← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

بيت المقدس، ولكن في بعضها أنه كان أول دخوله إليه. والظاهر أنه بعد رجوعه إليه، لأنه لما مر بهم في منازلهم جعل يسأل عنهم جبريل واحدا واحدا، وهو يخبره بهم، وهذا هو اللائق؛ لأنه كان أولا مطلوبا إلى الجناب العلوي ليفرض عليه وعلى أمته ما يشاء الله تعالى. ثم لما فرغ من الذي أريد به اجتمع هو وإخوانه من النبيين، ثم أظهر شرفه وفضله بتقديمه في الإمامة، وذلك عن إشارة جبريل ﵇ له في ذلك. ثم خرج من بيت المقدس فركب البراق وعاد إلى مكة بغلس، والله أعلم، وأما عرض الآنية عليه من اللبن والعسل، أو اللبن والخمر، أو اللبن والماء، أو الجميع، فقد ورد أنه في بيت المقدس، وجاء أنه في السماء، ويحتمل أن يكون هاهنا وهاهنا لأنه كالضيافة للقادم والله أعلم. ثم اختلف الناس هل كان الإسراء ببدنه ﵇ وروحه، أو بروحه فقط؟ على قولين، فالأكثرون من العلماء على أنه أسري ببدنه وروحه، يقظة لا مناما، ولا ينكرون أن يكون رسول الله ﷺ رأى قبل ذلك مناما ثم رآه بعده يقظة، لأنه كان ﵇ لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، والدليل على هذا قوله تعالى سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ فالتشبيه إنما يكون عند الأمور العظام، فلو كان مناما لم يكن فيه كبير شئ، ولم يكن مستعظما، ولما بادرت كفار قريش إلى تكذيبه، ولما ارتدت جماعة ممن كان قد أسلم، وأيضا فإن العبد عبارة عن مجموع الروح والجسد وقد قال: أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا وقد قال تعالى: وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ قال ابن عباس هي رؤيا عين أريها رسول الله ﷺ . رواه البخاري، وقال تعالى ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى (النجم: ١٧) والبصر من آلات الذات لا الروح، وأيضا فإنه حمل على البراق وهو دابة بيضاء براقة لها لمعان، وإنما يكون هذا للبدن لا للروح، لأنها لا تحتاج في حركاتها إلى مركب تركب عليه والله أعلم. وقال آخرون بل أسري برسول الله ﷺ بروحه لا يجسده. قال محمد بن إسحاق بن يسار في السيرة: حدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس: أن معاوية ابن أبي سفيان كان إذا سئل عن مسرى رسول الله ﷺ ، قال: كانت رؤيا من الله صادقة. وحدثني بعض آل أبي بكر أن عائشة كانت تقول: ما فقد جسد رسول الله ﷺ ولكن أسري بروحه. قال ابن إسحاق فلم نكر ذلك من قولها لقول الحسن أن هذه الآية نزلت وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ. ولقول الله في الخبر عن إبراهيم إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى. قال ثم مضى على ذلك

стр. 2872

فعرفت أن الوحي يأتي للأنبياء من الله أيقاظا ونياما فكان رسول الله ﷺ يقول: «تنام عيناي وقلبي يقظان». فالله أعلم أيّ ذلك كان قد جاءه، وعاين من الله فيه ما عاين على أي حالاته كان نائما أو يقظا، كل ذلك حق وصدق. انتهى كلام ابن إسحاق وقد تعقبه أبو جعفر بن جرير في تفسيره بالرد والإنكار والتشنيع بأن هذا خلاف ظاهر سياق القرآن، وذكر من الأدلة على رده بعض ما تقدم والله أعلم. (فائدة حسنة جليلة) روى الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في كتاب (دلائل النبوة) من طريق محمد بن عمر الواقدي، حدثني مالك بن أبي الرجال عن عمرو بن عبد الله، عن محمد بن كعب القرظي، قال: بعث رسول الله ﷺ دحية بن خليفة إلى قيصر، فذكر وروده عليه وقدومه إليه. وفي السياق دلالة عظيمة على وفور عقل هرقل. ثم استدعى من بالشام من التجار، فجئ بأبي سفيان صخر بن حرب وأصحابه، فسألهم عن تلك المسائل المشهورة التي رواها البخاري ومسلّم، كما سيأتي بيانه، وجعل أبو سفيان يجهد أن يحقر أمره ويصغره عنده. قال في هذا السياق عن أبي سفيان: والله ما منعني أن أقول عليه قولا أسقطه من عينه إلا أني أكره أن أكذب عنده كذبة يأخذها عليّ، ولا يصدقني في شئ قال: حتى ذكرت قوله ليلة أسري به، قال: فقلت: أيها الملك ألا أخبرك خبرا تعرف أنه قد كذب؟ قال: وما هو؟ قال: قلت: إنه يزعم لنا أنه خرج من أرضنا أرض الحرم في ليلة، فجاء مسجدكم إيليا، ورجع تلك الليلة قبل الصباح، قال: وبطريق إيليا عند رأس قيصر فقال بطريق إيليا: قد علمت تلك الليلة، قال: فنظر قيصر وما علمك بهذا؟ قال: إني كنت لا أنام ليلة حتى أغلق أبواب المسجد، فلما كانت تلك الليلة أغلقت الأبواب كلها غير باب واحد غلبني، فاستعنت عليه بعمالي ومن يحضرني كلهم، فعالجته فغلبنا فلم نستطع أن نحركه، كأنما نزاول به جبلا، فدعوت إليه النجاجرة فنظروا إليه فقالوا: إن هذا الباب سقط عليه النجاف (١) والبنيان، ولا نستطيع أن نحركه حتى نصبح، فننظر من أين أتى. قال: فرجعت وتركت البابين مفتوحين. فلما أصبحت غدوت عليهما فإذا الحجر الذي في زاوية المسجد مثقوب، وإذا فيه أثر مربط لدابة قال: فقلت لأصحابي ما حبس هذا الباب الليلة إلا على نبي، وقد صلّى الليلة في مسجدنا. وذكر تمام الحديث.

стр. 2873

(فائدة) قال الحافظ أبو الخطاب عمر بن دحية في كتابه (التنوير في مولد السراج المنير). وقد ذكر حديث الإسراء من طريق أنس، وتكلم عليه فأجاد وأفاد، ثم قال: وقد تواترت الروايات في حديث الإسراء عن عمر بن الخطاب، وعلي، وابن مسعود، وأبي ذر، ومالك بن صعصعة، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وابن عباس، وشدّاد بن أوس، وأبيّ بن كعب، وعبد الرحمن بن قرظ، وأبي حبة، وأبي ليلى الأنصاريين، وعبد الله بن عمر، وجابر، وحذيفة، وبريدة، وأبي أيوب، وأبي أمامة، وسمرة بن جندب، وأبي الحمراء، وصهيب الرومي، وأم هانئ، وعائشة وأسماء ابنتي أبي بكر الصديق، ﵃ أجمعين. منهم من ساقه بطوله، ومنهم من اختصره على ما وقع في المسانيد، وإن لم تكن رواية بعضهم على شرط الصحة فحديث الإسراء أجمع عليه المسلمون، وأعرض عنه الزنادقة والملحدون يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ. ٣ - تعليقنا أ- إن الإسراء والمعراج يذكران في باب المعجزات من كتب الحديث والسيرة والدلائل، والمعجزة ما به تقوم الحجة على الناس، وقد قامت الحجة عليهم بالإسراء من حيث إنهم امتحنوا الرسول ﷺ بعد إخباره لهم بالإسراء امتحانات متعددة للتأكد من صدق الحادث، فكان أن وجدوا في كل امتحان ما يدلل على صدقه ﵊ فيه، وقد رأينا في المختارات نموذجا، وفي مجموع الروايات الواردة في هذا الموضوع نماذج من هذه الامتحانات، وبهذا قامت الحجة على الناس بالمعجزة وحدوثها. ب- رأينا أن الحكمة التي ذكرها القرآن للإسراء هي قوله تعالى لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا وقد كان الإسراء قبيل الهجرة- كما رأينا- فهذا الاطلاع على الآيات كان مقدمة للمرحلة الصعبة- مرحلة المجابهة العسكرية الصعبة- وهذا موسى ﵇ أراه الله من آياته الكبرى، قبل أن يأمره بمجابهة فرعون وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى * قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى * قالَ أَلْقِها يا مُوسى * فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى * قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى * وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى * لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى * (طه: ١٧ - ٢٣).

стр. 2874

فهذه حكمة من حكم الإسراء والمعراج ومن حكم إراءته ﵊ الآيات في الإسراء والمعراج أن يرى حقيقة ما يدعو إليه. فهو يدعو إلى الإيمان بالله. ويقال على رأي راجح أنه رأى الله في معراجه، وهو يدعو إلى الإيمان بالرسل، وقد اجتمع بهم، وصلّى بهم، ورأى بعضهم، وهو يدعو إلى الإيمان بالغيب، وقد رأى السموات، ورأى الجنة والنار، ورأى الملائكة والبيت المعمور وسدرة المنتهى، وغيرها من الغيوب. ج- دلّت أحاديث الإسراء والمعراج- وهي متواترة- على وجود سماوات سبع، فوقها عرش الرحمن، وهذا القسم لا شك في كون الروايات تثبته، ومن ثم فإن من أنكر وجود السموات السبع، والعرش، متأولا أو جاحدا، فهو إما على كفر، أو ضلال. فمن ذهب إلى أن المراد بالسماوات هذه الكواكب والنجوم والمجرات مخطئ خطأ عظيما، ونحن في هذا التفسير نحاول أن نثبت أن السموات ترد في القرآن ويراد بها هذه المجرات والنجوم، وأن السماء ترد ويراد بها جو الأرض، وأن السموات ترد ويراد بها هذه السموات التي كان إليها المعراج، والذي نرجحه أنها سماوات غيبية مغيبة، فهي من حيث الوجود موجودة، ولكن وجودا غيبيا كوجود الجن والملائكة والنار. ٢ - [روايات بمناسبة قوله تعالى عن نوح ﵇ إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً] بمناسبة تسمية الله نوحا ﵇ إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً قال ابن كثير: وقد ورد في الحديث وفي الأثر عن السلف أن نوحا ﵇ كان يحمد الله على طعامه وشرابه ولباسه وشأنه؛ فلهذا سمّي عبدا شكورا. روى الطبراني ... عن سعد بن مسعود الثقفي قال: إنما سمّي نوح عبدا شكورا لأنه كان إذا أكل أو شرب حمد الله. وروى الإمام أحمد ... عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة أو يشرب الشربة فيحمد الله عليها». وهكذا رواه مسلّم والترمذي والنسائي من طريق أبي أسامة به، وقال مالك عن زيد بن أسلم: كان يحمد الله على كل حال، وقد ذكر البخاري هنا حديث أبي زرعة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة». بطوله، وفيه «فيأتون نوحا فيقولون يا نوح إنك أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وقد سماك الله عبدا شكورا فاشفع لنا إلى ربك». وذكر الحديث بكماله.

