Полный текст (6 440 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.
стр. 3011
وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً أي ملجأ تعدل إليه إن هممت بالتغيير، أو لم تقل ما أوحي إليك، والصلة بين هذا الأمر وقصة أهل الكهف واضحة.
فإذ تبيّن من خلال عرض قصة أهل الكهف، أن هذا القرآن مظهر علم الله، فليتل إذن، وليتل كما أنزل، ولا تبدّل كلماته، لا تلاوة، ولا بتحميلها ما لا تحتمل؛ مراعاة لوضع ما فإن الخطأ عليه مستحيل، وإذ يفعل أحد شيئا من ذلك فإنه لا ملجأ له من عذاب الله.
وإذ تبيّن لنا من القصة كرامة المؤمن على الله، وإذ كانت القصة تدور حول فتية حبسوا أنفسهم على بعضهم، يأتي الآن الأمر الثاني آمرا بصبر النفس مع أهل الإيمان:
وَاصْبِرْ نَفْسَكَ أي احبسها وثبتها مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ أي دائبين على الدعاء في كل وقت يُرِيدُونَ وَجْهَهُ أي يريدون رضا الله قال ابن كثير: أي اجلس مع الذين يذكرون الله ويهللونه ويحمدونه ويسبحونه، ويكبرونه ويسألونه بكرة وعشيا من عباد الله، سواء كانوا فقراء أو أغنياء أو ضعفاء وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ أي ولا تجاوزهم عيناك تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا أي لا تجاوزهم عيناك إلى غيرهم، فتطلب بدلهم أصحاب الشرف والثروة وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا أي ولا تطع من جعلنا قلبه غافلا عن الذكر، أي شغل عن الدين وعبادة ربه بالدنيا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً أي وكانت أعماله وأفعاله وأقواله سفها وتفريطا، وضياعا وتجاوزا للحق، لا تكن مطيعا لمثل هذا، ولا محبا لطريقته، ولا تغبطه على ما هو فيه.
ثم يأتي الأمر الثالث:
فبعد أن بين أن هذا القرآن حق، وبعد أن أمر الله رسوله ﷺ بعدم طاعة الغافلين وغبطتهم والتشوّف إليهم، بل عليه أن يلزم نفسه بالجلوس مع
الذاكرين، يأتي الآن الأمر:
وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ أي وقل بأن القرآن أو الإسلام هو الحق من ربكم فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ أي جاء الحق وزاحت العلل، فلم يبق إلا اختياركم لأنفسكم ما شئتم، من الأخذ في طريق النجاة، أو في طريق الهلاك، وهو تهديد ووعيد شديدان. ثم ذكر جزاء من اختار الكفر فقال إِنَّا أَعْتَدْنا أي أرصدنا
стр. 3012
وهيأنا لِلظَّالِمِينَ أي للكافرين بالله ورسوله وكتابه ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها أي سورها وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا من العذاب والعطش يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ أي كعكر الزيت في سواده وغلاظته يَشْوِي الْوُجُوهَ من حره إذا أراد الكافر أن يشربه وقرّبه من وجهه، شواه حتى تسقط جلدة وجهه.
كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ قال: «ماء كالمهل- قال: كعكر الزيت فإذا قرّبه إليه سقطت فروة وجهه فيه» بِئْسَ الشَّرابُ أي المهل وَساءَتْ مُرْتَفَقاً أي وساءت النار منزلا ومقيلا ومجتمعا وموضعا للارتفاق، ولا ارتفاق لأهل النار. أي لا انتفاع لهم.
وبعد أن ذكر الله جزاء من اختار الكفر، يقرر الآن جزاء من اختار الإيمان. قال ابن كثير: لما ذكر تعالى حال الأشقياء ثنّى بذكر السعداء إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا. دلّت الآية على أن المحسن في العمل هو المؤمن، الذي يعمل الصالحات، فإذا تذكرنا الآيتين اللتين وردتا قبل قصة أهل الكهف إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا علمنا أن الكلام الآن في الناجحين في الاختبار، وهم أهل الإيمان، والعمل الصالح
أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ أي إقامة تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ أي من تحت غرفهم ومنازلهم يُحَلَّوْنَ فِيها من الحلية أي يلبّسون فيها الحلي، ثم بيّن هذه الحلي مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ الأساور: جمع أسورة، وفي تنكيرها إشعار بأنها غاية في الجمال وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً وهو أروح الألوان للعيون، وأكثرها راحة لها، كما يقول الطب المعاصر مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ قال ابن كثير: فالسندس لباس رفاع رقاق كالقمصان، وما جرى مجراها، وأما الإستبرق فغليظ الديباج وفيه بريق مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ خص حالة الاتكاء بالذكر لأنه هيئة المتنعمين على أسرتهم، والجنة دار النعيم نِعْمَ الثَّوابُ الجنة وَحَسُنَتْ الجنة والأرائك مُرْتَفَقاً أي مكانا للارتفاق. أي نعمت الجنة ثوابا على أعمالهم، وحسنت مرتفقا. أي حسنت منزلا ومقيلا ومقاما.
ملاحظات: [حول قصة أصحاب الكهف]
رأينا أنّ الله أوصانا بالنسبة لقصة أهل الكهف فقال فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً وقال ﷻ قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا
стр. 3013
إنّك إذا تأمّلت هذين النّصين، وقرأت ما يذكره أهل الكتاب في كتبهم، تجد مظهرا من مظاهر الإعجاز في هذا القرآن، يدلك على أنّ منزل هذا القرآن هو الله المحيط علما بكل شئ، ولنضرب على ذلك مثلا:
قال الأستاذ الندوي في رسالته (تأملات في سورة الكهف): «وقد اضطربت أقوال المؤرخين السوريين، والمؤرخين الإغريق، في تعيين سنة اليقظة والخروج، فالمؤرخون السوريون يزعمون أنها ٤٢٥ م أو ٤٣٧ م، وتقول الروايات الإغريقية أن الخروج كان في السنة الثامنة والثلاثين من حكم ثيودوسيس الثاني، معنى ذلك أنها كانت في سنة (٤٤٦).
وتقول الرواية التي ذكرتها دائرة المعارف للأخلاق والديانات وهي دائرة معارف غربية: (وبعد أن مضى عليهم ثلاثمائة وسبع سنوات في عهد الإمبراطور ثيودوسيس الثاني) فإذا تذكرنا الاختلاف في تعيين سنة الاستيقاظ، عرفنا أن هذا الرّقم تقريبي.
والملاحظ أنّ رواية دائرة المعارف تذكر أن الفتية خرجوا في زمن الإمبراطور ديسيس الذي تسميه المراجع العربية «دقيانوس» بينما لم يكن بين دقيانوس وثيودوسيس أكثر من مائتي سنة، مما يؤكد أن هناك خطأ في سنة الهروب، لذلك فقد رجّح الأستاذ الندوي أن القصة حدثت في عهد الإمبراطور الروماني هاردين، الذي حكم من سنة ١١٧ م إلى سنة ١٣٨ م والذي ذكر تاريخ الكنيسة المسيحية عنه على أنه حافظ على سياسة «تراجن» في إجبار الزنادقة والمارقين) (وكلهم أو جلّهم في ذلك الوقت بالنسبة للدولة الرومانية من المسيحيين) من هذا الذي نقلناه ندرك سرّ قوله تعالى: فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً وسرّ قوله تعالى قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا.
فوائد:
١ - [حديث بمناسبة قوله تعالى وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ]
بمناسبة قوله تعالى وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً* إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ يذكر ابن كثير الحديث الوارد في الصحيحين عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «قال سليمان بن داود ﵉، لأطوفن الليلة على سبعين امرأة- وفي رواية تسعين امرأة، وفي رواية مائة امرأة. تلد كل امرأة منهن غلاما يقاتل في سبيل الله، فقيل له- وفي رواية قال له الملك- قل إن شاء الله، فلم يقل، فطاف بهن فلم
стр. 3014
يلد منهن إلا امرأة واحدة نصف إنسان، فقال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده لو قال إن شاء الله لم يحنث، وكان دركا لحاجته» وفي رواية «ولقاتلوا في سبيل الله فرسانا أجمعين».
٢ - [حول رأي ابن عباس في الاستثناء بالمشيئة بمناسبة آية وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ]
من المشهور عن ابن عباس أنه يرى أن للحالف أن يقول إن شاء الله، ولو إلى سنة، وكان يستدل على ذلك بقوله تعالى: وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ قال ابن جرير: ومعنى قول ابن عباس أنه يستثني ولو بعد سنة أي إذا نسي أن يقول في حلفه أو في كلامه إن شاء وذكر ولو بعد سنة، فالسنّة له أن يقول ذلك ليكون آتيا بسنّة الاستثناء، حتى ولو كان بعد الحنث، لا أن يكون- أي الاستثناء- رافعا لحنث اليمين، ومسقطا للكفارة. قال ابن كثير: وهذا الذي قاله ابن جرير ﵀ هو الصحيح وهو الأليق بحمل كلام ابن عباس عليه. وقد نقل النسفي عن الحسن أن له الاستثناء ما دام في المجلس. ثم نقل مذهب ابن عباس وخرّجه، وذكر حادثة لها علاقة فيه. قال: وعن ابن عباس ﵄: ولو بعد سنة، وهذا محمول على تدارك التبرك بالاستثناء. فأما الاستثناء المغير حكما، فلا يصح إلا متصلا، وحكي أنه بلغ المنصور أن أبا حنيفة ﵀ خالف ابن عباس ﵄ في الاستثناء المنفصل، فاستحضره لينكر عليه، فقال له أبو حنيفة: هذا يرجع عليك؛ إنك تأخذ البيعة بالأيمان، أفترضى أن يخرجوا من عندك فيستثنوا فيخرجوا عليك، فاستحسن كلامه، وأمر الطاعن فيه بإخراجه من عنده».
٣ - [كلام ابن كثير عند آية وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ .. ]
وعند قوله تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ قال ابن كثير: يقال إنها نزلت في أشراف قريش حين طلبوا من النبي ﷺ أن يجلس معهم وحده، ولا يجالسهم بضعفاء أصحابه، كبلال، وعمار، وصهيب، وخباب، وابن مسعود، وليفرد أولئك بمجلس على حدة، فنهاه الله عن ذلك فقال: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ. وأمره أن يصبر نفسه في الجلوس مع هؤلاء فقال وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ. وروى مسلم في صحيحه .. عن سعد بن أبي وقاص قال: كنا مع النبي ﷺ ستة نفر فقال المشركون للنبي ﷺ : اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا، قال:
وكنت أنا، وابن مسعود، ورجل من هذيل، وبلال، ورجلان نسيت اسميهما، فوقع في نفس رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقع، فحدّث نفسه، فأنزل الله :
وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ. وروى أحمد ..
стр. 3015
عن أبي التياح قال: سمعت أبا الجعد يحدث عن أبي أمامة قال: خرج رسول الله ﷺ على قاص يقص فأمسك، فقال رسول الله ﷺ : «قص فلأن أقعد غدوة إلى أن تشرق الشمس، أحب إليّ من أن أعتق أربع رقاب». وروى الإمام أحمد .. عن رجل من أصحاب بدر أنه سمع النبي ﷺ يقول: «لأن أقعد في مثل هذا المجلس أحب إليّ من أن أعتق أربع رقاب» قال شعبة فقلت: أي مجلس؟ قال: كان قاصا. وروى أبو داود الطيالسي في مسنده .. عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «لأن أجالس قوما يذكرون الله من صلاة الغداة إلى طلوع الشمس، أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس، ولأن أذكر الله من صلاة العصر إلى غروب الشمس أحب إليّ من أن أعتق ثمانية من ولد إسماعيل، دية كل واحد منهم اثنا عشر ألفا».
