Полный текст (6 440 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.
стр. 2906
الحاكم لنصرته تلبية للفطرة البشرية، وتهدئة للغليان الذي تستشعره نفس الولي. الغليان الذي قد يجرفه ويدفعه إلى الضرب يمينا وشمالا في حمى الغضب والانفعال على غير هدى فأما حين يحس أن الله قد ولّاه على دم القاتل، وأن الحاكم مجند لنصرته على القصاص، فإن ثائرته تهدأ ونفسه تسكن ويقف عند حد القصاص العادل الهادئ.
والإنسان إنسان فلا يطالب بغير ما ركب في فطرته من الرغبة العميقة في القصاص لذلك يعترف الإسلام بهذه الفطرة ويلبيها في الحدود المأمونة، ولا يتجاهلها فيفرض التسامح فرضا، إنما هو يدعو إلى التسامح ويؤثره ويحبب فيه، ويؤجر عليه. ولكن بعد أن يعطي الحق. فلولي الدم أن يقتص أو يصفح، وشعور ولي الدم بأنه قادر على كليهما قد يجنح به إلى الصفح والتسامح، أما شعوره بأنه مرغم على الصفح فقد يهيج نفسه ويدفع به إلى الغلو والجماح!».
٣ - [بمناسبة قوله تعالى وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ .. ]
وبمناسبة النهي عن قفو ما ليس للإنسان به علم قال صاحب الظلال: «والعقيدة الإسلامية عقيدة الوضوح والاستقامة والنصاعة. فلا يقوم شئ فيها على الظن أو الوهم أو الشبهة: وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ، إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا.
وهذه الكلمات القليلة تقيم منهجا كاملا للقلب والعقل، يشمل المنهج العلمي الذي عرفته البشرية حديثا جدا، ويضيف إليه استقامة القلب ومراقبة الله، ميزة الإسلام على المناهج العقلية الجافة.
فالتثبّت من كل خبر ومن كل ظاهرة ومن كل حركة قبل الحكم هو دعوة القرآن الكريم ومنهج الإسلام الدقيق ومتى استقام القلب والعقل على هذا المنهج لم يبق مجال للوهم والخرافة في عالم العقيدة. ولم يبق مجال للظن والشبهة في عالم الحكم والقضاء والتعامل، ولم يبق مجال للأحكام السطحية والفروض الوهمية في عالم البحوث والتجارب والعلوم. والأمانة العلمية التي يشيد بها الكثيرون في العصر الحديث ليست سوى طرف من الأمانة العقلية القلبية التي يعلن القرآن تبعتها الكبرى، ويجعل
الإنسان مسئولا عن سمعه وبصره وفؤاده، أمام واهب السمع والبصر والفؤاد.
إنها أمانة الجوارح والحواس والعقل والقلب، أمانة يرتعش الوجدان لدقتها وجسامتها كلما نطق اللسان بكلمة، وكلما روى الإنسان رواية، وكلما أصدر حكما على
стр. 2907
شخص أو أمر أو حادثة. وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ولا تتبع ما لم تعلمه علم اليقين، وما لم تتثبت من صحته: من قول يقال ورواية تروى. ومن ظاهرة تفسر أو واقعة تعلل. ومن حكم شرعي أو قضية اعتقادية.
وفي الحديث: «إياكم والظن فإن أكذب الحديث». وفي سنن أبي داود:
«بئس مطية الرجل: زعموا» وفي الحديث الآخر: «إن أفرى الفرى أن يري الرجل عينيه ما لم تريا».
وهكذا تتضافر الآيات والأحاديث على تقرير ذلك المنهج الكامل المتكامل الذي لا يأخذ العقل وحده بالتحرج في أحكامه، والتثبت في استقرائه؛ إنما يصل ذلك التحرج بالقلب في خواطره وتصوراته، وفي مشاعره وأحكامه، فلا يقول اللسان كلمة ولا يروي حادثة ولا ينقل رواية، ولا يحكم العقل حكما ولا يبرم الإنسان أمرا إلا وقد تثبّت من كل جزئية ومن كل ملابسة ومن كل نتيجة، فلم يبق هناك شك ولا شبهة في صحتها إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ حقا وصدقا ..
فوائد المجموعة الثالثة:
١ - [حديث حول آية لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولًا]
بمناسبة قوله تعالى: لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولًا يذكر ابن كثير ما رواه الإمام أحمد والترمذي بسند حسن صحيح غريب عن رسول الله ﷺ قال: «من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته، ومن أنزلها بالله أرسل الله له بالغنى إما آجلا وإما غنى عاجلا».
٢ - [كلام ابن كثير عند قوله تعالى وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً]
بمناسبة قوله تعالى: وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً. قال ابن كثير: وقد جاء في بر الوالدين أحاديث كثيرة منها الحديث المروي من طرق عن أنس وغيره أن النبي ﷺ لما صعد المنبر قال: «آمين آمين آمين» قيل يا رسول الله علام أمّنت؟ قال: «أتاني جبريل فقال يا محمد رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل عليك، ثم قال: رغم أنف رجل أدرك والديه أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة، قل آمين، فقلت: آمين». وروى الإمام أحمد .... عن أبي أسيل وهو مالك بن ربيعة الساعدي قال: فبينما أنا جالس عند رسول الله ﷺ إذ جاءه رجل من الأنصار فقال يا رسول الله هل بقي عليّ من بر أبويّ شئ بعد موتهما أبرهما به؟ قال: «نعم خصال أربع: الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما، وإكرام صديقهما، وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا من قبلهما فهو
стр. 2908
الذي بقي عليك من برّهما بعد موتهما» ورواه أبو داود وابن ماجه من حديث عبد الرحمن بن سليمان.
روى الإمام أحمد ... عن معاوية بن جاهمة السلمي أن جاهمة جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أردت الغزو وجئتك أستشيرك؟ فقال: «فهل لك من أمّ؟» قال نعم. قال: «فالزمها فإن الجنة عند رجليها» ثم الثانية ثم الثالثة في مقاعد شتى كمثل هذا القول، ورواه النسائي وابن ماجه من حديث ابن جريج به.
وروى الإمام أحمد ... عن المقدام بن معد يكرب عن النبي ﷺ قال: «إن الله يوصيكم بآبائكم، إن الله يوصيكم بأمهاتكم، إن الله يوصيكم بأمهاتكم، إن الله يوصيكم بأمهاتكم، إن الله يوصيكم بالأقرب فالأقرب». وأخرجه ابن ماجه من حديث عبد الله بن عياش به».
٣ - [تفسير لكلمة (الأواب) في قوله تعالى فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً]
رأينا تفسير الأوّاب في صلب التفسير غير أن بعض المفسرين فسره بعلامة من علاماته. وقد جمع ابن كثير هذه الأقوال. قال: قال سعيد بن جبير هو الرجل تكون منه البادرة إلى أبويه وفي نيته وقلبه أنه لا يؤخذ به، وفي رواية لا يريد إلا الخير بذلك فقال: رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ وقوله فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً قال قتادة للمطيعين أهل الصلاة. وعن ابن عباس: المسبّحين وفي رواية عنه المطيعين المحسنين، وقال بعضهم: هم الذين يصلون بين العشاءين. وقال بعضهم: هم الذين يصلون الضحى، وقال شعبة عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب في قوله فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً قال: الذين يصيبون الذنب ثم يتوبون:
ويصيبون الذنب ثم يتوبون، وكذا رواه عبد الرزاق عن الثوري ومعمر عن يحيى بن سعيد عن ابن المسيب بنحوه. وكذا رواه الليث وابن جرير عن ابن المسيب به، وقال عطاء بن يسار وسعيد بن جبير ومجاهد: هم الراجعون إلى الخير، وقال مجاهد عن عبيد ابن عمير في الآية هو الذي يذكر ذنوبه في الخلاء فيستغفر الله منها ووافقه مجاهد في ذلك، وقال عبد الرزاق حدثنا محمد بن مسلمة عن عمرو بن دينار عن عبيد بن عمير في قوله: فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً قال: كنا نعد الأواب الحفيظ أن يقول:
اللهم اغفر لي ما أصبت في مجلسي هذا، قال ابن جرير: والأولى في ذلك قول من قال هو التائب من الذنب الرجّاع من المعصية إلى الطاعة، مما يكره الله إلى ما يحبه ويرضاه، وهذا الذي قاله هو الصواب لأن الأوّاب مشتق من الأوب وهو الرجوع. يقال: آب
стр. 2909
فلان إذا رجع قال تعالى: إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ (الغاشية: ٢٥) وفي الحديث الصحيح أن رسول الله صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلّم كان إذا رجع من سفر قال: «آئبون تائبون لربنا حامدون».
٤ - [اتجاه آخر لمعنى التبذير في الآية وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ .. ]
ذكرنا في صلب التفسير ما يفيد معنى التبذير، ونذكر هنا أن هناك اتجاها ثانيا في تفسير التبذير تفسره هذه الحادثة: أنفق بعضهم نفقة في خير فأكثر فقال له صاحبه: لا خير في السرف. فقال: لا سرف في الخير. قال ابن مسعود: التبذير الإنفاق في غير حق، وكذا قال ابن عباس، وقال مجاهد: لو أنفق إنسان ماله كله في الحق لم يكن مبذّرا، ولو أنفق مدّا في غير حق كان مبذرا. وقال قتادة: التبذير النفقة في معصية الله تعالى، وفي غير الحق، والفساد.
٥ - [الحقوق المالية المفروضة على المسلم]
قد رأينا أن الحق المفروض لذي القربي هو النفقة إن كان فقيرا، وتفصيل ذلك في كتب الفقه. والحق المفروض للمسكين وابن السبيل الزكاة. وفي المال حق سوى الزكاة. وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد ما يلقي ضوءا على هذا الموضوع. روى الإمام أحمد عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: أتى رجل من بني تميم إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله: إني ذو مال كثير، وذو أهل وولد وحاضرة، (أي قرابة) فأخبرني كيف أنفق وكيف أصنع؟ فقال رسول الله ﷺ : «تخرج الزكاة من مالك إن كان؛ فإنها طهرة تطهّرك، وتصل أقرباءك، وتعرف حق السائل والجار والمسكين» فقال: يا رسول الله أقلل؟ قال: «فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذّر تبذيرا» فقال: حسبي يا رسول الله إذا أديت الزكاة إلى رسولك فقد برئت منها إلى الله وإلى رسوله؟ فقال رسول الله ﷺ : «نعم إذا أديتها إلى رسولي فقد برئت منها ولك أجرها، وإثمها على من بدّلها».
٦ - [حديثان بمناسبة قوله تعالى وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى]
وبمناسبة قوله تعالى: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى يذكر ابن كثير حديثين: أولهما: أخرج الإمام أحمد عن أبي أمامة: أن فتى شابا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ائذن لي بالزنا، فأقبل القوم عليه فزجروه وقالوا: مه مه فقال: «ادنه» فدنا منه قربيا فقال: «اجلس» فجلس فقال: «أتحبه لأمك»؟ قال: لا والله، جعلني الله فداك قال: «ولا الناس يحبونه لأمهاتهم» قال: «أفتحبه لابنتك؟» قال: لا والله يا رسول الله جعلني الله فداك. قال: «ولا الناس يحبونه لبناتهم». قال: «أفتحبه لأختك؟» قال: لا والله جعلني الله فداك. قال: «ولا الناس يحبونه لأخواتهم». قال: أفتحبه
стр. 2910
لعمّتك؟» قال: لا والله جعلني الله فداك. قال: «ولا الناس يحبونه لعماتهم».
قال: «أفتحبه لخالتك؟» قال: لا والله جعلني الله فداك. قال: «ولا الناس يحبونه لخالاتهم». قال: فوضع يده عليه وقال: «اللهم اغفر ذنبه وطهّر قلبه وأحصن فرجه» قال: فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شئ.
ثانيهما: أخرج ابن أبي الدنيا بسنده عن الهيثم بن مالك الطائي عن النبي ﷺ قال: «ما من ذنب بعد الشرك أعظم عند الله من نطفة وضعها رجل في رحم لا يحل له».
