← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

فالصلة بين هذه الآيات ونهاية القسم السابق واضحة والصلة بينها وبين ما قبلها مباشرة كذلك وواضحة. فالآية السابقة عليها مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ ... فالآيات تتحدث عن عمل صالح وعن إيمان. التفسير: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ أي فإذا أردت قراءة القرآن فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ أي إبليس الرَّجِيمِ أي المطرود أو الملعون، هذا أمر الله تعالى لعباده إذا أرادوا قراءة القرآن أن يستعيذوا بالله من الشيطان الرجيم. وهذا ندب ليس بواجب. حكى الإجماع على ذلك ابن جرير وغيره من الأئمة إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ أي للشيطان سُلْطانٌ أي تسلط وولاية عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ أي لمن اجتمعت له صفتا الإيمان والتوكل. فالمؤمن المتوكل لا يقبل من الشيطان وساوسه إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ فيقبلون وساوسه وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ أي بسببه مُشْرِكُونَ أو أنهم أشركوه في عبادة الله، ثم ذكر شبهتين للكافرين حول القرآن. الشبهة الأولى حول النسخ، والشبهة الثانية حول أن يكون لهذا القرآن مصدر بشري: ١ - وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ تبديل الآية مكان الآية هو النسخ قالُوا لرسول الله ﷺ وعنه إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ أي كذاب، فإذا رفع الله آية وأثبت غيرها ورأوا تغيير الأحكام ناسخها بمنسوخها جعلوا ذلك حجة ضد رسول الله ﷺ ، والله تعالى له الأمر المطلق ينسخ الشرائع بالشرائع لحكمة ومن ثم قال: بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الحكمة في النسخ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ أي جبريل ﵇، أي الروح المقدس. والمقدس: المطهر من المآثم مِنْ رَبِّكَ أي من عنده وأمره بِالْحَقِّ أي نزّله ملتبسا بالحكمة لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا بهذا القرآن وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ فهو من ناحية يثبت أهل الإيمان، ومن ناحية هو يهديهم ويبشرهم، وإذا تذكرنا نهاية القسم السابق وهذه النهاية، رأينا الصلة بين هذه المجموعة وتلك، مع أن هذه الآية زادت وصفا وهو كون هذا القرآن بما فيه من إعجاز ومعجزات وتذكير ووعظ يثبّت أهل الإيمان

стр. 2837

٢ - وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ قال ابن كثير: يقول تعالى مخبرا عن المشركين ما كانوا يقولونه من الكذب والافتراء والبهت أن محمدا ﷺ إنما يعلمه هذا الذي يتلوه علينا من القرآن بشر، ويشيرون إلى رجل أعجمي كان بين أظهرهم غلام لبعض قريش، وكان بياعا يبيع عند الصفا، وربما كان رسول الله ﷺ يجلس إليه ويكلمه بعض الشئ، وذاك كان أعجمي اللسان، لا يعرف العربية، أو أنه كان يعرف الشئ اليسير بقدر ما يرد جواب الخطاب فيما لا بد منه، فلهذا قال الله تعالى ردا عليهم في افترائهم ذلك لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ أي القرآن أي فكيف يتعلم من جاء بهذا القرآن في فصاحته وبلاغته ومعانيه التامة الشاملة التي هي أكمل من معاني كل كتاب نزل على بني إسرائيل، كيف يتعلم من رجل أعجمي؟ لا يقول هذا من له أدنى مسكة من العقل». أقول: لم تزل هاتان الشبهتان هما عماد ما يتمسك به الكافرون ضد القرآن، فقد ألف المستشرقون والمبشرون والأحبار آلاف الكتب في الطعن في الإسلام بسبب وجود الناسخ والمنسوخ، وادّعوا أن لهذا القرآن مصادر بشرية منها أهل الكتاب الموجودون في جزيرة العرب. وقد ردّ القرآن على هاتين الشبهتين. وأقرب رد يقال: هو أن النسخ موجود في التوراة والإنجيل، فكيف ينكرونه على القرآن؟ وأن الموجودين في جزيرة العرب من أهل الكتاب ما كان عندهم ما يقدمونه أصلا، والقرآن يحكم عليهم وعلى غيرهم. وبهذا تنتهي المجموعة الثانية من هذا المقطع، بعد أن قررت الاستعاذة عند التلاوة، وبيّنت صفات الذين لا سلطان للشيطان عليهم. وصفات الذين للشيطان عليهم سبيل. وردت أكبر شبهتين يدّعيهما الكفار حول هذا القرآن. وقد رأينا الصلة ما بين هذه المجموعة وما قبلها، وما بينها وبين نهاية القسم السابق، وبداية القسم الثاني. فلنر الصلة بينها وبين محور السورة. كلمة في السياق: [المجموعة الثانية ومدى صلتها بمحور السورة] إن محور السورة آت في سياق قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ. وكتاب الإسلام القرآن. وقد ذكرت هذه المجموعة أدب تلاوة هذا القرآن. وردت شبهات حوله، وحددت صفات الذين يتبعون خطوات الشيطان، وصفات الذين ليس للشيطان عليهم سبيل.

стр. 2838

فالصلة بين هذه المجموعة ومحورها من سورة البقرة واضحة. المجموعة الثالثة من القسم الثاني وهي تمتدّ من الآية (١٠٤) إلى نهاية الآية (١١٣) وهذه هي: ١٦/ ١١٣ - ١٠٤

стр. 2839

بين يدي المجموعة الثالثة: هذه المجموعة تتحدث عن الذين لا يؤمنون بآيات الله، والذين يفترون الكذب على الله. وتتحدث عن الردة عن الإسلام، والإكراه على ترك الإسلام، وعما يغفر الله به لمن فتن عن دينه. والصلة بين هذه المجموعة وما قبلها مباشرة واضحة، فما قبلها كلام عن شبه الكافرين حول هذا القرآن. وهذا كلام عن الذين لا يؤمنون بهذا القرآن. والصلة بين هذه الآيات وبين نهاية القسم السابق واضحة. فتلك حديث عن القرآن والمسلمين، وهاهنا حديث عن القرآن والذين لا يؤمنون، ونؤخر الكلام عن الصلة بين هذه المجموعة ومحورها من سورة البقرة إلى ما بعد تفسير المجموعة. التفسير: إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ أي بالقرآن لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ ما داموا مختارين للكفر وَلَهُمْ أي في الآخرة عَذابٌ أَلِيمٌ على كفرهم. أخبر تعالى أنه لا يهدي من أعرض وتغافل عما أنزله على رسوله ﷺ ، فهذا الجنس من الناس لا يهديهم الله إلى الإيمان بالله، وما أرسل به رسله، ولهم عذاب أليم موجع في الآخرة إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ على الله الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ أي إنما يليق افتراء الكذب بمن لا يؤمن؛ لأنه لا يترقب عقابا وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ أي على الحقيقة، الكاملون في الكذب الذين لا يقيّدهم قيد، وهو ردّ لقولهم إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ وقولهم إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ فالآية رد على الشبهتين السابقتين، ومن ثم فالصلة كاملة بين هذه المجموعة وما قبلها مباشرة قال ابن كثير: «أخبر تعالى أن رسوله ﷺ ليس بمفتر ولا كذاب، لأنه إنما يفتري الكذب على الله وعلى رسوله ﷺ شرار الخلق الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ من الكفرة والملحدين المعروفين بالكذب عند الناس، والرسول محمد ﷺ كان أصدق الناس، وأبرهم وأكملهم علما وعملا، وإيمانا وإيقانا، معروفا بالصدق في قومه، لا يشك في ذلك أحد منهم، بحيث لا يدعى بينهم إلا بالأمين محمد، ولهذا لما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان عن تلك المسائل التي سألها من صفة رسول الله ﷺ كان فيما قال له: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال: لا، فقال هرقل: فما كان ليدع الكذب على الناس ويذهب فيكذب على الله ».

стр. 2840

مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ أي إنما يفتري الكذب من كفر بالله من بعد إيمانه إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ فهو استثناء ممن كفر بلسانه، ووافق المشركين بلفظه، مكرها لما ناله من ضرب وأذى. وقلبه يأبى ما يقول وهو مطمئن بالإيمان بالله ورسوله، فهو مستثنى من الأحكام التي لها علاقة بالمرتدين وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً أي طاب به نفسا واعتقده فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ذلِكَ أي الغضب والعذاب بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ أي بسبب إيثارهم الدنيا على الآخرة وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ أي ولأن سنته أنه لا يهدي القوم الكافرين ما داموا مختارين للكفر أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ أي الكاملون في الغفلة لأن الغفلة عن تدبر العواقب هي غاية الغفلة ومنتهاها لا جَرَمَ أي لا بد أي حقا أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ أي الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة. ثم بيّن الله أن هؤلاء الذين أكرهوا على الكفر إذا هاجروا وجاهدوا وصبروا فإن الله سيغفر لهم فقال: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا أي بالعذاب والإكراه على الكفر ثُمَّ جاهَدُوا المشركين بعد الهجرة وَصَبَرُوا على الجهاد إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها أي تلك الفعلة وهي الإجابة إلى الفتنة لَغَفُورٌ لهم رَحِيمٌ بهم يوم معادهم، يغفر لهم ما كان منهم من التكلم بكلمة الكفر تقية، رحيم لا يعذبهم على ما قالوا في حالة الإكراه يَوْمَ أي إن الله لغفور رحيم لهم يوم تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها أي يوم يأتي كل إنسان يجادل عن ذاته لا يهمه شأن غيره ليس أحد يحاجّ عن أحد، لا أب ولا ابن ولا أخ ولا زوجة وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ أي تعطى جزاء عملها من خير أو شر وافيا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ أي لا ينقص من ثواب الخير ولا يزاد على ثواب الشر. وهكذا بينت هاتان الآيتان أن علامة عدم اطمئنان القلب بالكفر عند الإكراه هو الهجرة والجهاد إذا تيسرت ظروف ذلك. وقبل أن نكمل تفسير المجموعة الثالثة نحب أن نذكر كلمة حول السياق ثمّ نتابع التفسير. كلمة في السياق: رأينا أن محور سورة النحل هو التذكير باليوم الآخر في معرض الأمر بالدخول في

