← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

سَبِيلًا يروي الإمام أحمد والبخاري ومسلم عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية ورسول الله ﷺ متوار في مكة وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها قال: كان إذا صلّى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فلما سمع ذلك المشركون سبوا القرآن، وسبوا من أنزله، ومن جاء به، قال: فقال الله تعالى لنبيه ﷺ : وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ أي بقراءتك فيسمع المشركون فيسبون القرآن وَلا تُخافِتْ بِها عن أصحابك فلا تسمعهم القرآن حتى يأخذوه عنك وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا. فلما هاجر إلى المدينة سقط ذلك يفعل أيّ ذلك شاء. وقال محمد بن إسحاق: عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ إذا جهر بالقرآن وهو يصلي تفرّقوا عنه، وأبوا أن يسمعوا منه، فكان الرجل إذا أراد أن يسمع من رسول الله ﷺ بعض ما يتلوه وهو يصلي استرق السمع دونهم؛ فرقا منهم، فإذا رأى أنهم قد عرفوا أنه يستمع، ذهب خشية أذاهم فلم يسمع، فإن خفض صوته ﷺ لم يسمع الذين يستمعون من قراءته شيئا، فأنزل الله وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ فيتفرقوا عنك وَلا تُخافِتْ بِها فلا يسمع من أراد أن يسمع ممن يسترق ذلك منهم، فلعله يرعوي إلى بعض ما يسمع فينتفع به وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا. وروى ابن جرير بسنده عن ابن سيرين قال: نبئت أن أبا بكر كان إذا صلّى فقرأ خفض صوته، وأن عمر كان يرفع صوته، فقيل لأبي بكر: لم تصنع هذا؟ قال: أناجي ربي ، وقد علم حاجتي، فقيل: أحسنت. وقيل لعمر: لم تصنع هذا؟ قال أطرد الشيطان وأوقظ الوسنان، قيل: أحسنت فلما نزلت وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا. قيل لأبي بكر ارفع شيئا، وقيل لعمر اخفض شيئا. وفي الآية أقوال أخرى: بعضهم قال إنها نزلت في الدعاء، وبعضهم قال: إنها في التشهد، وبعضهم قال معناه: لا تصل مراءاة للناس، ولا تدعها مخافة الناس، وبعضهم قال: لا تحسن علانيتها وتسئ سريرتها، وبعضهم قال: لا تجهر بالصلاة مثل أهل الكتاب إذ يخافتون، ثم يصيح أحدهم فيصيحون، ثم يعودون إلى المخافتة.

стр. 2977

أقول: والآية تربي المسلمين على ملاحقة الشبهة والتصرف حيالها، كما تربيهم على حسن التطبيق بما يناسب الحال. ٤ - [سبب نزول قوله تعالى وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً .. ] وفي سبب نزول قوله تعالى: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً .. قال ابن كثير ناقلا عن القرظي: إن اليهود والنّصارى قالوا: اتخذ الله ولدا، وقالت العرب: لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك، وقال الصابئون: لولا أولياء الله لذلّ فأنزل الله هذه الآية: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً وفي فضل هذه الآية نقل ابن جرير عن قتادة قال: «ذكر لنا أن النبي ﷺ كان يعلّم أهله هذه الآية الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً .. الآية الصغير من أهله والكبير» قال ابن كثير: «وقد جاء في حديث أنّ رسول الله ﷺ سمّى هذه الآية آية العزّ، وفي بعض الآثار أنها ما قرئت في بيت ليلة فيصيبه سرق أو آفة والله أعلم». كلمة في سورة الإسراء: هذه السورة تربي أمة، وتعطي العبرة من أمة، وتتحدث عن قبلتين للأمة التي ورثت القبلتين ببركة بعثة محمد ﷺ . تبدأ السورة بقوله تعالى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ. هذه المقدمة سارية المعنى في السورة كلها، فالإيمان بعبد الله محمد ﷺ وبما أنزل عليه، والالتزام به، والاعتراف لله تعالى بالعبودية الكاملة، والكلام عمّن أعطوا المسجد الأقصى قديما فأفسدوا وطغوا وعاقبة ذلك. وتنزيه الله عما يقوله الكافرون والمشركون، وتنزيه الله بالسلوك العملي للمسلم، كلها معان يجدها الإنسان في السورة. وإذ تبدأ السورة هذه البداية ثم تجد فيها أوامر كثيرة موجّهة إلى رسول الله- عبد الله حقا- ﷺ تستشعر أن تنفيذ هذه الأوامر هو الشكر الذي يقابل النعمة العظيمة ولذا ترى أنّ آخر آية في السورة تقول: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً فكل خطاب لرسول الله ﷺ في السورة إنما هو تحقيق لمقام العبودية وأداء لواجب الشكر.

стр. 2978

ثم تقول السورة: وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا* ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً* وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ. أنزل الله كتابا على موسى ﵇، جعل فيه الهدى، وطالب بني إسرائيل بالشكر، فأفسدوا فسلّط عليهم، فيا هذه الأمة: لقد أنزل الله عليك الكتاب، وجعله هاديا، فإياك أن تنحرفي. هذا هو الدرس الأول. وإذ يستقر هذا فإن الله يحدّث هذه الأمة عن خصائص كتابه: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ .. وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا .. وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ ... وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ ... فهذه خصائص للقرآن، يتحدث عنها السياق، وفي كل مرة يتحدث عن خصيصة من خصائص القرآن نجد أن السياق يبرهن عمليا على وجود هذه الخصيصة. فالبشرية عامة، والعرب خاصة، تمت عليهم بمحمّد ﷺ وبالقرآن النعمة. فالناس قسمان: إما مستجيب، وإما رافض. أما الرافض فإقامة حجة عليه، وإنذار له، ومناقشة لكل كلمة يقولها، وأما المستجيب فتربية له، وتوجيه مباشر وغير مباشر. والضالون نوعان: منحرف، ورافض، وفي السورة درسان: درس للمنحرف، ودرس للرافض. وما بينهما كلام لهذه الأمة عن خصائص القرآن، ومناقشة للمواقف منه في ظلال الدرسين، وكل ذلك يخدم موضوع الدخول في الإسلام كله، وترك اتباع خطوات الشيطان، إما بشكل مباشر، وإما بشكل غير مباشر. وأهم ما يخدم موضوع الدخول في الإسلام كله بشكل مباشر الآيات وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ .. وقوله تعالى: وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا* وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا* إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً. ومن أهم الملاحظات أن نلاحظ أن سورة الإسراء انتهت بقوله تعالى: وَقُلِ

стр. 2979

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً وأن السورة التي تأتي بعدها وهي سورة الكهف تبدأ بقوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً* قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً* ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً* وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً .. فإنك تلاحظ أن سورة الكهف تبدأ بذكر الحمد، وتبدأ بمعان موجودة في الآية الأخيرة من سورة الإسراء، فهي تبني على سورة الإسراء، وكلا السورتين مذكور في الآية الأولى منها كلمة «عبده». فالسورتان، وسورة مريم بعدهما، وسورة النحل، والحجر قبلهما، تشكل مجموعة واحدة تخدم معنى متكاملا. وبعد: فإننا نترك سورة الإسراء ولم نشعر أننا بلغنا إلى ما نريد من عرض لوحدة سياقها، وصلة مقدمتها بخاتمتها، كما لم نبلغ إلى ما نريد في تبيان صلتها بمحورها من سورة البقرة غير أننا نحسب أنه قد وضح أن في السورة ذكرا لنعم الله المادية والمعنوية، وتهديدا لمن لم يشكر، وتهديدا لمن بدّل وغيّر وانحرف. كما وضح أن في السورة عرضا لما أنزل على بني إسرائيل، وكيف عوقب من كفر هذه النعمة وبدّلها. كما وضح أنّ في السورة توضيحا لخطوات الشيطان التي ينبغي ألا تسلك. كما وضحت ضرورة الالتزام بالقرآن كله، فإذا كانت هذه الأمور قد وضحت، فحسبنا هي في إقامة الدليل على أن هذه السورة مرتبطة بالمحور الذي ذكرناه من سورة البقرة، وقد آن الأوان لننتقل إلى سورة الكهف:

стр. 2980

سورة الكهف وهي السّورة الثامنة عشرة بحسب الرّسم القرآني وهي السّورة الرابعة من المجموعة الثانية من قسم المئين وآياتها مائة وعشرة آيات وهي مكيّة

стр. 2981

بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله وآله وأصحابه ربّنا تقبّل منّا، إنّك أنت السّميع العليم

стр. 2982

قال الألوسي في تقديمه لسورة الكهف: (ويقال سورة أصحاب الكهف كما في حديث أخرجه ابن مردويه وهي مكية كلها في المشهور، واختاره الداني، وروي عن ابن عباس وابن الزبير ﵄، وعدّها بعضهم من السور التي نزلت جملة؛ لما أخرج الديلمي في مسند الفردوس عن أنس عن النبي ﷺ قال: «نزلت سورة الكهف جملة، معها سبعون ألفا من الملائكة»، وفي رواية أخرى عن ابن عباس أنها مكية إلا قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا إلى آخرها فمدني، وهي مائة وإحدى عشرة آية عند البصريين، ومائة وعشرة عند الكوفيين، ومائة وست عند الشاميين، ومائة وخمس عند الحجازيين، ووجه مناسبة وضعها بعد الإسراء على ما قيل: افتتاح تلك بالتسبيح، وهذه بالتحميد، وهما مقترنان في الميزان وسائر الكلام نحو فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ* فسبحان الله وبحمده، وأيضا تشابه اختتام تلك، وافتتاح هذه، فإن في كل منهما حمدا، نعم فرق بينهما بأن الحمد الأول ظاهر في الحمد الذاتي، والحمد المفتتح به في هذه يدل على الاستحقاق غير الذاتي، وقال الجلال السيوطي في ذلك: إن اليهود أمروا المشركين أن يسألوا النبي ﷺ عن ثلاثة أشياء: عن الروح، وعن قصة أصحاب الكهف، وعن قصة ذي القرنين، وقد ذكر جواب السؤال الأول في آخر السورة الأولى، وجواب السؤالين الآخرين في هذه، فناسب اتصالهما، ولم تجمع الأجوبة الثلاثة في سورة لأنه لم يقع الجواب عن الأول بالبيان، فناسب أن يذكر وحده في سورة، واختيرت سورة الإسراء لما بين الروح وبين الإسراء من المشاركة بأنّ كلّا منهما مما لا يكاد تصل إلى حقيقته العقول، وقيل: إنما ذكر هناك لما أن الإسراء متضمن العروج إلى المحل الأرفع، والروح متصفة بالهبوط من ذلك المحل، ولذا قال ابن سينا فيها: هبطت إليك من المحل الأرفع ... ورقاء ذات تعزز وتمنع ثم قال: ظهر لي وجه آخر وهو أنه تعالى لما قال في تلك وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا والخطاب لليهود، استظهر على ذلك بقصة موسى نبي بني إسرائيل مع الخضر ﵉ التي كان سببها ذكر العلم والأعلم، وما دلت عليه من كثرة معلومات الله تعالى التي لا تحصى، فكانت هذه السورة كإقامة الدليل، لما ذكر من الحكم في تلك السورة، وقد ورد في الحديث أنه لما نزل وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا قال اليهود: قد أوتينا التوراة فيها علم كل شئ فنزل قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ

стр. 2983

رَبِّي الآية فتكون هذه السورة من هذه الجهة جوابا على شبهة الخصوم فيما قرّر في تلك. اهـ. وللمناسبة أوجه أخر تظهر بأدنى تأمل) وأما فضلها فمشهور. وقد بدأ ابن كثير الكلام عن سورة الكهف بهذا الفصل: «ذكر ما ورد في فضلها» «والعشر الآيات من أولها وآخرها وأنها عصمة من الدجال» . (روى الإمام أحمد .. عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء يقول: قرأ رجل الكهف وفي الدار دابة، فجعلت تنفر، فنظر فإذا ضبابة أو سحابة قد غشيته، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: «اقرأ فلان، فإنها السكينة تنزل عند القرآن، أو تنزلت للقرآن». أخرجاه في الصحيحين من حديث شعبة به، وهذا الرجل الذي كان يتلوها هو أسيد بن حضير. وروى الإمام أحمد .. عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: «من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجال». رواه مسلم وأبو داود والنسائي والترمذي من حديث قتادة به؛ ولفظ الترمذي «من حفظ ثلاث آيات من أول الكهف». وقال حسن صحيح. (طريق أخرى) روى الإمام أحمد .. عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: «من قرأ العشر الأواخر من سورة الكهف عصم من فتنة الدجال» رواه مسلم أيضا والنسائي من حديث قتادة به، ولفظ النسائي «من قرأ عشر آيات من الكهف» فذكره. روى النسائي .. عن ثوبان عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من قرأ العشر الأواخر من سورة الكهف فإنه عصمة له من الدجال». وروى الإمام أحمد .. عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من قرأ أول سورة الكهف وآخرها كانت له نورا من قدمه إلى رأسه، ومن قرأها كلها كانت له نورا ما بين السماء والأرض». وروى الحافظ أبو بكر بن مردويه .. عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة سطع له نور من تحت قدمه، إلى عنان السماء، يضئ له يوم القيامة وغفر له ما بين الجمعتين». وروى الإمام سعيد بن منصور في سننه .. عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بينه وبين البيت العتيق.

