أصنافها وألوانها وأشكالها، مما يصنعونه لأنفسهم، ويجلبه إليهم غيرهم من أقطار الأقاليم والنواحي وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ فسر الكثير بعضهم هنا بالكل مِمَّنْ خَلَقْنا قال ابن كثير: أي من سائر الحيوانات، وأصناف المخلوقات تَفْضِيلًا ذكّرنا الله في هذه الآية بتكريمه الإنسان، وحمله له في البر والبحر، ورزقه الطيبات، وتفضيله لهذا الإنسان على كل مخلوقاته. ذكّرنا الله بهذه النعم، ولم يذكر ما رتّبه علينا مقابل هذا العطاء، ولكنه ذكّرنا بعد ذلك مباشرة بما سيكون يوم
القيامة.
وفي هذا التذكير بيان أن من لم يشكر فله جزاؤه، وأن من شكر فله جزاؤه فقال:
يَوْمَ أي واذكر، أو واذكروا يوم نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ أي مختلطين بإمامهم، أي بمن ائتموا به من نبي أو مقدّم في الدين، أو كتاب، أو دين، أو بكتاب أعمالهم فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ أي من هؤلاء المدعوين فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا أي ولا ينقصون من ثوابهم أدنى شئ، وإنما يقرءون كتابهم فرحا بما فيه من العمل الصالح وسرورا، فهو يقرؤه ويحب قراءته. والفتيل في اللغة: هو الخيط المستطيل في شق النواة، ولم يذكر الكفار وإيتاءهم كتبهم بشمالهم اكتفاء بقوله تعالى الآتي:
وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى أي ومن كان في هذه الدنيا أعمى عن حجة الله وآياته وبيّناته فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى أي كذلك يكون في الآخرة وَأَضَلُّ سَبِيلًا أي وأضل طريقا مما كان في الدنيا، وقد استعيرت كلمة الأعمى للكافر؛ لأن الأعمى لا يدرك المبصرات؛ لفساد حاسته، وكذلك الكافر، فإنه لا يهتدي إلى طريق الله في الدنيا، فمن ثم فهو أعمى، ولكونه لا ينفعه الاهتداء في الآخرة فهو كذلك أعمى وأضل، لأن كرب يوم القيامة تزيد من عماه. وهكذا عرفنا عاقبة من كفر النّعمة، وعاقبة من شكرها، وإنما شكرها بالقيام بأمر الله كله، بأن يفعل ما كلّفه الله به، وبهذا وضح ما بين هاتين الآيتين. والآية قبلهما:
فالآية الأولى ذكّرت بالنّعم، ولم تذكر شيئا سوى ذلك.
والآيتان الأخريان ذكّرتا بحال أهل الإيمان، وأهل الكفر في الآخرة، مما دلّ على أن هذه النعم يقابلها تكليف، وأن السقوط في التكليف يترتب عليه ما يترتب، ووصف الكافر بالعمى في الدنيا دليل على أن الذي لم يرتّب على النعمة مقتضاها، من القيام بأمر الله
стр. 2942
تالف. هؤلاء العميان لم يكفهم أنهم عميان، بل يبذلون الجهود ليفتنوا أهل الإبصار، ويحرفوهم، بل يحاولون اضطهاد أهل الإبصار ليخرجوهم من ديارهم. وهذان هما موضوعا الفقرتين التاليتين، وهما يأتيان في معرض الكلام عن تأييد الله رسوله ﷺ ، وتثبيته وعصمته، وسلامته من شر الأشرار، وكيد الفجّار، وأنه تعالى هو المتولي أمره ونصره، وأنه لا يكله إلى أحد من خلقه، بل هو وليّه وحافظه وناصره ومؤيده ومظفره.
قال تعالى: وَإِنْ كادُوا أي وإنهم قاربوا لَيَفْتِنُونَكَ أي يخدعونك فاتنين عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ من أوامرنا ونواهينا، ووعدنا ووعيدنا لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ أي لتتقوّل علينا ما لم نقل وَإِذاً أي ولو اتبعت مرادهم لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا أي: لكنت لهم وليا وخرجت من ولايتي
وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا أي ولولا تثبيتنا وعصمتنا، لقاربت أن تميل إلى مكرهم ركونا قليلا
إِذاً أي لو ركنت إليهم أدنى ركون لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ أي عذاب الحياة مضاعفا وَضِعْفَ الْمَماتِ أي وعذاب الآخرة مضاعفا والتقدير: لأذقناك عذابا ضعفا في الحياة، وعذابا ضعفا في الممات.
ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً أي معينا لك يمنع عذابنا عنك
وَإِنْ كادُوا وإنهم قاربوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ أي ليزعجونك بعدوانهم ومكرهم مِنَ الْأَرْضِ من أرض مكة، أو من أرض العرب لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ أي بعدك إِلَّا قَلِيلًا أي إلا زمانا قليلا، فإن الله مهلكهم
سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا أي تبديلا، أي هكذا عادتنا في الذين كفروا برسلنا، وآذوهم بالإخراج من بين أظهرهم، يأتيهم العذاب، والمعنى: أن كل قوم أخرجوا رسولهم من بين ظهرانيهم فسنة الله أن يهلكهم. وقد يتساءل متسائل ألم يخرجوا رسول الله ﷺ ؟ والجواب: إنه هاجر وخرج بأمر ربه، ومن ثم لم يستأصلوا، أو أن ما حدث لهم يوم بدر كان عذابا يقابل فعلهم. أو أن أرض العرب واحدة، فالانتقال من مكة إلى المدينة لا يعتبر إخراجا.
كلمة في السياق:
النعمة ينبغي أن يقابلها شكر، والشكر: هو القيام بالتكليف، والقيام بالتكليف: هو
стр. 2943
الدخول في الإسلام كله، والدخول في الإسلام كله يعني: الالتزام الكامل بوحي الله، والالتزام الكامل بوحي الله لا يقبل مساومة ولا مداهنة، فإن ساوم أهل ذلك أو داهنوا استحقوا العذاب الدنيوي مضاعفا، والعذاب الأخروي مضاعفا، كما أن الالتزام بالوحي كاملا سيقابل من أعداء الله بالإيذاء الذي قد يكون منه الإخراج من الأرض، وكل ذلك لا ينبغي أن يلتفت إليه، هذا ما ذكرته الفقرتان السابقتان. والآن لنتذكر صلة ما مرّ معنا بمحور السورة: تأمل هذه الآيات: فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا وإِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ووَ إِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا. إذا تأملت هذا وصلته بقوله تعالى في سورة البقرة: وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ وإذا تأملت قوله تعالى:
وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا وصلته بقوله تعالى:
ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً فإنك ترى كيف أن المقطع يفصّل في محوره من سورة البقرة أي تفصيل.
وبعد ما رأيناه من المقطع تأتي الآن مجموعة أوامر موجّهة لرسول الله ﷺ ، ومجئ الأوامر في هذا السياق يفيد: أن تنفيذ هذه الأوامر هو الردّ على محاولات الحرف أو الإخراج، وهو التعبير العملي عن شكر النعمة، وهو الشئ الذي يستعان به في عبور سفينة الحياة بهذا الإسلام.
أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ أي لزوالها إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ أي إلى ظلمته دخل في ذلك الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء وَقُرْآنَ الْفَجْرِ أي وأقم قرآن الفجر أي صلاته،
وسميت الصلاة بالقرآن لكون القراءة ركنا فيها، كما سميت ركوعا وسجودا، أو سميت قرآنا لطول ما يقرأ بها من القرآن إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً أي إن صلاة الفجر تشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار، كما أخرج البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «فضل صلاة الجميع على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة، وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر» يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً وعلى هذا فإن الأمر في الآية يفسّر بإقامة الصلوات الخمس المكتوبة في أوقاتها. وقد ثبتت السنة عن رسول الله ﷺ تواترا من أفعاله وأقواله بتفاصيل هذه الأوقات على ما عليه أهل الإسلام اليوم، مما تلقوه خلفا عن سلف. وقرنا بعد قرن.
стр. 2944
فلا ينكره إلا كافر
وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ أي بالقرآن نافِلَةً لَكَ أي عبادة زائدة لك على الصلوات الخمس. والمعنى: أن التهجد زيد لك على الصلوات المفروضة غنيمة لك، أو فريضة عليك خاصة دون غيرك، لأنه تطوع لهم، والتهجد في الأصل ترك الهجود للصلاة، ومن ثم فإنه يكون عادة بعد نوم، فالآية فيها أمر لرسول الله ﷺ بقيام الليل زيادة على المكتوبة. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه سئل أي الصلاة أفضل بعد المكتوبة قال: «صلاة الليل». ثم قال تعالى: عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً أي افعل هذا الذي أمرتك به؛ لنقيمك يوم القيامة مقاما محمودا، يحمدك فيه الخلائق كلهم، وخالقهم ﵎. قال ابن جرير:
قال أكثر أهل التأويل: ذلك هو المقام الذي يقومه محمد ﷺ يوم القيامة للشفاعة للناس؛ ليريحهم ربهم من عظيم ما هم فيه من شدة ذلك اليوم
وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ في شأني كله، وفي كل ما أدخل فيه وأخرج من أمر أو مكان، وقد نزلت حين الأمر بالهجرة كما سنرى وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً أي ملكا وعزا قويا ناصرا للإسلام على الكفر، مظهرا له عليه، أو حجة بينة تنصرني بها على من خالفني، والقول الأول هو الذي رجحه ابن جرير. قال ابن كثير: وهو الأرجح لأنه لا بد مع الحق من قهر لمن عاداه وناوأه
وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ أي الإسلام كما قال النسفي وَزَهَقَ الْباطِلُ أي وذهب وهلك، إذ الباطل لا ثبات له مع الحق ولا بقاء إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً أي مضمحلا في كل أوان، فليس من لقاء ولا من مساومة، فالباطل عدم، والحق وجود، وعلى العدم أن يرحل أمام الوجود.
هذه هي الأوامر التي وجهت لرسول الله ﷺ في هذا السياق: الأمر بإقامة الصلوات الخمس، والأمر بالتهجد، والأمر بالاستعانة بالله في كل شئ ودعائه، والإعلان عن مجئ الحق وزهوق الباطل. وفي هذا الإعلان ما يفيد أن الباطل كله يجب أن ينتهي. ومجئ هذه الأوامر في هذا السياق واضح الحكمة، سواء في ذلك سياق السورة، أو السياق الكلي للقرآن، وبعد هذه الأوامر تأتي هذه الآية:
وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ للقلوب من أمراضها، من شك، ونفاق، وزيغ، وميل، وضعف وَرَحْمَةٌ يحصل بها الإيمان، وتوجد بها الحكمة، وتتحقق بها السعادة لِلْمُؤْمِنِينَ فهم وحدهم الذين يعتبر القرآن في حقّهم شفاء ورحمة، به
стр. 2945
تفريج كروبهم، وتطهير عيوبهم، وتكفير ذنوبهم وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ أي الكافرين إِلَّا خَساراً أي ضلالا لتكذيبهم به وكفرهم، فلا ينتفعون به، ولا يعونه، ولا يزيدهم سماعه إلا بعدا وكفرا، والآفة من الكافر لا من القرآن. ومجئ هذه الآية بعد الأوامر الأربعة السابقة يشعر أن هذه الأوامر فيها الشفاء، وفيها الرحمة. كما يشعر أن كل ما سبق من المقطع إنما هو من أجل شفاء القلوب من الضعف والوهن.