стр. 2841

الإسلام كله، والنهي عن اتباع خطوات الشيطان، وعملية الدخول في الإسلام ترتبط بها قضية الإكراه على ترك الإسلام، فإذا حدث فما الحكم وما المخلص؟. كما ترتبط بها قضية الردة، فإذا حدثت فما العقوبة؟. وقد جاءت هذه المجموعة مبينة لهذه القضايا، ومبينة من هم الذين عندهم استعداد للردة وهم الكاذبون. فصلة المجموعة بمحور السورة من البقرة واضح. وبمناسبة الكلام عن الفتنة، والإكراه على ترك الإسلام، يضرب الله مثلا لهؤلاء الذين يفتنون الناس عن دينهم، ويبين ما هو جزاؤهم. فلنعد إلى التفسير: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً أي: من القتل والسبي مُطْمَئِنَّةً أي: لا يزعجها خوف، لأن الطمأنينة مع الأمن، والانزعاج والقلق مع الخوف. يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً أي واسعا مِنْ كُلِّ مَكانٍ أي من كل بلد فَكَفَرَتْ أي فكفر أهلها بِأَنْعُمِ اللَّهِ أي بنعمه فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ أي بدّلهم بحاليهم الأوليين خلافهما: الجوع بدل الرزق الرغد، والخوف بدل الأمن بِما كانُوا يَصْنَعُونَ أي بسبب صنيعهم وبغيهم وتكذيبهم وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ جاحدين نعمة الله عليهم بهدايتهم إلى دينه على يد الرسول ﷺ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وَهُمْ ظالِمُونَ أي أخذهم العذاب في حال تلبسهم بالظلم، جعل الله هذه القرية التي هذه حالها مثلا لكل قوم أنعم الله عليهم فأبطرتهم النعمة فكفروا وتولوا فأنزل الله بهم نقمته، ويمكن أن يكون المراد بهذه القرية قرية من قرى الأولين كانت هذه حالها فضربها الله مثلا. والأكثرون على أنها مكة، ضربت مثلا لكل من يفتن المؤمنين ويكذّب رسل الله، والجوع الذي أصابهم وجد يوم دعا عليهم رسول الله ﷺ بسبع كسني يوسف، والخوف الذي أصابهم بسبب سرايا الرسول ﷺ وجيوشه، والعذاب الذي نزل بهم هو ما أصابهم يوم بدر، والعبرة لعموم اللفظ كما نعرف، فهذا المثل في هذا المقام تحذير لمن يرتد، ولمن يفتن المسلمين عن دينهم، ولمن يكذب رسل الله عليهم الصلاة والسلام. ***

стр. 2842

المجموعة الرابعة من القسم الثاني وهي تمتدّ من الآية (١١٤) إلى نهاية الآية (١١٩) وهذه هي: ١٦/ ١١٩ - ١١٤ بين يدي المجموعة: المجموعة الرابعة فيها نموذج على أمر الله بالعدل ونهيه عن المنكر، ومن ثم فلها صلة بمقدمة المقطع من هذه الحيثية، ولها صلة بذكر النعم، وموضوع الجوع قبلها، وهي مجموعة توجيهية لمن دخل في السلم، وترك اتباع خطوات الشيطان في موضوع من أهم المواضيع كما سنرى، فهي مرتبطة بسياق السورة. ومحور السورة. تفسير المجموعة: فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ فالعبادة إذن تقتضي الشكر على الحلال الطيب، أما المفهوم الخاطئ الذي يجعل العبادة قرينة الحرمان وتحريم الطيبات والمباح، فإنه مفهوم كافر أو غال وليس هو المفهوم

стр. 2843

الإسلامي في هذا الموضوع. ثم ذكر تعالى ما حرمه عليهم مما فيه مضرة لهم في دينهم ودنياهم. فهذه التي يجب الامتناع عنها إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ أي ذبح على غير اسم الله، و (إنما) في اللغة تفيد الحصر، ومن خلال الحصر نعرف أن الآية قالت إن المحرّم هو هذا دون البحيرة والسائبة وأخواتها مما حرّموه بأهوائهم فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ أي فمن احتاج من غير بغي ولا عدوان فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أي يغفر عند الاضطرار، ولا يعاقب رحمة منه تعالى. ثم نهى الله تعالى عن سلوك سبيل المشركين الذين حلّلوا وحرّموا بمجرد ما وصفوه واصطلحوا عليه من الأسماء بآرائهم من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وغير ذلك مما كان شرعا لهم ابتدعوه في جاهليتهم فقال: وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ويدخل في هذا كل من ابتدع بدعة ليس له فيها مستند شرعي، أو أحلّ شيئا مما حرم الله، أو حرم شيئا مما أباح الله بمجرد رأيه، ثمّ توعّد على ذلك فقال: إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ أي في الدنيا ولا في الآخرة، أما في الدنيا فمتاع قليل، وأما في الآخرة فلهم عذاب أليم كما قال: مَتاعٌ قَلِيلٌ أي منفعتهم فيما هم عليه من الكذب على الله منفعة قليلة وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وعذاب ذلك عظيم عند الله، دلّ ذلك على أنّ التحريم والتحليل بالهوى كفر. وبعد أن ذكر الله تعالى ما أحلّ لهذه الأمة، وما حرم عليها، وما رخّص فيه عند الضرورة؛ توسعة على هذه الأمة التي يريد الله بها اليسر ولا يريد بها العسر، ذكر ما كان حرّمه على اليهود في شريعتهم قبل أن ينسخها، وما كانوا فيه من الآصار والتضييق والأغلال والحرج فقال: وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ أي في سورة الأنعام. وَما ظَلَمْناهُمْ أي فيما ضيقنا عليهم وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ أي فاستحقوا ذلك، أي استحقوا ما حرمناه عليهم عقوبة لهم على معاصيهم كما قال تعالى في سورة النساء فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً ثم أخبر تعالى هذه الأمة عن سنته في حق العصاة: أن من تاب منهم إليه تاب الله عليه تكرما وامتنانا ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ أي عملوا السوء جاهلين غير متدبرين للعاقبة؛ لغلبة الشهوة عليهم، مرادهم لذة الهوى لا عصيان المولى ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا أي أقلعوا عما كانوا فيه من المعاصي، وأقبلوا على فعل الطاعات إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها أي من بعد التوبة، أو من بعد

стр. 2844

الغفلة التي أعقبت توبة لَغَفُورٌ بتكفير ما أكثروا قبل من الجرائم رَحِيمٌ بتوثيق ما وثّقوا بعد من العزائم. كلمة في السياق: [حول صلة المجموعة بالسياق العام للسورة وبالمحور] إن موضوع التحريم والتحليل من أخطر المواضيع في الحياة البشرية، ومن ثمّ فإن الله هو الذي يحل ويحرم. وقد جعل الله التحريم والتحليل النابعين عن الهوى من عمل الشيطان، فقال في سورة البقرة يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ* إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ فإذا فهمنا هذه الآية عرفنا محل المجموعة التي مرت معنا في السياق العام والسياق الخاص: فبالنسبة للسياق العام: فإن هذه السورة آتية لتفصّل في حيز قوله تعالى ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ ومن خطوات الشيطان تحريم الحلال، وتحليل الحرام، ومن الدخول في السلم أن تحل ما أحل الله، وأن تشكر الله على ما أحل، ومن الدخول في السلم أن تتوب إذا عصيت، فهذا محل هذه المجموعة في السياق العام. وأما محلّها في سياق قسمها: فإننا رأينا أن مقدمة القسم هي إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. ورأينا أن الشيطان يأمرنا بالسوء والفحشاء في موضوع التحريم والتحليل، كما مر معنا في قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً ... وهذه المجموعة من الآيات بينت لنا ما حرم الله علينا، وما حرم على من قبلنا، فما زاد على ذلك مما لم تحرمه السنة فمن فعل الشيطان وأمره، أي من الفحشاء والمنكر الذي ينهى الله عنه، وما كان ضمن حدود الله فهو العدل الذي يأمر الله به. فمجموعة الآيات التي مرّت معنا نموذج على ما يأمر الله به من العدل، وعلى ما ينهى عنه من الفحشاء والمنكر والبغي. فالصلة بين المجموعة وسياقها ضمن قسمها واضحة. ***

стр. 2845

المجموعة الخامسة من القسم الثاني وتمتدّ من الآية (١٢٠) إلى نهاية الآية (١٢٨) أي إلى نهاية السورة وهذه هي: ١٦/ ١٢٨ - ١٢٠ بين يدي المجموعة: هذه هي المجموعة الأخيرة في هذا القسم، وبها تختم السورة، فهي خاتمة للسورة والقسم. ولنقدم لها بمقدمة لها علاقة بالسياق: ١ - إن المحور الذي تخدمه هذه السورة هو الدخول في الإسلام كله، ومعلوم أن إبراهيم ﵇ هو أبو الأنبياء، وهو إمام في الإسلام، والإسلام الذي أنزل على

стр. 2846

محمد ﷺ إنما هو استمرار لإسلام إبراهيم ﵇. ٢ - الإسلام دعوة عالمية وتحاربه قوى كافرة، فما هي آداب الدعوة إلى الإسلام؟ وما هو أدب العقوبة إذا عاقبنا؟ وما هي خصائص الدعاة؟. ٣ - إن الله يأمر بالعدل ويأمر بالإحسان، ما هو المثل لذلك؟ فإذا وجدنا أن هذه المعاني تتعرض لها المجموعة الأخيرة من هذا القسم أدركنا صلة هذه المجموعة بقسمها. وأدركنا صلة هذه المجموعة بالمحور فتدبّر الآن تفسير المجموعة. التفسير: إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً أي إنه كان وحده أمة من الأمم؛ لكماله في جميع صفات الخير قانِتاً لِلَّهِ أي خاشعا مطيعا حَنِيفاً أي مائلا عن الأديان إلى ملة الإسلام وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ نفى عنه الشرك تكذيبا لكفار قريش لزعمهم أنهم على ملة أبيهم إبراهيم شاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ أي اختصه واصطفاه للنبوة وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ أي إلى الإسلام لله وحده بالعبادة والشريعة وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً أي جمعنا له خير الدنيا من جميع ما يحتاج إليه في إكمال حياته الطيبة، من نبوة وأموال وأولاد، وذكر حسن، وخلود على ألسنة أهل التوحيد، وقبول في قلوب الناس جميعا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ أي لمن أهل الجنة. هذا هو النموذج للمسلم الكامل، وما أعطاه الله نموذج للحياة الطيبة التي وعدها عباده الصالحين. هذا النموذج مستجمع لخصال الخير: خاشع، مطيع، مائل عن كل دين إلا دين الإسلام، موحّد، شاكر للنعمة، مستقيم على صراط الله، صالح، وجزاؤه الحياة الطيبة في الدنيا، والجزاء الحسن في الآخرة. هذا هو النموذج الكامل للمسلم، والنموذج الكامل للدخول في الإسلام كله، ومن ثم جعله الله قدوة لرسوله محمد ﷺ وهذا كذلك من إكرامه في الدنيا ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قال ابن كثير: أي ومن كماله وعظمته وصحة توحيده وطريقه أنا أوحينا إليك يا خاتم الرسل وسيد الأنبياء أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً .. وقال النسفي: في (ثم) تعظيم منزلة نبينا عليه الصلاة والسلام