стр. 2875

المقطع الأول ويمتدّ من الآية (٤) إلى نهاية الآية (٤٠) وسنعرضه على مجموعات: المجموعة الأولى من المقطع الأول وهي خمس آيات من الآية (٤) إلى نهاية الآية (٨) وهذه هي: ١٧/ ٨ - ٤ التفسير: وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أي تقدمنا إليهم وأخبرناهم، وأوحينا إليهم وحيا مقضيا، هذا إذا فسّرنا كلمة الكتاب الآتية بالتوراة وهو الراجح فِي الْكِتابِ أي في التوراة وهذا الذي يقتضيه السياق السابق الذي يتحدّث عن موسى ﵇ وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ الإفساد في الأرض هو مخالفة حكم الله فيها وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً أي ولتستكبرن عن طاعة الله فتطغون وتبغون فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما أي وعد عقاب الإفسادة الأولى بَعَثْنا عَلَيْكُمْ

стр. 2876

أي سلّطنا عليكم عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ أي أشداء في القتال فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ أي ترددوا للغارة فيها، قال الزجاج: الجواس: طلب الشئ بالاستقصاء وَكانَ وَعْداً مَفْعُولًا أي وكان وعد العقاب وعدا لا بد أن يفعل ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ أي جعلنا لكم الدولة والغلبة على الذين بعثوا عليكم وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً النفير: الذين ينفرون للقتال إذ استنفروا إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها يعني أن الإحسان والإساءة كلاهما مختص بأنفسكم لا يتعدى النفع والضرر إلى ربكم فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ أي وعد الكرة الآخرة أي إذا أفسدتم الإفسادة الثانية وجاء وعد عقابها لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ أي بعثنا هؤلاء ليسوءوا وجوهكم أي ليجعلوها بادية المساءة والكآبة فيها، أي يهينوكم ويقهروكم وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ أي بيت المقدس كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ أي في التي جاسوا فيها خلال الديار وَلِيُتَبِّرُوا أي وليهلكوا ويدمّروا ويخرّبوا ما عَلَوْا أي ما ظهروا عليه، أو مدة علوهم تَتْبِيراً أي تدميرا وإهلاكا عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ بعد المرة الثانية وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا أي وإن عدتم إلى الإفساد والعلو عدنا إلى عقوبتكم وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً أي سجنا لا محيد لهم عنه به يستقرّون ويحصرون. ملاحظة: [حول الخلاف بين المفسرين في تفسير آيات هذه المجموعة وسببه] هذه الآيات مما كثر فيه الخلاف بين المفسرين، ولا يكثر الخلاف إلا إذا كان لذلك مبرراته، فما هما هاتان الإفسادتان ومتى كانتا؟ ومن هم الأقوام الذين يسلّطون على بني إسرائيل مرة بعد مرة؟ وهل المراد بالكتاب التوراة أو القرآن أو اللوح المحفوظ؟ وهل المرتان حدثتا أو أنهما ستحدثان بعد نزول القرآن أو أن واحدة حدثت من قبل، والثانية في طريقها؟ وهل للأقوام المسلّطين صلة عداء أو ولاء للمسجد الأقصى حتى ذكروا به وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ هذه كلها تحتاج إلى أجوبة دقيقة، ومن ثم وقع الخلاف. قال ابن كثير: (وقد اختلف المفسرون من السلف والخلف في هؤلاء المسلّطين عليهم من هم؟ فعن ابن عباس وقتادة: أنه جالوت الجزري وجنوده، سلط عليهم أولا ثم أديلوا عليه بعد ذلك. وقتل داود جالوت ولهذا قال: ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ الآية. وعن سعيد بن جبير: أنه ملك الموصل سنحاريب وجنوده، وعنه أيضا وعن غيره أنه بختنصر

стр. 2877

ملك بابل). وبعد أن يذكر ابن كثير طرفا من أخبار بختنصر يقول: وجرت أمور وكوائن يطول ذكرها، ولو وجدنا ما هو صحيح أو يقاربه لجاز كتابته وروايته. والله أعلم. ولكن ما قاله ابن كثير لا يجيب على الأسئلة التي ذكرناها كلها، ومن ثم اقتضى هذا منا أن نقف وقفة عند هذا الموضوع سنراه في الفوائد وهو موضوع مهم لأنه قضية عصرنا. كلمة في السياق: [في صلة المجموعة بالمحور، وتحقق مثل إفسادتي بني إسرائيل في أمتنا] رأينا أن محور السورة هو أخذ العبرة مما حدث لبني إسرائيل في إخلالهم بنعمة الوحي والرسالة، وذلك في حيّز الأمر بالدخول في الإسلام جميعه، وترك اتباع خطوات الشيطان كلها، وهذه المجموعة تنصب انصبابا مباشرا على هذا الموضوع، فبنو إسرائيل انحرفوا فأفسدوا، وطغوا وعطلوا شريعة الله؛ فسلّط الله عليهم، فيا هذه الأمة لا تفعلي فعلهم فيسلّط عليك، ثم إذا تابوا ورجعوا يرفع الله البلاء، وأنت يا هذه الأمة كذلك، ثم إذا عاد الإفساد عاد التسليط، فاحذري يا هذه الأمة ذلك. وقد حدث لأمتنا ما حدث لبني إسرائيل من إفساد وبغي فعطلت شريعة الله وعطلت حدوده إلا قليلا، فسلط عليها المغول والتتار والصليبيون ثم المستعمرون الغربيون والشيوعيون واليهود، وليس أمام هذه الأمة خيار: إما التوبة والاستغفار والعودة إلى شريعة الواحد القهار، وإما الدّمار والبوار، ولكن من يسمع ومن يعقل؟ إن من يرى هذا الإسراع في الكفر والمعاصي والاستهتار والتهالك على الشهوات، وكثرة المباهاة بالردة، ومعاداة شرع الله لا يعجب كيف سلط علينا هذا التسليط، ومن رأى تدابر أهل الخير وتقاطعهم وتحاسدهم وتشتت قلوبهم، ومعاداتهم لبعضهم، لم يستغرب تسلط الكفر في داخل البلاد على أهلها، وتسلط الكافرين من خارجها على الجميع. الفوائد: [حول موضوع إفسادتي بني إسرائيل] نحب أن نذكر هاهنا ما وعدنا به من كلام حول الإفسادتين لبني إسرائيل، ونقدم لذلك ببعض المقدمات: ١ - [تقديم لا بد منه لفهم موضوع إفسادتي بني إسرائيل] إن النص يحدثنا عن إفسادتين لبني إسرائيل يرافقهما علو كبير، وهذا مهمّ جدا في فهم هذا الموضوع، لقد أفسد بنو إسرائيل إفسادات كثيرة ولكن لم يرافق كل ذلك علوّ كبير لهم ودولة، كما أنهم قد علوا علوّا كبيرا في مراحل كما حدث في زمن

стр. 2878

داود وسليمان ﵉، ولكنه علو لا يرافقه فساد، ولعل ما هم فيه الآن نموذج على علو وفساد: فها هم لهم دولة، وهاهم لهم سلطان وهيمنة عالميان، وهم يستعملون ذلك في إفساد كل شئ. ٢ - [أوجه تفسير الآيات حسب تحديد زمان وموضوع إفسادتي بني إسرائيل] يحتمل أن يكون بختنصر موحّدا سلّطه الله على اليهود، ولكن لم تصلنا تفصيلات صحيحة عن وضعه الديني، ومن رأى ما يقوله اليهود في أنبيائهم، والنصارى في عيسى بن مريم لم يستغرب عدم وصول الوصف السليم عن أحد من القدماء. على ضوء هاتين المقدمتين نقول: إن الآيات تذكر أن الذين يسلطون على بني إسرائيل أوّل مرّة هم الذين يسلّطون عليهم ثاني مرّة، يلاحظ ذلك من عودة الضمير على المذكورين أولا في قوله تعالى: فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ. ويلاحظ أنه جاء في آخر السورة قوله تعالى: وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً فهل المراد بالآخرة هنا المرة الآخرة التي وردت من قبل؟ أو المراد بها ما يقابل الدنيا؟ فإذا كان يراد بها ما يقابل الدنيا لم تعطنا شيئا له علاقة في موضوعنا، أما إذا كان لها علاقة بموضوعنا فإنها تلقي ضوءا عليه، كما أن ذكر المسجد ودخول الأقوام إليه، يلقي ضوءا على الموضوع. يبدو بما لا يقبل الجدل أن الإفسادة الأولى هي التي سلّط عليهم بها بختنصر، فهي الإفسادة التي رافقها بغي وطغيان وعتو، والتي يدور حولها كثير من كلام العهد القديم، وما قبل ذلك لا نعرف أنه حدث لبني إسرائيل مثل هذا الدمار، ولم يحدث أن قوما سيطروا على المسجد الأقصى وجاسوا خلال الديار. فهل الإفسادة الثانية هي ما نراه الآن؟ إذ لهم دولة وسلطان، وإفساد وطغيان. يمكن أن نفهم المسألة كذلك إذا كان قوله تعالى: وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً إذا كانت الآخرة هنا تفيد (المرة الآخرة). وإذا كان هذا القول جاء متأخرا عن حياة موسى ﵇، وإذا كانت الأرض في الآية المراد بها عموم الأرض وليست أرض فلسطين من باب وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً. فإذا كانت هذه الافتراضات صحيحة يكون معنى الآية: وقلنا من بعد موسى لبني إسرائيل اسكنوا الأرض كلها متفرقين، فإذا جاء وعد

стр. 2879

الإفسادة الثانية جئنا بكم إلى أرض فلسطين، وعندئذ نسلّط عليكم من سلّطناهم عليكم من قبل، فإن كان بختنصر مسلما فالمسلطون الجدد هم المسلمون بإطلاق، وإن لم يكن كذلك فالعراقيون خاصة وهم مسلمون بفضل الله. هذا احتمال نفهم على ضوئه الآيات فيكون معناها وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً* فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ هم بختنصر وجنده فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْداً مَفْعُولًا ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ بعد مئات السنين بأن جعلنا لكم الغلبة، حتى إذا دخلتم في صراع معهم غلبتموهم، كما حدث إذ غلب المسلمون ومنهم العراقيون حقيقة أو حكما في الصراعات الحالية وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً كما هو الحال الآن إذ تستطيع دولة إسرائيل أن تحشد جيشا كبيرا وتستنفر العالم من ورائها إِنْ أَحْسَنْتُمْ خلال هذه الفترة أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ أي ليسوء العراقيون خاصة أو المسلمون عامة وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ بالدخول في الإسلام وَإِنْ عُدْتُمْ إلى العلو والإفساد عُدْنا إلى التسليط وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً ... ويمكن أن نفهم المسألة فهما آخر بأن نعتبر الإفسادة الأولى هي محاولاتهم الوقوف في وجه الدعوة الإسلامية، وتسليط الله المسلمين عليهم وعلى ديارهم حول المدينة المنورة، والإفسادة الثانية هي الإفسادة الحالية، ويكون المسلمون الذين غلبوهم أول مرة هم الذين سيغلبونهم المرة الثانية. إذا اجتمع لهم العبودية لله والبأس الشديد فيكون معنى الآيات وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ أي في القرآن لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً أي لتطغن طغيانا كبيرا فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما أي الإفسادة الأولى بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا هم الصحابة أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ أي سيطروا عليها سيطرة تامة وَكانَ وَعْداً مَفْعُولًا* ثُمَّ بعد مئات السنين رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ على المسلمين بأن جعلنا لكم الغلبة وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً كما هم الآن فهم أغنياء ويستطيعون استنفار العالم ضدنا إِنْ أَحْسَنْتُمْ بالدخول في. الإسلام ومتابعة محمد ﷺ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ

стр. 2880

أَسَأْتُمْ برفض الإسلام فَلَها فنفع أعمالكم عائد إليكم فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ أي فإذا جاء وعد الإفسادة الآخرة ليسوء المسلمون وجوهكم وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ أي الأقصى مستردينه منكم كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ كما أخذوه الأخذة الأولى يوم فتح القدس عمر وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا وليهلكوا في علوهم تَتْبِيراً أي إهلاكا عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ بأن يجعلكم مسلمين وَإِنْ عُدْتُمْ إلى الإفساد في الأرض عُدْنا إلى التسليط عليكم كما سيفعل الله يوم يأتون مع جند الدجال وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً أي سجنا. وفى قوله تعالى وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً ما يقوي هذا الاتجاه في الفهم، لأن الآية تشير إلى أنهم كافرون ولا نحكم بكفرهم إلا بعد رفضهم رسالة المسيح ثم محمد ﷺ . فالإفسادتان متأخرتان على بعثة المسيح، وهذا الاتجاه يقويه أن كلمة عِباداً لَنا تشعر بأنهم المسلمون فهم العباد الحقيقيون لله. وكلمة وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ تشعر بأنهم المسلمون، فهم أصحاب المسجد، وهم وإن لم يأخذوه من اليهود مباشرة فقد أخذوه ودخلوه المرة الأولى فاتحين. وتكون الآيات مشيرة إلى ما ينبغي فعله لتحرير القدس وفلسطين؟ على أن يخوض المعركة مسلمون اجتمعت لهم العبودية لله والبأس الشديد. وقد كتبنا كتاب (جند الله ثقافة وأخلاقا) على أمل أن يوجد جيل متصف بهذه الصفات. والذي دعانا إلى أن نحمل هذه الآيات على أحد الاحتمالين السابقين هو أننا لم نجد قوما بأعيانهم قد سلطوا على اليهود مرتين في حال اجتماع العلو والإفساد. لقد سلط عليهم بختنصر والرومان وغيرهم، ولكن قوما بعينهم لم يسلطوا عليهم مرتين داخلين المسجد الأقصى هذا الدخول الموصوف فيما نعلم، وعلى كل حال، ففي الآيات بشارة للمسلمين في قوله تعالى وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا فهذا وعيد من الله لهم أنه سيسلط عليهم في كل مرة يفسدون في الأرض وتكون لهم غلبة على المسجد الأقصى، وهاهنا ينبغي أن ننبه المسلمين تنبيها جازما أن هذه الغلبة على المسجد الأقصى لليهود ليست دائمة حتى قيام الساعة، كما يفهم بعضهم من كون المسيح يقتل اليهود عند نزوله فاليهود الذين يقتلهم المسيح يومها هم الذين يأتون مع الدجال، والنصوص تفيد أن المسجد الأقصى وقتذاك يكون بيد المسلمين، وأن القدس تكون عاصمة الخلافة، وهذا كله يتنافى مع الوضع الحالي. يبقى لو أن قائلا قال: ذكر المفسرون القدامى أن المسلط الأول عليهم هو