стр. 2984

وأخرج الحاكم في مستدركه .. عن أبي سعيد عن النبي ﷺ أنه قال: «من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بينه وبين الجمعتين». وروى الحافظ أبو بكر البيهقي بسنده أن النبي ﷺ قال: «من قرأ سورة الكهف كما نزلت كانت له نورا يوم القيامة». وهكذا روى الحافظ الضياء المقدسي بسنده عن عليّ مرفوعا: «من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة فهو معصوم إلى ثمانية أيام من كل فتنة، وإن خرج الدجال عصم منه»). اهـ. كلام ابن كثير. ويتساءل الأستاذ الندوي في رسالته (تأملات في سورة الكهف) عن السّر في أن هذه السورة أو بعضا منها يعصم من الدجال ويجيب على ذلك وهذا كلامه: (وتساءلت ماذا في هذه السورة من المعاني والحقائق والتنبيهات والزواجر، ما يعصم من هذه الفتنة التي استعاذ منها النبي ﷺ كثيرا، وحث أمته على الاستعاذة منها حثا شديدا، والتي هي الفتنة الكبرى الأخيرة، التي قال عنها: «ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة أمر أكبر من الدجال». ولماذا خصّ رسول الله ﷺ وهو أعرف خلق الله بكتاب الله وأسراره وعلومه- هذه السورة الكريمة من بين سور القرآن؟ ورأيت نفسي تتوق إلى معرفة سرّ هذا التخصيص، والصلة المعنوية بينها وبين هذه العصمة، التي أخبر بها الرسول ﷺ . ففي القرآن سور من القصار المفصّل، وسور من الطوال، عدل عنها النبي ﷺ واقتنعت إجمالا، بأن هذه السورة، هي السورة القرآنية الفريدة، التي تحتوي على أكبر مادة وأغزرها فيما يتصل بفتن العهد الأخير التي يتزعمها الدجّال، ويتولى كبرها ويحمل رايتها، وتحتوي على أكبر مقدار من الترياق الذي يدفع سموم الدجّال ويبرئ منها، وأن من يتشرّب معاني هذه السورة ويمتلئ بها- وهو نتيجة الحفظ والإكثار من القراءة في عامة الأحوال- يعتصم من هذه الفتنة المقيمة المقعدة للعالم، ويفلت من الوقوع في شباكها، وأن في هذه السورة الكريمة من التوجيهات والإرشادات، والأمثال والحكايات، ما يبين الدجّال ويشخّصه في كل زمان ومكان، وما يوضّح الأساس الذي تقوم عليه فتنته ودعوته، وتهيئ العقول والنفوس لمحاربة هذه الفتنة ومقاومتها، والتمرد عليها، وإن فيها روحا تعارض التدجيل وزعماءه، ومنهج تفكيرهم، وخطة حياتهم في وضوح وقوة).

стр. 2985

سبب نزول سورة الكهف: قال ابن كثير: وقد ذكر محمد بن إسحاق سبب نزول هذه السورة الكريمة فقال: حدثني شيخ من أهل مصر، قدم علينا منذ بضع وأربعين سنة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: بعثت قريش النضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود بالمدينة، فقالوا لهم: سلوهم عن محمد، وصفوا لهم صفته، وأخبروهم بقوله، فإنهم أهل الكتاب الأول، وعندهم ما ليس عندنا من علم الأنبياء، فخرجا حتى أتيا المدينة، فسألوا أحبار يهود عن رسول الله ﷺ ، ووصفوا لهم أمره، وبعض قوله، وقالا: إنكم أهل التوراة، وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا، قال: فقالت لهم أحبار يهود: سلوه عن ثلاث نأمركم بهن، فإن أخبركم بهنّ فهو نبي مرسل، وإن لم يفعل فالرجل متقوّل فروا فيه رأيكم: سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول، ما كان من أمرهم؟ فإنهم قد كان لهم حديث عجيب، وسلوه عن رجل طوّاف بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبؤه؟ وسلوه عن الروح ما هو؟ فإن أخبركم بذلك فهو نبي فاتبعوه، وإن لم يخبركم فإنه رجل متقوّل فاصنعوا في أمره ما بدا لكم، فأقبل النضر وعقبة حتى قدما على قريش، فقالا: يا معشر قريش قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد، قد أمرنا أحبار يهود أن نسأله عن أمور، فأخبروهم بها، فجاءوا رسول الله ﷺ فقالوا يا محمد أخبرنا، فسألوه عما أمروهم به فقال لهم رسول الله ﷺ : «أخبركم غدا عما سألتم عنه، ولم يستثن، (أي لم يقل إن شاء الله) فانصرفوا عنه، ومكث رسول الله ﷺ خمس عشرة ليلة، لا يحدث الله إليه في ذلك وحيا ولا يأتيه جبريل ﵇، حتى أرجف أهل مكة، وقالوا: وعدنا محمد غدا واليوم خمس عشرة، قد أصبحنا فيها لا يخبرنا بشيء عما سألناه عنه، وحتى أحزن رسول الله ﷺ مكث الوحي عنه، وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة، ثم جاءه جبريل ﵇ من الله بسورة أصحاب الكهف، فيها معاتبته إياه على حزنه عليهم، وخبر ما سألوه عنه من أمر الفتية، والرجل الطوّاف وقول الله وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ؟ قُلِ الرُّوحُ الآية أقول: إذا صحّ أنّ قصة أصحاب الكهف قصة لمجموعة من أتباع المسيح ﵇، فإنّه من المستغرب أن يكون اليهود هم الذين دفعوا للسؤال عنهم، وفي حالة صحة أنهم من أتباع المسيح ﵇، وإذا صح أصل الرواية التي ذكرها ابن إسحاق، فلا يبعد أن يكون هناك شئ من الوهم، فليس بعيدا أن تكون قريش سألت أهل الكتاب يهودا ونصارى، وكلهم دلّه على سؤال، أو أنهم

стр. 2986

سألوا النصارى فدلوهم على هذه الأسئلة، واختلط الأمر على الراوي، وعلى كل فإنّ الذي روى عنه ابن إسحاق شيخ مجهول وهذا يؤثر على قوة الرواية. كلمة في سورة الكهف ومحورها: رأينا أن سورة الحجر، والنحل، والإسراء، والكهف، ومريم، تشكل مجموعة هي المجموعة الثانية في القسم الثاني من أقسام القرآن. ورأينا أن سورة الحجر تكاد تكون مقدّمة للسور الأربع اللاحقة، وأن السور الأربع اللاحقة تغطي أربع آيات من سورة البقرة هي: الآيات الآتية في حيّز قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ* فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. فسورة النحل غطّت الآية الآتية مباشرة بعد هاتين الآيتين وهي: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ. فقد فصّلت هذا المقام بما يخدم موضوع الدخول في الإسلام كله. وسورة الإسراء غطّت قوله تعالى في الآية اللاحقة: سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ. فقد فصّلت هذا المقام بما يخدم موضوع الدخول في الإسلام كله، والآن تأتي سورة الكهف لتغطي الآية اللاحقة وهي: زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ. إنّ ما يحرف الناس عن الدخول في الإسلام كله، وما يدفعهم لاتّباع خطوات الشيطان، هو زينة الحياة الدنيا، وزهدهم في الآخرة، وانتقاصهم لأهلها؛ بسبب غفلتهم عن الله، وأنّه وحده هو الرزاق. هذا المعنى الذي تعرّضت له الآية، خادمة به موضوع الدخول في الإسلام كله، هو الذي تفصّله سورة الكهف وتغطيه، بما يخدم الاستسلام لله، واجتناب خطوات الشيطان، بأسلوب عجيب، هو وحده آية على أن هذا القرآن من عند الله، فكيف إذا كان في هذا القرآن من نواحي العجب والإعجاز ما لا يتناهى. نسأل الله ألا يعمي قلوبنا. وإذ كانت زينة الحياة الدنيا هي أخطر صارف عن الدخول في الإسلام، وإذ كانت سورة الكهف تعالجها بطريقة مدهشة مربية وموجهة ومقنعة، فقد سنّ للمسلمين

стр. 2987

قراءتها كل جمعة، وحفظ أولها وآخرها، وتلاوته يوميا، فلنحاول أن نفهمها حقّ الفهم. ولنلاحظ منذ الابتداء: أن القسم الأول من السورة يخدم بشكل مباشر قوله تعالى: زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ. وأن القسم الثاني منها المتمثل بقصة موسى والخضر وذي القرنين ﵈: يخدم بشكل مباشر قوله تعالى في سورة البقرة: وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ. ثم القسم الثاني يخدم القسم الأول بشكل مباشر، والجميع يخدمون موضوع الاستسلام لله، وترك اتباع خطوات الشيطان. من كلام الأستاذ الندوي في السورة: قال الأستاد الندوي: (ووجدت السورة كلها خاضعة لموضوع واحد، أستطيع أن أسميه «بين الإيمان والمادية» ووجدت جميع الإشارات أو الحكايات، أو المواعظ والأمثال دائرة حول هذا المعنى، تشير إليه من طريق جلي، أو تنظر إليه من طرف خفي. واغتبطت بهذا الفتح، وانكشف لي جانب جديد من إعجاز القرآن، ونبوة محمد ﷺ ، فما كنت أعرف أن هذا الكتاب الذي نزل في القرن السادس المسيحي- يعني قبل ثلاثة عشر قرنا وزيادة- يحمل صورة صادقة ناطقة بهذه المدنية الداجلة التي تولدت في القرن السابع عشر المسيحي، واختمرت في القرن العشرين». تتألف السورة من مقدمة وست مقاطع وها نحن نبدأ عرضها: ***

стр. 2988

مقدمة السورة تبدأ السورة بمقدمة هي ثمان آيات. وهذه هي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ١٨/ ٨ - ١ التفسير: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ محمد ﵊ الْكِتابَ أي القرآن وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً أي اعوجاجا، فلا اختلاف في معانيه، ولا تناقض، ولا يخرج شئ منه عن الحكمة ولا زيغ ولا ميل بل جعله قَيِّماً أي مستقيما، بعد أن نفى عنه العوج أثبت له الاستقامة تأكيدا، فرب مستقيم مشهود له بالاستقامة ولا يخلو من أدنى عوج عند التصفح، ويحتمل أن يراد بالقيم علوه على سائر الكتب، من حيث كونه مصدقا لها شاهدا بصحتها له فضل عليها بالإعجاز والمعاني، حمد الله تعالى نفسه على إنزاله كتابه العزيز على رسوله الكريم محمد ﷺ ، فإنه أعظم نعمة أنعمها الله على أهل الأرض، إذ أخرجهم به من الظلمات إلى النور، ولقّن الله بذلك عباده وفقّههم كيف يثنون عليه، ويحمدونه على أجزل نعمائه عليهم، وهي نعمة الإسلام،