стр. 2847

وإجلال محله، والإيذان بأن أشرف ما أوتي خليل الله من الكرامة اتباع رسولنا ملته. وإذن فالنموذج للمسلم الكامل إبراهيم ﵇، وبعثة رسولنا ﵊ إنما هي تجديد لدين إبراهيم، وإحياء له في التوحيد والقدوة، ولما كان عند اليهود (عقدة السبت) لدرجة أنهم يرفضون أي دين لا يعظم السبت، ويعتبرون عدم تعظيم السبت علامة على بطلان أي دين، بيّن الله في هذا المقام هذا الموضوع، واختيار هذا المقام لتبيان هذا الموضوع؛ لأن إبراهيم لم يكن جزءا من عمله تعظيم السبت، ولأن هذا المثال نموذج على ما يمكن أن يجادل فيه بعض الخلق، والأمر اللاحق هو توجيه حول قضية الدعوة والجدال فيها. فمجيء هذا الموضوع في هذا المقام مفهوم الحكمة، وهو بيان لموقف الإسلام من السبت. فليس السبت جزءا من إسلامنا، ولا من شريعتنا، ولا مما أمر الله به أمتنا. إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ أي فرض عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ أي على اليهود، وهل اختلافهم فيه سابق على فرضيته أو بعد فرضيته بأن حفظه بعضهم وضيعه آخرون، أو الاختلاف فيه هو بعد بعثة المسيح ﵇؟ أقوال، وفي كل الأحوال يكون المعنى إنما فرض السبت على بني إسرائيل، ويدخل فيه أن بعضهم عظمه وبعضهم لم يعظّمه، كما فعلت القرية التي مسخ الله قسما من أهلها. ويمكن أن يكون المراد- والله أعلم- أن الله ألزمهم بيوم يعظمون الله فيه، واختار لهم الجمعة دون إلزام، فطرح بعضهم فكرة السبت، فرفضها قوم وقبلها آخرون، فألزمهم الله إياها، وسنتعرض للموضوع في الفوائد وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إن كان في التعظيم وعدمه، فيكون المعنى: وهو يحكم بينهم يوم القيامة، فيجازي كل واحد من الفريقين بما هو أهله، وإن كان في اليوم المفضّل فإن المعنى: أن الله سيبين للجميع أن اليوم المفضّل عنده هو الجمعة. ثم يتوجه الخطاب إلى الرسول ﷺ وارث ملة إبراهيم ﵇. الداعية إلى الإسلام، وهو خطاب لكل فرد من أمته يعلّمه كيفية الدعوة إلى الإسلام: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ قال النسفي: إلى الإسلام بِالْحِكْمَةِ أي بالمقالة الصحيحة المحكمة، وهو الدليل الموضح للحق، المزيل للشبهة، أو بالخطاب المناسب لكل إنسان بحسبه وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ قال ابن كثير: أي بما فيه (أي القرآن) من الزواجر والوقائع بالناس، وذكّرهم بها ليحذروا بأس الله. وقال النسفي في تفسير الموعظة الحسنة: وهي التي لا يخفى عليهم أنك تناصحهم بها، وتقصد ما ينفعهم فيها.

стр. 2848

وقد يكون المراد بالحكمة والموعظة الحسنة القرآن. أي ادعهم بالكتاب الذي هو حكمة وموعظة حسنة، وقد يراد بالموعظة الحسنة أن يخلط الرغبة بالرهبة، والإنذار بالبشارة وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ أي من احتاج منهم إلى مناظرة وجدال فليكن بالوجه الحسن برفق ولين وحسن خطاب، وهو ردّ على من يأبى المناظرة في الدين ولكن من يستطيع مثل هذا المقام في الجدال؟؟ وهو التزام الطريقة الحسنى فيه، رفقا ولينا بما يعظ النفوس، ويوقظ القلوب، ويجلو العقول، والجدال غالبا ترافقه إثارة إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ أي قد علم الشقي منهم والسعيد، وكتب ذلك عنده وفرغ منه، فادعهم إلى الله ولا تذهب نفسك على من ضل منهم حسرات، فإنه ليس عليك هداهم، إنما أنت نذير عليك البلاغ، وعلينا الحساب، فمن كان فيه خير كفاه الوعظ القليل، ومن لا خير فيه عجزت عنه الحيل، ولمّا كانت الدعوة إلى الله تقابل في كثير من الأحيان بالإيذاء قال تعالى: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ أي إن صنع بكم صنيع سوء: من قتل، أو نحوه، فقابلوه بمثله، ولا تزيدوا عليه وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ أي ولئن صبرتم لصبركم خير لكم، فالمماثلة في استيفاء الحق عدل، والصبر إحسان، ثم قال لرسوله ﷺ الذي مقامه دائما الإحسان وَاصْبِرْ هذا عزم من الله على رسوله ﷺ بالصبر ليدلل أن مقام الصبر هو الأرقى وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ أي بتوفيقه وتثبيته، هذا إخبار منه تعالى بأن الصبر لا ينال إلا بمشيئة الله وإعانته وقوّته وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ أي على الكفار إن لم يؤمنوا، أو على من خالفك؛ فإن الله قدّر ذلك، أو على المؤمنين وما فعل بهم، فإنهم وصلوا إلى مطلوبهم وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ أي في غمّ مِمَّا يَمْكُرُونَ أي من مكرهم. والمعنى: ولا يضيقن صدرك من مكرهم، فإنه لا ينفذ عليك مهما أجهدوا أنفسهم في عداوتك، وإيصال الشر إليك، فإن الله كافيك وناصرك، ومؤيدك ومظهرك، ومظفرك بهم. وهذا كله مفهوم من الآية الأخيرة إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ أي معهم بتأييده ونصره، ومعونته وهديه، وهذه معيّة خاصة، والذين اتقوا: هم الذين يجتنبون المحرمات. والمحسنون: هم الذين يفعلون الطاعات، فهؤلاء الله وليّهم، فهو ولي من اجتنب السيئات، وفعل الطاعات، وقد قالوا: من اتقى في أفعاله، وأحسن في أعماله، كان الله معه في أحواله. ومعيته: نصرته في المأمور، وعصمته من المحظور.

стр. 2849

وواضح أن الآيات الأخيرة قد وضعت دستورا للدعوة والدعاة، وقد تحدث صاحب الظلال في أجواء هذا الدستور فقال: (إن الدعوة دعوة إلى سبيل الله. لا لشخص الداعي ولا لقومه. فليس للداعي من دعوته إلا أن يؤدي واجبه لله، لا فضل له يتحدث به، لا على الدعوة ولا على من يهتدون به، وأجره بعد ذلك على الله. والدعوة بالحكمة، والنظر في أحوال المخاطبين وظروفهم، والقدر الذي يبينه لهم في كل مرة لا يثقل عليهم، ولا يشق بالتكاليف قبل استعداد النفوس لها، والطريقة التي يخاطبهم بها، والتنويع في هذه الطريقة حسب مقتضياتها. فلا تستبد به الحماسة والاندفاع والغيرة، فيتجاوز الحكمة في هذا كله وفي سواه. وبالموعظة الحسنة التي تدخل إلى القلوب برفق، وتتعمق المشاعر بلطف، لا بالزجر والتأنيب في غير موجب، ولا بفضح الأخطاء التي قد تقع عن جهل أو حسن نية. فإن الرفق في الموعظة كثيرا ما يهدي القلوب الشاردة. ويؤلف القلوب النافرة، ويأتي بخير من الزجر والتأنيب والتوبيخ. وبالجدال بالتي هي أحسن. بلا تحامل على المخالف ولا ترذيل له ولا تقبيح حتى يطمئن إلى الداعي ويشعر أن ليس هدفه هو الغلبة في الجدل، ولكن الإقناع والوصول إلى الحق. فالنفس البشرية لها كبرياؤها وعنادها، وهي لا تنزل عن الرأي الذي تدافع عنه إلا بالرفق، حتى لا تشعر بالهزيمة. وسرعان ما يختلط على النفس قيمة الرأي وقيمتها هي عند الناس فتعتبر التنازل عن الرأي تنازلا عن هيبتها واحترامها وكيانها. والجدل بالحسنى هو الذي يطامن من هذه الكبرياء الحساسة، ويشعر المجادل أن ذاته مصونة، وقيمته كريمة، وأن الداعي لا يقصد إلا كشف الحقيقة في ذاتها، والاهتداء إليها. في سبيل الله، لا في سبيل ذاته ونصرة رأيه وهزيمة الرأي الآخر. ولكي يطامن الداعية من حماسته واندفاعه يشير النص القرآني إلى أن الله هو الأعلم بمن ضل عن سبيله وهو الأعلم بالمهتدين. فلا ضرورة للّجاجة في الجدل إنما هو البيان والأمر بعد ذلك لله. هذا هو منهج الدعوة ودستورها ما دام الأمر في دائرة الدعوة باللسان والجدل

стр. 2850

بالحجة. فأما إذا وقع الاعتداء على أهل الدعوة فإن الموقف يتغير، فالاعتداء عمل مادي يدفع بمثله إعزازا لكرامة الحق، ودفعا لغلبة الباطل، على ألا يتجاوز الرد على الاعتداء حدوده إلى التمثيل والتفظيع، فالإسلام دين العدل والاعتدال، وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ. فالدفع عن الدعوة في حدود القصد والعدل يحفظ لها كرامتها وعزتها، فلا تهون في أنفس الناس. والدعوة المهينة لا يعتنقها أحد ولا يثق أنها دعوة الله. فالله لا يترك دعوته مهينة لا تدفع عن نفسها، والمؤمنون بالله لا يقبلون الضيم وهم دعاة لله، والعزة لله جميعا. ثم إنهم أمناء على إقامة الحق في هذه الأرض وتحقيق العدل بين الناس، وقيادة البشرية إلى الطريق القويم، فكيف ينهضون بهذا كله وهم يعاقبون فلا يعاقبون، ويعتدى عليهم فلا يردون؟!. ومع تقرير قاعدة القصاص بالمثل، فإن القرآن الكريم يدعو إلى العفو والصبر، حين يكون المسلمون قادرين على دفع الشر ووقف العدوان، في الحالات التي قد يكون العفو فيها الصبر أعمق أثرا، وأكثر فائدة للدعوة. فأشخاصهم لا وزن لها إذا كانت مصلحة الدعوة تؤثر العفو والصبر. فأما إذا كان العفو والصبر يهينان دعوة الله ويرخصانها، فالقاعدة الأولى هي الأولى. ولأن الصبر يحتاج إلى مقاومة للانفعال، وضبط للعواطف، وكبت للفطرة، فإن القرآن يصله بالله ويزين عقباه: وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ* وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ. فهو الذي يعين على الصبر وضبط النفس، والاتجاه إليه هو الذي يطامن من الرغبة الفطرية في رد الاعتداء بمثله والقصاص له بقدره. ويوصي القرآن الرسول ﷺ وهي وصية لكل داعية من بعده- ألا يأخذه الحزن إذا رأى الناس لا يهتدون، فإنما عليه واجبه يؤديه، والهدى والضلال بيد الله، وفق سنته في فطرة النفوس واستعداداتها واتجاهاتها ومجاهدتها للهدى أو للضلال. وألا يضيق صدره بمكرهم فإنما هو داعية لله، فالله حافظه من المكر والكيد، لا يدعه للماكرين الكائدين، وهو مخلص في دعوته لا يبتغي من ورائها شيئا لنفسه).

