← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

فمن شرط اتباعك لي أنك إذا رأيت مني شيئا، وقد علمت أنه صحيح، إلا أنه خفي عليك وجه صحته، فأنكرت في نفسك، ألا تفاتحني بالسؤال، ولا تراجعني فيه، حتى أكون أنا الفاتح عليك. قال النسفي: وهذا من أدب المتعلم مع العالم، والمتبوع مع التابع فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها قالَ أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً أي لقد أتيت شيئا كبيرا فظيعا. قال ابن كثير: يقول تعالى مخبرا عن موسى وصاحبه- وهو الخضر- أنهما انطلقا لما توافقا واصطحبا، واشترط عليه أن لا يسأله عن شئ أنكره حتى يكون هو الذي يبتدئه من تلقاء نفسه بشرحه وبيانه، فركبا في السفينة، وقد تقدم في الحديث كيف ركبا في السفينة، وأنهم عرفوا الخضر، فحملوهما بغير نول يعني: بغير أجرة تكرمة للخضر، فلما استقلت بهم السفينة في البحر، ولجّجت أي: دخلت اللجة، قام الخضر فخرقها، واستخرج لوحا من ألواحها، ثم رفعها فلم يملك موسى ﵇ إلا أن قال منكرا عليه أَخَرَقْتَها .... فعند ما قال له الخضر مذكّرا بما تقدم من الشرط قالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً يعني وهذا الصنيع فعلته قصدا، وهو من الأمور التي اشترطت معك ألا تنكر عليّ فيها، لأنك لم تحط بها خبرا، ولها وجه هو مصلحة ولم تعلمه أنت قالَ أي موسى لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ أي لا تؤاخذني بالذي نسيته، أو بشيء نسيته، أو بنسياني، أراد أنه نسي وصيّته ولا مؤاخذة على الناسي وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً أي ولا تغشني عسرا من أمري، أي ولا تعسّر عليّ متابعتك، ويسّرها علي بالإغضاء وترك المناقشة، أي لا تضيّق عليّ ولا تشدّد. قال ابن كثير: ولهذا تقدم في الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: «كانت الأولى من موسى نسيانا». فَانْطَلَقا أي بعد ذلك حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ قال ابن كثير: وقد تقدم أنه كان يلعب مع الغلمان في قرية، من القرى وأنه عمد إليه من بينهم، وكان أحسنهم وأجملهم وأضوأهم فقتله، وقيل: إنه احتز رأسه. وقيل: رضخه بحجر. وفي رواية اقتلعه بيده، والله أعلم. فلمّا شاهد موسى ﵇ هذا أنكره أشد من الأول، وبادر وقال: أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً أي طاهرة من الذنوب، قال هذا؛ إما لأنها طاهرة عنده، أو لأنه لم يرها قد أذنبت، أو لأنها صغيرة لم تبلغ الحنث بِغَيْرِ نَفْسٍ بغير أن تقتل هي نفسا فيقتص منها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً أي ظاهر النكارة قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ذكّره بشرطه الأول قالَ أي موسى إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها. أي بعد هذه الكرة أو المسألة

стр. 3047

فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً أي إن اعترضت عليك بشيء بعد هذه المرة، فلا تصاحبني فقد أعذرت إليّ مرّة بعد مرّة، ومن ثم أعذرت فيما بيني وبينك في الفراق فَانْطَلَقا أي بعد المرتين الأوليين حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها أي استضافاهم وكان أهل القرية لئاما نجلا، كما ورد في الحديث: «حتى إذا أتيا أهل قرية لئاما». فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها أي في القرية جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ أي يكاد أن يسقط فَأَقامَهُ أي فردّه إلى حال الاستقامة. قال ابن كثير: وقد تقدم في الحديث أنه رده بيديه ودعمه حتى ردّ ميله، وهذا خارق قالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً أي لأجل أنهم لم يضيّفونا كان ينبغي ألا تعمل لهم مجانا. قال النسفي: كانت الحال حال اضطرار وافتقار إلى المطعم، وقد ألزمتهما الحاجة إلى آخر كسب المرء وهو المسألة، فلم يجدوا مواسيا، فلما أقام الجدار لم يتمالك موسى لما رأى من الحرمان ومساس الحاجة أن قال: لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً أي لطلبت على عملك جعلك حتى تستدفع به الضرورة قالَ أي الخضر هذا إشارة إلى السؤال الثالث، أي هذا الاعتراض سبب الفراق، أي لأنك شرطت عند قتل الغلام أنك إن سألتني عن شئ بعدها فلا تصاحبني فهو فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ. سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ أي بتفسير ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً ثم بدأ يفسّر له ما خفي عليه من حكم الواقعات الثلاث: أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ أي أمامهم مَلِكٌ أي من الظلمة سيمرون عليه يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ أي صالحة جيدة لا عيب فيها غَصْباً أي مصادرة، فأردت أن أعيبها لأرده عنها لعيبها، فينتفع بها أصحابها المساكين الذين لم يكن لهم شئ ينتفعون به غيرها وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما أي أن يغشي الوالدين المؤمنين طُغْياناً وَكُفْراً أي يعديهما بدائه، ويضلهما بضلاله، فيرتدا بسببه. وفي الحديث: «الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرا» ومن ثم خشي الخضر أن يحملهما حبه على متابعته. قال قتادة: (قد فرحا به حين ولد، وحزنا عليه حين قتل، ولو بقي لكان فيه هلاكهما فليرض امرؤ بقضاء الله، فإن قضاء الله للمؤمن فيما يكره خير). فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً أي طهارة ونقاء من الذنوب وَأَقْرَبَ رُحْماً أي أقرب رحمة وعطفا أي أبر بوالديه وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما أي إن هذا الجدار إنما أصلحته لأنه كان لغلامين يتيمين في

стр. 3048

المدينة، وكان تحته كنز لهما. والكنز: هو المال المدفون وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً قال ابن كثير: فيه دليل على أن الرجل الصالح يحفظ في ذريته، وتشمل بركة عبادته لهم في الدنيا والآخرة بشفاعته فيهم، ورفع درجتهم إلى أعلى درجة في الجنة؛ لتقرّ عينه بهم، كما جاء في القرآن ووردت به السنة، قال سعيد بن جبير عن ابن عباس حفظا بصلاح أبيهما، ولم يذكر لهما صلاحا فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما أي أن يبلغا الحلم وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي أي وما فعلت ما رأيت عن أمري أي اجتهادي، وإنما فعلته بأمر الله ذلِكَ أي الأجوبة الثلاث تَأْوِيلُ أي تفسير ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً أي هذا تفسير ما ضقت به ذرعا، ولم تصبر حتى أخبرك به ابتداء. بحث مهمّ في فقه العمل الإسلامي: لاحظنا في قصة الخضر مع موسى ﵉ أن الخضر اشترط على موسى شروطا للسير والصحبة، فلمّا أخلّ بها موسى ﵇، تمّ الفراق، وفي كثير من المراحل أو الأحيان لا يجمع المسلمين سلطة تنفيذية تجب طاعتها شرعا، فعلى المسلمين في هذه الحالة أن يعملوا مع بعضهم متعاونين لتحقيق الأهداف المفروضة، وقد جرت العادة أن يلتقي هؤلاء المتعاونون على قواعد متفق عليها، تحكمهم مع بعضهم، وعلى أنظمة متفق عليها يلتزمون بها، وعلى ضوء ذلك عادة يكون السير، ومن قصة موسى مع الخضر نفهم أنه إذا كان السير مشروطا بشرط، وحدث إخلال بهذا الشّرط فإن المخل بالشرط يفارق، ذلك حق للطرف الآخر إلا إذا تنازل عن حقه. الفوائد: ١ - [حديثان في سبب تسمية الخضر بهذا الاسم] في سبب تسمية الخضر خضرا يورد ابن كثير حديثين. روى الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ في الخضر قال: «إنما سمي خضرا لأنه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز من تحته خضراء». وروى البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إنما سمي الخضر لأنه جلس على فروة فإذا هي تهتز من تحته خضراء». قال ابن كثير: والمراد بالفروة هاهنا الحشيش اليابس، وهو الهشيم من النبات، قال عبد الرزاق. وقيل المراد بذلك وجه الأرض.