стр. 2989

وما أنزل على محمد ﷺ من الكتاب الذي هو سبب نجاتهم. وبعد أن وصف كتابه بالاستقامة الكاملة ذكر الحكمة في إنزاله وهي التبشير والإنذار فقال لِيُنْذِرَ الكافرين بَأْساً عذابا شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ أي صادرا من عنده، فالله بهذا القرآن ينذر من خالفه وكذّبه بالعقوبة العاجلة في الدنيا، والآجلة في الأخرى، عقوبة من عند الله الذي لا يعذب عذابه أحد، ولا يوثق وثاقه أحد وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أي ويبشّر الله الذين جمعوا الإيمان والعمل الصالح بهذا القرآن أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً أي مثوبة عند الله جميلة وهي الجنة ماكِثِينَ فِيهِ أي في ثوابهم عند الله وهو الجنة خالدين فيه أَبَداً أي دائما لا زوال له ولا انقطاع. وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً من مشركي العرب الذين قالوا عن الملائكة إنهم بنات الله، وغيرهم كالنصارى ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ أي بهذا القول الذي افتروه وائتفكوه وَلا لِآبائِهِمْ أي لأسلافهم الذين قلّدوهم يعني: أن قولهم بالولد أو باتخاذه لم يصدر عن علم، ولكن عن جهل مفرط، وانتفاء العلم بالشئ إما للجهل بالطريق الموصل إليه، أو لأنه في نفسه محال، واتخاذ الله ولدا محال ولا طريق عقليا يوصل إليه أصلا كَبُرَتْ كَلِمَةً أي ما أفظعها كلمة تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وهذا تبشيع لمقالتهم واستعظام لإفكهم إذ اجترءوا على النطق بها وإخراجها من أفواههم فإن كثيرا مما يوسوسه الشيطان في قلوب الناس من المنكرات لا يتمالكون أن يتفوهوا به، بل يكظمون عليه، فكيف بمثل هذا المنكر؟ والتعبير يفيد أن هذا القول ليس له مستند سوى قولهم، ولا دليل عليه إلا كذبهم وافتراؤهم، ولهذا قال تعالى: إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً أي إلا قولا كذبا فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أي قاتل نفسك عَلى آثارِهِمْ أي على آثار الكفار، شبهه وإياهم حين تولوا عنه ولم يؤمنوا به، وما تداخله من الأسف على توليهم، برجل فارقه أنيسه، فهو يتساقط حسرات على آثارهم، ويبخع نفسه وحيدا عليهم، وتلهفا على فراقهم إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أي القرآن أَسَفاً الأسف: فرط الحزن والغضب. والمعنى: لا تهلك نفسك أسفا عليهم بل أبلغهم رسالة الله، فمن اهتدى فلنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها. ثم أخير تعالى أنه جعل الدنيا دارا فانية مزينة بزينة زائلة، وإنما جعلها دار اختبار لا دار قرار فقال: إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ من زخارف ومستحسنات ومستلذات زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا أي لنختبرهم بذلك والناجح هو الأحسن عملا، والراسب هو الأسوأ عملا. ثم أخبر تعالى بزوالها وفنائها وفراغها وانقضائها وذهابها

стр. 2990

وخرابها ليزهّد في الميل إليها، وليبعد عن الرسوب بسببها. فقال وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها من هذه الزينة صَعِيداً أي أرضا ملساء جُرُزاً أي يابسا لا نبات فيها بعد أن كانت خضراء معشبة. والمعنى: يعيدها بعد عمارتها خرابا بإماتة الحيوان، وتجفيف النبات والأشجار، وغير ذلك، أي وإنا لمصيّروها بعد الزينة إلى الخراب والدمار، فنجعل كل شئ عليها هالكا صعيدا لا ينبت ولا ينتفع به. كلمة في السياق: [حول صلة مقدمة السورة بالمحور وبقصة أصحاب الكهف] بدأت السورة بالحمد، ووصفت الكتاب ببعض أوصافه، وعللت حكمة إنزاله وهي التبشير والإنذار، وخصّت المتخذين لله ولدا بإنذار خاص، ثم نهت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن الحزن على من لم يؤمن، ثم ذكّرت بحكمة تزيين الحياة الدنيا، وأن ذلك للاختبار، وأن الرسوب والسقوط هو في حسن العمل وسوئه. ثم بيّنت مآل الحياة الدنيا. فإذا تذكرنا أن محور السورة هو قوله تعالى من سورة البقرة زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ وأن هذا المحور آت في سياق الأمر بالدخول في الإسلام كله، واجتناب خطوات الشيطان. إذا تذكّرنا هذا ندرك أن مقدّمه سورة الكهف التي مرّت معنا تناسب هذا كله، وقد أوصلت المقدمة إلى حكمة تزيين الحياة الدنيا وهي الاختبار، فإذ يقول الله في سورة البقرة زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا ... نفهم أنّه من السقوط أن تكون الحياة الدنيا مزيّنة لإنسان. ولذلك فسّر النسفي أن حسن العمل الذي هو علامة النجاح في الاختبار هو: (الزهد فيها وترك الاغترار بها). ومن ثم نعلم من المقدمة أن الإيمان والعمل الصالح، والزهد في الدنيا من معالم الإسلام، وأن اتباع القرآن كله هو الاستقامة وهو الإسلام، وأن من خطوات الشيطان الكفر ونسبة الولد إليه، وتزيين الحياة الدنيا. وبعد هذه المقدمة تأتي قصة أهل الكهف. فما الصلة بينها وبين ما قبلها وبين السياق العام؟ ١ - لقد قص الله علينا حكمة الإعثار على أهل الكهف فقال: وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها فالحكمة في حادثة أهل الكهف التدليل على البعث بعد الموت، فإذ كانت الآخرة حقا فزينة الحياة الدنيا لا قيمة

стр. 2991

لها، وينبغي أن ينجح المسلمون في الاختبار، فالقصة نموذج على نجاح مجموعة في اختبار الحياة الدنيا هم الفتية. ٢ - إذا تذكرنا محور السورة من البقرة: زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا نلاحظ أن قصة أهل الكهف تحدد لنا نوعا من مواقف الكافرين من المؤمنين وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وفي قصة أهل الكهف نوع فوقية لأهل الإيمان على أهل الكفر وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ وفي قصة أهل الكهف ذكر نوع من رزق الله عباده وهو الهداية والرحمة. ٣ - وإذا تذكّرنا أن آية المحور واردة في سياق الأمر بالدخول في الإسلام كله، فإن قصة أهل الكهف نموذج على نوع من الدخول في الإسلام كله، باعتزال الكفر وأهله إذا لم يكن أمن على إيمان وإسلام. إذ المشروع عند وقوع الفتن في الناس أن يفرّ العبد منهم خوفا على دينه، كما جاء في الحديث: «يوشك أن يكون خير مال أحدكم غنما يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن». قال ابن كثير: ففي هذه الحال تشرع العزلة عن الناس، ولا تشرع فيما عداها؛ لما يفوت بها من ترك الجماعات والجمع. فقصة أهل الكهف تخدم سياق السورة، والسياق الكلي للقرآن بشكل واضح، وأثناء الكلام عن تفسير القصة سنرى بعض الأمور المتعلقة بالسياق. ونلاحظ أنه بعد ذكر قصة أهل الكهف تأتي مجموعة أوامر ونواه، وتقريرات تبني على قصة أهل الكهف، وهي مرتبطة بمقدمة سورة الكهف، كما هي مرتبطة بمحور سورة الكهف من سورة البقرة. رأينا أن للآيات الأولى والأخيرة من سورة الكهف صلة بالعصمة من الدّجال الذي يعتبر الأستاذ الندوي أن قيم الحضارة الحالية تشبه القيم الدجالية، ومن ثمّ يتحدث عن هذه الحضارة ومرتكزاتها، وعن محلّ هذه الآيات في وصفها والعلاج منها، قال الأستاذ النّدوي: (مفتاح شخصية الدجّال الذي تفتح به أغلاقها، وتعرف به أعماقها، وتتميز به عن سائر دعاة الشر والإفساد، والكفر والإلحاد، هو لقب «الدجّال» الذي غلب عليه، فهو شعاره الذي يعرف به، والدجل والتدجيل، هو القطب الذي تدور حوله شخصيته، ودعواته، وأعماله، وتصرفاته. وقد اتسمت الحضارة المادية في العهد الأخير بالتدجيل في كل شئ، والتلبيس على

стр. 2992

الناس، وتسمية الأشياء بغير أسمائها، وتمويه الحقائق، وإطلاق الأسماء البراقة الخلابة للعقول على غير مسمياتها، وبكثرة الاختلاف بين الظاهر والباطن، والأول والآخر، والنظريات العلمية، والتجارب العملية، وهذا شأن الشعارات والفلسفات، التي حلت محل الأديان، وسحرت النفوس والعقول، والكلمات التي أحاطت بها هالات التقديس والتمجيد، وحل حبها، واحترامها في قرارة النفوس، وحبات القلوب، وأصبح الشك في قدسها، أو النقاش في كرامتها، ومكانتها علامة للرجعية وإنكارا للبداهة، والمشهود المحسوس، وقد التبس الأمر بذلك على كبار الأذكياء، ونوابغ العلماء، فأصبحوا يتغنون بهذه الشعارات والفلسفات، ويدعون إليها في إيمان وحماس، من غير تمحيص لنية أصحابها وإخلاصهم، أو شجاعة في تحديد نجاحها وإخفاقها في مجال العمل والتطبيق والمقارنة الصحيحة المحايدة، بين ما كسبته الإنسانية والأمم الضعيفة وبين ما خسرته من سلطان هذه الشعارات وتحت رايتها، من السعادة الحقيقية والحقوق الفطرية، وهذا كله من قوة التدجيل وسحره، وقد سرت هذه الروح «الدجلية المدلسة» في هذه الحضارة، لسيرها على خط معارض لخط النبوة: الإيمان بالآخرة، والإيمان بالغيب، والإيمان بفاطر الكون، وقدرته المطلقة، واحترام شريعته وتعاليمه، والاعتماد الزائد على الحواس الظاهرة والشغف الزائد، بما يعود على الإنسان باللذة البدنية والمنفعة العاجلة، والغلبة الظاهرة، وهي النقطة التي تدور حولها سورة الكهف، وما جاء فيها من قصص وعبر. وقد كان مع الأسف للمسيحية المحرّفة، وهي التي قادت الحضارة في أوربا بعد القرون الوسطى في العالم المتمدن، ولليهودية الثائرة الموتورة دور متشابه- رغم الخلاف الجذري في العقيدة- في توجيه المدنية إلى المادية الرعناء، المجردة من الروح وتعاليم الأنبياء، والتأثير في مصير الإنسانية على حد سواء، فقد بدأت الشعوب المسيحية التي تحررت من رق الكنيسة والبابوات، وضعفت صلتها- إذا لم نقل تقطعت كليّا- بالمسيحية السمحة، المؤسسة على التوحيد الخالص، فاتجهت اتجاها ماديا عنيفا، أصبح يهدد العالم، ومصير الإنسانية بالاكتشافات العلمية الحديثة، والمخترعات المدمرة المبيدة، وفقدان التوازن بين العلم والعاطفة والعقل والضمير، والصناعة والأخلاق. وقد ساهم اليهود في العهد الأخير- لأسباب يعود بعضها إلى خصائص النسل والدم، وبعضها إلى التعليم والتربية، وبعضها إلى الغايات السياسية، والمشاريع القومية- بأكبر قسط في العلم والفن، والاكتشافات والاختراع، وفي السيطرة على

