← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وَلا تَكْفُرُونِ. وجاء هذا المقطع ليدلنا على جوانب في الذكر والشكر والكفران. فالاستعانة بالصبر والصلاة ذكر. ومن ذكر الله بالصبر ذكره الله بالرحمة. ومن شكر الله، السعي بين الصفا والمروة. ومن الكفران، كتمان ما أنزل الله. وجزاء الكفران، اللعنة. ورأس الذكر والشكر، التوحيد. وإن مما يدل على التوحيد ويستخرج به الذكر والشكر ما أنعم الله على الإنسان من كثير النعم. ومع أن مقتضيات الذكر والشكر كثيرة فهناك ناس يتخذون من دون الله أندادا ... على هذه الشاكلة تتسلسل المعاني في هذا المقطع، وصلة ذلك في الآية السابقة مباشرة على المقطع واضحة جدا. ٢ - بدأ هذا القسم بالدعوة إلى العبادة والتوحيد للتحقق بالتقوى. ونفر عن السلوك المؤدي إلى الكفر والنفاق والفسوق. ثم جاء مقطع آدم، فمقطع بني إسرائيل الذي كان في بدايته النهي عن كتمان الحق وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ وكان فيه حوار مع أهل الكتاب، ثم جاء مقطع إبراهيم وفيه تركيز على الكعبة وذكر للمناسك، ثم جاء مقطع القبلة، ثم جاء المقطع الأخير في القسم، وله صلة بذلك كله: فمواقف أعداء الله تحتاج إلى استعانة بالصبر والصلاة، وهما عبادة، وارتباط ذلك بالأمر بالعبادة وبالأمر الذي وجه لبني إسرائيل ولم يعقلوه وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ. وبالحوار معهم، وبالقبلة، واضح. والصفا والمروة من شعائر الله. فالكلام عنهما استكمال للكلام الذي بدأ في مقطع إبراهيم. والترهيب من كتمان ما أنزل الله، والترهيب من الكفر هو التحذير المتوقع بعد هذه الجولات الطويلة مع اليهود وغيرهم، وإعلان التوحيد. والتنديد بالمشركين في آخر المقطع هو مظهر الانسجام الكامل بين بداية القسم كله ونهايته. لاحظ كيف أن بداية القسم كانت دعوة لعبادة الله وحده. وتعليلا ونهيا عن الشرك: [سورة البقرة (٢): الآيات ٢١ الى ٢٢] يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)

стр. 317

إن في هذه البداية دعوة إلى العبادة والتوحيد. وتعليلا لهذه الدعوة، كما فيها نهي عن الشرك. وانظر نهاية القسم ففيها إعلان التوحيد. والتعليل له والتحذير من الشرك. الإعلان: وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ. التعليل: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي ...... التحذير: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ. وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ. وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ....... وهكذا نجد أن الصلة بين هداية هذا القسم ونهايته على أوضح ما تكون. وإذا اتضحت الصلة بشكل عام بين هذا المقطع والآية السابقة عليه. وبين هذا المقطع والمقاطع السابقة عليه فلنبدأ عرض المجموعة الأولى من الفقرة الأولى منه. إذ المقطع فقرتان، الفقرة الأولى: تعرض ما هو ذكر وشكر، وتوضح قضايا من الكفر. والفقرة الثانية: تعرض ما هو ذكر وشكر، وتوضح جوانب من الكفر: [الفقرة الأولى] المجموعة الأولى من الفقرة الأولى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ* وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ* وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ* الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ* أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ. الصلة واضحة بين هذه المجموعة وما قبلها من حيث إن جولات الحوار السابقة التي عرضها القرآن بين أهل الإيمان وغيرهم تقتضي تثبيتا ومساعدات على هذا الثبات كما أن جولات الحوار تخللها ما يدل على أن الكافرين والظالمين ستكون لهم مواقف إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وهذا يقتضي ما يقابله بشكل مكافئ. فإذا وقع ما وقع فكيف ينبغي أن تكون مواقف هذه الأمة. مثل هذه المعاني كلها وغيرها انتظمتها المجموعة الأولى في الفقرة الأولى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ.

стр. 318

لما فرغ تعالى من بيان الأمر بالشكر شرع في بيان الصبر والإرشاد إلى ما يتم به، من معرفة بالله وبما أعد للشهداء والصابرين. وقد أمر بهذه الآية بالاستعانة بالصبر والصلاة فهما أجود ما يستعان به على تحمل المصائب. وفي الحديث «إن رسول الله ﷺ كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة» والصبر صبران: صبر على ترك المحارم والمآثم، وصبر على فعل الطاعات والقربات، والثاني أكثر ثوابا، لأنه المقصود. وأما الصبر الثالث وهو الصبر على المصائب والنوائب، فذاك أيضا واجب كالاستغفار من المعايب. ويدخل بالأمر بالاستعانة بالصبر، الصوم لأنه نصف الصبر. كما يدخل بالأمر بالاستعانة بالصلاة قراءة الفاتحة والدعاء. لأن الفاتحة صلاة ولأن الدعاء صلاة. ولكن المقصود الرئيسي من الصبر التصبر. فإذا وضح هذا نقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ لأنه به تنال كل فضيلة وَالصَّلاةِ لأنها تنهى عن كل رذيلة وتعطي صاحبها اطمئنانا. إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ بالنصر والمعونة. قال ﵊ «عجبا للمؤمن لا يقضي له الله قضاء إلا كان خيرا له .. إن أصابته سراء فشكر كان خيرا له وإن أصابته ضراء فصبر كان خيرا له». قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: «الصبر في بابين: الصبر لله بما أحب وإن ثقل على الأنفس والأبدان. والصبر لله عما كره وإن نازعت إليه الأهواء. فمن كان هكذا فهو من الصابرين الذين يسلم عليهم إن شاء الله». وقال سعيد بن جبير: «الصبر اعتراف العبد لله بما أصاب منه، واحتسابه عند الله رجاء ثوابه. وقد يجزع الرجل وهو متجلد لا يرى منه إلا الصبر». وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ، يخبر تعالى أن الشهداء في برزخهم أحياء يرزقون كما جاء في صحيح مسلم: «إن أرواح الشهداء في حواصل طيور خضر تسرح في الجنة حيث شاءت. ثم تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش فاطلع عليهم ربك اطلاعة فقال: ماذا تبغون. فقالوا: يا ربنا وأي شئ نبغي وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك. ثم عاد عليهم بمثل هذا. فلما رأوا أنهم لا يتركون من أن يسألوا، قالوا: نريد أن تردنا إلى الدار الدنيا فنقاتل في سبيلك حتى نقتل فيك مرة أخرى. لما يرون من ثواب الشهادة. فيقول الرب ﷻ : إني كتبت أنهم إليها لا يرجعون». وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن رسول الله ﷺ : «نسمة المؤمن طائر تعلق

стр. 319

في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى حيث يبعثه». ما يدل على أن هذا الخير لعموم المؤمنين أيضا وإن كان الشهداء قد خصصوا بالذكر بالقرآن تشريفا لهم وتكريما وتعظيما. وفي الآية نهي لنا أن نصف من قتل في سبيل الله بالموت، إذ هو حي حياة لا نشعر بها، لأن حياة الشهداء لا تعلم حسا. ذكر النسفي عن الحسن ﵁: (أن الشهداء أحياء عند الله، تعرض أرزاقهم على أرواحهم، فيصل إليهم الروح والفرح كما تعرض النار على أرواح آل فرعون غدوا وعشيا، فيصل إليهم الوجع). وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ* الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ* أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ. أمر في بداية المقطع بالاستعانة بالصبر والصلاة. ووعد على الصبر النصر والمعونة. ثم ذكر بعد ذلك ما يعين على الصبر على أعظم المصائب في الله وهو القتل، بأن عرفنا حال الشهيد عنده. ثم بين لنا حال الصابرين، وحقيقة الصبر، وأجره، وعلى ماذا يكون، فاستكملت المجموعة بذلك قضية الصبر المكمل للشكر، الذي طولبنا به في نهاية المقطع السابق. وهل الإسلام إلا صبر وشكر وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ. أي: لنمتحننكم ولنختبرنكم بِشَيْءٍ أي: بقليل مما ذكر. وقلل ليؤذن أن كل بلاء أصاب الإنسان وإن جل ففوقه ما يقل إليه. ويرينا أن رحمته معنا في كل حال. وأعلمنا بوقوع البلواء قبل وقوعها لنوطن نفوسنا عليها مِنَ الْخَوْفِ خوف العدو وَالْجُوعِ القحط أو الإملاق أو الفاقة أو العوز. وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ أي: ذهاب بعضها كموت المواشي وأمثال ذلك وَالْأَنْفُسِ كموت أو قتل الأصحاب والأقارب والأحباب والإخوان، أو بالمرض والشيب. وَالثَّمَراتِ فلا تقل الحدائق والمزارع كعادتها. قال بعض السلف: فكانت بعض النخيل لا تثمر إلا واحدة. وكل هذا وأمثاله مما يختبر الله به عباده. فمن صبر أثابه ومن قنط حل به عقابه. وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ. الخطاب لرسول الله ﷺ أو لكل من يتأتى منه البشارة. والصابرون: هم الذين صبروا على هذه البلايا واسترجعوا عندها لأن الاسترجاع تسليم وإذعان. وهذا غاية الصبر. وأعلى منه الرضى. الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ من مكروه أو شدة. قالُوا إِنَّا لِلَّهِ إقرارا له بالملك. وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ إقرار على أنفسهم بالهلك والعودة إليه، يتسلون بقولهم هذا عما أصابهم. عالمين أنهم ملك لله. يتصرف بعبيده بما يشاء وأنه لا يضيع

стр. 320

لديه مثقال ذرة يوم القيامة. فأعطاهم الله مقابل اعترافهم بأنهم عبيده وأنهم إليه راجعون في الدار الآخرة أن رحمهم وأمنهم وهداهم. أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ أي تعطف وحنو. وَرَحْمَةٌ أي: أمنة من العذاب. وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ إلى الطريق الصواب وذلك حين استرجعوا وأذعنوا لأمر الله. قال عمر ﵁: نعم العدلان ونعم العلاوة أي: الصلاة والرحمة والاهتداء. فوائد: ١ - قال تعالى هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ، ظلمات الشهوة والشك والشرك والكفر والنفاق والحيرة وغير ذلك. وقد جعل الله مما لو فعلناه صلى علينا ما رأينا في هذه الآيات عند ما ذكر المسترجعين عند المصيبة، الصابرين عليها فإنه يصلي عليهم فلنحصل هذا المقام. ٢ - ورد في الاسترجاع آثار كثيرة منها: أخرج الإمام أحمد عن أم سلمة قالت: «أتاني أبو سلمة ﵁ يوما من عند رسول الله ﷺ فقال: لقد سمعت من رسول الله ﷺ قولا سررت به، قال: لا يصيب أحدا من المسلمين مصيبة فيسترجع عند مصيبته ثم يقول: اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها، إلا فعل ذلك. قالت أم سلمة: فحفظت ذلك منه. فلما توفي أبو سلمة استرجعت وقلت: اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها. ثم رجعت إلى نفسي فقلت من أين لي خير من أبي سلمة؟. فلما انقضت عدتي استأذن علي رسول الله ﷺ وأنا أدبغ إهابا لي. فغسلت يدي من القرظ وأذنت له. فوضعت له وسادة أدم حشوها ليف. فقعد عليها فخطبني إلى نفسي، فلما فرغ من مقالته، قلت يا رسول الله: ما بي أن لا يكون بك الرغبة، ولكني امرأة في غيرة شديدة، فأخاف أن ترى مني شيئا يعذبني الله به، وأنا امرأة قد دخلت في السن. وأنا ذات عيال. فقال ﷺ : وأما ما ذكرت من الغيرة فسوف يذهبها الله عنك، وأما ما ذكرت من السن فقد أصابني مثل الذي أصابك، وأما ما ذكرت من العيال فإنما عيالك عيالي».