стр. 3049

٢ - [أقوال العلماء في كون الخضر نبيا أو وليا أو رسولا] هل كان الخضر نبيا أو وليا أو رسولا؟ خلاف كبير بين العلماء في ذلك وقد استدل من قال بنبوّته بقوله تعالى: وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي قال ابن كثير: وذهب كثيرون إلى أنه لم يكن نبيا بل كان وليا فالله أعلم. وكأن ابن كثير لا يترجح لديه شئ في هذا الموضوع. والمهم في هذا المقام أن نذكر أن بعض الضالين الكافرين بعد أن رجّحوا كونه وليا، بنوا على ذلك أن الولي أفضل من النبي. قال النسفي: (وقد زلّت أقدام أقوام من الضّلال في تفضيل الولي على النبي وهو كفر جلي، حيث قالوا: أمر موسى بالتعلم من الخضر وهو ولي. والجواب أن الخضر نبي، وإن لم يكن كما زعم البعض فهذا ابتلاء في حق موسى ﵇. ومن المحال أن يكون الولي وليا إلا بإيمانه بالنبي ثم يكون النبي دون الولي، ولا غضاضة في طلب موسى العلم، لأن الزيادة في العلم مطلوبة.) وأقول: إنه لا شك ولا ريب أن موسى أفضل من الخضر، ولو كان الخضر نبيا، لأن موسى من الرسل أولي العزم، وهم أفضل الخلق على الإطلاق وهم في الفضل على الترتيب الآتي: محمد- إبراهيم- موسى كليمه- فعيسى- فنوح- هم أولو العزم فاعلم. ٣ - [هل الخضر لا زال حيا باقيا إلى الآن ومن ثم إلى يوم القيامة أم أنه مات ؟] هل الخضر لا زال باقيا إلى الآن. ومن ثم إلى يوم القيامة، أو أنه مات؟ حكى النووي وغيره قولين في هذا الموضوع، ومال هو وابن الصلاح إلى بقائه، وذكروا في ذلك حكايات وآثارا عن السلف وغيرهم. وجاء ذكره في بعض الأحاديث. قال ابن كثير: ولا يصح شئ من ذلك، وأشهرها حديث التعزية وإسناده ضعيف، ورجّح آخرون من المحدثين وغيرهم خلاف ذلك واحتجوا بقوله تعالى: وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ (الأنبياء: ٣٤) وبقول النبي ﷺ يوم بدر: «اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض». وبأنه لم ينقل أنه جاء إلى رسول الله ﷺ ولا حضر عنده، ولا قاتل معه، ولو كان حيا لكان من أتباع النبي ﷺ وأصحابه، لأنه ﵊ كان مبعوثا إلى جميع الثقلين الجن والإنس، وقد قال: «ولو كان موسى وعيسى حيين لما وسعهما إلا اتباعي». وأخبر قبل موته بقليل أنه لا يبقى ممن هو على وجه الأرض إلى مائة سنة من ليلته تلك عين تطرف إلى غير ذلك من الدلائل.» ٤ - [من معجزات القرآن مطابقة اللفظ للمعنى] من إعجاز هذا القرآن أن لفظه يكافئ المعنى مكافأة عجيبة لا تستطاع من قبل بشر. فمهما بلغ الإنسان من حسن الذوق وحسن الانتقاء، فإنه لا يستطيع أن يجعل اللفظة المناسبة مكافأة للمعنى المكافئ بشكل دائم ومستمر ولنضرب على مكافأة

стр. 3050

اللفظ للمعنى في القرآن مثلا ذكره ابن كثير، وذكر بعضا منه النسفي. فمن الملاحظ أنه في أول مرة أنكر موسى على الخصر. قال له الخضر قالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً وفي المرة الثانية قال: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً فزاد لك هنا لأن النكر فيه كان أكثر. وعند ما أبلغه بالفراق قال: سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً فذكر التاء في «تستطع» ولما حل له الإشكال قال: ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً أي بدون تاء، قال تسطع بعد أن فسّر له المشكل وبيّنه ووضّحه وأزاله، وقبل ذلك كان الإشكال قويا ثقيلا فقال: «تستطع» قال ابن كثير: فقابل الأثقل بالأثقل، والأخف بالأخف كما قال: (أي في الكلام عن سد يأجوج ومأجوج) فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وهو الصعود إلى أعلاه وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً وهو أشق من ذلك فقابل كلّا بما يناسبه لفظا ومعنى. أقول: وهذه هي سنّة القرآن كله، إذ نجد كل معنى يختار له اللفظ الأنسب الذي لا يوجد أنسب منه في محله، وقد تعرضنا لهذا في كتابنا الرسول ﷺ في فصل المعجزة القرآنية. ٥ - [من مظاهر الإعجاز في القرآن وضع كل حرف في محله بدقة وإحكام] ومن مظاهر الإعجاز في هذا القرآن أنك لا تجد حرفا فيه إلا وهو في محله، وفي مكانه، ووجوده فيه في غاية الحكمة، ويعطي في المكان الذي هو فيه من المعاني العجيب. فمثلا تلاحظ أنّ الخضر لمّا علل لأفعاله الثلاثة قال في الأولى: فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وقال في الثانية: فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً وقال في الثالثة: فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما ففي الثالثة أسند الإرادة إلى الله وحده، لأن بلوغهما الحلم لا يقدر عليه إلا الله، ولأنه إنعام محض، فكان كمال الأدب أن يسند الفعل إلى الله. وفي المرة الثانية قال: فَأَرَدْنا لأنه إفساد من حيث الفعل، إنعام من حيث التبديل، فلم ينسبه إلى نفسه منفردة صراحة، ولم ينسبه إلى الله صراحة. وفي المرة الأولى قال: فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها نسبة إلى نفسه فقط. لأنه إفساد في الظاهر وهو فعله فكانت دقته في التعبير نموذجا على كمال أدبه، فهو تعليم لنا، وأدب من أدب الأولياء مع الله، وقد دلنا ما رأيناه على ما ذكرنا في أول الفائدة كيف أن هذا القرآن من الدقة بحيث إنّ كل حرف في مكانه، وكل كلمة في مكانها، وكلّ آية في مكانها، وكل سورة في مكانها، من الكمال بما لا يحيط به إلا الله: ومن ثم فإن المعاني التي تتولد عن دراسة كتاب الله لا حدّ لها.

стр. 3051

٦ - [من الآداب التي يجب التحلي بها لطالب العلم] في قوله تعالى على لسان موسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً دليل على أنه لا ينبغي لأحد أن يترك طلب العلم، وإن كان قد بلغ نهايته. وأن يتواضع لمن هو أعلم منه، وفيه دليل على أن الإنسان كلما ارتقت نفسه لم يبق عنده كبر. فهذا موسى رسول من أولي العزم لم يجد غضاضة أن يطلب من الخضر ﵇ أن يعلمه. ٧ - [لماذا جاز قتل الغلام في حق الخضر ﵇ ؟] عن ابن عباس ﵄ أن نجدة الحروري كتب إليه: كيف جاز قتل الغلام، وقد نهى رسول الله ﷺ عن قتل الولدان؟ فكتب إليه: إن علمت من حال الولدان ما علمه عالم موسى فلك أن تقتل. وعن الحسين بن علي ﵄ أنه قال لبعض الخوارج في كلام جرى بينهما: بم حفظ الله الغلامين. قال: بصلاح أبيهما. قال: فأبي وجدي خير منه. ومن مثل هذا تجد كيف أن في القرآن هداية لا يحدها حدّ. ٨ - [كلام ابن كثير حول سبب إغفال ذكر فتى موسى بعد ذكره في أول القصة] قال ابن كثير: فإن قيل: فما بال فتى موسى ذكر في أول القصة، ثم لم يذكر بعد ذلك؟ فالجواب أن المقصود بالسياق إنما هو قصة موسى مع الخضر، وذكر ما كان بينهما، وفتى موسى معه تبع، وقد صرّح في الأحاديث المتقدمة في الصحاح وغيرها أنه يوشع بن نون، وهو الذي كان يلي بني إسرائيل بعد موسى ﵇. ٩ - [أقوال المفسرين حول معنى الكنز في القصة] للمفسرين كلام كثير حول الكنز ما هو، فمنهم من ذهب أنه مال. ومنهم من ذهب أنه نصائح، كما لهم كلام حول الأب الصالح، هل هو أب مباشر، أو أب قديم بينهم وبينه آباء عددهم سبعة؟ وليس في ذلك كله ما يصلح أن يكون حاسما للجدل. كما يذكر بعضهم في هذا المقام اسم الخضر الأصلي، واسم الغلام، واسم الملك الظالم، ولم نتعبّد بمعرفة ذلك، ومما يذكرونه في هذا المقام أن الملك الغاصب كان هدد بن بدد. ويقولون إنه مذكور في التوراة في ذرية العيص بن إسحاق. وقد تتبعت التوراة الحالية المحرّفة فوجدتها تذكر في سفر التكوين في الإصحاح السادس والثلاثين هذا الاسم تقول عنه: (ومات حوشام فملك مكانه هداد بن بداد، الذي كسر مديان في بلاد موآب وكان اسم مدينته عويت). وهذا الكلام وارد في سياق الكلام عن أبناء عيسو. فإذا صح أن ذلك الملك هو هذا، يكون البحر الذي سار فيه موسى والخضر في السفينة هو البحر الأحمر، وأن مجمع البحرين هو مكان التقاء خليج العقبة في البحر الأحمر، لأن هداد بن بداد سيطر على مدين، كما يذكر النص التوراتي، واستيلاؤه عليها