стр. 2993

هذه الحضارة، وتملك زمامها، وتوجيهها في صالحهم، والتأثير في الأدب والتربية، والسياسة والفلسفة، والتجارة والصحافة، ووسائل التوعية والإعلام، حتى أصبحوا العنصر الفعال الرئيسي في قيادة الحضارة الغربية التي ظهرت في بيئة مسيحية، وفي حضانة شعوب آمنت بالمسيح، واحتضنت اسمه هذا العهد الطويل، ويبدو للناظر المتعمق في الحوادث الأخيرة، والمطّلع على مدى نفوذ اليهودية العالمية في المجتمع الغربي، أن هذه الحضارة وما تحوي عليه من علم وفن، ستبلغ نهايتها السلبية، وتصل إلى ذروتها في قوة التدمير، والهدم والإفساد، والتلبيس والتدجيل، على أيدي اليهود الذين مكّن لهم الغرب المسيحي- بغفلة منه وجهل بمراميهم البعيدة وطبيعتهم الحاقدة- كل تمكين، وأتاح لهم كل فرصة لم يكونوا يحلمون بها قبل قرون، وكانت في ذلك أكبر محنة للإنسانية، وأكبر خطر على العالم، فضلا عن العرب، الذين يكتوون بنارهم، فضلا عن المنطقة المحدودة التي يجري فيها هذا الصراع الحاسم. لذلك نرى أن لهذه السورة اتصالا وثيقا بالمسيحية واليهودية، فقد تعرّضت للعقيدة المسيحية في مفتتحها، وهكذا تبتدئ السورة الكريمة: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً* قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً* ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً* وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً* ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً. وقد كانت السمة البارزة الثانية للحضارة التي نشأت في حضانة المسيحيين، وشبّت وترعرعت تحت رعايتهم، الشغف الزائد بهذه الحياة المحدودة الفانية. والحرص على تمديدها وتزيينها، والمبالغة في إجلالها وتفخيم شأنها، والاتجاه إلى نفي كل ما وراءها، من مثل وقيم وخيرات ونعم، والاقتصار على التنافس في السيطرة على أسبابها وطاقاتها وذخائرها، وهي النقطة التي تلتقي عليها اليهودية معها- رغم ما بينهما من عداء وتناقض- فقد تجرّدت التوراة عن ذكر عالم الآخرة، والحياة الآخرة، والحث على الاستعداد لها، وصرف القوى والمواهب إلى نيل السعادة فيها، وإثارة الحنين والأشواق إلى نعمائها وطيباتها، والإشارة إلى قصر هذه الحياة الدنيا وتفاهتها، وذم حب العلو، والإفساد فيها، والتزهيد في زخارفها ومتاعها القليل، وحطامها الزائل، تجردت عن كل هذه المعاني تجردا يثير العجب، ولا يعقل عن الكتب السماوية المنزلة من الله،

стр. 2994

وروحها وطبيعتها، فلا عجب إذا كان تاريخ اليهود تاريخ التنافس على المادة والنهامة للثروة، والكفاح للسيادة (السلالة) والكبرياء القومي، وقد تجلّى ذلك بوضوح في كل ما نسب إليهم من كتب دينية مقدسة، أو صدر عن أقلامهم وقرائحهم من أدب وشعر، وقصص وملاحم، ونبوات وكهانات، أو أثر عنهم من بطولات ومغامرات وحروب وثورات، أو عرف عنهم من إبداعات واختراعات، أو عزي إليهم من أفكار وفلسفات، فإن أندر شئ في كل ذلك، هو الرقة والتواضع، وهضم النفس وإنكار الذات، والاستهانة بالحياة الدنيا، والشوق إلى لقاء الله، والحنين إلى الآخرة، والرحمة بالإنسانية على اختلاف طبقاتها، وأجناسها وأوطانها. ولذلك ثنى الله ﵎ الإنكار على عقيدة الشرك وعقيدة الابنية أو الوالدية التى تبنتها المسيحية، وتولت كبرها، والإنكار على عبادة هذه الحياة، واتخاذ دارها المحل والقرار، والانصراف إليها عن كل ما سواها، ونوه بقصر هذه الحياة، وتداعي هذا الأساس الذي تقوم عليه، فقال: إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا* وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً. وأعاد هذا الإنكار والتشنيع على عبّاد الحياة الدنيا ومنكري الآخرة، أو الغافلين عنها، في أواخر السورة فقال: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا* الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً. وهكذا أحاطت عقيدة الآخرة، وعقيدة الإيمان بالغيب، والإيمان بفاطر هذا الكون، وقدرته المطلقة المسيطرة على كل شئ، بأول هذه السورة وآخرها، وبجميع جوانبها، وهي عقيدة نفسية، وعقلية، وطبيعية، تأباها المادية التي لا تعتمد إلا على الحس والمشاهدة والتجربة، والمنفعة العاجلة، واللذة البدنية، والسيادة القومية أو العنصرية، وتتنصل عنها وتحاربها بكل قوة ووسيلة، فجاءت هذه السورة تشتمل على مادة تستأصل جذور المادية التي قدر الله أن يكون المسيحيون أكبر مربيها ودعاتها، والمشرفين عليها، في رحلة التاريخ الطويلة، ثم يتولى قيادتها اليهود الذين حاربوا المسيح منذ أول عهده، ونافسوا المسيحية في جميع عهودها، وعلى أيديهم تبلغ هذه المادية ذروتها الأخيرة، وفي بقاياهم المشتتين ولأمثالهم يظهر الدجّال الذي يكون أعظم بطل من أبطال الكفر والإلحاد، والتدجيل والتلبيس، وقد أخبر رسول الله ﷺ بأن تلاوة هذه السورة، والمحافظة على أوائلها- أو خواتيمها- تعصم من فتنته، وهكذا كانت بين بداية هذه السورة ونهايتها مناسبة لطيفة لا تخفى على الناظر المتأمل، ولمجموع

стр. 2995

السورة صلة وثيقة، وعميقة بفتنة الدجّال الذي يظهر في وقته).

стр. 2996

المقطع الأول ويمتدّ من الآية (٩) إلى نهاية الآية (٣١) وهذا هو: ١٨/ ٣١ - ٩

стр. 2997

بين يدي قصة أصحاب الكهف: [خلاصة ما نقل عن الكتابيين حول القصة] نقل المفسرون عن الكتابيين الكثير في قصة أهل الكهف، وقد أراد الأستاد الندوي أن يختصر الطريق فينقل عن كتب أهل الكتاب مباشرة، فنقل ما ذكرته دائرة المعارف للأخلاق والديانات ما خلاصته: (إن قصة النائمين السبعة من أكثر القصص التي تروى عن القديسين متعة عقلية، واشتهارا بالآفاق، إن عناصر القصة التي تشترك فيها أقدم الكتب كما يلي: أن الإمبراطور «ديسيس (Decius) «يدخل في المدينة اليونانية القديمة «أفيسيس»: (وتحديدها الجغرافي .. جاء في دائرة المعارف للبستاني، أنها إحدى المدن الأيونية الاثنتي عشرة من الأناضول، وموقعها على الجانب الجنوبي من نهر

стр. 2998

قسيطرة، وهي على مسافة ٦٠ كيلومترا من إزمير، جعلها الرومانيون قاعدة لولاية آسيا الغربية في البر، وقنصلية، ومحطا لتجارة متسعة زاهرة جدا، ولكن أعظم فخر لها هو هيكل ديانا- المعبودة اليونانية- العظيم الذي يعد من عجائب الدنيا السبع، وكان أكبر الهياكل اليونانية. وذكر بليكي Blackie في كتابه A manual of Biblic History أن مدينة أفيسيس Ephesus اشتهرت في التاريخ القديم بفلسفتها وخلاعة أهلها، واستهتارهم، وأصبحت مضرب المثل في الفجور والخلاعة، وكانت وثنيتها مزيجا من الوثنية الغربية والشرقية). ويجدد أي الإمبراطور ديسيس فيها تقليد عبادة الأوثان، ويأمر أهل المدينة والمسيحيين بصفة خاصة بتقديم الذبائح والقرابين لها، وأقلع عدد من المسيحيين عن عقيدتهم النصرانية، وبقي عدد منهم متمسكين بديانتهم، متحملين لاضطهاد رجال الحكومة، وتعذيبهم. وهنا يقدم إلى الإمبراطور سبعة من الشباب (وتقول بعض الروايات أنهم كانوا ثمانية) وكانوا مقيمين في السراي وقد اختلف في أسمائهم، وقد اتهموا باعتناق النصرانية سرا، وهم يرفضون تقديم القرابين إلى الأوثان، ويمهلهم الإمبراطور لمدة طمعا في أن يرجعوا إلى صوابهم، ويتوبوا عن النصرانية، ويخرج من المدينة. وفي خلال هذه المدة يغادر هؤلاء الشباب المدينة ويأوون إلى كهف في جبل قريب كان يسمى ب Anchilus ويخرج أحدهم اسمه Diomedes أو Imblicus متنكرا وفي ثياب متوسخة رقيعة إلى البلد، ليتعرف الأخبار ويشتري الطعام ولا يمضي على ذلك كثيرا حتى يرجع ديسيس المدينة، ويأمر بأن يقدم إليه الشباب، ويخبر Diomedes زملاءه بهذا الأمر السلطاني، فيتناولون الطعام، وقد استولى عليهم الحزن والقلق، ثم يستغرقون في نوم عميق طويل يسلّطه الله عليهم، ولما لم يهتد الإمبراطور إلى هؤلاء الشباب، طلب آباءهم فأبدوا براءتهم عن هذا التهرب، وأن تكون لهم يد في هذه المؤامرة، وأخبروه بأنهم متسترون في جبل Anchilus وهنا يأمر الإمبراطور بأن يسد مدخل هذا الكهف بحجارة كبيرة، فيموتوا هناك حتف أنوفهم، ويبقوا موءودين في هذه المغارة، ويكتب مسيحيان، أحدهما Theodor والآخر Rufinus قصة هؤلاء الشهداء الشباب على لوحة من معدن ويدفنها تحت الحجارة التي سد بها الغار. وبعد أن مضى عليهم ثلاث مائة وسبع سنوات فكان عهد الإمبراطور ثيودوسيس الثاني Theodosius تقوم ثورة يقودها بعض المسيحيين، وتنكر جماعة منهم على رأسهم القس تيودر Theodore عقيدة بعث الأموات، وإمكان حشر الأجساد، فيفزع ذلك