٧ - [فهم ابن عباس الدقيق للآية وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً .. ]
لابن عباس ترجمان القرآن فهوم دقيقة لكتاب الله من ذلك ما ذكره ابن كثير عند قوله تعالى: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً. قال ابن كثير: وقد أخذ الإمام الحبر ابن عباس من عموم هذه الآية الكريمة ولاية معاوية السلطنة أنه سيملك، لأنه كان ولي عثمان، وقد قتل عثمان مظلوما ﵁، وكان معاوية يطالب عليا رضي الله أن يسلمه قتلته حتى يقتص منهم، لأنه أمويّ، وكان علي ﵁ يستمهله في الأمر حتى يتمكن ويفعل ذلك، ويطلب علي من معاوية أن يسلّمه الشام، فيأبى معاوية ذلك حتى يسلمه القتلة، وأبى أن يبايع عليا هو وأهل الشام، ثم مع المطاولة تمكن معاوية وصار الأمر إليه، كما تفاءل ابن عباس واستنبطه من هذه الآية الكريمة، وهذا من الأمر العجيب، وقد روى ذلك الطبراني في معجمه حيث قال: ... عن زهدم الجرمي: كنا في سمر ابن عباس، فقال إني محدثكم بحديث ليس بسر ولا علانية، إنه لما كان من أمر هذا الرجل ما كان- يعني عثمان- قلت لعلي: اعتزل فلو كنت في جحر طلبت حتى تستخرج فعصاني، وأيم الله ليتأمّرنّ عليكم معاوية وذلك أن الله يقول: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ الآية. وليحملنكم قريش أي يا قريش على سنة فارس والروم، وليقيمن عليكم النصارى واليهود والمجوس، فمن أخذ منكم يومئذ بما يعرف نجا، ومن ترك- وأنتم تاركون- كنتم كقرن من القرون، هلك فيمن هلك»
٨ - [حديث بمناسبة الآية وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ]
وبمناسبة قوله تعالى: وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ. ذكر ابن كثير الحديث الذي رواه الإمام مسلم: أن رسول الله ﷺ قال لأبي ذر: «يا أبا ذر إني أراك ضعيفا وإني أحب لك ما أحب لنفسي لا تأمّرن على اثنين، ولا تولين مال يتيم».
٩ - [ما قاله ابن عباس عند آية وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ .. ]
وبمناسبة قوله تعالى: وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ قال ابن كثير: وابن عباس
стр. 2911
كان يقول: يا معشر الموالي إنكم وليتم أمرين بهما هلك الناس قبلكم، هذا المكيال وهذا الميزان، وقال: وذكر لنا أن نبي الله ﵊ كان يقول: «لا يقدر رجل على حرام ثم يدعه ليس به إلا مخافة الله إلا أبدله الله به عاجل الدنيا قبل الآخرة ما هو خير له من ذلك».
١٠ - [فوائد من قوله تعالى وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ]
رأينا أن معنى قوله تعالى: وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ هو: ولا تتبع ما ليس لك به علم. وإذا نهينا عن الاتباع، فقد نهينا كذلك عن القول من باب أولى، فلازم النهي عن اتباع ما ليس لنا به علم ألا نتكلم بما ليس لنا به علم ومن ثم فقد فسر بعض المفسرين الآية بمثل هذا. وقد ذكر ابن كثير هذا الاتجاه فقال: قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (أي في تفسير قوله تعالى: وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ يقول: لا تقل. وقال العوفي عنه: لا ترم أحدا بما ليس لك به علم. وقال محمد بن الحنفية: يعني شهادة الزور، وقال قتادة: لا تقل رأيت ولم تر، وسمعت ولم تسمع، وعلمت ولم تعلم. فإن الله تعالى سائلك عن ذلك كله، ومضمون ما ذكروه أن الله تعالى نهى عن القول بلا علم أي بالظن الذي هو التوهم والخيال كما قال تعالى:
اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ (الحجرات: ١٢) وفي الحديث:
«إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث». وفي سنن أبي داود: «بئس مطية الرجل:
زعموا» وفي الحديث الآخر: «إن أفرى الفرى أن يري الرجل عينيه ما لم تريا». وفي الصحيح: «من تحلّم حلما كلف يوم القيامة أن يعقد بين شعرتين وليس بفاعل».
١١ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً]
وبمناسبة قوله تعالى: وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً قال ابن كثير: (بل قد يجازى فاعل ذلك بنقيض قصده كما ثبت في صحيح مسلم: «بينما رجل يمشي فيمن كان قبلكم، وعليه بردان يتبختر فيها، إذ خسف به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة». وكذلك أخبر الله تعالى عن قارون أنه خرج على قومه في زينته، وأن الله خسف به وبداره الأرض. وفي الحديث «من تواضع لله رفعه الله فهو في نفسه حقير وعند الناس كبير، ومن استكبر وضعه الله، فهو في نفسه كبير وعند الناس حقير، حتى لهو أبغض إليهم من الكلب والخنزير». وقال أبو بكر بن أبي الدنيا في كتاب (الخمول والتواضع): ... عن أبي بكر الهذلي قال: بينما نحن مع الحسن إذ مرّ عليه ابن الأهيم وعليه جباب خزّ قد نضّد بعضها فوق بعض على ساقه، وانفرج عنها قباؤه وهو يمشي ويتبختر، إذ نظر إليه الحسن نظرة فقال: أف أف، شامخ بأنفه، ثاني عطفه،
стр. 2912
مصعّر خدّه، ينظر في عطفيه، أي حميق ينظر في عطفيه في نعم غير مشكورة ولا مذكورة، غير المأخوذ بأمر الله فيها، ولا المؤدّى حق الله منها، والله إن يمشي أحدهم طبيعته يتلجلج تلجلج المجنون في كل عضو منه نعمة؛ وللشيطان به لعنة، فسمعه ابن الأهيم فرجع يعتذر إليه، فقال لا تعتذر إليّ وتب إلى ربك أما سمعت قول الله تعالى:
وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا.
١٢ - [فائدة هامة وجليلة حول الفهم الصحيح لآية وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ]
وهناك فائدة محلها التقديم ولكن أخرناها لأهميتها. وهي: إن من أهم مناحي الخطأ في فهم النصوص التعسف والتكلف في فهمها، وتحميلها ما لا تحتمل، وإدخال قضايا تحتها ليست داخلة فيها. ومن ذلك أن بعض الناس فهموا من قوله تعالى وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ بطلان الاجتهاد، وعدم جواز اتباع مجتهدي هذه الأمة.
وهذا خطأ. لأن الاجتهاد في المواطن التي أباح الشارع فيها الاجتهاد- إذا كان من أهله- نوع علم. قال تعالى: فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ (الممتحنة: ١٠) فالعلم الوارد في هذا النص أثر عن الاجتهاد ومع ذلك سماه الله علما.
ثم يجب أن نعلم أن الآية في باب العقائد، وأما في باب الفروع فغالب الظن عند المجتهدين يقام مقام اليقين، ومن ثم أخذنا بخبر الآحاد مع أنه يفيد غالب الظن لا القطع على القول الراجح. والذي جعل خبر الآحاد يفيد القطع واهم. وقد رأينا في أكثر من مكان في هذا التفسير كيف أنّ الواحد قد يهم، وقد يخطئ حتى ولو كان البخاري ومسلم فكيف يبنى على خبره القطع ولننتقل إلى المقطع الثاني من سورة بني إسرائيل.
***
стр. 2913
المقطع الثاني ويمتد من الآية (٤١) إلى نهاية الآية (٦٩) وهذا هو:
الفقرة الأولى ١٧/ ٥٥ - ٤١
стр. 2914
الفقرة الثانية
стр. 2915
ملاحظات: [حول ارتباط المقطعين الأول بالثاني وعرض لمضمون الثاني مع ملاحظات في سياقه وصلته بالمحور]
١ - كما أن المقطع الأول ختم باستفهام هو أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيماً فكذلك هذا المقطع ختم باستفهام هو قوله تعالى:
أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا* أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفاً مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِما كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعاً.
٢ - نلاحظ أن المقطع تعرّض لمجموعة من الأسباب تحول بين الناس وبين الهداية، وأقام فيها الحجة عليهم، كما تعرّض لجزء من قصة آدم ﵇ فذكر القاعدة في شأن نجاة الإنسان من الشيطان.
стр. 2916
٣ - نلاحظ أن المقطع عمّق كل ما يساعد على الدخول في الإسلام كله، وما يبعد عن اتباع خطوات الشيطان. وختم المقطع بالتذكير بالنعمة والترهيب من الشرك.
٤ - نلاحظ أنه في المقطع الأول ورد الأمر (انظر) - انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا وهاهنا نجد في هذا المقطع آية مصدرة بالأمر (انظر) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا.
٥ - وإذا لاحظنا أن بداية المقطع الأول هو وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فإن بداية هذا المقطع وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا فالتشابه في بداية المقطعين واضح فإذا علمنا أن بداية المقطع الثالث هي وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ ... وبداية المقطع الرابع:
وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ وبداية المقطع الخامس: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ ....
عرفنا كيف تدل السورة على مقاطعها، ومن خلال بدايات المقاطع نعرف أن السورة تقيم الحجة على من كفر. وتبين الطريق لمن يريد الشكر، وما ذلك إلا بالدخول في الإسلام واجتناب خطوات الشيطان، وذلك محور السورة الذي تدور حوله معانيها من سورة البقرة: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ* فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ* هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ* سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ والمقطع يتألف من مقدمة هي آية واحدة، ومن مجموعتين مترابطتين، تتألف كل منهما من عدة فقرات. وسنعرض المقطع كله منبهين على صلاته.
*** مقدمة المقطع والفقرة الأولى من المجموعة الأولى .
التفسير:
وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ أي لقد كررنا في هذا القرآن المعاني مرة بعد مرة، وكل مرة بأسلوب وطريقة عرض، وجرس وإيقاع ونظم وتمثيل جلّ عن طوق
стр. 2917
البشر لِيَذَّكَّرُوا أي ليتعظوا، فإن لم يذكّرهم مقطع منه ذكرهم مقطع آخر، وإن لم يذكرهم مقطع ذكرتهم سورة، وإن لم تذكرهم سورة ذكرتهم سورة أخرى، وإن لم تذكرهم سورة ذكرتهم مجموعة سور، أو قسم من أقسام القرآن. وقوله لِيَذَّكَّرُوا يفيد أن هذا القرآن إنما يأتي الإنسان بما هو مستقر في عقله وقلبه من حقائق إن لم يكن مريضا وَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُوراً أي وما يزيد هذا القرآن الكافرين والظالمين إلا نفورا عن الحق، وبعدا منه؛ بسبب مرض قلوبهم، وعقولهم، وأنفسهم، وأرواحهم، وانعكاس تصوراتهم، وغلبة شهواتهم؛ هذه الآية هي مقدمة المقطع. وبعد أن بيّن الله ما تقوم به الحجة بهذا القرآن، وبين هذا الحال الغريب المريض منهم، أمر الله رسوله ﷺ أن يخاطب عقولهم لمعالجة نفورهم
قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ أي كما يدّعون ويزعمون ويعتقدون إِذاً هذا جواب للافتراض وللقول لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ أي صاحب العرش ومالكه وهو الله سَبِيلًا أي طريقا يتقربون به إليه، قال ابن كثير: يقول تعالى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين الزاعمين أن لله شريكا من خلقه العابدين معه غيره ليقربهم إليه زلفا، لو كان الأمر كما يقولون، وأن معه آلهة تعبد لتقرّب إليه، وتشفع لديه، لكان أولئك المعبودون يعبدونه ويتقربون إليه، ويبتغون إليه الوسيلة والقربة، فاعبدوه أنتم وحده، كما يعبده من تدعونه من دونه، ولا حاجة لكم إلى معبود يكون واسطة بينكم وبينه، فإنه لا يحب ذلك، ولا يرضاه بل يكرهه ويأباه، وقد نهى عن ذلك على ألسنة جميع رسله وأنبيائه.