стр. 3052

يعني استيلاءه على خليج العقبة، فإذا علم هذا فلننقل إحدى الروايات الواردة في موضوع نوع الكنز وهي ما رواه ابن جرير عن الحسن البصري قال: لوح من ذهب مكتوب فيه: (بسم الله الرحمن الرحيم، عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن، وعجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح، وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها. لا إله إلا الله محمد رسول الله). ١٠ - [بعض روايات حول قصة موسى والخضر] هناك روايات كثيرة تروى بمناسبة قصة الخضر وموسى. وقد نقلنا ما اعتبرنا أنه أجود الروايات عن رسول الله ﷺ قبل البدء في التفسير، ونذكر هنا رواية يرويها ابن جرير بسنده عن ابن عباس، ولا يرفعها إلى رسول الله ﷺ ونحن ننقلها لما فيها من حكمة ونجتزئ منها بما اجتزأ ابن كثير:. قال ابن عباس: سأل موسى ﵇ ربه فقال: أي رب أيّ عبادك أحب إليك؟ قال الذي يذكرني ولا ينساني. قال: فأيّ عبادك أقضى؟ قال الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى. قال: أي رب أيّ عبادك أعلم؟ قال الذي يبتغي علم الناس إلى علمه عسى أن يصيب كلمة تهديه إلى هدى، أو ترده عن ردى. قال: أي رب هل في أرضك أحد أعلم مني؟ قال: نعم. قال: فمن هو؟ قال: الخضر. قال: وأين أطلبه؟ قال: على الساحل عند الصخرة التي ينفلت عندها الحوت. قال: فخرج موسى يطلبه حتى كان ما ذكر الله، وانتهى موسى إليه عند الصخرة، فسلّم كل واحد منهما على صاحبه، فقال له موسى: إني أحب أن أصحبك. قال: إنك لن تطيق صحبتي. قال: بلى. قال: فإن صحبتني فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً قال: فسار به في البحر حتى انتهى إلى مجمع البحرين، وليس في الأرض مكان أكثر ماء منه. قال: وبعث الله الخطاف فجعل يستقي منه بمنقاره، فقال لموسى: كم ترى هذا الخطاف رزأ من هذا الماء؟ قال: ما أقل ما رزأ. قال: يا موسى فإن علمي وعلمك في علم الله كقدر ما استقى هذا الخطاف من هذا الماء. وكان موسى قد حدّث نفسه أنه ليس أحد أعلم منه- أو تكلم به- فمن ثم أمر أن يأتي الخضر، وذكر تمام الحديث في خرق السفينة، وقتل الغلام، وإصلاح الجدار، وتفسيره له ذلك». ١١ - [من أدب الدعاء للغير] روى ابن جرير عن أبي بن كعب قال: كان النبي ﷺ إذا ذكر أحدا فدعا له بدأ بنفسه. فقال ذات يوم: «رحمة الله علينا وعلى موسى، لو لبث مع صاحبه لأبصر العجب، ولكنه قال: إن سألتك عن شئ بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا».

стр. 3053

ملاحظة مهمة: [في أدب التعامل بين الشيخ والمريد] يلاحظ أن الأفعال الثلاثة التي فعلها الخضر ﵇ غير جائزة شرعا- ولا مندوبة شرعا- ولكن حيث علم الخضر من الخفايا التي تقتضي الإباحة أو الندب ما لم يعلمه موسى فعلها الخضر، وأنكرها موسى ﵇. ومع أن موسى قد علم بإعلام الله أن الخضر أعلم منه في جوانب، وأنه ذهب ليتعلم، ومع ذلك أنكر إذ رأى الأمر من زاوية المخالفة مع كافة ما اشترط عليه الخضر، ولا شك أن القصة مربية ومعلمة. تربينا على أدب الصحبة، ولنا في الخضر قدوة، ولنا في موسى أسوة، وقدوتنا بموسى إن لم يكن الخضر نبيا هي الأولى لأن الله قال لرسوله ﷺ : أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ. ومن ثم فإنه لا يسع المسلم إذا رأى ما ظاهره منكر، إلا أن ينكره كائنا من كان فاعله. ولكنه في حالة كون الفاعل صالحا فإن الإنكار ينبغي أن يكون مرافقا للأدب، لاحتمال أن يكون للمسألة وجه، هذا في المسائل التي يمكن أن يكون لها أكثر من وجه. نقول هذا ونؤكده لأن هناك ناسا من الشيوخ يطالبون تلاميذهم بالأدب الذي طالب به الخضر موسى، ومريدوهم إذا رأوهم على منكر لم يعاملوهم كما عامل موسى الخضر، بل يأوّلون حتى الأمور التي ليس لها إلا وجه واحد في الشريعة، حتى بلغ الأمر ببعضهم أن قال: بقرآني بآياتي لو أمرني الشيخ أن أسجد للّات لفعلت. وبلغ الأمر ببعضهم أنه لو رأى شيخه يشرب الخمر، فإنه يحسن الظنّ به، ويعتبر أن لذلك وجها، فأي ضلال مشترك ما بين هذا النوع من الشيوخ، وهذا النوع من التلاميذ، وكيف يبقى دين الله بمثل هذا؟ والله يقول لرسوله ﷺ : ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها (الجاثية: ١٨). وقد رأينا في عصرنا من البلايا بسبب مثل هذه التصورات الفاسدة الشئ العجيب الغريب، حتى لقد تجد أن بعض الشيوخ أضل بمواقفه عشرات الآلاف من التلاميذ نتيجة لمثل هذه الاستنباطات الفاسدة. إن شريعتنا كاملة، وكل وضع له في شريعتنا حكم. وعلى الداعية إلى شئ أن يقيم الدليل، وإلا فاتّباع كتاب الله وسنة رسوله ﷺ هو الأولى. ***