стр. 2851

كلمة في السياق: [حول صلة المجموعة الخامسة بمقدمة القسم الثاني وبالمحور] صلة هذه المجموعة بمقدمة هذا القسم واضحة: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وما أمر الله به في هذه المجموعة من اتباع إبراهيم ﵇، ومن طرق الدعوة إلى الله، والمماثلة بالعقوبة أو الصبر، والحض على الصبر، كلها من نوع الأمر بالعدل والإحسان. وصلة هذه المجموعة بمحور السورة من البقرة واضحة ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً فإبراهيم ﵇ هو قدوة الداخلين في الإسلام كله وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ، ونحن مأمورون باتباعه، وليس السبت جزءا من الإسلام. والدعوة إلى الإسلام لها طريقها الخاص بها، ومقابلة الاعتداء بمثله جائزة، والصبر أجود، ومع الصبر لا ينبغي أن يكون حزن أو ضيق من مواقف الآخرين وعليهم، هذه كلها مرتبطة ارتباطا وثيقا بموضوع الدخول في الإسلام كله، إن في وعد الله بتأييد المتقين المحسنين ونصرتهم، أو بالبشارة بمعيته لمن يدخل في دينه الذي هو عدل وإحسان وإيتاء ذي القربى، والذي هو ترك للفحشاء والمنكر والبغي. وهكذا نلاحظ من خلال المجموعات الخمس التي مرت معنا، وارتباطها بمقدمة القسم الثاني، ونهاية القسم الأول، وصلة القسم الثاني كله بمحور السورة من سورة البقرة، نلاحظ من خلال هذا كله كيف أن الإنسان إذا لم يدرك السياق الخاص للسورة، وارتباط السورة بمحورها، لا يستطيع أن يعرف محلّ الآية، أو المجموعة في الوحدة العامة للسورة، وضمن الوحدة القرآنية العامة. وإن حرصنا على إبراز هذا المعنى جعلنا نؤخّر الكلام عن بعض فوائد ما مرّ معنا حتى لا ينقطع الكلام عن السياق، وقد آن الأوان لنتكلم عن فوائد حول القسم الذي مرّ معنا: الفوائد: ١ - [حديث بمناسبة الآية وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى] بمناسبة قوله تعالى: وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى يروي ابن كثير الحديث «ما من ذنب أجدر أن يعجّل الله عقوبته في الدنيا، مع ما يدخر لصاحبه في الآخرة، من البغي، وقطيعة الرحم». ٢ - [أجمع آية في القرآن إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ .. ] الكلام عن آية إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ ... كثير، إذ هي أجمع

стр. 2852

آية في القرآن، ولهذا يقرؤها كل خطيب على المنبر في آخر خطبته لتكون عظة جامعة، وقد نقل ابن كثير في هذا المقام أحاديث وآثارا ننقلها مع حذف الأسانيد: روى الشعبي عن شتير بن شكل: سمعت ابن مسعود يقول: إن أجمع آية في القرآن في سورة النحل إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ الآية. وقال سعيد عن قتادة قوله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ الآية ليس من خلق حسن- كان أهل الجاهلية يعملون به ويستحسنونه- إلا أمر الله به، وليس من خلق سيئ، كانوا يتعايرونه بينهم إلا نهى الله عنه وقدم فيه، إنما نهى عن سفاسف الأخلاق ومذامها (قلت) القائل ابن كثير ولهذا جاء في الحديث: «إن الله يحب معالي الأخلاق ويكره سفاسفها» وقال الحافظ أبو نعيم في كتاب (معرفة الصحابة) ... عن علي بن عبد الملك بن عمير عن أبيه قال: بلغ أكثم بن صيفي مخرج النبي ﷺ فأراد أن يأتيه فأبى قومه أن يدعوه وقالوا: أنت كبيرنا لم تكن لتخف إليه! قال: فليأته من يبلغه عني ويبلغني عنه، فانتدب رجلان فأتيا النبي ﷺ فقالا: نحن رسل أكثم بن صيفي، وهو يسألك من أنت وما أنت؟ فقال النبي ﷺ : «أما من أنا، فأنا محمد بن عبد الله، وأما ما أنا فأنا عبد الله ورسوله». قال: ثم تلا عليهم هذه الآية: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ الآية. قالوا: ردّد علينا هذا القول، فردده عليهم حتى حفظوه، فأتيا أكثم فقالا: أبى أن يرفع نسبه، فسألناه عن نسبه، فوجدناه زاكي النسب، وسطا في مضر- أي شريفا- وقد رمى إلينا بكلمات قد سمعناها، فلما سمعهن أكثم قال: إني أراه يأمر بمكارم الأخلاق، وينهى عن ملائمها. فكونوا في هذا الأمر رؤساء ولا تكونوا فيه أذنابا. وقد ورد في نزولها حديث حسن رواه الإمام أحمد ... عن ابن عباس قال: بينما رسول الله ﷺ بفناء بيته جالس إذ مر به عثمان بن مظعون فكشر (١) إلى رسول الله ﷺ فقال له رسول الله ﷺ : «ألا تجلس؟» فقال: بلى. قال: فجلس رسول الله ﷺ مستقبله، فبينما يحدثه إذ شخص رسول الله ﷺ ببصره إلى السماء، فنظر ساعة إلى السماء، فأخذ يضع بصره حتى وضعه على يمينه في الأرض فتحرّف رسول الله ﷺ على جليسه عثمان إلى حيث وضع بصره، فأخذ ينغض رأسه كأنه يستفقه ما يقال له وابن مظعون ينظر، فلما قضى حاجته واستفقه ما يقال له شخص بصر رسول الله ﷺ إلى السماء كما شخص أول مرة، فأتبعه بصره حتى توارى

стр. 2853

في السماء، فأقبل إلى عثمان بجلسته الاولى. فقال: يا محمد فيما كنت أجالسك ما رأيتك تفعل كفعلك الغداة: فقال: «وما رأيتني فعلت؟» قال: رأيتك تشخص بصرك إلى السماء، ثم وضعته حيث وضعته على يمينك، فتحرفت إليه وتركتني فأخذت تنغض رأسك كأنك تستفقه شيئا يقال لك. قال: قال: «وفطنت لذلك؟» فقال عثمان: نعم. قال رسول الله ﷺ : «أتاني رسول الله (يعني جبريل) آنفا وأنت جالس». قال: رسول الله؟؟ قال: «نعم» قال: فما قال لك؟ قال: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ» الآية. قال عثمان: فذلك حين استقر الإيمان في قلبي وأحببت محمدا ﷺ . وروى الإمام أحمد ... عن عثمان بن أبي العاص قال: كنت عند رسول الله ﷺ جالسا إذ شخص بصره فقال: «أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية بهذا الموضع من هذه السورة إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ» الآية». أقول: والرواية الأخيرة تدل على أن ترتيب القرآن توقيفي، فالله هو الذي أمر بترتيبه على ما هو عليه. ٣ - [حديث بمناسبة الآية وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ .. ] بمناسبة قوله تعالى: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها نذكر ما رواه الإمام أحمد عن حذيفة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من شرط لأخيه شرطا لا يريد أن يفي له به فهو كالمدلي جاره إلى غير منعة». أي مثل المورط جاره إلى موقف ليس له فيه حماية. ٤ - [كلام ابن كثير بمناسبة الآية وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها .. ] بمناسبة قوله تعالى: وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً قال ابن كثير: قال عبد الله بن كثير: هذه امرأة خرقاء كانت بمكة كلما غزلت شيئا نقضته بعد إبرامه. وقال مجاهد وقتادة وابن زيد: هذا مثل لمن نقض عهده بعد توكيده. وهذا القول أرجح وأظهر، سواء كان بمكة امرأة تنقض غزلها أم لا. ٥ - [أقوال في تفسير الحياة الطيبة التي وعدها الله من آمن وعمل صالحا] تفسير الحياة الطيبة التي وعدها الله من آمن وعمل صالحا في الحياة الدنيا، فيه أكثر من قول. قال ابن كثير: والحياة الطيبة تشمل وجوه الراحة من أي جهة كانت. وقد روي عن ابن عباس وجماعة أنهم فسروها بالرزق الحلال الطيب، وعن علي بن أبي طالب ﵁ أنه فسرها بالقناعة. وكذا قال ابن عباس وعكرمة ووهب بن منبه، وقال علي بن طلحة عن ابن عباس: إنها هي السعادة، وقال الحسن ومجاهد وقتادة: لا يطيب لأحد حياة إلا في الجنة، وقال الضحاك: هي الرزق الحلال والعبادة

стр. 2854

في الدنيا، وقال الضحاك أيضا: هي العمل بالطاعة والانشراح بها. والصحيح أن الحياة الطيبة تشمل هذا كله. كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد بسنده عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «قد أفلح من أسلم، ورزق كفافا وقنّعه الله بما آتاه» ورواه مسلم من حديث عبد الله بن يزيد المقرئ به. وروى الترمذي والنسائي ... عن فضالة بن عبيد: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «قد أفلح من هدي إلى الإسلام، وكان عيشه كفافا، وقنع به». وروى الإمام أحمد ... عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله لا يظلم المؤمن حسنة يعطى بها في الدنيا ويثاب عليها في الآخرة، وأما الكافر فيطعمه بحسناته في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يعطى بها خيرا» انفرد بإخراجه مسلم. وقال النسفي: المؤمن مع العمل الصالح- موسرا كان أو معسرا- يعيش عيشا طيبا، إن كان موسرا فظاهر، وإن كان معسرا فمعه ما يطيب عيشه- وهو القناعة والرضا بقسمة الله تعالى- وأما الفاجر فأمره بالعكس، إن كان معسرا فظاهر، وإن كان موسرا فالحرص لا يدعه أن يهنأ بعيشه. وقيل الحياة الطيبة القناعة، أو حلاوة الطاعة، أو المعرفة بالله، وصدق المقام مع الله وصدق الوقوف على أمر الله، والإعراض عما سوى الله» ٦ - [كلام ابن كثير حول معنى الاستعاذة في الآية فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ] بمناسبة قوله تعالى: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ... قال ابن كثير: والمعنى في الاستعاذة عند ابتداء القراءة لئلا يلبس على القارئ قراءته ويخلط عليه ويمنعه من التدبر والتفكر. ولهذا ذهب الجمهور إلى أن الاستعاذة إنما تكون قبل التلاوة، وحكي عن حمزة وأبي حاتم السجستاني أنها تكون بعد التلاوة واحتجا بهذه الآية. ونقل النووي في شرح المهذب مثل ذلك عن أبي هريرة أيضا، ومحمد بن سيرين وإبراهيم النخعي، والصحيح الأول لما تقدم من الأحاديث الدالة على تقدمها على التلاوة والله أعلم. ٧ - [سبب نزول الآية وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ .. ] في سبب نزول قوله تعالى: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ قال ابن إسحاق في السيرة: كان رسول الله ﷺ فيما بلغني- كثيرا ما كان يجلس عند المروة إلى غلام نصراني يقال له جبر، عبد لبعض بني الحضرمي فأنزل الله وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ وكذا قال عبد الله بن كثير، وعن عكرمة وقتادة: كان اسمه يعيش. وروى ابن جرير ... عن ابن عباس

