية لذلك فِي جَوِّ السَّماءِ أي في هواء السماء والمراد بها السماء لغة وهي جهة العلو ما يُمْسِكُهُنَّ في قبضهن وبسطهن ووقوفهن إِلَّا اللَّهُ بقدرته فإنه الخالق لكل شئ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ فالمؤمن هو الذي يرى آيات الله في هذه الظاهرة
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً السكن:
هو الذي يسكن إليه الإنسان، وينقطع إليه من بيت أو إلف لما يسببه له ذلك من سكينة وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً المراد بذلك قباب الجلود وهي معروفة قديما، ويدخل في ذلك بيوت الشعر كذلك، لأنها من جلود الأنعام تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ أي ترونها خفيفة المحمل في الضرب والنقض والنقل، والظعن: الارتحال.
منّ الله عليهم بالخيام التي يستخفون حملها في أسفارهم ليضربوها في إقامتهم في السفر والحضر، ومن ثم قال: وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ أي قراركم في منازلكم، والمعنى أنها خفيفة عليكم في أوقات السفر والحضر وَمِنْ أَصْوافِها أي أصواف الغنم وَأَوْبارِها أي وأوبار الإبل وَأَشْعارِها أي وأشعار المعز أَثاثاً أي متاعا
стр. 2801
للبيت ولكم، فالأثاث يطلق على البسط والثياب وحاجيات البيوت وَمَتاعاً إِلى حِينٍ أي وشيئا ينتفع به إلى مدة من الزمان أي إلى أجل مسمى، ووقت معلوم. وفي الآية إشارة إلى معنى سنراه في الفوائد
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا كالأشجار والسقوف وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً الأكنان جمع كن: وهو ما سترك من كهف أو غار، وفسّرها ابن كثير: بالحصون والمعاقل وهو معنى أدق وأعم، والنّعمة فيه أظهر، وخاصة في الحرب وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ السرابيل هي القمصان والثياب من الصوف والكتان والقطن تَقِيكُمُ الْحَرَّ أي والبرد إلا أنه سبحانه اكتفى بأحد الضدين لأن الوقاية من الحر قد لا يتفطن إليها الإنسان وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ أي ودروعا من الحديد ترد عنكم سلاح عدوكم في قتالكم، والبأس: شدة الحرب، والسربال: عام يقع على ما كان من حديد أو غيره كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ أي هكذا يجعل لكم ما تستعينون به على أمركم، وما تحتاجون إليه ليكون عونا لكم على طاعته وعبادته، لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ أي تسلمون لله فتؤمنون وتنقادون وتدخلون في دينه ولننتبه جيدا إلى قوله تعالى: لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ
كلمة حول السياق: [حول صلة الآيات (٦٥ - ٨١) بمحور السورة وعرض لمضمون المقطع]
رأينا أن محور هذه السورة هو قوله تعالى من سورة البقرة: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ الآتية في حيّز قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ فهذه السورة تذكّر الإنسان باليوم الآخر من أجل أن يدخل في الإسلام كله، ويترك خطوات الشيطان، والتذكير باليوم الآخر يقتضي تذكيرا بالله؛ لأنّ من لم يؤمن بالله حق الإيمان، ويعرفه حق المعرفة، لا يؤمن باليوم الآخر.
وقد رأينا أنّ هذا المقطع قد سار معدّدا نعم الله، ومعرّفا على الله حتى آخر آية عرضناها لينهيها بقوله: كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ.
فهذه الخاتمة تذكرنا بأن الله ما أنعم على هذا الإنسان هذه النعم الكبيرة إلا من أجل الإسلام، فإذا لم يسلم الإنسان لله فإنه لا يكون قد أدى شكر الله، ولا يكون قد حقق الحكمة من وجوده الذي سخر الله له كل شئ، وقد أنزل الله هذا الإسلام من أجل أن يدخل فيه الإنسان دخولا كاملا، بتطبيقه جميعه، فمن لم يدخل في الإسلام كله فإنه لم
стр. 2802
يحقق الشكر، ومن ثم نجد التناقض الكبير الذي عليه أكثر الخلق.