стр. 3054

كلمة في السياق: [حول قصة موسى مع الخضر ﵉ وصلتها بالمحور] رأينا في القصة أن الحكم أثر العلم. فبدون علم يصعب على الإنسان أن يعطي حكم الله مراعى فيه كل شئ، وبقدر إحاطة العلم يكون الإدراك لحكم الله في الموضوع المطروح أصح، ورأينا في القصة من أدب الرسالة والنبوة والولاية ومن أدب الصحبة والخدمة الكثير. ورأينا كيفية العلاقة الراقية التي يكون عليها أحباب الله دون مجاملة على حساب دين الله. ورأينا حكمة الله إذ يختار لنبوته ورسالته وولايته من ليس لهم حظوظ نفسية أو دنيوية. ورأينا عطاء الله الذي لا نهاية له. فكم أعطى الله موسى مما قد يتصور ناس أنه لا مزيد عليه، وإذا به يعطي خضرا في جوانب أكثر مما أعطاه موسى. وفي ذلك يكمن سر السياق: بعث الله محمدا ﷺ بالإسلام، واجتناب خطوات الشيطان، وطالب البشرية كلها بذلك، والذي يصرف الناس عن الدخول في الإسلام هو زينة الحياة الدنيا. واحتقار أهل الإيمان. ولو أنهم فطنوا إلى أن الله يرزق من يشاء بغير حساب لما احتقروا أهل الإيمان، ولا صرفتهم الدنيا عن الدخول في الإسلام، إن في قصة الخضر مع موسى ﵉ درسا بليغا، فإذا كان الله لا يعجزه أن يجعل عبدا زمن موسى أعلم من موسى في جوانب، أفيعجزه أن يجعل محمدا ﷺ أعلم من موسى وأرقى، وأن يعطيه ختم النبوة ويكرمه بالإسلام الناسخ لكل دين، وبالقرآن الذي هو أشرف من كل كتاب. تعالى الله أن يعجزه شئ من ذلك. إذا عرفت هذه الحقيقة تعرف محل هذه القصة في السياق، ومحلها في خدمة محور السورة من البقرة. زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ فقصة الخضر مع موسى ﵇ تفصيل لنوع من رزق الله. كيف أنه يرزق من يشاء بغير حساب. وأن هذا كله يخدم قوله تعالى: ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً أي في الإسلام كله. أي في دين محمد ﷺ . ولا تفتنكم الدنيا عن ذلك، فتحتقروا أهل الإيمان وتذكّروا أن الله يرزق من يشاء بغير حساب. فآمنوا بمحمد ﷺ الذي آتاه الله ما لم يؤت أحدا من العالمين، ولا تكونوا جاهلين في الله، فتستعظموا أن يرزق الله محمدا ﷺ ما رزقه من الهداية والكرامة والرشد بما جعله قدوة للعالمين. والآن فلننتقل إلى المقطع الخامس. وهو نوع تفصيل لقوله تعالى: وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ.*

стр. 3055

المقطع الخامس ويمتد من الآية (٨٣) إلى نهاية الآية (٩٨) وهذا هو: ١٨/ ٩٨ - ٨٣

стр. 3056

بين يدي هذا المقطع: [نقل: حول قصة ذي القرنين ويأجوج ومأجوج عن صاحب الظلال والأستاذ الندوي] للمفسرين تحقيقات طويلة حول شخصية ذي القرنين من هو؟ وحول يأجوج ومأجوج من هم؟ ونحن سنذكر لك في هذه المقدمة، وأثناء التفسير، وفي الفوائد أمهات الاتجاهات، ونبدأ هنا بذكر نقول ثلاثة نعتبرها من أهم ما ذكر: نقلان عن الظلال، ونقل عن الأستاذ الندوي في رسالته (تأملات في سورة الكهف). ١ - بمناسبة الكلام عن ذي القرنين قال صاحب الظلال: (إن النص لا يذكر شيئا عن شخصية ذي القرنين ولا عن زمانه أو مكانه، وهذه هي السّمة المطردة في قصص القرآن. فالمقصود هو العبرة المستفادة من القصة. والعبرة تتحقق بدون حاجة إلى تحديد الزمان والمكان في أغلب الأحيان. والتاريخ المدوّن يعرف ملكا اسمه الإسكندر ذو القرنين، ومن المقطوع به أنه ليس ذا القرنين المذكور في القرآن. فالإسكندر الإغريقي كان وثنيا. وهذا الذي يتحدث عنه القرآن مؤمن بالله موحّد معتقد بالبعث والآخرة. ويقول أبو الريحان البيروني المنجم في كتاب: (الآثار الباقية عن القرون الخالية) إن ذا القرنين المذكور في القرآن كان من حمير مستدلا باسمه. فملوك حمير كانوا يلقبون بذي، كذي نواس، وذي يزن، وكان اسمه أبا بكر بن أفريقش. وأنه رحل بجيوشه إلى ساحل البحر الأبيض المتوسط، فمر بتونس ومراكش وغيرها. وبنى مدينة إفريقية فسميت القارة كلها باسمه، وسمي ذا القرنين لأنه بلغ قرني الشمس. وقد يكون هذا القول صحيحا. ولكننا لا نملك وسائل تمحيصه. ذلك أنه لا يملك البحث في التاريخ المدوّن عن ذي القرنين الذي يقص القرآن طرفا من سيرته، شأنه شأن كثير من القصص الوارد في القرآن، كقصص قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وغيرهم. فالتاريخ مولود حديث العهد جدا بالقياس إلى عمر البشرية. وقد جرت قبل هذا التاريخ المدون أحداث كثيرة لا يعرف عنها شيئا. فليس هو الذي يستفتى فيها. ولو قد سلمت التوراة من التحريف والزيادات لكانت مرجعا يعتمد عليه في شئ

стр. 3057

من تلك الأحداث، ولكن التوراة أحيطت بالأساطير التي لا شك في كونها أساطير. وشحنت كذلك بالروايات التي لا شك في أنها مزيدة على الأصل الموحى به من الله، فلم تعد التوراة مصدرا مستيقنا لما ورد فيها من القصص التاريخي. وإذن فلم يبق إلا القرآن. الذي حفظ من التحريف والتبديل، هو المصدر الوحيد لما ورد فيه من القصص التاريخي. ومن البديهي أنه لا يجوز محاكمة القرآن الكريم إلى التاريخ لسببين واضحين: أولهما: أن التاريخ مولود حديث العهد، فاتته أحداث لا تحصى في تاريخ البشرية، لم يعلم عنها شيئا. والقرآن يروي بعض هذه الأحداث التي ليس لدى التاريخ علم عنها. وثانيهما: أن التاريخ- وإن وعى بعض هذه الأحداث- هو عمل من أعمال البشر القاصرة يصيبه ما يصيب جميع أعمال البشر من القصور والخطأ والتحريف، ونحن نشهد في زماننا هذا- الذي تيسرت فيه أسباب الاتصال ووسائل الفحص- أن الخبر الواحد أو الحادث الواحد يروى على أوجه شتى، وينظر إليه من زوايا مختلفة، ويفسر تفسيرات متناقضة ومن مثل هذا الركام يصنع التاريخ، مهما قيل بعد ذلك في التمحيص والتدقيق. فمجرد الكلام عن استفتاء التاريخ فيما جاء به القرآن الكريم من القصص، كلام تنكره القواعد العلمية المقررة التي ارتضاها البشر، قبل أن تنكره العقيدة التي تقرر أن القرآن هو القول الفصل. وهو كلام لا يقول به مؤمن بالقرآن، ولا مؤمن بوسائل البحث العلمي على السواء. إنما هو مراء). ٢ - وبمناسبة الكلام عن ذي القرنين قال الأستاذ الندوي: (وذهب بعض الفضلاء المعاصرين (أشهرهم مولانا أبو الكلام آزاد الزعيم المسلم والكاتب الإسلامي ووزير المعارف سابقا في الجمهورية الهندية) إلى أنه (أي ذي القرنين) الشخص الذي يسميه اليونان «سائرس» وتسميه اليهود «خورس» ويذكره المؤرخون العرب ب «كيخسرو» «وقد لخص الأستاذ الندوي في حاشية كتابه ما ذكره الأستاذ أبو الكلام آزاد عن هذا الرجل فقال: «ظهر سائرس في سنة ٥٥٩ ق. م. وقد جمع بين مملكتين فارسيتين عظيمتين، كانتا قد انفصلتا منذ زمان، وهما: (ميديا) الجزء الشمالي الذي قد يعبر عنه المؤرخون العرب ب «ما هات» (وفارس) الجزء الجنوبي، فكون منهما إمبراطورية فارسية عظمى، ثم امتدت فتوحه التي اتسمت بالعدل والكرم، والانتصار