كلمة في السياق:
نلاحظ أن المقطع الثاني بدأ بآية مختومة بقوله تعالى: وَما يَزِيدُهُمْ أي القرآن إِلَّا نُفُوراً وقد انتقل المقطع من آية، إلى آية حتى استقر على آية تعكس نورها على ما قبلها، وهي منتهية بقوله تعالى: وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً ومن ثم فإننا نلاحظ أن المقاطع كلها تعالج وضعا واحدا هو موقف الخلق من نعمة القرآن. وما يترتب على ذلك، وكل ذلك في مجال المطالبة بالدخول في الإسلام كله، ويتساءل متسائل ما السّر في كون هذا القرآن لا يزيد الكافر إلا خسارا. ويأتي الجواب في الآية اللاحقة في صيغة تقرير قاعدة وهي:
وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ بالصحة والسعة من مال وعافية وفتح ورزق ونصر أَعْرَضَ عن طاعة الله وعبادته وَنَأى بِجانِبِهِ النأي بالجانب أن يلوي عنه عطفه، ويولّيه ظهره، وهذا تأكيد للإعراض، وإشعار بأن الإعراض فيه معنى الاستكبار وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ وهو الفقر والمرض والحوادث والنوائب والمصائب كانَ يَؤُساً أي قنوطا من أن يعود بعد ذلك إليه الخير، إن هذا هو حال الكافر بدليل قوله تعالى في سورة هود وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ* وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ* إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (الآيات: ٩ - ١١) دلّت هذه الآيات على أن الذي يقف من النعمة هذا الموقف إنما هو الكافر، ومن ثم فهذه الطبيعة هي السبب في أن الكافر لا يزيده القرآن إلا خسارا؛ لأن القرآن نعمة، ومن طبيعة الكافر أن يقابل النعمة بالإعراض والاستكبار، فإذا كانت هذه طبيعته فهو يقف من أجلّ النعم- وهي القرآن والإسلام- موقف الإعراض والاستكبار، ومن ثم فإن القرآن يزيدهم خسارا، ومن ثمّ قال تعالى:
قُلْ كُلٌّ من المؤمنين الذين يهتدون بالقرآن ويشكرون النعمة، ومن الكافرين
стр. 2946
الذين يكفرون النعمة وينأون عن القرآن يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ أي على مذهبه وطريقته التي تشاكل حاله في الهدى والضلال، أو على طبيعته، وهذا شبيه بقول الشاعر: وكل إناء بالذي فيه ينضح. فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا أي أسدّ مذهبا وطريقة منا أو منكم، وسيجزي كل عامل بعمله. قال ابن كثير: وهذه الآية- والله أعلم- تهديد للمشركين ووعيد لهم. أقول: وفي الوقت نفسه ثناء على طبيعة المسلم. وفي هذا السياق يرد سؤال، ويأتي جواب ويقرر تقرير. فلنر السؤال وجوابه والتقرير، ثم لنر محله في السياق: أما السؤال فهو:
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ والسائل هم اليهود كما سنرى في الفوائد قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي أي من أمر يعلمه ربي، أي مما استأثر الله بعلمه، أو هي من عالم الأمر التكويني وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا أي وما أطلعكم من علمه إلا على القليل، فإنه لا يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء ﵎. والمعنى: أن علمكم في علم الله قليل. وهذا الذي تسألون عنه مما استأثر به تعالى ولم يطلعكم عليه، كما أنه لم يطلعكم إلا على القليل من علمه تعالى. ولنا عودة على موضوع الآية، وموضوع الروح في قسم الفوائد، فهذه الروح التي آثارها ظاهرة، والتي يدل عليها كثير من الظواهر، والتي هي أقرب شئ إلى الإنسان، يقف الإنسان، عاجزا عن إدراك حقيقتها وكنهها. والآن ما الحكمة في إيراد هذه الآية في هذا السياق؟ بعد ذكر كفران النعمة، وذكر كون القرآن شفاء؟
نلاحظ أن هذه الآية والآيتين قبلها قد وردت بين آيات تتحدث عن القرآن، وخواصّه، وإعجازه، إذا عرفنا هذا فإنّ الشئ الذي يتبادر إلى الذهن هو: أن هذا القرآن الذي هو علاج للقلوب والأرواح، ما كان ليكون كذلك، لولا أنه من عند الله، وأن هذه الروح التي لا يعرف غير الله كنهها هو وحده الذي يضع النظام المناسب لها. فهذا الإنسان الذي لا يعرف نفسه يحتاج إلى هداية الله، ومن ثم أنزل الله هذا القرآن الذي لا يستطيع أحد لا محمد ﷺ ولا غيره أن يأتي بمثله. ومن ثم يختتم المقطع بهذه الآيات.
قال تعالى: وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ المعنى إن شئنا ذهبنا بالقرآن ومحوناه من الصدور والمصاحف، فلم نترك له أثرا ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلًا إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ أي ثم لا تجد لك بعد الذهاب به من يتوكل علينا باسترداده وإعادته محفوظا مسطورا، إلا أن يرحمك ربك فيردّه عليك إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً في إنزال هذا القرآن، وحفظه عليك. فالقرآن إذن ليس مصدره بشريا، بل هو رباني. حتى محمد ﷺ لا يستطيع شيئا لو أراد الله أن يسلبه هذا
стр. 2947
القرآن، فهذا القرآن تنزيل من الله وحده، وتأكيدا لهذا المعنى أمر الله رسوله ﷺ أن يقول:
قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً أي معينا. والمعنى: لو تظاهروا على أن يأتوا بمثل هذا القرآن في بلاغته وحسن نظمه لعجزوا عن الإتيان بمثله، ولو اجتمعت طاقات بعضهم إلى بعض لما أطاقوا ذلك ولما استطاعوه، ولو تعاونوا وتساعدوا وتضافروا فإن هذا أمر لا يستطاع، وكيف يشبه كلام المخلوقين كلام الخالق، الذي لا نظير له، ولا مثال له، ولا عديل له، فكما أن الروح من أمر الله فهذا القرآن من عند الله، وكما أن أحدا لا يستطيع أن يدرك سر الروح- فضلا عن أن يوجدها- فكذلك هذا القرآن يعجز أحد حتى رسول الله ﷺ أن يأتي به أو بمثله. وعلى هذا فإن تسلسل المعاني في هذا المقطع يكون على الشكل الآتي: تذكير بالنعمة يوصل إلى موضوع التكليف والحساب، وتذكير بوجوب الثبات على كل ما كلف الله به عباده. وتهديد لمن انحرف، ثم بعد ذلك يذكر نوعا من أنواع الإيذاء الذي يقابل به الدعاة، ثمّ تأتي أربعة أوامر توجه في هذا السياق لصاحب الدعوة، ثمّ يأتي تقرير يذكر فيه بعض خواص القرآن ويذكر فيه موقف الكافرين منه، ثم تذكر علة هذا الموقف، ثمّ يذكر جهل الإنسان وقصوره عن معرفة أقرب الأشياء إليه، وإذ كان الأمر كذلك فلا بد له من هداية ربانية، ومن ثم أنزل الله هذا القرآن المعجز، فإذا ما رفضه الكافرون فما ذلك إلا لجهلهم. فالمقطع عمّق أمر الاستسلام لهذا القرآن. فلنذكر الآن بعض النقول، ثم فوائد المقطع، ثم نعطف بكلمة عن سياق سورة الإسراء. ثم ننتقل إلى المقطع الرابع.
نقول [من الظلال:]
١ - عند قوله تعالى: وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً قال صاحب الظلال:
(بهذا السلطان المستمد من الله، أعلن مجئ الحق بقوته وصدقه وثباته، وزهوق الباطل واندحاره وجلائه. فمن طبيعة الصدق أن يحيا ويثبت، ومن طبيعة الباطل أن يتوارى ويزهق ..
إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً .. حقيقة لدنّية يقررها بصيغة التوكيد. وإن بدا للنظرة الأولى أن للباطل صولة ودولة. فالباطل ينتفخ وينتفش، لأنه باطل لا يطمئن إلى
стр. 2948
حقيقة؛ ومن ثم يحاول أن يموه على العين، وأن يبدو عظيما كبيرا ضخما راسخا، ولكنه هش سريع العطب، كشعلة الهشيم ترتفع في الفضاء عاليا ثم تخبو سريعا وتستحيل إلى رماد؛ بينما الجمرة الذاكية تدفئ وتنفع وتبقى؛ وكالزبد يطفو على الماء ولكنه يذهب جفاء ويبقى الماء.
إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً .. لأنه لا يحمل عناصر البقاء في ذاته، إنما يستمد حياته الموقوتة من عوامل خارجية وأسناد غير طبيعية؛ فإذا تخلخلت تلك العوامل، ووهنت هذه الأسناد تهاوى وانهار. فأما الحق فمن ذاته يستمد عناصر وجوده. وقد تقف ضده الأهواء، وتقف ضده الظروف، ويقف ضده السلطان .. ولكن ثباته واطمئنانه يجعل له العقبى ويكفل له البقاء، لأنه من عند الله الذي جعل «الحق» من أسمائه وهو الحي الباقي الذي لا يزول.
إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً .. ومن ورائه الشيطان، ومن ورائه السلطان. ولكن وعد الله أصدق، وسلطان الله أقوى. وما من مؤمن ذاق طعم الإيمان، إلا وذاق معه حلاوة الوعد، وصدق العهد. ومن أوفى بعهده من الله؟ ومن أصدق من الله حديثا؟.»
٢ - وعند قوله تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ .. قال صاحب الظلال:
(وفي القرآن شفاء، وفي القرآن رحمة، لمن خالطت قلوبهم بشاشة الإيمان، فأشرقت وتفتحت لتلقي ما في القرآن من روح، وطمأنينة وأمان. في القرآن شفاء من الوسوسة والقلق والحيرة. فهو يصل القلب بالله، فيسكن ويطمئن، ويستشعر الحماية والأمن؛ ويرضى فيستروح الرضى من الله والرضى عن الحياة؛ والقلق مرض، والحيرة نصب، والوسوسة داء. ومن ثم هو رحمة للمؤمنين.
وفي القرآن شفاء من الهوى والدنس والطمع والحسد ونزغات الشيطان .. وهي من آفات القلب تصيبه بالمرض والضعف والتعب، وتدفع به إلى التحطم والبلى والانهيار ومن ثم هو رحمة للمؤمنين.
وفي القرآن شفاء من الاتجاهات المختلفة في الشعور والتفكير. فهو يعصم العقل من الشطط، ويطلق له الحرية في مجالاته المثمرة ويكفه عن إنفاق طاقاته فيما لا يجدي، ويأخذه بمنهج سليم مضبوط، يجعل نشاطه منتجا ومأمونا. ويعصمه من الشطط
стр. 2949
والزلل. وكذلك هو في عالم الجسد ينفق طاقاته في اعتدال بلا كبت ولا شطط فيحفظه سليما معافى ويدخر طاقاته للإنتاج المثمر ومن ثم هو رحمة للمؤمنين.
وفي القرآن شفاء من العلل الاجتماعية التي تخلخل بناء الجماعات، وتذهب بسلامتها وأمنها وطمأنينتها. ومن ثم هو رحمة للمؤمنين.
وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً ... فهم لا ينتفعون بما فيه من شفاء ورحمة.
وهم في غيظ وقهر من استعلاء المؤمنين به، وهم في عنادهم وكبريائهم يشتطون في الظلم والفساد، وهم في الدنيا مغلوبون من أهل هذا القرآن. فهم خاسرون. وفي الآخرة معذبون بكفرهم به ولجاجهم في الطغيان، فهم خاسرون: وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً ... ).
٣ - وقال صاحب الظلال عند قوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا:
(وليس في هذا حجر على العقل البشري أن يعمل. ولكن فيه توجيها لهذا العقل أن يعمل في حدوده في مجاله الذي يدركه. فلا جدوى في الخبط في التيه، ومن إنفاق الطاقة فيما لا يملك وسائل إدراكه. والروح غيب من غيب الله لا يدركه سواه، وسر من أسراره القدسية، أودعه هذا المخلوق البشري .. وعلم الإنسان محدود بالقياس إلى علم الله المطلق، وأسرار هذا الوجود أوسع من أن يحيط بها العقل البشري المحدود، والإنسان لا يدبر هذا الكون فطاقاته ليست شاملة، إنما وهب منها بقدر حاجته ليقوم بالخلافة في الأرض، ويحقق فيها ما شاء الله أن يحققه، في حدود علمه القليل. ولقد أبدع الإنسان في هذه الأرض ما أبدع؛ ولكنه وقف حسيرا أمام ذلك السر اللطيف- الروح- لا يدري ما هو، ولا كيف جاء، ولا كيف يذهب، ولا أين كان ولا أين يكون، إلا ما يخبر به العليم الخبير ... ).
