← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

للبيت ولكم، فالأثاث يطلق على البسط والثياب وحاجيات البيوت وَمَتاعاً إِلى حِينٍ أي وشيئا ينتفع به إلى مدة من الزمان أي إلى أجل مسمى، ووقت معلوم. وفي الآية إشارة إلى معنى سنراه في الفوائد وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا كالأشجار والسقوف وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً الأكنان جمع كن: وهو ما سترك من كهف أو غار، وفسّرها ابن كثير: بالحصون والمعاقل وهو معنى أدق وأعم، والنّعمة فيه أظهر، وخاصة في الحرب وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ السرابيل هي القمصان والثياب من الصوف والكتان والقطن تَقِيكُمُ الْحَرَّ أي والبرد إلا أنه سبحانه اكتفى بأحد الضدين لأن الوقاية من الحر قد لا يتفطن إليها الإنسان وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ أي ودروعا من الحديد ترد عنكم سلاح عدوكم في قتالكم، والبأس: شدة الحرب، والسربال: عام يقع على ما كان من حديد أو غيره كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ أي هكذا يجعل لكم ما تستعينون به على أمركم، وما تحتاجون إليه ليكون عونا لكم على طاعته وعبادته، لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ أي تسلمون لله فتؤمنون وتنقادون وتدخلون في دينه ولننتبه جيدا إلى قوله تعالى: لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ كلمة حول السياق: [حول صلة الآيات (٦٥ - ٨١) بمحور السورة وعرض لمضمون المقطع] رأينا أن محور هذه السورة هو قوله تعالى من سورة البقرة: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ الآتية في حيّز قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ فهذه السورة تذكّر الإنسان باليوم الآخر من أجل أن يدخل في الإسلام كله، ويترك خطوات الشيطان، والتذكير باليوم الآخر يقتضي تذكيرا بالله؛ لأنّ من لم يؤمن بالله حق الإيمان، ويعرفه حق المعرفة، لا يؤمن باليوم الآخر. وقد رأينا أنّ هذا المقطع قد سار معدّدا نعم الله، ومعرّفا على الله حتى آخر آية عرضناها لينهيها بقوله: كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ. فهذه الخاتمة تذكرنا بأن الله ما أنعم على هذا الإنسان هذه النعم الكبيرة إلا من أجل الإسلام، فإذا لم يسلم الإنسان لله فإنه لا يكون قد أدى شكر الله، ولا يكون قد حقق الحكمة من وجوده الذي سخر الله له كل شئ، وقد أنزل الله هذا الإسلام من أجل أن يدخل فيه الإنسان دخولا كاملا، بتطبيقه جميعه، فمن لم يدخل في الإسلام كله فإنه لم

стр. 2802

يحقق الشكر، ومن ثم نجد التناقض الكبير الذي عليه أكثر الخلق. ولنعد إلى السياق: فَإِنْ تَوَلَّوْا أي أعرضوا عن الدخول في الإسلام كله فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ أي فلا تبعة عليك في ذلك، لأن الذي عليك هو التبليغ الظاهر الواضح الكامل البيان، وقد كان يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ أي يعرفون أن الله تعالى هو المسدي إليهم ذلك، وهو المتفضّل به عليهم ثُمَّ يُنْكِرُونَها بأفعالهم حيث يرفضون الدخول في الإسلام كله وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ أي وأكثرهم الجاحدون أي غير المعترفين، فهم بين اثنين: إما إنسان يعترف بالنعم ولا يبني عليها الدخول الكامل في الإسلام، أو إنسان يجحد أصلا نعمة الله كهؤلاء الملحدين الذين لا يؤمنون بالله أصلا، فضلا عن أن يدخلوا في دينه، وفي سبب نزول هذه الآية يذكر ابن أبي حاتم بسنده إلى مجاهد أن أعرابيا أتى النبي ﷺ فسأله فقرأ عليه رسول الله ﷺ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً فقال الأعرابي: نعم، قال وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً الآية قال الأعرابي نعم، ثم قرأ عليه، كل ذلك يقول الأعرابي: نعم. حتى بلغ كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ فولّى الأعرابي فأنزل الله يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها ولنعد إلى الكلام عن السياق: رأينا كيف خدم هذا المقطع حتى الآن موضوع الدخول في الإسلام كله، وهو الموضوع الذي تخدمه هذه السورة، وتخدمه الآية التي هي محور هذه السورة من سورة البقرة، ومضمونها التذكير باليوم الآخر، كطريق لإيصال الإنسان إلى الدخول في الإسلام كله، ومن ثم نلاحظ أن هذا المقطع يختتم بمجموعة آيات: أول آية فيها مبدوءة بقوله تعالى: وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ... وآخر آية فيها مبدوءة بنفس المطلع وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ونلاحظ أن الآية الأخيرة قد ختمت بقوله تعالى: وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ وفي هذا الختام الذي يذكر الله فيه أنه ما من قضية من قضايا الوجود إلا ولله فيها الحكم الحق- وما خالفه ضلال وقد بيّنه في كتابه، أو بيّن الطريق إلى الوصول إليه في كتابه، ومجموع هذه الأحكام هي الإسلام الذي أمر الله بالدخول فيه، ومن هذا ندرك أن

стр. 2803

المجموعة الآتية تخدم بشكل مباشر محورها من سورة البقرة وهو آية هَلْ يَنْظُرُونَ .... وبما يحقق حيّزها وهو ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ... بشكل مباشر. فلنر المجموعة الأخيرة من هذا المقطع: وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً يشهد عليها وهو رسولها، أي: واذكر يوم نحشر من كل أمة نبيا يشهد لهم وعليهم بالتصديق والتكذيب، والإيمان والكفر ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا أي في الاعتذار لأنهم يعلمون بطلانه وكذبه، والمعنى أنّه لا حجة لهم ولذلك لا يؤذن لهم بالاعتذار، دلّل بعدم الإذن على أنه لا حجة لهم ولا عذر وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ أي ولا يسمح لهم بالاسترضاء، أي لا يقال لهم أرضوا ربكم لأن الآخرة ليست بدار عمل، وذلك مقام رهيب، الأنبياء هم الشهود على الكافرين، والكافرون يمنعون الكلام، فلا يؤذن لهم في إلقاء معذرة، ولا بالإدلاء بحجة وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا أي الذين كفروا وأشركوا الْعَذابَ بأن يدخلوا النار فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ أي لا يفتر عنهم ساعة واحدة وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ أي ولا هم يمهلون قبله لا يؤخر عنهم ولا يفتر وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ أي الذين يعبدونهم في الدنيا قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا أي آلهتنا التي جعلناها شركاء الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا أي نعبد مِنْ دُونِكَ فتبرأت منهم آلهتهم أحوج ما يكونون إليها فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ أي قالت لهم الآلهة: كذبتم ما نحن أمرناكم بعبادتنا كذّبتهم آلهتهم لأنها كانت جمادا لا تعرف من عبدها، أو كذبوهم في تسميتهم شركاء وآلهة؛ تنزيها لله عن الشرك وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ إلقاء السلم يعني: الاستسلام لأمر الله وحكمه بعد الإباء والاستكبار في الدنيا، أي وألقى الذين كفروا يومئذ السلم لله بأن استسلموا لله جميعهم، فلا أحد إلا سامع مطيع، أسلموا حيث لا ينفعهم إسلامهم، وتركوا الإسلام حين كانوا مكلفين به وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ أي وبطل عنهم ما كانوا يفترون، من أن لله شركاء، وأنهم ينصرون ويشفعون، لقد ذهب واضمحل ما كانوا يعبدونه افتراء على الله، فلا ناصر لهم ولا معين ولا مجير، ثم بين الله جزاء الذين جمعوا بين الكفر والصد عن سبيل الله فقال: الَّذِينَ كَفَرُوا في أنفسهم. وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي وحملوا غيرهم على الكفر ومنعوهم من الدخول في الإسلام زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ

стр. 2804

الْعَذابِ أي عذابا على كفرهم، وعذابا على صدهم الناس عن اتباع الحق بِما كانُوا يُفْسِدُونَ أي بسب كونهم مفسدين في الأرض بصد الناس عن سبيل الله، وإبعاد الناس عن الإسلام وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ أي واذكر يوم نبعث في كل أمة نبيّهم شهيدا عليهم من جنسهم وَجِئْنا بِكَ يا محمد شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ أي على أمتك أي اذكر ذلك اليوم وهوله وما منحك الله فيه من الشرف العظيم والمقام الرفيع، ثم ذكر الله ما شرّف به رسوله ﷺ في الدنيا من إنزال هذا القرآن عليه وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً أي مبيّنا لِكُلِّ شَيْءٍ من أمور الدين والدنيا. قال ابن مسعود: (قد بين لنا في هذا القرآن كل علم وكل شئ) فما من قضية من القضايا التي يحتاجها الإنسان كفرد والإنسانية كلها- إلا ولله فيها الحكم الحق، ومجموع هذه الأحكام هي الإسلام. وفي الفوائد تفصيل حول هذا الموضوع، ثم أكمل الله وصف كتابه بعد أن بين أنه تبيان لكل شئ فقال: وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ فكما أن القرآن فيه تبيان لكل شئ ففيه كذلك دلالة إلى الحق، ورحمة للمسلمين وبشارة لهم بالجنة، وهكذا استقر المقطع على تبيان أن الإسلام تفصيله في هذا القرآن الذي فيه بيان كل شئ، وفيه الهدى والرحمة والبشارة للمسلمين، وبهذا انتهى المقطع. الفوائد: ١ - [إحدى المعجزات القرآنية في الآية وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً .. ] في قوله: وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشَّارِبِينَ معجزة زائدة على الإعجاز العام الموجود في هذا القرآن، هذه المعجزة تتمثل في كون القرآن تحدث عن موضوع لم يعرف بمنتهى الدقة العلمية على ما حدّث به القرآن إلا بعد قرون، فالحديث عنه في القرآن بهذه الدقة يدل على أن هذا القرآن من عند الله فلنر الموضوع: إن آلية تشكل الحليب كما يتحدث عنه العلم الحديث على الشكل التالي: بعد أن يتمثل الطعام، ويصل إلى الأمعاء، تمتص الزغيبات المعوية ما فيه من غذاء، مبقية الفضلات- وهي الفرث- في الأمعاء، فيلقي الغذاء في الدم، وهذه أول تصفية، ثمّ يمر الدم وهو يحمل الغذاء على الغدد اللبنية فتفرز هذه الغدد الحليب من الدم ليذهب إلى الثدي، وتلك التصفية الثانية، وهكذا من بين فرث ودم يخرج الحليب، هذا الذي ذكره القرآن قبل أن يصل العلم إلى مثل هذه الدقة في تحديد آلية