стр. 3058

للضعيف المظلوم، فلم ينقض اثنا عشر عاما حتى خضعت له البلاد والدول ما بين البحر الأسود إلى باختر Bactria وقد ثبت تاريخيا أنه غزا الغرب مرة، فأوغل فيه إلى غرب آسيا الصغرى، وفتح دولة ليديا التي كانت عاصمتها ساردس Sardis حتى وصل إلى البحر في أقصى الغرب، فوجده يموج، وتراءت له الشمس تغرب فيه، فتوقف هناك لعدم وجود البوارج الحربية، ولا يستغرب إذا كان قد وصل إلى ساحل من سواحل بحر إيجه Agean Sea الواقع في جوار «سمرنا» والبحر يتراءى هناك بحيرة، وقد تمثلت له الشمس في الأصيل تغيب في الوحل الذي نشأ على ساحلها. وهو الذي يصوره القرآن بقوله: وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ. وغزا ثانية الشرق، فوصل في هذه الغزوة إلى مكران وبلخ، وأخضع القبائل الهمجية التي ليست لها وقاية من الشمس لبعدها من المدينة وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً ثم ذهب إلى بابل العاصمة المنيعة، فأنقذ اليهود «بني إسرائيل» من الذل والأسر. والاضطهاد الذي سلّطه عليهم ملك بابل «بختنصر» فأصبح بذلك منقذ اليهود، ولهجوا بذكره والثناء عليه، والتساؤل عنه، وبذلك حقق نبوءات بني إسرائيل الواردة في التوراة. وكانت له غزوة ثالثة في الشمال. وقد ترك بحر خزر Caspian Sea عن يمينه، حتى وصل إلى جبال القفقاس، فوجد فجوة واقعة في هذه الجبال كان يدخل منها يأجوج ومأجوج، ويعيشون في البلاد، وهنا أقام السد، وقد مات سائرس سنة ٥٢٩ ق. م فوجد في سنة ١٨٣٨ م تمثال من رخام في أنقاض اصطخر Passar Gadae ظهر في رأسه قرنان مثل قرني الكبش، يمثلان مملكتي ميديا وفارس اللتين جمع بينهما سائرس، وبذلك سمي ذو القرنين. وقد شهد المؤرخون العصريون بكرم سائرس وشخصيته العادلة الفاضلة، ومن أراد التوسع في ذلك فليقرأ مقالة البروفسور B.Grundi راجع المجلد الثاني من Universal History Of The World. لمؤلفه. J.A.Hammerton ٣ - وبمناسبة الكلام عن يأجوج ومأجوج قال صاحب الظلال: «وبعد فمن يأجوج ومأجوج؟ وأين هم الآن؟ وماذا كان من أمرهم وماذا سيكون! كل هذه أسئلة تصعب الإجابة عليها على وجه التحقيق، فنحن لا نعرف عنهم إلا ما ورد في القرآن، وفي بعض الأثر الصحيح. والقرآن يذكر في هذا الموضع ما حكاه من قول ذي القرنين: فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا.

стр. 3059

وهذا النص لا يحدد زمانا. ووعد الله بمعنى: وعده بدك السد ربما يكون قد جاء منذ أن هجم التتار، وانساحوا في الأرض، ودمروا الممالك تدميرا. وفي موضع آخر في سورة الأنبياء: حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ* وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ ... (الآية: ٩٦) وهذا النص كذلك لا يحدد زمانا معينا لخروج يأجوج ومأجوج، فاقتراب الوعد الحق بمعنى اقتراب الساعة قد وقع منذ زمن الرسول- ﷺ فجاء في القرآن: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ والزمان في الحساب الإلهي غيره في حساب البشر. فقد تمر بين اقتراب الساعة ووقوعها ملايين السنين أو القرون، يراها البشر طويلة مديدة، وهي عند الله ومضة قصيرة. وإذن فمن الجائز أن يكون السد قد فتح في الفترة ما بين: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ ويومنا هذا. وتكون غارات المغول والتتار التي اجتاحت الشرق هي انسياح يأجوج ومأجوج. وهناك حديث صحيح رواه الإمام أحمد عن سفيان الثوري عن عروة عن زينب بنت أم سلمة عن حبيبة بنت أم حبيبة بنت أبي سفيان، عن أمها حبيبة، عن زينب بنت جحش- زوج النبي ﷺ قالت: استيقظ الرسول ﷺ من نومه وهو محمر الوجه وهو يقول: «ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا» وحلّق (بإصبعيه السبابة والإبهام). قلت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم إذا كثر الخبث». وقد كانت هذه الرؤيا منذ أكثر من ثلاثة عشر قرنا ونصف قرن. وقد وقعت غارات التتار بعدها، ودمرت ملك العرب بتدمير الخلافة العباسية على يد هولاكو في خلافة المستعصم آخر ملوك العباسيين. وقد يكون هذا تعبير رؤيا الرسول- ﷺ وعلم ذلك عند الله. وكل ما نقوله ترجيح لا يقين) اهـ كلام صاحب الظلال. التفسير: وَيَسْئَلُونَكَ السائلون هم كفار مكة امتحانا بإيحاء من اليهود كما مرّ معنا في سبب نزول سورة الكهف عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ أي عن خبره قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ أي من ذي القرنين ذِكْراً ثم بدأ يذكر شيئا عنه إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي

стр. 3060

الْأَرْضِ أي جعلنا له فيها مكانة واعتلاء، قال ابن كثير: (أي أعطيناه ملكا عظيما ممكّنا فيه من جميع ما يؤتى الملوك من التمكين، والجنود وآلات الحرب والحصارات. ولهذا ملك المشارق والمغارب من الأرض، ودانت له البلاد، وخضعت له ملوك البلاد، وخدمته الأمم من العرب والعجم). وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أراده من الأغراض والمقاصد سَبَباً أي طريقا موصلا إليه، إذ السبب ما يتوصل به إلى المقصود من علم أو قدرة، آتاه الله علم كل ما يلزمه مما يحتاجه الفتح، وتقتضيه السياسة، وغير ذلك، كما آتاه الوسائل. قال ابن كثير: يسّر الله له الأسباب أي الطرق، والوسائل إلى فتح الأقاليم والرساتيق والبلاد والأراضي، وكسر الأعداء، وكبت ملوك الأرض، وإذلال أهل الشرك، قد أوتي من كل شئ مما يحتاج إليه سببا فَأَتْبَعَ سَبَباً أي لحق سببا، أي سار في عالم الأسباب، وكأن في هذا إشارة إلى أن تمكينه وأفعاله كلها في عالم الأسباب، وليست من باب الخوارق حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ اتبع الأسباب التي توصله إلى المغرب، واتباعه الأسباب للوصول إلى المغرب، باتباعه منازل الأرض ومعالمها، واستقصائه المعلومات اللازمة لذلك قال ابن كثير: فسلك طريقا حتى وصل إلى أقصى ما يسلك فيه من الأرض من ناحية المغرب. قال النسفي: أي منتهى العمارة نحو المغرب» حيث ترى الشمس هناك ساعة الغروب وكأنها تغرب في عين حمئة. وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ قال ابن كثير: أي رأى الشمس في منظره تغرب في البحر المحيط، وهذا شأن كل من انتهى إلى ساحله، يراها كأنها تغرب فيه .... والحمئة: مشتقة .... من الحمأة وهو الطين. أقول: فالآية تتحدث عن ما تشاهده العين، إذ ترى الشمس وهي تغرب من جهة البحر، فهو تصوير لرؤية ومشاهدة. ومن رأى الشمس وهي تغرب في المحيط الأطلسي، رأى دقة الوصف، هذا على القول أنه وصل إلى شاطئ المحيط. ويكون ذكر العين الحمئة تشبيها للبحر في لحظة غروب الشمس بالعين الطينية المائلة إلى السواد، وهناك احتمال أن يكون وصل إلى أرض مستنقعية واسعة جدا كانت موجودة في يوم من الأيام جهة المغرب. وقد وصل إليها، ويحتمل أنه وصل إلى أرض بركانية كانت في أقصى المغرب، وكانت لا زالت تقذف بحممها عند وصوله، والجزم بشيء من ذلك صعب، ولنا عودة في الفوائد على الموضوع، والعبرة حاصلة على أي نوع من أنواع الفهم. إذ الوصول إلى جهة المغرب لم يكن إلا بعالم الأسباب كنموذج على عطاء الله من شاء من أمر الدنيا بغير حساب وَوَجَدَ عِنْدَها أي عند العين الحمئة، أو عند مغرب