стр. 2881

سنحاريب، والمسلط الثاني هو بختنصر، وكلاهما من أرض العراق، ومن ثم فإن من سلط عليهم أول مرة وثاني مرة هم من شعب واحد، والجواب أن كتب العهد القديم- وإن لم تكن موثوقة تاريخيا، إلا أنه قد يستأنس بها في أمهات المسائل التاريخية تذكر في الإصحاح الثاني والثلاثين من أخبار الأيام الثاني أن سنحاريب ملك آشور قد حاصر أورشليم ولكن الله سلّط على جنده ملكا فأبادوا كل جبار بأس ورئيس وقائد ورجع هو خزيان ثم قتله أبناؤه)، فلم يكن تسليط في هذه المرحلة كما توهم بعض المفسرين الذين ليس لهم مستند إلا الروايات الإسرائيلية، وهي لا تفيد ما توهموه، فلم يجب هذا الكلام على الموضوع المطروح، وهو أن المسلّطين الأولين هم المسلّطون الآخرون. ... وقد حاولنا أن نلقي نظرة على التوراة الحالية المحرفة لعلّنا نجد ما نستأنس به، فوجدنا في التوراة شيئا له علاقة بهذا الموضوع إلى حد ما، إلّا أن التحريف واضح جدا فيها. فمثلا تجد في الإصحاح التاسع والعشرين وهو أحد الإصحاحات الثلاثة التي تحدثت عن العقاب الذي هدّد الله به بني إسرائيل إذا انحرفوا هذه العبارة: (واستأصلهم الرب من أرضهم بغضب وسخط وغيظ عظيم. وألقاهم إلى أرض أخرى كما في هذا اليوم). فكلمة كما في هذا اليوم تشير إلى أن هذه الكلمة وهذه النسخة مكتوبة في زمن بابل أو في التشتيت الأخير، وهذا من جملة الأدلة على أن نسخ التوراة الحالية محرفة، ومع هذا التحريف فإننا نلاحظ كلاما شبيها ببعض ما جاء في الآيات القرآنية. فمثلا في السفر الثامن والعشرين: (يجلب الرب عليك أمة من بعيد من أقصاء الأرض كما يطير النسر. أمة لا تفهم لسانها. أمة جافية الوجه لا تهاب الشيخ ولا تحن إلى الولد). فهذا يشبه قوله تعالى: عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ وفي الإصحاح نفسه: (ويبددك الرب في جميع الشعوب من أقصاء الأرض إلى أقصائها ... وفي تلك الأمم تطمئن ولا يكون قرار لقدمك بل يعطيك الرب هناك قلبا مرتجفا وكلال العينين وذبول النفس وتكون حياتك معلقة قدامك وترتعب ليلا ونهارا ولا تأمن على حياتك).

стр. 2882

وهذا يشبه قوله تعالى: وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ .. وفي الإصحاح الثلاثين: (يرد الرب إلهك سبيك ويرحمك ويعود فيجمعك من جميع الشعوب التي بددك إليهم الرب إلهك إن يكن قد بددك إلى أقصاء السموات فمن هناك. بجمعك الرب إلهك، ومن هناك يأخذك ويأتي الرب إلهك إلى الأرض التي امتلكها آباؤك فتمتلكها ويحسن إليك ويكثرك أكثر من آبائك). وهذا يشبه قوله تعالى: وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً ولولا أن التحريف قد حدث في التوراة لكان ما في التوراة تفسيرا صالحا للقرآن في هذا المقام، ولكن لعنة الله على أقلام النساخ الكاذبة. ... يبقى أن يقول قائل: إن المسلّطين الأولين هم بختنصر وقومه، والمسلطون الآخرون هم الرومان الذين احتلوا فلسطين بعد عودة اليهود من سبي بابل، فإذا قال قائل ولكن هؤلاء غير أولئك يقال: لكن يجمعهم وصف الوثنية، وكل منهم قد سيطر ودخل المسجد الأقصى عاتيا، ويمكن أن يقال ردا: إن الآيات تقول: ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً وبعد السبي وقبل الغزو الروماني لم تقم لليهود شوكة يكونون فيها أكثر نفيرا. وهناك اتجاه يقول: إن المسلّطين الأولين هم قوم جالوت، والمسلّطون الآخرون هم قوم بختنصر ويجمع القومان صفة البأس الشديد والوثنية. ثم عند ما غلب بنو إسرائيل جالوت وقومه أصبحوا أكثر نفيرا. ولكن عند ما نرجع إلى سفر القضاة الذي يتحدث عما بعد يشوع وقبل طالوت نجده يتحدث عن مجموعة إفسادات: إفسادة سلط عليهم بها (كوشان رشعتايم ملك آرام النهرين) يقول الإصحاح الثالث: (فعبد بنو إسرائيل كوشان رشعتايم ثماني سنين). وإفسادة سلط عليهم فيها (عجلون ملك موآب) ثماني عشرة سنة وإفسادة سلط عليهم فيها (يا بين) ملك كنعان.

стр. 2883

وإفسادة سلط عليهم بها (المديانيون) سبع سنين. وإفسادة سلط عليهم بها (الفلسطينيون) أربعين سنة. ويمكن أن يقال: إن المسجد الأقصى وإن يكن قد أسسه إبراهيم ﵇ إلا أنه لم يأخذ طابعه الذي يعتبر الاستيلاء عليه رمزا لسقوط العز اليهودي إلا بعد داود وسليمان ﵉، وهما كانا بعد المرحلة السابقة كلها. وبعد أن استعرضنا أكثر الاحتمالات التي يمكن أن تفهم على ضوئها الآيات فهل لنا أن نرجّح شيئا؟: ... إننا نرجح أن التفسير الصحيح لقوله تعالى: وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ أي: من بعد موسى لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ كل الأرض متفرقين فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً أي: جميعا إلى فلسطين، وأن هذا النص يحدد أن الإفسادة الآخرة بعد تفرقهم في الأرض كلها وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً وأما الإفسادة الأولى فتكون قبل ذلك، ومن المعلوم أن التشتيت الشامل على وجه الأرض لبني إسرائيل إنما كان بعد عودتهم من سبي بابل، فيكون التسليط الأول هو تسليط بختنصر، والتسليط الثاني هو الذي يتوقع الآن، بدليل العلو والإفساد. فالإفسادة الأولى كانت لهم دولة وفساد. والآن إفسادهم في الأرض كلها معروف، وسيطرتهم الخفية على بعض بلدان العالم معروفة، واجتمع لهم سلطان ودولة، وأن المرشحين للتسليط عليهم هم العراقيون المسلمون سواء اعتبرنا بختنصر موحّدا أولا، أو المسلمون عامة، إذا كان بختنصر موحدا.

стр. 2884

المجموعة الثانية من المقطع الأول وتمتدّ من الآية (٩) إلى نهاية الآية (٢١) وهذه هي: ١٧/ ٢١ - ٩

стр. 2885

التفسير: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ أي للحالة التي هي أقوم الحالات وأسدها، أو للملّة التي هي أقوم، أو للطريقة التي هي أقوم في كل شئ، في العقائد والأخلاق، والسلوك، والعبادات، والتشريع وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً أي الجنة وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا أي أعددنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً يعني النار. وقد بينت الآيتان خصيصة من خصائص القرآن، هو أنه يهدي لأقوم الطرق، وأوضح السبل، مع التبشير والإنذار، وهذا مظهر من مظاهر إعجازه. إذ تحدث عن كل شئ فهدى فيه إلى أقوم ما يمكن أن يكون فيه، بأسلوب التبشير والإنذار، فأي كتاب يمكن أن يكون كذلك؟ وكيف يكون كذلك لولا أنه من عند الله وبعد أن بيّن الله خصيصة من خصائص كتابه بين خصيصة من خصائص الإنسان وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ أي ويدعو الإنسان الله عند غضبه بالشر على نفسه وأهله وما له وولده، كما يدعو لهم بالخير، أو يطلب النفع العاجل وإن قلّ، بالضرر الآجل وإن جلّ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا أي يتسرع إلى طلب كل ما ينفع مما يخطر بباله، ولا يتأنّى فيه تأني المتبصر، وهذا الإخبار من الله في هذا المقام عن عجلة الإنسان ودعائه في بعض الأحيان على نفسه أو ولده أو ماله بالهلاك والدمار واللعنة، واستعجاله الأمور قبل أوانها، إشارة إلى أن هذا الخلق يعكر الاهتداء، كما أنه إشارة إلى قصور الإنسان ونقصه الذي يحتاج معه إلى تربية وهداية، كما أنه إشارة إلى بعض العوامل التي تبعده عن سلوك طريق الإسلام كالغضب والاستعجال، فإنهما قد يحملانه على سلوك طريق ينفس به عن حقد أو يظنه الأقرب إلى تحقيق الغاية فيترك الإسلام. ومجئ هذا الكلام بعد الكلام عن المسجد الأقصى وبني إسرائيل مربّ وموجّه، فمن الملاحظ في عصرنا أن الحقد على عملية الاحتلال الصهيوني والاستعجال في إنهاء الاحتلال جعلت كثيرا من المسلمين يتخلون عن طريق الإسلام

стр. 2886

والقرآن، ويعملون متبنين طرقا أخرى يظنونها أسرع للتحرير، وما نراهم يزدادون إلا تعثرا ويزداد اليهود تمكنا. وهاتان الآيتان- كما سنرى آتيتان في وسط سياق معين وفيهما إشارة إلى أن حلّ القضية الفلسطينية طريقه الاهتداء بالقرآن، والإيمان والعمل الصالح والعمل الدءوب غير المتسرع وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ أي علامتين على موجد حكيم فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ أي فمحونا الآية التي هي الليل وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً أي وجعلنا الآية التي هي النهار مبصرة، ويمكن أن يكون المعنى وجعلنا نيري الليل والنهار آيتين أي الشمس والقمر، فمحونا آية الليل التي هي القمر، حيث لم يخلق له شعاع كشعاع الشمس، وحيث يتغير حتى يمحى ثم يعود، وجعلنا الشمس ذات شعاع يبصر في ضوئها كل شئ لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ في معايشكم وأسفاركم ونحو ذلك فتسكنوا في الليل وتنتشروا في النهار للمعايش والصنائع والأعمال والأسفار، ولو لم يكن ليل ونهار لما أمكنت الحياة أصلا في قوانين هذا الكون وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ أي لتعلموا باختلاف الليل والنهار حساب الآجال ومواسم الأعمال، وعدد الأيام والجمع والشهور والأعوام، وتعرفوا مضي الآجال المضروبة للديون، والعبادات والمعاملات والإجارات والزمان ومحله من المكان، ولو لم يكن ليل ونهار لضاع حساب أكثر الأشياء، وجهل أكثر الخلق، ولما استراح حراص المكتسبين والتجار وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا أي وكل شئ مما تفتقرون إليه في دينكم ودنياكم بيناه بيانا غير ملتبس، فأزحنا عللكم. وما تركنا لكم حجة علينا في ما خلقنا ولا في ما أنزلنا وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ أي عمله فِي عُنُقِهِ يعني أن عمله لازم له لزوم القلادة، أو الغل للعنق لا ينفك عنه سواء كان خيرا أو شرا فإنه لازم له مجازى عليه وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ ذلك العمل كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً أي غير مطوي يمكنه قراءته اقْرَأْ كِتابَكَ أي ونقول له: اقرأ كتابك أي كتاب أعمالك. قال النسفي: وكل يبعث قارئا، أي: يستطيع قراءة هذا الكتاب كَفى بِنَفْسِكَ أي كفى نفسك الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً أي حاسبا أو كافيا، ويسمى الشاهد كافيا لأنّه يكفي المدّعي ما أهمه.