стр. 2999

الإمبراطور المسيحي ويشغل باله، وهنا يلهم الله ملّاكا اسمه Adolius أن يبني زربية لغنمه في الميدان الذي يقع فيه هذا الكهف ويستخدم البناءون لبناء هذه الزريبة الحجارة التي سد بها هذا الغار، وهكذا ينكشف هذا الكهف، ويوقظ الله هؤلاء الشباب في هذه الساعة، فيخطر ببالهم أنهم ناموا ليلة، ويتواصون بأن يموتوا شهداء على يد «ديسيس» إذا ألجأتهم الضرورة، ويذهب أحدهم وهو Diomedes إلى المدينة كالعادة، ويقف حائرا أمام الصليب المنقوش على تاج المدينة، حتى يضطر إلى أن يسأل أحد السابلة، هل هي مدينة أفيسيس حقا؟ ويصبح تواقا إلى إخباره زملائه بهذا الانقلاب العظيم، ولكنه يملك عاطفته ويشتري الطعام، ويقدم في ثمنه النقود التي كان يحملها، وهي العملة التي كان يتعاطاها الناس في عهد ديسيس، ويعتقد صاحب الدكان وأهل السوق أن الشاب قد عثر على ركاز قديم، ويريدون أن يكون لهم نصيب فيه، ويهددون الشاب ويخوفونه ويقودونه من بين وسط المدينة وأسواقها ويتآلب عليه الناس، ويبحث الشاب في هذا الجمع الحاشد عن رجل يعرفه، فلا يجده، ويستخبره الأسقف حاكم البلد عن شأنه، فيخبره بالقصة بطولها، ويدعوهم إلى أن يرافقوه إلى الكهف، ويزوروا زملاءه الآخرين، فيرتقون قمة الجبل، وهناك يجدون لوحتين رصاصيتين تصدقان قصة الشاب. فيدخلون الكهف ويجدون زملاءه أحياء يغشى وجوههم النور والسكينة، وينمى الخبر إلى الإمبراطورا Theodosies فيزور الكهف وهنا يقول له Maximilian أو Achillides أو شاب آخر، إن الله قد سلط عليهم النوم ليبرهن على الحشر والنشر، ثم أيقظهم قبل أن تقوم القيامة، وبعد ذلك مات الشباب موتهم الأخير، وقد بني هيكل رومي في تذكارهم. أما مكانة هذه القصة التاريخية، فلا يشك كبار المؤرخين والناقدين .. في صحتها وإمكان وقوعها لشهرتها واستفاضتها في العالم المسيحي، وتناقل الأجيال والكتب لها، يقول «جبون» الذي يجنح دائما إلى تزييف مثل هذه الأخبار الغريبة: (إن هذه القصة الغريبة لا يمكن أن تحمل على مجرد خرافة الإغريق ومغالاتهم الدينية فقد اتصلت الروايات الموثوق بها وتسلسلت إلى خمسين سنة بعد وقوع هذه المعجزة وقد خصص قس سوري ولد بعد الإمبراطور ثيودوسيس الأصغر بسنتين اسمه James Of Sarus رواية من رواياته التي يبلغ عددها مائتين وثلاثين لمدح شبان أفيسيس (أصحاب الكهف) وقبل أن ينقضي القرن السادس المسيحي نقلت قصة أصحاب

стр. 3000

الكهف هذه من اللغة السورية إلى اللغة اللاتينية بعناية غريغو. Gregory of Tours وقد حفظت ذكرى أصحاب الكهف في اجتماعات العشاء الرباني في الشرق المسيحي بإجلال واحترام، ودونت أسماؤهم باحترام بالغ في الأعياد الرومية والتقويم الروسي، ولم تنحصر شهرتهم في العالم المسيحي فحسب.). تعليقات على هذه الرواية: [حول ما نقل عن الكتابيين حول قصة أصحاب الكهف] ١ - هذه الرواية تذكر أن ما بين سنة الهروب وسنة الاستيقاظ (٣٠٧) سنوات وسترى أن المؤرخين الذين كتبوا في هذا الموضوع مختلفون اختلافا كثيرا في سنة الاستيقاظ، ولذلك فإن الجزم في هذه الرواية ساقط تاريخيا، وجاء القرآن مصححا للخطإ في الزمن. ٢ - هذه الرواية تذكر في الوقت نفسه أن الهروب كان في عصر ديسيس، بينما لم يكن بين عصر ديسيس وسنة الإيقاظ إلا حوالي مائتي سنة، مما يدل على خطأ في الرواية وفي تحديد العصر. ٣ - نحن نحتمل أن تكون هذه القصة وقعت فعلا لأتباع المسيح الصادقين، ولكن نحتمل كذلك أن تكون القصة قد وقعت في زمن أسبق من ذلك. ٤ - هناك من ذهب إلى أن أحداث قصة أهل الكهف قد وقعت في غير المكان الذي حددته هذه الرواية التي نقلها الأستاذ النّدوي، وإنما نقلنا ما نقلنا هنا للاستئناس فقط، وفي كتاب (لله) ما يكفينا ويغنينا لأخذ العبرة، ومن شاء التوسع في هذا الموضوع فليراجع كتاب (أهل الكهف) لمحمد تيسير ظبيان الذى نقل نقولا كثيرة، واستقر على أن كهف أهل الكهف هو المكان الذي اكتشفه هو قريبا من عمّان في الأردن. التفسير: أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً جاء هذا بعد أن ذكر الله من الآيات تزيين الأرض بما خلق فوقها من الأجناس التي لا حصر لها، ثم إزالة ذلك كله كأن لم يكن، فكأنه يقول: إنّ ذلك أعظم من قصة أصحاب الكهف، وإبقاء حياتهم مدة طويلة، ومن ثم فلا تتعجب منها ولا تستغربها. قال ابن كثير في الآية: أي ليس أمرهم عجبا في قدرتنا وسلطاننا؛ فإن خلق السموات والأرض، واختلاف الليل والنهار، وتسخير الشمس والقمر والكواكب، وغير ذلك

стр. 3001

من الآيات العظيمة، الدالة على قدرة الله تعالى، وأنّه على ما يشاء قادر، ولا يعجزه شئ، أعجب من أخبار أصحاب الكهف. والكهف: هو الغار الواسع في الجبل، وهو الذي لجأ إليه هؤلاء الفتية المذكورون، وأما الرقيم: فيحتمل أنه اسم القرية، أو اسم الوادي، أو اسم كتاب كتب في شأنهم ووضع على باب غارهم، أو اسم الجبل الذي فيه الكهف، أو اسم كتاب كان معهم. قال سعيد بن جبير: الرقيم لوح من حجارة كتبوا فيه قصص أصحاب الكهف، ثم وضعوه على باب الكهف، واختلفت الروايات عن ابن عباس فيه، ومن الروايات عنه: أنه واد قريب من أيلة (من فلسطين). ويحتمل أن الوادي أخذ اسمه من اللوح الذي تحدث عنه سعيد بن جبير. قال ابن كثير: «ولم يخبرنا (أي الله) بمكان هذا الكهف في أيّ البلاد من الأرض، إذ لا فائدة لنا فيه ولا قصد شرعي، وقد تكلف بعض المفسرين فذكروا فيه أقوالا، فتقدم عن ابن عباس أنه قال هو قريب من أيلة. وقال ابن إسحاق هو عند نينوى. وقيل ببلاد الروم، وقيل ببلاد البلقاء أي في الأردن، والله أعلم بأيّ بلاد الله هو، ولو كان فيه مصلحة دينية لأرشدنا الله تعالى ورسوله إليه. فقد قال ﷺ : «ما تركت شيئا يقربكم إلى الجنة ويباعدكم من النار إلا وقد أعلمتكم به». فأعلمنا تعالى بصفته ولم يعلمنا بمكانه. إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ. فرارا بدينهم من قومهم لئلا يفتنوهم، فهربوا منهم، فلجأوا إلى غار في جبل ليختفوا عن قومهم فَقالُوا حين دخلوا سائلين من الله تعالى رحمته ولطفه بهم رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً أي هب لنا من خزائن رحمتك رحمة ترحمنا بها، وتسترنا عن قومنا وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً. أي وقدّر لنا من أمرنا هذا رشدا أي اجعل عاقبتنا رشدا، أي وهيئ لنا من أمرنا الذي نحن عليه من مفارقة الكفار رشدا حتى نكون بسببه راشدين مهتدين، أو اجعل أمرنا رشدا كله، أو يسر لنا طريق رضاك فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً أي سنين ذوات عدد. قال الزّجّاج: أي تعد عددا لكثرتها، لأن القليل يعلم مقداره من غير عدد، فإذا كثر عدّ فأما (دراهم معدودة) (التي وردت في قصة يوسف) فهي على القلة؛ لأنهم كانوا يعدّون القليل ويزنون الكثير. والمعنى: ألقينا عليهم النوم حين دخلوا إلى الكهف فناموا سنين كثيرة. ومعنى فضربنا على آذانهم: أي ضربنا عليها حجابا من النوم يعني: أنمناهم إنامة ثقيلة لا تنبههم فيها الأصوات ثُمَّ بَعَثْناهُمْ أي أيقظناهم من رقدتهم تلك لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أي المختلفين في مدة لبثهم، إما منهم ساعة الاستيقاظ، أو من غيرهم أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً. أي عددا أو غاية،

стр. 3002

وقد جعل النسفي كلمة أَحْصى فعلا ماضيا، وردّ بشدة أن تكون أفعل تفضيل. قال والمعنى: أيهم ضبط أمدا لأوقات لبثهم، وأحاط بأمد لبثهم. وقال: وإنما قال لنعلم مع أنه تعالى لم يزل عالما بذلك، لأن المراد ما تعلق به العلم من ظهور الأمر لهم، ليزدادوا إيمانا واعتبارا، وليكون لطفا لمؤمني زمانهم، وآية بيّنة لكفاره، أو المراد لنعلم اختلافهما موجودا كما علمناه قبل وجوده. وبهذه الآيات الأربعة ذكر الله لنا قصة أصحاب الكهف على سبيل الإجمال والاختصار. ثم بعد هذا الإجمال والاختصار يأتي بسط القصة. فوائد: ١ - [حديث بمناسبة آية إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ .. ] بمناسبة قوله تعالى: إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ذكر ابن كثير الحديث الشريف «إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فناظر ماذا تعملون. فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء». ٢ - [حديثان بمناسبة دعاء أهل الكهف وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً] وبمناسبة ذكر دعاء أهل الكهف وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً قال ابن كثير: كما جاء في الحديث الشريف: «وما قضيت لنا من قضاء فاجعل عاقبته رشدا». وفي المسند من حديث بسر بن أرطاة عن رسول الله ﷺ أنه كان يدعو: «اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة». ٣ - [حول أدب الفتوة وما يؤخذ من معنى كلمة (الفتية) في قصة أهل الكهف] يلاحظ أن الله ذكر كلمة (الفتية) في هذه القصة أكثر من مرة بما يشعرنا بالثناء، ومن هنا نشأ في التاريخ الإسلامي أدب الفتوة. فتجد مثلا في الرسالة القشيرية بابا خاصا في الفتوة وآدابها. وقد ذكر النسفي تعريفين للفتوة هما تلخيص لأدب الفتوة في تاريخنا: الأول: الفتوة بذل الندى وكف الأذى، وترك الشكوى، واجتناب المحارم، واستعمال المكارم. والثاني: الفتى من لا يدّعي قبل الفعل، ولا يزكّي نفسه بعد الفعل. ٤ - [قصة أهل الكهف نموذج لطلاب الآخرة وصلة ما في القصة من معان بمحور السورة] إن قصة أهل الكهف نموذج لطلاب الآخرة العازفين عن زينة الحياة الدنيا، ونموذج للدخول في الإسلام كله في أيام الفتنة. ولقد رأينا كيف أن أهل الكهف اعتزلوا وأووا إلى الكهف داعين الله هذا الدعاء الذي قصّه الله علينا، وهو دعاء الفارين بدينهم من الفتن. ولنعد إلى سياق القصة، فبعد الإجمال الذي رأيناه يبدأ التفصيل، وقبل أن نبدأ