стр. 3061

الشمس قَوْماً أي أمّة من الأمم قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً هذا القول الموجّه لذي القرنين، هل كان إلهاما فيكون وليا؟ أو كان وحيا له فيكون نبيا؟ أو يكون وحيا بواسطة نبي معه فيكون صديقا؟ ليس عندنا ما نستطيع الجزم به. والآية تفيد أنه خيّر بين أن يعذبهم بالقتل إن أصرّوا على أمرهم، وبين أن يتخذ فيهم حسنا بإكرامهم وتعليمهم الشرائع إن آمنوا، وقد يراد بالتعذيب القتل، وباتخاذ الحسن الأسر، لأنه بالنظر إلى القتل إحسان. قال ابن كثير: معنى هذا أن الله تعالى مكّنه منهم، وحكّمه فيهم، وأظفره بهم. وخيّره إن شاء قتل وسبى، وإن شاء منّ وهدى. فكان موقفه قالَ أي ذو القرنين أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ أي بالقتل ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً أي عذابا ذا نكارة، وأي عذاب أفظع من النار، يعني أما من دعوته إلى الإسلام فأبى إلا البقاء على الظلم العظيم الذي هو الشرك، فذاك هو المعذّب في الدارين وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً أي عمل ما يقتضيه الإيمان فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى أي فله الحسنى أي الجنة جزاء عند ربه وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً أي ذا يسر، أي لا نأمره بالصعب الشاق، ولكن بالسهل المتيسّر من الزكاة والخراج وغير ذلك. دلّ ذلك على إيمانه بالله واليوم الآخر، كما دلّ على عدله، وعلى أن القوة لم تخرجه إلى البطر، بل كانت قوته في خدمة دين الله ودعوته. كما دلّ على كمال رحمته وشفقته برعيته المؤمنة. فهو نموذج للملك المسلم الذي عنده من عالم الأسباب غايته، فهو لا يفرط في الآلات ولا في الوسائل، ويستخدم ذلك كله في الجهاد، ويعامل أعداء الله بما يستحقون، ويعامل رعيته المسلمة بكمال الرحمة والشفقة ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً أي ثم سلك طريقا فسار من مغرب الشمس إلى مطلعها. والظاهر أنه كلما مرّ بأمّة قهرهم وغلبهم، ودعاهم إلى الله . وفعل بهم فعله الأول، واستخدم من كل أمة ما تستعين به جيوشه على قتال الإقليم المتاخم لهم. فهذا كله يمكن أن يفهم من السياق حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ أي حتى إذا بلغ أقصى الشرق وَجَدَها أي الشمس تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ أي على أمة لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً أي من دون الشمس، وهذا يحتمل أنهم ليس لهم بناء يكنّهم، ولا أشجار تظلهم، وتسترهم من حر الشمس، فكأن الأرض صحراوية، ويحتمل أنهم كانوا عراة فهم كانوا متخلفين جدا. فإذا كان المراد بهؤلاء القوم من هم في أقصى الشرق وهم الصينيون، فينبغي أن يكون زمن ذي القرنين سحيقا في القدم، إذ الشعب

стр. 3062

الصيني عريق في مدنيته. فإذا كان الحديث عنهم قبل دخولهم عالم المدنية، فهذا يشير إلى أن الزمن الذي كان فيه ذو القرنين متقدم جدا كَذلِكَ أي كذلك أمر ذي القرنين كذلك الوصف كان كما وصفناه في الفخامة والمقام وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ من الجنود والآلات وأسباب الملك خُبْراً أي علما، أي نحن مطلعون على جميع أحواله وأحوال جيشه، لا يخفى علينا منها شئ، وإن تفرقت أممهم وتقطعت بهم الأرض ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً أي ثم سلك طريقا من مشارق الأرض حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ قال النسفي: (أي بين الجبلين وهما جبلان سدّ ذو القرنين ما بينهما .... وهذا المكان في منقطع أرض الترك مما يلي المشرق) وقال ابن كثير، وهما جبلان متناوحان (أي متقابلان) بينهما ثغرة يخرج منها يأجوج ومأجوج على بلاد الترك فيعيثون فيها فسادا، ويهلكون الحرث والنسل. ويأجوج ومأجوج من سلالة آدم ﵇. كما ثبت في الصحيحين: «إن الله تعالى يقول: يا آدم فيقول: لبيك وسعديك. فيقول: ابعث بعث النار فيقول: وما بعث النار؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار، وواحد إلى الجنة، فحينئذ يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها. فقال: إن فيكم أمتين، ما كانتا في شئ إلا أكثرتاه يأجوج ومأجوج» وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً أي حتى إذا بلغ بين السدين وجد ذو القرنين من دون السدّين قوما لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا أي لا يكادون يفهمون قولا لاستعجام كلامهم، وبعدهم عن الناس. وهذا يفيد أنهم كانوا في عزلة عن الأمم المجاورة، وأن لغتهم كانت غريبة، ولغات من حولهم عنهم غريبة قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ قتلا وإهلاكا فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً أي خراجا أي أجرا عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا يعني أنهم أرادوا أن يجمعوا له من بينهم مالا يعطونه إياه؛ حتى يجعل بينهم وبين يأجوج ومأجوج سدا، فقال ذو القرنين بعفة وصلاح، وقصد للخير قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ أي ما جعلني فيه مكينا من كثرة المال واليسار خير مما تبذلون لي من الخراج، فلا حاجة لي إليه فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أي ساعدوني بقوة أي بعملكم وآلات البناء أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً أي حاجزا حصينا موثقا. قال النسفي: والردم أكبر من السد آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ أي قطع الحديد، والزبرة: القطعة الكبيرة حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ أي جانبي الجبلين لأنهما يتصادفان أي يتقابلان. أي وضع بعضه على بعض من الأساس، حتى إذا حاذى به رءوس الجبلين طولا وعرضا قالَ انْفُخُوا أي قال ذو القرنين للعملة: انفخوا في الحديد.

стр. 3063

وهذا يفيد أنه أجج عليه النار. وهذا يفيد أنه كان عنده من الوسائل الكثير، إذ النفخ اللازم لتأجيج السد نارا يلزمه وسائل كثيرة، ويبدو أنه كان بين قطع الحديد أشياء قابلة للاحتراق الطويل المدى حَتَّى إِذا جَعَلَهُ ناراً أي حتى إذا جعل المنفوخ فيه نارا وهو الحديد أي جعله كتلا نارية قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً أي أعطوني أصب عليه نحاسا مذابا، إذ القطر: هو النحاس المذاب؛ لأنه يقطر، وهذا يفيد أنه كان يملك من الآلات الشئ الهائل إذ إذابة النحاس والقدرة على صبّه على سد ضخم كله حديد محمر من الحرارة يحتاج إلى آلات وأسباب كثيرة، فإذا عرفنا هذا عرفنا معنى وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ أي إن يأجوج ومأجوج ما قدروا على أن يصعدوا من فوق هذا السد وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً أي ولا قدروا على نقبه من أسفله قالَ ذو القرنين هذا أي السد، أو هذا الإقدار والتمكين من تسوية السد رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي أي بالناس حيث جعل بين هؤلاء القوم وبين يأجوج ومأجوج حائلا يمنعهم من الاعتداء على هؤلاء القوم فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي قال ابن كثير: أي إذا اقترب الوعد الحق. وقال النسفي: فإذا دنا مجئ يوم القيامة وشارف أن يأتي جَعَلَهُ دَكَّاءَ أي ساواه بالأرض. قال النسفي: وكل ما انبسط بعد ارتفاع فقد اندكّ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا أي كائنا لا محالة، هذا آخر قول ذي القرنين وآخر قصته. كلمة في السياق: هذه قصة مسلم آتاه الله من الملك الكثير، ومكّنه في الأرض تمكينا كبيرا، وجعله يسخّر الأسباب كلها. فإذا تذكرنا أن هذه القصة: تفصّل قوله تعالى: وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ* ردا على من يتركون الإسلام ويسخرون من أهله من أجل زينة الحياة الدنيا فإننا نفهم من القصة ما يلي: لا يظنن ظان أن الدخول في الإسلام لا يعنى التمكين في الأرض، بل على العكس من ذلك، فإن التمكين يكون أكبر. ولا يظنن ظان أن الدخول في الإسلام يعني ترك الأسباب والبعد عنه، بل على العكس من ذلك، فإن الدخول في الإسلام يعنى اتباع الأسباب كلها، مع التوفيق الرباني لاستعمالها في محلها ولا يظنن ظان أن الدخول في الإسلام يحرم الإنسان رزقا، بل على العكس من ذلك