ثم نزّه الله ذاته عن قولهم، وبيّن أن كل شئ ينزّهه. وفي هذا رد عليهم وتبيان لهم أنه تعالى يستحق العبادة وحده فقال: أي تنزيها له، وترفع ﷻ عَمَّا يَقُولُونَ أي هو منزّه أن يكون له شريك، ويترفع عن أن يرضى أن يشرك معه غيره، تعالى تعاليا عما يقوله الظالمون في زعمهم أن معه آلهة أخرى. ومن ثم فهم يعبدونهم ولا يعبدونه عُلُوًّا كَبِيراً أي تعالى تعاليا كبيرا عن مزاعمهم، بل هو الله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، وصف علوه بالكبر للتأكيد على معنى البراءة والبعد مما وصفوه به
تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ قال ابن كثير:
يقول تعالى: تقدسه السموات السبع والأرض، ومن فيهن أي من المخلوقات، وتنزهه وتعظمه وتبجّله وتكبّره عمّا يقول هؤلاء المشركون، وتشهد له بالوحدانية في ربوبيته وإلهيته وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ أي وما من شئ من المخلوقات إلا يسبّح بحمد الله أي يقول سبحان الله وبحمده بلسان المقال، أو بلسان الحال، لأنه يدل الناظر
стр. 2918
إليه على تنزه الله، والدال على الخير كفاعله، والأرجح أن تسبيح الأشياء بلسان المقال وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إما لاختلاف اللغات أو لتعسر الإدراك قال ابن كثير: أي لا تفقهون تسبيحهم أيها الناس لأنها بخلاف لغاتكم. وهذا عام في الحيوانات والجمادات والنباتات، وهذا أشهر القولين. إِنَّهُ كانَ حَلِيماً أي لا يعاجل من عصاه بالعقوبة، بل يؤجله وينظره، فإن استمر على كفره وعناده أخذه غَفُوراً لمن أقلع عما هو فيه من كفر أو عصيان، ورجع إلى الله وتاب إليه، فيا أيها الناس توبوا إلى الله ونزّهوه كما ينزهه كل شئ، واتخذوا إليه سبيلا يقربكم إليه. لقد رأينا أن الكافرين لا يزيدهم القرآن إلا نفورا. والآن يبين السياق أن الله يحول بين قلوب الكافرين وهذا القرآن، تنزيها لهذا القرآن أن يصل لقلوب مثل قلوبهم، فالقرآن لا يقبل أن يصل إلى قلب نجس، فهو طاهر وطهارة القلوب هي التي تستأهل سكناه ومعناه
وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً أي حجابا ذا ستر أو حجابا لا يرى فهو مستور. ومن ثم فالكافرون تسمع آذانهم ولكن قلوبهم لا تسمع، لأن الحجاب يحول دون الوصول، فهو حائل ومانع أن يصل إليهم شئ مما يقوله، وهل هذا الحجاب هو الأكنّة التي سيذكرها في الآية اللاحقة، أو هو حجاب زائد على تلك الأكنة؟ قولان للمفسرين. رجّح ابن جرير أن الحجاب زائد على وجود الأكنة، فهو إذن حجاب مستور، لا تراه الأبصار، يحول بينهم وبين الهدى. وقد ذكرت الآية سبب استحقاقهم هذا الحجاب وهو كفرهم بالآخرة. فالكفر بالآخرة هو السبب الذي عاقبهم الله به، فجعل بينهم وبين هذا القرآن حجابا
وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أي: أغطية جمع كنان، وهو الذي يستر الشئ أَنْ يَفْقَهُوهُ أي لئلا يفقهوا القرآن وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وهو الثقل الذي يمنعهم من سماع القرآن سماعا ينفعهم ويهتدون به، فهم لكفرهم حيل بينهم وبين القرآن بحجاب وغلاف يغلف قلوبهم وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ أي موحّدا له دل ذلك على أن القرآن ذكر وأنه إعلان للتوحيد وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ أي رجعوا على أعقابهم نُفُوراً أي نافرين نفورا. دلّ ذلك على أنّ التوحيد القرآني لا يستطيع قبوله، ولا تحمله من لا يؤمن بالآخرة، فعلى فرض أنه أصبح عنده توجّه ما لهذا القرآن فإنه ما يكاد يسمع التوحيد القرآني حتى يولي نافرا هاربا.
ثم بيّن الله أنه عند ما عاقبهم بالأكنّة والحجاب إنما فعل ذلك لأنه الأعلم بطريقة استماعهم وحالهم ومكرهم عند هذا الاستماع فقال: نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ أي نحن أعلم بالحال
стр. 2919
أو بالطريقة التي يستمعون القرآن بها. والتقدير: نحن أعلم بالذي به يستمعون القرآن.
إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوى أي وإذ هم ذوو نجوى أي تناجي أي: كلام سري خفي إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً أي سحر فجنّ، فهذه حالهم إذا استمعوا، تآمر خفي على اتهام الرسول ﷺ بالسحر فصار المعنى: نحن أعلم وقت استماعهم بما به يستمعون، وبما به يتناجون، فهم يستمعون القرآن هازلين لا جادين، متآمرين على الحق لا متبعين للحق، ومن ثم فقد عاقبهم الله بما عاقبهم به من وجود الحجاب والأكنة.
ثم خاطب الله رسوله ﷺ معزيا انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فجعلوك أحيانا شاعرا، وأحيانا ساحرا، وأحيانا مجنونا، وهاهنا مسحورا فَضَلُّوا إما بسبب من ذلك، أو في جميع ذلك ضلال من يطلب في التيه طريقا يسلكه، فلا يقدر عليه، فهو متحيّر في أمره، لا يدري ما يصنع؛ ومن ثم قال:
فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا أي فلا يهتدون إلى الحق ولا يجدون إليه مخلصا.
كلمة في السياق:
إن الإسلام: هو الاستسلام لله، والاستسلام لله استسلام لكتابه. وهذا يقتضي فهما لكتابه. إذ الاستسلام أثر الفهم. ولكن الله حال بين كتابه وبين الناس إلا إذا آمنوا به وباليوم الآخر، ثم حاولوا سماع القرآن وفهمه بشكل جاد. وفي هذه المجموعة بيّن الله أنه قد صرّف في هذا القرآن بما يؤدي إلى التذكر. ولكن الكافرين ينفرون منه؛ وما ذلك إلا لأن الله حال بينهم وبينه؛ بسبب كفرهم باليوم الآخر، وشركهم، وطريقتهم التي بها يستمعون القرآن، ومن ثم نفهم معنى قول ابن عمر (كنا نؤتى الإيمان قبل القرآن) فالإيمان بالله واليوم الآخر، والرسول، والإقبال الجاد على الاستماع، والفهم، للتذكر، والعمل، ينبغي أن يسبق. والصلة بين ما مر معنا وبين السياق القرآني العام، وبينه وبين قوله تعالى في المقطع السابق إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وبينه وبين وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ في المقطع السابق واضحة. فالسورة تربي وتعلل وتقيم الحجة بما يخدم الاستسلام لله تعالى، والتلقي عنه، وترك اتباع خطوات الشيطان. والقيام بحق النعمة، وإذ كانت العلة الرئيسية لموقف الكافرين من القرآن هو كفرهم باليوم الآخر، فستأتي الآن آيات تذكر نفيهم لليوم
стр. 2920
الآخر، وشبهتهم فيه والرد عليهم:
...
وَقالُوا أَإِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أي عظاما وترابا وغبارا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أي يوم القيامة خَلْقاً جَدِيداً أي خلقا مجددا بعد أن بلينا وصرنا عدما لا يذكر، وهكذا أنكروا البعث لمجرد استبعادهم الإنشاء بعد التمزق والتشتت. فحجتهم ما ألفوه لا ما هو حقيقة في نفس الأمر بالنظر إلى قدرة الله، وقد جاء الجواب
قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً أي صيروا حجارة أو حديدا؛ إذ هما أشد امتناعا من العظام والرفات عن الحياة في رأيهم
أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ أي مما يعظم في تصوركم عن قبوله الحياة، أو عن إمكانية عودتكم إلى الحياة بعد أن تكونوه ممّا في السموات والأرض فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا أي إذا صرنا إلى ما صرنا إليه كأن كنا حجارة أو حديدا، أو خلقا آخر شديدا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أي الذي خلقكم ولم تكونوا شيئا. فهو الذي يعيدكم كرّة أخرى. والمعنى: أنكم تستبعدون أن يجدد الله خلقكم، ويرده إلى حال الحياة بعد ما كنتم عظاما يابسة، مع أن العظام بعض أجزاء الحي، بل هي عمود خلقه الذي يبنى عليه سائره. فليس ببدع أن يردها الله بقدرته إلى الحالة الأولى، ولكن لو كنتم أبعد شئ من الحياة، وهو أن تكونوا حجارة كما يحدث فعلا لبعض الأجسام إذ تتحجّر، أو حديدا، لكان قادرا أن يردكم إلى الحياة؛ أما ترون أنه هو الذي خلقكم أول مرة فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ الإنغاض:
هو التحريك من أسفل إلى أعلى أو من أعلى إلى أسفل. أي فسيهزون رءوسهم تعجبا واستهزاء وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ أي البعث استبعادا له ونفيا قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً أي هو قريب فاحذروا ذلك، فإنه سيأتيكم لا محالة، فكل ما هو آت آت
يَوْمَ يَدْعُوكُمْ أي الرب تعالى فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ أي تجيبون حامدين إجابة لأمره، وطاعة لإرادته وَتَظُنُّونَ يوم تقومون من قبوركم إِنْ لَبِثْتُمْ في الدنيا أو في القبر إِلَّا
قَلِيلًا
كلمة في السياق:
بدأ هذا المقطع بقوله تعالى: وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُوراً ثم جاء قوله تعالى: قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا ثم استمر المقطع- كما رأينا- معللا لموقفهم، ورادا عليه. والآن يأتي
стр. 2921
أمر لرسول الله ﷺ أن يوجه المؤمنين وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ....
فكأن المقطع له مقدمة هي الآية الأولى منه. وفيه مجموعتان والمجموعة الأولى تتألف من فقرتين: فقرة تخاطب الكافرين وترد عليهم. وفقرة تخاطب المؤمنين ثمّ تعم بالخطاب وهذه هي:
الفقرة الثانية من المجموعة الأولى من المقطع الثاني
وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ أي الكلمة التي هي أحسن سواء في مخاطباتهم مع بعضهم. أو في مخاطباتهم مع الكافرين. ثمّ علّل للجانب الأهمّ في هذا الأمر وهو قول الكلمة الأحسن للمؤمنين فقال: إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ أي إن لم يقولوا في مخاطباتهم الكلام الأحسن، وهو الكلمة الطيّبة، فإن الشيطان يلقي بينهم الفساد، ويغري بعضهم على بعض؛ ليوقع بينهم المشاقة إذ النزغ إيقاع الشر، وإفساد ذات البين، فيوقع الشيطان الشر والمخاصمة والمقاتلة. إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِيناً أي ظاهر العداوة. ومع أن السياق وعموم اللفظ يدلان على أن الأمر بالكلمة التي هي أحسن عامة في الكافرين والمؤمنين. فقد علل للأمر في حق المؤمنين فقط، لأن هؤلاء هم الهدف. وأما الكافرون فإنه وإن كانت الكلمة الخشنة، قد تبعدهم إلا أنهم يستأهلونها. ومن ثم فهناك حالات تسمح لنا بالكلمة الخشنة معهم.
وما صلة هذه الآية في السياق؟
إن الآية الأولى في المقطع تبيّن أن الله قد صرّف القرآن ليذّكروا فكان من المناسب أن يذكّر عباده في هذا السياق بخلق من أخلاق الإسلام، وهو الكلمة الطيبة.