стр. 3003

العرض نحب أن نذكر أن هناك خلافا بين المفسرين حول التاريخ الذي وجد فيه أهل الكهف. قال ابن كثير: وقد ذكر أنهم كانوا على دين المسيح عيسى بن مريم، فالله أعلم، والظاهر أنهم كانوا قبل ملة النصرانية بالكلية. فإنهم لو كانوا على دين النصرانية لما اعتنى أحبار اليهود بحفظ خبرهم وأمرهم؛ لمباينتهم لهم، وقد تقدم عن ابن عباس أن قريشا بعثوا إلى أحبار اليهود بالمدينة، يطلبون منهم أشياء يمتحنون بها رسول الله ﷺ . فبعثوا إليهم أن يسألوه عن خبر هؤلاء، وعن خبر ذي القرنين، وعن الروح. فدلّ هذا على أن هذا أمر محفوظ في كتب أهل الكتاب، وأنه متقدم على دين النصرانية. والله أعلم. أقول: لقد رأينا ما يمكن أن يقال على رواية ابن إسحاق التي لا تعتبر حجة قاطعة في هذا المقام: إن قصة أهل الكهف مشهورة عالميا، وليس من السهل تحديد الزمان والمكان اللذين كانوا فيه، وكل ما يقال في هذه الأشياء لا يمكن اعتباره نهائيا. فالقرآن لم يفصّل، والسنّة لم تفصّل، وغير ذلك لا تقوم به الحجة. وابن كثير يقرّر هذا المعنى في أكثر من مكان وأنا لا أستبعد أن تكون قصة أصحاب الكهف سابقة على عهد المسيح ﵇، ولكن النّصارى أخذوها ونسبوها إلى أنفسهم، فليس هناك من شئ قطعي في هذا الشأن إلا روايات، الله أعلم بصدقها، والاحتمالان واردان. نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ أي بالصدق إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ أي شباب آمَنُوا بِرَبِّهِمْ أي اعترفوا له بالوحدانية، وشهدوا أنه لا إله إلا هو وَزِدْناهُمْ هُدىً أي يقينا. أخبرنا الله في بداية القصة أنهم شباب، والشباب أقبل للحق وأهدى للسبيل من الشيوخ الذين قد عتوا وانغمسوا في الدين الباطل، ولهذا كان أكثر المستجيبين لله تعالى ولرسوله ﷺ شبابا، وأما المشايخ من قريش فعامتهم بقوا على دينهم، ولم يسلم منهم إلا القليل. وفي هذا درس للدعاة وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أي وقويناها بالصبر على هجران الأوطان، والفرار بالدين إلى بعض الغيران، وجسّرناهم على القيام بكلمة الحق والتظاهر بالإسلام إِذْ قامُوا هل المراد به قيامهم في موقف أمام ملكهم معلنين، أو مجرد قولهم هذا يعتبر قياما؟ يحتمل هذا وهذا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً أي لا يقع منا أن نسمي غيره ربا وإلها أبدا لَقَدْ قُلْنا إِذاً إن سميناهم آلهة وأربابا شَطَطاً أي باطلا وبهتانا، أو قولا ذا شطط: وهو الانخراط في الظلم والإبعاد فيه، دلّت الآيتان على أن الإنسان إذا صدق في الطلب في بدايته أعطاه الله الهداية وربط على قلبه. وفي هذا درس لكل من يريد الدخول في الإسلام، أن عليه أن يصدق مع الله في الدخول، وهذا من جملة الدروس التي نفهم

стр. 3004

منها صلة القصة بمحور السورة من البقرة هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً هذا إخبار بمعنى الإنكار لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ أي بحجة ظاهرة على عبادتهم وتسميتهم آلهة، وهو كلام يراد به التبكيت، لأن الإتيان بالسلطان على عبادة الأوثان محال. والمعنى الحرفي: هلا أقاموا على صحة ما ذهبوا إليه دليلا واضحا صحيحا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً بنسبة الشريك إليه، أي هم أظلم الناس في قولهم ذلك المفترى المكذوب، وفي ذلك درس أن الإسلام لله ينبغي أن يرافقه كفر بالطاغوت وأهله، ومعرفة لضلاله وضلال أهله، وهذا كذلك من جملة الدروس التي تربط بين القصة ومحور سورة الكهف من سورة البقرة. ثم خاطب بعضهم بعضا حين صحت عزيمتهم على الفرار بدينهم فقالوا: وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ أي وإذ فارقتم قومكم، وخالفتموهم في عبادتهم غير الله، أي وإذ اعتزلتموهم واعتزلتم معبوديهم إلا الله، دلّ على أن قومهم كانوا يعرفون الله ولكنهم يشركون معه آلهة أخرى فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ أي صيروا إليه أو اجعلوا الكهف مأواكم، لتفارقوهم بأبدانكم كما فارقتموهم في عبادتكم، دل ذلك على أن مفارقة الكفر وأهله بالبدن مهم، كمفارقتهم بالروح والقلب يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ أي يبسط عليكم رحمة يستركم بها من قومكم، أو يبسط لكم من رزقه وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ الذي أنتم فيه مِرْفَقاً أي أمرا ترتفقون به أي تنتفعون به، وإنما قالوا ذلك ثقة بفضل الله، وقوة في رجائهم لتوكلهم عليه، ونصوع يقينهم، وقد دلّ هذا على أنّ الله أكرمهم لصدقهم بكمال معرفته، فأصبحوا عارفين به حالا ومقالا وسلوكا، ومن كمال معرفتهم أنهم عرفوا أن اعتزال قومهم بالكهف سيقابله عطاء من الله لهم وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ أي تميل عنه ولا يقع شعاعها عليهم، ومعنى ذات اليمين أي جهة اليمين والمعنى: أن الفيء يتقلص يمنة وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ أي تدخل إلى غارهم من شمال بابه، ومعنى تقرضهم: أي تقطعهم أي تتركهم وتعدل عنهم وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ أي في متسع من الكهف داخلا بحيث لا تصيبهم. والمعنى هم في ظل نهارهم كله، لا تصيبهم الشمس في طلوعها ولا غروبها، مع كون الغار في غاية الصحة لكونه معرضا للشمس والتهوية، فكانوا بحيث لا يحسّون كرب الغار، وينالهم فيه روح الهواء وبرد النسيم. وقد استدل ابن كثير بهذا الوصف على أن باب هذا الكهف كان من ناحية الشمال. قال: وهذا بيّن لمن تأمله وكان له علم بمعرفة الهيئة، وسير الشمس والقمر

стр. 3005

والكواكب، وبيانه أنه لو كان باب الغار من ناحية الشرق لما دخل إليه منها شئ عند الغروب، ولو كان من ناحية القبلة (أي الجنوب في بلد ابن كثير: دمشق) لما دخل منها شئ عند الطلوع، ولا عند الغروب، ولا يزاور الفئ يمينا ولا شمالا، ولو كان من جهة الغرب لما دخلته وقت الطلوع بل بعد الزوال، ولم تزل فيه إلى الغروب فتعيّن ما ذكرناه» أي أن باب الكهف من جهة الشمال وهو موضوع يحتاج إلى تحقيق ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ قال ابن كثير: حيث أرشدهم إلى هذا الغار الذي جعلهم فيه أحياء، والشمس والريح تدخل عليهم فيه لتبقى أبدانهم مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً أي هو الذي أرشد هؤلاء الفتية إلى الهداية من بين قومهم، فإنّه من هداه الله اهتدى، ومن أضله فلا هادي له، وهو ثناء عليهم بأنهم جاهدوا في الله، وأسلموا له وجوههم؛ فأرشدهم إلى نيل تلك الكرامة السنية، والآية دلت على أن أعظم الهداة هم الأولياء المرشدون. فقد قال الله تعالى: وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً بيّن أن هؤلاء هم الغاية في الهداية فمن أراد الله إضلاله فإنه لا يهديه أحد حتى ولو كان وليا مرشدا، نسأله تعالى أن يجعلنا من الأولياء المرشدين وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً أي مستيقظين وَهُمْ رُقُودٌ أي والحال أنهم نائمون وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ وحكمة ذلك معروفة في الطب الحديث، إذ يقول العلم الحديث الآن: إن الإنسان إذا بقي شهورا على حالة واحدة مات لما يتكاثف في الجانب الذي يلي الأرض من أملاح وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ أي بالفناء: وهو الباب. قال ابن جريج: يحرس عليهم الباب، وهذا من سجيته وطبيعته، حيث يربض ببابهم كأنه يحرسهم، وكان جلوسه خارج الباب، لأن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب كما ورد في الصحيح ولا صورة، ولا جنب ولا كافر كما ورد به الحديث الحسن. قال ابن كثير: وشملت كلبهم بركتهم فأصابه ما أصابهم من النوم على تلك الحال، وهذه فائدة صحبة الأخيار فإنه صار لهذا الكلب ذكر وخبر وشأن. وفي هذا المقام يذكر بعض المفسرين اسمه ولونه، قال ابن كثير: (واختلفوا في لونه على أقوال، لا حاصل لها، ولا طائل تحتها، ولا دليل عليها، ولا حاجة إليها، بل هي مما ينهى عنه، فإن مستندها رجم بالغيب). لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ أي لو أشرفت عليهم فنظرت إليهم لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً أي لأعرضت عنهم وهربت منهم وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً أي خوفا. قال ابن كثير: أي أنه تعالى ألقى عليهم المهابة بحيث لا يقع نظر أحد عليهم إلا هابهم؛ لما ألبسوا من المهابة والذعر، لئلا يدنو منهم أحد، ولا تمسهم يد لامس،

стр. 3006

حتى يبلغ الكتاب أجله، وتنقضي رقدتهم التي شاء ﵎ فيهم، لما له في ذلك من الحكمة، والحجة البالغة، والرحمة الواسعة. ... وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ أي وكما أنمناهم تلك النومة، كذلك أيقظناهم إظهارا للقدرة على الإنامة والبعث جميعا لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهُمْ أي ليسأل بعضهم بعضا، ويتعرّفوا حالهم وما صنع الله بهم؛ فيعتبروا ويستدلّوا على عظم قدرة الله، ويزدادوا يقينا، ويشكروا ما أنعم الله به عليهم قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ أي كم مدة لبثكم أي كم رقدتم؟ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ جواب مبني على غالب الظن، وفيه دليل على جواز الاجتهاد والقول بالظن الغالب، فكأن دخولهم كان إلى الكهف في أول نهار، واستيقاظهم كان في آخر نهار، ومن ثم استدركوا بعد قولهم يوما فقالوا: أو بعض يوم قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ وكأنه حصل لهم نوع تردد في كثرة نومهم، أو كأنهم علموا بالأدلة، أو بالإلهام، أو بزيادة حدثت لأظفارهم وأشعارهم على طول المكث، ثم عدلوا إلى الأهم في أمرهم إذ ذاك وهو احتياجهم إلى الطعام والشراب فقالوا: فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ أي فضتكم هذه، كأنهم قالوا: ربكم أعلم بذلك لا طريق لكم إلى علمه فخذوا في شئ آخر مما يهمكم، فابعثوا أحدكم بفضّتكم هذه إِلَى الْمَدِينَةِ أي مدينتكم التي خرجتم منها: دلّ ذلك على أنهم استصحبوا معهم دراهم من منازلهم لحاجتهم إليها قال النسفي: وحملهم الورق عند فرارهم دليل على أن حمل النفقة وما يصلح للمسافر هو رأي المتوكلين على الله، دون المتكلين على الإنفاقات، وعلى ما في أوعية القوم من النفقات فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً أي أيّ أهلها أحل وأطيب طعاما، أو أكثر وأرخص فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ أي وليتكلف اللطف فيما يباشره من أمر المبايعة، حتى لا يغبن، أو في أمر التخفي حتى لا يعرف. والثاني أقوى أي وليتكلف اللطف في خروجه وذهابه وشرائه وإيابه، أي وليختف أقصى ما يقدر عليه وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أي ولا يعلمنّ بكم أَحَداً دلّتنا هذه الوصية على أدب هذا المقام، فغير هذا تهور وتعريض الفئة المسلمة لخطر الاستئصال، وقولهم: ولا يشعرن بكم أحدا. معناه: ولا يفعلن ما يؤدي إلى الشعور من غير قصد منه. أي لا يتسبب بالشعور بنا، ثم عللوا سبب الوصية إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ أي إن علموا بمكانكم واطلعوا عليه يحيطون بكم غالبين يَرْجُمُوكُمْ أي