وروى الحافظ أبو بكر البزار .. عن الأغر أبي مسلم- وهو الكوفي- أن رسول الله ﷺ مرّ برجل يقرأ سورة الكهف، فلما رأى النبي ﷺ سكت، فقال النبي ﷺ : «هذا المجلس الذي أمرت أن أصبر نفسي معهم».
وروى يحيى بن المعلى بسنده: عن أبي هريرة وأبي سعيد قالا: جاء رسول الله ﷺ ورجل يقرأ سورة الحج- أو سورة الكهف- فسكت، فقال رسول الله ﷺ :
«هذا المجلس الذي أمرت أن أصبر نفسي معهم». وروى الإمام أحمد .. عن أنس بن مالك ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «ما من قوم اجتمعوا يذكرون الله، لا يريدون بذلك إلا وجهه، إلا ناداهم مناد من السماء، أن قوموا مغفورا لكم، قد بدّلت سيئاتكم حسنات».
وروى الطبراني .. عن عبد الرحمن بن سهل بن حنيف قال: نزلت على رسول الله ﷺ وهو في بعض أبياته وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ الآية فخرج يلتمسهم، فوجد قوما يذكرون الله تعالى، منهم ثائر الرأس، وجافّ الجلد، وذو الثوب الواحد، فلما رآهم جلس معهم وقال: «الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أصبر نفسي معهم».
كلمة في السياق: [حول صلة المقطع الأول بمحور السورة وبالسياق القرآني العام]
لاحظنا أن مقدمة سورة الكهف انتهت بقوله تعالى:
إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا* وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً.
стр. 3016
ثم جاءت قصة أهل الكهف لتعطي نموذجا على من أحسن عملا، ولتقيم الدليل على أن الآخرة الباقية آتية. ثم جاءت الأوامر التي تأمر بلزوم أهل الآخرة، وعدم التطلّع إلى الجلوس مع غيرهم تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثم جاءت الآيتان الأخيرتان لتبين أن الذين ينجحون في الاختبار هم الذين اجتمع لهم الإيمان والعمل الصالح.
فالمقطع الذي مرّ معنا كله مترابط في خدمة الآيتين اللتين ختمت بهما مقدمة سورة الكهف.
فإذا تذكّرنا أن سورة الكهف محورها زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا .. فإننا نلاحظ أن قصة أهل الكهف، والآيات بعدها، تحرير للمسلم من الإخلاد لزينة الحياة الدنيا،
والركون إلى أهلها، فمن خلال الاقتداء بأهل الكهف، ومن خلال صبر النفس مع أهل الإيمان، ومن خلال النهي عن التطلع لمجالسة أهل الدنيا، والنهي عن طاعة الغافلين، والأمر بقول الحق، ومن خلال التذكير بجزاء المؤمنين والكافرين، يتحرر المؤمن من السقوط في حمأة تزيين الحياة الدنيا.
وإذا تذكرنا أن هذا كله في خدمة الأمر ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً فإننا نلاحظ أن القصة تخدم موضوع الدخول في الإسلام كله؛ إذ تقص علينا قصة النموذج الذي ترك كل شئ من أجل دين الله. ثم تأتي الأوامر بتلاوة القرآن، وبالكون مع أهل الإيمان وبإعلان الحق، كفر من كفر وآمن من آمن، وكلها تخدم موضوع الدخول في الإسلام كله، عدا عن كونها أجزاء من الإسلام يجب التزامها، لأن الله أمرنا بالدخول في الإسلام كله.
فإذا اتضح هذا، عرفنا كيف أن سورة الكهف لها سياقها الخاص المترابط والمرتبط بالسياق القرآني العام.
والآن فلنلاحظ ما يلي:
يرد الآن أمران كل منهما بصيغة وَاضْرِبْ* وكلا الأمرين فيه مثل مرتبط بموضوع الحياة الدنيا، ثم تأتي آيات لها علاقة في الموضوع نفسه؛ ومن ثم فإن ارتباط المقطع اللاحق بمحور سورة الكهف من البقرة واضح. وسنتعرض له فيما بعد. ونحب هنا أن نتحدث عن السياق الخاص لسورة الكهف:
أوصلت مقدمة سورة الكهف إلى: إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ
стр. 3017
أَحْسَنُ عَمَلًا* وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً
ثم جاءت آية: أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً والتي معناها: لا تحسب أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا إذا قيست بآيات الله العظمى كتزيين الأرض أو إماتة كل شئ عليها، ثم جاء في سياق القصة نهي. وبعد القصة جاءت أوامر.
ثم يأتي الآن في المقطع اللاحق قوله تعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ ..
ثم يأتي قوله تعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا ..
فالسياق الخاص لسورة الكهف يتوجه بالخطاب إلى رسول الله ﷺ في أن يضع قصة أهل الكهف في محلها من آيات الله، وأن يعلق أموره على مشيئة الله. ثم تأتي الأوامر بتلاوة القرآن، والصبر مع أهل الإيمان، وترك أهل الطغيان، وإعلان كلمة الحق. ثم يؤمر ﵊ بضرب الأمثال عن الدنيا وأهلها، وعن الآخرة وأهلها. فالسياق يربي على كل ما من شأنه الزهد في الدنيا. فقصة أهل الكهف تزهّد في الدنيا، وتلاوة القرآن تلاوة صحيحة تزهّد في الدنيا، والجلوس مع أهل الذكر يزهّد في الدنيا، وترك أهل الدنيا يساعد على الزهد في الدنيا، وإعلان كلمة الحق يساعد على قطع علائق أهل الدنيا، وأن يضرب الإنسان الأمثال لغيره في التزهيد بالدنيا فهذا يزهده في الدنيا، وأن يتمعّن هو في المثل فهذا يزهده في الدنيا. فإذا تذكرنا ما قلناه من قبل:
أن القسم الأول من سورة الكهف هو تفصيل لقوله تعالى: زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وأن ما بعد ذلك تفصيل لما بعدها، وكل ذلك في خدمة حيّز المحور، يكون ما ذكرناه هنا تدليلا على ما أشرنا إليه من قبل. فلنر المقطع الثاني من السورة:
***
стр. 3018
المقطع الثاني ويمتد من الآية (٣٢) إلى نهاية الآية (٤٩) وهذا هو:
١٨/ ٤٩ - ٣٢
стр. 3019
التفسير:
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ أي بساتين من كروم وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ أي وجعلنا النخيل محيطا بالجنتين وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً فكانت الأرض جامعة للأقوات والفواكه، والوصف يشير إلى أن العمارة كانت متواصلة متشابكة، لم يتوسطها ما يقطعها، مع الشكل الحسن، والترتيب الأنيق
كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها أي أعطت ثمرها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً أي ولم تنقص من أكلها شيئا وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً أي والأنهار متفرقة فيهما، هاهنا وهاهنا، وصفها بوفرة الثمار، وتمام الأكل من غير نقص.
ثم بما هو أصل الخير ومادته من أمر الشرب، فكان أفضل ما يسقى به وهو النهر الجاري وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ أي وكان له ثمر وكان لصاحب الجنتين أنواع من المال أخرى يثمرها، من الذهب والفضة، وبالجملة فقد أوتي من كل زينة الحياة الدنيا فَقالَ لِصاحِبِهِ المسلم وَهُوَ يُحاوِرُهُ أي يراجعه الكلام وهو يطوف به في الجنتين، ويريه ما فيهما ويفاخره بما ملك من المال دونه أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَراً أي وأعز أنصارا وحشما، أو أعز أولادا ذكورا
стр. 3020
وَدَخَلَ جَنَّتَهُ أي إحدى جنتيه، أو سماهما جنة لاتحاد الحائط أو لاتحاد النهر وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ أي وهو ضار لها بالكفر والتمرد والتكبر والتجبر وإنكار المعاد قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً أي ما أظن أن تهلك هذه الجنة أبدا، وذلك اغترار منه لما رأى فيها من الزروع والثمار، والأشجار والأنهار، المطّردة في جوانبها وأرجائها، ظنّ أنها لا تفنى ولا تفرغ، ولا تهلك ولا تتلف، وذلك لقلة عقله، وضعف يقينه بالله، وإعجابه بالحياة الدنيا وزينتها، وكفره بالآخرة، وهكذا شك في بيدودة جنته لطول
أمله، وتمادي غفلته، واغتراره بالمهلة
وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً أي كائنة وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً أي ولئن كان معاد ورجعة، ومرد إلى الله، ليكونن لي هناك أحسن من هذا، لحظي عند ربي، فلولا كرامتي عليه ما أعطاني هذا. وهذا من فرط جهله بشأن الله، وحقيقة امتحانه، والمنقلب: هو المرجع والعاقبة
قالَ لَهُ صاحِبُهُ المؤمن واعظا له وزاجرا عما هو فيه من الكفر بالله والاغترار وَهُوَ يُحاوِرُهُ أي وهو يراجعه الكلام ويجادله أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا جعله كافرا بالله لشكّه بالبعث، فدلّ ذلك على أنّ الإيمان بالبعث فرع الإيمان بالله
لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي أي لكن أنا لا أقول بمقالتك، بل أعترف لله بالوحدانية والربوبية وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً أي بل هو الله المعبود وحده لا شريك له.
ثم نبهه على واجبه تجاه النعمة وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ هذا تحضيض منه وحث على قول ذلك. أي هلا إذا أعجبتك حين دخلتها ونظرت إليها، حمدت الله على ما أنعم به عليك، وأعطاك من المال والولد ما لم يعطه غيرك، وقلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله. أي الأمر ما شاء الله، أو أي شئ شاء الله كان، أي هلا قلت الأمر ما شاء، اعترافا بأنها وكل ما فيها إنما حصل بمشيئة الله، وأن أمرها بيده، إن شاء تركها عامرة، وإن شاء خرّبها، وقلت لا قوة إلا بالله؛ إقرارا بأن ما قويت به على عمارتها وتدبير أمرها هو بمعونته وتأييده إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالًا وَوَلَداً
فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ في الدنيا أو في العقبى وَيُرْسِلَ عَلَيْها أي على جنتك التي ظننت أنها لا تبيد ولا تفنى حُسْباناً مِنَ السَّماءِ أي عذابا من السماء فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً أي أرضا بلقعا لا يثبت فيها قدم
أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً أي غائرا في الأرض فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً أي فلا يتأتى منك طلبه فضلا عن إيجاده. والمعنى: إن ترن أفقر منك، فأنا أتوقع من صنع الله أن يقلب ما بي وما بك من الفقر والغنى، فيرزقني لإيماني جنة خيرا من جنتك. ويسلبك لكفرك
стр. 3021
نعمته، ويخرّب بساتينك
وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ أي بأمواله أو بثماره، والمقصود أنه وقع بهذا الكافر ما كان خوّفه به المؤمن، من إرسال الحسبان على جنته التي اغتر بها، وألهته عن الله فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ أي يضرب إحداهما على الأخرى ندما وتحسّرا عَلى ما أَنْفَقَ فِيها أي في عمارتها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها الخاوية الخالية والمراد بها هنا الساقطة يعني أن كرومها المعرشة سقطت عروشها على الأرض، وسقطت فوقها الكروم وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً هنالك تذكّر موعظة المسلم، فعلم أنّه أتي من جهة كفره وطغيانه، فتمنّى لو لم يكن مشركا حتى لا يهلك الله بستانه حين لا ينفعه التمنّي، ويجوز أن يكون كلامه توبة من الشرك وندما على ما كان منه، ودخولا في الإيمان
وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ أي عشيرة أو ولد كما افتخر بهم واستعز يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي يقدرون على نصرته من دون الله، أي هو وحده القادر على نصرته، لا يقدر أحد غيره أن ينصره، إلا أنه لم ينصره لحكمة وَما كانَ مُنْتَصِراً أي وما كان ممتنعا بقوته عن انتقام الله
هُنالِكَ أي في ذلك المقام وتلك الحال الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ أي النصرة لله وحده، لا يملكها غيره، ولا يستطيعها أحد سواه. ويمكن أن يكون المعنى: كل أحد مؤمن أو كافر يرجع إلى الله، وإلى موالاته، والخضوع له في هذا المقام، ويمكن أن يكون المعنى: في هذا المقام ينصر الله أولياءه المؤمنين على الكفرة، وينتقم لهم، يعني أنه نصر فيما فعل بالكافر أخاه المؤمن وصدّق فيه قوله: وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْباناً مِنَ السَّماءِ هُوَ خَيْرٌ ثَواباً أي جزاء وَخَيْرٌ عُقْباً أي وخير عاقبة.