***
стр. 2950
فوائد:
١ - [أيّ أجناس الخلق أفضل الملائكة أو البشر بمناسبة آية وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ]
يثير علماء التفسير سؤالا عند قوله تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ ... وهو:
أيّ أجناس الخلق أفضل الملائكة أو البشر؟ ومما ذهب إليه العلماء- وهو رأي الجمهور: أن خواصّ البشر- كالمرسلين- أفضل من خواصّ الملائكة، والصدّيقون من البشر أفضل من عوام الملائكة، وخواصّ الملائكة أفضل من عامة البشر، وعامة الملائكة أفضل من عامة البشر من غير الصدّيقين وأمثالهم، فمن باب أولى أن يكونوا أفضل من فسقة المسلمين، وأما الكفرة فهم شر الخلق. فلبعض البشر إذا نوع ميزة على الملائكة. ومن ثم أطلق بعضهم أن جنس البشر هو أكرم الأجناس على الله. قال النسفي في تعليل ذلك: وهذا لأنهم مجبولون على الطاعة، ففيهم عقل بلا شهوة وفي البهائم شهوة بلا عقل، وفي الآدمي كلاهما. فمن غلب عقله شهوته فهو أكرم من الملائكة.
ومن غلبت شهوته عقله فهو شر من البهائم ولأنه خلق الكل لهم وخلقهم لنفسه.
وذكر ابن كثير أكثر من أثر وحديث في التدليل على هذا المقام، وكلها بمعنى واحد وهذه رواية الطبراني بسنده إلى عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: «إن الملائكة قالت: يا ربنا أعطيت بني آدم الدنيا يأكلون فيها، ويشربون ويلبسون، ونحن نسبح بحمدك ولا نأكل ولا نشرب ولا نلهو، فكما جعلت لهم الدنيا فاجعل لنا الآخرة، قال: لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له كن فكان».
٢ - [اتجاهات المفسرين في تفسير آية يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ]
رأينا أن هناك أكثر من اتجاه في تفسير قوله تعالى: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ .. فبعضهم فسّر الإمام بكتاب أعمالهم، وبعضهم فسره بأنه الإمام الذي يقتدي به الناس، فكل قوم اقتدوا بواحد فإن هذا الواحد يدعى أولا من هؤلاء القوم، وقد روى البزار حديثا في هذا المعنى. إلا أنه قال لا يروى إلا من هذا الوجه وهذا هو الحديث: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ في قول الله تعالى: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ قال: «يدعى أحدهم فيعطى كتابه بيمينه، ويمدّ له في جسمه، ويبيض وجهه، ويجعل على رأسه تاج من لؤلؤة يتلألأ، فينطلق إلى أصحابه، فيرونه من بعيد، فيقولون: اللهم آتنا بهذا، وبارك لنا في هذا، فيأتيهم، فيقول لهم: أبشروا فإن لكل رجل منكم مثل هذا، وأما الكافر فيسودّ وجهه، ويمدّ له في جسمه، ويراه أصحابه، فيقولون: نعوذ بالله من هذا، أو من شر هذا- اللهم لا تأتنا به، فيأتيهم.
فيقولون: اللهم أخره، فيقول: أبعدكم الله، فإن لكل رجل منكم مثل هذا». وقال
стр. 2951
ابن كثير قبل إيراده هذا الحديث: (ويحتمل أن المراد بإمامهم أي كل قوم بمن يأتمون به، فأهل الإيمان ائتموا بالأنبياء ﵈، وأهل الكفر ائتموا بأئمتهم كما قال تعالى: وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ (القصص: ٤١) وفي الصحيحين:
تتبع كل أمة ما كانت تعبد فيتبع من كان يعبد الطواغيت).
٣ - [اتجاه آخر في تفسير الدلوك عند آية أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ]
رأينا أن الدلوك في قوله تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ هو الزوال وعلى هذا أكثر المفسرين، واختاره ابن جرير، إلا أن هناك من ذهب إلى أن الدلوك هو الغروب إلا أنه قول مرجوح. وقد استشهد ابن جرير على أن الدلوك هو الزوال بحد رواه بأكثر من سند إلى جابر بن عبد الله قال: دعوت رسول الله ﷺ ومن شاء من أصحابه، فطعموا عندي، ثم خرجوا حين زالت الشمس. فخرج النبي ﷺ فقال:
«اخرج يا أبا بكر فهذا حين دلكت الشمس».
٤ - [روايات بمناسبة آية وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً]
رأينا أن معنى قوله تعالى: مَشْهُوداً في الآية وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً أنه تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار. وقد ذكرنا في صلب التفسير حديثا رواه البخاري يشهد لهذا التفسير. وابن كثير يذكر في هذا المقام أكثر من أثر وحديث يشهد لهذا. وفي بعضها زيادات. ومن ثم نذكرها قال: وروى الإمام أحمد ... عن أبي هريرة عن النبي ﷺ في قوله وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً قال: «تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار». وفي الصحيحين ... عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الصبح وفي صلاة العصر، فيعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم- وهو أعلم بكم- كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون» وقال عبد الله بن مسعود يجتمع الحرسان في صلاة الفجر فيصعد هؤلاء.
وكذا قال إبراهيم النخعي ومجاهد وقتادة وغير واحد في تفسير هذه الآية، وروى ابن جرير ... عن أبي الدرداء عن رسول الله ﷺ فذكر حديث النزول وأنه تعالى يقول:
من يستغفرني أغفر له، من يسألني أعطيه، من يدعني فأستجيب له حتى يطلع الفجر فلذلك يقول: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً فيشهده الله وملائكة الليل وملائكة النهار.
٥ - [كلام العلماء حول موضوع التهجد]
أكثر العلماء، على أن التهجد ما كان بعد نوم، أما القيام فهو ما كان قبل نوم أو بعده، وأكثر العلماء فهموا قوله تعالى: نافِلَةً لَكَ على أن قيام الليل واجب في حقه ﵊ دون الأمة، قال ابن كثير: رواه العوفي عن ابن عباس، وهو
стр. 2952
أحد قولي العلماء، وأحد قولي الشافعي ﵀ اختاره ابن جرير، وقيل: إنما جعل قيام الليل في حقه نافلة على الخصوص؛ لأنه قد غفر له تقدم من ذنبه وما تأخر وغيره من أمته إنما يكفر عنه صلواته النوافل الذنوب التي عليه. قاله مجاهد وهو في المسند عن أبي أمامة الباهلي ﵁.
٦ - [فائدة حول تفسير المقام المحمود في آية عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً]
رأينا أن تفسير المقام المحمود في قوله تعالى: عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً أنه الشفاعة، ولكون بعض الناس زلوا في هذا الموطن، فإن ابن كثير ينقل في تأكيد هذا التفسير، وتأييده، حوالي أربعة صحائف من الأحاديث، كلها تصب في تأكيد هذا المعنى، حتى ليكاد يكون تفسير المقام المحمود بهذا المعنى مجمعا عليه.
ومما قال: «حدثنا ابن بشار .... عن حذيفة قال: يجمع الناس في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، حفاة عراة، كما خلقوا قياما لا تكلم نفس إلا بإذنه، ينادى يا محمد فيقول: «لبيك وسعديك، والخير في يديك، والشر ليس إليك، والمهدي من هديت، وعبدك بين يديك، ومنك وإليك، لا منجى ولا ملجأ منك إلا إليك، تباركت وتعاليت سبحانك رب البيت» فهذا المقام المحمود الذي ذكره الله ، وقال ابن عباس هذا المقام المحمود مقام الشفاعة، وكذا قال ابن أبي نجيح عن مجاهد، وقاله الحسن البصري، وقال قتادة: هو أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة، وأول شافع، وكان أهل العلم يرون أنه المقام المحمود الذي قال الله تعالى:
عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً قلت: لرسول الله ﷺ تشريفات يوم القيامة لا يشركه فيها أحد، وتشريفات لا يساويه فيها أحد، فهو أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة، راكبا إلى المحشر، وله اللواء الذي آدم فمن دونه تحت لوائه، وله الحوض الذي ليس في الموقف أكثر واردا منه، وله الشفاعة العظمى عند الله، ليأتي بفصل القضاء بين الخلائق، وذلك بعد ما تسأل الناس آدم، ثم نوحا، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى فكلّ يقول: لست لها، حتى يأتوا إلى محمد ﷺ ، فيقول: «أنا لها أنا لها».
ومن ذلك أنه يشفع في أقوام قد أمر بهم إلى النار فيردون عنها وهو أول الأنبياء يقضي بين أمته، وأولهم إجازة على الصراط بأمته وهو أول شفيع في الجنة كما ثبت في صحيح مسلم.
وفي حديث الصور: إن المؤمنين كلهم لا يدخلون الجنة إلا بشفاعته، وهو أول داخل إليها، وأمته قبل الأمم كلهم، ويشفع في رفع درجات أقوام لا تبلغها أعمالهم،
стр. 2953
وهو صاحب الوسيلة التي هي أعلى منزلة في الجنة، لا تليق إلا له، وإذا أذن الله تعالى في الشفاعة للعصاة شفع الملائكة والنبيون والمؤمنون، فيشفع هو في خلائق لا يعلم عدتهم إلا الله تعالى، ولا يشفع أحد مثله ولا يساويه في ذلك.
وبعد هذا الكلام يبدأ ابن كثير في سرد الأحاديث وإذ كان هذا الكتاب يكمله كتاب الأساس في السنة، فلا نرى سرد كل ما ذكره وإنما نكتفي برواية واحدة:
قال ابن كثير ... عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً سئل عنها فقال: «هي الشفاعة». رواه الإمام أحمد ... عن أبي هريرة عن النبي ﷺ في قوله تعالى: عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً قال:
«هو المقام الذي أشفع لأمتي فيه».
٧ - [روايات بمناسبة آية وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ .. ]
وعند قوله تعالى: وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ قال ابن كثير: روى الإمام أحمد ... عن ابن عباس قال: كان النبي ﷺ بمكة ثم أمر بالهجرة فأنزل الله وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً. وقال الترمذى: حسن صحيح، وقال الحسن البصري في تفسير هذه الآية: إن كفار أهل مكة لما ائتمروا برسول الله ﷺ ليقتلوه، أو يطردوه، أو يوثقوه، فأراد الله قتال أهل مكة، أمره أن يخرج إلى المدينة فهو الذي قال الله وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ. الآية وقال قتادة: وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ يعني المدينة وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ يعني مكة. وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهذا القول هو أشهر الأقوال، وقال العوفي عن ابن عباس أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ يعني الموت وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ يعني الحياة بعد الموت، وقيل غير ذلك من الأقوال.
والأول أصح وهو اختيار ابن جرير.
٨ - [كلام ابن كثير بمناسبة قوله تعالى وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً]
وعند قوله تعالى: وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً قال ابن كثير: قال الحسن البصري في تفسيرها: وعده ربه لينزعن ملك فارس، وعز فارس، وليجعلنه له، وملك الروم، وعز الروم، وليجعلنه له» وقال قتادة فيها: إن نبي الله ﷺ علم أن لا طاقة له بهذا الأمر إلا بسلطان، فسأل سلطانا نصيرا لكتاب الله، ولحدود الله، ولفرائض الله، ولإقامة دين الله، فإن السلطان رحمة من الله، جعله بين أظهر عباده، ولولا ذلك لأغار بعضهم على بعض، فأكل شديدهم ضعيفهم. قال مجاهد: سلطانا
стр. 2954
نصيرا حجة بينة، واختار ابن جرير قول الحسن وقتادة وهو الأرجح؛ لأنه لا بد مع الحق من قهر لمن عاداه وناوأه»
٩ - [حديثان بمناسبة آية وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً]
وبمناسبة قوله تعالى: وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً يذكر ابن كثير حديثين أحدهما رواه البخاري عن عبد الله بن مسعود وهو:
دخل النبي ﷺ مكة، وحول البيت ستون وثلاثمائة نصب، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً. جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ. والثاني: رواه أبو يعلى عن جابر ﵁ قال: دخلنا مع رسول الله ﷺ وحول البيت ثلاثمائة وستون صنما يعبدون من دون الله، فأمر بها رسول الله ﷺ فأكبت على وجوهها. وقال: جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً.