стр. 3007

يقتلوكم أخبث أنواع القتل بالرجم بالحجارة، يتهموكم ثمّ يقتلوكم أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ بالإكراه وتسليط أنواع العذاب عليكم وَلَنْ تُفْلِحُوا إن عدتم في دينهم إِذاً أَبَداً لا في الدنيا ولا في الآخرة، بينت الآية أن طريقة قومهم في معاملة المسلمين، التعذيب حتى الموت، أو الإكراه على ترك الإسلام. فائدة: من المناقشة التي جرت بينهم عند استيقاظهم استدل ابن عباس- كما نقل النسفي- على أن الصحيح أن عددهم سبعة لأنه قد قال في الآية قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ وهذا واحد، وقالوا في جوابه قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ وهو جمع وأقله ثلاثة، ثم قال: قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ وهذا قول جمع آخرين فصاروا سبعة. قال: واحد. (قالوا الأولى) تدل على ثلاثة. (قالوا الثانية) تدل على ثلاثة المجموع سبعة، وسنرى أن ابن كثير يرجح أنهم سبعة استدلالا بآية لاحقة، وينقل عن ابن عباس أنهم سبعة دون الإشارة إلى الاستدلال الذي نقله النسفي. ولعل العاملين في حقل الدعوة الإسلامية في ساعات الشدة يستفيدون من ذكر هذا الرقم. وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ أي وكما أنمناهم وبعثناهم لما في ذلك من الحكمة أطلعنا عليهم الناس لِيَعْلَمُوا أي الناس في زمانهم مشاهدة، والناس بعدهم من خلال أخبارهم أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ وهو البعث حَقٌّ أي كائن لأن حالهم في نومهم الطويل وانتباههم بعدها كحال من يموت ثم يبعث وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها أي ويستدلون بأمرهم على صحة البعث إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ أي أعثرنا عليهم حين يتنازع أهل ذلك الزمان بينهم أمر دينهم، ويختلفون في حقيقة البعث، هل هو كائن أو لا؟ بالجسد والروح، أو بالروح فقط؟ ليرتفع الخلاف، وليتبين أن الأجساد تبعث حية حساسة، فيها أرواحها كما كانت قبل الموت فَقالُوا أي الناس حين توفى الله أصحاب الكهف ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً أي سدّوا عليهم باب كهفهم، وذروهم على حالهم، فالمعنى: ابنوا على باب كهفهم بنيانا لئلا يتطرّق إليهم الناس؛ ضنا بتربتهم ومحافظة عليها رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ هذا إما من كلام المتنازعين، كأنهم تذاكروا أمرهم وحقيقة حالهم من بدايتهم إلى نهايتهم ومآلهم، ثم تركوا علم حقيقة ذلك إلى الله، أو أنه من كلام الله ليبين لنا أن هذا المقام لا يعلمه إلا هو قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ أي أصحاب الكلمة والنفوذ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً أي يصلي فيه

стр. 3008

المسلمون، ويتبركون بمكانتهم، قال ابن كثير: ولكن هل هم محمودون أم لا؟ فيه نظر لأن النبي ﷺ قال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد». أقول: يحتمل أن يكون المسجد على باب الكهف وفي هذه الحال لا يكون البناء محظورا أصلا، كما حدث لقبر رسولنا ﵊. فائدة: يلاحظ أنه في العصور التي كثر فيها الجهل صار كثير من المسلمين في كثير من البلدان يطلقون على أمكنة بأنها كهف أهل الكهف، والذي يبدو أن مثل هذا الاتجاه كان قديما، ومن ثم سارع ابن عباس إلى إنكاره لحظة وجوده. نقل ابن كثير عن قتادة: قال قتادة: غزا ابن عباس مع حبيب بن مسلمة، فمروا بكهف في بلاد الروم، فرأوا فيه عظاما فقال قائل: هذه عظام أهل الكهف، فقال ابن عباس: (لقد بليت عظامهم من أكثر من ثلاثمائة سنة) رواه ابن جرير. أقول: في كلمة ابن عباس ردّ على ما يمكن أن يتوهّم أن أجسادهم لم يصبها البلى بعد وفاتهم. سَيَقُولُونَ أي الناس ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ أي قولا بلا علم، كمن يرمي إلى مكان لا يعرفه، فإنه لا يكاد يصيب، وإن أصاب فبلا قصد، أي رميا بالخبر الخفي المغيّب، وإتيانا به بلا علم وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ الظاهر أن هذه مجموع الأقوال التي ذكرت في شأنهم. حكى ثلاثة أقوال فدل أنه لا قائل برابع، ولما ضعّف القولين الأولين، ثم حكى القول الثالث، وسكت عليه أو قرّره، فإنه أشار بذلك إلى صحته، وأنه هو الواقع في نفس الأمر قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ هذا إرشاد إلى أن الأحسن في مثل هذا المقام ردّ العلم إلى الله تعالى؛ إذ لا احتياج إلى الخوض في مثل ذلك بلا علم، فإذا أطلعنا على أمر قلنا به، وإلا وقفنا، وهو أدب إسلامي عام في كل قضية من القضايا التي لا يكون المسلم على علم تام بها ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ أي من الناس. قال ابن عباس: أنا من القليل: كانوا سبعة، وقد ساق ابن كثير مجموعة روايات إلى ابن عباس في أنه كان يقول إن عدتهم سبعة. ثم قال: فهذه أسانيد صحيحة إلى ابن عباس أنهم كانوا سبعة، وهو موافق لما قدمناه، وبعد أن أثبت صحة هذه الروايات عنه، رد الرواية التي ذكرها

стр. 3009

ابن إسحاق عن ابن عباس في ذكر أنهم ثمانية، وتسمية كل واحد منهم، وتسمية كلبهم ثم قال: وفي تسميتهم بهذه الأسماء واسم كلبهم نظر في صحته، والله أعلم، فإن غالب ذلك متلقى من أهل الكتاب وقد قال تعالى: فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً أي فلا تجادل أهل الكتاب وغيرهم في شأن أهل الكهف، إلا جدالا ظاهرا غير متعمّق فيه، أو جدالا سهلا لينا، فإن الأمر في معرفة ذلك لا يترتب عليه كبير فائدة. وهكذا شأن المسلم في كل أمر من هذا القبيل، لا يجادل فيه إلا ضمن حدود وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً أي ولا تسأل أحدا من أهل الكتاب، ولا من غيرهم عن قصتهم سؤال متعنت له، حتى يقول شيئا فتردّه عليه، وتزيّف ما عنده، ولا سؤال مسترشد، لأن الله تعالى قد أرشدك بأن أوحى إليك قصتهم، وهذا أدب المسلم ألا يستفتي في أمر دينه أحدا من خلق الله غير أهل العلم من المسلمين. وقبل أن تنتهي القصة يصدر الله توجيها سببه سهو وقع لرسول الله ﷺ عند ما سئل عن هذه القصة، على حسب رواية ابن إسحاق التي عرفنا شأنها، وبعد التوجيه يعود الكلام إلى سيرة أهل الكهف، ثم يصدر الله مجموعة أوامر لرسوله ﷺ ، ثم يقرر تقريرا، وكأن هذا يفيد أن الأوامر الآتية بعد القصة مرتبطة ارتباطا تاما مع القصة، فأثناء القصة يأتي توجيه، وبعد القصة تأتي توجيهات مرتبطة بالقصة، فلقد عرّفنا الله على القصة، وأعطانا دروسها ووجّهنا في شأنها، فلنر تتمة المقطع. وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً* إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ هذا إرشاد من الله تعالى لرسوله ﷺ ، أنّ الأدب فيما إذا عزم على شئ ليفعله في المستقبل أن يرد ذلك إلى مشيئة الله ، علام الغيوب، الذي يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون. وهذا نهي تأديب من الله لنبيه ﷺ أن يعلق كل ما يعزم عليه من فعل على مشيئة الله تعالى وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ أي إذا نسيت الاستثناء، أي قولك إن شاء الله، فقل ذلك عند ذكرك له، ويمكن أن يكون المعنى: واذكر ربك بالتسبيح والاستغفار إذا نسيت كلمة الاستثناء؛ تشديدا في البعث على الاهتمام بها. ويمكن أن يكون المعنى: إذا نسيت أي شئ فاذكر الله ليذكّرك المنسي وَقُلْ إذا نسيت شيئا عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لشئ آخر بدل هذا المنسي، أقرب منه رشدا، وأدنى خيرا أو منفعة، ومن ثم قال: لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً وفي الآية كلام سنراه في الفوائد. وسبب نزول هذه الآية على حسب رواية ابن إسحاق أنّه ﷺ لمّا سئل عن

стр. 3010

قصة أصحاب الكهف قال (غدا أجيبكم) دون أن يعلّق ذلك على المشيئة الإلهية فتأخر الوحي خمسة عشر يوما، وفي مثل هذا التأديب لرسول الله ﷺ ما يعظ الجاهل عن التساهل في الأدب فما فوقه مع الله ﷻ . وقد ذكر هذا الأدب في ثنايا القصة، لتبقى هذه القضية محفورة في الضمير المسلم، منبهة إياه على أن مقام محمد ﷺ مقام العبودية لله، ومقام التأديب من الله، مع كل ما أنعم الله عليه، فكيف بغيره من خلق الله، وبعد هذا التنبيه يعود السياق إلى القصة: وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً هذا إخبار من الله تعالى بمقدار ما لبث أصحاب الكهف في كهفهم، منذ أرقدهم إلى أن بعثهم الله، وأعثر عليهم أهل ذلك الزمان، وأنه كان مقداره ثلاثمائة سنة، تزيد تسع سنين بالهلالية، وهي ثلاثمائة سنة بالشمسية، فإن تفاوت ما بين كل مائة سنة بالقمرية إلى الشمسية ثلاث سنين. فلهذا قال بعد الثلاثمائة وازدادوا تسعا قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا أي هو أعلم من الذين اختلفوا فيهم بمدة لبثهم، والحق ما أخبرك به لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي هو وحده ﷻ يعلم ما غاب في السموات والأرض وخفي فيهما من أحوال أهلهما أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ أي ما أبصره لكل موجود وأسمعه لكل موجود، فكيف يغيب عنه شيء ما لَهُمْ أي ما لأهل السموات والأرض مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ أي من متول لأمورهم غيره وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أي في قضائه أحدا، فهو تعالى له الخلق والأمر، الذي لا معقّب لحكمه، وليس له وزير ولا نصير ولا شريك، ولا مشير تعالى وتقدس، دلّ هذا على أن من أنواع الشرك أن تعطى الحاكمية لغير الله، إن في الخلق أو في الأمر، فمن جعل للمادة قدرة مستقلة على الخلق والتدبير، وللتاريخ سيرا غير ما أراد الله، أو أعطى لغير الله حق التشريع، فقد أشرك. وفي ختم قصة أهل الكهف على هذه الشاكلة، من التذكير بعلمه تعالى، وسمعه وبصره، واستغنائه عن خلقه ووحدانيته في حكمه، قضاء أو أمرا، تذكير بأن ما قاله هو الحق الخالص، كيف لا وهو العليم بكل غيب، السميع لكل موجود، البصير بكل موجود. وإذ تنتهي القصة بما رأينا تأتي الأوامر التالية: وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ تلاوة عبادة وتدبّر، وعمل وتبليغ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ أي لا مغيّر لها، ولا محرّف ولا مزيل. أو المعنى: لا يقدر أحد على تبديلها أو تغييرها، فهي كلام الله المحيط علما وبصرا وسمعا وقضاء بكل موجود