كلمة في السياق:
تأتي هذه القصة في سياق السورة بما ينسجم مع مقدمتها: إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا* وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً فهذان رجلان أحدهما غرّته زينة الحياة الدنيا؛ فرسب وعوقب. والثاني زهد في الحياة الدنيا فنجح ونصر.
والقصة تأتي بعد المقطع الأول الذي أمر الله فيه رسوله ﷺ أن يصبر نفسه مع أهل الإيمان تاركا أهل الدنيا، ففيها تأكيد على ضرورة ذلك، وفي القصة نموذج على محاولات أهل الإيمان مع أهل الدنيا، وكيف أنهم ينكرون عليهم غفلتهم وكفرهم، ويذكّرونهم بالله ربهم.
стр. 3022
والقصة تبين أن الاغترار بزينة الحياة الدنيا يؤدي إلى الكفر كما تبين جهل من يتصور أن إعطاء الله الحياة الدنيا علامة كرامة دائما، قد يكون الأمر كذلك، وقد لا يكون، وفي خاتمة القصة إذ تصبح الجنة صعيدا زلقا تذكير بالنهاية الكلية للدنيا كلها، وللأرض كلها يوم القيامة. وندم صاحب الجنة في هذا المقام أقل بكثير من الندم يوم القيامة.
فالمثل إذن يخدم سياق السورة، إذ يعرض فشل إنسان في الاختبار بتزيين الحياة الدنيا، ونجاح إنسان. والقصة تخدم السياق الكلي للقرآن:
فسورة الكهف تفصل محورها من سورة البقرة وهو:
زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وقد رأينا في القصة كيف كانت الحياة الدنيا مزينة للكافر، وكيف كان يسخر من المؤمن، ويترفّع عليه ويفتخر. وقد عرضت لنا القصة نوعا من أنواع فوقية المؤمن على الكافر، حتى في الحياة الدنيا، فضلا عن الآخرة. وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ومن ثم ختمت القصة بقوله تعالى: هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وَخَيْرٌ عُقْباً. وكل ذلك يخدم موضوع الدخول في الإسلام كله، إذ العبرة للخواتيم، والخواتيم لأهل الإيمان.
فائدة: [بمناسبة قوله تعالى وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ .. ]
بمناسبة قوله تعالى: وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ يذكر ابن كثير أن بعض السلف فهموا من هذه الآية أن تحصين النعم يكون بهذه الكلمة قال:
(ولهذا قال بعض السلف: من أعجبه شئ من حاله أو ماله أو ولده فليقل: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، وهذا مأخوذ من هذه الآية الكريمة. روى الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده .. عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما أنعم الله على عبد نعمة من أهل أو مال أو ولد فيقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله فيرى فيه آفة دون الموت». وكان يتأوّل هذه الآية وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ وروى الإمام أحمد ... عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ لا قوة إلا بالله». في الصحيح عن أبي موسى أن رسول الله ﷺ قال له: «ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ لا حول ولا قوة إلا بالله». وروى الإمام أحمد .. عن أبي هريرة قال: قال لي رسول الله ﷺ : «يا أبا هريرة ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة تحت العرش؟ قال: قلت: نعم فداك أبي وأمي: «قال: أن تقول: لا
стр. 3023
قوة إلا بالله» قال أبو بلخ (وهو أحد رواة هذا الحديث): وأحسب أنه قال فإن الله يقول أسلم عبدي واستسلم».
ولنعد إلى سياق المقطع:
فبعد أن ضرب الله مثلا قصة الرجلين، يأمر الله رسوله ﷺ أن يضرب مثلا للحياة الدنيا.
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا في زوالها وفنائها وانقضائها كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ أي السحاب فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ أي فالتف بسبب الماء ونما حتى خالط بعضه بعضا، أو أثّر في النبات الماء؛ فاختلط به حتى روي، أي فاختلط بالماء ما فيها من الحب، فشب وحسن، وعلاه الزهر والنور والنضرة، ثم بعد هذا كله فَأَصْبَحَ هَشِيماً أي يابسا تَذْرُوهُ الرِّياحُ أي تفرّقه وتطرحه ذات اليمين وذات الشمال وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من الإنشاء والإفناء مُقْتَدِراً أي قادرا. أي هو قادر على هذه الحال، وهذه الحال، شبّه حال الدنيا في نضرتها وبهجتها، وما يتعقبها من الهلاك والإفناء، بحال النبات يكون أخضر، ثم يهيج فتطيّره الريح، كأن لم يكن.
كلمة في السياق:
رأينا أن آخر آيتين في مقدمة سورة الكهف هما:
إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً وهذا المثل الذي مرّ معنا إنما هو توضيح لحقيقة الدنيا في كون ما على الأرض زينة، ولكنه إلى انقضاء.
فالآية تمضى على النسق الكلي لسياق السورة. ثم ذكر الله أعظم زينة الحياة الدنيا: وهو المال والولد، مبينا أن خيرا من المال والولد، الباقيات الصالحات.
الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ أي أعمال الخير التي تبقى ثمرتها للإنسان، أو الصلوات الخمس، أو سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً أي جزاء وَخَيْرٌ أَمَلًا لأنه وعد صادق، وأكثر الآمال كاذبة، يعني أن صاحب الباقيات الصالحات أمله في ثواب الله في الدنيا والآخرة، أحسن من أمل ذلك الذي يأمل خدمة ماله أو أولاده، فإذا كان خير ما
стр. 3024
في هذه الدنيا هذا شأنه، فعلى العاقل أن يكون أكثر حرصه على الباقيات الصالحات، لأنها هي التي تدل على أن صاحبها طالب للآخرة، وتدل على أنه قد وضع الدنيا موضعها الحقيقي وأعطاها قيمتها الحقيقة، ومن تأمل حال المال والولد، رأى كيف أن مآلها إلى الزوال كحال كل ما هو من هذه الدنيا.
ثم يأمر الله رسوله ﷺ أن يذكّر عشاق الحياة الدنيا المفتونين بها الكافرين في الآخرة بمشهد من مشاهد يوم القيامة لعل ذلك ينفعهم.
وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ أي واذكر يوم نسيّر الجبال في الجو، أو بأن نجعلها هباء منثورا منبثا، أي يوم تذهب من أماكنها وتزول وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً أي بادية ظاهرة ليس فيها معلم لأحد، ولا مكان يواري أحدا، ولا حجر ولا بناء ولا شجر، أي ليس عليها ما يسترها مما كان عليها من الجبال والأشجار، فإذا تذكرنا وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً أدركنا أن الصلة بين هذا المشهد وبين مقدمة سورة الكهف قائمة وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ أي فلم نترك مِنْهُمْ أَحَداً أي وجمعنا الأولين منهم والآخرين، فلم نترك منهم أحدا، لا صغيرا ولا كبيرا. قال النسفي: وإنما قال: وَحَشَرْناهُمْ ماضيا بعد (نسيّر) و (ترى) للدلالة على حشرهم قبل التسيير، وقبل البروز؛ ليعاينوا تلك الأهوال، كأنه قيل: وحشرناهم قبل ذلك
وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا أي مصطفّين ظاهرين، ترى جماعتهم كما ترى كل واحد، لا يحجب أحد أحدا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أي لقد بعثناكم كما أنشأناكم أول مرّة أو جئتمونا عراة لا شئ معكم كما خلقناكم أولا، وهذا تقريع للمنكرين للمعاد، وتوبيخ لهم على رءوس الأشهاد، ولهذا قال تعالى مخاطبا لهم بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً أي بل زعمتم ألّن نجعل لكم وقتا لإنجاز ما وعدتم على ألسنة الأنبياء من البعث والنشور، أي ما كان ظنكم أن هذا واقع بكم، ولا أن هذا كائن
وَوُضِعَ الْكِتابُ أي كتاب الأعمال الذي فيه الجليل والحقير، والفتيل والقطمير، والصغير والكبير فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ أي خائفين مِمَّا فِيهِ من الذنوب التي واقعوها من الأعمال السيئة، والأفعال القبيحة وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا أي يا حسرتنا وويلنا على ما فرّطنا في أعمارنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها أي لا يترك ذنبا صغيرا ولا كبيرا ولا عملا- وإن صغر- إلا أحصى جميع ذلك، أي ضبطها وحفظها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا من خير وشر حاضِراً في
стр. 3025
الصحف وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً فيكتب عليه ما لم يعمل، أو يزيد في عقابه، أو يعذبه بغير جرم. فهو الحاكم الذي لا يجور ولا يظلم.
كلمة في السياق:
إن هذه المجموعة الأخيرة في المقطع تذكّر وتعظ وتربي على الزهد في الدنيا والعمل للآخرة، وتظهر مقدار الذلة التي يكون عليها الكافرون يوم القيامة.
فإذا تذكّرنا محور سورة الكهف من البقرة زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ نجد ما مرّ معنا مرتبطا به بشكل ما، وبما يخدم الدخول في الإسلام كله، واجتناب خطوات الشيطان.
فوائد:
١ - [أقوال المفسرين في تفسير الْباقِياتُ الصَّالِحاتُ]
رأينا أن للمفسرين أكثر من قول في تفسير الباقيات الصالحات. والحقيقة أن كل ما قالوه يدخل في مضمون الباقيات الصالحات. فالعمل الصالح باق عند الله، والأعمال الصالحات باقيات عند الله، ويدخل في الأعمال الصالحات كل ما قالوه. وقد ذكر ابن كثير الاتجاهات في تفسير الباقيات الصالحات. قال: «قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، وغير واحد من السلف (الباقيات الصالحات): الصلوات الخمس، وقال عطاء بن أبي رباح، وسعيد بن جبير، عن ابن عباس (الباقيات الصالحات):
سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. وهكذا سئل أمير المؤمنين عثمان ابن عفان عن (الباقيات الصالحات) ما هي؟ فقال: هي لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وروى الإمام أحمد ...