стр. 321

قالت: فقد سلمت لرسول الله ﷺ . فتزوجها رسول الله ﷺ . فقالت أم سلمة بعد: أبدلني الله بأبي سلمة خيرا منه: (رسول الله ﷺ » وفي صحيح مسلم بمعناه. وأخرج الإمام أحمد وابن ماجه عن الحسين بن علي عن النبي ﷺ قال: «ما من مسلم ولا مسلمة يصاب بمصيبة فيذكرها وإن طال عهدها- وقال عباد: قدم عهدها- فيحدث لذلك استرجاعا إلا جدد الله له عند ذلك فأعطاه مثل أجرها يوم أصيب». وأخرج الإمام أحمد والترمذي وقال حسن غريب عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : قال الله: يا ملك الموت. قبضت ولد عبدي؟. قبضت قرة عينه وثمرة فؤاده؟. قال نعم. قال: فما قال؟. قال: حمدك واسترجع. قال ابنوا له بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد». ٣ - بعد الأمر بالشكر جاء الأمر بالصبر. والشكر أعلى مقامات السالكين. ولا سلوك بلا صبر. فالصبر زاد الطريق من بدايته إلى نهايته. وقد يجر الهلع والجزع وانعدام الصبر إلى الكفر والعياذ بالله وأعلى من الصبر والتسليم والرضا بقضاء الله فيما ابتلى. وقد جاء الكلام عن الذكر والشكر والصبر والصلاة بين القبلة والسعي بين الصفا والمروة مما يذكرنا بأن هذا الدين شعائر كما أنه شرائع. وخصائص نفسية كما هو أعمال بدنية. وأن لتكوين النفس ارتباطا بعمل البدن ... ٤ - يلاحظ أن الخطاب الأول للمؤمنين بصيغة: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا .... في هذه السورة جاء في سياق الحوار مع بني اسرائيل. فكان هناك بمثابة درس في سياق خطاب الآخرين، إلا أن هذه المجموعة في هذا المقطع يتوجه فيها الخطاب لأهل الإيمان بصيغة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا .. بشكل مباشر في السياق. فكأن الإيمان نما لدرجة استقلال شخصية أصحابه بعد أن أصبحوا مستقلين بقبلتهم. فأصبحوا يخاطبون بشكل مباشر. لا من خلال لفت نظر، أو إعطاء درس من خلال تصرفات الآخرين. وهذه نقطة مهمة في الدعوة والتربية: فكثيرا ما يضطر الداعية والمربي إلى تحريك العواطف الإيمانية، من خلال لفت النظر إلى تصرفات أهل الكفر. ولكن هذا إنما يكون بمثابة علاج لقصور أو لفتور أو لمرض

стр. 322

ريثما يعي المسلم حقيقة مركزه في الوجود. فلا ينظر إلى الأمور إلا من خلال وظيفته كإنسان مكلف أمام الله. فيرى الأمور كلها ببصيرة أهل الإيمان. ٥ - يقدم صاحب الظلال لهذه المجموعة بقوله: «بعد تقرير القبلة وإفراد الأمة المسلمة بشخصيتها المميزة، التي تتفق مع حقيقة تصورها المميزة كذلك .. كان أول توجيه لهذه الأمة ذات الشخصية الخاصة والكيان الخاص، هذه الأمة الوسط الشهيدة على الناس .. كان أول توجيه لهذه الأمة هو الاستعانة بالصبر والصلاة على تكاليف هذا الدور العظيم. والاستعداد لبذل التضحيات التي يتطلبها هذا الدور من استشهاد الشهداء، ونقص الأموال والأنفس والثمرات، والخوف والجوع، ومكابدة أهوال الجهاد لإقرار منهج الله في الأنفس، وإقراره في الأرض بين الناس، وربط قلوب هذه الأمة بالله ورحمته وهدايته وهي وحدها جزاء ضخم للمؤمن الذي يدرك قيمة هذا الجزاء». ويختم صاحب الظلال الكلام عن هذه المجموعة معلقا على قوله تعالى: أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ بقوله: «وبعد. فلا بد من وقفة أمام هذه الخاتمة في تلك التعبئة للصف الإسلامي. التعبئة في مواجهة المشقة والجهد والاستشهاد والقتل والجوع والخوف، ونقص الأموال والأنفس والثمرات. التعبئة في هذه المعركة الطويلة الشاقة العظيمة التكاليف. إن الله يضع هذا كله في كفة، ويضع في الكفة الأخرى أمرا واحدا .. صلوات من ربهم ورحمة، وأولئك هم المهتدون .. إنه لا يعدهم هنا نصرا، ولا يعدهم هنا تمكينا ولا يعدهم مغانم ولا يعدهم هنا شيئا، إلا صلوات الله ورحمته وشهادته .. لقد كان الله يعد هذه الجماعة لأمر أكبر من ذواتها، وأكبر من حياتها. فكان من ثم يجردها من كل غاية، ومن كل هدف ومن كل رغبة من الرغبات البشرية- حتى الرغبة في انتصار العقيدة- كان يجردها من كل شائبة تشوب التجرد المطلق له ولطاعته ولدعوته .. كان عليهم أن يمضوا في طريقهم لا يتطلعون إلى شئ إلا رضى الله وصلواته ورحمته وشهادته لهم بأنهم مهتدون. هذا هو الهدف، وهذه هي الغاية، وهذه هي الثمرة الحلوة التي تهفو إليها قلوبهم وحدها. فأما ما يكتبه الله لهم بعد ذلك من النصر والتمكين فليس لهم، إنما هو لدعوة الله التي يحملونها. إن لهم في صلوات الله ورحمته وشهادته جزاء. جزاء على التضحية بالأموال والأنفس

стр. 323

والثمرات. وجزاء على الخوف والجوع والشدة. وجزاء على القتل والشهادة إن الكفة ترجح بهذا العطاء، فهو أثقل في الميزان من كل عطاء. أرجح من النصر، وأرجح من التمكين، وأرجح من شفاء غيظ الصدور. هذه هي التربية التي أخذ الله بها الصف المسلم ليعده ذلك الإعداد العجيب. وهذا هو المنهج الإلهي في التربية لمن يريد استخلاصهم لنفسه ودعوته ودينه من بين البشر أجمعين». كلمة في سياق المجموعة: انتهت المجموعة بقوله تعالى: أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ لاحظ كلمة الْمُهْتَدُونَ. وتذكر خاتمة قصة آدم ﵇: فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ. ثم تذكر مقدمة سورة البقرة وفيها ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ إذا أدركت هذا كله أدركت محل هذه المجموعة في السياق القرآني وأدركت قيمة الصبر في دين الله. وأدركت الجانب العملي في هذا المقطع بعد ذلك الحوار الطويل. ثم إذا لاحظت أن هذه المجموعة جاءت بعد قوله تعالى: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ. فإنك ترى فيها نموذجا على ذكر نفعله لله، ونموذجا على نوع من الذكر يذكرنا الله به. فإذا ذكرت الله عند المصيبة بالاسترجاع، ذكرك الله بالصلاة عليك والرحمة لك. كما ترى فيها نموذجا على نوع من الكفر لا ينبغي أن يقربه الإنسان. وهو أن يقول لمن يقتل في سبيل الله إنه ميت. وقد جاءت هذه المجموعة في مقطعها قبل الأمر بالسعي بين الصفا والمروة، وقبل الترهيب من كتمان ما أنزل الله، وقبل التحذير من الموت على الكفر، وقبل إعلان التوحيد. وكلها قضايا تحتاج إلى استعانة بالصبر والصلاة. وجاء هذا المقطع خاتمة لقسم وسابقا لقسم. وفي القسم الثاني من سورة البقرة أوامر ونواه، منها الأمر بأكل الطيبات، ومنها الأمر بالصوم، ومنها الأمر بالقتال، ومنها الأمر بالحج. وكلها تحتاج إلى صبر وإلى استعانة بالصبر والصلاة. كما جاء المقطع بعد سياق طويل. فكان ما سبقه يحتاج إلى هذا التعليم للمؤمنين أن يستعينوا بالصبر والصلاة. وبعد المجموعة الأولى من الفقرة الأولى تأتي آية: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ.

стр. 324

كلمة في السياق: ١ - إن أمر الصفا والمروة كان من المتردد فيه- كما سنرى في أسباب النزول- هل هو من الذكر والشكر اللذين أمر الله بهما قبل هذا المقطع في مقابل بعثة الرسول ﷺ ،؟ أو هو من الكفر الذي نهى الله عنه؟ ومن ثم- والله أعلم- جاء البت فيه في هذا السياق على أنه من الشكر ومن شعائر الله وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ. ٢ - في سياق مقطع إبراهيم ورد كلام عن البيت، وورد دعاء إبراهيم وإسماعيل ﵉ وَأَرِنا مَناسِكَنا. ثم جاء مقطع القبلة وانصب الكلام فيه عن البيت. وفي معرض التوجيهات الكبرى التي جاءت في نهاية القسم: ذكر الله شعيرة السعي بين الصفا والمروة حتى لا يفهم فاهم أنه ليس من الشعائر إلا تعظيم البيت. فهناك شعيرة أخرى في الحرم نفسه وهي شعيرة السعي بين الصفا والمروة. ٣ - وفي محل هذه الآية في السياق حكمة تظهر من خلال عرض بعض المعاني فيعرف بذلك لماذا جاءت بعد مجموعة الصبر؟ فلنر ذلك: بين الله في هذه الآية أن السعي بين الصفا والمروة من شعائر الله. أي مما شرع الله تعالى لإبراهيم في مناسك الحج. وأصل ذلك مأخوذ من ترداد أمنا هاجر بين الصفا والمروة في طلب الماء لابنها إسماعيل لما نفد ماؤهما وزادهما حين تركهما إبراهيم ﵇ هناك وليس عندهما أحد من الناس. فلما خافت على ولدها الضيعة هناك ونفد ما عندهما قامت تطلب الغوث من الله حتى كشف الله كربتها وآنس غربتها وفرج شدتها، وأنبع لها زمزم التي ماؤها طعام طعم وشفاء سقم. وأكرمها الله وأكرم آل إبراهيم بأن جعل فعلها هذا شعيرة من شعائره إلى يوم القيامة. تتذكر فيه هذه الأمة ارتباطها بإبراهيم وآله، وتقتدي بفعله وفعل آله، وتتذكر فيه هذه الأمة عاقبة التسليم لأمر الله وطاعته مجيء الفرج بعد الشدة، وتتذكر فيه هذه الأمة تلك اللحظات الصعاب التى مرت بها أمنا هاجر أثرا عن طاعتها وطاعة إبراهيم لله. فكم هي مكافأة عظيمة أن جعل الله فعلها شعيرة من شعائره إلى يوم القيامة فهذه عاقبة الصبر على أمر الله.