стр. 2855

قال: كان رسول الله ﷺ يعلم فينا بمكة، وكان اسمه (بلعام) وكان أعجمي اللسان، وكان المشركون يرون رسول الله ﷺ يدخل عليه ويخرج من عنده، فقالوا: إنما يعلّمه بلعام فأنزل الله هذه الآية وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ وقال عبيد الله بن مسلم: كان لنا غلامان روميان يقرآن كتابا لهما بلسانهما فكان ﷺ يمرّ بهما، فيقوم فيسمع منهما، فقال المشركون يتعلم منهما فأنزل الله هذه الآية. وقال الزهري عن سعيد بن المسيب: الذي قال ذلك من المشركين رجل كان يكتب الوحي لرسول الله ﷺ فارتد ذلك عن الإسلام وافترى هذه المقالة قبّحه الله. ٨ - [روايات حول قضية الإكراه على الكفر بمناسبة الآية .. إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ ... ] عند قوله تعالى مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ قال ابن كثير: «وقد روى العوفي عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في عمار بن ياسر حين عذبه المشركون حتى يكفر بمحمد ﷺ ، فوافقهم على ذلك مكرها، وجاء معتذرا إلى النبي ﷺ فأنزلت هذه الآية. وهكذا قال الشعبي وقتادة وأبو مالك. وروى ابن جرير ... عن أبي عبيدة بن عمار بن ياسر قال: أخذ المشركون عمار بن ياسر فعذبوه حتى قاربهم في بعض ما أرادوا فشكا ذلك إلى النبي ﷺ . فقال النبي ﷺ : «كيف تجد قلبك؟» قال: مطمئنا بالإيمان. قال النبي ﷺ : «إن عادوا فعد». ورواه البيهقي بأبسط من ذلك، وفيه أنه سب النبي ﷺ ، وذكر آلهتهم بخير، فشكا ذلك إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله: ما تركت حتى سببتك وذكرت آلهتهم بخير قال: «كيف تجد قلبك؟» قال: مطمئنا بالإيمان فقال: «إن عادوا فعد» وفي ذلك أنزل الله إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ ولهذا اتفق العلماء على أن المكره على الكفر يجوز له أن يوالي؛ إبقاء لمهجته، ويجوز له أن يستقتل كما كان بلال ﵁ يأبى عليهم ذلك، وهم يفعلون به الأفاعيل، حتى إنهم ليضعون الصخرة العظيمة على صدره في شدة الحر، ويأمرونه بالشرك بالله فيأبى عليهم وهو يقول: أحد أحد. ويقول: والله لو أعلم كلمة هي أغيظ لكم منها لقلتها. ﵁ وأرضاه. وكذلك حبيب بن زيد الأنصاري لما قال له مسيلمة الكذاب: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ فيقول: نعم. فيقول: أتشهد أني رسول الله؟ فيقول: لا أسمع. فلم يزل يقطعه

стр. 2856

إربا وهو ثابت على ذلك. وروى الإمام أحمد .. عن أيوب عن عكرمة أن عليا ﵁ حرّق ناسا ارتدّوا عن الإسلام، فبلغ ذلك ابن عباس. فقال: لم أكن لأحرقهم بالنار. إن رسول الله ﷺ قال: «لا تعذبوا بعذاب الله». فبلغ ذلك عليا فقال: ويح أم ابن عباس. رواه البخاري. وروى الإمام أحمد أيضا ... عن أبي بردة قال: قدم على أبي موسى معاذ بن جبل باليمن، فإذا رجل عنده، قال: ما هذا؟ قال: رجل كان يهوديا فأسلم ثم تهوّد، ونحن نريده على الإسلام منذ- قال: أحسبه- شهرين فقال: والله لا أقعد حتى تضربوا عنقه. فضربت عنقه فقال: قضى الله ورسوله أن من رجع عن دينه فاقتلوه أو قال: «من بدّل دينه فاقتلوه» وهذه القصة في الصحيحين بلفظ آخر. والأفضل والأولى أن يثبت المسلم على دينه ولو أفضى إلى قتله. كما ذكر الحافظ بن عساكر في ترجمة عبد الله ابن حذافة السهمي- أحد الصحابة-: أنه أسرته الروم فجاءوا به إلى ملكهم فقال له: تنصّر وأنا أشركك في ملكي، وأزوجك ابنتي، فقال: لو أعطيتني جميع ما تملك، وجميع ما تملكه العرب على أن أرجع عن دين محمد ﷺ طرفة عين ما فعلت، فقال: إذا أقتلك، فقال: أنت وذاك، قال: فأمر به فصلب، وأمر الرماة فرموا قريبا من يديه ورجليه، وهو يعرض عليه دين النصرانية، فيأبى، ثم أمر به فأنزل، ثم أمر بقدر- وفي رواية- ببقرة من نحاس فأحميت، وجاء بأسير من المسلمين فألقاه وهو ينظر، فإذا هو عظام تلوح، وعرض عليه فأبى، فأمر به أن يلقى فيها فرفع في البكرة ليلقى فيها، فبكى، وطمع فيه ودعاه، فقال له: إني إنما بكيت لأن نفسي إنما هي نفس واحدة، تلقى في هذه القدر الساعة في الله، فأحببت أن يكون لي بعدد كل شعرة في جسدي نفس تعذب هذا العذاب في الله، وفي بعض الروايات أنه سجنه ومنع عنه الطعام والشراب أياما، ثم أرسل إليه بخمر ولحم خنزير، فلم يقربه، ثم استدعاه فقال: ما منعك أن تأكل؟ فقال: أما إنه قد حل لي ولكن لم أكن لأشمتك فيّ، فقال له الملك: فقبّل رأسي وأنا أطلقك فقال: وتطلق معي جميع أسارى المسلمين؟ قال: نعم. فقبل رأسه، فأطلق معه جميع أسارى المسلمين عنده، فلما رجع قال عمر بن الخطاب ﵁: حق على كل مسلم أن يقبّل رأس عبد الله بن حذافة، وأنا أبدأ. فقام فقبّل رأسه ﵄.». ٩ - [كلام ابن كثير بمناسبة الآية إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً .. ] بمناسبة قوله تعالى: إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً ذكر ابن كثير ما قاله ابن

стр. 2857

مسعود. إن معاذا كان أمة قانتا لله حنيفا- قال الراوي-: فقلت في نفسي غلط أبو عبد الرحمن، وقال إنما قال الله إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً فقال: تدري ما الأمة؟ وما القانت؟ قلت: الله أعلم. فقال: الأمة: الذي يعلم الخير. والقانت: المطيع لله ورسوله، وكذلك كان معاذ. معلم الخير، وكان مطيعا لله ورسوله، فهذا تفسير ابن مسعود للأمة. ١٠ - [روايات بمناسبة الآية إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ .. ] بمناسبة قوله تعالى: إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ... ننقل حديثين: ١ - ثبت في الصحيحين من حديث عبد الرزاق عن معمر، عن همام عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا. ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم، فاختلفوا فيه فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع: اليهود غدا، والنصارى بعد غد». لفظ البخاري. ٢ - روى الإمام مسلم عن أبي هريرة وحذيفة ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : «أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا فهدانا الله ليوم الجمعة، فجعل الجمعة والسبت والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة، نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة، والمقضي بينهم قبل الخلائق». ١١ - [حول القصاص بالمثل في الآية وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ] عند قوله تعالى: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ قال ابن كثير: «يأمر تعالى بالعدل في القصاص، والمماثلة في استيفاء الحق، كما قال عبد الرزاق عن الثوري عن خالد عن ابن سيرين أنه قال في قوله تعالى: فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ إن أخذ منكم رجل شيئا فخذوا منه مثله. وكذا قال مجاهد وإبراهيم والحسن البصري وغيرهم واختاره ابن جرير. وقال ابن زيد: كانوا قد أمروا بالصفح عن المشركين، فأسلم رجال ذو منعة فقالوا: يا رسول الله لو أذن الله لنا لانتصرنا من هؤلاء الكلاب! فنزلت هذه الآية، ثم نسخ ذلك بالجهاد.

стр. 2858

وقال محمد بن إسحاق عن بعض أصحابه عن عطاء بن يسار قال: نزلت سورة النحل كلها بمكة، وهي مكية إلا ثلاث آيات من آخرها نزلت بالمدينة بعد أحد حيث قتل حمزة ﵁ ومثّل به. فقال رسول الله ﷺ : «لئن أظهرني الله عليهم لأمثلنّ بثلاثين رجلا منهم». فلما سمع المسلمون ذلك قالوا: والله لئن ظهرنا عليهم لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب بأحد قط فأنزل الله وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ إلى آخر السورة، وهذا مرسل وفيه رجل مبهم لم يسم، وقد روي هذا من وجه آخر متصل فقد روى الحافظ أبو بكر البزار ... عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ وقف على حمزة بن عبد المطلب ﵁ حين استشهد، فنظر إلى منظر لم ينظر إلى منظر أوجع للقلب منه- أو قال لقلبه- فنظر إليه وقد مثل به فقال: «رحمة الله عليك إن كنت- ما علمتك- إلا وصولا للرحم، فعولا للخيرات، والله لولا حزن من بعدك عليك لسرني أن أتركك حتى يحشرك الله من بطون السباع- أو كلمة نحوها- أما والله على ذلك، لأمثلن بسبعين كمثلتك» فنزل جبريل ﵇ على محمد ﷺ بهذه السورة وقرأ وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ إلى آخر الآية، فكفّر رسول الله ﷺ يعني عن يمينه- وأمسك عن ذلك. وإسناد هذا الحديث فيه ضعف لأن فيه صالحا هو ابن بشير المري- ضعيف عند الأئمة، وقال البخاري: هو منكر الحديث، وقال الشعبي وابن جريج: نزلت في قول المسلمين يوم أحد فيمن مثل بهم: لنمثلن بهم، فأنزل الله فيهم ذلك. وروى عبد الله بن الإمام أحمد في مسند أبيه ... عن أبي بن كعب قال: لما كان يوم أحد قتل من الأنصار ستون رجلا، ومن المهاجرين ستة، فقال أصحاب رسول الله ﷺ : لئن كان لنا يوم مثل هذا من المشركين لنربين (١). فلما كان يوم الفتح قال رجل: لا تعرف قريش بعد اليوم، فنادى منادي رسول الله: أن رسول الله ﷺ قد آمن الأسود والأبيض إلا فلانا وفلانا- ناسا سماهم- فأنزل الله ﵎: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ إلى آخر السورة. فقال رسول الله ﷺ : «نصبر ولا نعاقب». وهذه الآية الكريمة لها أمثال في القرآن، فإنها مشتملة على مشروعية العدل والندب إلى الفضل، كما في قوله تعالى: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها ثم قال: فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ الآية (الشورى: ٤٠). وقال: وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ ثم قال: فَمَنْ