стр. 2805

الوصول إلى الحليب يدل بما لا يقبل جدلا على أنّ منزل هذا القرآن هو العليم بكل شئ. قال صاحب الظلال: (وقد بقي هذا كله سرا إلى عهد قريب، وهذه الحقيقة العلمية التي يذكرها القرآن هنا عن خروج اللبن من بين فرث ودم لم تكن معروفة لبشر، وما كان بشر في ذلك العهد ليتصورها، فضلا عن أن يقررها بهذه الدقة العلمية الكاملة. وما يملك إنسان يحترم عقله أن يماري في هذا أو يجادل. ووجود حقيقة واحدة من نوع هذه الحقيقة يكفي وحده لإثبات الوحي من الله بهذا القرآن: فالبشرية كلها كانت تجهل يومذاك هذه الحقيقة. والقرآن عبر هذه الحقائق العلمية البحتة- يحمل أدلة الوحي من الله مع خصائصه الأخرى لمن يدرك هذه الخصائص ويقدرها، ولكن ورود حقيقة واحدة على هذا النحو الدقيق يفحم المجادلين المتعنتين). ٢ - [أول آية تشير إلى الخمر تلميحا هي وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً .. ] أول آية نزلت تشير إلى الخمر غامزة منها هي قوله تعالى وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إذ عطفت الرزق الحسن على السّكر، والعطف يقتضي التغاير، فدل ذلك على أن السّكر ليس من الرزق الحسن، فكانت غمزة في الخمر ومقدمة لتحريمه، وللعلماء استنباطات من الآية: قال ابن كثير بعد أن ذكر الآية: (دلّ على إباحته شرعا قبل تحريمه ودل على التسوية بين المسكر المتّخذ من النخل والمتخذ من العنب، كما هو مذهب مالك والشافعي، وأحمد وجمهور العلماء، وكذا حكم سائر الأشربة المتّخذة من الحنطة والشعير والذرة والعسل، كما جاءت السنة بتفصيل ذلك). ٣ - [حول كون عسل النحل فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ] وعند قوله تعالى عن العسل: فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ قال ابن كثير: (روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رجلا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: إن أخي استطلق بطنه فقال: «اسقه عسلا» فذهب فسقاه عسلا، ثم جاء فقال: يا رسول الله سقيته عسلا فما زاده إلا استطلاقا، قال: «اذهب فاسقه عسلا» فذهب فسقاه عسلا. ثم جاء فقال: يا رسول الله ما زاده إلا استطلاقا فقال رسول الله ﷺ : «صدق الله وكذب بطن أخيك، اذهب فاسقه عسلا» فذهب فسقاه عسلا فبرئ).

стр. 2806

قال بعض العلماء بالطب: كان هذا الرجل عنده فضلات، فلما سقاه عسلا وهو حار تحللت، فأسرعت في الاندفاع، فزاده إسهالا، فاعتقد الأعرابي أن هذا يضره وهو مصلحة لأخيه، ثم سقاه فازداد التحليل والدفع، ثم سقاه فكذلك فلما اندفعت الفضلات الفاسدة المضرة بالبدن استمسك بطنه وصلح مزاجه واندفعت الأسقام والآلام ببركة إشارته ﷺ عليه من ربه أفضل الصلاة والسلام؛ وفي الصحيحين من حديث هشام بن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يعجبه الحلواء والعسل، هذا لفظ البخاري، وفي صحيح البخاري من حديث سالم الأفطس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «الشفاء في ثلاثة: في شرطة محجم، أو شربة عسل، أو كيّة بنار، وأنهى أمتي عن الكي». وروى البخاري ... عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن كان في شئ من أدويتكم- أو يكون في شئ من أدويتكم- خير: ففي شرطة محجم، أو شربة عسل، أو لدغة بنار توافق الداء وما أحب أن أكتوي». ورواه مسلم من حديث عاصم بن عمر بن قتادة عن جابر به. وروى الإمام أحمد ... عن عقبة بن عامر الجهني قال: قال رسول الله ﷺ : «إن كان في شئ شفاء: فشرطة محجم، أو شربة عسل، أو كية تصيب ألما وأنا أكره الكي ولا أحبه». ورواه الطبراني عن هارون بن سلول المصري عن أبي عبد الرحمن المقري عن عبد الله بن الوليد به. ولفظه «إن كان في شئ شفاء: فشرطة محجم» وذكره وهذا إسناد صحيح ولم يخرجوه. وروى الإمام أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القزويني في سننه .... عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «عليكم بالشفاءين: العسل والقرآن». وهذا إسناد جيد تفرّد بإخراجه ابن ماجه مرفوعا. وقد رواه ابن جرير عن سفيان بن وكيع عن أبيه عن سفيان هو الثوري به موقوفا وله شبه.

стр. 2807

٤ - [فوائد حول النحل وعسله:] بمناسبة الكلام عن النحل والعسل نقول: إن الكتب التي ألفت عن عجائب النحل ومملكته في عصرنا لا يمكن إحصاؤها، والكتب والمقالات التي كتبت عن الاستطباب بالعسل لا تكاد تحصى، وقد ألفت في ذلك رسائل جامعية وصدرت أبحاث علمية طبية عن جهات متخصصة كثيرة في هذا العالم، بحيث أصبح محل العسل في العلاج الطبي مشتهرا شهرة تبلغ حدّ البديهية في كل مكان في العالم، وندر أن تدخل مكتبة من المكتبات إلا وتجد فيها كتابا عن العسل والنحل، وفي هذه الفائدة أحب أن أنقل لك فقرات تزيد الإيمان من كتاب «النحلة تسبح الله» لمؤلفه محمد حسن الحمصي حفظه الله: قال عن النحلة: «إنها لربما تطير بضعة كيلو مترات، بل لربما وصلت في طيرانها هذا حول الخلية إلى حدود دائرة نصف قطرها أحد عشر كيلو مترات ثم تعود إلى خليتها من غير أن تضل» «لقد وهب الله النحلة من حاسة الشمّ ما تستطيع به أن تميز الرائحة الخاصة بمجموعتها» «إن الدلالة على مكان يحتاج إلى أمرين اثنين: أولهما التعبير عن المسافة، وثانيهما التعبير عن الاتجاه، فللتعبير عن المسافة .. تلجأ إلى نوعين من الرقص: أحدهما الرقص الدائري، والآخر الرقص الاهتزازي، وللتعبير عن اتجاه مصدر الغذاء بالنسبة للخلية، فإن الرقص الدائري يدل على أن الغذاء قريب، وحول الخلية (في حدود ٥٠ مترا) يمكن للشغالة رؤيته بمجرد طيرانها من الخلية، فلا حاجة لتحديد الاتجاه. أما في حالة بعد مصدر الغذاء فإن اتجاه الحركة المستقيمة في (الرقص الاهتزازي) يشير إلى اتجاه مصدر الغذاء، ويصنع مع الخط الشاقولي- تقريبا- الزاوية التي يصنعها الطريق مع الشمس. فتحفظ النحلات الشغالات مقدار هذه الزاوية. وتنطلق من مقرها متقيدة بالاتجاه المطلوب والمسافة المطلوبة. وهناك تعثر على نبع فياض من الرحيق. والغريب في الأمر أن النحل يستعمل الشمس كبوصلة للوصول إلى مسكنه أو بستان عمله، تماما كما يفعل الإنسان. ...... فجعلت (يد الصانع الحكيم) لكل نحلة ثلاث عيون بسيطة تؤلف مثلثا رأسه إلى الأعلى، تستعملها للرؤية ضمن المسافات القريبة، داخل الخلية، أو لدى فحص

стр. 2808

الأزهار التي تأخذ منها الرحيق وحبوب اللقاح في الحقول. كما جعلت لكل نحلة زوجا من العيون المركبة، الكبيرة الحجم، تستعملها للرؤية البعيدة، الواسعة النطاق. فالنحلة الملكة تتألف العين المركبة لديها من ٤٩٠٠ عديسة متساوية في الحجم، وموزعة توزيعا تستطيع معه الرؤية من جميع الاتجاهات. وذلك حتى تستطيع أن تحدد طريقها أثناء طيرانها السريع، عند ما تخرج للتلقيح. أما النحلة الشغالة فإن عينها المركبة تتألف من ٦٣٠٠ عديسة متساوية في الحجم، وموزعة توزيعا تستطيع معه الرؤية من جميع الاتجاهات في نفس الوقت. وأما النحلة الذكر فإن عينها المركبة تتألف من ١٣٠٩٠ عديسة. عدد كبير لا شك، وسيزداد استغرابنا عند ما ما نعلم أن العديسات العلوية أكبر من السفلية. ولكن دهشتنا هذه ستزول عند ما نعلم أن مهمة الذكر تتطلب هذه الدقة في البصر. إن مهمته الوحيدة- كما نعلم- هي التقليح. ولذلك فهو مزود بعينين مركبتين قادرتين على متابعة النحلة الملكة أثناء طيرانها أينما ذهبت. .... إنها طائرة تستطيع أن تغير اتجاه طيرانها تغييرا مفاجئا، بل إنها تستطيع أن تحول اتجاه طيرانها، تحويلا مفاجئا، من الأمام إلى الخلف. .... إنها على الرغم من صغر حجمها، وضعف جسمها، ورقة أجنحتها الشفافة تستطيع أن تطير بسرعة فائقة نسبيا. حتى إن سرعتها لتصل إلى حدود ٣٠ كم في الساعة. وهي سرعة عظيمة إذا ما قورنت بصغر أجنحتها وقوتها المحدودة. .... كما أن القدرة الإلهية أودعت في جناح النحلة إمكانية تذبذب بالغ السرعة يصل في الطيران السريع إلى أربعمائة ذبذبة في الثانية الواحدة. إنه لشئ مدهش حقا أن تبلغ حركة جناح النحلة علوا وانخفاضا ٤٠٠ مرة في الثانية الواحدة.» وقال المؤلف تحت عنوان (العسل دواء شاف) مستفيدا من الرسائل الطبية الإسلامية حول فوائد العسل العلاجية ما يلى: «وقبل أن نخوض في عرض الآراء العلمية، للاستطباب بالعسل لا نرى بأسا في أن

стр. 2809

نلقي نظرة سريعة على أوصاف العسل. من المتعارف عليه أن للعسل أربعة ألوان هي: ١ - العسل الأبيض. ٢ - العسل الكهرماني الفاتح. ٣ - العسل الكهرماني. ٤ - العسل الكهرماني الداكن (الغامق). ولقد أشار المولى سبحانه إلى اختلاف ألوان العسل في الآية الكريمة ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ، فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا، يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ. ولكأني بهذه الآية الشريفة، وهي تربط بين اختلاف ألوان العسل من جهة واختلاف الثمر الذي يرعى النحل زهوره، واختلاف الأراضي التي يسلكها النحل من جهة أخرى ... تشير إلى حقيقتين علميتين، عن سبب اختلاف ألوان العسل: أولى هاتين الحقيقتين العلميتين: أن اختلاف مرعى النحل يؤثر تأثيرا كبيرا في لون العسل .. وذلك لأن نوعية الرحيق وقف على نوعية الأزهار التي يرعاها النحل. وثاني الحقيقتين العلميتين: أن اختلاف تركيب التربة الكيماوي بين بقاع الأرض المختلفة .. يؤدي إلى اختلاف لون العسل .. ذلك أن رحيق الأزهار يعتمد اعتمادا كبيرا على ما يمتصه النبات من المعادن التي في التربة .. وحيث كانت كمية المعادن تختلف باختلاف بقاع الأرض .. فإن من الطبيعي لذلك أن يختلف لون العسل. وأما الحقيقة العلمية الثالثة، في اختلاف لون العسل، والتي لم تشر إليها الآية القرآنية المارة الذكر، فهي أن اختلاف لون العسل يعتمد أيضا على الأقراص الشمعية المستعملة في الخلية. .. فإذا كانت هذه الأقراص جديدة أعطت عسلا فاتح اللون .. وإذا كانت قديمة أعطت عسلا داكنا. ولكن التمحيص في هذه الحقيقة العلمية المؤثرة في لون العسل .. يدلنا على عظمة القرآن، كما يشير إلى بلاغته التي اقتضت أن يعطي من الحقائق العلمية ما يتطلبه