стр. 325

فهل وضحت الصلة بين هذه الآية وما قبلها في مجموعة الصبر؟ إن هذه الشعيرة سببها الصبر. فما نالت أمنا هاجر هذه الإمامة إلا بالصبر. وعلى هذا فالساعي بينهما ينبغي له أن يستحضر فقره وذله وحاجته إلى الله في هداية قلبه وصلاح حاله وغفران ذنبه، وأن يلتجئ إلى الله : أن يزيل ما هو به من النقائص والعيوب، وأن يهديه إلى الصراط المستقيم وأن يثبته إلى مماته، وأن يحوله من حاله الذي هو عليه إلى حال الكمال والغفران والسداد والاستقامة، كما فعل بهاجر ﵍، إذ نقلها من حال إلى حال. المعنى الحرفي: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ هما علمان للجبلين المعروفين. مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ أي: من أعلام مناسكه ومتعبداته جمع شعيرة. وهي العلامة. فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أي قصده لإقامة فريضة الحج. أَوِ اعْتَمَرَ: أي زاره لإقامة العمرة. فالحج القصد والاعتمار الزيارة. ثم غلبا على قصد البيت وزيارته المعروفين. فَلا جُناحَ عَلَيْهِ: أي فلا إثم عليه أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما أي: أن يتطوف. وأصل الطواف المشي حول الشئ. والمراد هنا السعي بينهما. وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً أي: بالسعي بينهما فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ يجازي على القليل كثيرا. عَلِيمٌ بالأشياء صغيرا وكبيرا. فوائد: ١ - في أسباب النزول: قال الإمام أحمد «عن عروة عن عائشة قال: قالت: أرأيت قول الله تعالى إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما؟ قلت فو الله ما على أحد جناح أن لا يطوف بهما، فقالت عائشة: بئسما قلت يا ابن أختي (الخطاب لعروة ابن أختها أسماء) إنها لو كانت على ما أولتها عليه كان فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما. ولكنها إنما أنزلت أن الأنصار كانوا قبل أن يسلموا كانوا يهلون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها عند المشلل، وكان من أهل لها يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة، فسألوا عن ذلك رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله. إنا كنا نتحرج أن نطوف بالصفا والمروة في الجاهلية. فأنزل الله إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما. قالت عائشة: ثم قد سن رسول الله ﷺ الطواف بهما. فليس

стр. 326

لأحد أن يدع الطواف بهما» أخرجاه في الصحيحين. وفي رواية عن الزهري «أنه قال: فحدثت بهذا الحديث أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام. فقال: إن هذا العلم ما كنت سمعته، ولقد سمعت رجالا من أهلي يقولون: إن الناس- إلا من ذكرت عائشة- كانوا يقولون إن طوافنا بين هذين الحجرين من أمر الجاهلية. وقال آخرون من الأنصار إنما أمرنا بالطواف بالبيت ولم نؤمر بالطواف بين الصفا والمروة. فأنزل الله تعالى إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ قال أبو بكر بن عبد الرحمن: فلعلها نزلت في هؤلاء وهؤلاء». وأخرج البخاري: «عن عاصم بن سليمان قال: سألت أنسا عن الصفا والمروة قال: كنا نرى أنهما من أمر الجاهلية، فلما جاء الإسلام أمسكنا عنهما. فأنزل الله : إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ». ٢ - في صحيح مسلم من حديث جابر الطويل: «وفيه أن رسول الله ﷺ لما فرغ من طوافه بالبيت عاد إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من باب الصفا وهو يقول: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ ثم قال: «أبدأ بما بدأ الله به». وفي رواية النسائي: «ابدءوا بما بدأ الله به». وروى الإمام أحمد عن صفية بنت شيبة عن حبيبة: بنت أبي تجراة قالت: «رأيت رسول الله ﷺ ، يطوف بين الصفا والمروة والناس بين يديه وهو وراءهم وهو يسعى، حتى أرى ركبته من شدة السعي يدور به إزاره وهو يقول: «اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي». ثم رواه الإمام أحمد عن صفية بنت شيبة أن امرأة أخبرتها أنها سمعت النبي ﷺ بين الصفا والمروة يقول: «كتب عليكم السعي فاسعوا». وقد استدل ابن كثير بهذا الحديث لمذهب من يرى أن السعي بين الصفا والمروة ركن في الحج كما هو مذهب الشافعي ومن وافقه، ورواية عن أحمد وهو المشهور عن مالك. وقيل أنه واجب وليس بركن. فإن تركه عمدا أو سهوا جبره بدم. وهو رواية عن أحمد وبه يقول طائفة، وقيل: بل مستحب، وإليه ذهب أبو حنيفة والثوري والشعبي وابن سيرين. وروي عن أنس وابن عمر وابن عباس. وحكي عن مالك في العتبية قال القرطبي: واحتجوا بقوله تعالى: وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً والقول الأول أرجح لأنه ﵇ طاف بينهما وقال: «لتأخذوا عني مناسككم». فكل ما فعله في حجته تلك واجب لا بد من فعله في الحج إلا ما خرج بدليل. والله أعلم. وقد تقدم قوله ﵇: «اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي». أقول: الذي عليه الفتوى في مذهب الحنفية، أن السعي بين الصفا والمروة في الحج واجب عند الحنفية. فما نقله ابن كثير عن أبي حنيفة في كونه مستحبا، لعله قول

стр. 327

ضعيف في المذهب؟!. ٣ - من قوله تعالى: فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما. نفهم أن السعي بين الصفا والمروة عبادة مرتبطة بالحج والعمرة، وليس عبادة مستقلة. والعمرة إحرام وطواف حول البيت، وسعي بين الصفا والمروة. أما الحج فأركانه عند الحنفية: إحرام ووقوف بعرفات ولو لحظة ما بين ظهر التاسع من ذي الحجة وفجر العاشر. وطواف الإفاضة. وما سوى ذلك عندهم فإما واجبات أو سنن. ومن سعى بعد طواف فقد أسقط واجب السعي. وإلا فإن عليه أن يسعى بعد طواف الإفاضة الذي هو طواف الركن. ٤ - قال القرطبي: «ولا يجوز أن يطوف أحد بالبيت ولا بين الصفا والمروة راكبا إلا من عذر. فإن طاف معذورا فعليه دم. وإن طاف غير معذور أعاد إن كان بحضرة البيت، وإن غاب عنه أهدى. إنما قلنا ذلك لأن النبي ﷺ طاف بنفسه وقال: «خذوا عني مناسككم». وإنما جوزنا ذلك من العذر، لأن النبي ﷺ طاف على بغيره واستلم الركن بمحجنه، وقال لعائشة وقد قالت: إني أشتكي. فقال: «طوفي من وراء الناس وأنت راكبة». وفرق أصحابنا بين أن يطوف على بعير أو يطوف على ظهر إنسان. فإن طاف على ظهر إنسان لم يجزه، لأنه حينئذ لا يكون طائفا. إنما الطائف الحامل. وإذا طاف على بعير يكون هو الطائف. قال ابن خويزمنداد: وهذه تفرقة اختيار وأما الإجزاء فيجزئ. ألا ترى أنه لو أغمي عليه فطيف به محمولا، أو وقف به بعرفات محمولا كان مجزئا عنه؟!. ٥ - وعلى التحرج الذي تحرجه أصحاب رسول الله ﷺ أن يسعوا بين الصفا والمروة ابتداء قبل نزول الإباحة علق صاحب الظلال بقوله: «وهذا هو الإسلام .. هذا هو: انسلاخا كاملا عن كل ما في الجاهلية، وتحرجا بالغا من كل أمر من أمور الجاهلية، وحذرا دائما من كل شعور وكل حركة كانت النفس تأتيها في الجاهلية. حتى يخلص القلب للتصور الجديد بكل ما يقتضيه .. فلما أن تم هذا في نفوس الجماعة المسلمة، أخذ الإسلام يقرر ما يريد الإبقاء عليه من الشعائر الأولى مما لا يرى فيه بأسا. ولكن يربطه بعروة الإسلام، يأتيه بعد أن نزعه وقطعه عن أصله الجاهلي. فإذا أتاه المسلم فلا يأتيه لأنه كان يفعله في الجاهلية. ولكن

стр. 328

لأنه شعيرة جديدة من شعائر الإسلام تستمد أصلها من الإسلام». [المجموعة الثانية من الفقرة الأولى] كلمة في السياق: جاءت آية إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ .. بعد مجموعة الأمر بالاستعانة بالصبر والصلاة وهي مبدوءة بكلمة (إن). وبعد ذلك يأتي معنيان، كل منهما قد جاء في آيتين. وكلاهما قد بدئت آيتاه بكلمة (إن). فههنا تقريرات مؤكدة ثلاثة. فيها معنى الأمر والنهي. الأمر الأول: طوفوا بين الصفا والمروة. النهي الثاني: لا تكتموا ما أنزل الله. النهي الثالث: لا تموتوا كفارا. فالأمر الأول: تبيان أن السعي بين الصفا والمروة من نوع الشكر. والنهي الثاني والثالث: تبيان لجوانب من الكفران لا ينبغي أن تفعل: وصلة ذلك بقوله تعالى: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ لا تخفى. ثم إن مجئ موضوع السعي بين الصفا والمروة. والكتمان والكفر بعد مجموعة الاستعانة بالصبر والصلاة، يدل على أن هذه أمور تحتاج إلى استعانة بالصبر والصلاة. فالسعي بين الصفا والمروة شاق جسديا ومعنويا على طبقات كثيرة من الناس. وليس تبيان حكم الله سهلا في كل موطن. وليس أن ينتقل الإنسان من دينه إلى الإسلام هينا، إن هذا كله يحتاج إلى استعانة بالصبر والصلاة. ولقد كررنا الكلام كثيرا في هذا المقطع لاعتقادنا أن السياق يحتاج لذلك. أما وقد أصبح سياق الفقرة الأولى واضحا. فإن تتمة الفقرة لا تحتاج إلى وقفة طويلة. إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ* إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ. في الآية السابقة تقرير أن الصفا والمروة من شعائر الله. وفي هذا التقرير أمر كما رأينا. وقد قال رسول الله ﷺ : «إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا». وقد رأينا أن الصلة بين الأمر بالصبر الوارد في أول المقطع. وبين السعي بين الصفا والمروة واضحة. إذ الأمر بالسعي بين الصفا والمروة تخليد لموقف من