стр. 2887

كلمة في السياق: نلاحظ أن السورة بدأت بقوله تعالى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى ... ثم: وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ .... ثم: وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ .... ثم: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ .... وما قبل وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ ذكرت الآيتان: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ... فالآيات تعرض في سياقها العام مظاهر من نعم الله، ومظاهر من عقوبته ومحاسبته على العمل في الدنيا والآخرة. فإذا تذكرنا أن محور السورة سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ عرفنا أن ما مرّ معنا يسير على نسق واحد مع محور السورة. ومجيء إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ بعد الكلام عما عوقب به بنو إسرائيل إشارة إلى النعمة في إنزال هذا القرآن. وذكر طبيعة الإنسان بعدها إشارة إلى ما يسبب الكفر بالنعمة عند الإنسان بتركه الدخول في الإسلام كله، واجتنابه اتباع خطوات الشيطان ومن هنا تعرف كيف يخدم السياق محور السورة. فإذا تقررت النعمة، وتقررت العقوبة، وتقرر أن من نعم الله إنزال هذا القرآن، فإن سياق المجموعة يستمر ليقرّر أمورا تفصل في المحور. فلنر تفسير تتمة المجموعة: ... مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها أي فلها ثواب الاهتداء، وعليها وبال الضلال. أي من اهتدى واتّبع الحق واقتفى أثر النبوة فإنما يحصل عاقبة ذلك- وهي العاقبة الحميدة- لنفسه، ومن ضلّ عن الحق وزاغ عن سبيل الرشاد فإنما يجني على نفسه، وإنما يعود وبال ذلك عليه وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى أي ولا يحمل أحد ذنب أحد، ولا يجني جان إلا على نفسه، أي كل نفس حاملة وزرا فإنما تحمل وزرها لا وزر نفس أخرى والوزر الثقل، والمراد به هنا الذنب وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا هذا إخبار عن عدله تعالى وأنه لا يعذب أحدا إلا بعد قيام

стр. 2888

الحجة عليه بإرسال الرسول إليه. وفسّرها النسفي بقوله: وما صح منا أن نعذب قوما عذاب استئصال في الدنيا إلا بعد أن نرسل إليهم رسولا، يلزمهم الحجة. وحول الآية كلام كثير سيأتي في الفوائد وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أي أهل قرية أَمَرْنا مُتْرَفِيها أي أمرنا متنعميها وجبابرتها بالطاعة فَفَسَقُوا فِيها أي فخرجوا عن الأمر فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ أي فوجب عليها الوعيد فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً أي فأهلكناها إهلاكا وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ أي كثير من الأجيال أهلكناها من بعد نوح وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً وإن أخفوها في الصدور بَصِيراً وإن أرخوا عليها الستور، أي هو عالم بجميع أعمالهم خيرها وشرها، لا يخفى عليه منها خافية . وهكذا قررت هذه الآيات أن العذاب لا يكون إلا بعد إقامة الحجة ووجود الضلالة والفسوق وهو معنى يخدم محور السورة ضمن حيزها العام: ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ... وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ ... * وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ ثم يقرر الله سنته في طلاب الدنيا وطلاب الآخرة إذ طلب الدنيا هو سبب الانحراف، وطلب الآخرة سبب من أسباب الهداية، فإذا رافقه إيمان صحيح كان سبب النجاة مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ أي من كانت العاجلة همه ولم يرد غيرها عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ أي تفضّلنا عليه من منافعها بما نشاء لِمَنْ نُرِيدُ قيد المعجّل بمشيئته، والمعجّل له بإرادته، وهكذا الحال ترى كثيرا من هؤلاء يتمنون ما يتمنون ولا يعطون إلا بعضا منه، وكثيرا منهم يتمنون ذلك البعض وقد حرموه، فاجتمع لهم فقر الدنيا والآخرة، وأما المؤمن التقي فقد اختار الآخرة، فإن أوتي حظا من الدنيا فبها، وإلا كان المنع خيرا له، فإذا كان المؤمن والكافر مستويين في كونهما يعطيان بمشيئة الله، وللمؤمن أجره فلم يكفر الكافرون بسبب الدنيا ووراء ذلك جهنم ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ في الآخرة جَهَنَّمَ يَصْلاها أي يدخلها تغمره من جميع جوانبه مَذْمُوماً أي ممقوتا مَدْحُوراً أي مطرودا من رحمة الله مبعدا مقصيا حقيرا ذليلا مهانا بسبب سوء تصرفه وصنيعه إذ اختار الفاني على الباقي، سيرا على طبيعته في الاستعجال وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وما فيها من النعيم والسرور وَسَعى لَها سَعْيَها أي وأعطاها حقها من السعي، وكفاءها من الأعمال الصالحة بالدخول في الإسلام واجتناب خطوات الشيطان

стр. 2889

وَهُوَ مُؤْمِنٌ أي مصدّق لله في وعده ووعيده وإخباره، فاجتمع له إسلام الظاهر والباطن، متابعا في ذلك كله رسول الله فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً أي مقبولا عند الله مثابا عليه كُلًّا أي كل واحد من الفريقين الذين أرادوا الدنيا والذين أرادوا الآخرة نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ أي من رزقه أي نزيدهم من عطائنا ونجعل الآنف منه مددا للسالف لا نقطعه، فنرزق المطيع والعاصي على وجه التفضّل وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً أي ممنوعا عن عباده، وإن عصوا انْظُرْ بعين الاعتبار كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ في الدنيا في المال والجاه والسعة والكمال، فمنهم الغني والفقير وبين ذلك، والحسن والقبيح وبين ذلك. ومن يموت صغيرا ومن يعمر حتى يكون شيخا كبيرا وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا أي: ولتفاوتهم في الدار الآخرة أكبر من تفاوتهم في الدنيا، فإن منهم من يكون في أي ولتفاوتهم في الدار الآخرة أكبر من تفاوتهم في الدنيا، فإن منهم من يكون في الدركات في جهنم وسلاسلها وأغلالها، ومنهم من يكون في الدرجات العلى ونعيمها وسرورها. ثم أهل الدركات يتفاوتون فيما هم فيه، كما أن أهل الدرجات يتفاوتون فإن الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض وفي الصحيحين: «إن أهل الدرجات العلى ليرون أهل عليين كما ترون الكوكب الغابر في أفق السماء» كلمة في السياق: ١ - بدأت المجموعة بذكر صفات للقرآن: أنّه يهدي للتي هي أقوم، وأنه يبشر وينذر، وجاءت المجموعة بتبشير وإنذار، كما جاء ما يساعد على الاهتداء بالقرآن، وجاء فيها كذلك ذكر للعوامل التي تبعد الإنسان عن الاهتداء بالقرآن. ٢ - لاحظ الصلة بين بداية المجموعة إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وبين قوله تعالى في أواخر المجموعة مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها مما يؤكد أن المجموعة تتحدث فيما تتحدث عنه عن أسباب في الهداية والضلال. ٣ - وللمجموعة صلتها بمحور السورة الذي يهدد من كفر بنعم الله، وصلة بالأمر بالدخول في الإسلام. ٤ - ومن العرض ندرك بعض الصلات بين آيات المجموعة: فاستعجال العاجلة يتنافى مع طلب الآخرة، ويتنافى مع الاهتداء بهذا القرآن، وإذ كان الاستعجال طبيعة هذا

стр. 2890

الإنسان فإن أكثر الناس يضلون ويهلكون فيستحقون العذاب الدنيوي والأخروي، وقد جرت سنّة الله ألا يعذب حتى يبعث رسولا، وقد بعث لهذه الأمة رسولا بوحي ومعه كتاب هو أشرف الكتب، به تقوم الحجة، ويستأهل مخالفة العذاب، وبهذا اتضحت مجموعة الأمور التي تترتب على معرفة الآيات وشكرها، وعاقبة كفرانها، وإذ تستقر مجموعة الحقائق هذه فإن الخطاب في المجموعة التالية يتوجه لطلاب الآخرة، وفيها نموذج على كون هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم، وهي نموذج لمن يريد أن يتحقق بمقام الشكر والعبودية لله. فهي تأتي بعد مجموعتين وبعد مقدمة السورة بانية على ذلك بعد أن وضعت المسلم على كمال الاستعداد لتلقي التوجيه. وإذا نظرنا إلى علاقة المجموعة اللاحقة بالسياق الكلي للقرآن فإنها تكون آتية لتبين طريق الشكر، وتبين جزءا من الإسلام، وجانبا مما يجب اجتنابه من خطوات الشيطان، وقبل أن نذكر المجموعة الثالثة فلنأت بفوائد وب نقول: نقول: ١ - [كلام صاحب الظلال عند الآية إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ] قال صاحب الظلال: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ هكذا على وجه الإطلاق فيمن يهديهم وفيما يهديهم، فيشمل الهدى أقواما وأجيالا بلا حدود من زمان أو مكان؛ ويشمل ما يهديهم إليه كل منهج وكل طريق، وكل خير يهتدي إليه البشر في كل زمان ومكان. يهدي للتي هي أقوم في عالم الضمير والشعور، بالعقيدة الواضحة البسيطة التي لا تعقيد فيها ولا غموض، والتي تطلق الروح من أثقال الوهم والخرافة، وتطلق الطاقات البشرية الصالحة للعمل والبناء، وتربط بين نواميس الكون ونواميس الفطرة البشرية في تناسق واتساق. ويهدي للتي هي أقوم في التنسيق بين ظاهر الإنسان وباطنه، وبين مشاعره وسلوكه، وبين عقيدته وعمله، فإذا هي كلها مشدودة إلى العروة الوثقى التي لا تنفصم، متطلعة إلى أعلى وهي مستقرة على الأرض، وإذا العمل عبادة متى توجه الإنسان به إلى الله، ولو كان هذا العمل متاعا واستمتاعا بالحياة. ويهدي للتي هي أقوم في عالم العبادة بالموازنة بين التكاليف والطاقة، فلا تشق التكاليف على النفس حتى تمل وتيأس من الوفاء. ولا تسهل وتترخص حتى تشيع في النفس الرخاوة والاستهتار. ولا تتجاوز القصد والاعتدال وحدود الاحتمال.

стр. 2891

ويهدي للتي هي أقوم في علاقات الناس بعضهم ببعض: أفرادا وأزواجا، وحكومات وشعوبا، ودولا وأجناسا، ويقيم هذه العلاقات على الأسس الوطيدة الثابتة التي لا تتأثر بالرأي والهوى؛ ولا تميل مع المودة والشنآن؛ ولا تصرفها المصالح والأغراض. الأسس التي أقامها العليم الخبير لخلقه، وهو أعلم بمن خلق، وأعرف بما يصلح لهم في كل أرض وفي كل جيل، فيهديهم للتي هي أقوم في نظام الحكم ونظام المال ونظام الاجتماع ونظام التعامل الدولي اللائق بعالم الإنسان. ويهدي للتي هي أقوم في شأن الديانات السماوية جميعها والربط بينها كلها، وتعظيم مقدساتها وصيانة حرماتها فإذا البشرية كلها بجميع عقائدها السماوية الصحيحة في سلام ووئام. ٢ - [كلام الألوسي عند الآية وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا وتعليق عليه] وقال الألوسي بمناسبة قوله تعالى: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا قال: قال حجة الإسلام الغزالي: الناس بعد بعثته ﵊ أصناف: صنف لم تبلغهم دعوته ولم يسمعوا به أصلا، فأولئك مقطوع لهم بالجنة، وصنف بلغتهم دعوته وظهور المعجزة على يده وما كان عليه ﷺ من الأخلاق العظيمة والصفات الكريمة، ولم يؤمنوا به كالكفرة الذين بين ظهرانينا فأولئك مقطوع لهم بالنار، وصنف بلغتهم دعوته ﵊ وسمعوا به لكن كما يسمع أحدنا بالدجال- وحاشا قدره الشريف ﷺ عن ذلك- فهؤلاء أرجو لهم الجنة إذا لم يسمعوا ما يرغبهم في الإيمان به أهـ. أقول: هذا يؤكد ما ذكرناه من قبل أن الحجة تقوم على الكافر إذا سمع تبليغا من مسلم مباشرة أو بالواسطة كالكتاب والراديو ... والمسألة خلافية. ٣ - [كلام صاحب الظلال عند الآية وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً .. ] قال صاحب الظلال عند قوله تعالى: وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً «والمترفون في كل أمة هم طبقة الكبراء الناعمين، الذين يجدون المال، ويجدون الخدم، ويجدون الراحة، فينعمون بالدّعة وبالراحة وبالسيادة، حتى تترهّل نفوسهم، وتأسن وترتع في الفسق والمجانة، وتستهتر بالقيم والمقدسات والكرامات، وتلغ في الأعراض والحرمات، وهم إذا لم يجدوا من يضرب على أيديهم عاثوا في الأرض فسادا، ونشروا الفاحشة في الأمة وأشاعوها، وأرخصوا القيم العليا التي لا تعيش الشعوب إلا بها ولها. ومن ثم تتحلل الأمة وتسترخي، وتفقد حيويتها وعناصر قوتها وأسباب بقائها، فتهلك وتطوى صفحتها.