стр. 2810

الموقف، وبصورة بالغة اللطف .. حتى يتمكن الإنسان من تفهمها وهضمها تماما. ذلك أن هذه الحقيقة العلمية الثالثة، المؤثرة في لون العسل .. على الرغم من صحتها .. فهي ذات تأثير عارض ليس بطبيعي .. إذ إن اختلاف الأقراص الشمعية بين القدم والجدة، إنما مرده إلى ما يحدثه الإنسان اليوم، الذي يضع الأقراص القديمة في خلية النحل .. أما عسل النحل .. كما يصنعه النحل .. دون أن تتدخل فيه يد الإنسان الطمّاع .. فإنه لا يتأثر مطلقا بهذه الحقيقة العلمية الثالثة .. لأنه لا أثر لها، ولا وجود لها، في الأحوال الطبيعية. ومن أجل ذلك لم تشر الآية الكريمة إلى هذا الأمر مطلقا؛ لأنها تعالج قضية العسل، كما ينتجه النحل، وفقا للوحي الإلهي. التركيب الكيماوي للعسل: ومهما يكن من أمر اختلاف لون العسل فإنه بجميع ألوانه يحتوى على المركبات التالية: ١ - الغلوكوز- سكر العنب- (الحقيقة أن الموجود في العسل من السكر هذا إنما هو الغلوكوز (سكر العنب) والفروكتوز (سكر الفاكهة) وتركيبهما الكيماوي واحد، لذلك عددناهما مركبا واحدا؛ غير أنه تجدر الملاحظة- كما يقول الدكتور ظافر العطار- أن الفروكتوز لا يحتاج إلى الأنسولين لحرقه): وهو يوجد بنسبة ٧٥% وهو السكر الأساسي الرئيسي الذي تسمح جدران الأمعاء بمروره إلى الدم على عكس بقية الأنواع من السكاكر- وخاصة السكر الأبيض المعروف علميا بسكر القصب- التي تتطلب من جهاز الهضم إجراء عمليات متعددة من التفاعلات الكيماوية، والاستقلابات الأساسية، حتى تتم عملية تحويله إلى سكاكر بسيطة أحادية كالغلوكوز- يمكن للدم امتصاصها من خلال جدر الأمعاء. هذا وإن سكر (الغلوكوز) الذي في العسل .. بالإضافة إلى كونه سهل الامتصاص .. فإنه سهل الادخار .. ذلك أنه يتجه بعد الامتصاص إلى الكبد مباشرة فيتحول إلى غلوكوجين، يتم ادخاره فيه لحين الحاجة .. فإذا ما دعت الضرورة

стр. 2811

لاستخدامه .. يعاد إلى أصله (غلوكوز) يسير مع الدم، ليستخدم كقوة محركة في العضلات. ومن الملاحظ أن القيمة الحرارية للعسل مرتفعة جدا، لاحتوائه على الغلوكوز .. وقد ثبت أن كيلو غراما واحدا من العسل يعطي ٣١٥٠ حريرة (كالوري). ٢ - بعض الأحماض العضوية بنسبة ٠٨، ٠% ثمانية إلى عشرة آلاف. ٣ - كمية قليلة من البروتينات. ٤ - عدد لا بأس به من الخمائر الضرورية لتنشيط تفاعلات الاستقلاب في الجسم، وتمثيل الغذاء .. ونستطيع أن نتبين الأهمية الكبرى لهذه الخمائر التي توجد في العسل إذا ما عرفنا وظائفها المبينة فيما يلي: أ- خميرة (الأميلاز): وهي تحول النشاء الذي في الخبز ومختلف المواد النشوية إلى سكر عنب (غلوكوز). ب- خميرة (الأنفزتاز): وهي التي تحول سكر القصب (السكر العادي) إلى سكاكر أحادية (غلوكوز وفراكتوز) يمكن امتصاصهما في الجسم. ج- خميرتا (الكاتالاز) و (البيروكسيداز): الضروريتان في عمليات الأكسدة والإرجاع التي تتم في الجسم. د- خميرة (الليباز): الخاصة بهضم الدسم والمواد الشحمية. ٥ - أملاح معدنية بنسبة ١٨، ٠% وعلى الرغم من ضآلة نسبتها، فإن لها أهمية كبرى، تجعل العسل غذاء ذا تفاعل قلوي، مقاوما للحموضة، له أهمية كبرى في معالجة أمراض الجهاز الهضمي المترافقة بزيادة كبيرة في الحموضة (والقرحة). ومن أهم العناصر المعدنية التي في العسل: البوتسيوم والكبريت والكالسيوم والصوديوم والفوسفور والمغنزيوم والحديد والمنغنيز .. وكلها عناصر معدنية ضرورية لعملية بناء أنسجة الجسم الإنساني وتركيبها. ٦ - كميات قليلة من الفيتامينات .. لها وظائف حيوية (فيزيولوجية) مهمة، نفصلها على الشكل التالي:

стр. 2812

أ- فيتامين ب ١: وهو موجود بنسبة ١٥، ٠% لكل كيلو غرام من العسل وله دور أساسي في عمليات التمثيل الغذائي داخل الجسم، ولا سيما بالنسبة للجملة العصبية. ب- فيتامين ب ٢: ويوجد بنسبة ٥، ١ ملغ/ كغ .. وهي النسبة نفسها التي يوجد بها في لحم الدجاج .. وهو يدخل في تركيب الخمائر المختلفة التي تفرزها الغدد في الجسم. ج- فيتامين ب ٣: بنسبة ٢ ملغ/ كغ .. وهو فيتامين مضاد لالتهابات الجلد. د- فيتامين ب ٥: بنسبة ١ ملغ/ كغ. هـ- فيتامين ث: المضاد للنزيف. و- فيتامين ج: بنسبة ٥٠ ملغ/ كغ .. وهو يزيد من مناعة الجسم ومقاومته للأمراض. ٧ - حبيبات غروية وزيوت طيارة، تعطيه رائحة وطعما خاصا. ٨ - مواد ملونة تعطيه لونه الجميل. الخواص العلاجية للعسل: بعد أن تعرفنا على التركيب الكيماوي للعسل، وأهمية مركباته للإنسان نستطيع أن نخوض في خواصه العلاجية، مع شئ من الإيجاز والتبسيط. ويمكننا أن نجمل ذلك في الملاحظات التالية: أولا: إن أهم خواص العسل أنه وسط غير صالح لنمو البكتريات (الجراثيم) والفطريات .. لذلك فهو قاتل للجراثيم، مبيد لها أينما وجد. على عكس ما شاع في الولايات المتحدة منذ ثلاثين سنة من أن العسل ينقل الجراثيم، كما ينقلها الحليب بالتلوث. ولقد قام الطبيب الجراثيمي (ساكيت) باختبار أثر العسل على الجراثيم بالتجربة العملية. فزرع جراثيم مختلف الأمراض في العسل الصافي .. وأخذ يترقّب النتائج. ولشد ما كانت دهشته عظيمة .. عند ما رأى أن أنواعا من هذه الجراثيم قد ماتت خلال بضع ساعات في حين أن أشدها قوة تستطيع البقاء حية خلال بضعة أيام.

стр. 2813

لقد ماتت طفيلات الزحار (الديزنتريا) بعد عشر ساعات من زرعها في العسل .. وماتت جراثيم حمى الأمعاء (التيفوئيد) بعد أربع وعشرين ساعة .. وجراثيم التيفوس (أو على الأصح العامل المرضي للتيفوس) ماتت بعد ثمان وأربعين ساعة .. أما جراثيم الالتهاب الرئوي .. فقد ماتت في اليوم الرابع .. وهكذا لم تجد الجراثيم في العسل إلا قاتلا ومبيدا لها. كما أن الحفريات التي أجريت في منطقة الجيزة بمصر .. دلت على وجود إناء، فيه عسل، داخل الهرم، مضى عليه ما ينوف على ثلاثة آلاف وثلاثمائة عام .. وعلى الرغم من مرور هذه المدة الطويلة جدا، فقد ظل العسل محتفظا بخواصه لم يتطرق إليه الفساد .. بل إنه ظل محتفظا بالرائحة المميزة للعسل. ثانيا: [العسل يتألف بصورة رئيسية من الغلوكوز المستخدم في علاج كثير من الأمراض] إن العسل الذي يتألف بصورة رئيسية من الغلوكوز (سكر العنب) يمكن استعماله في كل الاستطبابات المبنية على الخواص العلاجية للغلوكوز كأمراض الدورة الدموية، وزيادة التوتر، والنزيف المعوي، وقروح المعدة، وبعض أمراض المعي في الأطفال، وأمراض معدية مختلفة مثل التيفوس، والحمى القرمزية، والحصبة وغيرها .. بالإضافة إلى أنه علاج ناجع للتسمم بأنواعه. هذا .. وإن وجوده المستمر، في خلايا الكبد، وبنسبة ثابتة تقريبا، يشير إلى دوره المفيد، في تحسين وبناء الأنسجة والتمثيل الغذائي. ولقد استعمل الغلوكوز حديثا، وعلى نطاق واسع، ليزيد من مقاومة الكبد للتسمم. ثالثا: في علاج فقر الدم: يحتوى العسل على عامل فعال جدا له تأثير كبير على الخضاب الدموي (الهيموغلوبين) ولقد جرت دراسات حول هذا الأمر في بعض المصحات السويسرية أكدت التأثير الفعال للعسل على خضاب الدم حيث ازداد قوام الخضاب في الدم من ٥٧% إلى ٨٠% في الأسبوع الأول أي بعد أسبوع واحد من المعالجة بالعسل. كما لوحظت زيادة في وزن الأطفال الذين يتناولون العسل تفوق الزيادة في الأطفال الذين لا يعطون عسلا.