стр. 329

مواقف الصبر في قصة إبراهيم وإسماعيل وهاجر ﵈، وهو يحتاج إلى صبر. وفي هذه الآية تقرير فيه معنى الطلب: أن علينا ألا نكتم حكم الله، وفيه جزاء من يخالف ذلك. وطريق التوبة من هذا والصلة بين آية الكتمان والأمر بالصبر واضحة إذ تبيان حكم الله يترتب عليه أذى كما قال تعالى: وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ. (سورة لقمان) فالاستعانة بالصبر والصلاة والاسترجاع أشياء أساسية لمن يريد أن يبين حكم الله. المعنى العام: في الآية وعيد شديد لمن كتم ما جاءت به الرسل من الدلالات البينة على المقاصد الصحيحة والهدى النافع للقلوب، من بعد ما بينه الله تعالى لعباده في كتبه التي أنزلها على رسله، فهؤلاء يستحقون اللعنة. ثم استثنى الله من ذلك من تاب وأصلح وبين ما قد كان كتم. المعنى الحرفي: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ أي الآيات الواضحات وَالْهُدى أي الهداية مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أي: من بعد ما أوضحناه للناس في كتاب الله. سواء في ذلك التوراة أو الإنجيل أو الزبور أو القرآن. أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ أي الذين يتأتى منهم اللعنة. وهم الملائكة والمؤمنون من الإنس والجن. إِلَّا الَّذِينَ تابُوا أي رجعوا عن الكتمان وترك الإيمان. وَأَصْلَحُوا ما أفسدوا من أحوالهم وتداركوا ما فرط منهم. وَبَيَّنُوا أي وأظهروا ما كتموا. فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ أي أقبل توبتهم. وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ. فوائد: ١ - دلت هذه الآية على أن الداعية إلى كفر أو بدعة إذا تاب إلى الله تاب الله عليه. ٢ - يلاحظ أن التوبة من الكتمان يشترط لها: الإصلاح والبيان. فمن كان يعرف الحق في قضية ما، فإن عليه أن يتوب ويصلح ويبين. وعندئذ تقبل توبته. وإلا فإنه يستحق اللعن من الله والملائكة والناس أجمعين. فما أصعب هذا وأشده إلا على من وفقه الله!!؟. ٣ - قال ابن كثير: (جاء في هذه الآية أن كاتم العلم يلعنه الله والملائكة والناس

стр. 330

أجمعون. واللاعنون أيضا وهم كل فصيح وأعجمي إما بلسان المقال أو الحال أو لو كان له عقل فى الدنيا ويوم القيامة). ٤ - في الصحيح (عن أبي هريرة أنه قال: لولا آية في كتاب الله ما حدثت أحدا شيئا: أي آية الكتمان هذه). ٥ - قال ابن كثير: (وقد ورد في الحديث المسند من طرائق يشد بعضها بعضا عن أبي هريرة وغيره أن رسول الله ﷺ قال: «من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار»، أقول: هذا في علم يفترض تعليمه). قال الألوسي: (واستدلوا بهذه الآية على وجوب إظهار علم الشريعة، وحرمة كتمانه. ولكن اشترطوا لذلك: أن لا يخشى العالم على نفسه. وأن يكون متعينا وإلا لم يحرم عليه الكتم. إلا إن سئل فيتعين عليه الجواب ما لم يكن إثمه أكبر من نفعه. وفيها دليل أيضا على وجوب قبول خبر الواحد. لأنه لا يجب عليه البيان إلا وقد وجب قبول قوله). وقال القرطبي: (وقيل: المراد كل من كتم الحق، فهي عامة في كل من كتم علما من دين الله يحتاج إلى بثه. وذلك مفسر في قوله ﷺ : «من سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار»). رواه أبو هريرة وعمرو بن العاص. أخرجه ابن ماجه ويعارضه قول عبد الله بن مسعود: ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة. وقال ﵊: «حدث الناس بما يفهمون أتحبون أن يكذب الله ورسوله». وهذا محمول على بعض العلوم، كعلم الكلام، أو ما لا يستوي في فهمه جميع العوام. فحكم العالم أن يحدث بما يفهم عنه، وينزل كل إنسان منزلته. وقال القرطبي كذلك: «وتحقيق الآية: هو أن العالم إذا قصد كتمان العلم، عصى. وإذا لم يقصد لم يلزمه التبليغ إذا عرف أنه مع غيره. وأما من سئل فقد وجب عليه التبليغ لهذه الآية وللحديث. ولكن لا يجوز تعليم الكافر القرآن والعلم حتى يسلم. وكذلك لا يجوز تعليم المبتدع الجدال والحجاج ليجادل به أهل الحق، ولا يعلم الخصم على خصمه حجة يقتطع بها ما له. ولا السلطان تأويلا يتطرق به إلى مكاره الرعية، ولا ينشر الرخص في السفهاء فيجعلوا ذلك طريقا إلى ارتكاب المحظورات، وترك الواجبات ونحو ذلك. كما قال: مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى: دل على أن ما كان

стр. 331

من غير ذلك جائز كتمه، لا سيما إن كان مع ذلك خوف. فإن ذلك آكد في الكتمان. وقد ترك أبو هريرة ذلك حين خاف فقال: «حفظت عن رسول الله ﷺ وعاءين، فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم» أخرجه البخاري. قال أبو عبد الله: البلعوم مجرى الطعام. قال علماؤنا: وهذا الذي لم يبثه أبو هريرة وخاف على نفسه فيه الفتنة أو القتل، إنما هو مما يتعلق بأمر الفتن. والنص على أعيان المرتدين والمنافقين ونحو هذا مما لا يتعلق بالبينات والهدى. ٦ - هناك اتجاه في تفسير قوله تعالى وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ. أن المراد بذلك دواب الأرض. ويشهد لهذا الاتجاه حديث حسن رواه ابن ماجه. قال القرطبي: «قد جاء بذلك خبر رواه البراء بن عازب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ في قوله تعالى: يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ قال: دواب الأرض. اه. أقول: والحديث في حال ثبوته لا ينفي العموم عن الآية. بل يدخل في هذا العموم دواب الأرض. إذ يمكن أن يكون ذلك منه ﵊ بيان لشئ يدخل في هذا العموم. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ* خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ. في هذا المقطع كما رأينا صدر الأمر لهذه الأمة- بعد أن استكملت فيما مضى وجودها المتميز كأمة- أن تستعين بالصبر والصلاة، ثم أمرت أن تصف الشهيد بالحياة، ثم حضت على الاسترجاع عند المصيبة، ثم صدر لها الأمر بصيغة التقرير أن تسعى بين الصفا والمروة، ثم صدر لها الأمر بصيغة التقرير أن لا تكتم الحق الذي أنزله الله عليها، ثم يصدر لها الأمر هنا بصيغة تقرير ألا تكفر. فمن خلال الأوامر المباشرة. والتقريرات الحاسمة تبني سورة البقرة هذه الأمة شيئا فشيئا. وتبني شخصية المسلم كذلك. المعنى الكلي: تخبر الآيتان عمن كفر بالله واستمر به الحال على الكفر إلى أن مات، أن عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، وأنهم خالدون في هذه اللعنة التابعة لهم إلى يوم القيامة. ثم المصاحبة لهم إلى نار جهنم التي لا يخفف عنهم عذابها فتنقص ولا يفتر ولا يغير ولا يؤجل. بل هو متواصل دائم. المعنى الحرفي: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أي: استمروا على الكفر حتى ماتوا عليه.

стр. 332

إذ الإسلام يجب ما قبله. أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ. هل المراد بالناس هنا المؤمنون فقط أو المؤمنون والكافرون؟! إذ يلعن الكافرون بعضهم بعضا يوم القيامة كما قال تعالى: كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها. (سورة الأعراف) قولان للمفسرين. قال أبو العالية وقتادة: (إن الكافر يوقف يوم القيامة، فيلعنه الله ثم تلعنه الملائكة، ثم يلعنه الناس أجمعون). خالِدِينَ فِيها أي في اللعنة، أو في النار وأضمرت تفخيما لشأنها وتهويلا. لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ. أي: لا ينقص عما هم فيه. وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ من الإنظار، أي لا يمهلون. أو من الانتظار، بمعنى أنهم لا ينظرون ليعتذروا. أو من النظر، بمعنى أن الله لا ينظر إليهم نظر رحمة. فائدة: قال ابن كثير: لا خلاف في جواز لعن الكفار. وقد كان عمر بن الخطاب ﵁ ومن بعده من الأئمة يلعنون الكفرة في القنوت وغيره. فأما الكافر المعين فقد ذهب جماعة من العلماء إلى أنه لا يلعن. لأنا لا ندري بما يختم الله له. واستدل بعضهم بالآية: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ. وقالت طائفة أخرى: بل يجوز لعن الكافر المعين، واختاره الفقيه أبو بكر بن العربي المالكي، ولكنه احتج بحديث فيه ضعف. واستدل غيره بقوله ﵊ في قصة الذي كان يؤتى به سكران فيحده. فقال رجل: لعنه الله، ما أكثر ما يؤتى به. فقال رسول الله ﷺ : «لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله». فدل على أن من لا يحب الله ورسوله يلعن). كلمة في السياق: ١ - مجئ قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ... بعد الكلام عن الصفا والمروة، الذي هو استمرار للكلام عن البيت الذي وقف من التوجه إليه أهل الكتاب تلك الوقفة، يشعر بأن أهل الكتاب على علم بتفصيلات كثيرة في شأن هذه الأمة، ولكنهم يكتمونها. ومجئ هذه الآية في سياق قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ ... وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ ... يشعر بأنه لا ينجو من آفة الكتمان. إلا من استعان بالصبر والصلاة. ووطن نفسه على كل امتحان.