стр. 2859

تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ (المائدة: ٤٥) وقال في هذه الآية: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ثم قال: وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ وقوله تعالى وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ تأكيد للأمر بالصبر، وإخبار بأن ذلك لا ينال إلا بمشيئة الله وإعانته، وحوله وقوته. كلمة في سورة النحل: رأينا أن سورة النحل ذكّرت بالله، وباليوم الآخر، من أجل أن تحمل هذا الإنسان على الإسلام لله رب العالمين، وأن الإسلام لله رب العالمين يتمثل بهذا القرآن الذي جعله الله تبيانا لكل شئ، وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين. فمن لم ينظر إلى كل شئ بنور هذا القرآن، ويستسلم في كل شئ لحكم القرآن فليس مسلما. هذا القرآن بجميع أوامره عدل وإحسان وصلة رحم، وبجميع نواهيه نهي عن الفحشاء والمنكر والظلم. فهو يأمر بالوفاء بالعهود والعقود، ويأمر بأكل الطيبات، ويأمر أن تكون الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة. وينهى عن نكث العهود، والجرأة على الله في التحليل والتحريم. ويحذّر من الكفر والردة. هذه معان طرقتها السورة. كما تعرضت لأدب تلاوة القرآن، وتحدثت عن الحال الذي به يخرج الإنسان من سلطان الشيطان. وتحدثت عن النموذج الكامل للمسلم: الكامل إبراهيم ﵇، فهى من ثم تفصيل لقوله تعالى في سورة البقرة: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ. الآتية في حيّز قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ* فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. ومن ثم فهي تذكير بكل ما يستجيش عند الإنسان معاني الدخول في الإسلام والاستسلام لله في أمره ونهيه. ***

стр. 2860

سورة الإسراء وهي السّورة الثالثة من المجموعة الثانية من قسم المئين وهي السّورة السابعة عشرة بحسب الرّسم القرآني وآياتها مائة واحدى عشرة آية وهي مكيّة

стр. 2861

بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله وآله واصحابه ربّنا تقبّل منّا، إنّك أنت السّميع العليم

стр. 2862

قال الألوسي في تقديمه لسورة الإسراء: (وتسمى الإسراء، وسبحان أيضا، وهي كما أخرج ابن مردويه عن ابن عباس. وابن الزبير رضي الله تعالى عنهم مكية وكونها كذلك بتمامها قول الجمهور، وقال صاحب الغنيان بإجماع، وقيل إلا آيتين وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ وقيل. إلا أربعا هاتان، وقوله تعالى: وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ وقوله سبحانه: وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وزاد مقاتل قوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ الآية. وعن الحسن إلا خمس آيات وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الآية وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى الآية أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ الآية أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ الآية وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ الآية، وقال قتادة: إلا ثماني آيات وهي قوله تعالى: وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ إلى آخرهن، وقيل غير ذلك، وهي مائة وعشر آيات عند الجمهور، وإحدى عشرة عند الكوفيين. وكان ﷺ كما أخرج أحمد والترمذي وحسنه، والنسائي، وغيرهم عن عائشة يقرؤها والزمر كل ليلة، وأخرج البخاري وابن الضريس وابن مردويه عن ابن مسعود أنه قال في هذه السورة والكهف ومريم. وطه. والأنبياء: هن من العتاق الأول وهن من تلادي، وهذا وجه في ترتيبها، ووجه اتصال هذه بالنحل- كما قال الجلال السيوطي- أنه سبحانه لما قال في آخرها إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ذكر في هذه شريعة أهل السبت التي شرعها سبحانه لهم في التوراة، فقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: إن التوراة كلها في خمس عشرة آية من سورة بني اسرائيل، وذكر تعالى فيها عصيانهم، وإفسادهم، وتخريب مسجدهم، واستفزازهم النبي ﷺ ، وإرادتهم إخراجه من المدينة، وسؤالهم إياه عن الروح، ثم ختمها جل شأنه بآيات موسى ﵇ التسع، وخطابه مع فرعون، وأخبر تعالى أن فرعون أراد أن يستفزهم من الأرض، فأهلك، وورث بنو إسرائيل من بعده، وفي ذلك تعريض بهم أنهم سينالهم ما نال فرعون، حيث أرادوا بالنبي ﷺ ما أراد هو بموسى ﵇ وأصحابه، ولما كانت هذه السورة مصدرة بقصة تخريب المسجد

стр. 2863

الأقصى، افتتحت بذكر إسراء المصطفى ﷺ تشريفا له بحلول ركابه الشريف، جبرا لما وقع من تخريبه. وقال أبو حيان في ذلك: إنه تعالى لما أمر نبيه ﵊ بالصبر، ونهاه عن الحزن على الكفرة، وضيق الصدر من مكرهم، وكان من مكرهم نسبته ﷺ إلى الكذب والسحر والشعر وغير ذلك مما رموه- وحاشاه به- عقّب ذلك بذكر شرفه وفضله وعلو منزلته عنده عز شأنه وقيل: وجه ذلك أي وجه مناسبتها لما قبلها اشتمالها على ذكر نعم منها خاصة، ومنها عامة، وقد ذكر في سورة النحل من النعم ما سميت لأجله سورة النعم، واشتمالها على ذكر شأن القرآن العظيم كما اشتملت تلك، وذكر سبحانه هناك في النحل يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ وذكرها هنا في القرآن وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وذكر سبحانه في تلك أمره بإيتاء ذي القربى، وأمر هنا بذلك مع زيادة في قوله سبحانه وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً وذلك بعد أن أمر جل وعلا بالإحسان بالوالدين اللذين هما منشأ القرابة، إلى غير ذلك مما لا يحصى، فليتأمل والله تعالى الموفق) .. وقال صاحب الظلال في سورة الإسراء: ويتكرر في سياق السورة تنزيه الله وتسبيحه وحمده وشكر آلائه. ففي مطلعها: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى ... وفي أمر بني إسرائيل بتوحيد الله يذكرهم بأنهم من ذرية المؤمنين مع نوح إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً. وعند دعاوى المشركين عن الآلهة يعقب بقوله: سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيراً* تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ، إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ .. وفي حكاية أهل الكتاب حين يتلى عليهم القرآن وَيَقُولُونَ: سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا وتختم السورة بالآية: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً. كلمة في سورة الإسراء ومحورها: بعد قوله تعالى في سورة البقرة هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ

стр. 2864

وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ. يأتي قوله تعالى: سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ. وكلتا الآيتين جاءت بعد قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ* فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. فالآيتان اللتان رأيناهما من سورة البقرة تخدمان هذا الأمر وهذا النهي. وتأتي سورة النحل لتفصّل آية هَلْ يَنْظُرُونَ ... * والمعنى الذي تخدمه كما رأينا، والآن تأتي سورة الإسراء لتفصّل آية: سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ فيما يخدم موضوع الدخول في الإسلام كله، وترك اتباع خطوات الشيطان. ومن ثم نلاحظ: أن السورة تسمّى سورة بني إسرائيل، وهذا يصل بسبب لقوله تعالى سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ .... ونجد في آخر السورة قوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ ... وهو يصل بسبب إلى قوله تعالى: سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ ... ونجد قوله تعالى: بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ وهو يصل بسبب إلى قوله تعالى: وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ. ونجد في السورة قوله تعالى: وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا* وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ. وهو يصل بسبب إلى قوله تعالى: ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً. وإلى قوله تعالى وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ. ونجد في السورة لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا .... وهو يصل بسبب إلى قوله تعالى: وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ ... * وسنجد

стр. 2865

أثناء عرض السورة تفصيلا لما قلناه. ... إن الله تعالى عند ما ينزل وحيا على أمة، ويختارها لحمل رسالته فهذه نعمة يستوجب كفرها عقابه. وقد أنزل الله وحيا على بني إسرائيل فكفروه فاستحقوا عقابه. وقد أنزل الله على هذه الأمة هذا الإسلام، وأمرهم بالدخول فيه كله، ونهاهم عن اجتناب خطوات الشيطان، وعليهم أن يتعظوا بما حدث لبني إسرائيل، من تسليط غيرهم عليهم عند ما ابتعدوا عن دينه. فالسورة إذن تخدم الدخول في الإسلام، وترك اتباع خطوات الشيطان من خلال التذكير بما جرى ويجري لبني إسرائيل، ومن خلال التعريف على الله بأنه شديد العقاب لمن بدّل نعمته. ... والسورة قد عالجت هذه القضايا بأسلوب القرآن الذي لا يستطيع الإنسان أن يحيط به إلا بقدر ويبقى ما يغيب عن الإنسان هو الأكثر. لأن الله وحده هو الذي يحيط بأسرار كتابه. ... وسنعرض السورة على أنها مقدمة، وخمسة مقاطع، وهو تقسيم اجتهادي، تسوقنا إليه المعاني. ما ورد في سورة الإسراء: أخرج البخاري بسنده إلى عبد الرحمن بن يزيد قال: سمعت ابن مسعود ﵁ قال في بني إسرائيل والكهف ومريم: إنهنّ من العتاق الأول، وهن من تلادي» وفي ذلك إشارة إلى قدم نزول هذه السور وإتقان ابن مسعود لهن. وأخرج الإمام أحمد بسنده إلى أبي لبابة قال: سمعت عائشة تقول: كان رسول الله ﷺ يصوم حتى نقول ما يريد أن يفطر، ويفطر حتى نقول ما يريد أن يصوم، وكان

стр. 2866

يقرأ كل ليلة بني إسرائيل والزمر». والملاحظ أن هذه السورة سميت في كلا الأثرين بسورة بني إسرائيل. ويلاحظ أن السورة تبدأ بالكلام عن بني إسرائيل يعد الآية الأولى منها وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ .... وتنتهي قبل خاتمتها بالكلام عن بني إسرائيل: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ مقدمة سورة الإسراء وتتألف من ثلاث آيات وهذه هي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ١٧/ ٣ - ١ التفسير: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ أي محمد ﷺ لَيْلًا أي في جنح الليل مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أي من مكة أو من حرمها إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى أي إلى بيت المقدس الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ في الزروع والثمار والخيرات وكثرة العباد والدعاة. فقد بورك دينا ودنيا، ومن ثم كانت بلاد الشام بلاد البركات والخيرات لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا أي لنري محمدا ﵊ من آياتنا العظام الدالة على الوحدانية والقدرة وصدق الوحي، فهذه هي الحكمة من الإسراء والمعراج كما سنرى