١٠ - [تحقيق المؤلف حول آية وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ وسبب نزولها وروايات حولها]
وعند قوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ يذكر ابن كثير سبب نزولها. ثم يذكر أقوال المفسرين في المراد في هذا المقام. ثم ينقل تحقيق السهيلي في الروح هل هي النفس أو غيرها؟ أما أقوال المفسرين فيذكر أن منهم من ذهب بأن المراد في الآية أرواح بني آدم، ومنهم من ذهب إلى أن المراد به جبريل. ثم ذكر قولا ضعفه هو وما استدل عليه به، وهو أن الروح ملك عظيم القدر. ثم يذكر أن السهيلي فسر قوله تعالى: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي أي من شرعه، أي فادخلوا فيه، وقد علمتم ذلك لأنه لا سبيل إلى معرفة هذا من طبع ولا فلسفة، وإنما يقال من جهة الشرع. ثم قال:
وفي هذا المسلك الذي طرقه وسلكه نظر.
أقول: إن هذا الذي سلكه السهيلي لا يفهم من المعنى الحرفي للآية، ولكنه يفهم من السياق. فإذ ذكر الله أن القرآن شفاء، ثم أتبعه بذكر الطبيعة الكافرة. ثم عقّبه بالسؤال عن الروح والجواب. فكأن في ذلك إشارة إلى أن أمر الروح لا يعلمه إلا الله، ولا يعلم ما يصلحه إلا الله. ولنعد إلى كلام ابن كثير لننقل منه فقرتين. الأولى كلامه في أسباب نزول الآية. والثانية ما نقله عن السهيلي:
أ- قال ابن كثير في سبب نزول الآية:
روى الإمام أحمد .... عن ابن مسعود ﵁ قال: كنت أمشي مع رسول الله ﷺ في حرث في المدينة، وهو متوكئ على عسيب (جريدة من النخل) فمر بقوم
стр. 2955
من اليهود فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، وقال بعضهم لا تسألوه. قال:
فسألوه عن الروح فقالوا: يا محمد، ما الروح؟ فما زال متوكئا على العسيب، قال:
فظننت أنه يوحى إليه فقال: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا. قال: فقال بعضهم لبعض: قد قلنا لكم لا تسألوه.
وهكذا رواه البخاري ومسلم ... عن ابن مسعود ﵁ قال: بينا أنا مع النّبي ﷺ في حرث، وهو متوكئ على عسيب، إذ مرّ اليهود، فقال بعضهم لبعض:
سلوه عن الروح، فقال: ما رابكم إليه، وقال بعضهم: لا يستقبلنّكم بشيء تكرهونه. فقالوا: سلوه عن الروح فأمسك النبى ﷺ فلم يرد عليهم شيئا فعلمت أنه يوحى إليه، فقمت مقامي. فلما نزل الوحي قال: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي الآية وهذا السياق يقتضي فيما يظهر بادي الرأي: أن هذه الآية مدنية، وأنها نزلت حين سأله اليهود عن ذلك بالمدينة، مع أن السورة كلها مكية. وقد يجاب عن هذا بأن تكون نزلت عليه بالمدينة مرة ثانية، كما نزلت عليه بمكة قبل ذلك.
أو أنه نزل عليه الوحي بأنه يجيبهم عما سألوا بالآية المتقدم إنزالها عليه وهي هذه الآية وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ومما يدل على نزول هذه الآية. بمكة ما قال الإمام أحمد ... عن ابن عباس قال: قالت قريش ليهود أعطونا شيئا نسأل عنه هذا الرجل، فقالوا: سلوه عن الروح. فنزلت: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا. قالوا: أوتينا علما كثيرا. أوتينا التوراة ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيرا كثيرا قال: وأنزل الله قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ الآية. وقد روى ابن جرير عن محمد بن المثنى، عن عبد الأعلى عن داود عن عكرمة قال: سأل أهل الكتاب رسول الله ﷺ عن الروح. فأنزل الله:
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ الآية. فقالوا: تزعم أنا لم نؤت من العلم إلا قليلا. وقد أوتينا التوراة وهي الحكمة وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً قال:
فنزلت: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ الآية، قال ما أوتيتم من علم، فنجاكم الله به من النار، فهو كثير طيب، وهو في علم الله قليل.
وقال محمد بن إسحاق عن بعض أصحابه عن عطاء بن يسار قال: نزلت بمكة وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة. أتاه أحبار
стр. 2956
يهود، وقالوا: يا محمد ألم يبلغنا عنك أنك تقول: وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا أفعنيتنا أم عنيت قومك. فقال: «كلّا قد عنيت» فقالوا: إنك تتلو أنا أوتينا التوراة، وفيها تبيان كل شئ. فقال رسول الله ﷺ : «هي في علم الله قليل وقد آتاكم الله ما إن عملتم به انتفعتم». وأنزل الله وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.
ب- قال ابن كثير:
ثم ذكر السهيلي الخلاف بين العلماء في أن الروح هي النفس أو غيرها، وقرر أنها ذات لطيفة كالهواء، سارية في الجسد كسريان الماء في عروق الشجر، وقرر أن الروح التي ينفخها الملك في الجنين هي النفس بشرط اتصالها بالبدن، واكتسابها بسببه صفات مدح أو ذم، فهي إما نفس مطمئنة، أو أمّارة بالسوء، قال: كما أن الماء هو حياة الشجر، ثم يكسب بسبب اختلاطه معها اسما خاصا فإذا اتصل بالعنبة وعصر منها مصطارا (١) أو خمرا، ولا يقال له «ماء» حينئذ إلا على سبيل المجاز، وكذا لا يقال للنفس «روح» إلا على هذا النحو، وكذا لا يقال للروح نفس إلا باعتبار ما تؤول إليه، فحاصل ما يقول: إن الروح هي أصل النفس ومادتها، والنفس مركبة منها، ومن اتصالها بالبدن فهي هي من وجه لا من كل وجه وهذا معنى حسن والله أعلم».
وبعد: ذكرنا في سياق التفسير حكمة ورود آية وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ في المكان الذي جاءت به والآن نضيف بعد ما نقلنا تحقيق السهيلي الذي حبّذه ابن كثير:
١ - أن الروح تمرض ومرضها في أن تصاب بالحسد أو الكبر أو الحقد أو العجب أو غير ذلك من أمراض النفس، وإذا مرضت فإنها تحتاج إلى دواء وطبيب، وقد جعل الله الأدوية كلها في كتابه وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ ... فالكلام عن الروح إذن مرتبط بالمرض والشفاء. ومن ثم جاءت في سياقها.
٢ - إن شقاء البشر يكمن في نفوسهم، فبقدر ما تطمئن نفوسهم يسعدون. وبقدر ما تتهذب نفوسهم يسعد بعضهم بعضا، ولا تطمئن الأنفس وتتهذب إلا برحمة من الله وهذا القرآن رحمة وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ومن ثم جاءت آية الروح بعد هذا السياق.
стр. 2957
٣ - توجيه السؤال عن الروح إلى الرسول ﷺ وأمر الرسول ﷺ بإحالة علمها إلى الله، ثم مجئ قوله بعد ذلك وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ دليل على أن مقام محمد ﷺ هو العبودية، وهو الذي بدأت به السورة سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ وأنه مبلغ ومأمور، ووقّاف عند ما يحده الله له، وفي ذلك إقامة حجة على كفر من كفر بالقرآن.
فمجيء آية وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ في هذا السياق فيه من الحكم الكثير مما نعلم ومما لا نعلم.
كلمة في سياق سورة الإسراء:
تبدأ السورة بذكر آية الإسراء، ثم تتحدث عن إيتاء موسى الكتاب.
ثم تتحدث عن عقوبة بني إسرائيل إذ انحرفوا عن الكتاب.
ثم تتحدث عن القرآن كنعمة، وعن نعمة الليل والنهار، ثم تأمر وتنهى.
ثم تناقش وتقيم الحجة. ثم تتحدث عن النعمة. ثمّ تحذّر وتأمر وتقيم الحجة.
فهي بين كلام عن النعمة المعنوية التي هي القرآن والنعمة المادية في هذا الكون وبين الكلام عن كفران هذه أو هذه. وهذا كله يفصل قوله تعالى: وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ
وهي تقيم الحجة مرة ومرة ومرة على أن هذا القرآن من عند الله؛ فلها صلة بقوله تعالى: سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ فالقرآن هو الآية البينة التي لا تعدلها آية فإذا استحق بنو إسرائيل العقاب بالكفران فلتحذر هذه الأمة.
والسورة تأمر وتنهى وتوجه وتحذر وتضع الإنسان على الطريق المستقيم فهي تشق الطريق لعملية الدخول في الإسلام كله، واجتناب خطوات الشيطان. إن السورة تذكّر الإنسان بكل لوازم الدخول في الإسلام كله، والاستمرار عليه جميعه على مستوى الأمّة وعلى مستوى الفرد، ولعلّ أبلغ شئ في الدلالة على ارتباط سورة الإسراء بمحورها مجئ قوله تعالى وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ ... وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا فالإسلام يجب أن يدخل فيه كله ولا يساوم على جزء منه.
стр. 2958
المقطع الرابع ويمتد من الآية (٨٩) إلى نهاية الآية (١٠٠) وهذا هو:
١٧/ ١٠٠ - ٨٩
стр. 2959
التفسير:
وَلَقَدْ صَرَّفْنا أي ردّدنا وكرّرنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ أي من كل معنى هو كالمثل في الحسن والتقريب والإقناع، مبينين لهم الحجج والبراهين القاطعة، موضّحين لمهم الحق، ومبسّطين لهم إياه بصيغة وبأخرى وبأخرى، ومع هذا فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً أي جحودا للحق وردا للصواب، الموضوع الواحد كرّر عليهم بشكل ثم بشكل ثم بشكل، وفي كل مرّة تقوم الحجة، وتتضح المحجة، وينقطع الجدل بالحق الواضح، ومع ذلك يقابل هذا كله بالجحود، وبدلا من الإسلام والاستسلام للحق الواضح يقترحون الآيات، وما هم بمؤمنين ولو جاءت. ومن ثم عرض الله علينا في هذا السياق ما اقترحه الكافرون- في زعمهم- ليؤمنوا، بعد أن تبيّن إعجاز القرآن، وانضمّت إليه معجزات كثيرة، ولزمتهم الحجة، وغلبوا فعل المبهوت المحجوج المتحير المتكبر، يفر من حجة طالبا غيرها تعجيزا
وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً أي عينا غزيرة من شأنها أن تنبع بالماء لا تنقطع
أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها أي وسطها تَفْجِيراً
* أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً أي قطعا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا أي كفيلا بما تقول، شاهدا بصحته، أو مقابلا نراهم ليشهدوا لك، أو جماعة ليشهدوا لك، لم يكتفوا هنا بطلب الملائكة بل يطلبون رؤية الله والملائكة، وأن يسمعوا شهادتهم وشهادته مباشرة
أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أي من ذهب أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ أي تصعد إليها وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ أي ومجرد الصعود لا يكفي لإيماننا، بل لا بد من شئ آخر وهو: حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ أي كتابا من السماء فيه تصديقك. قال مجاهد فيها: أي مكتوب فيه إلى كل واحد واحد صحيفة (هذا كتاب من الله لفلان بن فلان) تصبح
стр. 2960
عند رأسه. أرأيت نمط الذين يرفضون الاهتداء بهذا القرآن ما هو؟ هل تشم منه رائحة منطق أو عقل أو رغبة في حق، ومن ثم أمر الله رسوله ﷺ أن يقول: قُلْ سُبْحانَ رَبِّي تعجبا من اقتراحاتهم هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا أي أنا رسول كسائر الرسل، بشر مثلهم، والرسل لا يأتون قومهم إلا بما يظهره الله على أيديهم من المعجزات، فليس أمر الآيات إليّ، إنما هو إلى الله، فما بالكم تطلبونها مني وتقترحونها عليّ. وقال ابن كثير في تفسير ما أمر الله رسوله ﷺ أن يقوله (أي وتقدس أن يتقدم أحد بين يديه في أمر من أمور سلطانه وملكوته، بل هو الفعّال لما يشاء، إن شاء أجابكم إلى ما سألتم، وإن شاء لم يجبكم، وما أنا إلا رسول إليكم، أبلغكم رسالات ربي، وأنصح لكم، وقد فعلت ذلك، وأمركم فيما سألتم إلى الله).