стр. 333

كما أن مجئ آية الكتمان في مقطعها، ومجئ مقطعها بعد قوله تعالى فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ يشعر بأن كتمان ما أنزل الله فيه معنى الكفر. أو هو موصل للكفر والعياذ بالله. ٢ - في الكلام عن مقطع بني إسرائيل قلنا: إن مدخل المقطع المؤلف من أوامر ونواه هو بمجموعه العلاج الشامل الناجع للنفسية اليهودية. وكانت خاتمة الأوامر والنواهي في ذلك المدخل هي: وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ* وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ* أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ* وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ* الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ. وقد رأينا أثناء عرض مقطع بني إسرائيل كيف أن المقطع في فصليه، كان وكأنه في بعض مقاصده يعلل لتوجيه الأوامر والنواهي التي سبقت هذه الآيات التي ذكرناها آنفا وانصب الكلام على الإيمان وكان الأمر على الشكل التالي: إذا لم يؤمن بنو إسرائيل فلا فائدة من مناقشة ما بعد قضية الإيمان من التزامات. ومن ثم فإن الأمر بالاستعانة بالصبر والصلاة والتحذير من الكتمان، يتوجه لهذه الأمة التي هي وحدها المستفيدة من مثل هذا التوجيه، وإن كان التحذير يشمل بني إسرائيل. ومن قبل قلنا إن الحوار مع بني إسرائيل لا زال مستمرا في السورة. ولننتقل إلى الفقرة الثانية في المقطع. الفقرة الثانية من المقطع السادس تأتي هذه الفقرة وفيها إعلان للتوحيد والرحمة الربانية، وتدليل على هذا التوحيد والرحمة، وذكر للمنحرفين عن هذا التوحيد بعد كل هذه الدلائل. وإذ كان المقطع كله قد جاء بعد قوله تعالى: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ. فإن هذه الفقرة تفصيل في قضية الشكر. وتعليل لوجوب الذكر والشكر. فلنرها. وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ يخبر تعالى في هذه الآية عن تفرده بالإلهية. وأنه لا شريك له ولا عديل له. بل هو الله الواحد الأحد، الفرد الصمد الذي لا إله إلا هو. وأنه الرحمن الرحيم. وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ. أي فرد في

стр. 334

ألوهيته. لا شريك له فيها. ولا يصح أن يسمى غيره إلها. لا إِلهَ إِلَّا هُوَ: هذا تقرير للوحدانية بنفي غيره أن يكون إلها. وإثبات إلهيته ﷻ . الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ: أي المولي لجميع النعم أصولها وفروعها. ولا شئ سواه بهذه الصفة. فما سواه، إما نعمة، وإما منعم عليه. وكل ذلك من آثار رحمته العامة والخاصة. كلمة في السياق: جاءت هذه الآية في بداية فقرة، وبعد فقرة في سياق مقطع. فلنلاحظ محلها في السياق: بدأ المقطع بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ .... وتأتي هذه الآية لتعلن أن الله وحده هو الإله. فإذا كان الأمر كذلك فكيف لا يصبر الإنسان على أمره؟ وإذا كان رحمانا رحيما. فكيف لا يسلم الإنسان له؟ وجاءت هذه الآية بعد ذكر الكتمان والتحذير من الكفر، فكانت تذكيرا بالله. وكما قلنا فإن هذا المقطع كله جاء بمثابة تفصيل لقضايا من الذكر والشكر بعد قوله تعالى: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ فكانت هذه الآية بداية فقرة جديدة تستخرج الذكر والشكر. ففيها تذكير بوحدانية الله ورحمته بين يدي ما يكون بمثابة الدليل على الوحدانية والرحمة. فوائد: ١ - قال ابن كثير: وفي الحديث عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد بن السكن عن رسول الله ﷺ أنه قال: «اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ والم. اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ». ٢ - في التقديم للفقرة التي بين أيدينا. وللآية الأولى فيها يقول صاحب الظلال: «إن وحدة الألوهية، هي القاعدة الكبيرة التي يقوم عليها التصور الإيماني. فلم يكن هناك جدل حول الاعتقاد بوجود إله- تختلف التصورات حول ذاته، وحول صفاته، وحول علاقاته بالخلق. ولكنها لا تنفي وجوده- ولم يقع أن نسيت الفطرة هذه الحقيقة. حقيقة وجود إله. إلا في هذه الأيام الأخيرة. حين نبتت نبتة منقطعة

стр. 335

عن أصل الحياة، منقطعة عن أصل الفطرة، تنكر وجود الله. وهي نبتة شاذة لا جذور لها في أصل الوجود. ومن ثم فمصيرها حتما إلى الفناء والاندثار من هذا الوجود. هذا الوجود الذي لا يطيق تكوينه، ولا تطيق فطرته بقاء هذا الصنف من الخلائق المقطوعة الجذور. ومن وحدانية الألوهية التي يؤكدها هذا التأكيد، بشتى أساليب التوكيد، يتوحد المعبود الذي يتجه إليه الخلق بالعبودية والطاعة، وتتوحد الجهة التي يتلقى منها الخلق قواعد الأخلاق والسلوك، ويتوحد المصدر الذي يتلقى الخلق منه أصول الشرائع والقوانين، ويتوحد المنهج الذي يصرف حياة الخلق في كل طريق». ٣ - وفي الصلة بين آية وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ وما قبلها، وما بعدها يقول القرطبي: «لما حذر تعالى من كتمان الحق، بين أن أول ما يجب إظهاره ولا يجوز كتمانه: أمر التوحيد. ووصل ذلك بذكر البرهان، وعلم طريق النظر، وهو الفكر في عجائب الصنع، ليعلم أنه لا بد له من فاعل لا يشبهه شئ». إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها، وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ. هذه الآية جسر بين ما قبلها وما بعدها. فما قبلها وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ وهذا دليل وحدانيته ورحمته. وما بعدها وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ. وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وهذه الآية دليل على أنه وحده الحري بالمحبة، إذ هو المنعم الوحيد. وإذ كانت هذه آياته فهو حري ألا يكفر، وألا يكتم هداه، وأن يطاع أمره في كل شئ، وأن يسلم له في قضائه وقدره، وأن يستعان به. فهذه الآية هنا بعد ما سبق من توجيهات، تفيدنا زيادة يقين وتمسك وطاعة والتزام. والآية كما أنها تقرير، فهي أمر بالتفكر في هذا الكون. فهي واحدة من توجيهات هذا المقطع: استعينوا ... اسعوا ... لا تكتموا ... لا تكفروا ... تفكروا ... ثم في المجموعة القادمة: أحبوا الله. وقد ذكر النسفي بمناسبة هذه الآية حديثا هو: «ويل لمن قرأ هذه الآية فمج بها» أي: لم يتفكر فيها ولم يعتبر بها. في كتابنا «الله ﷻ » تحدثنا عن تسع ظواهر في هذه الكون. كل منها يدل على الله

стр. 336

بما لا يقبل جدلا: ظاهرة حدوث الكون، وظاهرة الإرادة فيه، وظاهرة الحكمة، وظاهرة الهداية، وظاهرة الإبداع، وظاهرة الاستجابة، وظاهرة العناية، وظاهرة الوحدة. وفي هذه الآية حديث عن مجموع هذه الظواهر تقريبا: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ظاهرة الحدوث. وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ ظاهرة الإرادة والحكمة والهداية والعناية. وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ ظاهرة الحياة والإبداع وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ ظاهرة حكمة وعناية وهداية وإرادة لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ يدرك هذه الآيات أصحاب العقول، أما الذين يعطلون قوانين العقل كبرا أو عنادا فهؤلاء لا يدركون هذه الآيات. ولعل كتابنا «الله ﷻ » فيه تفصيل لهذه المعاني كلها فليراجع. وفي كتابنا هذا ذكرنا: كيف أن التناسق في الكون والتكامل فيه يدلان على وحدة الخالق ووحدانيته. وقد جاءت هذه الآية هنا بعد قوله تعالى: وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ .. إشارة إلى أن كل هذه الآيات دليل على الوحدة والوحدانية. ومجئ قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ ... بعد هذه الآية إشارة إلى أن هذه الآيات في هذا الكون والتي تدل على ظاهرة العناية تستدعي أن يحب الإنسان الله. فكيف ينحرف الإنسان؟. روى ابن أبي حاتم عن عطاء قال: نزلت على النبي ﷺ بالمدينة وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ فقال كفار قريش بمكة: كيف يسع الناس إله واحد؟. فأنزل الله تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ .... وعن أبي الضحى قال: لما نزلت وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ ... قال المشركون: إن كان هكذا فليأتنا بآية. فأنزل الله : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ... إلى قوله يَعْقِلُونَ. التفسير الحرفي: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ تلك بما فيها من كواكب ومجرات وغير ذلك، وهذه الأرض بما فيها من جبال وبحار وقفار ووهاد وغير ذلك وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ

стр. 337

وَالنَّهارِ ... تارة يطول هذا ويقصر هذا، وتارة يأخذ هذا من هذا ثم يتقارضان، وهذا يجئ ثم يعقبه الآخر، ضمن نظام دقيق عجيب. وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ الفلك: السفن. وتطلق على المفرد والجمع. أي في تسخير البحر بحمل السفن من جانب إلى جانب لمعايش الناس، والانتفاع بما عند أهل ذلك الإقليم، ونقل هذا إلى هؤلاء، وما عند أولئك إلى هؤلاء. وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها أي: وما أنزل الله من السحاب من مطر فأحيا بالماء الأرض من بعد يبسها. وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ أي: وفرق فيها من الدواب من كل الأنواع والأصناف، مختلفة الأشكال والألوان والمنافع والصغر والكبر. وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ ضمن نظام دقيق عجيب. وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ المسخر: المذلل المنقاد لمشيئة الله. لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ: لدلالات بينة على وحدانية الله لمن ينظرون بعيون عقولهم ويعتبرون فيستدلون بهذه الأشياء على قدرة موجدها وحكمة مبدعها ووحدانية منشئها. فوائد: ١ - عند قوله تعالى: وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ قال القرطبي: «هذه الآية وما كان مثلها دليل على جواز ركوب البحر مطلقا، لتجارة كان أو عبادة كالحج والجهاد» وبعد أن ذكر بعض النصوص التي تفيد ذلك قال: «ففيه دليل واضح على ركوب البحر في الجهاد للرجال والنساء. وإذا جاز ركوبه للجهاد، فركوبه للحج المفترض أولى وأوجب». ثم بعد مناقشات قال: (قلت: فدل الكتاب والسنة على إباحة ركوبه للمعنيين جميعا: العبادة والتجارة، وفيهما الحجة، وفيهما الأسوة. إلا أن الناس في ركوب البحر تختلف أحوالهم. فرب راكب سهل عليه ذلك ولا يشق، وآخر يشق عليه ويضعف به، كالمائد المفرط الميد. حتى لم يقدر معه على أداء فرض الصلاة ونحوها من الفرائض: فالأول ذلك له جائز، والثاني يحرم عليه ويمنع منه، ولا خلاف بين أهل العلم .... أن البحر إذا ارتج لم يجز ركوبه لأحد بوجه من الوجوه في حين ارتجاجه، ولا في الزمن الذي الأغلب فيه عدم السلامة. وإنما يجوز عندهم ركوبه في زمن، السلامة فيه الأغلب. فإن الذين يركبونه حال السلامة وينجون لا حاصر لهم. والذين يهلكون فيه محصورون).