стр. 2892

والآية تقرر سنة الله هذه. فإذا قدر الله لقرية أنها هالكة لأنها أخذت بأسباب الهلاك فكثر فيها المترفون، فلم تدافعهم ولم تضرب على أيديهم، سلط الله هؤلاء المترفين ففسقوا فيها فعمّ فيها الفسق، فتحللت وترهّلت، فحقت عليها سنة الله، وأصابها الدمار والهلاك، وهي المسئولة عما يحل بها لأنها لم تضرب على أيدي المترفين، ولم تصلح من نظامها الذي يسمح بوجود المترفين. فوجود المترفين ذاته هو السبب الذي من أجله سلطهم الله عليها ففسقوا، ولو أخذت عليهم الطريق فلم تسمح لهم بالظهور فيها ما استحقت الهلاك، وما سلط الله عليها من يفسق فيها ويفسد فيقودها إلى الهلاك. إن إرادة الله قد جعلت للحياة البشرية نواميس لا تتخلف، وسننا لا تتبدّل، وحين توجد الأسباب تتبعها النتائج فتنفذ إرادة الله وتحق كلمته. والله لا يأمر بالفسق لأن الله لا يأمر بالفحشاء. ولكن وجود المترفين في ذاته، دليل على أن الأمة قد تخلخل بناؤها، وسارت في طريق الانحلال، وأن قدر الله سيصيبها جزاء وفاقا. وهي التي تعرضت لسنة الله بسماحها للمترفين بالوجود والحياة. فالإرادة هنا ليست إرادة الإجبار القهري الذي ينشئ السبب، ولكنها ترتب النتيجة على السبب. الأمر الذي لا مفر منه لأن السّنة جرت به. والأمر ليس أمرا توجيهيا إلى الفسق، ولكنه إنشاء النتيجة الطبيعية المترتبة على وجود المترفين وهي الفسق. وهنا تبرز تبعة الجماعة في ترك النظم الفاسدة تنشئ آثارها التي لا مفرّ منها، وعدم الضرب على أيدي المترفين فيها كيلا يفسقوا فيها فيحق عليها القول فيدمرها تدميرا. هذه السنة قد مضت في الأولين من بعد نوح ﵇، قرنا بعد قرن، كلما فشت الذنوب في أمة انتهت بها إلى ذلك المصير، والله هو الخبير بذنوب عباده البصير: وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ، وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً». ٤ - [كلام صاحب الظلال عند الآية وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ] وقال صاحب الظلال عن قوله تعالى: وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ «وطائر كل إنسان ما يطير له من عمله، أي ما يقسم له من العمل، وهو كناية عما يعمله، وإلزامه له في عنقه للزومه إياه وعدم مفارقته؛ على طريقة القرآن في تجسيم المعاني وإبرازها في صورة حسية، فعمله لا يتخلف عنه وهو لا يملك التملص منه وكذلك التعبير بإخراج كتابه منشورا يوم القيامة فهو يصور عمله مكشوفا، لا يملك

стр. 2893

إخفاءه، أو تجاهله أو المغالطة فيه، ويتجسم هذا المعنى في صورة الكتاب المنشور، فإذا هو أعمق أثرا في النفس وأشد تأثيرا في الحس، وإذا الخيال البشري يلاحق ذلك الطائر ويلحظ هذا الكتاب في فزع طائر من اليوم العصيب، الذي تتكشف فيه الخبايا والأسرار، ولا يحتاج إلى شاهد أو حسيب: اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ... الفوائد: ١ - [الدليل على تدقيق العلماء في قبول الرواية وكلام ابن كثير عند الآية وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى] رأينا معنى قوله تعالى: وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وفي هذا المقام يحكم العلماء على أن بعض الرواة أخطئوا في لفظة رواها البخاري وهي منسوبة لرسول الله ﷺ حول (إن الله يخلق للنار خلقا يعذبهم بها حتى تمتلئ) فإن هذا يتنافى مع نص الآية ويتنافى مع روايات صحيحة أخرى، وهذا دليل على أن الرجوع في كل علم للمختصين فيه هو الموقف الحق، وأن الذين يريدون أن يحقّروا لهذه الأمة تحقيقات علمائها وأئمتها مخطئون، وإذ أشرنا إلى هذه المسألة فلننقل ما قاله ابن كثير فيها قال عند الآية المذكورة: (ومن ثم طعن جماعة من العلماء في اللفظة التي جاءت معجمة في صحيح البخاري عند قوله تعالى: إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ. عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «اختصمت الجنة والنار» فذكر الحديث إلى أن قال: «وأما الجنة فلا يظلم الله من خلقه أحدا، وإنه ينشئ للنار خلقا فيلقون فيها فتقول: هل من مزيد؟ ثلاثا». وذكر تمام الحديث فهذا إنما جاء في الجنة لأنها دار فضل، وأما النار فإنها دار عدل لا يدخلها أحد إلا بعد الإعذار إليه وقيام الحجة عليه، وقد تكلم جماعة من الحفاظ في هذه اللفظة وقالوا لعله انقلب على الراوي بدليل ما أخرجاه في الصحيحين- واللفظ للبخاري- من حديث عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : «تحاجّت الجنة والنار» فذكر الحديث إلى أن قال «فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع فيها قدمه فتقول قط قط فهناك تمتلئ وينزوي بعضها إلى بعض، ولا يظلم الله من خلقه أحدا، وأما الجنة فإن الله ينشئ لها خلقا). ٢ - [كلام علماء التوحيد حول أهل الفترة بمناسبة آية وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا] عند قوله تعالى: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا يقف علماء التوحيد وقفة طويلة حول أهل الفترة، والذين لم تبلغهم الدعوة، هل هم مخاطبون في

стр. 2894

الأصول والفروع، أو في الأصول دون الفروع، أو لا في الأصول ولا في الفروع؟ الأشاعرة: على أنهم ليسوا مطالبين في الأصول ولا في الفروع. والماتريدية على أنهم مطالبون بالأصول، والمعتزلة على أنهم مطالبون بالأصول والفروع، التي يحكم العقل المجرد بحسنها، وكلامهم مردود بالنصوص. ولابن كثير عند هذه الآية كلام طويل حول أولاد الكافرين وأولاد المسلمين، قال عن أولاد المؤمنين: (فأما ولدان المؤمنين فلا خلاف بين العلماء كما حكاه القاضي أبو يعلى بن الفراء الحنبلي عن الإمام أحمد قال: لا يختلف فيهم أنهم من أهل الجنة، وهذا هو المشهور بين الناس، وهو الذي نقطع به إن شاء الله تعالى) وتحدث عن الخلاف في أطفال المشركين، وكيف أن بعض العلماء قال: هم في النار وبعضهم قال: هم في الجنة، وبعضهم توقف في هذا الموضوع ومن كلامه: (ولما كان الكلام في هذه المسألة يحتاج إلى دلائل صحيحة جيدة وقد يتكلم فيها من لا علم عنده عن الشارع كره جماعة من العلماء الكلام فيها). وبمناسبة هذه الآية ذكر ابن كثير مجموعة من الأحاديث ومناقشات العلماء في شأنها ونحن ننقل لك هاهنا الحديث الأول والثالث والخامس مما ذكره وهذه هي: (فالحديث الأول): عن الأسود بن سريع رواه الإمام أحمد .. أن نبي الله ﷺ قال: «أربعة يحتجون يوم القيامة: رجل أصم لا يسمع شيئا، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في فترة، فأما الأصم فيقول: رب قد جاء الإسلام وما أسمع شيئا، وأما الأحمق فيقول: رب قد جاء الإسلام والصبيان يحذفوني بالبعر، وأما الهرم فيقول: رب لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئا، وأما الذي مات في الفترة فيقول: رب ما أتاني لك رسول. فيأخذ مواثيقهم ليطيعنّه فيرسل إليهم أن ادخلوا النار، فو الذي نفس محمد بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردا وسلاما». وبالإسناد عن قتادة عن الحسن عن أبي رافع عن أبي هريرة مثله غير أنه قال في آخره: «فمن دخلها كانت عليه بردا وسلاما، ومن لم يدخلها يسحب إليها» وكذا رواه إسحاق بن راهويه عن معاذ بن هشام؛ ورواه البيهقي في كتاب الاعتقاد، وكذا رواه حنبل بن إسحاق عن علي بن المديني به وقال: هذا إسناد صحيح وكذا رواه حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أبي رافع عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «أربعة كلهم يدلي على الله بحجة». فذكر نحوه، ورواه ابن جرير من حديث معمر عن همام عن أبي هريرة فذكره موقوفا، ثم قال أبو هريرة

стр. 2895

فاقرءوا إن شئتم وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا وكذا رواه معمر عن عبد الله بن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة موقوفا. (الحديث الثالث): عن أنس روى الحافظ أبو يعلى ... عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «يؤتى بأربعة يوم القيامة: بالمولود، والمعتوه، ومن مات في الفترة، والشيخ الفاني الهمّ (١) كلهم يكلم بحجته فيقول الرب ﵎ لعنق من النار: ابرز ويقول لهم: إني كنت أبعث إلى عبادي رسلا، من أنفسهم، وإني رسول نفسي إليكم، ادخلوا هذه، قال: فيقول من كتب عليه الشقاء: يا رب أنّى ندخلها ومنها كنا نفرّ؟ قال: ومن كتب عليه السعادة يمضي فيقتحم فيها مسرعا، قال: فيقول الله تعالى: أنتم لرسلي أشد تكذيبا ومعصية. فيدخل هؤلاء الجنة، وهؤلاء النار». وهكذا رواه الحافظ أبو بكر البزار عن يوسف بن موسى، عن جرير بن عبد الحميد، بإسناده مثله. (الحديث الخامس): عن ثوبان. روى الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو عن ابن عبد الخالق البزار في مسنده ... عن ثوبان أن نبي الله ﷺ عظّم شأن المسألة، قال: «إذا كان يوم القيامة جاء أهل الجاهلية يحملون أوثانهم على ظهورهم، فيسألهم ربهم فيقولون: ربنا لم ترسل إلينا رسولا، ولم يأتنا لك أمر، ولو أرسلت إلينا رسولا لكنا أطوع عبادك، فيقول لهم ربهم: أرأيتم إن أمرتكم بأمر تطيعوني؟ فيقولون: نعم، فيأمرهم أن يعمدوا إلى جهنم فيدخلوها، فينطلقون حتى إذا دنوا منها وجدوا لها تغيّظا وزفيرا. فرجعوا إلى ربهم فيقولون: ربنا أخرجنا- أو أجرنا- منها فيقول لهم ألم تزعموا أني إن أمرتكم بأمر تطيعوني؟ فيأخذ على ذلك مواثيقهم، فيقول: اعمدوا إليها فادخلوها. فينطلقون حتى إذا رأوها فرقوا منها ورجعوا، فقالوا: ربنا فرقنا منها ولا نستطيع أن ندخلها فيقول: ادخلوها داخرين». فقال نبي الله ﷺ : «لو دخلوها أول مرة كانت عليهم بردا وسلاما». أقول: دارت معركة علمية ضخمة في التاريخ الإسلامي حول هذه الأحاديث من حيث صحتها وضعفها، ومن حيث مدلولها، وقد رجح ابن كثير أنها بمجموعها تصلح لأن يبنى عليها ٣ - [فائدة حول الآية وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها .. ] عند قوله تعالى: وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَ

стр. 2896

عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً. قال ابن كثير: «اختلف القراء في قراءة قوله تعالى: أَمَرْنا فالمشهور قراءة التخفيف واختلف المفسرون في معناها، فقيل معناه أمرنا مترفيها ففسقوا فيها أمرا قدريا كقوله تعالى أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً فإن الله لا يأمر بالفحشاء. قالوا معناه: أنه سخرهم إلى فعل الفواحش فاستحقوا العذاب، وقيل معناه: أمرناهم بالطاعات ففعلوا الفواحش فاستحقوا العقوبة، رواه ابن جريج عن ابن عباس وقاله سعيد بن جبير أيضا، وقال ابن جرير: يحتمل أن يكون معناه جعلناهم أمراء قال ابن كثير: إنما يجئ على قراءة من قرأ أَمَرْنا مُتْرَفِيها فإذا فعلوا ذلك أهلكهم الله بالعذاب وهو قوله وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها الآية. وكذا قال أبو العالية ومجاهد والربيع بن أنس، وقال العوفي عن ابن عباس وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها يقول أكثرنا عددهم، وكذا قال عكرمة والحسن والضحاك وقتادة، وعن مالك عن الزهري أَمَرْنا مُتْرَفِيها أكثرنا، وقد استشهد بعضهم بالحديث الذي رواه الإمام أحمد حيث قال .... عن سويد بن هبيرة عن النبي ﷺ قال: «خير مال امرئ له مهرة مأمورة أو سكة مأبورة». قال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام ﵀ في كتابه الغريب المأمورة: كثيرة النسل، والسكة: الطريق المصطفة من النخيل، والمأبورة: من التأبير، وقال بعضهم: إنما جاء هذا متناسبا كقوله: «مأزورات غير مأجورات». ولننتقل الآن إلى المجموعة الثالثة في المقطع الأول. المجموعة الثالثة وهي تمتد من الآية (٢٢) إلى نهاية الآية (٤٠) وهذه هي: ١٧/ ٤٠ - ٢٢