стр. 2814

رابعا: العسل يسرع في شفاء الجروح: لقد ثبت للدكتور (كريتسكي) أن العسل يسرع في شفاء الجروح .. وعلل ذلك بأن العسل يزيد في كمية (الفلوتاتيون) التي يفرزها الجرح .. تلك المادة التي تنشط نمو الخلايا وانقسامها (الطبيعي) .. الأمر الذي يسرع في شفاء الجروح. ولقد دلت الإحصائيات التي أجريت في عام ١٩٤٦ على نجاعة العسل في شفاء الجروح .. ذلك أن الدكتور: (س. سميرنوف) الأستاذ في معهد تومسك الطبي .. استعمل العسل في علاج الجروح المتسببة عن الإصابة بالرصاص في ٧٥ حالة .. فتوصّل إلى أن العسل ينشط نمو الأنسجة لدى الجرحى الذين لا تلتئم جروحهم إلا ببطء. وفي ألمانيا يعالج الدكتور (كرونيتز) وغيره آلاف الجروح بالعسل وبنجاح، مع عدم الاهتمام بتطهير مسبق، والجروح المعالجة بهذه الطريقة تمتاز بغزارة إفرازاتها إذ ينطرح منها القيح والجراثيم. وينصح الدكتور (بولمان) باستعمال العسل كمضاد جراحي للجروح المفتوحة .. ويعرب عن رضاه التام عن النتائج الطيبة التي توصّل إليها في هذا الصدد لأنه لم تحدث التصاقات أو تمزيق أنسجة أو أي تأثير عام ضار. خامسا: العسل علاج لجهاز التنفس: استعمل العسل لمعالجة أمراض الجزء العلوي من جهاز التنفس .. ولا سيما- التهاب الغشاء المخاطي وتقشره، كذلك تقشر الحبال الصوتية وتتم المعالجة باستنشاق محلول العسل بالماء الدافئ بنسبة ١٠ خ خلال ٥ دقائق. وقد بين الدكتور (كيزلستين) أنه من بين ٢٠ حالة عولجت باستنشاق محلول العسل .. فشلت حالتان فقط .. وظهر التحسن في ثماني عشرة حالة .. في حين أن الطرق العلاجية الأخرى فشلت فيها جميعا .. وهي نسبة عالية في النجاح كما ترى. ولقد كان لقدرة العسل المطهرة واحتوائه على الزيوت الطيارة أثر كبير في أن يلجأ معمل ماك (MAK) الألماني إلى إضافة العسل إلى مستحضراته المضادة للسعال، الأمر الذي أدى إلى زيادة تأثير هذه المستحضرات بشكل ملموس. هذا ويستعمل العسل ممزوجا بأغذية وعقاقير أخرى كعلاج للزكام .. وقد وجد أن

стр. 2815

التحسن السريع يحدث باستعمال العسل ممزوجا بعصير الليمون بنسبة نصف ليمونة في ١٠٠ غ من العسل. سادسا: العسل وأمراض الرئة: استعمل ابن سينا العسل لعلاج السل في أطواره الأولى .. كما أن الدكتور (ن. يوريش) أستاذ الطب في معهد كييف يرى أن العسل يساعد العضوية في كفاحها ضد الإنتانات الرئوية كالسل، وخراجات الرئة، والتهابات القصبات وغيرها .. وعلى الرغم من أن البيانات الكثيرة للعلماء دليل على وجود خواص مضادة للسل في العسل ولكن من المؤكد أن العسل يزيد من مقاومة الجسم عموما .. الأمر الذي يساعد على التحكم في العدوى. سابعا: العسل وأمراض القلب: عضلة القلب .. التي لا تفتأ تعمل باستمرار على حفظ دوران الدم، وبالتالي تعمل على سلامة الحياة .. لابد لها من غذاء يقوم بأودها. وقد تبين أن العسل، لوفرة ما فيه من (غلوكوز) يقوم بهذا الدور .. ومن هنا وجب إدخال العسل في الطعام اليومي لمرضى القلب. ثامنا: العسل وأمراض المعدة والأمعاء: إن المنطلق الأساسي لاستعمال العسل كعلاج لكافة أمراض المعدة والأمعاء المترافقة بزيادة في الحموضة، هو كون العسل غذاء ذا تفاعل قلوي، يعمل على تعديل الحموضة الزائدة. ففي معالجة قروح المعدة والأمعاء .. ينصح بأخذ العسل قبل الطعام بساعتين أو بعده بثلاث ساعات. وقد تبيّن أن العسل يقضي على آلام القرحة الشديدة، وعلى حمو الجوف والقيء، ويزيد من نسبة هيموغلوبين الدم عند المصابين بقروح المعدة والاثنى عشر. ولقد أثبتت التجربة اختفاء الحموضة بعد العلاج بشراب العسل، كما أظهر الكشف بأشعة رونتجن (التصوير الشعاعي) اختفاء التجويف القرحي في جدار المعدة، لدى عشرة مصابين بالقرحة من أصل أربعة عشر مريضا .. وذلك بعد معالجتهم بشراب

стр. 2816

العسل، لمدة أربعة أسابيع .. وهي نسبة في الشفاء عالية معتبرة. تاسعا: العسل وأمراض الكبد: إن كافة الحوادث الاستقلابية تقع في الكبد تقريبا .. الأمر الذي يدل على الأهمية القصوى لهذا العضو الفعال .. وقد ثبت بالتجربة .. أن (الغلوكوز) الذي هو المادة الرئيسية المكونة للعسل، يقوم بعمليتين اثنتين: ١ - ينشط عملية التمثيل الغذائي في الكبد. ٢ - ينشط الكبد لتكوين الترياق المضاد للبكتريا .. الأمر الذي يؤدي إلى زيادة مقاومة الجسم للعدوى. كما أنه تبين أن للعسل أهمية كبيرة في معالجة التهابات الكبد والآلام الناتجة عن حصوات الطرق الصفراوية. عاشرا: العسل وأمراض الجهاز العصبي: إن هذه الخاصة نابعة أيضا من التأثير المسكن للغلوكوز في حالات الصداع والأرق، والهيجانات العصبية .. ولقد لاحظ الأطباء الذين يستعملون العسل في علاج الأمراض العصبية، قدرته العالية على إعطاء المفعول المرجو. حادي عشر: العسل للأمراض الجلدية والارتيكاريا (الحكة): نشر الباحثون العاملون في عيادة الأمراض الجلدية، سنة ١٩٤٥، في المعهد الطبي الثاني، في موسكو .. مقالة عن النجاح في علاج سبعة وعشرين مريضا، من المصابين بالدمامل والخراجات .. تم شفاؤهم بوساطة استعمال أدهان العسل كمراهم. ولا يخفى ما للأدهان بالعسل من أثر في تغذية الجلد، وإكسابه نضارة ونعومة. ثاني عشر: العسل وأمراض العين: استعمل الأطباء في الماضي العسل كدواء ممتاز لمعالجة التهابات العيون، واليوم وبعد أن اكتشفت أنواع كثيرة من العقاقير والمضادات الحيوية، لم يفقد العسل أهميته .. فقد دلت الإحصائيات على جودة العسل في شفاء التهابات الجفون والملتحمة، وتقرح

стр. 2817

القرنية، وأمراض عينية أخرى. ومن أكثر المتحمسين للاستطباب بمراهم العسل، الأساتذة الجامعيون في منطقة (أوديسا) في الاتحاد السوفيتي، وخصوصا، الأستاذ الجامعي «فيشر» والدكتور «ميخايلوف» .. حتى إن تطبيب أمراض العين بمراهم العسل انتشر في منطقة (أوديسا) كلها. وقد كتب الدكتور ع. ك أوساولكو مقالا ضمنه مشاهداته وتجاربه في استعمال العسل لأمراض العين، وقد أوجز النتائج التي توصل إليها في النقاط التالية: ١ - يبدي العسل- بدون شك- تأثيرا ممتازا على سير مختلف آفات القرنية الالتهابية، فكل الحالات المعندة على العلاجات العادية، والتي طبقنا فيها المرهم ذا السواغ العسلي تحسنت بسرعة غريبة، كما أن عددا من حادثات التهاب القرنية على اختلاف منشئه، أدى تطبيق العسل صرفا فيها إلى نتائج علاجية طيبة. ٢ - يمكننا أن ننصح باستعمال العسل كسواغ من أجل تحضير معظم المراهم العينية باعتبار أن للعسل نفسه تأثيرا ممتازا على سير جميع آفات القرنية .. ٣ - من المؤكد أن ما توصلنا إليه من نتائج يدعو المؤسسات الصحية كافة والتي تتعاطى طب العيون أن تفتح الباب على مصراعيه لتطبيق العسل على نطاق واسع في معالجة أمراض العيون. ثالث عشر: العسل ومرض السكر: نشر الدكتور (دافيدوف) الروسي عام ١٩١٥ خلاصة لأبحاثه في استعمال العسل لمرض السكر .. فبين ما خلاصته أن استعمال العسل لمرض السكر مفيد جدا في الحالات التالية: ١ - كنوع من الحلوى ليس منها ضرر. ٢ - كمادة غذائية تضاف إلى نظام المريض الغذائي .. لأن المريض إذا تناول العسل، لا يشعر بعده بأي رغبة في تناول أي نوع من الحلوى الممنوعة عليه .. وهذا عامل مهم في الوقاية. ٣ - كمادة مانعة لوجود مادة (الأسيتون) الخطرة في الدم، إذ إن ظهور

стр. 2818

(الأسيتون) في الدم يحتم استعمال السكريات، واتباع نظام أكثر حرية في الغذاء، على الرغم من مضارها للمريض، وذلك للحيلولة دون استمرار وجوده، والعسل باعتباره مادة سكرية يعمل على الحؤول دون وجوده. ٤ - كمادة سكرية لا تزيد، بل على العكس تنقص، من إخراج سكر العنب، وإطراحه، وقد تم تفسير ذلك علميا بعد أن تم اكتشاف (هرمون) مشابه (للأنسولين) في تركيب العسل الكيميائي. هذا وقد بين الدكتور (لوكهيد) الذي كان يعمل في قسم الخمائر بأوتاوا، عاصمة كندا أن بعض الخمائر المقاومة للسكر وغير الممرضة للإنسان تظل تعيش في العسل. رابع عشر: العسل واضطرابات طرح البول: يرى الدكتور (ريمي شوفان) أن الفركتوز (سكر الفواكه) - الذي يحتوي العسل على نسبة عالية منه- يسهل الإفراز البولي أكثر من الغلوكوز (سكر العنب)، وأن العسل أفضل من الاثنين معا، لما فيه من أحماض عضوية، وزيوت طيارة وصباغات نباتية تحمل خواص فيتامينية. ولئن كثر الجدل حول العامل الفعال الموجود في العسل الذي يؤدي إلى توسيع الأوعية الكلوية، وزيادة الإفراز الكلوي (الإدرار) إلا أن تأثيره الملحوظ لم ينكره أحد منهم، حتى إن الدكتور (ساك) بيّن أن إعطاء مائة غرام ثم خمسين غراما من العسل يوميا أدى إلى تحسين ملموس، وزوال كل من التعكر البولي والجراثيم العضوية. خامس عشر: العسل والأرق وأمراض الجهاز العصبي: لقد أثبتت المشاهدات السريرية الخواص الدوائية للعسل في معالجة أمراض الجهاز العصبي: فقد بين البروفسور (ك. بوغوليبوف) و (ف. كيسيليفا) نجاح المعالجة بالعسل لمريضين مصابين بداء الرقص (وهو عبارة عن تقلصات عضلية لا إرادية تؤدي إلى حركات عفوية في الأطراف) ففي فترة امتدت ثلاثة أسابيع أوقفت خلالها كافة المعالجات الأخرى، حصل كل من المريضين على نتائج باهرة، لقد استعادا نومهما الطبيعي، وزال الصداع، ونقص التهيج، والضعف العام. سادس عشر: العسل ومرض السرطان:

стр. 2819

لقد ثبت لدى العلماء المتخصصين أن مرض السرطان معدوم بين مربي النحل المداومين على العمل بين النحل. ولكنهم حاروا في تفسير هذه الظاهرة. فمال بعضهم إلى الاعتقاد بأن هذه المناعة ضد مرض السرطان، لدى مربي النحل .. مردّها إلى سم النحل .. الذي يدخل مجرى الدم باستمرار، نتيجة لما يصابون به من لسع النحل أثناء عملهم. ومال آخرون إلى الاعتقاد بأن هذه المناعة هي نتيجة لما يتناوله مربو النحل من العسل المحتوي على كمية قليلة من الغذاء الملكي، ذي الفعالية العجيبة، وكمية أخرى من حبوب اللقاح. ولقد مال كثير من العلماء إلى الرأي الثاني .. خصوصا بعد ما تم اكتشافه من أن نحل العسل، يفرز العناصر الكيماوية على حبوب اللقاح، تمنع انقسام خلاياها .. وذلك تمهيدا لاختزانها في العيون السداسية، إن هذه المواد الكيماوية الغريبة، التي تحدّ من انقسام حبوب اللقاح، والتي يتناولها الإنسان بكميات قليلة جدا مع العسل .. لربما كان لها أثر كبير في الحد من النمو غير الطبيعي لخلايا جسم الإنسان .. وبالتالي منع الإصابة بمرض السرطان. وعلى كل حال .. ما زالت الفكرة مجرد شواهد وملاحظات .. لم يبت العلم فيها بشيء شأنها في ذلك شأن الكثير من الملاحظات التي لم يبت فيها .. ولا يزال مرض السرطان لغزا يحير الأطباء .. ويجهد الدارسين. سابع عشر: العسل والأمراض النسائية: إقياء الحامل، وحالات الغثيان التي تصاب بها، أمور أرّقت الأطباء، لقد أجهدهم إيجاد الدواء المناسب، حتى إن الطب النفسي قد خاض غمار تطبيب هذه الحالات، على الرغم من عدم جدواه في ذلك، بسبب طول مدة المعالجة، وغلاء كلفته المادية. ولقد توصل حديثا بعض العلماء إلى استعمال حقن وريدية تحتوي على ٤٠% من محلول العسل- الصافي- كان لها أثر فعال في الشفاء. هذا وقد تبين أن إدخال العسل في الراتب الغذائي للمرأة الحامل يؤدي دورا كبيرا في

стр. 2820

مساعدتها أثناء فترة الحمل. ثامن عشر: العسل غذاء مثالي: إن العسل غذاء مثالي لجسم الإنسان، يقيه الكثير من المتاعب، التي تجلبها له بقية الأغذية الاصطناعية الأخرى. وإن القيمة الغذائية للعسل تكمن في خاصيتين اثنتين متوافرتين فيه: ١ - إن العسل غذاء ذو تفاعل قلوي .. يفيد في تطرية وتنعيم جهاز الهضم .. وتعديل شئ من الحموضة الناتجة عن الأغذية الأخرى. ٢ - إن العسل يحتوي على مضادات البكتريا (الجراثيم) .. فهو بذلك يحمي الأسنان من نقص الكالسيوم، وبالتالي يحول دون النخر، على نقيض السكاكر الأخرى، التي تتحلل بقاياها بوساطة البكتريا، الأمر الذي يؤدي إلى تكوين أحماض، منها حمض اللبن، الذي يمتص الكالسيوم من الأسنان تدريجا .. فيحدث النخر فيها. تاسع عشر: العسل غذاء جيد للأطفال والناشئين: فهو يعمل على تغذية الطفل، ولقد جرب الأثر الفعال للعسل على الأطفال في بعض المصحات السويسرية حيث جرى تقسيم الأطفال إلى ثلاث فئات: قدّم للفئة الأولى نظام غذائي اعتيادي، وقدّم للفئة الثانية النظام السابق نفسه مضافا إليه العسل وقدّم للفئة الثالثة النظام الغذائي نفسه للفئة الأولى مع إضافة أدوية مختلفة عوضا عن العسل لزيادة الشهية أو لرفع نسبة الخضاب. فأعطت الفئة الثانية التي أعطيت عسلا أحسن النتائج بالنسبة للحالة العامة، وأعلى زيادة في الوزن، وأعلى نسبة لخضاب الدم، ويرى الدكتور (زايس) أن المواد الفعالة في العسل التي تؤثر على قوام الخضاب هي ما يحويه العسل من مواد معدنية كالحديد والنحاس والمنغنيز. العشرون: العسل يقاوم الشيخوخة ، ويؤخر ظهور أعراضها، بفضل ما يحويه من عناصر سهلة الهضم والامتصاص، وبتأثير ما به من غذاء ملكي، يشتمل على بعض الهرمونات المنشطة. الحادي والعشرون: العسل مفيد ، لتزويد أصحاب الأعمال، بكفاءة المجهود اللازم

стр. 2821

لتأدية عملهم الشاق، وبصورة خاصة يحتاج إليه الرياضيّون بعد الانتهاء من تدريباتهم الشاقة لسهولة امتصاصه، واتحاد مواده القلوية مع حمض اللبن الذي يحدث الشعور بالتعب والإرهاق. عسل النحل والمواد السكرية: بعد هذه النظرة العجلى في الخواص العلاجية للعسل لا بأس في أن نلقي نظرة سريعة على مزايا عسل النحل بالنسبة للسكر. ذلك أن عسل النحل يتصف بكثير من المزايا، إذا ما قورن بالمواد السكرية المستعملة، ويمكننا أن نجمل تلك المزايا بالملاحظات التالية: ١ - إن تمثيل عسل النحل في الجسم سهل وسريع. ٢ - لا يضر عسل النحل بالكلى ولا يسبب تلف أنسجتها. ٣ - يزود عسل النحل الفرد بأعظم وحدات النشاط بأقل صدمة للجهاز الهضمي. ٤ - لا يسبب اضطرابات في الأغشية الرقيقة للقناة الهضمية. ٥ - يساعد الرياضيين على استعادة قواهم سريعا بعد المجهود الشاق. ٦ - له تأثير طبيعي كامن ويجعل عملية الإخراج سهلة. ومما يلفت النظر أن تناول كميات كبيرة من عسل النحل بدلا من أي مادة حلوة ثانية، لا يحدث أي ضرر للجسم، بل نجد أن النفع منه أكيد، وقد وجد أن العسل وسط صالح يساعد على حفظ الفيتامينات، في حين أنه وسط غير صالح للجراثيم بل مبيد لها. ٥ - [حديث بمناسبة الآية وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ .. ] وبمناسبة قوله تعالى: وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ ذكر ابن كثير الحديث الذي رواه البخاري عند تفسيره هذه الآية عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يدعو: «أعوذ بك من البخل والكسل، والهرم، وأرذل العمر، وعذاب القبر، وفتنة القبر، وفتنة الدجّال، وفتنة المحيا والممات». ٦ - [العقل في الاصطلاح الشرعي] وبمناسبة قوله تعالى: وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ يقول ابن كثير: (والأفئدة وهي العقول التي مركزها القلب على الصحيح وقيل الدماغ).

стр. 2822

أقول: إن كثيرا من الناس يغلطون بين العقل الذي عليه مدار التكليف والعقل الذي يقبل التكليف ويلتزم به، فهذا طور فوق ذلك الطور، والعقل في الاصطلاح الشرعي: قد يطلق على هذا أو على هذا، كما أن كثيرين من الناس يغلطون في موضوع القلب في الاصطلاح الشرعي، إن هناك القلب الحسي الذي ينبض بالدم، وهناك قلب مرتبط به نوع ارتباط هو الذي يتحدث عنه الشارع وهو صاحب التعمق بالإيمان، أو بالكفر، أو بالمرض، أو بالسلامة، وهذا القلب مقرّه الصدر لا الدماغ، فقد حدّد الله مكانه بقوله تعالى: فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (الحج: ٤٦) هذا القلب هو مركز العقل الذي يقبل التكليف، ويتفاعل معه، وعنه تنبثق الإرادة الحميدة إن كان سليما، ولقد تكلّمنا- عن مثل هذه الشئون تفصيلا في كتابنا (تربيتنا الروحية) فليراجع، لأن فيه تصحيحا للكثير من المفاهيم، إن للدماغ محله في المحاكمات، ومن ثمّ اعتبره بعضهم هو العقل، وللقلب محله في القرارات ومن ثمّ اعتبره بعضهم هو العقل، والأمر فيه تفصيلات، وله حيثيات، وهناك مصطلحات لغوية وشرعية وعرفية يجب أن يحسب لها حسابها في فهم هذا الموضوع، كما أن هناك حقائق علمية ينبغي أن تعرف، وعلى ضوء ذلك كله يفهم محل الدماغ، ومحل القلب، في قضية العقل. ٧ - [كلام ابن كثير عند الآية سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وتعليق المؤلف عليه] ذكر ابن كثير بمناسبة قوله تعالى: سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ قول عطاء الخراساني وهو: «إنما نزل القرآن على قدر معرفة العرب، ألا ترى إلى قوله تعالى: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً. وما جعل من السهل أعظم وأكثر، ولكنهم كانوا أصحاب جبال؟ ألا ترى إلى قوله: وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثاً وَمَتاعاً إِلى حِينٍ وما جعل لهم من غير ذلك أعظم وأكثر، ولكنهم كانوا أصحاب وبر وشعر؟ ألا ترى قوله: وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ (النور: ٤٣) لعجبهم من ذلك وما أنزل من الثلج أعظم وأكثر، ولكنهم كانوا لا يعرفونه؟ ألا ترى إلى قوله تعالى: سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وما تقي من البرد أعظم وأكثر ولكنهم كانوا أصحاب حر. والذي أقوله: إن هذا القرآن خاطب البشر كلهم بما يسع البشر جميعا، ومن إعجازه أن هذا الخطاب للبشر كان من الإعجاز بحيث وسع العصور والأقوام بما يقربهم ولا يبعدهم، وبما يألفون، لا بما ينكرون، ومن ثم نجد أهل كل عصر فهموا القرآن