стр. 338

أقول: كلامه الأخير ينبغي تقييده بأن الحكم كذلك في الأحوال العادية لمريد سياحة، أو لمريد تجارة، وغلب على الظن الهلاك. أما إذا كانت هناك ضرورات عسكرية إسلامية أو غيرها من الضرورات، فالفتوى البصيرة هي التي تقدر الحكم. ٢ - في تعليق صاحب الظلال على قوله تعالى: لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ يقول: «نعم لو ألغى الإنسان عن عقله بلادة الألفة والغفلة، فاستقبل مشاهد الكون بحس متجدد، ونظرة مستطلعة، وقلب نوره بالإيمان. ولو سار في هذا الكون كالرائد الذي يهبط إليه أول مرة، تلفت عينه كل ومضة، وتلفت سمعه كل نأمة وتلفت حسه كل حركة، وتهز كيانه تلك الأعاجيب التي تتوالى على الأبصار والقلوب والمشاعر. إن هذا هو ما يصنعه الإيمان ... ». فيرى العقل في كل شيء آية. ومن كلمات صاحب الظلال في الآية: «وكلها مشاهد لو أعاد الإنسان تأملها- كما يوحي القرآن للقلب المؤمن- بعين مفتوحة وقلب واع، لارتجف كيانه من عظمة القدرة ورحمتها .. تلك الحياة التي تنبعث من الأرض حينما يجودها الماء .. هذه الحياة المجهولة الكنه، اللطيفة الجوهر، التي تدب في لطف، ثم تتبدى جاهرة معلنة قوية .. هذه الحياة من أين جاءت؟ كانت كامنة في الحبة والنواة ... ! ولكن من أين جاءت إلى الحبة والنواة؟ أصلها .. ؟ مصدرها الأول ... ؟. إنه لا يجدي الهرب من مواجهة هذا السؤال الذي يلح على الفطرة .. لقد حاول الملحدون تجاهل هذا السؤال الذي لا جواب عليه إلا وجود خالق قادر على إعطاء الحياة للموات. وحاولوا طويلا أن يوهموا الناس أنهم في طريقهم إلى إنشاء الحياة- بلا حاجة إلى إله- ثم أخيرا إذا هم في أرض الإلحاد الجاحد الكافر. ينتهون إلى نفض أيديهم أو الإقرار بما يكرهون: استحالة خلق الحياة: وأعلم علماء روسيا الكافرة في موضوع الحياة هو الذي يقول هذا الآن! ومن قبل، راغ دارون صاحب نظرية النشوء والارتقاء من مواجهة هذا السؤال. ثم تلك الرياح المتحولة من وجهة إلى وجهة، وذلك السحاب المحمول على هواء، المسخر بين السماء والأرض، الخاضع للناموس الذي أودعه الخالق هذا الوجود .. إنه لا يكفي أن تقول نظرية ما تقوله عن أسباب هبوب الريح، وعن طريقة تكون السحاب إن السر الأعمق، هو سر هذه الأسباب .. سر خلق الكون بهذه الطبيعة وبهذه النسب، وبهذه الأوضاع التي تسمح بنشأة الحياة ونموها، وتوفير الأسباب الملائمة لها من رياح وسحاب ومطر وتربة .. سر هذه

стр. 339

الموافقات التي يعد المعروف منها بالآلاف، والتي لو اختلفت واحدة منها ما نشأت الحياة أو ما سارت هذه السيرة!!». ثم تأتي المجموعة الأخيرة في الفقرة لتبين لنا أنه مع كل هذه الدلائل على الوحدانية فهناك ناس يشركون وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ. وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ. وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً. وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ* إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ* وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا. كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ. الشرح الكلي: يذكر تعالى أن مآل المشركين به في النار وحالهم في الدار الآخرة، لأنهم جعلوا لله أمثالا ونظراء يعبدونهم معه، ويحبونهم كحبه. وهو الله لا إله إلا هو، ولا ضد له، ولا ند له، ولا شريك معه. ولكن الذين آمنوا ليسوا كذلك، فهم لا يشركون به شيئا، ويعبدونه وحده، ولتمام معرفتهم به فإن حبهم له لا يعدله حب. وبعد أن بين الله هذا توعد المشركين الظالمين لأنفسهم بذلك، فأعملهم أن الحكم له وحده لا شريك له، وأن جميع الأشياء تحت قهره وسلطانه، وإذ يعاينون العذاب فسيعلمون ذلك تماما بأن القوة كلها لله. فلو أن الكافرين والمشركين يعلمون ما يعاينونه يوم القيامة، وما يحل بهم من الأمر الفظيع الهائل على شركهم وكفرهم لانتهوا عما هم فيه من الضلال. ثم أخبر تعالى عن كفرهم بأوثانهم وشركائهم وزعمائهم وآلهتهم، وكيف تبرأ المتبوعون من التابعين. وكيف يتمنى التابعون أن لو تتاح لهم فرصة ليبرءوا من المتبوعين. التفسير الحرفي: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً: أي أمثالا ونظراء. يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ: أي يعظمونهم ويخضعون لهم كتعظيم الله والخضوع له ومحبته. أو أنهم يحبونهم كحب المؤمنين لله وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ من الكافرين والمشركين والملحدين لمن أعطوهم صفات الألوهية وخصائصها. لأن المؤمنين لا يعدلون عن الله إلى غيره بحال وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا: أي الذين اتخذوا من دون الله أندادا. دل

стр. 340

ذلك على أن الشرك والكفر ظلم للنفس أي ظلم. إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ يوم القيامة أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ أي: عذابه شديد. فصار المعنى: لو يعلم هؤلاء الذين ارتكبوا الظلم العظيم بشركهم أن القدرة كلها لله تعالى على كل شئ من الثواب والعقاب دون أندادهم. ويعلمون شدة عقابه للظالمين إذا عاينوا العذاب يوم القيامة- والجواب المقدر- لكان منهم ما لا يدخل تحت الوصف من الندم والحسرة إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا أي الرؤساء المتبوعون مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا أي الأتباع. وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ أي الوصل التي كانت بينهم من الاتفاق على دين واحد، أو مذهب واحد، أو اتجاه واحد، ومن الأنساب والمحاب وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً أي قال الأتباع: لو أن لنا عودة ورجعة إلى الدار الدنيا فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا أي: حتى نتبرأ من هؤلاء ومن عبادتهم واتباعهم وطاعتهم كما تبرءوا منا. كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ أي ندامات. والمعنى: أن أعمالهم تنقلب عليهم حسرات. فلا يرون إلا حسرات مكان أعمالهم. وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ بل هم فيها دائمون. فوائد: ١ - الصلة المباشرة بين هذه المجموعة والآية التي قبلها مباشرة واضحة، إذ إن الآية تدلل على وحدانية الله من خلال آياته في الكون. فكأن السياق يقول ومع هذا البرهان النير على توحيد الله، فإن من الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله. فماذا يستحق هؤلاء من عذاب؟. وإذن فمن قوله تعالى: وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ .. إلى نهاية هذا المقطع إنما هو أمر بالتوحيد الخالص المبني على الدليل الذي من آثاره المحبة الخالصة. فصارت التوجيهات العامة في هذا المقطع السادس: أن على المسلم أن يستعين بالصبر والصلاة، وألا يقول بموت الشهيد، وأن يسترجع حال المصيبة، وأن يسعى بين الصفا والمروة إذا حج أعتمر، وأن يبين حكم الله فلا يكتمه وألا يكفر، وأن يوحد التوحيد الخالص بالمحبة الخالصة. وارتباط هذه المعاني بالسياق الكبير واضح. فهذه الأمة لا تتلقى إلا عن الله بواسطة رسوله، ولا تهتدي إلا بهداه في شعائرها وشرائعها. ومما يساعدها على ذلك،

стр. 341

الاستعانة بالصبر والصلاة والاسترجاع. وفي معرض ذلك ذكر من الشعائر السعي. فهو وضع قديم أقر فأخذ قوة من الإقرار لا من العمل السابق. وإذا أقره الله، أخذ محله في عمل المسلم، والهدى يحتاج إلى توضيح وتبيان، لا إلى كفر وكتمان. ومرجع كل هذا إلى التوحيد الذي تنبثق عنه الشرائع والشعائر والمشاعر والعواطف. ٢ - لو في اللغة العربية إذا جاءت فيما يشوق إليه أو يخوف منه قلما توصل بجواب، ليذهب القلب في جوابها كل مذهب. وكذلك هي في هذا المقطع: وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ الجواب ما ذكرناه أي لكان منهم ما لا يدخل تحت الوصف من الندم والحسرة. ٣ - لو، وإذ: تدخلان على الماضي في الأصل. ولكنهما في المقطع دخلتا على المستقبل لأن إخبار الله تعالى عن المستقبل باعتبار صدقه كالماضي. ٤ - في الصحيحين عن ابن مسعود ﵁ قال: قلت يا رسول الله: أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندا وهو خلقك». ٥ - دل قوله تعالى وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ أن من مقتضيات الإيمان الواضحة الكبيرة محبة الله. ومحبة الله تكون أثرا عن الشعور بنعمه. قال ﵇: «أحبوا الله لما يغذوكم من نعمه .. ». ولكن القلب لا يحس بها إلا إذا تحرر من أمراضه. كالحسد والكبر والنفاق. ومن ثم كانت ذروة السير إلى الله، محبة الله. وطريق ذلك الإقبال على الله بالفرائض والنوافل: «وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه». فإذا أحبه الله أعطاه بما يشعره بالمحبة: «فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي عليها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه». وعندئذ يفيض القلب بالمحبة لله بما لا يعرفه إلا أهله. ٦ - دلت الآيات الأخيرة على أن الاتباع في غير طريق الله شرك يعقب ندامة يوم القيامة. فلينظر الإنسان من يتبع؟ وعلى ماذا؟ وبماذا؟ وإلا فإنه سيكون من النادمين. فإذا قال الله: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً (سورة التوبة) لمن تابعوا رجال دينهم في تحليل الحرام وتحريم الحلال!! فكيف بمن يتبع من لا يعترف بحلال وحرام أصلا؟.