стр. 2867

إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ أي السميع لأقوال عباده مؤمنهم وكافرهم، مصدقهم ومكذبهم، البصير بهم فيعطي كلا منهم ما يستحقه في الدنيا والآخرة، مجّد الله نفسه، وعظم شأنه، لقدرته على ما لا يقدر عليه أحد سواه، بمناسبة الكلام عن الإسراء برسوله ﷺ ، وحكمته في ذلك، ثمّ لمّا ذكر أنه أسرى بعبده محمد ﷺ عطف بذكر موسى ﵇ عبده ورسوله، وما أكرمه به من الكتاب، وكثيرا ما يقرن الله بين ذكر موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام. وبين ذكر التوراة والقرآن. وفي الكلام عن موسى ﵇ والتوراة بعد الكلام عن الإسراء إشارة إلى صلة الإسراء بالتدليل على صدق ما أنزل على محمد ﷺ ووحدة الوحي، ووحدة الرسالة، وفي ذكر موسى وقومه بعد الكلام عن الإسراء بمحمد ﷺ إشارة إلى العبرة في قصة موسى ﵇ وقومه للذين جاءتهم النبوة الأخيرة، والرسالة الخاتمة كيلا يفعلوا كما فعل الآخرون، فيبدّلوا نعمة الله كفرا، فيستحقوا العقاب وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ أي التوراة وَجَعَلْناهُ أي كتاب التوراة هُدىً أي هاديا لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا أي لئلا تتخذوا، أي لا تتخذوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا أي ربا تكلون إليه أموركم، فإن الله وحده هو الولي والنصير والمعبود ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ أي يا ذرية من حملنا مع نوح ﵇ فيه تهييج وتنبيه على المنة، أي يا سلالة من نجينا فحملنا مع نوح في السفينة تشبهوا بأبيكم إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً في السراء والضراء، والشكر مقابلة النعمة بالثناء على المنعم اعتقادا وقولا وحالا، والخطاب إما لبني إسرائيل أصلا وتخاطب به هذه الأمة تبعا، أو الخطاب لهذه الأمة مباشرة، فبعد أن حدّثها الله عن آية الإسراء، وعما أنزل الله من آياته على موسى ﵇ خاطبها مطالبا إياها بالشكر. قال ابن كثير في تفسيرها: فاذكروا أنتم نعمتي عليكم بإرسالي إليكم محمدا ﷺ وقال النسفي: وأنتم ذرية من آمن به وحمل معه، فاجعلوه أسوتكم كما جعله آباؤكم أسوتهم، وآية رشد الأبناء صحة الافتداء بسنة الآباء إذا كانت حقا وصوابا، وقد عرفتم حال الآباء هنالك، فكونوا أيها الأبناء كذلك. كلمة في السياق: [حول مضمون المقدمة وصلتها بالمحور] هذه مقدمة السورة وفي الإشارة إلى ما منّ الله به على محمد ﷺ بالإسراء، وما منّ

стр. 2868

به على موسى ﵇ في التوراة. وفي الإشارة إلى مقام الشكر عند نوح ما يدلنا منذ البداية على اتجاه السورة. النعمة تقتضي شكرا فإذ يقص الله بعدها علينا ما عاقب به بني إسرائيل لكفرهم، فإنه يعرفنا بذلك على سنته فيمن لم يشكر. وفي ذلك تربية لهذه الأمة التي سيعطيها الله بيت المقدس وما حوله، والتي أنزل عليها كتابا هاديا، وأرسل لها رسولا بالآيات ألا تكفر النعمة فتسلب. وكفرانها بالنعمة إنما هو بكفرها بمحمد ﷺ ، وكفرها بدينه، وعدم التزامها بشريعته، ونحن الآن- سلبت منا فلسطين، وذهبت القدس- ندرك حكمة التحذير في هذه الآيات وما بعدها، ونعرف طريق الخروج مما نحن فيه. في قوله تعالى في ابتداء السورة: سُبْحانَ ... إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ما يشير إلى النعمة لتشكر، وفيها إشارة إلى النقمة إن كفرت النعمة، فالله يسمع ويبصر. ... لاحظ صلة ذلك كله بقوله تعالى في سورة البقرة: سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ. ولاحظ صلة ذلك بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ. الفوائد: ١ - [بعض فوائد وتعليقات لابن كثير حول موضوع الإسراء والمعراج وتعليق المؤلف على ذلك] في تفسير ابن كثير حوالي إحدى وعشرين صحيفة حول الإسراء والمعراج، نقل فيها مجموع الروايات الواردة في هذين الموضوعين، وكان يعلّق على بعضها عند النقل. ثم كتب تعليقا طويلا في النهاية، ونحن في هذه الفائدة سننقل قسما من تعليقه الأخير. ونختار بعض نقوله، ولنا تعليق أخير، ونلفت النظر إلى أن كتابنا (الأساس فى السنة وفقهها) سيكون محل استعراض الأحاديث حول الإسراء والمعراج. (١) مختارات أ- روى الإمام أحمد وأخرجاه في الصحيحين:

стр. 2869

عن جابر ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لما كذبتني قريش حين أسري بي إلى بيت المقدس قمت في الحجر، فجلا الله لي بيت المقدس، فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا انظر إليه». ب- أخرج البخاري عن أنس قال: كان أبو ذر يحدث أن رسول الله ﷺ قال: «فرج عن سقف بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل، ففرج صدري، ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانا، فأفرغه في صدري، ثم طبقه، ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء، فلما جئت إلى السماء الدنيا قال جبريل لخازن السماء: «افتح قال: من هذا؟ قال: جبريل. قال: هل معك أحد؟ قال: نعم معي محمد قال: أرسل إليه؟ قال: نعم. فلما فتح علونا السماء الدنيا فإذا رجل قاعد على يمينه أسودة، وعلى يساره أسودة، إذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى، فقال: مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح قال: قلت لجبريل: من هذا؟ قال: هذا آدم، وهذه الأسودة عن يمينه وعن شماله نسم (١) بنيه، فأهل اليمين منهم أهل الجنة، والأسودة التي عن شماله أهل النار، فإذا نظر عن يمينه ضحك، وإذا نظر عن شماله بكى. ثم عرج بي إلى السماء الثانية فقال لخازنها: افتح. فقال له خازنها مثل ما قال له الأول، ففتح- قال أنس: فذكر أنه وجد في السموات آدم، وإدريس، وموسى، وعيسى، وإبراهيم، ولم يثبت كيف منازلهم، غير أنه ذكر أنه وجد آدم في السماء الدنيا، وإبراهيم في السماء السادسة. قال أنس: فلما مرّ جبريل بالنبي ﷺ بإدريس قال: مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح. فقلت: من هذا؟ قال: هذا إدريس، ثم مررت بموسى فقال: مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح، قلت: من هذا؟ قال: هذا موسى، ثم مررت بعيسى، فقال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح، قلت: من هذا؟ قال: هذا عيسى. ثم مررت بإبراهيم فقال: مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح. قلت: من هذا؟ قال: هذا إبراهيم». (٢) من تعليق ابن كثير بعد أن ذكر ابن كثير الروايات في موضوع الإسراء والمعراج ذكر فصلا ثم أعقبه بفصل وبفائدتين وهذه هي:

стр. 2870

قال ابن كثير: (فصل): وإذا حصل الوقوف على مجموع هذه الأحاديث صحيحها وحسنها وضعيفها، يحصل مضمون ما اتفقت عليه من مسرى رسول الله ﷺ من مكة إلى بيت المقدس، وأنه مرة واحدة، وإن اختلفت عبارات الرواة في أدائه، أو زاد بعضهم فيه، أو نقص منه، فإن الخطأ جائز على من عدا الأنبياء ﵈. ومن جعل من الناس كل رواية خالفت الأخرى مرة على حدة، فأثبت إسراءات متعددة، فقد أبعد وأغرب، وهرب إلى غير مهرب، ولم يحصل على مطلب. وقد صرح بعضهم من المتأخرين بأنه ﵇ أسري به مرة من مكة إلى بيت المقدس فقط، ومرة من مكة إلى السماء فقط، ومرة إلى بيت المقدس ومنه إلى السماء، وفرح بهذا المسلك وأنه قد ظفر بشيء يخلص به من الإشكالات. وهذا بعيد جدا، ولم ينقل هذا عن أحد من السلف، ولو تعدد هذا التعدد لأخبر النبي ﷺ به أمته، ولنقله الناس على التعدد والتكرر. قال موسى بن عقبة عن الزهري: كان الإسراء قبل الهجرة بسنة، وكذا قال عروة. وقال السدي: بستة عشر شهرا، والحق أنه ﵇ أسري به يقظة لا مناما من مكة إلى بيت المقدس، راكبا البراق، فلما انتهى إلى باب المسجد ربط الدابة عند الباب، ودخله فصلى في قبلته تحية المسجد ركعتين، ثم أتي بالمعراج وهو كالسلم ذو درج يرقى فيها- فصعد فيه إلى السماء الدنيا، ثم إلى بقية السموات السبع، فتلقاه من كل سماء مقربوها، وسلم على الأنبياء الذين في السموات بحسب منازلهم ودرجاتهم، حتى مر بموسى الكليم في السادسة، وإبراهيم الخليل في السابعة، ثم جاوز منزلتهما ﷺ وعليهما وعلى سائر الأنبياء. حتى انتهى إلى مستوى يسمع فيه صريف الأقلام أي: أقلام القدر بما هو كائن، ورأى سدرة المنتهى وغشيها من أمر الله تعالى عظمة عظيمة من فراش من ذهب، وألوان متعددة، وغشيتها الملائكة، ورأى هناك جبريل على صورته وله ستمائة جناح، ورأى رفرفا أخضر قد سدّ الأفق. ورأى البيت المعمور، وإبراهيم الخليل باني الكعبة الأرضية مسندا ظهره إليه، لأنه الكعبة السماوية يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة يتعبدون فيه ثم لا يعودون إليه إلى يوم القيامة، ورأى الجنة والنار، وفرض الله عليه هنالك الصلوات خمسين، ثم خففها إلى خمس؛ رحمة منه ولطفا بعباده. وفي هذا اعتناء عظيم بشرف الصلاة وعظمتها. ثم هبط إلى بيت المقدس، وهبط معه الأنبياء فصلى بهم فيه لما خانت الصلاة. ويحتمل أنها الصبح من يومئذ، ومن الناس من يزعم أنه أمّهم في السماء، والذي تظاهرت به الروايات أنه