стр. 2897

التفسير: لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ قال النسفي: الخطاب للنبي ﷺ والمراد به أمته. وقال ابن كثير: والمراد المكلفون من الأمة: لا تجعل أيها المكلف في عبادتك ربك له شريكا فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً على إشراكك به مَخْذُولًا لأن الرب تعالى لا ينصرك. بل يكلك إلى الذين عبدتهم معه، وهم لا يملكون لك ضرا ولا نفعا لأن مالك الضر والنفع هو الله وحده لا شريك له. دلت الآية على أن المشرك يستحق الذم والخذلان والإهانة والحرمان. وَقَضى رَبُّكَ أي: أمر أمرا مقطوعا به أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً أي وأمر بالوالدين إحسانا أي بأن تحسنوا بالوالدين إحسانا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ أف صوت يدل على تضجر أي لا تسمعهما قولا سيئا، حتى ولا التأفيف الذي هو أدنى مراتب القول السيئ وَلا تَنْهَرْهُما أي ولا تزجرهما عما يتعاطيانه مما لا يعجبك لا قولا ولا فعلا بأن يصدر منك إليهما فعل قبيح. ولما نهاه عن القول القبيح والفعل القبيح، أمره بالقول الحسن والفعل الحسن وَقُلْ لَهُما بدل التأفف والنّهر قَوْلًا كَرِيماً أي جميلا ليّنا طيبا حسنا بأدب وتوقير وتعظيم كما يقتضيه حسن الأدب، ومن الأدب ألا يدعوهما في وجوههما بأسمائهما فإنه من الجفاء، بل يقول يا أبتاه، يا أماه. وفي قوله تعالى (عندك) من قوله: إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ .... نكتة لطيفة إذ تفيد في هذا المقام: أنهما إذا كانا كلّا على ولدهما، ولا كافل لهما غيره فهما عنده في بيته وكنفه، وذلك أشقّ عليه، فهو مأمور بأن يستعمل معهما لين الخلق، حتى لا يقول لهما إذا أضجره شئ منهما أف، فضلا عما يزيد عليه، وقد أوصى الله بهما في الآية أبلغ ما تكون الوصية، حيث افتتحها بأن قرن الإحسان إليهما بتوحيده، ثم ضيّق الأمر في مراعاتهما حتى لم

стр. 2898

يرخّص في أدنى كلمة تنفلت من المتضجر مع موجبات الضجر، ومع أحوال لا يكاد يصبر الإنسان معها ثم قال تعالى: وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ أي تواضع لهما بفعلك. والمعنى: واخفض لهما جناحك الذليل من الرحمة، أي من فرط رحمتك لهما، وعطفك عليهما، لكبرهما وافتقارهما اليوم إلى من كان أفقر خلق الله إليهما بالأمس، وفسّرها الزّجّاج بقوله: وألن جانبك متذللا لهما من مبالغتك في الرحمة لهما وَقُلْ أي في كبرهما وعند وفاتهما رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً أي ولا تكتف برحمتك عليهما التي لا بقاء لها وادع الله بأن يرحمهما رحمته الباقية، واجعل ذلك جزاء لرحمتهما عليك في صغرك وتربيتهما لك. قال النسفي: والمراد بالخطاب غيره ﵇، والدعاء مختص بالأبوين المسلمين (أي بعد الوفاة) أقول: يدعو للأبوين الكافرين وهما حيّان بالهداية. أما بعد الوفاة فلا يجوز الاستغفار لهما إلا بشرط الإيمان، كما مر معنا في سورة التوبة رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ أي بما في ضمائركم، ومن ذلك ما يفيد السياق: من قصد البر إلى الوالدين، ومن النشاط والكرامة في خدمتهما إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ في نيّاتكم وأعمالكم، أي قاصدين الصلاح فيهما فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ الأوّاب: الذي إذا أذنب بادر إلى التوبة غَفُوراً هو عام في كل من فرطت منه جناية ثم تاب منها، ويندرج تحته الجاني على أبويه، التائب من جنايته لوروده على أثره، كما يفهمه السياق، ومن ثمّ فسّر الآية سعيد بن جبير: أنّها في الرّجل تكون منه البادرة إلى أبويه: وفي نيته وقلبه أنه لا يؤخذ به. وفي رواية: لا يريد إلا الخير. وفي تفسير كلمة الأوّابين أكثر من رأي سنراه في الفوائد. ثمّ لمّا ذكر تعالى برّ الوالدين، عطف بذكر الإحسان إلى القرابة، وصلة الرحم، وإيتاء المساكين وأبناء السبيل فقال: وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ أي ذا القرابة منك أيها المكلف حقّه، وحقّه المفروض هو النفقة إذا كانوا محارم فقراء والمواساة لكل ذي قربى إذا وجد الاحتياج وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ أي وآت هؤلاء حقوقهم وحقوقهم المفروضة إنما هي الزكاة والمواساة عند المتربة والمخمصة. ثم لما أمر بالإنفاق نهى عن الإسراف فيه بل يكون وسطا فقال: وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً أي ولا تسرف إسرافا. ثم قال: منفّرا عن التبذير والسرف إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ أي أمثالهم وأشباههم في التبذير والسفه وترك طاعة الله وارتكاب معصيته وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً أي جحودا لأنه أنكر نعمة الله عليه، ولم يعمل بطاعته، بل أقبل على معصيته ومخالفته، فما ينبغي أن يتشبّه به ولا أن يطاع فإنه لا يدعو إلا إلى مثل فعله، وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ

стр. 2899

رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها أي إذا سألك أقاربك ومن أمرناك بإعطائهم وليس عندك شئ وأعرضت عنهم لفقد النفقة فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً أي عدهم وعدا حسنا بسهولة ولين. كقولك: إذا جاء رزق الله فسنصلكم إن شاء الله، أو كقولك رزقنا الله وإياكم من فضله، على أنه دعاء لهم ييسر عليهم فقرهم، وقد سمّى الرزق رحمة. فدلّ ذلك على أنّ الرزق الحسن نعمة إذا قوبلت بالشكر. والمعنى الدقيق للآية وإن أعرضت عن ذي القربى والمسكين وابن السبيل حياء من الرد لفقد رزق من ربك ترجو أن يفتح لك، فردّهم ردّا جميلا، ثمّ أمر تعالى بالاقتصاد في العيش، ذامّا للبخل ناهيا عن السرف وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ أي لا تكن بخيلا منوعا لا تعطي أحدا وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ أي ولا تسرف في الإنفاق فتعطي فوق طاقتك، وتخرج أكثر من دخلك فَتَقْعُدَ مَلُوماً إن بخلت مَحْسُوراً إن أسرفت. والمحسور: هو الكليل المنقطع. أي ومتى بسطت يدك فوق طاقتك قعدت بلا شئ تنفقه، فتكون كالحسير الذي عجز عن السفر فوقف ضعفا وعجزا. وقد يكون اللوم والحسر بآن واحد للمسرف. فالمسرف ملوم عند الله وعند الناس يقول الفقير: أعطى فلانا وحرمني. ويقول الغني: ما يحسن تدبير أمر المعيشة، والمسرف ملوم عند نفسه فهو إذا احتاج ندم. وفي ذكر الغل والبسط في الآية تمثيل لمنع الشحيح وإعطاء المسرف. وفي الآية أمر بالاقتصاد الذي هو بين الإسراف والتقتير إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ فليس بسط الرزق إليك وَيَقْدِرُ أي وهو الذي يضيّق فلا لوم عليك، يغني من يشاء ويفقر من يشاء لما له في ذلك من الحكمة إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بمصالحهم فيمضيها بَصِيراً بحوائجهم فيقضيها. وفي الآية تسلية لرسول الله ﷺ ممّا يرهقه من الضيق بأن ذلك ليس لهوان منك عليه، ولا لبخل به عليك، ولكن لأن بسط الأرزاق وقدرها مفوّض إلى الله تعالى، فهو الرازق القابض الباسط المتصرف في خلقه بما يشاء. فيغني من يشاء ويفقر من يشاء لما له في ذلك من الحكمة، فهو الخبير البصير بمن يستحق الغنى ومن يستحق الفقر، كما جاء في الحديث: «إن من عبادي لمن لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسدت عليه دينه، وإن من عبادي لمن لا يصلحه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسدت عليه دينه» وقد يكون الغني في حق بعض الناس استدراجا والفقر عقوبة- عياذا بالله من هذا وهذا- وقد يقلّب الله أقواما في هذا وهذا ليبلوهم، وقد جعل الله رسوله ﷺ هو الأسوة في الأحوال كلها ليقتدي به الجميع وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ

стр. 2900

أي خوف أن تفتقروا نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ نهاهم عن قتلهم وضمن أرزاقهم إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً أي إثما عظيما. وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود «قلت: يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك. قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك. قلت: ثم أي؟ قال: أن تزاني بحليلة جارك.» قال ابن كثير في الآية: هذه الآية دالة على أن الله تعالى أرحم بعباده من الوالد بولده، لأنه نهى عن قتل الأولاد، كما أوصى الآباء بالأولاد في الميراث، وكان أهل الجاهلية لا يورّثون البنات بل كان أحدهم ربما قتل ابنته لئلا تكثر عيلته فنهى الله تعالى عن ذلك وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى هذا نهي عن مقاربة الزنى ومخالطة أسبابه ودواعيه كالمس والقبلة والخلطة فضلا عن الزنى نفسه إِنَّهُ أي الزنى كانَ فاحِشَةً أي معصية مجاوزة حد الشرع والعقل وَساءَ سَبِيلًا أي وبئس طريقا طريقه، وبئس مسلكا مسلكه. ثم نهى الله عن قتل النفس بغير حق شرعي وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ بأن ترتكب ما يبيح الدم، أو بأن كانت مباحة الدم أصلا كالحربي. وفي الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والزاني المحصن، والتارك لدينه المفارق للجماعة». وفي السنن: «لزوال الدنيا عند الله أهون من قتل مسلم». وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً أي غير مرتكب ما يبيح الدم فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً أي تسلطا على القاتل. فإنه بالخيار فيه إن شاء قتله قودا، وإن شاء عفا عنه على الدية، وإن شاء عفا عنه مجانا، لما ثبتت السنة بذلك فَلا يُسْرِفْ أي الولي فِي الْقَتْلِ بأن يمثل به أو يقتص من غير القاتل إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً أي إن الولي منصور على القاتل شرعا وعرفا وقدرا، قال النسفي وهو من الحنيفة: وظاهر الآية يدل على أن القصاص يجري بين الحر والعبد، وبين المسلم والذمي. لأن أنفس أهل الذمة داخلة في الآية لكونها محرمة. أقول: في هذا خلاف بين العلماء وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ أي إلا بالخصلة والطريقة التي هي أحسن، وهي حفظه وتثميره حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ قال النسفي: (أي ثماني عشرة سنة). وفي أول سورة النساء تفصيل لما له علاقة بهذا وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ مع الله بحفظ أوامره ونواهيه، ومع الناس بما تعاهدونهم عليه، وبما تعاقدونهم عليه في المعاملات؛ فإن العهد والعقد كل منهما يسأل صاحبه عنه إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا أي عنه، أو مطلوبا يطلب من

стр. 2901

المعاهد ألا يضيعه، أو إن صاحب العهد كان مسئولا عنه وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ أي من غير تطفيف ولا تبخسوا الناس أشياءهم وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ أي الميزان الْمُسْتَقِيمِ المعتدل الذي لا اعوجاج فيه ولا انحراف ولا اضطراب ذلِكَ خَيْرٌ أي لكم في معاشكم ومعادكم وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا أي عاقبة أي مآلا ومنقلبا. من آل، إذا رجع، قال قتادة في تفسيرها: أي خير ثواب وأحسن عاقبة وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ أي ولا تتبع ما لم تعلم إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ أي هذه الصفات من السمع والبصر والفؤاد كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا قال ابن كثير: أي سيسأل العبد عنها يوم القيامة، وتسأل عنه وعما عمل فيها. وقال النسفي: يقال للإنسان لم سمعت ما لم يحل لك سماعه. ولم نظرت إلى ما لا يحل لك النظر إليه، ولم عزمت على ما لم يحل لك العزم عليه، ثم نهى الله عباده عن التجبر والتبختر في المشية فقال: وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً أي ذا مرح أي متبخترا متمايلا مشي الجبارين إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ أي لن تجعل فيها خرقا بدوسك لها، وشدة وطأتك وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا أي بتطاولك وتمايلك وفخرك وإعجابك بنفسك كُلُّ ذلِكَ مما مر كانَ سَيِّئُهُ أي قبيحه كالزنا والإسراف والعقوق ... عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً ثم بين الله أن ما أمر به من الأخلاق الجميلة، ونهى عنه من الصفات الرذيلة؛ هو من الحكمة التي أوحاها الله لرسوله ﷺ ليأمر بها الناس فقال: ذلِكَ قال النسفي عنها: إشارة إلى ما تقدم من قوله لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ إلى هذه الغاية أقول أي إشارة إلى المجموعة التي نحن بصددها مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ قال النسفي: أي مما يحكم العقل بصحته وتصلح النفس بأسوته،. أقول: وكل ما صدر عن الله من فعل أو أمر أو نهي أو كلام هو عين الحكمة، ومنه هذه الأوامر والنواهي وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً افتتحت هذه الأوامر والنواهي بالنهي عن الشرك، وختمت به، لأن التوحيد رأس كل حكمة وملاكها، ومن عدمه لم تنفعه حكمة، وإن حيّر الحكماء وطار في جو السماء. قال النسفي: وما أغنت عن الفلاسفة أسفار الحكم وهم عن دين الله أضل من النعم. فَتُلْقى أي إذا أشركت فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً أي تلومك نفسك، ويلومك الله والخلق مَدْحُوراً أي مطرودا من الرحمة. قال ابن كثير: والمراد من هذا الخطاب الأمة بواسطة الرسول ﷺ فإنه صلوات الله وسلامه عليه معصوم. وبعد هذه الجولة الطويلة من