ثم يختم الله تعالى هذه الفقرة بما فيه تقرير لمعان وتعليل لما مر من معان. فقال: رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ أيها الناس أي أعلم بمن يستحق منكم الهداية ومن لا يستحق إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ بأن يوفقكم لطاعته والإنابة إليه أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ إن اخترتم طريق العذاب وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ يا محمد وَكِيلًا أي حافظا لأعمالهم وموكولا إليك أمرهم. إنما أرسلناك نذيرا، فمن أطاعك دخل الجنة، ومن عصاك دخل النار
وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي بأحوالهم وبكل ما يستأهل كل واحد منهم وبمراتبهم في الطاعة والمعصية وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وذلك أثر
стр. 2922
عن علم الله المحيط وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً به فضّلناه على بعض الأنبياء، فأنت يا محمد لست بدعا من الرسل، ولا كتابك بدعا من الكتب، وأنت قد أعطيت هذا القرآن الذي هو أفضل الكتب، ففضّلت على كل الرسل.
وبهذا انتهت المجموعة الأولى. وكما أن المجموعة بفقرتيها بعد المقدمة بدأت بكلمة قُلْ ... في قوله تعالى: قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا وفي قوله تعالى: وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ....
فإن المجموعة الثانية تبدأ بكلمة قُلِ في قوله تعالى: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا.
وكما أن المجموعة الأولى انتهت بقوله تعالى: رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ ... فإن في آخر هذه المجموعة رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ ... ثم تختم المجموعة وهذا المقطع باستفهام هو أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ ... كما انتهى المقطع الأول باستفهام هو قوله تعالى: أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ .. وكما خاطبهم بالمجموعة الأولى بما تقوم به الحجة على نفورهم فكذلك تبدأ هذه المجموعة:
المجموعة الثانية من المقطع الثاني
قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنها آلهتكم مِنْ دُونِهِ أي من دون الله، من أمثال الملائكة وعيسى وعزير والجن؛ لأن السياق يدل على أن المراد من عبدوا من الأحياء فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا أي ادعوهم فهم لا يستطيعون أن يكشفوا عنكم الضر: من مرض أو فقر أو عذاب، ولا أن يحوّلوه من واحد إلى آخر
أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ أي أولئك الذين يدعونهم آلهة أو يعبدونهم يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ يعني أن آلهتهم أولئك يبتغون الوسيلة: وهي القربة إلى الله أَيُّهُمْ أَقْرَبُ أي الأقرب منهم يبتغي الوسيلة إلى الله بالقربة والطاعة فكيف بغير الأقرب، أو أن كلّا منهم يحرص أن يكون هو الأقرب إلى الله، وذلك بالطاعة وازدياد الخير وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ كغيرهم من عباد الله فكيف يزعم المشركون بهم أنهم آلهة. دل هذا على أن العبادة لا تتم إلا بالخوف والرجاء. فبالخوف يعرف لله
стр. 2923
جلاله، وبالرجاء يعرف لله إكرامه. إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُوراً أي حقيقا بأن يحذره كل أحد من ملك مقرّب ونبي مرسل فضلا عن غيرهم.
كلمة في السياق:
نلاحظ أن الله أقام الحجة على من أشرك مرتين: مرة في بداية المجموعة الأولى إذ بين لهم أن من يعبدونهم لا يسعهم إلا أن يكونوا عابدين. وفي بداية هذه
المجموعة إذ بين لهم أن من يعبدونهم يتنافسون على التقرب إلى الله، وأنهم عاجزون عن أن يملكوا لهم ضرا أو نفعا، فوجّهوا قلوبكم لله، ومحضوا عبادتكم له. وبهذا تكون الحجة قد قامت وعولج النفور بأبلغ دليل لو كان هناك عقول، وعرفنا في الوقت نفسه نموذجا لكيفية تصريف الله في هذا القرآن، وهو الشئ الذي ذكرته مقدمة المقطع إن مقدمة المقطع قالت: وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُوراً ثم سار المقطع مقيما الحجة، ومذكّرا بالحق، ومكررا إقامة الحجة مرة بعد مرة، وذلك مظهر من مظاهر التصريف في هذا القرآن، هذا وَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُوراً.
ومن ثم نجد السياق يذكّر بإهلاك الله القرى:
...
وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ أي وما من قرية إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوها عَذاباً شَدِيداً أي ليس من قرية إلا وهي إما مصيبها الهلاك، أو العذاب الشديد قبل يوم القيامة كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ أي في اللوح المحفوظ مَسْطُوراً أي مكتوبا. قال ابن كثير: هذا إخبار من الله بأنه قد حتم وقضى بما قد كتب عنده في اللوح المحفوظ أنه ما من قرية إلا سيهلكها بأن يبيد أهلها جميعهم، أو يعذبهم عذابا شديدا. إما بقتل، أو ابتلاء بما يشاء، وإنما يكون ذلك بسبب ذنوبهم وخطاياهم: أقول: وهكذا نعلم أنه ما من قرية إلا أصابها أو سيصيبها إهلاك أو عذاب حتى مكة سيسلط الله عليها الحبشة كما ورد في الأحاديث. وهذا يدل على أن الكفر والفسوق يتعاوران البلدان والقرى في الزمان والمكان. ومن ثم فالهلاك والعذاب يتعاوران البلدان والقرى في الزمان والمكان وفي ذلك تهديد للمنحرفين عن أمر الله.
وقد يتساءل متسائل لم يعذبهم الله أليس إراءته في هذه الحال يمكن أن يكون بديلا ومن ثم يأتي قوله تعالى هنا:
وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ
стр. 2924
أي وما منعنا من إرسال ما يقترحونه من الآيات إلا أن كذب بها الذين هم أمثالهم من المطبوع على قلوبهم كعاد وثمود، وأنها لو أرسلت لكذبوا بها تكذيب أولئك، ولاستحقوا العذاب المستأصل. لأن سنة الله في الأمم أن من اقترح منهم آية، فأجيب إليها، ثم لم يؤمن أن يعاجل بعذاب الاستئصال. وذكر من تلك الآيات التي اقترحها الأولون ثم كذبوا بها لما أرسلت فأهلكوا: ناقة صالح لأن آثار هلاك ثمود معروفة معلومة. فقال وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ باقتراحهم مُبْصِرَةً أي آية بينة فَظَلَمُوا بِها أي فكفروا بها، فنزل بهم ما نزل وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً إن أريد بالآيات ما يقترحه الكافرون يكون المعنى: لا نرسلها إلا تخويفا بين يدي نزول العذاب العاجل، كالطليعة والمقدمة، فإن لم يتعظوا وقع عليهم، وإن أريد بالآيات ما يحدثه الله من حوادث كالزلازل وغيرها يكون المعنى: أنه تعالى يفعل ما يتعظ به الآخرون وينزجرون. وقد ذكر ابن كثير أن الكوفة رجفت على عهد ابن مسعود ﵁ فقال: يا أيها الناس إن ربكم يستعتبكم فأعتبوه. وهكذا روي أن المدينة زلزلت على عهد عمر بن الخطاب ﵁ مرات فقال عمر: أحدثتم والله لئن عادت لأفعلن ولأفعلن. وإن أريد بالآيات ما يظهره الله على يد رسله كالمعجزات يكون المعنى: وما نرسل ما نرسل من الآيات كآيات القرآن وغيرها إلا تخويفا وإنذارا بعذاب الآخرة.
كلمة في السياق:
بدأ المقطع بقوله تعالى: وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا ... وسار المقطع كما رأينا حتى قال: وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا .... فإذا نظرنا إلى مقدمة المقطع، وهذه الآية، عرفنا أن هذا القرآن كاف في إقامة الحجة، ومن نفر منه فإن شيئا ما لن ينفعه، وأن الخوارق التي يظن بعض الناس أنها لو كانت لأثرت في إيمان هؤلاء النافرين لا تؤثر؛ لأن مسألة الكفر والإيمان أكبر وأعقد مما يتوهمه المتوهمون، ومن ثم يذكّر الله رسوله ﷺ بموضوعين كل منهما مبدوء بقوله تعالى: وَإِذْ أي واذكر إذ ..
١ -
وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ أي واذكر إذ أوحينا إليك أن ربك
стр. 2925
أحاط بالناس علما وقدرة فكلهم في قبضته فلا تبال بهم، وامض لأمرك، وبلغ ما أرسلت به، ولا تلتفت إلى إبائهم ونفورهم وكلامهم. قال ابن كثير في الآية: (يقول تعالى لرسوله ﷺ محرّضا له على إبلاغ رسالته، ومخبرا بأنه قد عصمه من الناس؛ فإنه القادر عليهم، وهم في قبضته، وتحت قهره وغلبته). فالإشارة إلى إحاطة الله علما بالناس إشارة إلى عدل الله في الهداية والإضلال، وإشارة إلى ضرورة التبليغ لتقوم الحجة، وإشارة إلى التوكل مع التبليغ وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ روى البخاري عن ابن عباس ﵄ فيها قال: (هي رؤيا عين أريها رسول الله ﷺ ليلة أسري به) وهكذا فسّر ذلك بليلة الإسراء مجاهد، وسعيد بن جبير، والحسن، ومسروق، وإبراهيم، وقتادة، وعبد الرحمن بن زيد، وغير واحد. وقوله تعالى إِلَّا فِتْنَةً أي إلا اختبارا وامتحانا. ونحن نعلم أن ناسا رجعوا عن دينهم بسبب حادثة الإسراء والمعراج بعد ما كانوا على الحق؛ لأنه لم تحتمل قلوبهم وعقولهم ذلك. فكذبوا بما لم يحيطوا بعلمه، وجعل الله ذلك ثباتا ويقينا لآخرين. وكما جعل الله الإسراء فتنة وابتلاء واختبارا فكذلك جعل ذكر شجرة الزقوم في القرآن. ومن ثم قال:
وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ أي جعلناها فتنة للناس، فإنهم حين سمعوا بقوله إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ (الدخان: ٤٣) جعلوها سخرية فكيف ينبت في النار الشجر، كأنهم يعجّزون القدرة الإلهية عن ذلك. قال أبو جهل سخرية: (هاتوا لنا تمرا وزبدا، وجعل يأكل من هذا بهذا ويقول: تزقموا فلا نعلم الزقوم غير هذا) وإنما وصفت الشجرة بأنها ملعونة إما لأن الملعونين يأكلونها، أو لأن العرب تقول لكل طعام مكروه ملعونا. أو لأن اللعن هو الإبعاد من الرحمة، وهي في أصل الجحيم في أبعد مكان
من الرحمة وَنُخَوِّفُهُمْ أي ونخوف الكافرين بالوعيد والعذاب والنكال فَما يَزِيدُهُمْ أي التخويف إِلَّا طُغْياناً كَبِيراً أي إلا تماديا فيما هم فيه من الكفر والضلال وذلك من خذلان الله لهم. قال النسفي: فكيف يجاب قوم هذه حالهم بإرسال ما يقترحون من الآيات؟ فكأنه ربط بين هذه الآية وما قبلها وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً
وهكذا اتضح أن موضوع الهداية والضلال موضوع بعيد الغور فالله يبتلي الناس بأنواع من الابتلاءات ليتمحص الإيمان الصافي وأهله، والله أعلم إذ يهدي ويضل، والكافرون لا يستفيدون من شئ، والله محيط بكل شئ، ولنلاحظ
стр. 2926
الصلة بين الآية التي هي مقدمة المقطع: وَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُوراً ونهاية هذه الآية فَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْياناً كَبِيراً فلا القرآن ينفعهم، ولا الآيات تنفعهم، ولا ما يحدث حولهم ينفعهم. فموضوع الهداية والضلال ترتبط به أمور وأمور، والله هو المحيط علما بكل شئ ثم يأتي الموضوع الثاني المبدوء بكلمة إذ.