стр. 2823

بثقافة عصرهم، ولم يجدوا فيه مستنكرا، وهكذا، ومن ثم فإنه ما دام يخاطب العرب أولا فإن العربي يشعر أنه يخاطب من حيث يعرف. ٨ - [مشهد من مشاهد يوم القيامة وعذاب الكافرين فيه] بمناسبة قوله تعالى: وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ يقول ابن كثير: «فإنه إذا جئ بجهنم تقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك، فيشرف عنق منها على الخلائق، وتزفر زفرة لا يبقى أحد إلا جثا لركبتيه فتقول: إنّي وكّلت بكل جبار عنيد، الذي جعل مع الله إلها آخر وبكذا، وبكذا، وتذكر أصنافا من الناس كما جاء في الحديث، ثم تنطوي عليهم وتتلقّطهم من الموقف كما يتلقط الطائر الحب. قال الله تعالى: إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً* وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً*، لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً. (الفرقان: ١٢ - ١٤) وقال تعالى: وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً. (الكهف: ٥٣) وقال تعالى: لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ* بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (الأنبياء: ٤٩، ٥٠). ٩ - [كلام النسفي عند الآية (٨٩) وكلام للمؤلف حول خطأين يقع فيهما كثير من الناس] عند قوله تعالى: وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ قال النسفي: (أي: من أمور الدين، أما في الأحكام المنصوصة فظاهر وكذا فيما ثبت بالسنة، أو بالإجماع، أو بقول الصحابة، أو بالقياس، لأن مرجع الكل إلى الكتاب، حيث أمرنا فيه باتباع رسوله ﵇ وطاعته بقوله تعالى: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ*، وحثنا على الإجماع فيه بقوله: وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ وقد رضي رسول الله ﷺ لأمته باتباع أصحابه بقوله: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» وقد اجتهدوا وقاسوا ووطئوا طرف الاجتهاد والقياس، مع أنه أمرنا به بقوله: فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ فكانت السنة والإجماع وقول الصحابي والقياس مستندة إلى تبيان الكتاب فتبين أنه كان تبيانا لكل شئ) اهـ. أقول: وإن أعظم ما وقع فيه المسلمون من أخطاء خطئان: الخطأ الأول : هو نسيانهم أنه ما من قضية من قضايا الوجود إلا ولله فيها الحكم الحق، وأنه لا يسع المسلم أن يخرج عن حكم الله أو يتخلى عنه، ونتج عن هذا أن كثيرا من أبناء المسلمين- حكومات وأفرادا- أخذوا يستوردون الأفكار والعادات والقوانين

стр. 2824

والدساتير بدون قيود. الخطأ الثاني: أنه قد غاب عن كثير من المسلمين أن القرآن إنما كان تبيانا لكل شئ، بأن ذكر الحكم صراحة، أو دلّ على الطريق الذي يسلك للوصول إلى الحكم من سنة أو قياس أو إجماع، ومن ثم قامت مدارس الاجتهاد التي تضع نظريات استنباط الحكم، وألفت الكتب الكثيرة التي تتحدث عن الأحكام، فأخطأ بعض الناس بأن نظروا إلى عمل الأئمة المجتهدين ومدارسهم على أنه خارج عن الدين، أو زائد عليه. نقول: ١ - [كلام صاحب الظلال عند الآية وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ] بمناسبة قوله تعالى وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ قال صاحب الظلال: «واللمسة الثانية في الرزق. والتفاوت فيه ملحوظ. والنص يرد هذا التفاوت إلى تفضيل الله لبعضهم على بعض في الرزق. ولهذا التفضيل في الرزق أسبابه الخاضعة لسنة الله. فليس شئ من ذلك جزافا ولا عبثا. وقد يكون الإنسان مفكرا عالما عاقلا، ولكن موهبته في الحصول على الرزق وتنميته محدودة، لأن له مواهب في ميادين أخرى. وقد يبدو غبيا جاهلا ساذجا ولكن له موهبة في الحصول على المال وتنميته. والناس مواهب وطاقات. فيحسب من لا يدقق أن لا علاقة للرزق بالمقدرة، وإنما هي مقدرة خاصة في جانب من جوانب الحياة. وقد تكون بسطة الرزق ابتلاء من الله، كما يكون التضييق فيه لحكمة يريدها ويحققها بالابتلاء .. وعلى أية حال فإن التفاوت في الرزق ظاهرة ملحوظة تابعة لاختلاف في المواهب- وذلك حين تمتنع الأسباب المصطنعة الظالمة التي توجد في المجتمعات المختلفة- والنص يشير إلى هذه الظاهرة التي كانت واقعة في المجتمع العربي؛ ويستخدمها في تصحيح بعض أوهام الجاهلية الوثنية التي يزاولونها، والتي سبقت الإشارة إليها. ذلك حين كانوا يعزلون جزءا من رزق الله الذي أعطاهم ويجعلونه لآلهتهم المدعاة. فهو يقول عنهم هنا: إنهم لا يردون جزءا من أموالهم على ما ملكت أيمانهم من الرقيق. (وكان هذا أمرا واقعا قبل الإسلام) ليصبحوا سواء في الرزق، فما بالهم يردون جزءا من مال الله الذي رزقهم إياه على آلهتهم المدّعاة؟ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ فيجازون النعمة بالشرك. بدل الشكر للمنعم المتفضل الوهاب؟» ٢ - [كلام صاحب الظلال حول مشهد الطير مسخرات في جو السماء] وبمناسبة قوله تعالى: أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ قال

стр. 2825

صاحب الظلال: (ومشهد الطير مسخّرات في جو السماء مشهد مكرور، قد ذهبت الألفة بما فيه من عجب، وما يتلفت القلب البشري عليه إلا حين يستيقظ، ويلحظ بعين الشاعر الموهوب. وإن تحليقة طائر في السماء لتستجيش الحس الشاعر إلى القصيدة حين يلمسه. فينتفض للمشهد القديم الجديد .. ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ بنواميسه التي أودعها فطرة الطير، وفطرة الكون من حولها، وجعل الطير قادرا على الطيران، وجعل الجو من حولها مناسبا لهذا الطيران. وأمسك بها الطير لا تسقط وهي في جو السماء: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ .. فالقلب المؤمن هو القلب الشاعر ببدائع الخلق والتكوين، المدرك لما فيها من روعة باهرة تهز المشاعر وتستجيش الضمائر. وهو يعبر عن إحساسه بروعة الخلق، بالإيمان والعبادة والتسبيح، والموهوبون من المؤمنين هبة التعبير، قادرون على إبداع ألوان من روائع القول في بدائع الخلق والتكوين، لا يبلغ إليها شاعر لم تمس قلبه شرارة الإيمان المشرق الوضيء». ٣ - [كلام صاحب الظلال عند الآية وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً] وبمناسبة قوله تعالى: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً قال صاحب الظلال: (والسكن والطمأنينة في البيوت نعمة لا يقدرها حق قدرها إلا المشرّدون الذين لا بيوت لهم ولا سكن ولا طمأنينة. وذكرها في السياق يجئ بعد الحديث عن الغيب، وظل السكن ليس غريبا عن ظل الغيب، فكلاهما فيه خفاء وستر. والتذكير بالسكن يمس المشاعر الغافلة عن قيمة هذه النعمة. ونستطرد هنا إلى شئ عن نظرة الإسلام إلى البيت، بمناسبة هذا التعبير الموحي: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً .. فهكذا يريد الإسلام البيت مكانا للسكينة النفسية والاطمئنان الشعوري، هكذا يريده، مريحا تطمئن إليه النفس وتسكن وتأمن سواء بكفايته المادية للسكنى والراحة، أو باطمئنان من فيه بعضهم لبعض، وبسكن من فيه كل إلى الآخر: فليس البيت مكانا للنزاع والشقاق والخصام. إنما هو مبيت وسكن وأمن واطمئنان وسلام. ومن ثم يضمن الإسلام للبيت حرمته، ليضمن له أمنه وسلامه واطمئنانه. فلا يدخله داخل إلا بعد الاستئذان، ولا يقتحمه أحد- بغير حق- باسم السلطان، ولا يتطلع أحد على من فيه لسبب من الأسباب، ولا يتجسس أحد على أهله في غفلة منهم

стр. 2826

أو غيبة، فيروع أمنهم، ويخل بالسكن الذي يريده الإسلام للبيوت، ويعبر عنه ذلك التعبير الجميل العميق). ولننتقل إلى القسم الثاني في السورة: فبعد أن أقام الله الحجة على الخلق بوجوب الدخول في الإسلام كله، وذكّرهم بما أعده للكافرين والمسلمين يوم القيامة، وأقام الحجة على مجئ يوم القيامة، يأتي القسم الثاني ليقرّر ويوجّه ويربي، ويذكّرهم بجوانب من الإسلام ينبغي الدخول فيها، فهو يبني على ما سبقه في السورة، ويفصّل في موضوع الدخول في الإسلام كله، ويفصّل في موضوع اجتناب اتباع خطوات الشيطان، ويذكر أشياء كثيرة سنرى محل كل منها في السياق. ................ .. يبدأ القسم بقوله تعالى إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ ... إنه بعد هذه الجولات الطويلة التي حدثتنا عن الله : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ .. وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ ... وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ .. وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً .... وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ ... وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ ... وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً ... وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ ... وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً ... وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا ... بعد هذا الحديث الطويل عن الله ، يأتي القسم الثاني في السورة مبتدئا بقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ ... فالله الذي عرفتموه والذي هذا شأنه يأمركم بالعدل والإحسان ..

стр. 2827

القسم الثاني ويتألف من مقدمة هي آية واحدة وخمس مجموعات، وسنعرضه على أجزاء لطوله . مقدمة المقطع [القسم الثاني] وهي الآية (٩٠) وهذه هي: ١٦/ ٩٠ التفسير: بعد أن حدثنا الله تعالى عن كتابه أنه تبيان لكل شئ، وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين يأتي قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ في كل شئ، في أداء الحقوق، والقيام بالواجبات، فيحدد الحقوق، ويحدد الواجبات، في السياسة، والاقتصاد والاجتماع، فلا عدل إلا ما أمر به، ولا يتحقق العدل في الحياة البشرية إلا بإقامة كتابه وسنة رسوله ﷺ وَالْإِحْسانِ وهو معنى زائد على العدل. فالعدل في كل شئ حسن والإحسان فعل الأحسن وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى أي وإعطاء ذي القرابة بأن توصل رحمه وهي وإن كانت جزءا من العدل ونوعا من الإحسان إلا أنها مقصودة بذاتها في شريعة الله وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ أي عن الذنوب المفرطة في القبح وَالْمُنْكَرِ أي ما تنكره العقول السليمة والفطر المستقيمة وَالْبَغْيِ وهو العدوان على الناس، سواء كان العدوان ماديا كأكل أموالهم ظلما. أو معنويا بالتطاول على الناس كبرا أو عجبا يَعِظُكُمْ أي يأمركم بما يأمركم به من الخير، وينهاكم عما ينهاكم عنه من الشر لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ أي تتعظون بمواعظ الله. كلمة في السياق: جاءت هذه الآية بعد قوله تعالى وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ فجاءت تلخص مقاصد هذا القرآن بأن الله في قرآنه يأمر بكذا وينهى عن كذا .....