وهكذا نرى أن الموانع من الدخول في الإسلام ليست لقصور الحجة ولا لسبب عقلي وإنما هي التعنّت، ومن ثم قال تعالى:
وَما مَنَعَ النَّاسَ أي أكثرهم أَنْ يُؤْمِنُوا أي يصدقوا ويتابعوا الرسل إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى هدى الله إِلَّا أَنْ قالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا أي وما منعهم من الإيمان بوحي الله، ونبوة أنبيائه، إلا شبهة أو عقدة تمكنت في صدورهم، وهي إنكارهم أن يرسل الله البشر، مع أن هذا لا ينبغي أن يكون مثار اشتباه أو اعتراض، ومن ثم نبّه الله على أنه من لطفه ورحمته بعباده أنه يبعث إليهم الرسول من جنسهم؛ ليفقهوا عنه، ويفهموا منه، ويقتدوا به، ويتمكنوا من مخاطبته ومكالمته، ولو بعث إلى البشر رسولا من الملائكة لما استطاعوا مواجهته ضمن قوانين هذا العالم التي جعلها الله هكذا لحكمة، ولا الأخذ عنه، ولكانت لهم حجة أن هذا ليس مثلنا، وليس تركيبه كتركيبنا حتى يعالج مشكلاتنا، أو نستطيع فعل ما يفعل.
قال تعالى: قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ أي على أقدامهم كما يمشي الإنس، ولا يطيرون بأجنحتهم إلى السماء؛ فيسمعوا من أهلها، ويعلموا ما يجب علمه مُطْمَئِنِّينَ أي ساكنين في الأرض قارّين كما أنتم فيها لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا أي من جنسهم، أي يعلّمهم الخير ويهديهم إلى الرشد، ولمّا كنتم أنتم بشرا بعثنا فيكم رسلنا منكم لطفا ورحمة. دلّت الآية على أن سكان الأرض يحتاجون إلى الرسالة، ويحتاجون إلى رسول من جنسهم؛ به تقوم الحجة عليهم، وبه يرتقون. تلك سنته
وفيها غاية الحكمة.
ثم هذا هو الواقع الذي ابتلى الله به عباده، فليس لأحد إلا التسليم بعد العلم وقد وجد العلم قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ على أني رسوله، وعلى أنّي بلّغت ما أرسلت به إليكم، وأنكم كذبتم
стр. 2961
وعاندتم، ولو لم أكن رسوله لانتقم مني أشد الانتقام. فالتأييد الذي أنا فيه، والقرآن الذي أنزله عليّ دليل إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً أي إنه كان بكل عباده المنذرين والمنذرين خبيرا أي عالما بأحوالهم، بصيرا بأفعالهم؛ فهو مجازيهم بها، أو إنه كان عليما بالعباد علما كاملا منكشفا فيه كل شئ، مرئيا أصحابه، ومن ثم فهو الأعلم بمن يستحق الإنعام والإحسان والهداية، ممّن يستحق الشقاء والإضلال والإزاغة، ولهذا قال:
مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ أى من يوفّقه الله لقبول ما كان من الهدى فهو المهتدي عند الله وَمَنْ يُضْلِلْ أي ومن يخذله ولم يعصمه حتى قبل وساوس الشيطان ورفض الهدى فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ أي أنصارا مِنْ دُونِهِ والكافرون فى صلفهم وغرورهم وكبريائهم مصرون على الكفر، ومن ثم فهم لا يبالون ألا يهديهم الله، ومن ثم ذكر الله في هذا المقام بما أعد لهم في الآخرة فقال: وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ في الصحيحين ومسند الإمام أحمد: قيل يا رسول الله: كيف يحشر الناس على وجوههم؟ قال: «الذي أمشاهم على أرجلهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم». عُمْياً أي لا يبصرون وَبُكْماً أي لا ينطقون وَصُمًّا أي لا يسمعون. قال ابن كثير: وهذا يكون في حال دون حال جزاء لهم كما كانوا في الدنيا بكما وعميا وصمّا عن الحق، فجوزوا في محشرهم بذلك أحوج ما يحتاجون إليه مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ أي منقلبهم ومصيرهم إليها كُلَّما خَبَتْ أي طفئ لهبها.
وقال ابن عباس: أي سكنت. زِدْناهُمْ سَعِيراً أي توقّدا ولهبا ووهجا
ذلِكَ أي العذاب من حشرهم على العمى والبكم والصمم ودخول النار جَزاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا أي بسبب كفرهم بِآياتِنا أي بأدلتنا وحجتنا واستبعادهم البعث وَقالُوا أَإِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أي بالية نخرة أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً أي بعد ما صرنا إلى ما صرنا إليه من البلى والتفرق والذهاب في الأرض نعاد مرة ثانية؟ فاحتج تعالى عليهم ونبّههم على قدرته على ذلك بأنه خلق السموات والأرض، فقدرته على إعادتهم أسهل من ذلك
أَوَلَمْ يَرَوْا أي أولم يعلموا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ أي من الإنس، أو يوم القيامة يعيد أبدانهم وينشئهم نشأة أخرى وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا أي جعل لإعادتهم وإقامتهم من قبورهم أجلا مضروبا ومدّة مقدرة. لا بد من انقضائها، ومن ثم قال:
لا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ أي بعد قيام الحجة عليهم إِلَّا كُفُوراً أي جحودا مع وضوح الدليل، وإلا تماديا في باطلهم وضلالهم، وإذا تذكرنا أن أول المقطع
стр. 2962
وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً وتذكرنا آخر آية مرت فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُوراً علمنا أن الذين أبوا الاهتداء هم الظالمون، وأنهم أكثر الناس، ورأينا أن المقطع مرتبطة نهاياته ببداياته. والآن ولم يبق عندنا من هذا المقطع إلا آية.
فلنتذكر معانيه:
هذا القرآن فيه ما تقوم به الحجة، ومع ذلك فإن أكثر الناس يظلمون ويكفرون، ويظهر ظلمهم برفضهم الحجة، وباقتراحاتهم المتعنّتة التي ذكر الله نموذجا عنها، وأمر رسوله ﷺ أن يردّ عليها:
بإعلانه أنّه بشر رسول، إلا أن الله ذكر أن هذا الإعلان لا ينفعهم، مع أن في هذا الإعلان وحده حجة، وسبب عدم انتفاعهم فيه أنهم- حتى في موضوع بشرية الرسول ﷺ متعنتون، ويعتبرون بشرية الرسول ﷺ دليلا على بطلان الرسالة، مع أنهم في هذا غير منطقيين مع عقولهم وغير حكماء، وأمام هذا الوضع أمر الله رسوله ﷺ أن يعلن كفاية شهادة الله على رسالته، وأن الهدى هدى الله، وأن الإضلال إضلاله، وإذ كان هذا الإعلان كذلك لا ينفعهم، ذكّرهم بالمصير الذي أمامهم، الحشر على الوجوه وهم في حالة العمى والبكم والصمم، ثم المقر النار بسبب كفرهم بالآيات- أي بالرسول الذي أنزل عليه الآيات- وبسبب كفرهم باليوم الآخر، ثم أقام عليهم الحجة باليوم الآخر، ومع هذا كله يقرر الله أن الظالمين يأبون إلا الكفور والجحود لنعم الله. والآن تأتي آية أخيرة بها يأمر الله رسوله ﷺ أن يقول لهم قولا فلنره، ولنر محله في إقامة الحجة وحكمة وروده في هذا السياق:
قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي أي رزقه وسائر نعمه على خلقه إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ أي لبخلتم خشية أن يفنيه الإنفاق وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً أي بخيلا. والمعنى: قل يا محمد: لو أنكم أيها الناس تملكون التصرف في خزائن الله لأمسكتم خشية أن تذهبوها، مع أنها لا تفرغ ولا تنفد أبدا، ولكن لأن التقتير من طباعكم وسجاياكم، فإن من طبيعتكم البخل والمنع.
هذه آخر آية في المقطع، فما محلها في إقامة الحجة وما حكمة مجيئها هنا؟
١ - الآية أضافت إلى صفة الكفر والظلم صفة أخرى للإنسان وهي البخل الذي هو في
стр. 2963
غير محله. وفي هذا لفت نظر للإنسان: أنك أيها الإنسان كما أنك تبخل حيث لا ينبغي البخل، فإنك تكفر وتظلم حيث لا ينبغي الكفر والظلم.
٢ - إن الله من صفاته الكرم، ومن كرمه أنه صرّف في هذا القرآن من كل مثل، وأعطى محمدا ﷺ ما أعطى، وإذ كانت من صفاتهم البخل لم يتصوروا كيف ينعم الله على محمد ﷺ بمثل هذا الإنعام والإكرام.
٣ - تذكيرهم ببخلهم في هذا المقام إنما هو في الوقت نفسه تذكير بكرم الله المطلق الذي ينبغي أن يقابل بالشكر، وإذا بهم يقابلونه بالكفر والظلم، كما أنّه تذكير لهم بحاجتهم إلى هداية الله، كيف وهذه طبيعتهم، وفي الآية مثل، وفي ما سبقها مثل وذلك مناسب لختم المقطع الذي بدايته: وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لقد ختم المقطع بالتمثيل لما في هذا القرآن من أمثال.
كلمة في السياق: [حول صلة المقطع بما سبقه وبمحور السورة]
نلاحظ أنه قد مر معنا في السورة مقطعان، كل منهما مبدوء بقوله تعالى: وَلَقَدْ صَرَّفْنا الأول وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُوراً والثاني وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً ونلاحظ أن المقطع الأول أقام الحجة على التوحيد واليوم الآخر. وهذا المقطع أقام الحجة على الإيمان بالرسول ﷺ واليوم الآخر، وذكر هنا زيادة تفصيل عن حالهم عند الحشر وما هو عذابهم، بينما هناك اكتفى بإقامة الحجة وتقرير الوقوع.
هناك قال وَقالُوا أَإِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً وهاهنا قال: ذلِكَ جَزاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنا وَقالُوا أَإِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً ومن ثم نجد نموذجا على التصريف الموجود في هذا القرآن، ونجد نموذجا على وحدة السياق ضمن السورة الواحدة؛ إذ يخدم كل جزء فيها بقية الأجزاء، ونلاحظ أن بين هذين المقطعين:
وجد المقطع المبدوء بقوله تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ وهذا المقطع ينتهي بقوله تعالى: قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ والمقطع الموجود في الوسط يتحدث عن مواقف
стр. 2964
للكافرين، وهذا المقطع الأخير يتحدث عن مواقف للكافرين، وفي ذلك كله تظهر وحدة السورة، وترابط آياتها وتكاملها. وفي المقطع الوسط يقول تعالى: وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا وفي هذا المقطع تبيان للحال الذي يكونون فيه عميا وأضل سبيلا، وذلك حين الحشر حيث العمى والبكم والصمم والسير على الوجوه، فأي عمى وضلال أفظع من هذا؟ نسأل الله العافية. فالسورة إذن كما قلنا يخدم بعضها بعضا ووحدتها ظاهرة، ولكنها وحدة لا يحيط بكل أسرار الربط فيها إلا منزلها. فإذا كانت الإحاطة هذا حالها فكيف يستطيع بشر أن يأتي بمثل هذا القرآن؟؟ اللهم اشهد أننا نؤمن أن هذا الكتاب كتابك، فاختم لنا بالعفو والعافية والإيمان.