٢ -
وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ أي واذكر إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أبى أن يسجد افتخارا على آدم واحتقارا له قالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً أي أأسجد له وهو طين، أي وأصله طين
قالَ الشيطان أَرَأَيْتَكَ أي أخبرني هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ أي أخبرني عن هذا الذي فضّلته، لم كرّمته علي وأنا خير منه. فحذف ذلك اختصارا لدلالة ما تقدم عليه لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ أي لأستولينّ عليهم ولأضلنهم ولأستأصلنهم بإغوائهم إِلَّا قَلِيلًا وهم المخلصون، وإنما علم الملعون ذلك إما بالإعلام أو لأنه رأى أنه خلق شهواني، أو لأنه رأى أنواعا من مثله على الأرض من قبل فاستدل بفعلهم على احتمالات ما يفعلونه
قالَ اذْهَبْ أي امض لشأنك الذي اخترته خذلانا وتخلية، ثم أعقبه بذكر ما جرّه سوء اختياره فقال: فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً أي وافرا موفرا عليكم، لا ينقص لكم منه شئ
وَاسْتَفْزِزْ أي استزلّ واستخف مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ أي: بوسوستك، وكل داع يدعو إلى معصية الله فهو صوت للشيطان يتكلم بلسانه وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ أي وصح عليهم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ أي بكل راكب وماش من أهل الفساد. أي واحمل عليهم بجنودك خيالتهم ورجالتهم ومعناه تسلط عليهم بكل ما تقدر عليه قال ابن كثير: وهذا أمر قدري وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ أما المشاركة فى الأموال فيدخل في ذلك جمعها من خبث، وإنفاقها في حرام. ويدخل في ذلك ما حرموه من أنعامهم من البحائر والسوائب، ويدخل في ذلك ما ابتدعوه من أنظمة كافرة في شئون المال. وأما المشاركة في الأولاد فيدخل فيه كل مولود ولدته أنثى عصي الله فيه بتسميته بما يكرهه الله. أو بإدخاله في غير الدين الذي ارتضاه الله، أو بالزنا بأمه، أو بقتله، أو بوأده. فكل ما عصي الله فيه أو به، أو أطيع الشيطان فيه أو به، فهو مشاركة وَعِدْهُمْ أي المواعيد الكاذبة: من شفاعة الآلهة، والكرامة على الله بالأنساب الشريفة، وإيثار العاجل على الآجل، وجعلهم يعيشون على الآمال الكاذبة
стр. 2927
وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً الغرور هو تزيين الخطأ بما يوهم أنه صواب
إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ أي: يد بتبديل الإيمان، ولكن بتسويل العصيان وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا أي حافظا ومؤيدا ونصيرا، يتوكل عليه المؤمنون فيحفظهم. فمن تحقق بالعبودية لله، وتوكل على الله، نجا من سلطان الشيطان.
وبهذا تكون قضية الإضلال والهداية قد توضحت بعض جوانبها في هذا السياق. ولم يبق عندنا من المقطع إلا خاتمته، التي فيها تذكير، ومعالجة للنفور، وتعريف على الله، وتذكير بعقوباته وقهره، وإقامة حجة على وحدانيته، ووجوب إفراده بالعبادة، وهي معان تأتي على نسق واحد مع معاني المقطع.
رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي أي يجري ويسيّر، إما بالرياح، وإما بالآلات، وكلها خلقه لَكُمُ الْفُلْكَ أي السفن فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ يعني الرزق والربح إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيماً أي إنما فعل هذا بكم من فضله عليكم، ورحمته بكم، فهذا يقتضي منكم شكرا وإسلاما، لا كفرا وعصيانا
وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ أي إذا أصبحتم في وضع تخافون فيه الغرق في البحر ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ أي ذهب عن أوهامكم كل من تدعونه في حوادثكم إلا أياه وحده، أو ضل من تدعونه من الآلهة عن إغاثتكم، ولكن الله وحده الذي ترجون هو الذي يجيب، فإذا كان الأمر كذلك فكيف تشركون به، وتدعون معه غيره اعتقادا وسلوكا وتعاطفا ومودة؟ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ أي عن التوحيد والإخلاص بعد الخلاص، أي نسيتم ما عرفتم من توحيده في البحر، وأعرضتم عن دعائه وحده لا شريك له، وعبادته وحده دون غيره وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً أي للنعم أي سجيته هذه، ينسى النعم ويجحدها إلا من عصم الله
أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً الحاصب: هي الريح ترمي بالحصباء أي الحجارة. والمعنى: أفحسبتم بخروجكم إلى البر أنكم أمنتم من انتقامه وعذابه، والأقطار كلها في قدرته سواء، وله في كل جانب برا كان أو بحرا سبب من أسباب الهلاك، فليس جانب البحر وحده مختصا به، بل إن كان الغرق في جانب البحر، ففي جانب البر الخسف: وهو تغييب تحت التراب، والغرق تغييب تحت الماء، وإن لم يصبكم الهلاك من تحتكم بالخسف، أصابكم به من فوقكم بريح يرسلها عليكم فيها الهلاك. فعلى العاقل أن يستوي خوفه من الله في جميع الجوانب وحيث كان. ثم قال تعالى: ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا أي ناصرا يرد ذلك عنكم،
стр. 2928
وينقذكم منه
أَمْ أَمِنْتُمْ أيها المعرضون عنا بعد ما اعترفتم بتوحيدنا في البحر، وخرجتم إلى البر أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ أي في البحر تارَةً أُخْرى أي مرة ثانية بأن يقوي دواعيكم، ويوفر
حوائجكم إلى أن ترجعوا فتركبوا البحر الذي نجاكم منه فأعرضتم، فينتقم منكم فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفاً مِنَ الرِّيحِ القاصف: هي الريح التي لها قصيف وهو الصوت الشديد، أو هو الكاسر الذي يقصف الصواري ويغرق المراكب فَيُغْرِقَكُمْ بِما كَفَرْتُمْ أي بسبب كفركم وإعراضكم عن الله ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ بما فعلنا بكم تَبِيعاً أي مطالبا أو نصيرا ثائرا يأخذ بثأركم بعدكم، فمن الذي يطالب الله؟ فالمعنى: إنما نفعل ما نفعل بهم ثم لا تجد أحدا يطالبنا بما فعلنا انتصارا ودركا للثأر من جهتنا. وبهذا انتهى المقطع.
كلمة في السياق:
رأينا أن محور السورة من البقرة هو قوله تعالى سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ الآتية في حيز قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ
وإذ نتأمل المقطع الذي مر معنا نرى أنه قد حدثنا عن القرآن، وما به من الحجج ولم لا ينزل الله الآيات التي يقترحها الكافرون وهي في مقام سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ ورأينا في المقطع ما تهدد الله أن يهلك كل قرية أو يعذبها وما يمكن أن يفعله بمن يكفرون نعمه، وهي معان في مقام وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ ورأينا في المقطع مواقف الكافرين من القرآن ونفورهم وطغيانهم، وطغيان الشيطان ووسائله، وتلك معان لها علاقة بقوله تعالى وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ ورأينا بعضا من أوامر الله. وهي أجزاء من الإسلام. ورأينا معاني تعمّق الإيمان بالقرآن والاستسلام لله وذلك من مقام ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ... وكل ذلك ضمن سياق رتيب للسورة، ترتبط به معاني المقطع ببعضها وبمقدمتها، ويرتبط بها المقطع بما قبله، إن في تعميق معاني التوحيد، أو في التركيز على خصائص هذا القرآن، أو بالصلة بين ما أنزل الله على محمد وما أنزل على موسى عليهما الصلاة والسلام.
стр. 2929
ومن أهم ما ينبغي أن نلاحظه في المقطع الثاني هو الآية الأولى منه وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا فقد كرر الله في هذا القرآن ما يتذكر به الإنسان، وأهم ما يتذكره الإنسان هو الاستسلام لله واجتناب خطوات الشيطان.
...
ونحب أن نسجل هنا مجموعة من الملاحظات:
١ - جاء في المقطع الأول من سورة بني إسرائيل قوله تعالى:
لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولًا وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً وجاء المقطع الثاني وفيه تعميق لمعاني التوحيد: قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا
٢ - وجاء في المقطع الأول: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ .. وجاء في المقطع الثاني: وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً ..... من هاتين الملاحظتين ندرك مقدار التلاحم بين المقطع الأول والمقطع الثاني، وكنا قد أشرنا مرارا أثناء عرضنا للمقطع الثاني عن الصلات بين آياته وفقراته ومجموعاته، ممّا يؤكد وحدة سياق السورة، وكل ذلك فيما يخدم قضية الدخول في الإسلام، وترك اتباع خطوات الشيطان، من خلال التذكير بآيات الله، وتهديد من يبدل نعمة الله كفرا
نقل: [لصاحب الظلال حول قوله تعالى تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ .. ]
قال صاحب الظلال بمناسبة قوله تعالى: تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ، إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً:
(وهو تعبير تنبض به كل ذرة في هذا الكون الكبير، وتنتفض روحا حية تسبّح الله، فإذا الكون كله حركة وحياة، وإذا الوجود كله تسبيحات شجية رخية، ترتفع في جلال إلى الخالق الواحد الكبير المتعال.
وإنه لمشهد كوني فريد، حين يتصور القلب كل حصاة وكل حجر. كل حبة وكل ورقة. كل زهرة وكل ثمرة. كل نبتة وكل شجرة، كل حشرة وكل زاحفة. كل حيوان وكل إنسان كل دابة على الأرض وكل سابحة في الماء والهواء ومعها سكان
стр. 2930
السماء. كلها تسبح الله وتتوجه إليه في علاه.
إن الوجدان ليرتعش وهو يستشعر الحياة تدب في كل ما حوله مما يراه ومما لا يراه، وكلما همت يده أن تلمس شيئا، وكلما همت رجله أن تطأ شيئا سمعه يسبح لله، وينبض بالحياة.
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ يسبح بطريقته ولغته وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ لا تفقهونه لأنكم محجوبون بصفاقة الطين، ولأنكم لم تتسمعوا بقلوبكم، ولم توجهوها إلى أسرار الوجود الخفية، وإلى النواميس التي تنجذب إليها كل ذرة في هذا الكون الكبير، وتتوجه بها إلى الله خالق النواميس، ومدبّر هذا الكون الكبير.
حين تشف الروح وتصفو فتتسمّع لكل متحرك أو ساكن وهو ينبض بالروح، ويتوجه بالتسبيح، فإنها تتهيأ للاتصال بالملإ الأعلى، وتدرك من أسرار هذا الوجود ما لا يدركه الغافلون، الذين تحول صفاقة الطين بين قلوبهم وبين الحياة الخفية السارية في ضمير هذا الوجود، النابضة في كل متحرك وساكن، وفي كل شئ في هذا
الوجود.
فوائد:
١ - [حديث بمناسبة قوله تعالى تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ]
بمناسبة قوله تعالى تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ يذكر ابن كثير الحديث الذي رواه الطبراني عن عبد الرحمن بن قرظ أن رسول الله ﷺ ليلة أسري به إلى المسجد الأقصى، كان بين المقام وزمزم، جبريل عن يمينه، ومكائيل عن يساره، فطارا به حتى بلغ السموات السبع فلما رجع قال: «سمعت تسبيحا في السموات العلى مع تسبيح كثير: سبحت السموات العلى، من ذي المهابة مشفقات لذي العلو بما علا، سبحان العلي الأعلى ».