عن الحارث مولى عثمان ﵁ قال: جلس عثمان يوما وجلسنا معه، فجاءه المؤذن، فدعا بماء في إناء، أظنه سيكون فيه مدّ، فتوضأ ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ وضوئي هذا، ثم قال: «من توضأ وضوئي هذا، ثم قام فصلّى صلاة الظهر، غفر له ما كان بينها وبين الصبح، ثم صلّى العصر غفر له ما بينها وبين الظهر، ثم صلّى المغرب غفر له ما بينها وبين العصر، ثم صلّى العشاء غفر له ما بينها وبين المغرب، ثم لعله يبيت يتمرغ ليلته، ثم إن قام فتوضأ وصلّى صلاة الصبح، غفر له ما بينها وبين صلاة العشاء، وهنّ الحسنات يذهبن السيئات» قالوا: هذه الحسنات فما الباقيات الصالحات يا عثمان؟ قال: هى لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وروى مالك عن عمارة بن عبد الله بن صياد، عن
стр. 3026
سعيد بن المسيب قال: (الباقيات الصالحات): سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وقال محمد بن عجلان عن عمارة قال:
سألني سعيد بن المسيب عن (الباقيات الصالحات) فقلت: الصلاة والصيام فقال: لم تصب. فقلت: الزكاة والحج فقال: لم تصب ولكنهن الكلمات الخمس لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وروى ابن جريج ...
عن نافع بن سرجس أنه أخبره أنه سأل ابن عمر عن (الباقيات الصالحات) قال: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، قال ابن جريج: وقال عطاء بن أبي رباح مثل ذلك، وقال مجاهد: (الباقيات الصالحات) سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. وروى عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الحسن وقتادة في قوله وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ قال: لا إله إلا الله، والله أكبر، والحمد لله، وسبحان الله: هنّ الباقيات الصالحات، روى ابن جرير: .... عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، هن الباقيات الصالحات». وروى أيضا .... عن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ قال:
«استكثروا من الباقيات الصالحات» قيل وما هي يا رسول الله؟ قال: «الملة»، قيل:
وما هي يا رسول الله؟ قال: «التكبير، والتسبيح، والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله».
قال ابن وهب أخبرني أبو صخر أن عبد الله بن عبد الرحمن مولى سالم بن عبد الله حدثه قال: أرسلني سالم إلى محمد بن كعب القرظي في حاجة، فقال: قل له: القني عند زاوية القبر، فإن لي إليك حاجة، قال: فالتقيا، فسلّم أحدهما على الآخر، ثم قال سالم: ما تعد الباقيات الصالحات؟ فقال: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فقال له سالم: متى جعلت فيها «لا حول ولا قوة إلا بالله»؟
قال: ما زلت أجعلها قال: فراجعه مرتين- أو ثلاثا- فلم ينزع، قال فأثبت؟ قال سالم: أجل فأثبت؛ فإن أبا أيوب الأنصاري حدثني أنّه سمع رسول الله ﷺ وهو يقول: «عرج بي إلى السماء فرأيت إبراهيم ﵇، فقال: يا جبريل من هذا الذي معك؟ فقال: محمد، فرحّب بي وسهّل، ثم قال: مر أمّتك فلتكثر من غراس الجنة، فإن تربتها طيبة، وأرضها واسعة، فقلت: وما غراس الجنة قال: لا حول ولا قوة إلا بالله».
стр. 3027
وروى الإمام أحمد ... عن رجل من آل النعمان بن بشير قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن في المسجد بعد صلاة العشاء، فرفع بصره إلى السماء ثم خفض حتى ظننا أنه قد حدث في السماء شئ ثم، قال: «أما إنه سيكون بعدي أمراء، يكذبون ويظلمون، فمن صدّقهم بكذبهم ومالأهم على ظلمهم، فليس مني ولا أنا منه، ومن لم يصدّقهم بكذبهم، ولم يمالئهم على ظلمهم، فهو مني وأنا منه. ألا وإن سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، هنّ الباقيات الصالحات».
وروى الإمام أحمد ... عن مولى لرسول الله ﷺ أنّ رسول الله ﷺ قال: «بخ بخ لخمس ما أثقلهنّ في الميزان: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، والولد الصالح يتوفّى فيحتسبه والده- وقال- بخ بخ لخمس: من لقي الله مستيقنا بهنّ، دخل الجنة: يؤمن بالله، واليوم الآخر، وبالجنة، وبالنار، والبعث بعد الموت، وبالحساب».
وروى الإمام أحمد ... عن حسان بن عطية قال: كان شدّاد بن أوس ﵁ في سفره، فنزل منزلا فقال لغلامه: «ائتنا بالسفرة نعبث بها» فأنكرت عليه فقال: ما تكلمت بكلمة منذ أسلمت إلا وأنا أخصمها وأزمها غير كلمتي هذه، فلا تحفظوها عليّ، واحفظوا ما أقول لكم: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا كنز الناس الذهب والفضة، فاكنزوا هؤلاء الكلمات: اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، وأسألك شكر نعمتك، وأسألك حسن عبادتك، وأسألك قلبا سليما، وأسألك لسانا صادقا، وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شر ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم، إنك أنت علّام الغيوب». وروى الطبراني: .... عن سعد بن جنادة ﵁ قال: كنت في أول من أتى النبي ﷺ من أهل الطائف، فخرجت من أهلي من السراة غدوة، فأتيت منى عند العصر، فتصاعدت في الجبل ثم هبطت، فأتيت النبي ﷺ فأسلمت وعلّمني قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. وإِذا زُلْزِلَتِ وعلمني هؤلاء الكلمات: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر وقال:
«هن الباقيات الصالحات». وبنفس الإسناد: «من قام من الليل فتوضأ ومضمض فاه ثم قال: سبحان الله، مائة مرة، والحمد لله مائة مرة، والله أكبر مائة مرة، ولا إله إلا الله مائة مرة، غفرت ذنوبه إلا الدماء، فإنها لا تبطل». وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ قال: هي ذكر الله، قول لا إله إلا الله،
стр. 3028
والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، وتبارك الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وأستغفر الله، وصلّى الله على رسول الله، والصيام، والصلاة، والحج، والصدقة، والعتق، والجهاد، والصلة، وجميع أعمال الحسنات، وهن الباقيات الصالحات، التي تبقى لأهلها في الجنة، ما دامت السموات والأرض. وقال العوفي عن ابن عباس: هي الكلام الطيب. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هي الأعمال الصالحة كلها، واختاره ابن جرير ﵀.»
ولنلاحظ بخاصة ما ذكر ابن كثير من حديث الإمام أحمد: «أما إنه سيكون بعدي أمراء يكذبون ويظلمون، فمن صدّقهم بكذبهم ومالأهم على ظلمهم، فليس مني ولا أنا منه ومن لم يصدّقهم بكذبهم ولم يمالئهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه ..... »
فإن في هذا الحديث نورا خاصا تضاء به ظلمات معاصرة.
٢ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً .. ]
بمناسبة قوله تعالى: مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها يذكر ابن كثير ما رواه الطبراني عن سعد بن جنادة قال: لما فرغ رسول الله ﷺ من غزوة حنين، نزلنا قفرا من الأرض ليس فيه شئ، فقال النبي ﷺ :
«اجمعوا، من وجد عودا فليأت به، ومن وجد حطبا أو شيئا فليأت به، قال: فما كان إلا ساعة حتى جعلناه ركاما، فقال: النبي ﷺ : «أترون هذا؟ فكذلك تجمع الذنوب على الرجل منكم، كما جمعتم هذا، فليتق الله رجل، ولا يذنب صغيرة ولا كبيرة، فإنّها محصاة عليه».
٣ - [حديث بمناسبة قوله تعالى وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً]
وبمناسبة قوله تعالى: وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً يذكر ابن كثير الحديث المخرج في الصحيحين عن أنس عن النبي ﷺ قال: «لكل غادر لواء يوم القيامة يعرف به».
٤ - [حديث بمناسبة قوله تعالى وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً]
وبمناسبة قوله تعالى: وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً يذكر ابن كثير الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: بلغني حديث عن رجل سمعه من النبي ﷺ ، فاشتريت بعيرا ثم شدّدت عليه رحلا، فسرت عليه شهرا، حتى قدمت عليه الشام، فإذا عبد الله بن أنيس، فقلت للبواب: قل له جابر على الباب فقال: ابن عبد الله؟ قلت: نعم، فخرج يطأ ثوبه، فاعتنقني واعتنقته، فقلت: حديث بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله ﷺ في القصاص، فخشيت أن تموت، أو أموت قبل أن أسمعه، فقال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
стр. 3029
يقول: «يحشر الله الناس يوم القيامة» - أو قال العباد عراة غرلا بهما» قلت وما بهما؟ قال: «ليس معهم شئ، ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد، كما يسمعه من قرب: أنا الملك، أنا الديان، لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار، وله عند أحد من أهل الجنة حق، حتى أقصّه منه، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة، وله عند رجل من أهل النار حق حتى أقصّه منه، حتى اللطمة قال: قلنا كيف وإنما نأتي الله حفاة عراة غرلا؟ قال: بالحسنات والسيئات».
وقفة حول ما مرّ من السورة:
بدأت السورة بقوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً* قَيِّماً وقد رأينا فيما عرضته السورة نموذجا على استقامة ما يدعو إليه الكتاب، وعلى استقامة كل ما فيه من معنى، أو لفظ، أو أسلوب، ثم قال تعالى:
لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وقد رأينا في السورة نماذج من الإنذار، إن في التذكير بالنار، أو في التذكير بالعذاب الدنيوي في قصة أصحاب الجنتين، أو في عرض ما يكون يوم القيامة، ثم قال تعالى: وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً* ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً وقد رأينا فيما عرض الله ما أعده للمؤمنين الذين يعملون الصالحات. ثم قال: وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً* ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً ولا نجد أنه عرض لهذا الموضوع بعد ذلك، فكأنه موضوع انتهى الكلام فيه ثم قال: فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً ونلاحظ أن السورة في مقاطعها،
ومجموعاتها، تخاطب رسول الله ﷺ : (أَمْ حَسِبْتَ)، (وَلا تَقُولَنَّ)، (وَاتْلُ)، (وَاصْبِرْ)، (وَقُلْ) *، (وَاضْرِبْ) * «واذكر» المقدّرة، ثم ويسألونك، ثم قل، فالسورة تسري عن رسول الله ﷺ ، وتوجهه لما ينبغي فعله أمام المواقف الكافرة. ثم يأتي قوله تعالى: إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً ورأينا أن قصة أهل الكهف، وما جاء بعدها، وقصة أصحاب الجنتين، والمثل الذي ضربه الله للحياة الدنيا، وعرض ما يكون من حال يوم القيامة، كل ذلك يخدم الآيتين. وقد رأينا ارتباط ذلك كله بمحور السورة من البقرة، فالصلة إذن ما بين مقدمة السورة ومضمونها واضحة، والصلة بين السورة ومحورها من البقرة واضحة.