ولنعد إلى السياق:
فَإِنْ تَوَلَّوْا أي أعرضوا عن الدخول في الإسلام كله فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ أي فلا تبعة عليك في ذلك، لأن الذي عليك هو التبليغ الظاهر الواضح الكامل البيان، وقد كان
يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ أي يعرفون أن الله تعالى هو المسدي إليهم ذلك، وهو المتفضّل به عليهم ثُمَّ يُنْكِرُونَها بأفعالهم حيث يرفضون الدخول في الإسلام كله وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ أي وأكثرهم الجاحدون أي غير المعترفين، فهم بين اثنين: إما إنسان يعترف بالنعم ولا يبني عليها الدخول الكامل في الإسلام، أو إنسان يجحد أصلا نعمة الله كهؤلاء الملحدين الذين لا يؤمنون بالله أصلا، فضلا عن أن يدخلوا في دينه، وفي سبب نزول هذه الآية يذكر ابن أبي حاتم بسنده إلى مجاهد أن أعرابيا أتى النبي ﷺ فسأله فقرأ عليه رسول الله ﷺ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً فقال الأعرابي: نعم، قال وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً الآية قال
الأعرابي نعم، ثم قرأ عليه، كل ذلك يقول الأعرابي: نعم. حتى بلغ كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ فولّى الأعرابي فأنزل الله يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها
ولنعد إلى الكلام عن السياق:
رأينا كيف خدم هذا المقطع حتى الآن موضوع الدخول في الإسلام كله، وهو الموضوع الذي تخدمه هذه السورة، وتخدمه الآية التي هي محور هذه السورة من سورة البقرة، ومضمونها التذكير باليوم الآخر، كطريق لإيصال الإنسان إلى الدخول في الإسلام كله، ومن ثم نلاحظ أن هذا المقطع يختتم بمجموعة آيات: أول آية فيها مبدوءة بقوله تعالى: وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ... وآخر آية فيها مبدوءة بنفس المطلع وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ونلاحظ أن الآية الأخيرة قد ختمت بقوله تعالى: وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ وفي هذا الختام الذي يذكر الله فيه أنه ما من قضية من قضايا الوجود إلا ولله فيها الحكم الحق- وما خالفه ضلال وقد بيّنه في كتابه، أو بيّن الطريق إلى الوصول إليه في كتابه، ومجموع هذه الأحكام هي الإسلام الذي أمر الله بالدخول فيه، ومن هذا ندرك أن
стр. 2803
المجموعة الآتية تخدم بشكل مباشر محورها من سورة البقرة وهو آية هَلْ يَنْظُرُونَ .... وبما يحقق حيّزها وهو ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ... بشكل مباشر.
فلنر المجموعة الأخيرة من هذا المقطع:
وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً يشهد عليها وهو رسولها، أي: واذكر يوم نحشر من كل أمة نبيا يشهد لهم وعليهم بالتصديق والتكذيب، والإيمان والكفر ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا أي في الاعتذار لأنهم يعلمون بطلانه وكذبه، والمعنى أنّه لا حجة لهم ولذلك لا يؤذن لهم بالاعتذار، دلّل بعدم الإذن على أنه لا حجة لهم ولا عذر وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ أي ولا يسمح لهم بالاسترضاء، أي لا يقال لهم أرضوا ربكم لأن الآخرة ليست بدار عمل، وذلك مقام رهيب، الأنبياء هم الشهود على الكافرين، والكافرون يمنعون الكلام، فلا يؤذن لهم في إلقاء معذرة، ولا بالإدلاء بحجة
وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا أي الذين كفروا وأشركوا الْعَذابَ بأن يدخلوا النار فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ أي لا يفتر عنهم ساعة واحدة وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ أي ولا هم يمهلون قبله لا يؤخر عنهم ولا يفتر
وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ أي الذين يعبدونهم في الدنيا قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا أي آلهتنا التي جعلناها شركاء الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا أي نعبد مِنْ دُونِكَ فتبرأت منهم آلهتهم أحوج ما يكونون إليها فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ أي قالت لهم الآلهة: كذبتم ما نحن أمرناكم بعبادتنا كذّبتهم آلهتهم لأنها كانت جمادا لا تعرف من عبدها، أو كذبوهم في تسميتهم شركاء وآلهة؛ تنزيها لله عن الشرك
وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ إلقاء السلم يعني: الاستسلام لأمر الله وحكمه بعد الإباء والاستكبار في الدنيا، أي وألقى الذين كفروا يومئذ السلم لله بأن استسلموا لله جميعهم، فلا أحد إلا سامع مطيع، أسلموا حيث لا ينفعهم إسلامهم، وتركوا الإسلام حين كانوا مكلفين به وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ أي وبطل عنهم ما كانوا يفترون، من أن لله شركاء، وأنهم ينصرون ويشفعون، لقد ذهب واضمحل ما كانوا يعبدونه افتراء على الله، فلا ناصر لهم ولا معين ولا مجير، ثم بين الله جزاء الذين جمعوا بين الكفر والصد عن سبيل الله فقال:
الَّذِينَ كَفَرُوا في أنفسهم. وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي وحملوا غيرهم على الكفر ومنعوهم من الدخول في الإسلام زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ
стр. 2804
الْعَذابِ أي عذابا على كفرهم، وعذابا على صدهم الناس عن اتباع الحق بِما كانُوا يُفْسِدُونَ أي بسب كونهم مفسدين في الأرض بصد الناس عن سبيل الله، وإبعاد الناس عن الإسلام
وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ أي واذكر يوم نبعث في كل أمة نبيّهم شهيدا عليهم من جنسهم وَجِئْنا بِكَ يا محمد شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ أي على أمتك أي اذكر ذلك اليوم وهوله وما منحك الله فيه من الشرف العظيم والمقام الرفيع، ثم ذكر الله ما شرّف به رسوله ﷺ في الدنيا من إنزال هذا القرآن عليه وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً أي مبيّنا لِكُلِّ شَيْءٍ من أمور الدين والدنيا. قال ابن مسعود: (قد بين لنا في هذا القرآن كل علم وكل شئ) فما من قضية من القضايا التي يحتاجها الإنسان كفرد والإنسانية كلها- إلا ولله فيها الحكم الحق، ومجموع هذه الأحكام هي الإسلام. وفي الفوائد تفصيل حول هذا الموضوع، ثم أكمل الله وصف كتابه بعد أن بين أنه تبيان لكل شئ فقال: وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ فكما أن القرآن فيه تبيان لكل شئ ففيه كذلك دلالة إلى الحق، ورحمة للمسلمين وبشارة لهم بالجنة، وهكذا استقر المقطع على تبيان أن الإسلام تفصيله في هذا القرآن الذي فيه بيان كل شئ، وفيه الهدى والرحمة والبشارة للمسلمين، وبهذا انتهى المقطع.