إذا اتضح هذا فلنتساءل عن محل المقطع في السياق القرآني العام:
إن المقطع يذكّر بنعمة الله على الإنسان بهذا القرآن، وكونه على ما هو عليه من التصريف من كل مثل، وكيف أن هذه النعمة يستقبلها أكثر الناس بالكفر والظلم، واستحقاقهم الجزاء العادل في الآخرة بسبب ذلك، وفي ذلك تعميق للدخول في الإسلام كله، واجتناب خطوات الشيطان، وكل هذه المعاني تفصيل لمحور هذه السورة في البقرة. والآن يأتي مقطع جديد هو الذي يظهر فيه بشكل أوضح سر ارتباط السورة بمحورها من سورة البقرة، وقبل أن نعرضه نحب أن نذكر فائدة لها علاقة بالمقطع السابق.
فائدة: [حول سبب نزول قوله تعالى وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً]
في سبب نزول قوله تعالى: وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً يذكر ابن كثير ما رواه ابن جرير عن ابن إسحاق. قال: حدثني شيخ من أهل مصر، قدم منذ بضع وأربعين سنة، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن عتبة وشيبة ابني ربيعة، وأبا سفيان بن حرب، ورجلا من بني عبد الدار، وأبا البختري أخا بني أسد، والأسود بن المطلب بن أسد، وزمعة بن الأسود، والوليد بن المغيرة، وأبا جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي أمية، وأمية بن خلف، والعاص بن وائل، ونبيها ومنبّها ابني الحجاج السهميين، اجتمعوا، أو من اجتمع منهم بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة، فقال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد فكلموه وخاصموه حتى تعذروا فيه،
стр. 2965
فبعثوا إليه: أنّ أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك، فجاءهم رسول الله ﷺ وهو يظن أنه قد بدا لهم في أمره بداء، وكان عليهم حريصا، يحب رشدهم، ويعز عليه عنتهم، حتى جلس إليهم، فقالوا: يا محمد إنا قد بعثنا إليك لنعذر فيك، وإنا والله ما نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء، وعبت الدّين، وسفّهت الأحلام، وشتمت الآلهة، وفرّقت الجماعة، فما بقي من أمر قبيح إلا وقد جئته فيما بيننا وبينك فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالا، جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت إنما تطلب الشرف فينا، سوّدناك علينا، وإن كنت تريد ملكا، ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك بما يأتيك رئيا تراه قد غلب عليك- وكانوا يسمون التابع من الجن: الرئي- فربما كان ذلك، بذلنا أموالنا في طلب الطب، حتى نبرئك منه أو نعذر فيك. فقال رسول الله ﷺ : ما بي ما تقولون. ما جئتكم به أطلب أموالكم، ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولا، وأنزل عليّ كتابا، وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا، فبلغتكم رسالة ربي، ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به، فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردّوه عليّ، أصبر لأمر الله، حتى يحكم الله بيني وبينكم». أو كما قال رسول الله ﷺ فقالوا: يا محمد، فإن كنت غير قابل منا ما عرضنا عليك، فقد علمت أنه ليس أحد من الناس أضيق منا بلادا، ولا أقل مالا، ولا أشد عيشا منا، فاسأل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به، فليسيّر عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا، وليبسط لنا بلادنا، وليفجر فيها أنهارا
كأنهار الشام والعراق، وليبعث لنا من مضى من آبائنا، وليكن فيمن يبعث لنا منهم قصي بن كلاب، فإنه كان شيخا صدوقا، فنسألهم عما تقول، حقّ هو أم باطل؟ فإن صنعت ما سألناك، وصدّقوك صدّقناك، وعرفنا به منزلتك عند الله، وأنه بعثك رسولا كما تقول! فقال لهم رسول الله ﷺ : «ما بهذا بعثت! إنما جئتكم من عند الله بما بعثني به، فقد بلّغتكم ما أرسلت به إليكم، فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردّوه عليّ أصبر لأمر الله، حتى يحكم الله بيني وبينكم» قالوا: فإن لم تفعل لنا هذا فخذ لنفسك، فسل ربك أن يبعث ملكا يصدقك بما تقول، ويراجعنا عنك، وتسأله فيجعل لك جنات وكنوزا وقصورا من ذهب وفضة، ويغنيك بها عما نراك تبتغي، فإنك تقوم بالأسواق، وتلتمس المعاش كما نلتمسه، حتى نعرف فضل منزلتك من ربك إن كنت رسولا كما تزعم. فقال لهم رسول الله ﷺ : «ما أنا بفاعل، ما أنا بالذي
стр. 2966
يسأل ربه هذا، وما بعثت إليكم بهذا، ولكن الله بعثني بشيرا ونذيرا، فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردّوه عليّ، أصبر لأمر الله، حتى يحكم الله بيني وبينكم» قالوا: فأسقط السماء، كما زعمت أن ربك إن شاء فعل ذلك؛ فإنا لن نؤمن لك إلا أن تفعل. فقال لهم رسول الله ﷺ : «ذلك إلى الله، إن شاء فعل بكم ذلك» فقالوا: يا محمد أما علم ربك أنا سنجلس معك، ونسألك عما سألناك عنه، ونطلب منك ما نطلب فيقدم إليك ويعلمك ما تراجعنا به، ويخبرك ما هو صانع في ذلك بنا، إذا لم نقبل منك ما جئتنا به، فقد بلغنا أنه إنما يعلّمك هذا رجل باليمامة، يقال له الرحمن، وإنا والله لا نؤمن بالرحمن أبدا، فقد أعذرنا إليك يا محمد، أما والله لا نتركك وما فعلت بنا حتى نهلكك أو تهلكنا، وقال قائلهم: نحن نعبد الملائكة، وهي بنات الله، وقال قائلهم: لن نؤمن لك حتى تأتي بالله والملائكة قبيلا.
فلما قالوا ذلك، قام رسول الله ﷺ عنهم، وقام معه عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، وهو ابن عمته عاتكة ابنة عبد المطلب، فقال: يا محمد عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم، ثم سألوك لأنفسهم أمورا ليعرفوا بها منزلتك من الله فلم تفعل ذلك، ثم سألوك أن تعجل لهم ما تخوّفهم به من العذاب، فو الله لا أو من بك أبدا حتى تتخذ إلى السماء سلما، ثم ترقى به، وأنا انظر حتى تأتيها، وتأتي معك بصحيفة منشورة، ومعك أربعة من الملائكة، يشهدون لك أنك كما تقول، وايم الله، لو فعلت ذلك لظننت أني لا أصدقك؛ ثم انصرف عن رسول الله ﷺ ، وانصرف رسول الله ﷺ إلى أهله حزينا آسفا، لما فاته ممّا كان طمع فيه من قومه حين دعوه، ولما رأى من مباعدتهم إياه. قال ابن كثير: وهذا المجلس الذي اجتمع هؤلاء له، لو علم الله منهم أنهم يسألون ذلك استرشادا لأجيبوا إليه، ولكن علم أنهم إنما يطلبون ذلك كفرا وعنادا، فقيل لرسول الله ﷺ إن شئت أعطيناهم ما سألوا، فإن كفروا عذبتهم عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين، وإن شئت فتحت عليهم باب التوبة والرحمة. فقال: بل تفتح عليهم باب التوبة والرحمة، كما تقدم ذلك في حديثي ابن عباس، والزبير بن العوام، أيضا عند قوله تعالى: وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ ...
وبعد كلام قال:
وأما نبي الرحمة ونبي التوبة المبعوث رحمة للعالمين، فسأل إنظارهم وتأجيلهم، لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبده، لا يشرك به شيئا، وكذلك وقع، فإن من هؤلاء
стр. 2967
الذين ذكروا من أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه، حتى عبد الله بن أبي أمية، الذي تبع النبي ﷺ وقال له ما قال، أسلم إسلاما تاما، وأناب إلى الله .
ثم بعد كلام ذكر الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال:
«عرض عليّ ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا، فقلت: لا يا رب، ولكن أشبع يوما وأجوع يوما- أو نحو ذلك- فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت حمدتك وشكرتك».
*** المقطع الخامس ويمتد من الآية (١٠١) إلى نهاية السورة أي إلى نهاية الآية (١١١) وهذا هو:
١٧/ ١١١ - ١٠١
стр. 2968
بين يدي المقطع:
لو عدنا إلى المقطع الأول في هذه السورة، وإلى مقدمة السورة، لوجدنا أنه قد جاء فيهما ما يلي: وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا ثمّ جاء بعد ذلك كلام عن نوح ﵇، وعن بني إسرائيل، ثم جاءت المجموعة الثانية هناك وبدايتها:
إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وهذا المقطع تجد فيه مجموعتين الأولى وبدايتها: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ والثانية وبدايتها وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وهكذا تجد في كلا المقطعين كلاما عن بني إسرائيل، وما أنزل عليهم، يعقبه كلام عن القرآن، وفي المقطع الأول كلام عن انحراف بني إسرائيل، وما عوقبوا به، وهاهنا كلام عن موقف فرعون من موسى ﵇، وما عوقب به، فتذكّر محور السورة في سورة البقرة: سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ. والملاحظ أنه في المجموعة الأولى من المقطع الأخير جاء نفس التعبير تقريبا:
فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ. لقد أنزل الله وحيا على بني إسرائيل، وهو آية بل آيات، فبدّلوا وغيّروا؛ فعاقبهم الله عقابا شديدا، وقد أنزل الله على موسى ﵇، وبني إسرائيل آيات، وهي نعمة كفر بها فرعون؛ فعوقب عقابا شديدا، إن صلة ذلك بمحور السورة شديد الوضوح.
стр. 2969
وقد جاءت آية المحور في سياق قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ* فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ ومن ثمّ نجد سورة بني إسرائيل تحدثنا كثيرا عن القرآن والبينات التي جاءت فيه، مبينة لنا ضرورة الاهتداء بالقرآن، محذّرة لنا من كيد الشيطان لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا فهي تدعونا إلى الدخول في الإسلام، وإلى ترك اتباع خطوات الشيطان، مبيّنة لنا النعمة في هذا القرآن، محذّرة لنا أن نبدّل نعمة الله كفرا، منذرة لنا إن فعلنا ذلك، وكل ذلك له صلة بمحور السورة من سورة البقرة، ومن ثمّ نجد هذا المقطع يتألف من مجموعتين: مجموعة تتحدث عما أنزل الله على موسى ﵇، ومجموعة تتحدث عن هذا القرآن:
تفسير المجموعة الأولى من المقطع الخامس
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ أي دلائل قاطعات على صحة نبوته وصدقه، فيما أخبر به عمن أرسله إلى فرعون. قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة والشعبي وقتادة: هي يده، وعصاه، والسنون، ونقص الثمرات، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم. قال ابن كثير: وهذا القول ظاهر جلي حسن قوي وذكر أقوالا أخرى في هذا المقام. فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ أي فاسأل بني إسرائيل حين جاءهم، وليس الرسول ﷺ بحاجة إلى السؤال والله يعلّمه، ولكن للإشارة أن هذه القضية معلومة لبني إسرائيل، وأن هذه الآيات ظهرت على يد موسى ﵇، حين جاءهم موسى وهم في مصر. فماذا كان موقف فرعون من هذا؟
فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ مع كل هذه الآيات ومشاهدته لها إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً أي سحرت فخولط عقلك، أو المراد بالمسحور هنا الساحر
قالَ أي موسى ﵇، لَقَدْ عَلِمْتَ يا فرعون ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ أي الآيات إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي خالقهما بَصائِرَ أي حججا وأدلة، يرى بها الناس، وترى بها صدق ما جئتك به، وأنت تعلم ذلك، ولكنك معاند وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً أي هالكا. وفي هذا المقام كلام سنذكره في الفوائد
فَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ بقتلهم واستئصالهم، وأصل الاستفزاز من الأرض الإخراج، والقتل خروج كامل للروح من الأرض فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً في البحر، دلّ ذلك عن أنّ إرادته استفزازهم إنما كان عند لحوقه إياهم، ولم يكن يريد وقت ذلك إلا
стр. 2970
قتلهم
وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ هل هي من بعد فرعون؟ أو من بعد موسى؟ يحتمل هذا وهذا لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ السياق يقتضي كل الأرض؛ لأن فرعون أراد استفزازهم من كل الأرض بقتلهم، وهذا يشمل سكناهم في فلسطين، ثم سكناهم في الأرض كلها بعد تشتتهم فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ هل المراد بها هنا القيامة؟ أو المراد بها المرة الآخرة في الإفساد التي ذكرت في أول السورة بقوله تعالى فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ؟ تحتمل هذه وهذه جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً أي جميعا إلى الحشر، أو إلى فلسطين ليقع عليكم قضاء الله وقدره في الذبحة الثانية. الآية تحتمل هذا وتحتمل هذا.