٢ - [اتجاهان في تفسير آية وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ]
في قوله تعالى وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ اتجاهان رئيسيان: الاتجاه الأول يقول: إن تسبيحها بلسان الحال؛ إذ تدل بافتقارها وما فيها على ذات منزهة مقدسة، والاتجاه الثاني يقول: إن تسبيحها بلسان المقال، ولكن لا نسمعها. وفي هذا الاتجاه نفسه توجهان. التوجه الأول يقول: التسبيح مختص بكل ذي روح. والتوجه الثاني: لا يقيد ذلك، وقد رجح ابن كثير أن التسبيح بلسان المقال. ونقل ما يدل عليه وذكر الاتجاهين فيه مرجحا العموم. وهذا كلامه قال:
стр. 2931
«وهذا عام في الحيوانات والجمادات والنباتات، وهذا أشهر القولين، كما ثبت في صحيح البخاري عن ابن مسعود أنه قال: كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل. وفي حديث أبي ذر: أن النبي ﷺ أخذ في يده حصيات فسمع لهن تسبيح كحنين النحل، وكذا في يد أبي بكر، وعمر، وعثمان، ﵃، وهو حديث مشهور في المسانيد، وروى الإمام أحمد .... عن ابن أنس عن أبيه ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه مرّ على قوم وهم وقوف على دواب لهم ورواحل فقال: «اركبوها سالمة، ودعوها سالمة، ولا تتخذوها كراسي لأحاديثكم في الطرق والأسواق، فرب مركوبة خير من راكبها، وأكثر ذكرا لله منه» وفي سنن النسائي عن عبد الله بن عمرو قال: نهى رسول الله ﷺ عن قتل الضفدع وقال: «نقيقها تسبيح» وقال قتادة عن عبد الله بن أبي عن عبد الله بن عمرو أن الرجل إذا قال «لا إله إلا الله» فهي كلمة الإخلاص التي لا يقبل الله من أحد عملا حتى يقولها، وإذا قال «الحمد لله» فهي كلمة الشكر التي لم يشكر الله عبد قط حتى يقولها، وإذا قال «الله أكبر» فهي تملأ ما بين السماء والأرض، وإذا قال «سبحان الله» فهي صلاة الخلائق التي لم يدع الله أحدا من خلقه إلا قرّره بالصلاة والتسبيح. وإذا قال «لا حول ولا قوة إلا بالله» قال: أسلم عبدي واستسلم. وروى الإمام أحمد ... عن عبد الله بن عمرو قال: أتى النبي ﷺ أعرابي عليه جبة من طيالسة مكفوفة بديباج أو مزوّرة بديباج فقال: إن صاحبكم هذا يريد أن يرفع كل راع ابن راع ويضع كل فارس ابن فارس. فقام إليه النبي ﷺ مغضبا فأخذ بمجامع جبته فاجتذبه فقال: «لا أرى عليك ثياب من يعقل» ثم رجع رسول الله ﷺ فجلس فقال: إن نوحا ﵇ لما حضرته الوفاة دعا ابنيه فقال: إني قاصّ عليكما الوصية آمركما باثنتين وأنهاكما عن اثنتين. أنهاكما عن الشرك بالله والكبر. وآمركما بلا إله إلا الله فإن السماوات والأرض وما بينهما لو وضعت فى كفة الميزان ووضعت لا إله إلا الله في الكفة الأخرى كانت أرجح، ولو أن السموات والأرض كانتا حلقة فوضعت لا إله إلا الله عليهما لقصمتهما أو لفصمتهما، وآمركما بسبحان الله وبحمده، فإنها صلاة كل شئ وبها يرزق كل شئ» ورواه الإمام أحمد أيضا ... عن الصعب بن زهير به أطول من هذا وتفرد به. وروى ابن جرير ... عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أخبركم بشيء أمر به نوح ابنه؟ إن نوحا ﵇ قال لابنه: يا بني آمرك أن تقول سبحان الله فإنها صلاة الخلق، وتسبيح الخلق، وبها يرزق الخلق» قال الله تعالى: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ. إسناده فيه ضعف. وقال عكرمة في
стр. 2932
قوله تعالى: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ قال الأسطوانة تسبح، والشجرة تسبح. وقال بعض السلف: إن صرير الباب تسبيحه. وخرير الماء تسبيحه. قال الله تعالى: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وقال سفيان الثوري عن منصور عن إبراهيم قال: الطعام يسبح. ويشهد لهذا القول آية السجدة في الحج (آية: ١٨)، وقال آخرون: إنما يسبح ما كان فيه روح. يعنون من حيوان ونبات. قال قتادة في قوله: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ قال: كل شئ فيه روح يسبح من شجر أو شئ فيه، وقال الحسن والضحاك في قوله: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ قالا: كل شئ فيه الروح وروى ابن جرير ... عن جرير أبي الخطاب قال: كنا مع يزيد الرقاشي، ومعه الحسن في طعام، فقدموا الخوان، فقال يزيد الرقاشي: يا أبا سعيد يسبح هذا الخوان؟ فقال كان يسبح مرة (قلت): الخوان: هو المائدة من الخشب، فكأن الحسن ﵀ ذهب إلى أنه لما كان حيا فيه خضرة كان يسبح، فلما قطع وصار خشبة يابسة انقطع تسبيحه، وقد يستأنس لهذا القول بحديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ مرّ بقبرين فقال: «إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستنزه من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة». ثم أخذ جريدة رطبة، فشقها نصفين ثم غرز في كل قبر واحدة. ثم قال: «لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا». أخرجاه في الصحيحين. قال بعض من تكلم على هذا الحديث من العلماء: إنما قال ما لم ييبسا لأنهما يسبحان ما دام فيهما خضرة، فإذا يبسا انقطع تسبيحهما، والله أعلم.
٣ - [الآية التي اعتصم بها النبي ﷺ من زوجة أبي لهب عند ما جاءت تريد إيذاءه فلم تره]
بمناسبة قوله تعالى وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً يذكر ابن كثير الحادثة التي رواها أبو يعلى الموصلي عن أسماء بنت أبي بكر ﵂ قالت: لما نزلت تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ جاءت العوراء أم جميل ولها ولولة، وفي يدها فهر (أي حجر) وهي تقول: مذمّما أتينا- أو أبينا قال أبو موسى: الشك مني- ودينه قلينا، وأمره عصينا، ورسول الله ﷺ جالس، وأبو بكر إلى جنبه- أو قال: معه- فقال أبو بكر ﵁: لقد أقبلت هذه وأنا
أخاف أن تراك فقال: «إنها لن تراني» وقرأ قرآنا اعتصم به منها وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً قال فجاءت حتى قامت على أبي بكر فلم تر النبي ﷺ فقالت: يا أبا بكر بلغني أن صاحبك هجاني، فقال أبو بكر: لا ورب هذا البيت ما هجاك. قال: فانصرفت وهي تقول: لقد علمت قريش أني بنت سيدها.
стр. 2933
٤ - [فائدة بمناسبة آية وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا .. ]
قال قتادة عند قوله تعالى وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً: إن المسلمين لما قالوا: لا إله إلا الله، أنكر ذلك المشركون، وكبرت عليهم فضاقها إبليس وجنوده (أي أحاط بها وأحدق أي طوقها لينقض عليها ويمنعها من الانتصار) فأبى الله إلا أن يمضيها ويعليها وينصرها ويفلجها على من ناوأها، إنها كلمة من خاصم بها فلج، ومن قاتل بها نصر، إنما يعرفها أهل هذه الجزيرة من المسلمين، التي يقطعها؟؟؟ الراكب في ليال قلائل، ويسير الدهر في فئام من الناس لا يعرفونها ولا يقرون بها) أقول: إن «لا إله إلا الله» الآن منتشرة في الأرض طولا وعرضا، رغم كل ما تكاد به.
٥ - [نموذج على طريقة استماع الكافرين للقرآن والتي يسبقها موقف معاد]
كنموذج لطريقة استماع الكافرين للقرآن والتي يسبقها موقف مسبق معاد يذكر ابن كثير عند قوله تعالى نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً.
يذكر ابن كثير هذه الحادثة: قال محمد بن إسحاق في السيرة: حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، أنه حدث أن أبا سفيان بن حرب، وأبا جهل بن هشام، والأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي، حليف بني زهرة، خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله ﷺ وهو يصلي بالليل في بيته، فأخذ كل واحد منهم مجلسا يستمع فيه، وكل لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، حتى إذا جمعتهم الطريق، تلاوموا، وقال بعضهم لبعض: لا تعودوا؛ فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئا، ثم انصرفوا، حتى إذا كانت الليلة الثانية، عاد كل رجل منهم إلى مجلسه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا وجمعتهم الطريق. فقال بعضهم لبعض مثل ما قال أول مرة، ثم انصرفوا، حتى إذا كانت الليلة الثالثة، أخذ كل رجل منهم مجلسه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا. فجمعهم الطريق. فقال بعضهم لبعض: لا نبرح حتى نتعاهد ولا نعود، فتعاهدوا على ذلك. ثم تفرقوا. فلما أصبح الأخنس بن شريق، أخذ عصاه، ثم خرج حتى أتى أبا سفيان بن حرب في بيته، فقال: أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد؟ قال: يا أبا ثعلبة، والله لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها، وسمعت أشياء ما عرفت معناها ولا ما يراد بها. قال الأخنس: وأنا والذي حلفت به. قال ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل، فدخل عليه بيته، فقال: يا أبا
стр. 2934
الحكم! ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ قال: ماذا سمعت؟ قال: تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف: أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاثينا على الركب، وكنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك هذه؟ والله لا نؤمن به أبدا، ولا نصدقه. قال: فقام عنه الأخنس وتركه.
٦ - [مناقشة المؤلف لتفسير المفسرين لقوله تعالى أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ]
فسر كثير من المفسرين أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ في قوله تعالى:
قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً* أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فسروها بالموت، فإن الموت يعظم في صدور الكافرين أن يكون بعده حياة، ولم نقيدها نحن في صلب التفسير بقيد، وتركناها مطلقة كما هو المذهب المختار عند المفسرين. وعند هذه الآية يقول ابن كثير: وقد ذكر ابن جرير هاهنا حديثا «يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح فيوقف بين الجنة والنار. ثم يقال: يا أهل الجنة أتعرفون هذا؟ فيقولون: نعم. ثم يقال: يا أهل النار أتعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، فيذبح بين الجنة والنار، ثم يقال:
يا أهل الجنة خلود بلا موت، ويا أهل النار خلود بلا موت».
أقول: ومناسبة الحديث للآية غير واضحة إلا من حيث التدليل على أن الموت مخلوق، للتدليل على أن قوله تعالى: أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ يمكن أن يراد به الموت.
٧ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ]
وبمناسبة قوله تعالى يَوْمَ يَدْعُوكُمْ أي يوم القيامة فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ قال ابن كثير: وقد جاء في الحديث «ليس على أهل «لا إله إلا الله» وحشة في قبورهم، كأني بأهل «لا إله إلا الله» يقومون من قبورهم ينفضون التراب عن رءوسهم، يقولون: لا إله إلا الله». ومما قاله ابن كثير يفهم أن استجابتهم للبعث يرافقها كونهم ذاكرين.
٨ - [فائدة بمناسبة آية وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ .. ]
رأينا أن الله قد قال في هذا المقطع وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ وأنه قد جاء هذا الأمر في سياق إقامة الحجة على الكافرين، وتسفيه ما هم فيه، وعند ما يأتي أمر في هذا المقام، يستشعر المسلم خصوصيته ومودة الله إياه، فيستقبل هذا الأمر بجوارحه كلها، بعقله، وقلبه، وروحه، وفي هذا الأمر أدب من أرقى الآداب الإسلامية وأصعبها؛ إلا على من عصمه الله وحفظه، وهو أن يقول المسلم لأخيه المسلم الكلمة الطيبة في كل حال، في غضبه
стр. 2935
وسروره، ومزاحه وجده. الكلمة التي لا تجرح قلبا ولا تقطع أواصر. وإذا كنا مأمورين بالكلمة الطيبة، وترك الكلمة الخشنة، فمن باب أولى أن نكون منهيين عن الفعل
الخشن. مزاحا وجدا، ومن ثم قال ابن كثير عند هذه الآية: (ولهذا نهي أن يشير الرجل إلى أخيه المسلم بحديدة، فإن الشيطان ينزغ في يده أي فربما أصابه بها.
وروى الإمام أحمد ... عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ولا يشيرن أحدكم إلى أخيه بالسلاح؛ فإنه لا يدري أحدكم لعل الشيطان أن ينزغ في يده فيقع في حفرة من النار». وروى الإمام أحمد ... عن الحسن قال: حدثني رجل من بني سليط قال: أتيت النبي ﷺ وهو في رفلة من الناس، فسمعته يقول: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، التقوى هاهنا» قال حماد: وقال بيده إلى صدره «وما توادّ رجلان في الله، ففرق بينهما إلا حدث يحدثه أحدهما، والمحدث شر، والمحدث شر، والمحدث شر».