الفوائد:
١ - [إحدى المعجزات القرآنية في الآية وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً .. ]
في قوله: وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشَّارِبِينَ
معجزة زائدة على الإعجاز العام الموجود في هذا القرآن، هذه المعجزة تتمثل في كون القرآن تحدث عن موضوع لم يعرف بمنتهى الدقة العلمية على ما حدّث به القرآن إلا بعد قرون، فالحديث عنه في القرآن بهذه الدقة يدل على أن هذا القرآن من عند الله فلنر الموضوع: إن آلية تشكل الحليب كما يتحدث عنه العلم الحديث على الشكل التالي: بعد أن يتمثل الطعام، ويصل إلى الأمعاء، تمتص الزغيبات المعوية ما فيه من غذاء، مبقية الفضلات- وهي الفرث- في الأمعاء، فيلقي الغذاء في الدم، وهذه أول تصفية، ثمّ يمر الدم وهو يحمل الغذاء على الغدد اللبنية فتفرز هذه الغدد الحليب من الدم ليذهب إلى الثدي، وتلك التصفية الثانية، وهكذا من بين فرث ودم يخرج الحليب، هذا الذي ذكره القرآن قبل أن يصل العلم إلى مثل هذه الدقة في تحديد آلية
стр. 2805
الوصول إلى الحليب يدل بما لا يقبل جدلا على أنّ منزل هذا القرآن هو العليم بكل شئ.
قال صاحب الظلال: (وقد بقي هذا كله سرا إلى عهد قريب، وهذه الحقيقة العلمية التي يذكرها القرآن هنا عن خروج اللبن من بين فرث ودم لم تكن معروفة لبشر، وما كان بشر في ذلك العهد ليتصورها، فضلا عن أن يقررها بهذه الدقة العلمية الكاملة. وما يملك إنسان يحترم عقله أن يماري في هذا أو يجادل. ووجود حقيقة واحدة من نوع هذه الحقيقة يكفي وحده لإثبات الوحي من الله بهذا القرآن: فالبشرية كلها كانت تجهل يومذاك هذه الحقيقة.
والقرآن عبر هذه الحقائق العلمية البحتة- يحمل أدلة الوحي من الله مع خصائصه الأخرى لمن يدرك هذه الخصائص ويقدرها، ولكن ورود حقيقة واحدة على هذا النحو الدقيق يفحم المجادلين المتعنتين).
٢ - [أول آية تشير إلى الخمر تلميحا هي وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً .. ]
أول آية نزلت تشير إلى الخمر غامزة منها هي قوله تعالى وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إذ عطفت الرزق الحسن على السّكر، والعطف يقتضي التغاير، فدل ذلك على أن السّكر ليس من الرزق الحسن، فكانت غمزة في الخمر ومقدمة لتحريمه، وللعلماء استنباطات من الآية:
قال ابن كثير بعد أن ذكر الآية: (دلّ على إباحته شرعا قبل تحريمه ودل على التسوية بين المسكر المتّخذ من النخل والمتخذ من العنب، كما هو مذهب مالك والشافعي، وأحمد وجمهور العلماء، وكذا حكم سائر الأشربة المتّخذة من الحنطة والشعير والذرة والعسل، كما جاءت السنة بتفصيل ذلك).
٣ - [حول كون عسل النحل فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ]
وعند قوله تعالى عن العسل: فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ قال ابن كثير: (روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رجلا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: إن أخي استطلق بطنه فقال: «اسقه عسلا» فذهب فسقاه عسلا، ثم جاء فقال: يا رسول الله سقيته عسلا فما زاده إلا استطلاقا، قال: «اذهب فاسقه عسلا» فذهب فسقاه عسلا. ثم جاء فقال: يا رسول الله ما زاده إلا استطلاقا فقال رسول الله ﷺ : «صدق الله وكذب بطن أخيك، اذهب فاسقه عسلا» فذهب فسقاه عسلا فبرئ).