стр. 3030
والآن يصل السياق إلى مقطع جديد، يخاطب به هؤلاء الذين زينت لهم الحياة الدنيا فينذرون كرّة أخرى، وتقام عليهم الحجة، ويعلّل فيه للهداية وللضلال، ولتأخير العذاب، وهي مواضيع تخدم- كما سنرى- سياق السورة، وتخدم محورها، وخاصة موضوع اجتناب خطوات الشيطان، وسنرى هذا بالتفصيل- إن شاء الله تعالى- وهذا هو المقطع:
***
стр. 3031
المقطع الثالث ويمتد من الآية (٥٠) إلى نهاية الآية (٥٩) وهذا هو:
١٨/ ٥٩ - ٥٠
стр. 3032
التفسير:
وَإِذْ قُلْنا أي واذكر إذ قلنا لِلْمَلائِكَةِ أي لجميعهم اسْجُدُوا لِآدَمَ أي سجود تشريف وتكريم فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ قال ابن كثير: أي خانه أصله، فإنه خلق من مارج من نار، وأصل خلق الملائكة من نور، كما ثبت في صحيح مسلم عن عائشة ﵂، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «خلقت الملائكة من نور، وخلق إبليس من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم». فعند الحاجة نضح كل إناء بما فيه، وخانه (أي إبليس) الطبع عند الحاجة، وذلك أنه كان توسّم بأفعال الملائكة، وتشبّه بهم وتنسّك. فلهذا دخل في خطابهم، وعصى بالمخالفة، ونبه تعالى على أنه من الجن أي على أنه خلق من نار كما قال: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (الأعراف: ١٢) قال الحسن البصري: ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين، وإنه لأصل الجن، كما أن آدم ﵇ أصل البشر، رواه ابن جرير بإسناد صحيح فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أي فخرج عن طاعة الله، ثم قال تعالى مقرّعا، وموبّخا لمن اتبعه وأطاعه: أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي أي بدلا عني، والاستفهام للإنكار والتعجب، كأنه قيل: أعقيب ما وجد منه تتخذونه وذريته أولياء من دوني، وتستبدلونهم بي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ أي والحال أنهم لكم أعداء بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا أي بئس البدل، إبليس لمن استبدله فأطاعه بدل طاعة الله
ما أَشْهَدْتُهُمْ أي ما أشهدت إبليس وذريته خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني أنكم اتخذتموهم شركاء لي في العبادة، وإنما يكونون شركاء فيها لو كانوا شركاء في الإلهية، فنفي مشاركتهم في الإلهية، ينفي شهودهم خلق السموات والأرض، لعدم احتياجه إليهم، لا في الخلق ولا في المشاورة وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ أي ولا أشهدت بعضهم خلق بعض وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً أي وما كنت متخذهم عضدا: أي أعوانا، فإذا لم يكونوا عضدا لي في الخلق، فما لكم تتخذونهم شركاء لي في العبادة.
فالمعنى: أنا المستقل بخلق الأشياء كلها، ومدبّرها، ومقدّرها وحدي، ليس معي في ذلك شريك ولا وزير، ولا مشير ولا نظير، فكيف تتخذون عبيدا أمثالكم أولياء من
стр. 3033
دوني، وهم لا يملكون شيئا، ولا أشهدتهم خلق السموات والأرض، ولا كانوا إذ ذاك موجودين.
فائدة: [حول آية ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ .. أهم أسباب الضلال في كل العصور]
بمناسبة قوله تعالى: ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً نقول: إن من أهم أسباب الضلال في العصور عامة وفي عصرنا خاصة النظريات الخاطئة في أصل نشأة الكون، ونشأة الإنسان، ولذلك ركّزنا على هذا الموضوع في ظاهرتي الحدوث والحياة من كتابنا (الله) ﷻ ، إن نظريات داروين مثلا، والنظريات التي تقول بقدم المادة، من أهم ما يتكأ عليه الملحدون في إلحادهم، مع أن هذه النظريات كلها منقوضة بحقائق علمية لا تقبل جدلا، وقد كتب الكثير حول هذا الموضوع: وبين يديّ كتاب لطيف اسمه (الحجج العصماء في نقض نظرية داروين في النشوء والارتقاء) يذكر فيه مؤلفه إحدى عشرة حجّة تدحض هذه النظرية، منها قضية الصبغيات، وناقلات الوراثة، ومنها عدم التزاوج بين الأنواع، ومنها طبقات الأحياء في طبقات الأرض، إلى غير ذلك مما ذكره، جزاه الله خيرا، وقد أشرنا إلى مثل هذه الأمور وغيرها عند الكلام عن ظاهرة الحياة كما ذكرنا، وإن الآية التي ذكرناها لمعجزة في سياقها تدحض هذا الزلل ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ
كلمة في السياق:
ما محل التذكير بهاتين الآيتين في السياق الخاص لسورة الكهف؟ وما محل التذكير بهاتين الآيتين في السياق العام؟:
إن اتخاذ الشيطان وليا هو بداية الشر في كل شأن، هو بداية الكفر، وهو بداية الفسوق، وهو بداية كل فكرة ظالمة أو كافرة، وبداية السير في طريق كل شهوة خاسرة،
وهو العامل في تزيين الحياة الدنيا، واتباع خطراته هي الفسوق عن أمر الله، ومن ثم خوطب الخلق ليتحرروا من ولايته. وأقيمت عليهم الحجة في أن الله وحده هو الولي، ومظهر ولايته الاستسلام له وحده في كل شئ. بالدخول في دينه، فإذا عرفنا هذا أدركنا محل الآيتين في السياق الخاص للسورة، والسياق العام للقرآن.
стр. 3034
وبعد أن بين الله أن هؤلاء الذين اتخذهم الكافرون أولياء، كما أنهم ليس لهم علاقة في الخلق، فكذلك لا حول لهم ولا طول يوم القيامة، فخلق هذا شأنهم كيف يتخذون آلهة وأربابا وأولياء!.
...
وَيَوْمَ يَقُولُ أي للكفار تقريعا لهم وتوبيخا، على رءوس الأشهاد نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ في دار الدنيا، ادعوهم اليوم ينقذونكم مما أنتم فيه فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً أي مهلكا، أي وجعلنا بينهم وبين من اتخذوهم أولياء مكان هلاك وعذابا شديدا. وفي الآية أقوال أخرى. قال ابن كثير في تفسير الموبق: والظاهر من السياق هاهنا أنه المهلك، ويجوز أن يكون واديا في جهنم، أو غيره. والمعنى: أن الله تعالى بيّن أنه لا سبيل لهؤلاء المشركين: ولا وصول لهم إلى آلهتهم التي كانوا يزعمون في الدنيا: وأنّه يفرّق بينهم وبينها في الآخرة، فلا خلاص لأحد من الفريقين إلى الآخر، بل بينهما مهلك وهول عظيم وأمر كبير
وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أي أيقنوا، واستعمال كلمة الظن هنا للإشعار بأن أنفسهم تريد أن تهرب من الحقيقة أَنَّهُمْ مُواقِعُوها أي مخالطوها وواقعون فيها. قال ابن كثير في الآية: تحققوا لا محالة أنهم مواقعوها، ليكون ذلك من باب تعجيل الهمّ، والحزن لهم فإنّ توقّع العذاب والخوف منه قبل وقوعه عذاب ناجز وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً أي معدلا، أي ليس لهم طريق يعدل بهم عنها، ولا بذلهم منها. وهذه المعاينة لجهنم تكون عند ما يؤتى بجهنم تقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك. فهذه هي عاقبة اتخاذ الشيطان وليا من دون الله.
كلمة في السياق:
دلت الآيات على أن نقطة الخطأ التي لا أكبر منها، هي اتخاذ الشيطان وليا من دون الله، فهي نقطة الخطأ العقلي، والسلوكي التي توصل إلى النار، وما أصعب النار، وما أشدها، وما أصعب ما قبلها من خزي وذلة وانتظار، وما أشده، فليجتنب الإنسان اتباع خطوات الشيطان، وليحذر أن يكون من جنده الذين زين لهم الحياة الدنيا، وجعلهم يسخرون من أهل الإيمان، مع أن أهل التقوى هم الذين لهم العاقبة، وهم فوقهم يوم القيامة.
وقد فسر بعض المفسرين وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً أي جعل الله بين المشركين ومن
стр. 3035
عبدوهم من الملائكة وعزير وعيسى أمدا بعيدا، لأن الكافرين في قعر جهنم، وهم في أعلى الجنان: فتكون المجموعة على هذا التفسير تخدم قوله تعالى من محور السورة في البقرة وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ.
وفي هذا المقام مقام إقامة الحجة على المشركين- يذكر الله نعمته على خلقه بهذا القرآن، وطبيعة الإنسان التي تصرفه عن الاستفادة الكاملة من هذا القرآن، قال تعالى:
وَلَقَدْ صَرَّفْنا أي كررنا وبيّنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ يحتاجون إليه وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا أي وكان الإنسان أكثر الأشياء التي يتأتى منها الجدل إن فصلتها واحدا بعد واحد، خصومة ومماراة بالباطل، يعني أن جدل الإنسان أكثر من جدل كل شئ، جاءت هذه الآية بعد أن بيّن الله عاقبة الذين اتخذوا الشياطين أولياء، مبينا فيها أنه قد وضّح لهم في هذا القرآن الأمور، وفصّلها، كيلا يضلّوا عن الحق، ويخرجوا عن طريق الهدى، ومع هذا البيان في هذا القرآن، فإن الإنسان كثير المجادلة والمخاصمة، والمعارضة للحق بالباطل، إلا من هداه الله وبصّره، ولقد رأينا في هذه السورة، كم من مثل ضربه الله لينقل الإنسان إلى الحال الأعلى، ورأينا نموذجا على جدال الإنسان بالباطل في بعض هذه الأمثال، إن هذا المقطع يعكس أنواره على كل ما سبقه من السورة، وإذ قرّر الله في الآية خاصية هذا القرآن، وطبيعة هذا الإنسان، يبيّن في الآيتين اللاحقتين، أنه ﷻ ما ترك مانعا يمنع أحدا من الإيمان إلا هدّمه، لولا طبيعة الإنسان الكافر فقال:
وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى أي جاءتهم أسبابه وهي الكتاب أو الرسول أو الوحي وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ على ما فرّطوا في جنابه إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ وهي الإهلاك أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلًا أي عيانا أو أنواعا، أي إن الآيات من الدلالة والوضوح، بحيث لا تبقي مانعا يمنع من الإيمان، ولكنها الطبيعة الجحود التي لا تصدق إلا إذا أهلكت، أو رأت عذاب الآخرة، فهي لا تصدق ما أنذرها به الرسل حتى يقع، والرسل مهمتهم التبشير والإنذار ليس إلا، وقد جعل الله معهم كل ما تقوم به الحجة، ولكن طبيعة الكفر تحول دون القبول
وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ مبشّرين لمن آمن بهم وصدقهم، ومنذرين لمن كذّبهم وخالفهم وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ أي ليزيلوا ويبطلوا ويضعفوا به الحق الذي جاءتهم به الرسل، وليس ذلك بحاصل لهم، دلّ هذا على أن ما بعث به الرسل هو الحق، وأنه لا حجة لكافر، وإنما جداله للباطل وبالباطل وَاتَّخَذُوا أي الكافرون آياتِي أي الحجج
стр. 3036
والبراهين وخوارق العادات التي بعث بها الرسل وَما أُنْذِرُوا أي وما أنذرهم به الرسل، وخوّفوهم به من العذاب في الدنيا والآخرة هُزُواً أي موضع استهزاء.
كلمة في السياق:
جاءت هاتان الآيتان بعد قوله تعالى: وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا وظهر من خلالهما أن الكافر هو الذي يجادل بالباطل،
فهو الذي يحاول إزالة هذا القرآن وإضعافه، وأن هذا القرآن لم يبق حجة لأحد، وأن الكافرين اجتمع لهم- مع محاولاتهم دحض حجج الحق- أنهم يتخذون الإنذار محل هزؤ، فإذا تذكّرنا مقدمة سورة الكهف، وأنّ هذا القرآن مبشّر ومنذر، عرفنا محل هذه الآيات في السياق الخاص لسورة الكهف، وأنّ الأمثلة التي سبقتها تخدمها، وهي تخدم ما قبلها بشكل مباشر، وكما تخدم سياق سورة الكهف، فهي تخدم محورها من سورة البقرة زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا إذ بينت أن الكافرين يستهزءون بآيات الله، وبنذره، واستهزاؤهم بذلك استهزاء بمن ظهرت معه الآيات والنذر، وهم المرسلون أسياد المؤمنين، فهذا نوع بيان وتفصيل لقوله تعالى في سورة البقرة وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وإذ يقف الكافرون من آيات الله هذا الموقف، مكذبين ومستهزءين ورافضين للإيمان والاستغفار، مع وضوح الحجة وقيامها، وكرامة الرسل عليهم الصلاة والسلام وفضلهم، بيّن الله في الآية اللاحقة أنه لا أظلم من هؤلاء.