стр. 3011

وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً أي ملجأ تعدل إليه إن هممت بالتغيير، أو لم تقل ما أوحي إليك، والصلة بين هذا الأمر وقصة أهل الكهف واضحة. فإذ تبيّن من خلال عرض قصة أهل الكهف، أن هذا القرآن مظهر علم الله، فليتل إذن، وليتل كما أنزل، ولا تبدّل كلماته، لا تلاوة، ولا بتحميلها ما لا تحتمل؛ مراعاة لوضع ما فإن الخطأ عليه مستحيل، وإذ يفعل أحد شيئا من ذلك فإنه لا ملجأ له من عذاب الله. وإذ تبيّن لنا من القصة كرامة المؤمن على الله، وإذ كانت القصة تدور حول فتية حبسوا أنفسهم على بعضهم، يأتي الآن الأمر الثاني آمرا بصبر النفس مع أهل الإيمان: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ أي احبسها وثبتها مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ أي دائبين على الدعاء في كل وقت يُرِيدُونَ وَجْهَهُ أي يريدون رضا الله قال ابن كثير: أي اجلس مع الذين يذكرون الله ويهللونه ويحمدونه ويسبحونه، ويكبرونه ويسألونه بكرة وعشيا من عباد الله، سواء كانوا فقراء أو أغنياء أو ضعفاء وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ أي ولا تجاوزهم عيناك تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا أي لا تجاوزهم عيناك إلى غيرهم، فتطلب بدلهم أصحاب الشرف والثروة وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا أي ولا تطع من جعلنا قلبه غافلا عن الذكر، أي شغل عن الدين وعبادة ربه بالدنيا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً أي وكانت أعماله وأفعاله وأقواله سفها وتفريطا، وضياعا وتجاوزا للحق، لا تكن مطيعا لمثل هذا، ولا محبا لطريقته، ولا تغبطه على ما هو فيه. ثم يأتي الأمر الثالث: فبعد أن بين أن هذا القرآن حق، وبعد أن أمر الله رسوله ﷺ بعدم طاعة الغافلين وغبطتهم والتشوّف إليهم، بل عليه أن يلزم نفسه بالجلوس مع الذاكرين، يأتي الآن الأمر: وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ أي وقل بأن القرآن أو الإسلام هو الحق من ربكم فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ أي جاء الحق وزاحت العلل، فلم يبق إلا اختياركم لأنفسكم ما شئتم، من الأخذ في طريق النجاة، أو في طريق الهلاك، وهو تهديد ووعيد شديدان. ثم ذكر جزاء من اختار الكفر فقال إِنَّا أَعْتَدْنا أي أرصدنا

стр. 3012

وهيأنا لِلظَّالِمِينَ أي للكافرين بالله ورسوله وكتابه ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها أي سورها وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا من العذاب والعطش يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ أي كعكر الزيت في سواده وغلاظته يَشْوِي الْوُجُوهَ من حره إذا أراد الكافر أن يشربه وقرّبه من وجهه، شواه حتى تسقط جلدة وجهه. كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ قال: «ماء كالمهل- قال: كعكر الزيت فإذا قرّبه إليه سقطت فروة وجهه فيه» بِئْسَ الشَّرابُ أي المهل وَساءَتْ مُرْتَفَقاً أي وساءت النار منزلا ومقيلا ومجتمعا وموضعا للارتفاق، ولا ارتفاق لأهل النار. أي لا انتفاع لهم. وبعد أن ذكر الله جزاء من اختار الكفر، يقرر الآن جزاء من اختار الإيمان. قال ابن كثير: لما ذكر تعالى حال الأشقياء ثنّى بذكر السعداء إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا. دلّت الآية على أن المحسن في العمل هو المؤمن، الذي يعمل الصالحات، فإذا تذكرنا الآيتين اللتين وردتا قبل قصة أهل الكهف إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا علمنا أن الكلام الآن في الناجحين في الاختبار، وهم أهل الإيمان، والعمل الصالح أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ أي إقامة تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ أي من تحت غرفهم ومنازلهم يُحَلَّوْنَ فِيها من الحلية أي يلبّسون فيها الحلي، ثم بيّن هذه الحلي مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ الأساور: جمع أسورة، وفي تنكيرها إشعار بأنها غاية في الجمال وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً وهو أروح الألوان للعيون، وأكثرها راحة لها، كما يقول الطب المعاصر مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ قال ابن كثير: فالسندس لباس رفاع رقاق كالقمصان، وما جرى مجراها، وأما الإستبرق فغليظ الديباج وفيه بريق مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ خص حالة الاتكاء بالذكر لأنه هيئة المتنعمين على أسرتهم، والجنة دار النعيم نِعْمَ الثَّوابُ الجنة وَحَسُنَتْ الجنة والأرائك مُرْتَفَقاً أي مكانا للارتفاق. أي نعمت الجنة ثوابا على أعمالهم، وحسنت مرتفقا. أي حسنت منزلا ومقيلا ومقاما. ملاحظات: [حول قصة أصحاب الكهف] رأينا أنّ الله أوصانا بالنسبة لقصة أهل الكهف فقال فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً وقال ﷻ قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا

стр. 3013

إنّك إذا تأمّلت هذين النّصين، وقرأت ما يذكره أهل الكتاب في كتبهم، تجد مظهرا من مظاهر الإعجاز في هذا القرآن، يدلك على أنّ منزل هذا القرآن هو الله المحيط علما بكل شئ، ولنضرب على ذلك مثلا: قال الأستاذ الندوي في رسالته (تأملات في سورة الكهف): «وقد اضطربت أقوال المؤرخين السوريين، والمؤرخين الإغريق، في تعيين سنة اليقظة والخروج، فالمؤرخون السوريون يزعمون أنها ٤٢٥ م أو ٤٣٧ م، وتقول الروايات الإغريقية أن الخروج كان في السنة الثامنة والثلاثين من حكم ثيودوسيس الثاني، معنى ذلك أنها كانت في سنة (٤٤٦). وتقول الرواية التي ذكرتها دائرة المعارف للأخلاق والديانات وهي دائرة معارف غربية: (وبعد أن مضى عليهم ثلاثمائة وسبع سنوات في عهد الإمبراطور ثيودوسيس الثاني) فإذا تذكرنا الاختلاف في تعيين سنة الاستيقاظ، عرفنا أن هذا الرّقم تقريبي. والملاحظ أنّ رواية دائرة المعارف تذكر أن الفتية خرجوا في زمن الإمبراطور ديسيس الذي تسميه المراجع العربية «دقيانوس» بينما لم يكن بين دقيانوس وثيودوسيس أكثر من مائتي سنة، مما يؤكد أن هناك خطأ في سنة الهروب، لذلك فقد رجّح الأستاذ الندوي أن القصة حدثت في عهد الإمبراطور الروماني هاردين، الذي حكم من سنة ١١٧ م إلى سنة ١٣٨ م والذي ذكر تاريخ الكنيسة المسيحية عنه على أنه حافظ على سياسة «تراجن» في إجبار الزنادقة والمارقين) (وكلهم أو جلّهم في ذلك الوقت بالنسبة للدولة الرومانية من المسيحيين) من هذا الذي نقلناه ندرك سرّ قوله تعالى: فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً وسرّ قوله تعالى قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا. فوائد: ١ - [حديث بمناسبة قوله تعالى وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ] بمناسبة قوله تعالى وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً* إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ يذكر ابن كثير الحديث الوارد في الصحيحين عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «قال سليمان بن داود ﵉، لأطوفن الليلة على سبعين امرأة- وفي رواية تسعين امرأة، وفي رواية مائة امرأة. تلد كل امرأة منهن غلاما يقاتل في سبيل الله، فقيل له- وفي رواية قال له الملك- قل إن شاء الله، فلم يقل، فطاف بهن فلم

стр. 3014

يلد منهن إلا امرأة واحدة نصف إنسان، فقال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده لو قال إن شاء الله لم يحنث، وكان دركا لحاجته» وفي رواية «ولقاتلوا في سبيل الله فرسانا أجمعين». ٢ - [حول رأي ابن عباس في الاستثناء بالمشيئة بمناسبة آية وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ] من المشهور عن ابن عباس أنه يرى أن للحالف أن يقول إن شاء الله، ولو إلى سنة، وكان يستدل على ذلك بقوله تعالى: وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ قال ابن جرير: ومعنى قول ابن عباس أنه يستثني ولو بعد سنة أي إذا نسي أن يقول في حلفه أو في كلامه إن شاء وذكر ولو بعد سنة، فالسنّة له أن يقول ذلك ليكون آتيا بسنّة الاستثناء، حتى ولو كان بعد الحنث، لا أن يكون- أي الاستثناء- رافعا لحنث اليمين، ومسقطا للكفارة. قال ابن كثير: وهذا الذي قاله ابن جرير ﵀ هو الصحيح وهو الأليق بحمل كلام ابن عباس عليه. وقد نقل النسفي عن الحسن أن له الاستثناء ما دام في المجلس. ثم نقل مذهب ابن عباس وخرّجه، وذكر حادثة لها علاقة فيه. قال: وعن ابن عباس ﵄: ولو بعد سنة، وهذا محمول على تدارك التبرك بالاستثناء. فأما الاستثناء المغير حكما، فلا يصح إلا متصلا، وحكي أنه بلغ المنصور أن أبا حنيفة ﵀ خالف ابن عباس ﵄ في الاستثناء المنفصل، فاستحضره لينكر عليه، فقال له أبو حنيفة: هذا يرجع عليك؛ إنك تأخذ البيعة بالأيمان، أفترضى أن يخرجوا من عندك فيستثنوا فيخرجوا عليك، فاستحسن كلامه، وأمر الطاعن فيه بإخراجه من عنده». ٣ - [كلام ابن كثير عند آية وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ .. ] وعند قوله تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ قال ابن كثير: يقال إنها نزلت في أشراف قريش حين طلبوا من النبي ﷺ أن يجلس معهم وحده، ولا يجالسهم بضعفاء أصحابه، كبلال، وعمار، وصهيب، وخباب، وابن مسعود، وليفرد أولئك بمجلس على حدة، فنهاه الله عن ذلك فقال: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ. وأمره أن يصبر نفسه في الجلوس مع هؤلاء فقال وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ. وروى مسلم في صحيحه .. عن سعد بن أبي وقاص قال: كنا مع النبي ﷺ ستة نفر فقال المشركون للنبي ﷺ : اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا، قال: وكنت أنا، وابن مسعود، ورجل من هذيل، وبلال، ورجلان نسيت اسميهما، فوقع في نفس رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقع، فحدّث نفسه، فأنزل الله : وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ. وروى أحمد ..

стр. 3015

عن أبي التياح قال: سمعت أبا الجعد يحدث عن أبي أمامة قال: خرج رسول الله ﷺ على قاص يقص فأمسك، فقال رسول الله ﷺ : «قص فلأن أقعد غدوة إلى أن تشرق الشمس، أحب إليّ من أن أعتق أربع رقاب». وروى الإمام أحمد .. عن رجل من أصحاب بدر أنه سمع النبي ﷺ يقول: «لأن أقعد في مثل هذا المجلس أحب إليّ من أن أعتق أربع رقاب» قال شعبة فقلت: أي مجلس؟ قال: كان قاصا. وروى أبو داود الطيالسي في مسنده .. عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «لأن أجالس قوما يذكرون الله من صلاة الغداة إلى طلوع الشمس، أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس، ولأن أذكر الله من صلاة العصر إلى غروب الشمس أحب إليّ من أن أعتق ثمانية من ولد إسماعيل، دية كل واحد منهم اثنا عشر ألفا». وروى الحافظ أبو بكر البزار .. عن الأغر أبي مسلم- وهو الكوفي- أن رسول الله ﷺ مرّ برجل يقرأ سورة الكهف، فلما رأى النبي ﷺ سكت، فقال النبي ﷺ : «هذا المجلس الذي أمرت أن أصبر نفسي معهم». وروى يحيى بن المعلى بسنده: عن أبي هريرة وأبي سعيد قالا: جاء رسول الله ﷺ ورجل يقرأ سورة الحج- أو سورة الكهف- فسكت، فقال رسول الله ﷺ : «هذا المجلس الذي أمرت أن أصبر نفسي معهم». وروى الإمام أحمد .. عن أنس بن مالك ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «ما من قوم اجتمعوا يذكرون الله، لا يريدون بذلك إلا وجهه، إلا ناداهم مناد من السماء، أن قوموا مغفورا لكم، قد بدّلت سيئاتكم حسنات». وروى الطبراني .. عن عبد الرحمن بن سهل بن حنيف قال: نزلت على رسول الله ﷺ وهو في بعض أبياته وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ الآية فخرج يلتمسهم، فوجد قوما يذكرون الله تعالى، منهم ثائر الرأس، وجافّ الجلد، وذو الثوب الواحد، فلما رآهم جلس معهم وقال: «الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أصبر نفسي معهم». كلمة في السياق: [حول صلة المقطع الأول بمحور السورة وبالسياق القرآني العام] لاحظنا أن مقدمة سورة الكهف انتهت بقوله تعالى: إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا* وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً.
следующие страницы →