стр. 342

نقل القرطبي عن ابن عباس والسدي في تفسير الأنداد في آية وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً قولهما: (المراد بالأنداد: الرؤساء المتبعون. يطيعونهم في معاصي الله). ٧ - عند قوله تعالى: كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ قال الألوسي: «واستدل بالآية من ذهب إلى أن الكفار مخاطبون بالفروع. وقال الألوسي عند قوله تعالى: وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ: ففيه إشارة إلى عدم خلود عصاة المؤمنين». ٨ - يفهم من المجموعة أن التوحيد بدايته اعتقاد الوحدانية لله، ثم البناء على ذلك. فمن لم يعط الله الخضوع والاستسلام، ويعرف له حقه في العبادة والطاعة فليس موحدا. أما من عرف ذلك ولم يأت بناقض للشهادتين فإنه يكون موحدا ولو ارتكب بعض المعاصي مما لا يعتبر نقضا للشهادتين، ولكنه يكون فاسقا. مثل هذا لا يخلد في النار- إن دخلها ولم يعف الله عنه- أما الكافرون فليس لهم خروج من النار بنص الآية وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ. فضلا عن أن يكون لهم دخول في الجنة: وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ (سورة الأعراف). كلمة في الفقرة الثانية: ١ - بعد أن بين الله ﷻ في نهاية الفقرة الأولى ما يستحقه الكافرون من عذاب خالد دائم، بين أنه واحد ورحمن ورحيم. وفي ذلك رد وبيان: رد على من يظن أن ذلك العذاب ينافي الرحمة الإلهية. كيف وهم أهل لذلك؟! ومن الرحمة العدل، ومن العدل ألا يكون الكافرون والمؤمنون سواء، ثم هي بيان في هذا كله. وتأتي الآية اللاحقة لتقيم الحجة على أحديته وعلى رحمته، من خلال ظواهر الخلق والعناية والحكمة وغير ذلك. ثم تأتي المجموعة الأخيرة لتبين كيف أن بعض الناس مع ذلك يشركون!!؟ ٢ - كررنا كثيرا أن هذه الفقرة هي نهاية القسم الأول من أقسام سورة البقرة. ومن جملة أدلتنا على ذلك التشابه بين بداية هذا القسم، وهذه الفقرة. فلنلاحظ ذلك من خلال الأسطر التالية: بدأ القسم بقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ

стр. 343

ويقابلها في الفقرة الآية الأولى: وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ. وقد جاء بعد الآية الأولى في بداية القسم قوله تعالى: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ. ويقابلها في الفقرة الآية الثانية: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ. وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ. وقد ختمت الآية الثانية في بداية هذا القسم بقوله تعالى: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ. ثم جاء بعد ذلك قوله تعالى وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ. وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ .... إن هذا يقابله في الفقرة قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ. وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ. وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ .... إن هذا التشابه الكبير بين بداية القسم وهذه الفقرة، توحي بأن السياق قد بدأ بشيء واستقر عليه. خاصة وأنت ترى أن ما بين بداية القسم وخاتمته، كانت آيات كثيرة وفقرات ومقاطع كلها خدمت السياق. ولكن لم يظهر فيها مثل هذا التشابه، حتى إن هذا التشابه وحده يكاد يشكل نقطة علام على سياق السورة وأقسامها.

стр. 344

كلمة أخيرة في المقطع السادس والقسم كله: إن هذا المقطع كما أنه خاتمة قسم، فهو مقدمة مباشرة للقسم اللاحق. وإن القسم الأول والقسم اللاحق يتعانقان حتى ليكادان يشكلان قسما واحدا. فهما يبنيان مع المقدمة قضية التقوى ليأتي القسم الثالث ليبني على ذلك الإسلام كله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً. فالقسم الثالث في السورة يبني على القسمين السابقين، والقسم الثاني في السورة يبني على القسم الأول الذي جاء بعد المقدمة. فمثلا: القسم الأول بدأ بالدعوة إلى العبادة والتوحيد. وختم بذلك. وفي بدايات القسم الثاني يأتي قوله تعالى: وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ. وكل ذلك سنراه تفصيلا. لقد جاءت المقدمة لتبين التقوى وتصف أهلها، كما بينت الكفر والنفاق ووصفت أهل ذلك. وجاء القسم الأول ليدلنا على طريق التقوى وطريق الكفر والنفاق، وحدد بداية الطريق للتقوى، أنه العبادة والتوحيد. وسيأتي القسم الثاني ليكمل معاني ويبني على معان، ويفصل بناء على ما مر في قضية التقوى، وليدلنا على طرق أخرى للتقوى. والمقطع السادس والأخير في القسم الأول هو بمثابة المقدمة للقسم الثاني. فكما سبق القسم الأول بمقدمة، فقد جاء المقطع الأخير من القسم بمثابة مقدمة للقسم الثاني. ومن ثم كان هناك تشابه بين مقدمة سورة البقرة وهذا المقطع. في مقدمة سورة البقرة: كلام عن المتقين الذين من صفاتهم اهتداؤهم بالقرآن، وإيمانهم وإقامتهم الصلاة. وقد ختم الكلام عنهم بقوله تعالي: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ لاحظ قوله تعالي: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ. وجاء المقطع السادس وفي بدايته أمر بالاستعانة بالصبر والصلاة. وختمت مجموعة الصبر بقوله تعالى. أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ. ثم جاءت بعد ذلك آية فيها هداية قرآنية في شأن الصفا والمروة، ثم آية في التحذير من كتمان شئ من كتاب الله. وكل ذلك له صلة ما بالكلام عن المتقين

стр. 345

وصفاتهم في مقدمة سورة البقرة. ثم جاء في مقدمة سورة البقرة قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ. خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ، وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ. وجاء بعد آية الكتمان في المقطع قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ. ثم جاءت آيتان تضمنتا بيانا في التوحيد والرحمة، هو بمثابة رد على زاعمين. وفي مقدمة سورة البقرة يأتي الكلام عن المنافقين ويبدأ بقوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ .... وآخر مجموعة في المقطع تأتي حديثا عن المشركين، وأولها قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ. فكان المقطع السادس خاتمة قسم، ولكنه بمثابة المقدمة لقسم آخر. ولذلك- وكما تتعانق المعاني بين القسم الأول والثاني من سورة البقرة، فإن المعاني تتعانق بين المقطع السادس والأخير من القسم الأول، وبين المقطع الأول من القسم الثاني، ومن مظاهر هذا العناق أن المقطع السادس فيه قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى .... إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ .... وأن المقطع الأول من القسم الثاني فيه: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً .... إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا. وقد آن الأوان لنقول كلمة عما مر معنا من سورة البقرة: جاءت مقدمة سورة البقرة لتبين أن هناك تقوى وضلالا، ثم جاء المقطع الأول مقطع الطريقين ليبين طريق التقوى؛ وطريق الكفر والنفاق. وأن طريق التقوى: هو العبادة والتوحيد والإيمان والعمل الصالح. وأن طريق الضلال: هو نقض الميثاق وقطع

стр. 346

ما أمر الله به أن يوصل والإفساد في الأرض. وجاءت المقاطع الخمسة اللاحقة لتعمق هذا كله. فمن خلال مقطع آدم ﵇ اتضحت أمور، ومن خلال مقطع بني إسرائيل اتضحت أمور، ومن خلال مقطع إبراهيم اتضحت أمور، ومن خلال مقطع القبلة اتضحت أمور، ومن خلال مقطع الذكر والصبر والشكر وترك الكفران اتضحت أمور. وكلها تعمق قضايا مرتبطة في المقطع الأول، وفي المقدمة، وتمهد لمرحلة قادمة نراها في القسم الثاني من أكل الحلال في الأرض إلى الحج. ولئن دل القسم الأول على الطريقين. فإن القسم الثاني في أغلبيته، سيكمل الدلالة على طريق المتقين. ولأمر ما، فإن المقطع الأول من القسم الثاني ينتهي بآية البر، التي هي تلخيص لكل ما سبقها في شأن التقوى- مما عمق السياق الطويل لسورة البقرة ليكون ذلك قبل جولة جديدة تتحدث عن القصاص كطريق للتقوى. وعن الصيام كطريق للتقوى. وإذا كانت مقدمة سورة البقرة واضحة الصلة مع الفاتحة من خلال كلمة الهداية: ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ. وإذا كان القسم الأول من سورة البقرة واضح الصلة بالفاتحة من خلال كلمة العبادة يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ إِيَّاكَ نَعْبُدُ. فإن القسم الثاني واضح الصلة بالفاتحة من خلال كلمة الشكر: وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ. وهكذا يأتي سياق سورة البقرة مفصلا لشئون وردت في سورة الفاتحة. ومبينا، حكمة تسلسل ورود المعاني فى سورة الفاتحة على نظامها المعروف. ولعل ما ذكرناه في هذه الكلمة يصلح في الوقت نفسه تمهيدا للبدء في الكلام عن القسم الثاني من أقسام سورة البقرة فلننتقل إليه: مر معنا فيما مضى تفسير مقدمة سورة البقرة والقسم الأول منها، وقد رأينا أن المقدمة

стр. 347

تحدثت عن أصناف الناس فجعلتهم ثلاثة أصناف: متقين وكافرين ومنافقين، ثم جاء القسم الأول فدعا الناس إلى سلوك الطريق الذي يتحررون به من الكفر وانفاق، ويكونون به من المتقين فعم وخص في الدعوة، وكان المضمون الرئيسي الذي بينه القسم الأول: أن التوحيد والعبادة والإيمان والعمل الصالح هي الطريق إلى التقوى، وأن نقض العهد وقطع ما أمر الله به أن يوصل، والإفساد في الأرض هو الطريق إلى الكفر والنفاق، وأن بداية ذلك كله الكبر والحسد والمعصية، وأن أهل الكتاب الأول عليهم أن يعقلوا معاني كثيرة إذا أرادوا أن يحققوا تقواهم ويتحرروا من أمراضهم، وقد أرانا الله في القسم الأول النموذج الكامل للتقي، وعرفنا على محل القبلة في الصلاة، وذلك في سياق الأمر بالعبادة التي هي طريق التقوى، وطالبنا بالاستعانة بالصبر والصلاة، ودلنا على معالم العبادة والتوحيد اللذين هما طريق التقوى، وكانت خاتمة القسم المجموعة التي أعلنت التوحيد وأدلته، واستحقاق أهل الشرك العقوبة، وبعد ذلك كله وغيره يأتي القسم الثاني من أقسام سورة البقرة، التي تتألف من: مقدمة وأقسام ثلاثة وخاتمة. وهذا أوان الكلام عن القسم الثاني، ونرجو من القارئ ألا ينفد صبره وهو يرانا نعيد الكرة مرة بعد مرة في توضيح قضية السياق فإن الأمر يحتاج لذلك.