...
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها فلم يتذكّر ولم يتدبّر ولم يؤمن وَنَسِيَ عاقبة ما قَدَّمَتْ يَداهُ من الكفر والمعاصي، غير متفكر فيها ولا ناظر ولا مستغفر. ثم علّل إعراضهم ونسيانهم بأنهم مطبوع على قلوبهم، بسبب أعمالهم ومواقفهم إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أي أغطية أَنْ يَفْقَهُوهُ أي لئلا يفهموا هذا القرآن الذي فصّله الله وصرّفه، وضرب فيه من كل مثل وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً قال ابن كثير: أي صمما معنويا عن الرشاد. قال النسفي أي: ثقلا عن استماع الحق وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى أي إلى الإيمان فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً أي فلا يكون منهم اهتداء البتة، وحتى لا يظن ظان، أنّ جعل الحجاب على قلوبهم، والوقر في آذانهم، ظلما أو قسوة، بيّن تعالى أنه الغفور ذو الرحمة الواسعة، فلم يعاقبهم هذا العقاب إلا لاستحقاقهم الكامل له.
стр. 3037
وَرَبُّكَ الْغَفُورُ أي البليغ المغفرة ذُو الرَّحْمَةِ أي الموصوف بالرحمة وعلامة رحمته عدم تعجيل العذاب لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ فعدم تعجيله العذاب دليل رحمته ومغفرته، فإنه يحلم ويستر ويغفر ويمهل، ولكن من كمال رحمته أنه لا يهمل. فالرحمة الدائمة في الكافرين متعبة للمؤمنين الذين هم عباده وأولياؤه، ومن ثم فلكل كافر موعد بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا أي ليس لهم عنه محيص ولا محيد ولا معدل، وكمثال على ذلك فعله في الأمم السالفة والقرون الخالية
وَتِلْكَ الْقُرى أي أصحابها أَهْلَكْناهُمْ بسبب كفرهم لَمَّا ظَلَمُوا أي حين ظلموا وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً أي جعلناه إلى مدة معلومة، ووقت معيّن، لا يزيد ولا ينقص، أي وضربنا لإهلاكهم وقتا معلوما، لا يتأخرون عنه، فتلك سنته تعالى. فليحذر الكافرون في كل زمان ومكان.
كلمة في المقطع:
لو أردنا أن نترجم هذا المقطع لأوامر لفهمنا منه الأوامر التالية:
١ - اتخذوا الله وليا، ولا تتخذوا الشيطان وليا، ولا تشركوا بالله شيئا.
٢ - اهتدوا بهدى القرآن ولا تجادلوا بالباطل لتدحضوه.
٣ - آمنوا بالله واستغفروه.
٤ - لا تسخروا بآيات الله ولا تستهزءوا بنذره.
٥ - لا تعرضوا عن آيات الله، ولا تنسوا ذنوبكم.
إلا أنها جاءت في السياق بصيغة الإنذار ليظهر بها نوع من خصائص هذا القرآن المذكور في قوله تعالى: وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ.
ونلاحظ أن هذا المقطع جاء في وسط السورة بعد ضرب أمثال كثيرة، فكأن هذا المقطع جاء ليقرّر مجموعة الأوامر التي تعالج الأمراض التي تحدثت عنها السورة، والتي تنبع كلها من موضوع تزيين الحياة الدنيا. فالشيطان هو الذي يزين الحياة الدنيا؛ فلا تتخذوه وليا، وتزيين الحياة الدنيا يرافقه إعراض عن الآيات، ونسيان للذنوب؛ فلا تعرضوا، ولا تنسوا ذنوبكم، والمخلص من تزيين الحياة الدنيا هو الإيمان بالله، والاستغفار، والاهتداء بهدى القرآن، فآمنوا، واستغفروا، واهتدوا. وهذا كله يقتضي تسليما لله تعالى يتمثّل بالتسليم لهذا القرآن. فلا تجادلوا واستسلموا. وكل ذلك قد صيغ بأسلوب القرآن المعجز، الذي تظهر في كل مجموعة منه مجموع خصائص
стр. 3038
القرآن، من بيان وتمثيل وتصريف للمعاني، وتبشير وإنذار، وهداية مباشرة وغير مباشرة فتتولّد نتيجة لذلك معان لا حدّ لها ولا حصر ولا عدّ.
...
فوائد:
١ - [فائدة حول الأقوال الواردة في أصل إبليس]
رأينا أن ابن كثير رجّح أن إبليس من الجن، وهو الذي يدل عليه ظاهر النص في سورة الكهف، ولكنه نقل في تفسيره مجموعة الأقوال الواردة في أصل إبليس. وبعد أن ذكر مجموعة الأقوال هذه قال: وقد روي في هذا آثار كثيرة عن السلف، وغالبها من الإسرائيليات التي تنقل لينظر فيها والله أعلم بحال كثير منها، ومنها ما قد يقطع بكذبه لمخالفته للحق الذي بأيدينا، وفي القرآن غنية عن كل ما عداه من الأخبار المتقدمة؛ لأنها لا تكاد تخلو من تبديل وزيادة ونقصان، وقد وضع فيها أشياء كثيرة، وليس لهم من الحفّاظ المتقنين الذين ينفون عنها تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، كما لهذه الأمة من الأئمة والعلماء، والسادة والأتقياء، والبررة والنجباء، من
الجهابذة النقاد، والحفاظ الجياد، الذين دوّنوا الحديث وحرّروه، وبيّنوا صحيحه من حسنه، من ضعيفه من منكره، وموضوعه ومتروكه، ومكذوبه، وعرفوا الوضّاعين والكذابين والمجهولين، وغير ذلك من أصناف الرجال، كل ذلك صيانة للجناب النبوي، والمقام المحمدي، خاتم الرسل، وسيّد البشر ﷺ أن ينسب إليه كذب، أو يحدّث عنه بما ليس منه، فرضي الله عنهم وأرضاهم، وجعل الفردوس مأواهم.
٢ - [ما ذكره ابن كثير من أقوال في تفسير كلمة (موبقا) في آية وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً]
رأينا أن ابن كثير رجح أن معنى (موبقا) في قوله تعالى: وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً أي مهلكا، إلا أنه نقل الأقوال الأخرى في هذا المقام، ونذكرها نحن هنا للفائدة: قال ابن عباس وقتادة وغير واحد: مهلكا، وقال قتادة ذكر لنا أن عمر البكائي حدّث عن عبد الله بن عمرو وقال: هو واد عميق، فرق به يوم القيامة بين أهل الهدى وأهل الضلالة. وقال قتادة: موبقا واديا في جهنم. وروى ابن جرير بسنده أن أنس بن مالك قال في قول الله تعالى وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً قال: واد في جهنم من قيح ودم، وقال الحسن البصري: موبقا عداوة. والظاهر من السياق أنه المهلك، ويجوز أن يكون واديا في جهنم أو غيره، والمعنى أن الله تعالى بيّن أنه لا سبيل لهؤلاء المشركين، ولا وصول لهم إلى آلهتهم التي كانوا يزعمون في الدنيا، وأنه يفرق بينهم وبينها في الآخرة، فلا خلاص لأحد من الفريقين إلى الآخر، بل بينهما مهلك، وهول
стр. 3039
عظيم، وأمر كبير. وأما إن جعل الضمير في قوله (بينهم) عائدا إلى المؤمنين والكافرين، كما قال عبد الله بن عمرو: وأنه يفرق بين أهل الهدى والضلالة به فهو كقوله تعالى: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (الروم: ١٤) وقال:
يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (الروم: ٤٣) وقال تعالى: وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (يس: ٢٩) وقال تعالى: وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ- إلى قوله- وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (يونس: ٢٨ - ٣٠).
٣ - [حديثان بمناسبة قوله تعالى وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ .. ]
يذكر ابن كثير بمناسبة قوله تعالى: وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً حديثين قال: روى ابن جرير ... عن أبي سعيد عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن الكافر ليرى جهنم فيظن أنها مواقعته من مسيرة أربعمائة سنة». وروى الإمام أحمد ... عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ :
«ينصب الكافر مقدار خمسين ألف سنة، كما لم يعمل في الدنيا، وإن الكافر ليرى جهنم ويظن أنها مواقعته من مسيرة أربعين سنة».
٤ - [حديث بمناسبة قوله تعالى وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا]
وبمناسبة قوله تعالى: وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا يذكر ابن كثير الحديث الذي رواه الإمام أحمد، وأخرجاه في الصحيحين، عن علي بن أبي طالب: أن رسول الله ﷺ طرقه وفاطمة بنت رسول الله ﷺ ليلة. فقال: «ألا تصليان» فقلت: يا رسول الله: إنما أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف حين قلت ذلك ولم يرجع إليّ شيئا، ثم سمعته وهو مولّ يضرب فخذه ويقول: وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا دلّ هذا الحديث على أن الاحتجاج بالقدر في حالة التقصير عن الكمال خلاف الأدب الإسلامي فضلا عن الاحتجاج بذلك لترك الفرائض والواجبات ومواقعة المعاصي.
كلمة في السياق: [حول صلة المقطع الثالث بالمقطع الرابع وبمحور السورة]
ورد قوله تعالى في سورة البقرة زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ في سياق قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ.
وورود آية زُيِّنَ* في هذا السياق يفيد أن العامل الأول في صرف الناس عن
стр. 3040
الدخول في الإسلام كافة هو تزيين الحياة الدنيا، وازدراء أهل الإيمان، وفي مقابل ذلك يقرر الله أن المتقين فوق الكافرين في الآخرة، وأنه هو الذي يرزق من يشاء، كافرا أو مؤمنا بغير حساب. وقد جاءت سورة الكهف لتفصّل هذه المعاني: فحدّثتنا عن تزيين الحياة الدنيا، وحدّثتنا عن سخرية الكافرين بالإيمان وأهله وأنذرتهم ذلك.
والآن تأتي معنا قصة موسى والخضر ﵉. وقصة ذي القرنين، وفي هاتين القصتين تفصيل لقوله تعالى: وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ* ففي قصة الخضر ﵇ نموذج للزرق المعنوي بغير حساب.
وفي قصة ذي القرنين نموذج للرزق المادي والمعنوي بغير حساب. فكأن السورة في مقاطعها الأولى فصّلت قوله تعالى: زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وهي في مقطعيها القادمين تفصّل قوله تعالى: وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ.*
ثم تأتي الخاتمة وهي المقطع السادس لتفصّل التفصيل الأخير.
وكأن السورة تقول: يا أيها المنصرفون عن الدخول في الإسلام كله. ويا أيها المتّبعون لخطوات الشيطان، إن كنتم تريدون بذلك الرزق، فأنتم مخطئون؛ فالرزق كله الحسي والمعنوي من الله، ويا أيها الذين زينت لهم الحياة الدنيا، وسخروا من أولياء الله، إن الرزق كله من الله فأنتم مخطئون.
ولكن المقطعين وإن كانا في سياقهما العام يخدمان ما قدمنا، فإنهما في سياقهما الخاص يعطياننا معاني كثيرة، وتلك سنّة القرآن، إذ يعطينا معنى من خلال المعنى الحرفي، ومعنى من خلال الآية مع غيرها، ومعنى من خلال المقطع وحده، ومعنى من خلال المقطع ضمن سياق السورة.
...