هذه المجموعة الأولى من المقطع الخامس من هذه السورة. وقد آن أن نقف وقفة طويلة عند السياق بمناسبته:
كلمة حول المقطع وسياقه:
١ - رأينا أن محور سورة الإسراء هو قوله تعالى: سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ وقد جاء في هذا المقطع من سورة الإسراء قوله تعالى فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ وذكر الله الآيات. فهذه المجموعة إذن تفصيل لذلك المقام. وفي أول السورة وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ وهي المجموعة التي تحدثت عن عقوبتين لبني إسرائيل؛ لأنهم بدّلوا نعمة الله. وجاءت هذه المجموعة في أواخر السورة وفيها حديث عن موسى وفرعون وبني إسرائيل، وجاء فيما بين ذلك كلام عن القرآن النعمة العظمى على البشرية. وفي ذلك تنبيه لهذه الأمة، وأخذ عبرة، إذ عرضت المعاني بين مجموعتين من الآيات فيهما كلام عن بني إسرائيل، وعن موسى ﵇ وفرعون، وذكرت المجموعتان ما عوقب به فرعون إذ رفض، وما عوقب به بنو إسرائيل إذ انحرفوا. فيا هذه الأمة لا تقفي من القرآن كفرعون إذ رفض، ولا تكوني كبني إسرائيل إذ انحرفوا، بل عليك بالإسلام الكامل الشامل.
٢ - ما الحكمة في تأخير هذه المجموعة إلى نهاية السورة تقريبا؟
إن المجموعة- بهذا التأخير- قد خدمت مقاطع السورة كلها فهي خدمت المقطع السابق عليها، إذ بينت أن فرعون قد أري أمثال الآيات التي اقترحها المشركون على
стр. 2971
محمد ﷺ ، ومع ذلك لم تنفعه.
وخدمت المقطع الذي قبله والذي فيه وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا إذ ضربت مثلا في إهلاك من يستفز الأنبياء فَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً بل هي فسّرت الآية الأولى: إذ الاستفزاز هنا هو القتل، فصار معنى تلك الآية: وإنهم كادوا ليقتلونك ليخرجوك من الأرض، وإذن يستأصلهم الله بعدك لو فعلوا. وبهذا التفسير تخرج من أي إشكال يثار كيف أخرج رسول الله ﷺ من مكة ثم لم يستأصلوا، ولقد أجبنا على هذا الإشكال من قبل.
٣ - من خلال الكلام على بني إسرائيل في أول السورة وهنا، ندرك مضمون السورة:
بعث موسى ﵇ بالآيات، فقابله فرعون بالجحود والظلم والرغبة في الاستئصال فهلك. وقبل بنو إسرائيل الهدى فانحرفوا وأفسدوا فعوقبوا. وهذا محمد صلّى
الله عليه وسلّم عبد الله ورسوله الذي أكرمه الله بالإسراء وأنزل عليه القرآن. الناس من دعوته أحد اثنين: إما معرض محارب، ومصيره مصير فرعون، وإما مستجيب فعليه أن يأخذ كل الكتاب بقوة، وإلا فمصيره مصير بني إسرائيل في التسليط عليه، فإذا اتضح هذا، يتضح معنا كيف أن السورة تفصّل محورها من سورة البقرة وهو: سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ فكفر بها فرعون فأهلك وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ كما فعل بنو إسرائيل إذ جاءتهم البينات من معجزات وتوراة فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ في الدنيا والآخرة.
هذه الآية تخدم الأمر بالدخول في الإسلام كله، واجتناب خطوات الشيطان.
وهذه السورة تحذّر المسلمين من اتباع خطوات الشيطان، وتأمرهم بالإسلام والقرآن كله، وإذ كان الهدف هو الدخول في الإسلام كله بالالتزام بالقرآن كله، والإيمان برسول الله ﷺ ، وذلك مقتضى معرفة الله، ومقتضى شكره.
فقد ختمت السورة بمجموعة تضمنت هذه المعاني وأمثالها وهذا تفسيرها:
المجموعة الثانية من المقطع الخامس
وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ أي وما أنزلنا هذا القرآن إلا بالحق فهو حق خالص بيّن، ويدعو إلى الحق، ويشتمل على الحق في كل أمر وَبِالْحَقِّ نَزَلَ قال ابن كثير: أي ونزل إليك يا محمد محفوظا محروسا لم يشب بغيره، ولا زيد فيه ولا نقص منه، بل
стр. 2972
وصل إليك بالحق، فإنه نزل به شديد القوى، الأمين المكين، المطاع في الملأ الأعلى.
وفي الآية كلام سنجده في الفوائد وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً مبشرا لمن أطاعك من المؤمنين بالجنة، ونذيرا لمن عصاك من الكافرين بالنار
وَقُرْآناً فَرَقْناهُ أي فصّلناه، أو فرقنا فيه الحق من الباطل، أو فصلناه من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من السماء الدنيا، ثم نزل مفرّقا منجما على الوقائع إلى رسول الله ﷺ في ثلاث وعشرين سنة تقريبا، ولهذا قال: لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ أي لتبلّغه للناس وتتلوه عليهم عَلى مُكْثٍ أي على مهل وتؤدة وتثبّت وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا أي شيئا بعد شئ على حسب الحوادث، فذلك أقوى في فهمه والعمل به.
وإذ تقرر أن هذا القرآن حق خالص وأن من حكمة الله إنزاله مفرقا منجما، يأمر الله رسوله ﷺ أن يقول ثلاثة أقوال:
١ -
قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا أي اختاروا الإيمان وما يترتب عليه، أو غيره وما يترتب عليه، فإيمانكم ينفعكم، وكفركم لا يضره، ويضركم، فسواء آمنتم به أم لا، فهو حق في نفسه، أنزله الله، ونوّه بذكره في سالف الأزمان في كتبه المنزلة على رسله، ومن ثم ذكر عن العلماء بالكتب السابقة كيف يكون موقفهم منه وهو الموقف الإيماني الصحيح إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ أي من صالحي أهل الكتاب، الذين تمسّكوا بكتابهم، ويقيمونه ولم يبدلوه ولا حرّفوه إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ أي القرآن يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً الخرور: السقوط، والذقن: أسفل الوجه، وخصت الذقن بالذكر، لأن أقرب الأشياء عند الخرور إلى الأرض للسجود الذقن
وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا أي تعظيما له وتوقيرا على قدرته التامة إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا أي إنه كان وعد ربنا على ألسنة الأنبياء المتقدمين لمفعولا
وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ أي خضوعا لله ، وإيمانا وتصديقا بكتابه ورسوله وَيَزِيدُهُمْ أي القرآن خُشُوعاً أي إيمانا وتسليما، ولين قلب ورطوبة عين. هذه هي حال أهل الإيمان من هذا الكتاب: خضوع وخشوع وتسليم وإيمان ويقين، فليت شعري كيف صار الحال من بعد؟ تمرد واحتقار وازدراء، وكم نستأهل من العقاب؟
٢ -
قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ الدعاء هنا بمعنى التسمية أَيًّا ما تَدْعُوا أي أيّ هذين الاسمين ذكرتم وسميتم فلا فرق إذ فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى أي فإنه ذو الأسماء الحسنى، أي ما تدعون به من الاسمين فهو حسن، لأن كل الأسماء الحسنى له،
стр. 2973
فإذا حسنت أسماؤه كلها، حسن هذان الاسمان لأنهما منها، والحسنى: تأنيث الأحسن، ومعنى كون أسمائه أحسن الأسماء: أنها مستقلة بمعاني التمجيد والتقديس والتعظيم وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ حتى لا يسمعها المشركون فيسبّوا وَلا تُخافِتْ بِها بحيث لا تسمع من خلفك وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ أي بين الجهر والمخافتة سَبِيلًا وسطا، وفي الآية كلام كثير سنراه في ال فوائد ، والآية تعلّم حملة الحق ألا يبقوا حجة للكافرين إلا ويقابلوها بتصرف مناسب، وأن يحسنوا الأداء، بما يستمر به نفع المسلمين، وتخفيف شر الكافرين.
ثم لما أثبت الله تعالى لذاته الأسماء الحسنى، ختم السورة بالأمر بحمده وتنزيهه وتعظيمه في آية سماها رسول الله ﷺ آية العز:
٣ -
وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً كما زعم اليهود والنصارى وغيرهم وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ كما زعم المشركون وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ أي لم يذل فيحتاج إلى ناصر، أو يوال أحدا من أجل مذلة به ليدفعها بموالاته وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً أي وعظّمه تعظيما باتباع شرعه، والخضوع لأحكامه، والقيام بواجب العبودية له.
وهكذا ختمت السورة بمجموعة تقرّر فيها أن القرآن حق، وأن الموقف الصحيح منه هو الخشوع والخضوع والتسليم، وأن لله الأسماء الحسنى، وأنّه تقدّس عن
النقائص، وإذ كان كذلك فإن الالتزام بشرعه لصالح الملتزم.
ولنلاحظ أن السورة بدأت بالتسبيح، واختتمت بالحمد، وأن السورة التي بعدها مبدوءة بالحمد، فكأنها استمرار لسورة الإسراء.
والصلة بين هذا المقطع، وبقية السورة واضحة، والصلة بين المقطع والدخول في الإسلام كله واضحة. إن في الترغيب؛ إذ وصف القرآن بالحق، أو بالتذكير بالموقف الصحيح من القرآن، أو بالتذكير بما لله من جلال وكمال، أو بالأمر بتطبيق عملي هو جزء من الإسلام، فلنر فوائد المقطع الخامس ثم نختم الكلام عن السورة بكلمة عنها.
فوائد:
١ - [تعليق على أقوال الفقهاء في تفسير التسع آيات التي آتاها الله موسى بمناسبة الآية (١٠١)]
عند قوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ .. ذكر ابن كثير أقوال الأئمة في تفسير التسع آيات، وقد ذكرنا الرأي الذي يرجحه في صلب التفسير
стр. 2974
قال: فهذه الآيات التسع التي ذكرها هؤلاء الأئمة هي المرادة هاهنا، وهي المعيّنة في قوله تعالى: وَأَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى لا تَخَفْ- إلى قوله- فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (النحل: ١٠ - ١٢) فذكر هاتين الآيتين العصا واليد، وبيّن الآيات الباقيات في سورة الأعراف وفصّلها، وقد أوتي موسى ﵇ آيات أخر كثيرة، منها ضربه الحجر بالعصا، وخروج الماء منه، ومنها تظليلهم بالغمام، وإنزال المنّ والسلوى، وغير ذلك مما أوتيه بنو إسرائيل بعد مفارقتهم بلاد مصر، ولكن ذكر هاهنا التسع آيات التي شاهدها فرعون وقومه من أهل مصر، فكانت حجة عليهم، فخالفوها، وعاندوها؛ كفرا وجحودا. روى الإمام أحمد .. عن صفوان بن عسّال المرادي ﵁ قال: قال يهودي لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبي حتى نسأله عن هذه الآية وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فقال: لا تقل له نبي، فإنه لو سمعك لصارت له أربع أعين، فسألاه فقال النبي ﷺ : «لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تمشوا ببرئ إلى ذي سلطان ليقتله، ولا تقذفوا محصنة- أو قال لا تفروا من الزحف شعبة الشاك- وأنتم يا يهود عليكم خاصة أن لا تعدوا في السبت» فقبلا يديه ورجليه وقالا: نشهد أنك نبي قال: «فما يمنعكم أن تتبعاني؟» قالا: لأن داود ﵇ دعا أن لا يزال من ذريته نبي، وإنا نخشى إن أسلمنا أن تقتلنا يهود.