стр. 348

القسم الثاني من أقسام سورة البقرة ويمتد من الآية (١٦٨ - ٢٠٧)

стр. 349

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ القسم الثاني من أقسام سورة البقرة ويمتد من الآية (١٦٨ - ٢٠٧) كلمة في هذا القسم: يبدأ هذا القسم بالآية (١٦٨). يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً وينتهي بنهاية الآية (٢٠٧): وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ. وكما أن القسم الأول في سورة البقرة بدئ بقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ ... فإن هذا القسم بدئ بالنداء نفسه: يا أَيُّهَا النَّاسُ. وهما النداءان الوحيدان اللذان وردا بهذه الصيغة في سورة البقرة. وكما أن القسم الأول سبق بفقرة مبدوءة بقوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ. فهذا القسم مسبوق بمجموعة مبدوءة بقوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ. وكما ختمت مقدمة سورة البقرة بفقرة: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ...

стр. 350

وختم القسم الأول بقوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً .. فإن هذا القسم يختم بمجموعة تتحدث عن صنفين من الناس: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ .... وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ. ولقد رأينا أن القسم الأول في مقاطعه قد عرض لمعان. وهاهنا نلاحظ أن تلك المقاطع قد وطأت للمعاني التي سترد معنا في القسم الثاني. حتى لنكاد نرى توطئة على تسلسل معين لمعان على نفس التسلسل نجدها في القسم الثاني: فمثلا نجد المقطع الأول في القسم الأول يختم بقوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً .... ويأتي بعده مقطع آدم. وفيه كلام عن طريق الشيطان. ويبدأ القسم الثاني بقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ. وفي مقطع بني إسرائيل كلام عن كتمان ما أنزل الله، وعن البر. ويأتي في المقطع الأول من القسم الثاني كلام عن الكتمان والبر. وفي مقطع بني إسرائيل كلام عن قتل ظالم. ويأتي في القسم الثاني بعد آية البر كلام عن القصاص. وفي مقطع بني إسرائيل أشياء أخرى سنرى صلتها بأشياء في القسم الثاني. ثم في القسم الأول مقطع إبراهيم، وفيه كلام عن المناسك. وفي أواخر القسم الثاني كلام عن الحج والعمرة. وفي موضوع توطئة القسم الأول لمعاني القسم الثاني سنجد تفصيلات أثناء عرضه. ونكتفي هنا بهذه الإشارة. ولقد دلنا القسم الأول على الطريق إلى التقوى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ .. لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. وسنرى أن القسم الثاني يكمل الدلالة على التقوى، ويفصل فيما يدخل فيها. ويبين لنا تفصيلات في طريق إقامتها والوصول إليها: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ .... لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ .... لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ.

стр. 351

وجاءت في هذا القسم آية البر، وفيها تعريف مفصل للمتقين. ولذلك ختمت بقوله تعالى: وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ. ثم جاء بعدها آيات القصاص كطريق مساعد لإقامة التقوى في المجتمع. ثم جاءت آيات الوصية لتدل على حق على المتقين. ولذلك ختمت بقوله تعالى: حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ. ثم جاءت آيات الصيام لتدل على طريقين للتقوى. ثم تأتي آية فيها المنع عن الرشوة، وذلك من التقوى. ثم تأتي آية السؤال عن الأهلة، ودخول البيوت من غير أبوابها؛ وفيها: وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى .. وَاتَّقُوا اللَّهَ ... ثم آيات في القتال والإنفاق وفيها: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ثم تأتي آيات في الحج والعمرة وفيها: وَاتَّقُوا اللَّهَ. وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ. وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى وَاتَّقُوا اللَّهَ. ثم تأتي مجموعة الختام وفيها: وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ. إن القسم الثاني يكمل القسم الأول. ويكمل مقدمة سورة البقرة في الدلالة على التقوى أركانا وطريقا واستقامة. ومن خلال القسم الأول والثاني، نعرف محل أركان الإسلام الخمسة في قضية التقوى. فالملاحظ أن مقدمة سورة البقرة ذكرت من أركان الإسلام: الإيمان والصلاة والإنفاق. أي الشهادتين والصلاة والزكاة. وذكر القسم الثاني من أركان الإسلام: الصوم والحج. وكان الحج آخر ما ذكر في القسم الثاني من الأركان وبعد ذلك يأتي القسم الثالث الذي يأمر بالدخول في الإسلام كله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً أي في الإسلام جميعا وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ. وفي ذلك كله مظهر من مظاهر وحدة السورة وتكامل معانيها، وارتباط بعضها ببعض. ومظاهر الإعجاز في ذلك لا تخفى. والملاحظ أن بداية القسم الأول كان فيها أمر ونهي: اعْبُدُوا رَبَّكُمُ .. فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً. وأن بداية القسم الثاني فيها أمر ونهي: كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ. ومن ورود كلمة: يا أَيُّهَا النَّاسُ* مرتين فقط في سورة البقرة: ندرك أن الإسلام يخاطب الناس كل الناس بأوليات محددة. حتى إذا استجابوا خوطبوا بتفصيلات أخرى. من هذه الأوليات: العبادة، والتوحيد، وأكل الحلال، وعدم اتباع خطوات الشيطان وهذا

стр. 352

شئ نجد مظاهره في حياة رسول الله ﷺ . فمثلا عند ما أرسل معاذا إلى اليمن، أمره أن يدعوهم إلى التوحيد. فإن استجابوا، فليأمرهم بالصلاة. فإن استجابوا، فليأمرهم بالزكاة. وهذه قضية ينبغي أن يفطن لها الدعاة. والملاحظ أن هذا القسم بدأ بقوله تعالى: كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً .... وانتهى بمجموعة فيها: وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها ... فقد وردت كلمة الْأَرْضِ في البداية والنهاية. وسنرى صلة ذلك بقوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً. فالبشرية على هذه الأرض كافرة كلها إذا لم تدخل في الإسلام. وإذا دخلت في الإسلام، فما لم تخط الخطوة التالية في السير إلى التقوى والاستقامة. فإنها تكون مفرطة. وقد ختم القسم الثاني بمجموعة فيها حديث عن صنفين من الناس، وختم القسم الأول بحديث عن صنف من الناس، وختمت المقدمة بالحديث عن صنف من الناس، وكل ذلك باستعمال كلمتي: وَمِنَ النَّاسِ التي لا تأتي بعد ذلك في سورة البقرة مرة أخرى. وكأنه بذلك قد عرفنا أصناف الناس حقا وعدلا وحكما فصلا، ولنبدأ عرض مقاطع هذا القسم. المقطع الأول في القسم الثاني: يمتد هذا المقطع من الآية (١٦٨) إلى نهاية الآية (١٧٧) ويتألف من فقرتين وهذا هو: الفقرة الأولى [سورة البقرة (٢): الآيات ١٦٨ الى ١٧٣] يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (١٦٩) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ (١٧٠) وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ (١٧١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢) إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)

стр. 353

الفقرة الثانية

стр. 354

كلمة في هذا المقطع وسياقه: ١ - بدأ المقطع بالأمر بأكل الحلال وعدم اتباع خطوات الشيطان، ثم علل للنهي عن اتباع خطوات الشيطان، ثم عاب على من يتبع خطوات الآباء على ضلالهم وكفرهم، ثم مثل للكافرين فضرب لهم مثلا يعرف على حقيقة حالهم بما لا يصح معه اتباعهم. فاستقر بذلك أن الكتاب ينبغي أن يتبع، وأن الحلال الذي أحله الله هو الذي ينبغي أن يؤكل. وعندئذ يتوجه الخطاب إلى أهل الإيمان بأكل الطيبات والشكر، وبتبيان المحرمات من الأطعمة، وفي هذا السياق يذكر الله لنا نموذجين: نموذجا من الناس يكتم ما أنزل الله. ونموذجا استكمل صفات المتقين وخصائص التقوى. فكان مجئ ذكر هذين النموذجين هنا ارتقاء بالنفس إلى التسليم المطلق للحق وإعلانه والتحقق به. ٢ - جاء هذا المقطع بداية للقسم الثاني. وسبق بخاتمة القسم الأول. وقد قلنا عن خاتمة القسم الأول إنها كالمقدمة للقسم الثاني فنلاحظ الآن ما يلي: سبق هذا المقطع بشكل مباشر بالآيات: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ. وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ... إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا .... لاحظ قوله تعالى: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا إنه في هذا السياق يأتي المقطع وفي آيته الأولى نهي عن اتباع خطوات الشيطان، وفي آيته الثالثة: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا. فالصلة إذن على أشدها بين الآيات الأولى من المقطع وما سبقها مباشرة. وفي المقطع السابق على هذا المقطع ترد آية في موضوع كتمان الكتاب. وفي هذا المقطع ترد آيات في هذا الموضوع تفصل فيه. وفي المقطع السابق آيات الصبر. وتأتي في هذا المقطع آية البر التي فيها حديث عن الصبر: وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ فالصلة بين المقطع الأول من القسم الثاني والمقطع الأخير من القسم الأول واضحة جدا.

стр. 355

٣ - وفي نظرة متأملة لسورة البقرة، نجد كأن هذا المقطع يبني على المقاطع الثلاثة الأولى في القسم الأول، وعلى مقدمة سورة البقرة. وكأن ما جاء قبله بعد ذلك في السورة اقتضاه السياق، ثم عاد السياق مرة ثانية إلى مجرى معين. ولإدراك هذا المعنى نقول: أ- بدأت سورة البقرة بوصف المتقين والكافرين والمنافقين. وجاء مقطعهما الأول ليعمق الإدراك للطريق: طريق التقوى، وطريق الكفر والنفاق. وسار القسم الأول في السورة في هذا المجرى. ومن خلال ذلك كله عرفنا خصائص التقوى وصفات تفصيلية أكثر للمتقين. ومن ثم تأتي آية البر في نهاية هذا المقطع لتعرف لنا المتقين تعريفا يلخص كل ما قدمه لنا السياق من تفصيلات توضح التعريف الذي مر معنا في أول السورة. ب- في المقطع الأول من القسم الأول ورد قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ... ثم جاء مقطع آدم ﵇. وفيه عرفنا على عداء إبليس ومظاهر خطواته. وعرفنا كيف أن آدم ﵇ حرم عليه شئ فخالف، فعوقب. ويأتي هذا المقطع وكأنه يبني على ذلك كله: يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً. وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ .... يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ .. إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ .... وأوضح ما يظهر فيه البناء على المقطع الأول من القسم الأول: أن المقطع الأول من القسم الأول بدايته: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ... والآية التي سبقت آية التحريم هنا ختمت بقوله تعالى: وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ. وبعد قصة آدم في القسم الأول يأتي مدخل مقطع بني إسرائيل وفيه: وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ* وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ* وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ* أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ؟ وقد جاءت الفقرة الثانية في هذا المقطع وفيها: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ ....
следующие страницы →