стр. 2871

بيت المقدس، ولكن في بعضها أنه كان أول دخوله إليه. والظاهر أنه بعد رجوعه إليه، لأنه لما مر بهم في منازلهم جعل يسأل عنهم جبريل واحدا واحدا، وهو يخبره بهم، وهذا هو اللائق؛ لأنه كان أولا مطلوبا إلى الجناب العلوي ليفرض عليه وعلى أمته ما يشاء الله تعالى. ثم لما فرغ من الذي أريد به اجتمع هو وإخوانه من النبيين، ثم أظهر شرفه وفضله بتقديمه في الإمامة، وذلك عن إشارة جبريل ﵇ له في ذلك. ثم خرج من بيت المقدس فركب البراق وعاد إلى مكة بغلس، والله أعلم، وأما عرض الآنية عليه من اللبن والعسل، أو اللبن والخمر، أو اللبن والماء، أو الجميع، فقد ورد أنه في بيت المقدس، وجاء أنه في السماء، ويحتمل أن يكون هاهنا وهاهنا لأنه كالضيافة للقادم والله أعلم. ثم اختلف الناس هل كان الإسراء ببدنه ﵇ وروحه، أو بروحه فقط؟ على قولين، فالأكثرون من العلماء على أنه أسري ببدنه وروحه، يقظة لا مناما، ولا ينكرون أن يكون رسول الله ﷺ رأى قبل ذلك مناما ثم رآه بعده يقظة، لأنه كان ﵇ لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، والدليل على هذا قوله تعالى سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ فالتشبيه إنما يكون عند الأمور العظام، فلو كان مناما لم يكن فيه كبير شئ، ولم يكن مستعظما، ولما بادرت كفار قريش إلى تكذيبه، ولما ارتدت جماعة ممن كان قد أسلم، وأيضا فإن العبد عبارة عن مجموع الروح والجسد وقد قال: أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا وقد قال تعالى: وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ قال ابن عباس هي رؤيا عين أريها رسول الله ﷺ . رواه البخاري، وقال تعالى ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى (النجم: ١٧) والبصر من آلات الذات لا الروح، وأيضا فإنه حمل على البراق وهو دابة بيضاء براقة لها لمعان، وإنما يكون هذا للبدن لا للروح، لأنها لا تحتاج في حركاتها إلى مركب تركب عليه والله أعلم. وقال آخرون بل أسري برسول الله ﷺ بروحه لا يجسده. قال محمد بن إسحاق بن يسار في السيرة: حدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس: أن معاوية ابن أبي سفيان كان إذا سئل عن مسرى رسول الله ﷺ ، قال: كانت رؤيا من الله صادقة. وحدثني بعض آل أبي بكر أن عائشة كانت تقول: ما فقد جسد رسول الله ﷺ ولكن أسري بروحه. قال ابن إسحاق فلم نكر ذلك من قولها لقول الحسن أن هذه الآية نزلت وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ. ولقول الله في الخبر عن إبراهيم إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى. قال ثم مضى على ذلك

стр. 2872

فعرفت أن الوحي يأتي للأنبياء من الله أيقاظا ونياما فكان رسول الله ﷺ يقول: «تنام عيناي وقلبي يقظان». فالله أعلم أيّ ذلك كان قد جاءه، وعاين من الله فيه ما عاين على أي حالاته كان نائما أو يقظا، كل ذلك حق وصدق. انتهى كلام ابن إسحاق وقد تعقبه أبو جعفر بن جرير في تفسيره بالرد والإنكار والتشنيع بأن هذا خلاف ظاهر سياق القرآن، وذكر من الأدلة على رده بعض ما تقدم والله أعلم. (فائدة حسنة جليلة) روى الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في كتاب (دلائل النبوة) من طريق محمد بن عمر الواقدي، حدثني مالك بن أبي الرجال عن عمرو بن عبد الله، عن محمد بن كعب القرظي، قال: بعث رسول الله ﷺ دحية بن خليفة إلى قيصر، فذكر وروده عليه وقدومه إليه. وفي السياق دلالة عظيمة على وفور عقل هرقل. ثم استدعى من بالشام من التجار، فجئ بأبي سفيان صخر بن حرب وأصحابه، فسألهم عن تلك المسائل المشهورة التي رواها البخاري ومسلّم، كما سيأتي بيانه، وجعل أبو سفيان يجهد أن يحقر أمره ويصغره عنده. قال في هذا السياق عن أبي سفيان: والله ما منعني أن أقول عليه قولا أسقطه من عينه إلا أني أكره أن أكذب عنده كذبة يأخذها عليّ، ولا يصدقني في شئ قال: حتى ذكرت قوله ليلة أسري به، قال: فقلت: أيها الملك ألا أخبرك خبرا تعرف أنه قد كذب؟ قال: وما هو؟ قال: قلت: إنه يزعم لنا أنه خرج من أرضنا أرض الحرم في ليلة، فجاء مسجدكم إيليا، ورجع تلك الليلة قبل الصباح، قال: وبطريق إيليا عند رأس قيصر فقال بطريق إيليا: قد علمت تلك الليلة، قال: فنظر قيصر وما علمك بهذا؟ قال: إني كنت لا أنام ليلة حتى أغلق أبواب المسجد، فلما كانت تلك الليلة أغلقت الأبواب كلها غير باب واحد غلبني، فاستعنت عليه بعمالي ومن يحضرني كلهم، فعالجته فغلبنا فلم نستطع أن نحركه، كأنما نزاول به جبلا، فدعوت إليه النجاجرة فنظروا إليه فقالوا: إن هذا الباب سقط عليه النجاف (١) والبنيان، ولا نستطيع أن نحركه حتى نصبح، فننظر من أين أتى. قال: فرجعت وتركت البابين مفتوحين. فلما أصبحت غدوت عليهما فإذا الحجر الذي في زاوية المسجد مثقوب، وإذا فيه أثر مربط لدابة قال: فقلت لأصحابي ما حبس هذا الباب الليلة إلا على نبي، وقد صلّى الليلة في مسجدنا. وذكر تمام الحديث.

стр. 2873

(فائدة) قال الحافظ أبو الخطاب عمر بن دحية في كتابه (التنوير في مولد السراج المنير). وقد ذكر حديث الإسراء من طريق أنس، وتكلم عليه فأجاد وأفاد، ثم قال: وقد تواترت الروايات في حديث الإسراء عن عمر بن الخطاب، وعلي، وابن مسعود، وأبي ذر، ومالك بن صعصعة، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وابن عباس، وشدّاد بن أوس، وأبيّ بن كعب، وعبد الرحمن بن قرظ، وأبي حبة، وأبي ليلى الأنصاريين، وعبد الله بن عمر، وجابر، وحذيفة، وبريدة، وأبي أيوب، وأبي أمامة، وسمرة بن جندب، وأبي الحمراء، وصهيب الرومي، وأم هانئ، وعائشة وأسماء ابنتي أبي بكر الصديق، ﵃ أجمعين. منهم من ساقه بطوله، ومنهم من اختصره على ما وقع في المسانيد، وإن لم تكن رواية بعضهم على شرط الصحة فحديث الإسراء أجمع عليه المسلمون، وأعرض عنه الزنادقة والملحدون يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ. ٣ - تعليقنا أ- إن الإسراء والمعراج يذكران في باب المعجزات من كتب الحديث والسيرة والدلائل، والمعجزة ما به تقوم الحجة على الناس، وقد قامت الحجة عليهم بالإسراء من حيث إنهم امتحنوا الرسول ﷺ بعد إخباره لهم بالإسراء امتحانات متعددة للتأكد من صدق الحادث، فكان أن وجدوا في كل امتحان ما يدلل على صدقه ﵊ فيه، وقد رأينا في المختارات نموذجا، وفي مجموع الروايات الواردة في هذا الموضوع نماذج من هذه الامتحانات، وبهذا قامت الحجة على الناس بالمعجزة وحدوثها. ب- رأينا أن الحكمة التي ذكرها القرآن للإسراء هي قوله تعالى لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا وقد كان الإسراء قبيل الهجرة- كما رأينا- فهذا الاطلاع على الآيات كان مقدمة للمرحلة الصعبة- مرحلة المجابهة العسكرية الصعبة- وهذا موسى ﵇ أراه الله من آياته الكبرى، قبل أن يأمره بمجابهة فرعون وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى * قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى * قالَ أَلْقِها يا مُوسى * فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى * قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى * وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى * لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى * (طه: ١٧ - ٢٣).

стр. 2874

فهذه حكمة من حكم الإسراء والمعراج ومن حكم إراءته ﵊ الآيات في الإسراء والمعراج أن يرى حقيقة ما يدعو إليه. فهو يدعو إلى الإيمان بالله. ويقال على رأي راجح أنه رأى الله في معراجه، وهو يدعو إلى الإيمان بالرسل، وقد اجتمع بهم، وصلّى بهم، ورأى بعضهم، وهو يدعو إلى الإيمان بالغيب، وقد رأى السموات، ورأى الجنة والنار، ورأى الملائكة والبيت المعمور وسدرة المنتهى، وغيرها من الغيوب. ج- دلّت أحاديث الإسراء والمعراج- وهي متواترة- على وجود سماوات سبع، فوقها عرش الرحمن، وهذا القسم لا شك في كون الروايات تثبته، ومن ثم فإن من أنكر وجود السموات السبع، والعرش، متأولا أو جاحدا، فهو إما على كفر، أو ضلال. فمن ذهب إلى أن المراد بالسماوات هذه الكواكب والنجوم والمجرات مخطئ خطأ عظيما، ونحن في هذا التفسير نحاول أن نثبت أن السموات ترد في القرآن ويراد بها هذه المجرات والنجوم، وأن السماء ترد ويراد بها جو الأرض، وأن السموات ترد ويراد بها هذه السموات التي كان إليها المعراج، والذي نرجحه أنها سماوات غيبية مغيبة، فهي من حيث الوجود موجودة، ولكن وجودا غيبيا كوجود الجن والملائكة والنار. ٢ - [روايات بمناسبة قوله تعالى عن نوح ﵇ إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً] بمناسبة تسمية الله نوحا ﵇ إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً قال ابن كثير: وقد ورد في الحديث وفي الأثر عن السلف أن نوحا ﵇ كان يحمد الله على طعامه وشرابه ولباسه وشأنه؛ فلهذا سمّي عبدا شكورا. روى الطبراني ... عن سعد بن مسعود الثقفي قال: إنما سمّي نوح عبدا شكورا لأنه كان إذا أكل أو شرب حمد الله. وروى الإمام أحمد ... عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة أو يشرب الشربة فيحمد الله عليها». وهكذا رواه مسلّم والترمذي والنسائي من طريق أبي أسامة به، وقال مالك عن زيد بن أسلم: كان يحمد الله على كل حال، وقد ذكر البخاري هنا حديث أبي زرعة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة». بطوله، وفيه «فيأتون نوحا فيقولون يا نوح إنك أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وقد سماك الله عبدا شكورا فاشفع لنا إلى ربك». وذكر الحديث بكماله.

стр. 2875

المقطع الأول ويمتدّ من الآية (٤) إلى نهاية الآية (٤٠) وسنعرضه على مجموعات: المجموعة الأولى من المقطع الأول وهي خمس آيات من الآية (٤) إلى نهاية الآية (٨) وهذه هي: ١٧/ ٨ - ٤ التفسير: وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أي تقدمنا إليهم وأخبرناهم، وأوحينا إليهم وحيا مقضيا، هذا إذا فسّرنا كلمة الكتاب الآتية بالتوراة وهو الراجح فِي الْكِتابِ أي في التوراة وهذا الذي يقتضيه السياق السابق الذي يتحدّث عن موسى ﵇ وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ الإفساد في الأرض هو مخالفة حكم الله فيها وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً أي ولتستكبرن عن طاعة الله فتطغون وتبغون فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما أي وعد عقاب الإفسادة الأولى بَعَثْنا عَلَيْكُمْ
следующие страницы →