стр. 2828

فكتابه تبيان للعدل والإحسان، وصلة الرحم، وتبيان للفحشاء والمنكر والبغي. فالصلة بين هذه الآية وما قبلها واضحة. وإذا نظرنا إلى الآية من خلال السياق الكلي للقرآن، فإننا نجد الآية تفصيلا لقوله تعالى من سورة البقرة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً أي في الإسلام جميعا الذي هو عدل وإحسان وصلة رحم وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ* التي هي فحشاء ومنكر وبغي كما قال تعالى عن الشيطان إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ. فالآية إذن تفصّل الأمر الذي جاءت السورة لخدمته، وتفصّل النهي الذي جاءت السورة لتوضيحه ولنعد إلى السياق: ***

стр. 2829

المجموعة الأولى من القسم الثاني وتمتدّ من الآية (٩١) إلى نهاية الآية (٩٧) وهذه هي: ١٦/ ٩٧ - ٩١ بين يدي المجموعة: بعد مقدمة القسم الثاني تأتي المجموعة الأولى، وهي شديدة الارتباط بالسياق المباشر لها من حيث إنها آمرة بالعدل، ناهية عن الفحشاء والمنكر، ومن حيث كونها تبيانا

стр. 2830

وهدى، ومن حيث إنها مختومة بالبشارة للمسلمين، فهي مرتبطة ببداية القسم الثاني، ونهاية القسم السابق. كما أنها مرتبطة بالسياق الكلي للقرآن في كونها مفصّلة لحيز محورها من سورة البقرة. يأمر الله فيها بالوفاء بالعهود، والمواثيق، والمحافظة على الأيمان المؤكّدة: التفسير: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وأعظم العهود هو البيعة لرسول الله ﷺ ثم لخلفائه الراشدين ولأئمة العدل. ويدخل في الآية كل عهد التزم به المسلمون وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها بعد توثيقها وتأكيدها باسم الله، والمراد بالأيمان هنا: الأيمان الداخلة في العهود والمواثيق، لا الأيمان التي هي واردة على حث أو منع وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا أي شاهدا ورقيبا، لأن الكفيل راع لحال المكفول به، مهيمن عليه إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ ومن ذلك بركم وحنثكم فيجازيكم به وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً أي ولا تكونوا في نقض الأيمان كالمرأة التي تنحي على غزلها بعد أن أحكمته وأبرمته، فتجعله أنقاضا تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أي خديعة ومكرا ومفسدة وخيانة أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ أي بسبب أن تكون أمة هي أزيد عددا وأوفر مالا من الأمة التي عاقدتموها. قال مجاهد: كانوا يحالفون الحلفاء، فيجدون أكثر منهم وأعز، فينقضون حلف هؤلاء، ويحالفون أولئك الذين هم أكثر وأعز، فنهوا عن ذلك إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ أي إنما يختبركم الله بكونهم أربى لينظر- وهو أعلم- أتتمسكون بحبل الوفاء بعهد الله وما وكّدتم من أيمان الحلف، أم تغترون بالكثرة أو بالثروة فتنقضون وتنكثون وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ إذا جازاكم على أعمالكم بالثواب والعقاب ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ فاحذروا أن تخالفوا دين الله وشرعه وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أيها الناس أُمَّةً واحِدَةً حنيفة مسلمة متصافية أي لوفّق بينكم ولما جعل اختلافا، ولا تباغض ولا شحناء وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ أي من علم منه اختيار الضلالة وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ أي من علم منه اختيار الهداية، ومن ثم لم تكونوا أمة واحدة، واقتضى ذلك تحالفات وعهودا، وغير ذلك وَلَتُسْئَلُنَّ أي يوم القيامة عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أي عن جميع أعمالكم فيجازيكم عليها على الفتيل والنقير

стр. 2831

والقطمير، ثم كرر النهي عن اتّخاذ الأيمان دخلا بينهم، تأكيدا عليهم وإظهارا لشناعة الفعل فقال وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها أي فتزل أقدامكم عن محجة الإسلام بعد ثبوتها عليها وَتَذُوقُوا السُّوءَ في الدنيا قبل الآخرة بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي بصدودكم عن سبيل الله، وخروجكم من الدين، أو بصدكم غيركم، إما لاستنانه بكم، أو لرؤية الكافر فسادكم فيظنه فسادا في دينكم فيترك دين الله، حذّر تعالى عباده عن اتخاذ الأيمان دخلا لئلا تزل قدم بعد ثبوتها. وهذا مثل لمن كان محلّ الاستقامة فحاد عنها، وزلّ عن طريق الهدى بسبب الأيمان الحانثة المشتملة على الصدود عن سبيل الله، لأن الكافر إذا رأى أن المؤمن قد عاهده ثم غدر به، لم يبق له وثوق بالدين فانصدّ بسببه عن الدخول في الإسلام. ثم قال تعالى وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ أي في الآخرة وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا أي لا تقاضوا عن الأيمان بالله عرض الحياة الدنيا وزينتها؛ فإنها قليلة، ولو حيزت لابن آدم الدنيا بحذافيرها لكان ما عند الله هو خيرا له إِنَّما عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ أي ثواب الله وجزاؤه خير لمن رجاه، وآمن به، وألزم نفسه به، وحفظ عهده رجاء موعوده، ولهذا قال: إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ثم علل ذلك فقال: ما عِنْدَكُمْ أي من أعراض الدنيا يَنْفَدُ أي يفرغ وينقضي فإنه إلى أجل معدود ومحصور متناه وَما عِنْدَ اللَّهِ من خزائن رحمته باقٍ أي لا ينفد أي وثوابه لكم في الجنة باق لا انقطاع له فإنه دائم لا يحول ولا يزول وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا على مشاق الإسلام أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ هذا قسم منه تعالى مؤكّد أنه يجازي الصابرين بأحسن أعمالهم، أي ويتجاوز عن سيئها. ثم وعد الله من آمن وعمل صالحا بالحياة الطيبة في الدنيا، والجزاء الحسن فقال: مَنْ عَمِلَ صالِحاً العمل الصالح: هو العمل الموافق لكتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى من بني آدم وَهُوَ مُؤْمِنٌ أي وقلبه مؤمن بالله ورسوله، شرط الإيمان، لأن أعمال الكفار غير معتد بها فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً أي في الدنيا قال ابن كثير: (والحياة الطيبة تشمل وجوه الراحة من أي جهة كانت). وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ أي في الآخرة بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ. نقول: [من الظلال] ١ - [حول تفسير قوله تعالى وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ .. ] قال صاحب الظلال بمناسبة قوله تعالى: وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ

стр. 2832

أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ: أي بسبب كون أمة أكثر عددا أو قوة من أمة. وطلبا للمصلحة مع الأمة الأربى. ويدخل في مدلول النص أن يكون نقض العهد تحقيقا لما يسمى الآن (مصلحة الدولة) فتعقد دولة معاهدة مع دولة أو مجموعة دول، ثم تنقضها بسبب أن هناك دولة أربى أو مجموعة دول أربى في الصف الآخر، تحقيقا لمصلحة الدولة، فالإسلام لا يقرّ مثل هذا المبرر، ويجزم بالوفاء بالعهد، وعدم اتخاذ الأيمان ذريعة للغش والدخل. ذلك في مقابل أنه لا يقر تعاهدا ولا تعاونا على غير البر والتقوى. ولا يسمح بقيام تعاهد أو تعاون على الإثم والفسوق والعصيان، وأكل حقوق الناس، واستغلال الدول والشعوب .. وعلى هذا الأساس قام بناء الجماعة الإسلامية، وبناء الدولة الإسلامية، فنعم العالم بالطمأنينة والثقة، والنظافة في المعاملات الفردية والدولية يوم كانت قيادة البشرية إلى الإسلام. والنص هنا يحذّر من مثل ذلك المبرر، وينبه إلى أن قيام مثل هذه الحالة: أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ هو ابتلاء من الله لهم، ليمتحن إرادتهم ووفاءهم وكرامتهم على أنفسهم، وتحرجهم من نقض العهد الذي أشهدوا الله عليه: إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ. ٢ - [حول أثر اتخاذ الأيمان غشا وخداعا في زعزعة العقيدة] وقال صاحب الظلال بمناسبة قوله تعالى: وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ ... (واتخاذ الأيمان غشا وخداعا يزعزع العقيدة في الضمير، ويشوّه صورتها في ضمائر الآخرين: فالذي يقسم وهو يعلم أنه خادع في قسمه، لا يمكن أن تثبت له عقيدة ولا أن تثبت له قدم على صراطها. وهو في الوقت ذاته يشوّه صورة العقيدة عند من يقسم لهم ثم ينكث، ويعلمون أن أقسامه كانت للغش والدخل، ومن ثم يصدهم عن سبيل الله بهذا المثل السيئ الذي يضربه للمؤمنين بالله. ولقد دخلت في الإسلام جماعات وشعوب بسبب ما رأوا من وفاء المسلمين بعهدهم، ومن صدقهم في وعدهم، ومن إخلاصهم في أيمانهم، ومن نظافتهم في معاملاتهم. فكان الكسب أضخم بكثير من الخسارة الوقتية الظاهرية التي نشأت عن تمسكهم بعهودهم). ٣ - [حول الآية مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً] وبمناسبة قوله تعالى: مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً قال صاحب الظلال: (وأن العمل الصالح مع الإيمان جزاؤه حياة طيبة في هذه الأرض. لا يهم أن تكون ناعمة رغدة ثرية بالمال. فقد تكون به،

стр. 2833

وقد لا يكون معها. وفي الحياة أشياء كثيرة غير المال الكثير تطيب بها الحياة في حدود الكفاية: فيها الاتصال بالله، والثقة به، والاطمئنان إلى رعايته، وستره ورضاه. وفيها الصحة والهدوء، والرضى والبركة، وسكن البيوت ومودات القلوب. وفيها الفرح بالعمل الصالح، وآثاره في الضمير، وآثاره في الحياة .. وليس المال إلا عنصرا واحدا يكفي منه القليل، حين يتصل القلب بما هو أعظم وأزكى وأبقى عند الله. وأن الحياة الطيبة في الدنيا لا تنقص من الأجر الحسن في الآخرة. وأن هذا الأجر يكون على أحسن ما عمل المؤمنون في الدنيا، ويتضمن هذا تجاوز الله لهم عن السيئات. فما أكرمه من جزاء). كلمة في السياق: [حول صلة المجموعة الأولى من القسم الثاني بمحور السورة بعد عرض مضمون المجموعة] نلاحظ أن هذه الآيات أمرت بالعدل، ونهت عن الظلم، وبينت حكم الله في قضية، وهدت المسلمين إلى أمر رشد في موضوع، وبشّرت المسلمين بما لهم عند الله في الدنيا والآخرة، فارتباط هذه المجموعة بقوله تعالى: وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ* إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ ... إن ارتباطها بما قبلها واضح، فهي وعظ، وفيها أمر ونهي، وفيها هدى وبشرى وبيان. وأما ارتباطها بمحورها من سورة البقرة فإنها تحدثت عن جزء من الإسلام، ونهت عن بعض خطوات الشيطان. ولو أنك فتّشت عمّا تعطف عليه قوله تعالى: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ... لما وجدته في سورة النحل، ولكنك لو وضعت هذه الآيات بعد قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ* فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها .... لرأيت الارتباط واضحا، ولعله مما يزيد الربط وضوحا هو ما ذكر ابن كثير عن ابن جرير بسنده إلى بريدة في قوله تعالى: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ. قال: نزلت في

стр. 2834

بيعة النبي ﷺ كان من أسلم بايع النبي ﷺ على الإسلام فقال: «وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ هذه البيعة التي بايعتم على الإسلام وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها البيعة، لا يحملنكم قلة محمد وكثرة المشركين أن تنقضوا البيعة التي بايعتم على الإسلام». فالدخول في الإسلام ترافقه بيعة لرسول الله ﷺ ، وأعلى ما يجب الوفاء به من العهود والأيمان هذه البيعة، والآيات- وإن كانت تشمل هذه الحالة وغيرها- إلا أن هذه الحالة داخلة فيها، ومن ثم فالصلة بين الدخول في السّلم، والوفاء بالعهود واضحة. فلننتقل إلى المجموعة الثانية في هذا القسم. ***

стр. 2835

المجموعة الثانية من القسم الثاني وهي تمتدّ من الآية (٩٨) إلى نهاية الآية (١٠٣) وهذه هي: ١٦/ ١٠٣ - ٩٣ بين يدي المجموعة الثانية: لقد كانت خاتمة القسم الأول وبداية القسم الثاني من سورة النحل هو قوله تعالى: وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ* إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. تأمل صلة ذلك بالمجموعة الثانية ابتداء وانتهاء: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ* إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ* إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ* وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ* قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ* وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ.