في قصة موسى والخضر عليهما نجد قوله تعالى: فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً. وفي قصة ذي القرنين إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً. فهما نموذجان على رزق الله عبدا من عباده بغير حساب، ولكن في القصتين من التأديب والتوجيه والعبرة، وتفصيل قضايا حياتية، ما لا يحيط به إلا الله. وكل ما مرّ معنا، وما يمر، يخدم قضية الدخول في الإسلام
стр. 3041
كافة، واجتناب خطوات الشيطان بشكل مباشر، أو غير مباشر، فلنر المقطع الرابع ويتضمن قصة موسى والخضر ﵉.
المقطع الرابع ويمتد من الآية (٦٠) إلى نهاية الآية (٨٢) وهذا هو:
١٨/ ٨٢ - ٦٠
стр. 3042
نقل [حول ما ورد في التأكيد على أن الخضر هو صاحب موسى ﵉]
نقل ابن كثير مجموعة أحاديث عن رسول الله ﷺ تفصّل هذه القصة في سياق التأكيد على أن الخضر هو صاحب موسى، وأن موسى هو رسول الله ﷺ لا كما زعم بعضهم، أن المراد بموسى في الآية غيره. ونحن نختار أن ننقل الرواية الأولى التي ذكرها ابن كثير وهي إحدى روايات البخاري. وهذه هي:
стр. 3043
أخرج البخاري بسنده .... إلى سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: إن نوفا البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ﵇ ليس هو موسى صاحب بني إسرائيل. قال ابن عباس: كذب عدو الله، حدثنا أبي بن كعب ﵁، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إن موسى قام خطيبا في بني إسرائيل فسئل أي الناس أعلم؟ فقال: أنا. فعتب الله عليه إذ لم يردّ العلم إليه، فأوحى الله إليه إنّ لي عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك. قال موسى: يا رب وكيف لي به؟ قال تأخذ معك حوتا فتجعله بمكتل، فحيثما فقدت الحوت فهو ثم» فأخذ حوتا فجعله بمكتل، ثم انطلق وانطلق معه فتاه يوشع بن نون ﵇، حتى إذا أتيا الصخرة وضعا رءوسهما فناما، واضطرب الحوت في المكتل، فخرج منه، فسقط في البحر، فاتخذ سبيله في البحر سربا، وأمسك الله عن الحوت جرية الماء، فصار عليه مثل الطاق، فلما استيقظ نسي صاحبه أن يخبره بالحوت، فانطلقا بقية يومهما وليلتهما حتى إذا كان من الغد قال موسى لفتاه آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً ولم يجد موسى النّصب حتى جاوز المكان الذي أمره الله به قال له فتاه أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً.
قال: فكان للحوت سربا ولموسى وفتاه عجبا، فقال ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً قال: فرجعا يقصّان أثرهما حتى انتهيا إلى الصخرة، فإذا رجل مسجّى بثوب، فسلّم عليه موسى، فقال الخضر: وأنّى بأرضك السلام! فقال: أنا موسى. فقال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم. قال: أتيتك لتعلمني مما علمت رشدا قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً يا موسى إني على علم من علم الله علّمنيه لا تعلمه أنت. وأنت على علم من علم الله علّمكه الله لا أعلمه فقال موسى: سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً قال الخضر: فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً* فَانْطَلَقا يمشيان على ساحل البحر فمرّت سفينة فكلّموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر فحملوهم بغير نول، فلما ركبا في السفينة لم يفجأ إلا والخضر قد قلع لوحا من ألواح السفينة بالقدوم، فقال له موسى: قد حملونا بغير نول، فعمدت إلى سفينتهم فخرقتها لِتُغْرِقَ أَهْلَها؟ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً* قالَ
стр. 3044
أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً* قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً قال: وقال رسول الله ﷺ : «فكانت الأولى من موسى نسيانا» قال: جاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة أو نقرتين فقال له الخضر: ما علمي وعلمك في علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر. ثم خرجا من السفينة فبينما هما يمشيان على الساحل، إذ أبصر الخضر غلاما بلعب مع الغلمان فأخذ الخضر رأسه فاقتلعه بيده فقتله فقال له موسى أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً* قالَ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً قال وهذه أشد من الأولى قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً، فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ أي مائلا فقام الخضر بيده فَأَقامَهُ. فقال موسى: قوم أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيفونا لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً* قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً فقال رسول الله ﷺ : «وددنا أن موسى كان صبر حتى يقص الله علينا من خبرهما».
تفسير المقطع:
وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ أي واذكر إذ قال موسى لفتاه، وفتاه هو: يوشع بن نون الذي أصبح خليفة موسى على قومه بعد وفاته، وسماه فتاه لأنه كان يخدمه ويتبعه، ويأخذ منه العلم، وفي ذلك درس للمعلمين والمتعلمين، أن يختار المعلمون أكفأ وأجود وأرضى تلاميذهم لصحبتهم وتأهيلهم، وألا يستنكف المتعلمون عن الصحبة والخدمة لا أَبْرَحُ أي لا أزال أسير حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أي حيث يلتقي البحران أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً أي ولو أني أسير زمانا طويلا. وقد فسر محمد بن كعب القرظي مجمع البحرين
بأنه: مضيق جبل طارق الحالي، حيث يلتقي البحر الأبيض المتوسط بالمحيط الأطلسي. وفسره قتادة بغير ذلك، ولا يترتب على معرفة ذلك كثير أمر، ومن ثم أجمله القرآن
فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما ظاهر النص أن مجمعا من المجامع وصلا إليه، ويبدو أنه ليس المجمع الذي كان في تصور موسى ﵇. والمجامع كثيرة.
فعندك مجمع البحر الأحمر بالمحيط الهندي، ومجمع النيل مع البحر الأبيض، ولا ندري بالضبط إذا كان المجمع واحدا من هذه. أو مجمعا آخر يلتقي فيه ماء خليج بماء بحر، أو ماء نهر كبير كشط العرب ببحر كالخليج، والمهم أنه في مجمع من مجامع بحرين حدث
стр. 3045
الحدث الآتي وهو نسيان الحوت. قال تعالى: نَسِيا حُوتَهُما أي نسي أحدهما وهو يوشع الحوت، لأنه كان صاحب الزاد، ونسب النسيان للاثنين لأن آثار النسيان تعود عليهما فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ أي طريقه فِي الْبَحْرِ سَرَباً أي دخل فيه واستتر
فَلَمَّا جاوَزا أي مجمع البحرين. وسارا ما شاء الله أن يسيرا قالَ أي موسى لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً أي تعبا، لم يتعب ولا جاع قبل ذلك، قبل مجاوزة المكان الذي هو الموعد للقاء الخضر ﵇
قالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ وما أنساني أن أذكر لك أمره إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ أي بإلقاء الخواطر الشاغلة في القلب وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً وهو أن أثره بقي إلى حيث سار
قالَ موسى ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ أي ذلك ما كنا نريد ونطلب فَارْتَدَّا أي رجعا عَلى آثارِهِما أي طريقهما قَصَصاً أي يقصان آثار مشيهما ويقفوان أثرهما، لأن ذهاب الحوت كان علما على لقاء الخضر ﵇
فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا أي الخضر مسجّى بثوب كما مر معنا في رواية البخاري آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا هي الوحي والنبوة أو الولاية وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً أي بدون واسطة أي بالإلهام
قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً أي علما ذا رشد، أرشد به في ديني، وفيه دليل على أنه لا ينبغي لأحد أن يترك طلب العلم وإن كان قد بلغ نهايته، وأن يتواضع لمن يتعلم منه
قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً أي إنك لا تقدر على مصاحبتي لما ترى مني من الأفعال التي قد تخالف شريعتك، لأني على علم من علم الله ما علمكه الله، وأنت على علم من الله ما علمنيه الله، فكل منا مكلف بأمور من الله دون صاحبه، فأنت لا تقدر على صحبتي
وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً نفى استطاعة الصبر معه على وجه التأكيد، وعلّل ذلك بأنه يتولى أمورا هي في ظاهرها مناكير، والرجل الصالح لا يتمالك إلا أن يجزع إذا رأى ذلك، فكيف إذا كان نبيا! فكأنه قال له: أنا أعرف أنك ستنكر عليّ ما أنت معذور فيه على ما لم تطّلع حكمته ومصلحته الباطنة، التي اطلعت أنا عليها دونك.
قالَ أي موسى سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً أي على ما أرى من أمورك فلا أنكر ولا أعترض وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً أي ولا أخالفك في شئ، فعندئذ شارطه الخضر ﵇:
قالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً أي فإن اتبعتني فلا تسألني عن شئ ابتداء، حتى أبدأك أنا قبل أن تبدأني، أي
стр. 3046
فمن شرط اتباعك لي أنك إذا رأيت مني شيئا، وقد علمت أنه صحيح، إلا أنه خفي عليك وجه صحته، فأنكرت في نفسك، ألا تفاتحني بالسؤال، ولا تراجعني فيه، حتى أكون أنا الفاتح عليك. قال النسفي: وهذا من أدب المتعلم مع العالم، والمتبوع مع التابع
فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها قالَ أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً أي لقد أتيت شيئا كبيرا فظيعا. قال ابن كثير: يقول تعالى مخبرا عن موسى وصاحبه- وهو الخضر- أنهما انطلقا لما توافقا واصطحبا، واشترط عليه أن لا يسأله عن شئ أنكره حتى يكون هو الذي يبتدئه من تلقاء نفسه بشرحه وبيانه، فركبا في السفينة، وقد تقدم في الحديث كيف ركبا في السفينة، وأنهم عرفوا الخضر، فحملوهما بغير نول يعني: بغير أجرة تكرمة للخضر، فلما استقلت بهم السفينة في البحر، ولجّجت أي: دخلت اللجة، قام الخضر فخرقها، واستخرج لوحا من ألواحها، ثم رفعها فلم يملك موسى ﵇ إلا أن قال منكرا عليه أَخَرَقْتَها .... فعند ما قال له الخضر مذكّرا بما تقدم من الشرط
قالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً يعني وهذا الصنيع فعلته قصدا، وهو من الأمور التي اشترطت معك ألا تنكر عليّ فيها، لأنك لم تحط بها خبرا، ولها وجه هو مصلحة ولم تعلمه أنت
قالَ أي موسى لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ أي لا تؤاخذني بالذي نسيته، أو بشيء نسيته، أو بنسياني، أراد أنه نسي وصيّته ولا مؤاخذة على الناسي وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً أي ولا تغشني عسرا من أمري، أي ولا تعسّر عليّ متابعتك، ويسّرها علي بالإغضاء وترك المناقشة، أي لا تضيّق عليّ ولا تشدّد. قال ابن كثير: ولهذا تقدم في الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: «كانت الأولى من موسى نسيانا».