стр. 3064

فإن الدخول في الإسلام يرافقه الرزق الحسن. ولا يظنن ظان أن الدخول في الإسلام ينقص من قدر الإنسان بل يكمله. وقد مر معنا من قبل مما له علاقة في محل هذه القصة من السياق ما فيه كفاية. بحث مهم في فقه العمل للإسلام: إن المسلمين مكلّفون بإقامة الإسلام ضمن عالم الأسباب، قد يمدهم الله بالخوارق، ولكن التكليف على أساس عالم الأسباب، وهذا يقتضي من المسلمين أن يوجدوا كلّ الأسباب اللازمة والمستطاعة لإقامة الشئ الذي كلفوا به، فهم مكلّفون أن تكون كلمة الله هي العليا في العالمين، فعليهم أن يعملوا من أجل إيجاد الأسباب التي توصل إلى ذلك، وإذا جرّت فريضة على المسلمين في مكان أو زمان، فعليهم أن يبحثوا، وأن يوجدوا الأسباب اللازمة لإقامتها لقد رأينا من خلال عرضنا لقصة ذي القرنين أن الله آتاه من كل شئ سببا، وقد رأينا أنه قد اتبع الأسباب الموصلة إلى الغايات فسلكها. وهناك قراءة متواترة بتشديد التاء من قوله تعالى فَأَتْبَعَ فصارت الآية بذلك فَأَتْبَعَ سَبَباً إن هذه القضية يغفل عنها المسلمون كثيرا في عصرنا فلا يسيرون في كثير من الأحيان في الطريق الموصلة إلى الغاية المفروضة، بأخذ كل الوسائل المتاحة والمستطاعة، يدخل في ذلك التقصير في الأخذ بالأسباب نحو إزالة الأوضاع الشاذة، ويدخل في ذلك التقصير في الأخذ بالأسباب نحو إقامة الدولة الإسلامية العالمية إلى غير ذلك. نقول [من الظلال]: ١ - [بمناسبة قوله تعالى حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ] عند قوله تعالى حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ قال صاحب الظلال: (ومغرب الشمس هو المكان الذي يرى الرائي أن الشمس تغرب عنده وراء الأفق. وهو يختلف بالنسبة للمواضع. فبعض المواضع يرى الرائي الشمس تغرب خلف جبل. وفي بعض المواضع يرى أنها تغرب في الماء، كما في المحيطات الواسعة والبحار. وفي بعض المواضع يرى أنها تغرب في الرمال إذا كان في صحراء مكشوفة على مد البصر. والظاهر من النص أن ذا القرنين غرب حتى وصل إلى نقطة على شاطئ المحيط الأطلسي- وكان يسمى بحر الظلمات، ويظن أن اليابسة تنتهي عنده- فرأى الشمس تغرب فيه.

стр. 3065

والأرجح أنه كان عند مصب أحد الأنهار. حيث تكثر الأعشاب، ويتجمع حولها طين لزج هو الحمأ. وتوجد البرك وكأنها عيون الماء، فرأى الشمس تغرب هناك ووَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ .. ولكن يتعذر علينا تحديد المكان، لأن النص لا يحدده وليس لنا مصدر آخر موثوق به نعتمد عليه في تحديده. وكل قول غير هذا ليس مأمونا لأنه لا يستند إلى مصدر صحيح.). ٢ - [بمناسبة قوله تعالى حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ] وعند قوله تعالى: حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ قال صاحب الظلال: (ونحن لا نستطيع أن نجزم بشيء عن المكان الذي بلغ إليه ذو القرنين بَيْنَ السَّدَّيْنِ ولا ما هما هذان السدان. كل ما يؤخذ من النص أنه وصل إلى منطقة بين حاجزين طبيعيين، أو بين سدين صناعيين، تفصلهما فجوة أو ممر. فوجد هنالك قوما متخلفين: لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا. وعند ما وجدوه فاتحا قويا، وتوسّموا فيه القدرة والصلاح .. عرضوا عليه أن يقيم لهم سدّا في وجه يأجوج ومأجوج، الذين يهاجمونهم من وراء الحاجزين، ويغيرون عليهم من ذلك الممر، فيعيثون في أرضهم فسادا، ولا يقدرون هم على دفعهم وصدّهم .. وذلك في مقابل خراج من المال يجمعونه له من بينهم.» ٣ - [حول آية قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً وفائدة ذلك في تقوية الحديد] وعند قوله تعالى قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً قال صاحب الظلال: (وقد استخدمت هذه الطريقة حديثا في تقوية الحديد، فوجد أن إضافة نسبة من النحاس إليه تضاعف مقاومته وصلابته. وكان هذا الذي هدى الله إليه ذا القرنين، وسجله في كتابه الخالد سبقا للعلم البشري الحديث، بقرون لا يعلم عددها إلا الله). ٤ - [حول ما قيل عن سد يأجوج ومأجوج] وبمناسبة الكلام عن سد يأجوج ومأجوج قال صاحب الظلال: (كشف سد بمقربة من مدينة «ترمذ» عرف بباب الحديد. وقد مرّ به في أوائل القرن الخامس عشر الميلادي العالم الألماني (سيلد برجر) وسجله في كتابه، كذلك ذكره المؤرخ الأسباني (كلافيجو) في رحلته سنة ١٤٠٣ م وقال: إن سد مدينة باب الحديد على الطريق بين سمرقند والهند ... وقد يكون هو السد الذي بناه ذو القرنين.) أقول: وذهب بعضهم إلى أنّ السدّ هو سدّ الصين العظيم، ولقد حدثني بعض فضلاء المعاصرين ممّن زار الصين، أن بعض أهل الصين حدّثه عن قبائل لا زالت معروفة في الصين باسم يأجوج ومأجوج، وذهب بعضهم إلى أن السدّ كان موجودا في منطقة معروفة في الهند الآن تفصل شرقي آسيا عن غربها، ولا زالت هناك آثار وبقايا حديدية

стр. 3066

على صدفي الجبلين، وكل ذلك لا يصلح لأن يعتمد منه شئ في هذا الموضوع. الفوائد: ١ - [الإخبار عن قصة ذي القرنين في القرآن علامة على رسالة محمد ﷺ عند أهل الكتاب] مما ورد في أسباب النزول ندرك أن الإخبار عن قصة ذي القرنين يعتبر علامة عند أهل الكتاب على رسالة الرسول ﷺ . ومن ثم فذكر القصة فيه إقامة حجة على أن محمدا ﷺ رسول الله، وكون المسألة كذلك فهي إذا من الغوامض، فإن نجد في هذا المقام الكلام الكثير عن تفصيلات كثيرة مما له علاقة في الموضوع فهذا وحده يدلنا على أن أكثره من سقط القول، واختلاق القصّاصين، وخرافات أهل الكتاب التي ينبغي أن ننزه القرآن عن أن نذكر باطلها بجانب الحق فيه، وفي مقام من المقامات عند عرض هذه القصة قال ابن كثير: (وأكثر ذلك من خرافات أهل الكتاب، واختلاق زنادقتهم وكذبهم). فالبقاء عند ما يعطينا إياه النص، أو يكشفه لنا العلم الدقيق، هو الأولى في مثل هذه المقامات. فإنك تجد من الكلام المنقول عن أهل الكتاب، حتى من أسلم منهم ما لا يقبل التصديق من تأثرهم بما كانوا عليه. يذكر ابن كثير أن معاوية ﵁ قال لكعب الأحبار منكرا عليه: أنت تقول: إن ذا القرنين كان يربط خيله بالثريا؟ فقال له كعب: إن كنت قلت ذلك فإن الله قال: وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً ألا ترى أن استدلال كعب بالآية على هذه الفكرة يشكك في فهمه. وأستغفر الله من زلة لسان، إلا أن طرح هذه الأفكار وإلصاقها في القرآن والإسلام، من أكبر الجنايات على الإسلام فهي لا يطرحها إلا عدو للإسلام حاقد، أو صديق للإسلام جاهل. ونحن لا نرى في كعب الأحبار أكثر ما يراه ابن كثير. فلا يحملن أحد كلامنا الآنف على أنه طعن في إسلام كعب. قال ابن كثير بعد أن ذكر إنكار معاوية على كعب: (وهذا الذي أنكره معاوية ﵁ على كعب الأحبار هو الصواب، والحق مع معاوية في ذلك الإنكار، فإنّ معاوية كان يقول عن كعب: إن كنا لنبلو عليه الكذب يعني فيما ينقله، لا أنه كان يتعمّد نقل ما ليس في صحفه، ولكن الشأن في صحفه أنها من الإسرائيليات التي غالبها مبدّل، مصحّف، محرّف مختلق، ولا حاجة لنا مع خبر الله تعالى ورسول الله ﷺ إلى شئ منها بالكلية؛ فإنه دخل منها على الناس شئ كثير، وفساد عريض. وتأويل كعب قول الله وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً واستشهاده في ذلك على ما يجده في صحفه، من أنه كان يربط خيله بالثريا غير صحيح، ولا مطابق، فإنه لا سبيل للبشر إلى شئ من ذلك).