стр. 2902

الأوامر والنواهي، التي تظهر فيها عين الحكمة، وكلها أثر عن التوحيد، يذكر الله موقفا من مواقف أهل الشرك كله سفه، وكله خطأ، وكله فظاعة وشناعة؛ ليظهر الفارق الكبير بين دين الله وبين ما ابتدعه الناس، وبضدها تتميز الأشياء. وهذا الموقف هو اتخاذ المشركين الملائكة آلهة بعد تسميتهم إناثا، وجعلهم بنات الله، فأخطئوا ثلاث مرات، كل مرة فيها من الشناعة أبشعها أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ أي أخصكم بالذكور وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً أي واختار لنفسه- على زعمكم- البنات. ثم شدّد الإنكار عليهم فقال: إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيماً أي في زعمكم أن لله ولدا، ثم جعلكم ولده الإناث التي تأنفون أن يكنّ لكم، وربما قتلتموهن بالوأد. والمعنى الدقيق: أفخصّكم ربكم على وجه الخصوص والصفاء بأفضل الأولاد- وهم البنون- واتخذ أدونهم في مفاهيمكم وهي البنات؟. إن هذا خلاف ما عليه عقولكم. فالعبيد لا يؤثرون بأجود الأشياء وأصفاها، ويكون أردؤها وأدونها للسادات، إن كلامكم هذا كلام فظيع حيث أضفتم إلى الله الأولاد، وهي من خواص الأجسام ثم فضلتم عليه أنفسكم حيث تجعلون له ما تكرهون، ثم تعبدونها وتشركون، وبهذا انتهت المجموعة الثالثة: وانتهى بذلك المقطع الأول من سورة الإسراء كلمة في السياق: [حول تفصيل المجموعة في حيز المحور وعرض لمعانيها] رأينا أن سورة الإسراء تفصّل في حيّز قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ. وتفصّل من حيز هذه الآية قوله تعالى: سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ. وعلى هذا فمعانيها تدور حول جوانب من الإسلام، أو نوع من خطوات الشيطان، أو أخذ عبرة من بني إسرائيل، أو عرض لعقوبات الله التي ينزلها بمن كفر نعمه، وهذا المقطع الذي مرّ معنا تحدث عما أنزل الله على موسى ﵇، وموقف بني إسرائيل من هذا الوحي، وما عاقبهم الله به، ثم حدثنا الله عن القرآن الكريم، وبعض سنن الله في الأخذ والعقاب والمنع والعطاء في الدنيا والآخرة. ثم تأتي المجموعة الأخيرة آمرة ناهية، ومجيئها في هذا السياق يدلنا على أن طريق الشكر هو هذا، أو على أن هذا جزء من الإسلام ينبغي الالتزام به، وختم المقطع بذكر خطوة من خطوات الشيطان فظيعة هي جعل الملائكة بنات الله فالمقطع فصّل في جزاء من يترك الدخول في الإسلام في الدنيا

стр. 2903

والآخرة، وجزاء من ينحرف عن دين الله بعد دخوله فيه، وبعضا من مكارم الأخلاق التي يأمر بها هذا الدين، وبعضا من سيئات الأخلاق التي ينهى عنها. وهذه المجموعة الأخيرة نموذج على هداية هذا القرآن للتي هي أقوم فهي مرتبطة بمقدمة المجموعة السابقة عليها، وهي وما قبلها مرتبطة بالمجموعة الأولى التي فيها بيان لما فعل ببني إسرائيل لمّا انحرفوا عن الوحي الذي نزل عليهم. فالأولى تعظ، والثانية تقرر، والثالثة تأمر وتنهى. ليقدم بذلك المقطع الأول للمقطع الثاني الذي يبيّن أن الحجة تقوم بهذا القرآن، ومع ذلك ينفر منه الكافرون، ويرد على مواقفهم. ومن ثم نجد بداية المقطع الثاني وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُوراً. ولا نستعجل الكلام عن المقطع الثاني. ولننقل بعض الفوائد والنقول ذات الصلة بالمجموعة الأخيرة نقول [من الظلال]: ١ - [حول النهي عن الزنا في قوله تعالى وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً .. ] قال صاحب الظلال بمناسبة النهي عن الزنا: «ومن النهي عن قتل الأولاد إلى النهي عن الزنا وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا .. وبين قتل الأولاد والزنا صلة ومناسبة، وقد توسط النهي عن الزنا بين النهي عن قتل الأولاد والنهي عن قتل النفس- لذات الصلة وذات المناسبة. إن في الزنا قتلا من نواحي شتى، إنه قتل ابتداء لأنه إراقة لمادة الحياة في غير موضعها، يتبعه غالبا الرغبة في التخلص من آثاره بقتل الجنين قبل أن يتخلّق أو بعد أن يتخلّق، قبل مولده، أو بعد مولده فإذا ترك الجنين للحياة ترك في الغالب لحياة شريرة، أو حياة مهينة، فهي حياة مضنية في المجتمع على نحو من الأنحاء .. وهو قتل في صورة أخرى. قتل للجماعة التي يفشو فيها، فتضيع الأنساب وتختلط الدماء، وتذهب الثقة في العرض والولد، وتتحلل الجماعة وتتفكك روابطها، فتنتهي إلى ما يشبه الموت بين الجماعات. وهو قتل للجماعة من جانب آخر، إذ إن سهولة قضاء الشهوة عن طريقه يجعل الحياة الزوجية نافلة لا ضرورة لها، ويجعل الأسرة تبعة لا داعي إليها، والأسرة هي المحضن الصالح للفراخ الناشئة، لا تصح فطرتها ولا تسلّم تربيتها إلا فيه. وما من أمة فشت فيها الفاحشة إلا صارت إلى انحلال، منذ التاريخ القديم إلى العصر

стр. 2904

الحديث، وقد يقر بعضهم أن أوربا وأمريكا تملكان زمام القوة المادية اليوم مع فشو هذه الفاحشة فيها. ولكن آثار هذا الانحلال في الأمم القديمة منها كفرنسا ظاهرة لا شك فيها. أما في الأمم الفتية كالولايات المتحدة، فإن فعلها لم تظهر بعد آثاره بسبب حداثة هذا الشعب واتساع موارده كالشاب الذي يسرف في شهواته فلا يظهر أثر الإسراف في بنيته وهو شاب ولكنه سرعان ما يتحطم عند ما يدلف إلى الكهولة فلا يقوى على احتمال آثار السن كما يقوى عليها المعتدلون من أنداده! والقرآن يحذر من مجرد مقاربة الزنا. وهي مبالغة في التحرّز، لأن الزنا تدفع إليه شهوة عنيفة فالتحرز من المقاربة أضمن، فعند المقاربة من أسبابه لا يكون هناك ضمان. ومن ثم يأخذ الإسلام الطريق على أسبابه الدافعة، توقّيا للوقوع فيه .. يكره الاختلاط في غير ضرورة. ويحرم الخلوة، وينهى عن التبرج بالزينة. ويحضّ على الزواج لمن استطاع، ويوصي بالصوم لمن لا يستطيع، ويكره الحواجز التي تمنع من الزواج كالمغالاة في المهور. وينفي الخوف من العيلة والإملاق بسبب الأولاد. ويحضّ على مساعدة من يبتغون الزواج ليحصنوا أنفسهم، ويوقع أشد العقوبة على الجريمة حين تقع، وعلى رمي المحصنات الغافلات دون برهان .... إلى آخر وسائل الوقاية والعلاج، ليحفظ الجماعة الإسلامية من التردي والانحلال.». ٢ - [حول موضوع النهي عن القتل في قوله تعالى وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِ] وبمناسبة النهي عن القتل قال صاحب الظلال: والإسلام دين الحياة ودين السلام، فقتل النفس عنده كبيرة تلي الشرك بالله، فالله واهب الحياة، وليس لأحد غير الله أن يسلبها إلا بإذنه، وفي الحدود التي يرسمها. وكل نفس هي حرم لا يمس، وحرام إلا بالحق، وهذا الحق الذي يبيح قتل النفس محدد لا غموض فيه، وليس متروكا للرأي ولا متأثرا بالهوى. وقد جاء في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله الله وأن محمدا رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والزاني المحصن، والتارك لدينه المفارق للجماعة». فأما الأولى: فهي القصاص العادل الذي إن قتل نفسا فقد ضمن الحياة لنفوس وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ حياة بكف يد الذين يهمون بالاعتداء على الأنفس والقصاص ينتظرهم فيردهم قبل الإقدام على الفعلة النكراء. وحياة بكف يد أصحاب

стр. 2905

الدم أن تثور نفوسهم فيثأروا ولا يقفوا عند القاتل، بل يمضوا في الثأر، ويتبادلوا القتل فلا يقف هذا الفريق وذاك حتى تسيل دماء ودماء. وحياة بأمن كل فرد على شخصه واطمئنانه إلى عدالة القصاص، فينطلق آمنا يعمل وينتج فإذا الأمة كلها في حياة. وأما الثانية: فهي دفع للفساد القاتل في انتشار الفاحشة، وهي لون من القتل على النحو الذي بيّناه. وأما الثالثة: فهي دفع للفساد الروحي الذي يشيع الفوضى في الجماعة، ويهدد أمنها ونظامها الذي اختاره الله لها، ويسلمها إلى الفرقة القاتلة، والتارك لدينه المفارق للجماعة إنما يقتل لأنه اختار الإسلام لم يجبر عليه، ودخل في جسم الجماعة المسلمة، واطلع على أسرارها، فخروجه بعد ذلك عليها فيه تهديد لها. ولو بقي خارجها ما أكرهه أحد على الإسلام. بل لتكفل الإسلام بحمايته إن كان من أهل الكتاب، وبإجارته وإبلاغه مأمنه إن كان من المشركين وليس بعد ذلك سماحة للمخالفين في العقيدة. وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ .. وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً. تلك الأسباب الثلاثة هي المبيحة للقتل، فمن قتل مظلوما بغير واحد من تلك الأسباب فقد جعل الله لوليه- وهو أقرب عاصب إليه- سلطانا على القاتل، إن شاء قتله وإن شاء عفا على الدية، وإن شاء عفا عنه بلا دية، فهو صاحب الأمر في التصرف في القتل، لأن دمه له. وفي مقابل هذا السلطان الكبير ينهاه الإسلام عن الإسراف في القتل استغلالا لهذا السلطان الذي منحه إياه، والإسراف في القتل يكون بتجاوز القاتل إلى سواه ممن لا ذنب لهم- كما يقع في الثأر الجاهلي الذي يؤخذ فيه الآباء والأقارب بغير ذنب إلا أنهم من أسرة القاتل- ويكون الإسراف كذلك بالتمثيل بالقاتل، والولي مسلّط على دمه بلا مثلة. فالله يكره المثلة والرسول ﷺ قد نهى عنها فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً. يقضي له الله، ويؤيده الشرع، وينصره الحاكم. فليكن عادلا فى قصاصه، وكل السلطات تناصره وتأخذ له بحقه. وفي تولية صاحب الدم على القصاص من القاتل، وتجنيد سلطان الشرع وسلطان

стр. 2906

الحاكم لنصرته تلبية للفطرة البشرية، وتهدئة للغليان الذي تستشعره نفس الولي. الغليان الذي قد يجرفه ويدفعه إلى الضرب يمينا وشمالا في حمى الغضب والانفعال على غير هدى فأما حين يحس أن الله قد ولّاه على دم القاتل، وأن الحاكم مجند لنصرته على القصاص، فإن ثائرته تهدأ ونفسه تسكن ويقف عند حد القصاص العادل الهادئ. والإنسان إنسان فلا يطالب بغير ما ركب في فطرته من الرغبة العميقة في القصاص لذلك يعترف الإسلام بهذه الفطرة ويلبيها في الحدود المأمونة، ولا يتجاهلها فيفرض التسامح فرضا، إنما هو يدعو إلى التسامح ويؤثره ويحبب فيه، ويؤجر عليه. ولكن بعد أن يعطي الحق. فلولي الدم أن يقتص أو يصفح، وشعور ولي الدم بأنه قادر على كليهما قد يجنح به إلى الصفح والتسامح، أما شعوره بأنه مرغم على الصفح فقد يهيج نفسه ويدفع به إلى الغلو والجماح!». ٣ - [بمناسبة قوله تعالى وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ .. ] وبمناسبة النهي عن قفو ما ليس للإنسان به علم قال صاحب الظلال: «والعقيدة الإسلامية عقيدة الوضوح والاستقامة والنصاعة. فلا يقوم شئ فيها على الظن أو الوهم أو الشبهة: وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ، إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا. وهذه الكلمات القليلة تقيم منهجا كاملا للقلب والعقل، يشمل المنهج العلمي الذي عرفته البشرية حديثا جدا، ويضيف إليه استقامة القلب ومراقبة الله، ميزة الإسلام على المناهج العقلية الجافة. فالتثبّت من كل خبر ومن كل ظاهرة ومن كل حركة قبل الحكم هو دعوة القرآن الكريم ومنهج الإسلام الدقيق ومتى استقام القلب والعقل على هذا المنهج لم يبق مجال للوهم والخرافة في عالم العقيدة. ولم يبق مجال للظن والشبهة في عالم الحكم والقضاء والتعامل، ولم يبق مجال للأحكام السطحية والفروض الوهمية في عالم البحوث والتجارب والعلوم. والأمانة العلمية التي يشيد بها الكثيرون في العصر الحديث ليست سوى طرف من الأمانة العقلية القلبية التي يعلن القرآن تبعتها الكبرى، ويجعل الإنسان مسئولا عن سمعه وبصره وفؤاده، أمام واهب السمع والبصر والفؤاد. إنها أمانة الجوارح والحواس والعقل والقلب، أمانة يرتعش الوجدان لدقتها وجسامتها كلما نطق اللسان بكلمة، وكلما روى الإنسان رواية، وكلما أصدر حكما على