وهو حديث مشكل، وعبد الله بن سلمة في حفظه شئ، وقد تكلموا فيه، ولعله اشتبه عليه التسع الآيات بالعشر الكلمات، فإنها وصايا في التوراة، لا تعلّق لها بقيام الحجة على فرعون والله أعلم.
ثم بعد كلام قال: وليس المراد منها كما ورد في هذا الحديث فإن هذه الوصايا ليس فيها حجج على فرعون وقومه، وأي مناسبة بين هذا وبين إقامة البراهين على فرعون؟
وما جاءهم هذا الوهم إلا من قبل عبد الله بن سلمة، فإن له بعض ما ينكر والله أعلم، ولعل ذينك اليهوديين إنما سألا عن العشر الكلمات، فاشتبه على الراوي الآيات، فحصل وهم في ذلك، والله أعلم.
٢ - [كلام صاحب الظلال عند قوله تعالى وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ .. ]
في قوله تعالى: وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً* وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا قال صاحب الظلال:
стр. 2975
(لقد جاء هذا القرآن ليربي أمة. ويقيم لها نظاما، فتحمله هذه الأمة إلى مشارق الأرض ومغاربها، وتعلم به البشرية هذا النظام وفق المنهج الكامل المتكامل ومن ثم فقد جاء هذا القرآن مفرقا وفق الحاجات الواقعية لتلك الأمة، ووفق الملابسات التي صاحبت فترة التربية الأولى. والتربية تتم في الزمن الطويل، وبالتجربة العملية في الزمن الطويل. جاء ليكون منهجا عمليا يتحقق جزءا جزءا في مرحلة الإعداد، لا فقها نظريا ولا فكرة تجريدية تعرض للقراءة والاستمتاع الذهني.
وتلك حكمة نزوله متفرقا ....
ولقد تلقاه الجيل الأول من المسلمين على هذا المعنى. تلقوه توجيها يطبق في واقع الحياة كلما جاءهم منه أمر أو نهي، وكلما تلقوا منه أدبا أو فريضة. ولم يأخذوه متعة عقلية أو نفسية كما كانوا يأخذون الشعر والأدب؛ ولا تسلية وتلهية كما كانوا يأخذون القصص والأساطير. فتكيّفوا به في حياتهم اليومية. تكيّفوا به في مشاعرهم وضمائرهم، وفي سلوكهم ونشاطهم. وفي بيوتهم ومعاشهم. فكان منهج حياتهم الذي طرحوا كل ما عداه مما ورثوه، ومما عرفوه، ومما مارسوه قبل أن يأتيهم هذا القرآن قال ابن مسعود- ﵁: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن.
ولقد أنزل الله هذا القرآن قائما على الحق: وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ فنزل ليقر الحق في الأرض ويثبته: وَبِالْحَقِّ نَزَلَ فالحق مادته، والحق غايته. ومن الحق قوامه، وبالحق اهتمامه. الحق الأصيل الثابت في ناموس الوجود والذي خلق الله السموات والأرض قائمين به، متلبسا بهما، والقرآن مرتبط بناموس الوجود كله، يشير إليه ويدل عليه وهو طرف منه. فالحق سداه ولحمته، والحق مادته وغايته. والرسول مبشر ومنذر بهذا الحق الذى جاء به).
٣ - [سبب نزول آية قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ .. وآية وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ .. ]
في سبب نزول قوله تعالى: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يذكر ابن كثير ما رواه مكحول أن رجلا من المشركين سمع النبي ﷺ وهو يقول في سجوده: «يا رحمن يا رحيم» فقال: إنه يزعم أنه يدعو واحدا وهو يدعو اثنين فأنزل الله هذه الآية.
وفي سبب نزول قوله تعالى: وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ
стр. 2976
سَبِيلًا يروي الإمام أحمد والبخاري ومسلم عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية ورسول الله ﷺ متوار في مكة وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها قال: كان إذا صلّى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فلما سمع ذلك المشركون سبوا القرآن، وسبوا من أنزله، ومن جاء به، قال: فقال الله تعالى لنبيه ﷺ : وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ أي بقراءتك فيسمع المشركون فيسبون القرآن وَلا تُخافِتْ بِها عن أصحابك فلا تسمعهم القرآن حتى يأخذوه عنك وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا. فلما هاجر إلى المدينة سقط ذلك يفعل أيّ ذلك شاء.
وقال محمد بن إسحاق: عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ إذا جهر بالقرآن وهو يصلي تفرّقوا عنه، وأبوا أن يسمعوا منه، فكان الرجل إذا أراد أن يسمع من رسول الله ﷺ بعض ما يتلوه وهو يصلي استرق السمع دونهم؛ فرقا منهم، فإذا رأى أنهم قد عرفوا أنه يستمع، ذهب خشية أذاهم فلم يسمع، فإن خفض صوته ﷺ لم يسمع الذين يستمعون من قراءته شيئا، فأنزل الله وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ فيتفرقوا عنك وَلا تُخافِتْ بِها فلا يسمع من أراد أن يسمع ممن يسترق ذلك منهم، فلعله يرعوي إلى بعض ما يسمع فينتفع به وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا.
وروى ابن جرير بسنده عن ابن سيرين قال: نبئت أن أبا بكر كان إذا صلّى فقرأ خفض صوته، وأن عمر كان يرفع صوته، فقيل لأبي بكر: لم تصنع هذا؟ قال:
أناجي ربي ، وقد علم حاجتي، فقيل: أحسنت. وقيل لعمر: لم تصنع هذا؟ قال أطرد الشيطان وأوقظ الوسنان، قيل: أحسنت فلما نزلت وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا. قيل لأبي بكر ارفع شيئا، وقيل لعمر اخفض شيئا.
وفي الآية أقوال أخرى:
بعضهم قال إنها نزلت في الدعاء، وبعضهم قال: إنها في التشهد، وبعضهم قال معناه: لا تصل مراءاة للناس، ولا تدعها مخافة الناس، وبعضهم قال: لا تحسن علانيتها وتسئ سريرتها، وبعضهم قال: لا تجهر بالصلاة مثل أهل الكتاب إذ يخافتون، ثم يصيح أحدهم فيصيحون، ثم يعودون إلى المخافتة.
стр. 2977
أقول: والآية تربي المسلمين على ملاحقة الشبهة والتصرف حيالها، كما تربيهم على حسن التطبيق بما يناسب الحال.
٤ - [سبب نزول قوله تعالى وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً .. ]
وفي سبب نزول قوله تعالى: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً .. قال ابن كثير ناقلا عن القرظي: إن اليهود والنّصارى قالوا: اتخذ الله ولدا، وقالت العرب:
لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك، وقال الصابئون: لولا أولياء الله لذلّ فأنزل الله هذه الآية: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً وفي فضل هذه الآية نقل ابن جرير عن قتادة قال: «ذكر لنا أن النبي ﷺ كان يعلّم أهله هذه الآية الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً .. الآية الصغير من أهله والكبير» قال ابن كثير: «وقد جاء في حديث أنّ رسول الله ﷺ سمّى هذه الآية آية العزّ، وفي بعض الآثار أنها ما قرئت في بيت ليلة فيصيبه سرق أو آفة والله أعلم».
كلمة في سورة الإسراء:
هذه السورة تربي أمة، وتعطي العبرة من أمة، وتتحدث عن قبلتين للأمة التي ورثت القبلتين ببركة بعثة محمد ﷺ .
تبدأ السورة بقوله تعالى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.
هذه المقدمة سارية المعنى في السورة كلها، فالإيمان بعبد الله محمد ﷺ وبما أنزل عليه، والالتزام به، والاعتراف لله تعالى بالعبودية الكاملة، والكلام عمّن أعطوا المسجد الأقصى قديما فأفسدوا وطغوا وعاقبة ذلك. وتنزيه الله عما يقوله الكافرون والمشركون، وتنزيه الله بالسلوك العملي للمسلم، كلها معان يجدها الإنسان في السورة.
وإذ تبدأ السورة هذه البداية ثم تجد فيها أوامر كثيرة موجّهة إلى رسول الله- عبد الله حقا- ﷺ تستشعر أن تنفيذ هذه الأوامر هو الشكر الذي يقابل النعمة العظيمة ولذا ترى أنّ آخر آية في السورة تقول: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً فكل خطاب لرسول الله ﷺ في السورة إنما هو تحقيق لمقام العبودية وأداء لواجب الشكر.
стр. 2978
ثم تقول السورة: وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا* ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً* وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ.
أنزل الله كتابا على موسى ﵇، جعل فيه الهدى، وطالب بني إسرائيل بالشكر، فأفسدوا فسلّط عليهم، فيا هذه الأمة: لقد أنزل الله عليك الكتاب، وجعله هاديا، فإياك أن تنحرفي. هذا هو الدرس الأول.
وإذ يستقر هذا فإن الله يحدّث هذه الأمة عن خصائص كتابه:
إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ..
وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا ..
وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ ...
وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ ...
فهذه خصائص للقرآن، يتحدث عنها السياق، وفي كل مرة يتحدث عن خصيصة من خصائص القرآن نجد أن السياق يبرهن عمليا على وجود هذه الخصيصة.
فالبشرية عامة، والعرب خاصة، تمت عليهم بمحمّد ﷺ وبالقرآن النعمة. فالناس قسمان: إما مستجيب، وإما رافض. أما الرافض فإقامة حجة عليه، وإنذار له، ومناقشة لكل كلمة يقولها، وأما المستجيب فتربية له، وتوجيه مباشر وغير مباشر.
والضالون نوعان: منحرف، ورافض، وفي السورة درسان: درس للمنحرف، ودرس للرافض.
وما بينهما كلام لهذه الأمة عن خصائص القرآن، ومناقشة للمواقف منه في ظلال الدرسين، وكل ذلك يخدم موضوع الدخول في الإسلام كله، وترك اتباع خطوات الشيطان، إما بشكل مباشر، وإما بشكل غير مباشر. وأهم ما يخدم موضوع الدخول في الإسلام كله بشكل مباشر الآيات وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ ..
وقوله تعالى: وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا* وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا* إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً.
ومن أهم الملاحظات أن نلاحظ أن سورة الإسراء انتهت بقوله تعالى: وَقُلِ
стр. 2979
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً وأن السورة التي تأتي بعدها وهي سورة الكهف تبدأ بقوله تعالى:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً* قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً* ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً* وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً .. فإنك تلاحظ أن سورة الكهف تبدأ بذكر الحمد، وتبدأ بمعان موجودة في الآية الأخيرة من سورة الإسراء، فهي تبني على سورة الإسراء، وكلا السورتين مذكور في الآية الأولى منها كلمة «عبده».
فالسورتان، وسورة مريم بعدهما، وسورة النحل، والحجر قبلهما، تشكل مجموعة واحدة تخدم معنى متكاملا.
وبعد: فإننا نترك سورة الإسراء ولم نشعر أننا بلغنا إلى ما نريد من عرض لوحدة سياقها، وصلة مقدمتها بخاتمتها، كما لم نبلغ إلى ما نريد في تبيان صلتها بمحورها من سورة البقرة غير أننا نحسب أنه قد وضح أن في السورة ذكرا لنعم الله المادية والمعنوية، وتهديدا لمن لم يشكر، وتهديدا لمن بدّل وغيّر وانحرف. كما وضح أن في السورة عرضا لما أنزل على بني إسرائيل، وكيف عوقب من كفر هذه النعمة وبدّلها. كما وضح أنّ في السورة توضيحا لخطوات الشيطان التي ينبغي ألا تسلك. كما وضحت ضرورة الالتزام بالقرآن كله، فإذا كانت هذه الأمور قد وضحت، فحسبنا هي في إقامة الدليل على أن هذه السورة مرتبطة بالمحور الذي ذكرناه من سورة البقرة، وقد آن الأوان لننتقل إلى سورة الكهف:
стр. 2980
سورة الكهف
وهي السّورة الثامنة عشرة بحسب الرّسم القرآني وهي السّورة الرابعة من المجموعة الثانية من قسم المئين وآياتها مائة وعشرة آيات وهي مكيّة