стр. 2836

فالصلة بين هذه الآيات ونهاية القسم السابق واضحة والصلة بينها وبين ما قبلها مباشرة كذلك وواضحة. فالآية السابقة عليها مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ ... فالآيات تتحدث عن عمل صالح وعن إيمان. التفسير: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ أي فإذا أردت قراءة القرآن فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ أي إبليس الرَّجِيمِ أي المطرود أو الملعون، هذا أمر الله تعالى لعباده إذا أرادوا قراءة القرآن أن يستعيذوا بالله من الشيطان الرجيم. وهذا ندب ليس بواجب. حكى الإجماع على ذلك ابن جرير وغيره من الأئمة إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ أي للشيطان سُلْطانٌ أي تسلط وولاية عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ أي لمن اجتمعت له صفتا الإيمان والتوكل. فالمؤمن المتوكل لا يقبل من الشيطان وساوسه إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ فيقبلون وساوسه وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ أي بسببه مُشْرِكُونَ أو أنهم أشركوه في عبادة الله، ثم ذكر شبهتين للكافرين حول القرآن. الشبهة الأولى حول النسخ، والشبهة الثانية حول أن يكون لهذا القرآن مصدر بشري: ١ - وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ تبديل الآية مكان الآية هو النسخ قالُوا لرسول الله ﷺ وعنه إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ أي كذاب، فإذا رفع الله آية وأثبت غيرها ورأوا تغيير الأحكام ناسخها بمنسوخها جعلوا ذلك حجة ضد رسول الله ﷺ ، والله تعالى له الأمر المطلق ينسخ الشرائع بالشرائع لحكمة ومن ثم قال: بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الحكمة في النسخ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ أي جبريل ﵇، أي الروح المقدس. والمقدس: المطهر من المآثم مِنْ رَبِّكَ أي من عنده وأمره بِالْحَقِّ أي نزّله ملتبسا بالحكمة لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا بهذا القرآن وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ فهو من ناحية يثبت أهل الإيمان، ومن ناحية هو يهديهم ويبشرهم، وإذا تذكرنا نهاية القسم السابق وهذه النهاية، رأينا الصلة بين هذه المجموعة وتلك، مع أن هذه الآية زادت وصفا وهو كون هذا القرآن بما فيه من إعجاز ومعجزات وتذكير ووعظ يثبّت أهل الإيمان

стр. 2837

٢ - وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ قال ابن كثير: يقول تعالى مخبرا عن المشركين ما كانوا يقولونه من الكذب والافتراء والبهت أن محمدا ﷺ إنما يعلمه هذا الذي يتلوه علينا من القرآن بشر، ويشيرون إلى رجل أعجمي كان بين أظهرهم غلام لبعض قريش، وكان بياعا يبيع عند الصفا، وربما كان رسول الله ﷺ يجلس إليه ويكلمه بعض الشئ، وذاك كان أعجمي اللسان، لا يعرف العربية، أو أنه كان يعرف الشئ اليسير بقدر ما يرد جواب الخطاب فيما لا بد منه، فلهذا قال الله تعالى ردا عليهم في افترائهم ذلك لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ أي القرآن أي فكيف يتعلم من جاء بهذا القرآن في فصاحته وبلاغته ومعانيه التامة الشاملة التي هي أكمل من معاني كل كتاب نزل على بني إسرائيل، كيف يتعلم من رجل أعجمي؟ لا يقول هذا من له أدنى مسكة من العقل». أقول: لم تزل هاتان الشبهتان هما عماد ما يتمسك به الكافرون ضد القرآن، فقد ألف المستشرقون والمبشرون والأحبار آلاف الكتب في الطعن في الإسلام بسبب وجود الناسخ والمنسوخ، وادّعوا أن لهذا القرآن مصادر بشرية منها أهل الكتاب الموجودون في جزيرة العرب. وقد ردّ القرآن على هاتين الشبهتين. وأقرب رد يقال: هو أن النسخ موجود في التوراة والإنجيل، فكيف ينكرونه على القرآن؟ وأن الموجودين في جزيرة العرب من أهل الكتاب ما كان عندهم ما يقدمونه أصلا، والقرآن يحكم عليهم وعلى غيرهم. وبهذا تنتهي المجموعة الثانية من هذا المقطع، بعد أن قررت الاستعاذة عند التلاوة، وبيّنت صفات الذين لا سلطان للشيطان عليهم. وصفات الذين للشيطان عليهم سبيل. وردت أكبر شبهتين يدّعيهما الكفار حول هذا القرآن. وقد رأينا الصلة ما بين هذه المجموعة وما قبلها، وما بينها وبين نهاية القسم السابق، وبداية القسم الثاني. فلنر الصلة بينها وبين محور السورة. كلمة في السياق: [المجموعة الثانية ومدى صلتها بمحور السورة] إن محور السورة آت في سياق قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ. وكتاب الإسلام القرآن. وقد ذكرت هذه المجموعة أدب تلاوة هذا القرآن. وردت شبهات حوله، وحددت صفات الذين يتبعون خطوات الشيطان، وصفات الذين ليس للشيطان عليهم سبيل.

стр. 2838

فالصلة بين هذه المجموعة ومحورها من سورة البقرة واضحة. المجموعة الثالثة من القسم الثاني وهي تمتدّ من الآية (١٠٤) إلى نهاية الآية (١١٣) وهذه هي: ١٦/ ١١٣ - ١٠٤

стр. 2839

بين يدي المجموعة الثالثة: هذه المجموعة تتحدث عن الذين لا يؤمنون بآيات الله، والذين يفترون الكذب على الله. وتتحدث عن الردة عن الإسلام، والإكراه على ترك الإسلام، وعما يغفر الله به لمن فتن عن دينه. والصلة بين هذه المجموعة وما قبلها مباشرة واضحة، فما قبلها كلام عن شبه الكافرين حول هذا القرآن. وهذا كلام عن الذين لا يؤمنون بهذا القرآن. والصلة بين هذه الآيات وبين نهاية القسم السابق واضحة. فتلك حديث عن القرآن والمسلمين، وهاهنا حديث عن القرآن والذين لا يؤمنون، ونؤخر الكلام عن الصلة بين هذه المجموعة ومحورها من سورة البقرة إلى ما بعد تفسير المجموعة. التفسير: إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ أي بالقرآن لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ ما داموا مختارين للكفر وَلَهُمْ أي في الآخرة عَذابٌ أَلِيمٌ على كفرهم. أخبر تعالى أنه لا يهدي من أعرض وتغافل عما أنزله على رسوله ﷺ ، فهذا الجنس من الناس لا يهديهم الله إلى الإيمان بالله، وما أرسل به رسله، ولهم عذاب أليم موجع في الآخرة إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ على الله الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ أي إنما يليق افتراء الكذب بمن لا يؤمن؛ لأنه لا يترقب عقابا وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ أي على الحقيقة، الكاملون في الكذب الذين لا يقيّدهم قيد، وهو ردّ لقولهم إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ وقولهم إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ فالآية رد على الشبهتين السابقتين، ومن ثم فالصلة كاملة بين هذه المجموعة وما قبلها مباشرة قال ابن كثير: «أخبر تعالى أن رسوله ﷺ ليس بمفتر ولا كذاب، لأنه إنما يفتري الكذب على الله وعلى رسوله ﷺ شرار الخلق الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ من الكفرة والملحدين المعروفين بالكذب عند الناس، والرسول محمد ﷺ كان أصدق الناس، وأبرهم وأكملهم علما وعملا، وإيمانا وإيقانا، معروفا بالصدق في قومه، لا يشك في ذلك أحد منهم، بحيث لا يدعى بينهم إلا بالأمين محمد، ولهذا لما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان عن تلك المسائل التي سألها من صفة رسول الله ﷺ كان فيما قال له: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال: لا، فقال هرقل: فما كان ليدع الكذب على الناس ويذهب فيكذب على الله ».

стр. 2840

مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ أي إنما يفتري الكذب من كفر بالله من بعد إيمانه إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ فهو استثناء ممن كفر بلسانه، ووافق المشركين بلفظه، مكرها لما ناله من ضرب وأذى. وقلبه يأبى ما يقول وهو مطمئن بالإيمان بالله ورسوله، فهو مستثنى من الأحكام التي لها علاقة بالمرتدين وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً أي طاب به نفسا واعتقده فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ذلِكَ أي الغضب والعذاب بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ أي بسبب إيثارهم الدنيا على الآخرة وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ أي ولأن سنته أنه لا يهدي القوم الكافرين ما داموا مختارين للكفر أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ أي الكاملون في الغفلة لأن الغفلة عن تدبر العواقب هي غاية الغفلة ومنتهاها لا جَرَمَ أي لا بد أي حقا أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ أي الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة. ثم بيّن الله أن هؤلاء الذين أكرهوا على الكفر إذا هاجروا وجاهدوا وصبروا فإن الله سيغفر لهم فقال: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا أي بالعذاب والإكراه على الكفر ثُمَّ جاهَدُوا المشركين بعد الهجرة وَصَبَرُوا على الجهاد إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها أي تلك الفعلة وهي الإجابة إلى الفتنة لَغَفُورٌ لهم رَحِيمٌ بهم يوم معادهم، يغفر لهم ما كان منهم من التكلم بكلمة الكفر تقية، رحيم لا يعذبهم على ما قالوا في حالة الإكراه يَوْمَ أي إن الله لغفور رحيم لهم يوم تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها أي يوم يأتي كل إنسان يجادل عن ذاته لا يهمه شأن غيره ليس أحد يحاجّ عن أحد، لا أب ولا ابن ولا أخ ولا زوجة وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ أي تعطى جزاء عملها من خير أو شر وافيا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ أي لا ينقص من ثواب الخير ولا يزاد على ثواب الشر. وهكذا بينت هاتان الآيتان أن علامة عدم اطمئنان القلب بالكفر عند الإكراه هو الهجرة والجهاد إذا تيسرت ظروف ذلك. وقبل أن نكمل تفسير المجموعة الثالثة نحب أن نذكر كلمة حول السياق ثمّ نتابع التفسير. كلمة في السياق: رأينا أن محور سورة النحل هو التذكير باليوم الآخر في معرض الأمر بالدخول في
следующие страницы →