فَانْطَلَقا أي بعد ذلك حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ قال ابن كثير:
وقد تقدم أنه كان يلعب مع الغلمان في قرية، من القرى وأنه عمد إليه من بينهم، وكان أحسنهم وأجملهم وأضوأهم فقتله، وقيل: إنه احتز رأسه. وقيل: رضخه بحجر. وفي رواية اقتلعه بيده، والله أعلم. فلمّا شاهد موسى ﵇ هذا أنكره أشد من الأول، وبادر وقال: أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً أي طاهرة من الذنوب، قال هذا؛ إما لأنها طاهرة عنده، أو لأنه لم يرها قد أذنبت، أو لأنها صغيرة لم تبلغ الحنث بِغَيْرِ نَفْسٍ بغير أن تقتل هي نفسا فيقتص منها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً أي ظاهر النكارة
قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ذكّره بشرطه الأول
قالَ أي موسى إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها. أي بعد هذه الكرة أو المسألة
стр. 3047
فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً أي إن اعترضت عليك بشيء بعد هذه المرة، فلا تصاحبني فقد أعذرت إليّ مرّة بعد مرّة، ومن ثم أعذرت فيما بيني وبينك في الفراق
فَانْطَلَقا أي بعد المرتين الأوليين حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها أي استضافاهم وكان أهل القرية لئاما نجلا، كما ورد في الحديث: «حتى إذا أتيا أهل قرية لئاما». فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها أي في القرية جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ أي يكاد أن يسقط فَأَقامَهُ أي فردّه إلى حال الاستقامة. قال ابن كثير: وقد تقدم في الحديث أنه رده بيديه ودعمه حتى ردّ ميله، وهذا خارق قالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً أي لأجل أنهم لم يضيّفونا كان ينبغي ألا تعمل لهم مجانا. قال النسفي: كانت الحال حال اضطرار وافتقار إلى المطعم، وقد ألزمتهما الحاجة إلى آخر كسب المرء وهو المسألة، فلم يجدوا مواسيا، فلما أقام الجدار لم يتمالك موسى لما رأى من الحرمان ومساس الحاجة أن قال: لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً أي لطلبت على عملك جعلك حتى تستدفع به الضرورة
قالَ أي الخضر هذا إشارة إلى السؤال الثالث، أي هذا الاعتراض سبب الفراق، أي لأنك شرطت عند قتل الغلام أنك إن سألتني عن شئ بعدها فلا تصاحبني فهو فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ. سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ أي بتفسير ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً
ثم بدأ يفسّر له ما خفي عليه من حكم الواقعات الثلاث: أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ أي أمامهم مَلِكٌ أي من الظلمة سيمرون عليه يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ أي صالحة جيدة لا عيب فيها غَصْباً أي مصادرة، فأردت أن أعيبها لأرده عنها لعيبها، فينتفع بها أصحابها المساكين الذين لم يكن لهم شئ ينتفعون به غيرها
وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما أي أن يغشي الوالدين المؤمنين طُغْياناً وَكُفْراً أي يعديهما بدائه، ويضلهما بضلاله، فيرتدا بسببه. وفي الحديث: «الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرا» ومن ثم خشي الخضر أن يحملهما حبه على متابعته. قال قتادة: (قد فرحا به حين ولد، وحزنا عليه حين قتل، ولو بقي لكان فيه هلاكهما فليرض امرؤ بقضاء الله، فإن قضاء الله للمؤمن فيما يكره خير).
فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً أي طهارة ونقاء من الذنوب وَأَقْرَبَ رُحْماً أي أقرب رحمة وعطفا أي أبر بوالديه
وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما أي إن هذا الجدار إنما أصلحته لأنه كان لغلامين يتيمين في
стр. 3048
المدينة، وكان تحته كنز لهما. والكنز: هو المال المدفون وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً قال ابن كثير: فيه دليل على أن الرجل الصالح يحفظ في ذريته، وتشمل بركة عبادته لهم في الدنيا والآخرة بشفاعته فيهم، ورفع درجتهم إلى أعلى درجة في الجنة؛ لتقرّ عينه بهم، كما جاء في القرآن ووردت به السنة، قال سعيد بن جبير عن ابن عباس حفظا بصلاح أبيهما، ولم يذكر لهما صلاحا فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما أي أن يبلغا الحلم وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي أي وما فعلت ما رأيت عن أمري أي اجتهادي، وإنما فعلته بأمر الله ذلِكَ أي الأجوبة الثلاث تَأْوِيلُ أي تفسير ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً أي هذا تفسير ما ضقت به ذرعا، ولم تصبر حتى أخبرك به ابتداء.
بحث مهمّ في فقه العمل الإسلامي:
لاحظنا في قصة الخضر مع موسى ﵉ أن الخضر اشترط على موسى شروطا للسير والصحبة، فلمّا أخلّ بها موسى ﵇، تمّ الفراق، وفي كثير من المراحل أو الأحيان لا يجمع المسلمين سلطة تنفيذية تجب طاعتها شرعا، فعلى المسلمين في هذه الحالة أن يعملوا مع بعضهم متعاونين لتحقيق الأهداف المفروضة، وقد جرت العادة أن يلتقي هؤلاء المتعاونون على قواعد متفق عليها، تحكمهم مع بعضهم، وعلى أنظمة متفق عليها يلتزمون بها، وعلى ضوء ذلك عادة يكون السير، ومن قصة موسى مع الخضر نفهم أنه إذا كان السير مشروطا بشرط، وحدث إخلال بهذا الشّرط فإن المخل بالشرط يفارق، ذلك حق للطرف الآخر إلا إذا تنازل عن حقه.
الفوائد:
١ - [حديثان في سبب تسمية الخضر بهذا الاسم]
في سبب تسمية الخضر خضرا يورد ابن كثير حديثين. روى الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ في الخضر قال: «إنما سمي خضرا لأنه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز من تحته خضراء».
وروى البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إنما سمي الخضر لأنه جلس على فروة فإذا هي تهتز من تحته خضراء». قال ابن كثير: والمراد بالفروة هاهنا الحشيش اليابس، وهو الهشيم من النبات، قال عبد الرزاق. وقيل المراد بذلك وجه الأرض.
стр. 3049
٢ - [أقوال العلماء في كون الخضر نبيا أو وليا أو رسولا]
هل كان الخضر نبيا أو وليا أو رسولا؟ خلاف كبير بين العلماء في ذلك وقد استدل من قال بنبوّته بقوله تعالى: وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي قال ابن كثير: وذهب كثيرون إلى أنه لم يكن نبيا بل كان وليا فالله أعلم. وكأن ابن كثير لا يترجح لديه شئ في هذا الموضوع. والمهم في هذا المقام أن نذكر أن بعض الضالين الكافرين بعد أن رجّحوا كونه وليا، بنوا على ذلك أن الولي أفضل من النبي. قال النسفي: (وقد زلّت أقدام أقوام من الضّلال في تفضيل الولي على النبي وهو كفر جلي، حيث قالوا: أمر موسى بالتعلم من الخضر وهو ولي. والجواب أن الخضر نبي، وإن لم يكن كما زعم البعض فهذا ابتلاء في حق موسى ﵇. ومن المحال أن يكون الولي وليا إلا بإيمانه بالنبي ثم يكون النبي دون الولي، ولا غضاضة في طلب موسى العلم، لأن الزيادة في العلم مطلوبة.) وأقول: إنه لا شك ولا ريب أن موسى أفضل من الخضر، ولو كان الخضر نبيا، لأن موسى من الرسل أولي العزم، وهم أفضل الخلق على الإطلاق وهم في الفضل على الترتيب الآتي: محمد- إبراهيم- موسى كليمه- فعيسى- فنوح- هم أولو العزم فاعلم.
٣ - [هل الخضر لا زال حيا باقيا إلى الآن ومن ثم إلى يوم القيامة أم أنه مات ؟]
هل الخضر لا زال باقيا إلى الآن. ومن ثم إلى يوم القيامة، أو أنه مات؟ حكى النووي وغيره قولين في هذا الموضوع، ومال هو وابن الصلاح إلى بقائه، وذكروا في ذلك حكايات وآثارا عن السلف وغيرهم. وجاء ذكره في بعض الأحاديث. قال ابن كثير: ولا يصح شئ من ذلك، وأشهرها حديث التعزية وإسناده ضعيف، ورجّح آخرون من المحدثين وغيرهم خلاف ذلك واحتجوا بقوله تعالى: وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ (الأنبياء: ٣٤) وبقول النبي ﷺ يوم بدر: «اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض». وبأنه لم ينقل أنه جاء إلى رسول الله ﷺ ولا حضر عنده، ولا قاتل معه، ولو كان حيا لكان من أتباع النبي ﷺ وأصحابه، لأنه ﵊ كان مبعوثا إلى جميع الثقلين الجن والإنس، وقد قال: «ولو كان موسى وعيسى حيين لما وسعهما إلا اتباعي». وأخبر قبل موته بقليل أنه لا يبقى ممن هو على وجه الأرض إلى مائة سنة من ليلته تلك عين تطرف إلى غير ذلك من الدلائل.»
٤ - [من معجزات القرآن مطابقة اللفظ للمعنى]
من إعجاز هذا القرآن أن لفظه يكافئ المعنى مكافأة عجيبة لا تستطاع من قبل بشر. فمهما بلغ الإنسان من حسن الذوق وحسن الانتقاء، فإنه لا يستطيع أن يجعل اللفظة المناسبة مكافأة للمعنى المكافئ بشكل دائم ومستمر ولنضرب على مكافأة
стр. 3050
اللفظ للمعنى في القرآن مثلا ذكره ابن كثير، وذكر بعضا منه النسفي.
فمن الملاحظ أنه في أول مرة أنكر موسى على الخصر. قال له الخضر قالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً وفي المرة الثانية قال: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً فزاد لك هنا لأن النكر فيه كان أكثر. وعند ما أبلغه بالفراق قال:
سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً فذكر التاء في «تستطع» ولما حل له الإشكال قال: ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً أي بدون تاء، قال تسطع بعد أن فسّر له المشكل وبيّنه ووضّحه وأزاله، وقبل ذلك كان الإشكال قويا ثقيلا فقال: «تستطع» قال ابن كثير: فقابل الأثقل بالأثقل، والأخف بالأخف كما قال:
(أي في الكلام عن سد يأجوج ومأجوج) فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وهو الصعود إلى أعلاه وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً وهو أشق من ذلك فقابل كلّا بما يناسبه لفظا ومعنى. أقول: وهذه هي سنّة القرآن كله، إذ نجد كل معنى يختار له اللفظ الأنسب الذي لا يوجد أنسب منه في محله، وقد تعرضنا لهذا في كتابنا الرسول ﷺ في فصل المعجزة القرآنية.
٥ - [من مظاهر الإعجاز في القرآن وضع كل حرف في محله بدقة وإحكام]
ومن مظاهر الإعجاز في هذا القرآن أنك لا تجد حرفا فيه إلا وهو في محله، وفي مكانه، ووجوده فيه في غاية الحكمة، ويعطي في المكان الذي هو فيه من المعاني العجيب. فمثلا تلاحظ أنّ الخضر لمّا علل لأفعاله الثلاثة قال في الأولى: فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وقال في الثانية: فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً وقال في الثالثة: فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما ففي الثالثة أسند الإرادة إلى الله وحده، لأن بلوغهما الحلم لا يقدر عليه إلا الله، ولأنه إنعام محض، فكان كمال الأدب أن يسند الفعل إلى الله. وفي المرة الثانية قال: فَأَرَدْنا لأنه إفساد من حيث الفعل، إنعام من حيث التبديل، فلم ينسبه إلى نفسه منفردة صراحة، ولم ينسبه إلى الله صراحة. وفي المرة الأولى قال: فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها نسبة إلى نفسه فقط. لأنه إفساد في الظاهر وهو فعله فكانت دقته في التعبير نموذجا على كمال أدبه، فهو تعليم لنا، وأدب من أدب الأولياء مع الله، وقد دلنا ما رأيناه على ما ذكرنا في أول الفائدة كيف أن هذا القرآن من الدقة بحيث إنّ كل حرف في مكانه، وكل كلمة في مكانها، وكلّ آية في مكانها، وكل سورة في مكانها، من الكمال بما لا يحيط به إلا الله: ومن ثم فإن المعاني التي تتولد عن دراسة كتاب الله لا حدّ لها.
следующие страницы →