٩ - [كلام ابن كثير عند آية وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ]
عند قوله تعالى: وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ قال ابن كثير:
وكما قال تعالى تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ. (البقرة: ٢٥٣) وهذا لا ينافي ما ثبت في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا تفضّلوا بين الأنبياء». فإن المراد من ذلك هو التفضيل بمجرد التشهي والعصبية، لا بمقتضى الدليل فإذا دلّ الدليل على شئ وجب اتباعه، ولا خلاف أن الرسل أفضل من بقية الأنبياء، وأن أولي العزم منهم أفضل وهم الخمسة المذكورون نصا في آيتين من القرآن في سورة الأحزاب وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ (آية: ٧) وفي الشورى قوله شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ. (آية: ١٣) ولا خلاف أن محمدا ﷺ أفضلهم، ثم بعده إبراهيم، ثم موسى على المشهور. وقد بسطنا هذا بدلائله في غير هذا الموضع.
١٠ - [كلام المؤلف بمناسبة قوله تعالى وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً]
بمناسبة قوله تعالى: وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً يعيد ابن كثير الحديث الذي مر معنا في سورة الرعد بمناسبة أن كل كتاب سماوي يسمى قرآنا وهو ما رواه البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «خفّف على داود القرآن، فكان يأمر بدوابة فتسرج، فكان يقرؤه قبل أن يفرغ».
стр. 2936
أقول بهذه المناسبة: إن ذكر الزبور في هذا السياق يدل على شرف داود ﵇ إذ يخصه الله به، وفيه إشارة إلى شرف محمد ﷺ ، إذ يخصه الله بما هو أشرف من الزبور، وهو القرآن الكريم، والزبور كتاب سماوي لكنه قد خالطه التحريف والتغيير، حتى خالط بعض فقراته الكفر والشرك، كما حدث لغيره، ثم هو قد اختلط بغيره زيادة على تحريفه، فمثلا تعثر في كتب العهد القديم على ما يسمى المزامير.
ومجموعتها مائة وخمسون قطعة، يسمون كل قطعة منها مزمورا، إلا أننا نلاحظ أنهم ينسبون بعض هذه المزامير إلى إيثان الأزراحي، وبعضها لبني قورح، وبعضها لآساف، المشهور عند المسلمين بآصف بن برخيا، ثم تجدهم يذكرون عند بعض المزامير ما يشير إلى أنها من تأليف داود نفسه، ويذكرون مناسبتها ولا يفوت الرباني أن يحس أثناء قراءة بعضها أن عليها جلالا ربانيا، ولله في ألا تصلنا الكتب السماوية السابقة- كما هي- حكم، من جملتها أن نستغني بهذا القرآن عما سواه. وقد جمع الله به من الجلال والكمال في المبنى والمعنى، ما يغني ويكفي.
١١ - [فائدة حول سبب نزول آية وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ]
في سبب نزول قوله تعالى وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً. قال ابن كثير: (قال سنيد، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، قال:
قال المشركون: يا محمد، إنك تزعم أنه كان قبلك أنبياء، فمنهم من سخرت له الريح، ومنهم من كان يحيي الموتى، فإن سرّك أن نؤمن بك ونصدّقك، فادع ربك أن يكون لنا الصفا ذهبا. فأوحى الله إليه: «إني قد سمعت الذي قالوا، فإن شئت أن نفعل الذي قالوا، فإن لم يؤمنوا نزل العذاب، فإنه ليس بعد نزول الآية مناظرة، وإن شئت أن نستأني بقومك استأنيت بهم» قال: «يا رب استأن بهم» وكذا قال قتادة، وابن جريج وغيرهما. وروى الإمام أحمد ... عن ابن عباس قال: سأل أهل مكة النبي ﷺ أن يجعل لهم الصفا ذهبا، وأن ينحي الجبال عنهم فيزرعوا، فقيل له: إن شئت أن نستأني بهم، وإن شئت نؤتيهم الذي سألوا، فإن كفروا هلكوا كما أهلكت من كان قبلهم من الأمم. قال: «لا، بل استأن بهم» وأنزل الله تعالى وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ الآية. ورواه النسائي وابن جرير به وروى الإمام أحمد ... عن ابن عباس: قالت قريش للنبي ﷺ ادع لنا ربك أن يجعل لنا الصفا ذهبا، ونؤمن بك قال: «وتفعلون؟» قالوا: نعم: فدعا، فأتاه جبريل فقال: إن ربك يقرأ عليك السلام ويقول لك: إن شئت أصبح لهم الصفا ذهبا. فمن كفر منهم بعد ذلك
стр. 2937
عذبته عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين، وإن شئت فتحت لهم باب التوبة والرحمة فقال: «بل باب التوبة والرحمة» وروى الحافظ أبو يعلى في مسنده ... عن أم عطاء مولاة الزبير بن العوام قالت: سمعت الزبير يقول: لما نزلت وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (الشعراء: ٢١٤) صاح رسول الله ﷺ على أبي قبيس: «يا آل عبد مناف، إني نذير!» فجاءته قريش فحذّرهم، فقالوا: تزعم أنك نبي يوحى إليك، وأن سليمان سخّر له الريح والجبال، وأن موسى سخّر له البحر، وأن عيسى كان يحيي الموتى، فادع الله أن يسيّر عنّا هذه الجبال، ويفجّر لنا الأرض أنهارا، فنتخذها محارث، فنزرع ونأكل، وإلا فادع الله أن يحيي لنا موتانا لنكلمهم ويكلموننا، وإلا فادع الله أن يصيّر لنا هذه الصخرة التي تحتك ذهبا، فننحت منها وتغنينا عن رحلة الشتاء والصيف، فإنك تزعم أنك كهيئتهم. قال: فبينا نحن حوله، إذ نزل عليه الوحي، فلمّا سرّي عنه قال: «والذي نفسي بيده، لقد أعطاني ما سألتم، ولو شئت لكان، ولكنه خيّرني بين أن تدخلوا باب الرحمة فيؤمن مؤمنكم، وبين أن يكلكم إلى ما اخترتم لأنفسكم؛
فتضلوا عن باب الرحمة، فلا يؤمن منكم أحد، فاخترت باب الرحمة، فيؤمن مؤمنكم، وأخبرني أنه إن أعطاكم ذلك، ثم كفرتم، أنه يعذبكم عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين». ونزلت: وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ حتى قرأ ثلاث آيات ونزلت: وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى الآية. (الرعد: ٣١) ولهذا قال تعالى: وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ
١٢ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وآية وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ .. ]
بمناسبة قوله تعالى إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ يروي ابن كثير الحديث الذي يرويه الإمام أحمد عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ : أن رسول الله ﷺ قال: «إن المؤمن لينضي شياطينه كما ينضي أحدكم بعيره في السفر». أي يأخذ بناصيته ويتعبه ويقهره.
وبمناسبة قوله تعالى: وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ يذكر ابن كثير حديثين:
أ- في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال: «يقول الله إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرّمت عليهم ما أحللت لهم».
ب- وفي الصحيحين: أن رسول الله ﷺ قال: «لو أن أحدهم إذا أراد أن يأتي أهله
стр. 2938
قال: باسم الله اللهم جنّبنا الشيطان، وجنّب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدّر بينهما ولد في ذلك لم يضرّه الشيطان أبدا».
١٣ - [حادثة يرويها ابن كثير بمناسبة قوله تعالى وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ .. ]
وبمناسبة قوله تعالى وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ يروي ابن كثير حادثة (قال: كما اتفق لعكرمة بن أبي جهل لما ذهب فارّا من رسول الله ﷺ حين فتح مكة، فذهب هاربا؛ فركب في البحر ليدخل الحبشة، فجاءتهم ريح عاصف، فقال القوم بعضهم لبعض: إنه لا يغني عنكم إلا أن تدعوا الله وحده، فقال عكرمة في نفسه: والله لئن كان لا ينفع في البحر غيره، فإنه لا ينفع في البر غيره، اللهم لك عليّ عهد، لئن أخرجتني منه، لأذهبن فلأضعن يدي في يد محمد، فلأجدنه رءوفا رحيما، فخرجوا من البحر فرجع إلى رسول الله ﷺ فأسلم وحسن إسلامه ﵁ وأرضاه).
كلمة في السياق [المقطع الثاني وصلته بالمحور]:
لقد رأينا في المقطع الثاني أنه عالج الموانع التي تمنع من الهداية. أي تمنع دخول الإنسان في الإسلام، كما أقام المقطع الحجة على الكافرين، وقد رأينا فيه بعض ما تهدّد الله به، وفي المقطع الأول قصّ الله علينا ما عاقب به بني إسرائيل لانحرافهم. ثم بين خاصية من خواصّ كتابه. ثمّ أمر ونهى عباده، وفي كلّ ما مرّ تعميق لشكر النعمة بالطاعة، والتخويف من الانحراف، والاهتداء بهذا القرآن، والالتزام بآدابه، وكل ذلك له صلة بالدخول في الإسلام كله، واجتناب خطوات الشيطان كلها، والآن يأتي مقطع جديد، يذكّر بالنعمة، وعقوبة كفرانها، ويذكّر بما يحاوله الكافرون مع الداعية ليتخلى عن الإسلام، أو عن شئ منه، وما هي العقوبة التي يستأهلها من تنازل عن شئ من الإسلام كما يذكر كيد الكافرين لصاحب الدعوة، وكيف يقابل صاحب الدعوة الكيد، والإغراء. ثم يذكّر الله بنعمته في إنزاله هذا القرآن، ويذكّر بطبيعة الإنسان الجحود، وبإعجاز هذا القرآن.
***
стр. 2939
وبالجملة فإن المقطع اللاحق يربي على شكر النعمة، وعلى الالتزام بكل الإسلام، وهما المعنيان الرئيسيان في محور هذه السورة، من سورة البقرة:
المقطع الثالث ويمتد من الآية (٧٠) إلى نهاية الآية (٨٨) وهذا هو:
١٧/ ٨٨ - ٧٠
стр. 2940
التفسير
وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ قال النسفي: (بالعقل، والنطق، والخط، والصورة الحسنة، والقامة المعتدلة، وتدبير أمر المعاش والمعاد والاستيلاء، وتسخير الأشياء، وتناول الطعام بالأيدي) وفي مقدمة كتابنا (الرسول ﷺ تحدثنا عن كون الإنسان مخلوقا متميزا متفردا بالعقل والبيان والخلقة والقدرة على تسخير الأشياء. وأن هذا العطاء من الله يقابله التكليف. فالقيام بالتكليف هو شكر النعمة وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ على أنواع المركوبات الحيوانية والآلية وَالْبَحْرِ على أنواع المراكب وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ من زروع وثمار، ولحوم وألبان، ومن سائر أنواع الطعوم والألوان المشتهاة اللذيذة، والمناظر الحسنة، والملابس الرقيقة من سائر الأنواع على اختلاف
стр. 2941
أصنافها وألوانها وأشكالها، مما يصنعونه لأنفسهم، ويجلبه إليهم غيرهم من أقطار الأقاليم والنواحي وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ فسر الكثير بعضهم هنا بالكل مِمَّنْ خَلَقْنا قال ابن كثير: أي من سائر الحيوانات، وأصناف المخلوقات تَفْضِيلًا ذكّرنا الله في هذه الآية بتكريمه الإنسان، وحمله له في البر والبحر، ورزقه الطيبات، وتفضيله لهذا الإنسان على كل مخلوقاته. ذكّرنا الله بهذه النعم، ولم يذكر ما رتّبه علينا مقابل هذا العطاء، ولكنه ذكّرنا بعد ذلك مباشرة بما سيكون يوم
القيامة.