стр. 2907

شخص أو أمر أو حادثة. وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ولا تتبع ما لم تعلمه علم اليقين، وما لم تتثبت من صحته: من قول يقال ورواية تروى. ومن ظاهرة تفسر أو واقعة تعلل. ومن حكم شرعي أو قضية اعتقادية. وفي الحديث: «إياكم والظن فإن أكذب الحديث». وفي سنن أبي داود: «بئس مطية الرجل: زعموا» وفي الحديث الآخر: «إن أفرى الفرى أن يري الرجل عينيه ما لم تريا». وهكذا تتضافر الآيات والأحاديث على تقرير ذلك المنهج الكامل المتكامل الذي لا يأخذ العقل وحده بالتحرج في أحكامه، والتثبت في استقرائه؛ إنما يصل ذلك التحرج بالقلب في خواطره وتصوراته، وفي مشاعره وأحكامه، فلا يقول اللسان كلمة ولا يروي حادثة ولا ينقل رواية، ولا يحكم العقل حكما ولا يبرم الإنسان أمرا إلا وقد تثبّت من كل جزئية ومن كل ملابسة ومن كل نتيجة، فلم يبق هناك شك ولا شبهة في صحتها إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ حقا وصدقا .. فوائد المجموعة الثالثة: ١ - [حديث حول آية لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولًا] بمناسبة قوله تعالى: لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولًا يذكر ابن كثير ما رواه الإمام أحمد والترمذي بسند حسن صحيح غريب عن رسول الله ﷺ قال: «من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته، ومن أنزلها بالله أرسل الله له بالغنى إما آجلا وإما غنى عاجلا». ٢ - [كلام ابن كثير عند قوله تعالى وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً] بمناسبة قوله تعالى: وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً. قال ابن كثير: وقد جاء في بر الوالدين أحاديث كثيرة منها الحديث المروي من طرق عن أنس وغيره أن النبي ﷺ لما صعد المنبر قال: «آمين آمين آمين» قيل يا رسول الله علام أمّنت؟ قال: «أتاني جبريل فقال يا محمد رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل عليك، ثم قال: رغم أنف رجل أدرك والديه أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة، قل آمين، فقلت: آمين». وروى الإمام أحمد .... عن أبي أسيل وهو مالك بن ربيعة الساعدي قال: فبينما أنا جالس عند رسول الله ﷺ إذ جاءه رجل من الأنصار فقال يا رسول الله هل بقي عليّ من بر أبويّ شئ بعد موتهما أبرهما به؟ قال: «نعم خصال أربع: الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما، وإكرام صديقهما، وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا من قبلهما فهو

стр. 2908

الذي بقي عليك من برّهما بعد موتهما» ورواه أبو داود وابن ماجه من حديث عبد الرحمن بن سليمان. روى الإمام أحمد ... عن معاوية بن جاهمة السلمي أن جاهمة جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أردت الغزو وجئتك أستشيرك؟ فقال: «فهل لك من أمّ؟» قال نعم. قال: «فالزمها فإن الجنة عند رجليها» ثم الثانية ثم الثالثة في مقاعد شتى كمثل هذا القول، ورواه النسائي وابن ماجه من حديث ابن جريج به. وروى الإمام أحمد ... عن المقدام بن معد يكرب عن النبي ﷺ قال: «إن الله يوصيكم بآبائكم، إن الله يوصيكم بأمهاتكم، إن الله يوصيكم بأمهاتكم، إن الله يوصيكم بأمهاتكم، إن الله يوصيكم بالأقرب فالأقرب». وأخرجه ابن ماجه من حديث عبد الله بن عياش به». ٣ - [تفسير لكلمة (الأواب) في قوله تعالى فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً] رأينا تفسير الأوّاب في صلب التفسير غير أن بعض المفسرين فسره بعلامة من علاماته. وقد جمع ابن كثير هذه الأقوال. قال: قال سعيد بن جبير هو الرجل تكون منه البادرة إلى أبويه وفي نيته وقلبه أنه لا يؤخذ به، وفي رواية لا يريد إلا الخير بذلك فقال: رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ وقوله فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً قال قتادة للمطيعين أهل الصلاة. وعن ابن عباس: المسبّحين وفي رواية عنه المطيعين المحسنين، وقال بعضهم: هم الذين يصلون بين العشاءين. وقال بعضهم: هم الذين يصلون الضحى، وقال شعبة عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب في قوله فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً قال: الذين يصيبون الذنب ثم يتوبون: ويصيبون الذنب ثم يتوبون، وكذا رواه عبد الرزاق عن الثوري ومعمر عن يحيى بن سعيد عن ابن المسيب بنحوه. وكذا رواه الليث وابن جرير عن ابن المسيب به، وقال عطاء بن يسار وسعيد بن جبير ومجاهد: هم الراجعون إلى الخير، وقال مجاهد عن عبيد ابن عمير في الآية هو الذي يذكر ذنوبه في الخلاء فيستغفر الله منها ووافقه مجاهد في ذلك، وقال عبد الرزاق حدثنا محمد بن مسلمة عن عمرو بن دينار عن عبيد بن عمير في قوله: فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً قال: كنا نعد الأواب الحفيظ أن يقول: اللهم اغفر لي ما أصبت في مجلسي هذا، قال ابن جرير: والأولى في ذلك قول من قال هو التائب من الذنب الرجّاع من المعصية إلى الطاعة، مما يكره الله إلى ما يحبه ويرضاه، وهذا الذي قاله هو الصواب لأن الأوّاب مشتق من الأوب وهو الرجوع. يقال: آب

стр. 2909

فلان إذا رجع قال تعالى: إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ (الغاشية: ٢٥) وفي الحديث الصحيح أن رسول الله صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلّم كان إذا رجع من سفر قال: «آئبون تائبون لربنا حامدون». ٤ - [اتجاه آخر لمعنى التبذير في الآية وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ .. ] ذكرنا في صلب التفسير ما يفيد معنى التبذير، ونذكر هنا أن هناك اتجاها ثانيا في تفسير التبذير تفسره هذه الحادثة: أنفق بعضهم نفقة في خير فأكثر فقال له صاحبه: لا خير في السرف. فقال: لا سرف في الخير. قال ابن مسعود: التبذير الإنفاق في غير حق، وكذا قال ابن عباس، وقال مجاهد: لو أنفق إنسان ماله كله في الحق لم يكن مبذّرا، ولو أنفق مدّا في غير حق كان مبذرا. وقال قتادة: التبذير النفقة في معصية الله تعالى، وفي غير الحق، والفساد. ٥ - [الحقوق المالية المفروضة على المسلم] قد رأينا أن الحق المفروض لذي القربي هو النفقة إن كان فقيرا، وتفصيل ذلك في كتب الفقه. والحق المفروض للمسكين وابن السبيل الزكاة. وفي المال حق سوى الزكاة. وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد ما يلقي ضوءا على هذا الموضوع. روى الإمام أحمد عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: أتى رجل من بني تميم إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله: إني ذو مال كثير، وذو أهل وولد وحاضرة، (أي قرابة) فأخبرني كيف أنفق وكيف أصنع؟ فقال رسول الله ﷺ : «تخرج الزكاة من مالك إن كان؛ فإنها طهرة تطهّرك، وتصل أقرباءك، وتعرف حق السائل والجار والمسكين» فقال: يا رسول الله أقلل؟ قال: «فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذّر تبذيرا» فقال: حسبي يا رسول الله إذا أديت الزكاة إلى رسولك فقد برئت منها إلى الله وإلى رسوله؟ فقال رسول الله ﷺ : «نعم إذا أديتها إلى رسولي فقد برئت منها ولك أجرها، وإثمها على من بدّلها». ٦ - [حديثان بمناسبة قوله تعالى وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى] وبمناسبة قوله تعالى: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى يذكر ابن كثير حديثين: أولهما: أخرج الإمام أحمد عن أبي أمامة: أن فتى شابا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ائذن لي بالزنا، فأقبل القوم عليه فزجروه وقالوا: مه مه فقال: «ادنه» فدنا منه قربيا فقال: «اجلس» فجلس فقال: «أتحبه لأمك»؟ قال: لا والله، جعلني الله فداك قال: «ولا الناس يحبونه لأمهاتهم» قال: «أفتحبه لابنتك؟» قال: لا والله يا رسول الله جعلني الله فداك. قال: «ولا الناس يحبونه لبناتهم». قال: «أفتحبه لأختك؟» قال: لا والله جعلني الله فداك. قال: «ولا الناس يحبونه لأخواتهم». قال: أفتحبه

стр. 2910

لعمّتك؟» قال: لا والله جعلني الله فداك. قال: «ولا الناس يحبونه لعماتهم». قال: «أفتحبه لخالتك؟» قال: لا والله جعلني الله فداك. قال: «ولا الناس يحبونه لخالاتهم». قال: فوضع يده عليه وقال: «اللهم اغفر ذنبه وطهّر قلبه وأحصن فرجه» قال: فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شئ. ثانيهما: أخرج ابن أبي الدنيا بسنده عن الهيثم بن مالك الطائي عن النبي ﷺ قال: «ما من ذنب بعد الشرك أعظم عند الله من نطفة وضعها رجل في رحم لا يحل له». ٧ - [فهم ابن عباس الدقيق للآية وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً .. ] لابن عباس ترجمان القرآن فهوم دقيقة لكتاب الله من ذلك ما ذكره ابن كثير عند قوله تعالى: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً. قال ابن كثير: وقد أخذ الإمام الحبر ابن عباس من عموم هذه الآية الكريمة ولاية معاوية السلطنة أنه سيملك، لأنه كان ولي عثمان، وقد قتل عثمان مظلوما ﵁، وكان معاوية يطالب عليا رضي الله أن يسلمه قتلته حتى يقتص منهم، لأنه أمويّ، وكان علي ﵁ يستمهله في الأمر حتى يتمكن ويفعل ذلك، ويطلب علي من معاوية أن يسلّمه الشام، فيأبى معاوية ذلك حتى يسلمه القتلة، وأبى أن يبايع عليا هو وأهل الشام، ثم مع المطاولة تمكن معاوية وصار الأمر إليه، كما تفاءل ابن عباس واستنبطه من هذه الآية الكريمة، وهذا من الأمر العجيب، وقد روى ذلك الطبراني في معجمه حيث قال: ... عن زهدم الجرمي: كنا في سمر ابن عباس، فقال إني محدثكم بحديث ليس بسر ولا علانية، إنه لما كان من أمر هذا الرجل ما كان- يعني عثمان- قلت لعلي: اعتزل فلو كنت في جحر طلبت حتى تستخرج فعصاني، وأيم الله ليتأمّرنّ عليكم معاوية وذلك أن الله يقول: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ الآية. وليحملنكم قريش أي يا قريش على سنة فارس والروم، وليقيمن عليكم النصارى واليهود والمجوس، فمن أخذ منكم يومئذ بما يعرف نجا، ومن ترك- وأنتم تاركون- كنتم كقرن من القرون، هلك فيمن هلك» ٨ - [حديث بمناسبة الآية وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ] وبمناسبة قوله تعالى: وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ. ذكر ابن كثير الحديث الذي رواه الإمام مسلم: أن رسول الله ﷺ قال لأبي ذر: «يا أبا ذر إني أراك ضعيفا وإني أحب لك ما أحب لنفسي لا تأمّرن على اثنين، ولا تولين مال يتيم». ٩ - [ما قاله ابن عباس عند آية وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ .. ] وبمناسبة قوله تعالى: وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ قال ابن كثير: وابن عباس
следующие страницы →