وفي هذا التذكير بيان أن من لم يشكر فله جزاؤه، وأن من شكر فله جزاؤه فقال:
يَوْمَ أي واذكر، أو واذكروا يوم نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ أي مختلطين بإمامهم، أي بمن ائتموا به من نبي أو مقدّم في الدين، أو كتاب، أو دين، أو بكتاب أعمالهم فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ أي من هؤلاء المدعوين فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا أي ولا ينقصون من ثوابهم أدنى شئ، وإنما يقرءون كتابهم فرحا بما فيه من العمل الصالح وسرورا، فهو يقرؤه ويحب قراءته. والفتيل في اللغة: هو الخيط المستطيل في شق النواة، ولم يذكر الكفار وإيتاءهم كتبهم بشمالهم اكتفاء بقوله تعالى الآتي:
وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى أي ومن كان في هذه الدنيا أعمى عن حجة الله وآياته وبيّناته فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى أي كذلك يكون في الآخرة وَأَضَلُّ سَبِيلًا أي وأضل طريقا مما كان في الدنيا، وقد استعيرت كلمة الأعمى للكافر؛ لأن الأعمى لا يدرك المبصرات؛ لفساد حاسته، وكذلك الكافر، فإنه لا يهتدي إلى طريق الله في الدنيا، فمن ثم فهو أعمى، ولكونه لا ينفعه الاهتداء في الآخرة فهو كذلك أعمى وأضل، لأن كرب يوم القيامة تزيد من عماه. وهكذا عرفنا عاقبة من كفر النّعمة، وعاقبة من شكرها، وإنما شكرها بالقيام بأمر الله كله، بأن يفعل ما كلّفه الله به، وبهذا وضح ما بين هاتين الآيتين. والآية قبلهما:
فالآية الأولى ذكّرت بالنّعم، ولم تذكر شيئا سوى ذلك.
والآيتان الأخريان ذكّرتا بحال أهل الإيمان، وأهل الكفر في الآخرة، مما دلّ على أن هذه النعم يقابلها تكليف، وأن السقوط في التكليف يترتب عليه ما يترتب، ووصف الكافر بالعمى في الدنيا دليل على أن الذي لم يرتّب على النعمة مقتضاها، من القيام بأمر الله
стр. 2942
تالف. هؤلاء العميان لم يكفهم أنهم عميان، بل يبذلون الجهود ليفتنوا أهل الإبصار، ويحرفوهم، بل يحاولون اضطهاد أهل الإبصار ليخرجوهم من ديارهم. وهذان هما موضوعا الفقرتين التاليتين، وهما يأتيان في معرض الكلام عن تأييد الله رسوله ﷺ ، وتثبيته وعصمته، وسلامته من شر الأشرار، وكيد الفجّار، وأنه تعالى هو المتولي أمره ونصره، وأنه لا يكله إلى أحد من خلقه، بل هو وليّه وحافظه وناصره ومؤيده ومظفره.
قال تعالى: وَإِنْ كادُوا أي وإنهم قاربوا لَيَفْتِنُونَكَ أي يخدعونك فاتنين عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ من أوامرنا ونواهينا، ووعدنا ووعيدنا لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ أي لتتقوّل علينا ما لم نقل وَإِذاً أي ولو اتبعت مرادهم لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا أي: لكنت لهم وليا وخرجت من ولايتي
وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا أي ولولا تثبيتنا وعصمتنا، لقاربت أن تميل إلى مكرهم ركونا قليلا
إِذاً أي لو ركنت إليهم أدنى ركون لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ أي عذاب الحياة مضاعفا وَضِعْفَ الْمَماتِ أي وعذاب الآخرة مضاعفا والتقدير: لأذقناك عذابا ضعفا في الحياة، وعذابا ضعفا في الممات.
ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً أي معينا لك يمنع عذابنا عنك
وَإِنْ كادُوا وإنهم قاربوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ أي ليزعجونك بعدوانهم ومكرهم مِنَ الْأَرْضِ من أرض مكة، أو من أرض العرب لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ أي بعدك إِلَّا قَلِيلًا أي إلا زمانا قليلا، فإن الله مهلكهم
سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا أي تبديلا، أي هكذا عادتنا في الذين كفروا برسلنا، وآذوهم بالإخراج من بين أظهرهم، يأتيهم العذاب، والمعنى: أن كل قوم أخرجوا رسولهم من بين ظهرانيهم فسنة الله أن يهلكهم. وقد يتساءل متسائل ألم يخرجوا رسول الله ﷺ ؟ والجواب: إنه هاجر وخرج بأمر ربه، ومن ثم لم يستأصلوا، أو أن ما حدث لهم يوم بدر كان عذابا يقابل فعلهم. أو أن أرض العرب واحدة، فالانتقال من مكة إلى المدينة لا يعتبر إخراجا.
كلمة في السياق:
النعمة ينبغي أن يقابلها شكر، والشكر: هو القيام بالتكليف، والقيام بالتكليف: هو
стр. 2943
الدخول في الإسلام كله، والدخول في الإسلام كله يعني: الالتزام الكامل بوحي الله، والالتزام الكامل بوحي الله لا يقبل مساومة ولا مداهنة، فإن ساوم أهل ذلك أو داهنوا استحقوا العذاب الدنيوي مضاعفا، والعذاب الأخروي مضاعفا، كما أن الالتزام بالوحي كاملا سيقابل من أعداء الله بالإيذاء الذي قد يكون منه الإخراج من الأرض، وكل ذلك لا ينبغي أن يلتفت إليه، هذا ما ذكرته الفقرتان السابقتان. والآن لنتذكر صلة ما مرّ معنا بمحور السورة: تأمل هذه الآيات: فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا وإِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ووَ إِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا. إذا تأملت هذا وصلته بقوله تعالى في سورة البقرة: وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ وإذا تأملت قوله تعالى:
وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا وصلته بقوله تعالى:
ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً فإنك ترى كيف أن المقطع يفصّل في محوره من سورة البقرة أي تفصيل.
وبعد ما رأيناه من المقطع تأتي الآن مجموعة أوامر موجّهة لرسول الله ﷺ ، ومجئ الأوامر في هذا السياق يفيد: أن تنفيذ هذه الأوامر هو الردّ على محاولات الحرف أو الإخراج، وهو التعبير العملي عن شكر النعمة، وهو الشئ الذي يستعان به في عبور سفينة الحياة بهذا الإسلام.
أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ أي لزوالها إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ أي إلى ظلمته دخل في ذلك الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء وَقُرْآنَ الْفَجْرِ أي وأقم قرآن الفجر أي صلاته،
وسميت الصلاة بالقرآن لكون القراءة ركنا فيها، كما سميت ركوعا وسجودا، أو سميت قرآنا لطول ما يقرأ بها من القرآن إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً أي إن صلاة الفجر تشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار، كما أخرج البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «فضل صلاة الجميع على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة، وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر» يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً وعلى هذا فإن الأمر في الآية يفسّر بإقامة الصلوات الخمس المكتوبة في أوقاتها. وقد ثبتت السنة عن رسول الله ﷺ تواترا من أفعاله وأقواله بتفاصيل هذه الأوقات على ما عليه أهل الإسلام اليوم، مما تلقوه خلفا عن سلف. وقرنا بعد قرن.
стр. 2944
فلا ينكره إلا كافر
وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ أي بالقرآن نافِلَةً لَكَ أي عبادة زائدة لك على الصلوات الخمس. والمعنى: أن التهجد زيد لك على الصلوات المفروضة غنيمة لك، أو فريضة عليك خاصة دون غيرك، لأنه تطوع لهم، والتهجد في الأصل ترك الهجود للصلاة، ومن ثم فإنه يكون عادة بعد نوم، فالآية فيها أمر لرسول الله ﷺ بقيام الليل زيادة على المكتوبة. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه سئل أي الصلاة أفضل بعد المكتوبة قال: «صلاة الليل». ثم قال تعالى: عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً أي افعل هذا الذي أمرتك به؛ لنقيمك يوم القيامة مقاما محمودا، يحمدك فيه الخلائق كلهم، وخالقهم ﵎. قال ابن جرير:
قال أكثر أهل التأويل: ذلك هو المقام الذي يقومه محمد ﷺ يوم القيامة للشفاعة للناس؛ ليريحهم ربهم من عظيم ما هم فيه من شدة ذلك اليوم
وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ في شأني كله، وفي كل ما أدخل فيه وأخرج من أمر أو مكان، وقد نزلت حين الأمر بالهجرة كما سنرى وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً أي ملكا وعزا قويا ناصرا للإسلام على الكفر، مظهرا له عليه، أو حجة بينة تنصرني بها على من خالفني، والقول الأول هو الذي رجحه ابن جرير. قال ابن كثير: وهو الأرجح لأنه لا بد مع الحق من قهر لمن عاداه وناوأه
وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ أي الإسلام كما قال النسفي وَزَهَقَ الْباطِلُ أي وذهب وهلك، إذ الباطل لا ثبات له مع الحق ولا بقاء إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً أي مضمحلا في كل أوان، فليس من لقاء ولا من مساومة، فالباطل عدم، والحق وجود، وعلى العدم أن يرحل أمام الوجود.
هذه هي الأوامر التي وجهت لرسول الله ﷺ في هذا السياق: الأمر بإقامة الصلوات الخمس، والأمر بالتهجد، والأمر بالاستعانة بالله في كل شئ ودعائه، والإعلان عن مجئ الحق وزهوق الباطل. وفي هذا الإعلان ما يفيد أن الباطل كله يجب أن ينتهي. ومجئ هذه الأوامر في هذا السياق واضح الحكمة، سواء في ذلك سياق السورة، أو السياق الكلي للقرآن، وبعد هذه الأوامر تأتي هذه الآية:
وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ للقلوب من أمراضها، من شك، ونفاق، وزيغ، وميل، وضعف وَرَحْمَةٌ يحصل بها الإيمان، وتوجد بها الحكمة، وتتحقق بها السعادة لِلْمُؤْمِنِينَ فهم وحدهم الذين يعتبر القرآن في حقّهم شفاء ورحمة، به
стр. 2945
تفريج كروبهم، وتطهير عيوبهم، وتكفير ذنوبهم وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ أي الكافرين إِلَّا خَساراً أي ضلالا لتكذيبهم به وكفرهم، فلا ينتفعون به، ولا يعونه، ولا يزيدهم سماعه إلا بعدا وكفرا، والآفة من الكافر لا من القرآن. ومجئ هذه الآية بعد الأوامر الأربعة السابقة يشعر أن هذه الأوامر فيها الشفاء، وفيها الرحمة. كما يشعر أن كل ما سبق من المقطع إنما هو من أجل شفاء القلوب من الضعف والوهن.
كلمة في السياق:
نلاحظ أن المقطع الثاني بدأ بآية مختومة بقوله تعالى: وَما يَزِيدُهُمْ أي القرآن إِلَّا نُفُوراً وقد انتقل المقطع من آية، إلى آية حتى استقر على آية تعكس نورها على ما قبلها، وهي منتهية بقوله تعالى: وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً ومن ثم فإننا نلاحظ أن المقاطع كلها تعالج وضعا واحدا هو موقف الخلق من نعمة القرآن. وما يترتب على ذلك، وكل ذلك في مجال المطالبة بالدخول في الإسلام كله، ويتساءل متسائل ما السّر في كون هذا القرآن لا يزيد الكافر إلا خسارا. ويأتي الجواب في الآية اللاحقة في صيغة تقرير قاعدة وهي:
وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ بالصحة والسعة من مال وعافية وفتح ورزق ونصر أَعْرَضَ عن طاعة الله وعبادته وَنَأى بِجانِبِهِ النأي بالجانب أن يلوي عنه عطفه، ويولّيه ظهره، وهذا تأكيد للإعراض، وإشعار بأن الإعراض فيه معنى الاستكبار وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ وهو الفقر والمرض والحوادث والنوائب والمصائب كانَ يَؤُساً أي قنوطا من أن يعود بعد ذلك إليه الخير، إن هذا هو حال الكافر بدليل قوله تعالى في سورة هود وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ* وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ* إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (الآيات: ٩ - ١١) دلّت هذه الآيات على أن الذي يقف من النعمة هذا الموقف إنما هو الكافر، ومن ثم فهذه الطبيعة هي السبب في أن الكافر لا يزيده القرآن إلا خسارا؛ لأن القرآن نعمة، ومن طبيعة الكافر أن يقابل النعمة بالإعراض والاستكبار، فإذا كانت هذه طبيعته فهو يقف من أجلّ النعم- وهي القرآن والإسلام- موقف الإعراض والاستكبار، ومن ثم فإن القرآن يزيدهم خسارا، ومن ثمّ قال تعالى:
قُلْ كُلٌّ من المؤمنين الذين يهتدون بالقرآن ويشكرون النعمة، ومن الكافرين
следующие страницы →