стр. 3067

٢ - [حول الاحتراز في النقل عن أهل الكتاب] رأينا في الفائدة السابقة كيف أن الخرافات دخلت إلى كتبنا من خلال روايات موجودة عند أهل الكتاب تليق بباطلهم، ولا تليق بحقّنا. وفي سبب تسمية ذي القرنين، وفي زمانه، وفي عمله، وفي أفعاله، وفي صفات الأقوام الذين رآهم، وغير ذلك أقاويل ليس لها أي سند يمكن الاتكاء عليه. وقد نقل ابن كثير بعضها وأنكره، وأنكر على من نقله. ونقل بعضها فلم ينكره، مع أن مجرد ذكره من غير أصل يمكن الاتكاء عليه، فيه بعد عن الروح الإسلامية المستمدة من قوله تعالى: وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فمما يذكره ولا ينكره: وأنّ الخضر كان وزيرا لذي القرنين، أن ذا القرنين طاف بالكعبة مع إبراهيم، ونحن ننكر ذلك أشد الإنكار، لأن تحديد زمن لم يحدده الله، عن الأنبياء وأحوالهم لا يكفي فيه قول القصاصين. ٣ - [حول ما قيل من أن ذي القرنين هو الإسكندر المقدوني تلميذ أرسطاطاليس] يظن بعض الناس أن ذا القرنين هو الإسكندر المقدوني تلميذ أرسطاطاليس، وينفي ابن كثير، وكثيرون من المفسرين، أن يكون المراد به هذا. لأن هذا وثني، وذاك رجل صالح، والذي أوصل إلى هذا اللبس كون الإسكندر المقدوني له فتوحاته الكثيرة في المشرق والمغرب، مما جعل الألوسي يرجّح أنه هو ذو القرنين، ويحتمل أن التاريخ ذكرت وثنيته أو كفره خطأ. ٤ - [رأي ابن كثير في المقصود باسم ذي القرنين] يرجح ابن كثير أن سبب تسمية ذي القرنين بهذا الاسم هو بلوغه المشارق والمغارب. لأن العرب تسمي مشرق الشمس قرنها. ٥ - [تلخيص لقصة يأجوج ومأجوج ونقول للمؤلف حولها ومناقشتها] وكما أحاطت خرافات القصاصين وأهل الكتاب بقصة ذي القرنين، فقد أصابت كذلك موضوع يأجوج ومأجوج، سواء أصلهم، أو من هم، أو ما هي أوصافهم، وبعد أن ينقل ابن كثير واحدة من هذه الخرافات يقول: وهذا قول غريب جدا، ثم لا دليل عليه لا من عقل ولا من نقل، ولا يجوز الاعتماد هاهنا على ما يحكيه بعض أهل الكتاب؛ لما عندهم من الأحاديث المفتعلة، والذى نلخصه في هذا الموضوع ما يلي: ١ - أن يأجوج ومأجوج من أبناء آدم، وأنهم يشكلون أكثرية بالنسبة لأهل الأرض في كل العصور. كما رأينا في الحديث الصحيح الذي ذكرناه في صلب التفسير. ٢ - قال ابن كثير: وفى مسند الإمام أحمد عن سمرة أن رسول الله ﷺ قال: «ولد نوح ثلاثة: سام أبو العرب. وحام أبو السودان. ويافث أبو الترك» قال بعض

стр. 3068

العلماء: هؤلاء أي يأجوج ومأجوج من نسل يافث أبي الترك. وقال إنما سمّي هؤلاء تركا لأنهم تركوا من وراء السد من هذه الجهة. وإلا فهم أقرباء أولئك، ولكن كان في أولئك بغي وفساد وجراءة». ٣ - من الحديث المتفق على صحته عن زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ قالت: استيقظ النبي ﷺ من نومه وهو محمر وجهه وهو يقول: «لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وحلق قلت: يا رسول الله: أنهلك وفينا الصالحون؟. قال: نعم إذا كثر الخبث» من هذا الحديث فهم بعضهم أن المغول والتتار بل الجنس الآري كله من يأجوج ومأجوج. راجع ما كتبه عبد الله بن سعدي النجدي في ذلك. لأن سيول التتار والمغول والصليبيين كلها كانت في مرحلة واحدة، أصيب بسببها العرب بشر هائل وقتذاك. ٤ - رأينا أن ابن كثير والنسفي فسّرا قوله تعالى: فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ أي إذا اقترب وعد ربي؛ أخذا من قوله تعالى: حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ* وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فجعل السدّ دكّا إنما يكون قبل يوم القيامة، وذلك يدلّ على اقترابها، والذي نقوله: إن بعثة رسولنا ﷺ علامة على اقتراب يوم القيامة، فذلك السد إذن، ليس شرطا أن يكون قبل يوم القيامة مباشرة. وإنما انفتاح يأجوج ومأجوج وسيحهما في الأرض، ووصولهما إلى أرض الشام زمن المسيح ﵇، يكون قبيل الساعة بقليل. فما فهمه بعضهم أن السدّ نفسه لا يفتح إلا ساعتئذ فهم خاطئ. ولنا عودة على هذا الموضوع في سورة الأنبياء إن شاء الله. ٥ - لا نعرف أحدا من علماء عصرنا كأبي الكلام آزاد ﵀ أكثرنا تأهيلا للتحقيق في المعضلات التاريخية بما اجتمع له من ثقافة موسوعية دينية وتاريخية، وقد أقدم على تحقيق المراد بذي القرنين وبسده وبيأجوج ومأجوج فقدم دراسة تعتبر أعظم دراسة في بابها حول هذا الموضوع، وقد نشرت دراسته دار الشعب المصرية تحت عنوان «ويسألونك عن ذي القرنين»، وبلغت دراسته حوالى مائة صفحة وإذا صح ما توجه إليه في دراسته فإن قصة ذي القرنين في القرآن تكون من أعظم معجزات هذا القرآن، التي تقوم بها الحجة على كل إنسان. يبدأ أبو الكلام دراسته بتحديد الجهة التي ينبغي أن يبدأ منها التحقيق، فما دام اليهود

стр. 3069

هم وراء السؤال عن ذي القرنين فبدأ التحقيق يكون من كتبهم، ومن خلال دراسة مستوعبة لكتبهم يصل إلى أن ذا القرنين مذكور في سفر أشعياء باللفظ نفسه، ومن خلال استعراضه لكتب اليهود كلها، ومن خلال استعراضه للمراد بذى القرنين في سفر أشعيا، يصل إلى أنّ ذا القرنين هو كورش الذى وجد في القرن السادس قبل الميلاد والذى عثر له في إيران على تمثال له قرنان وجناحان وذلك يطابق وصفه في كتب العهد القديم، ثم مضى في الدراسة فأثبت أن كل ما ذكره القرآن في حق ذي القرنين ينطبق على كورش فهو على الدين الصحيح لزرادشت، القائم على التوحيد والإيمان باليوم الآخر وعلى النية الصادقة والقول الصادق والعمل الصادق، وهو الذي توجه في الفتح نحو المشرق حتى بلغ صحراء بلخ وتوجه في الفتح نحو المغرب حتى وصل إلى بحر إيجه قريبا من إزمير، وتوجه في الفتح نحو الشمال وبنى السد الذي بقي معروفا باسمه في المكان الذي يسمى الآن بمضيق داريال والموجود الآن في جبال القوقاز، وأثبت الشيخ أبو الكلام أن كل ما ورد عن السد في القرآن ينطبق على هذا المكان، وخطأ من قال بأن السد هو السد المعروف بباب دربند أو باب الأبواب والممتد من بحر الخزر إلى سلسلة جبال القوقاز، كما خطّأ من ذهب إلى أنه سد الصين العظيم، وكتب تحقيقا نفيسا بهذه المناسبة عن يأجوج ومأجوج استشرف في هذه الدراسة كل ما ورد في الكتب اليهودية وما عرف في التاريخ وفي اللغات عن هذا الموضوع، وخلص إلى أن يأجوج ومأجوج هم التتار والمغول الذين كانت تقذف بهم منغوليا مرة بعد مرة، وأن إغلاق مضيق داريال هو الذي قطع الطريق على تحركاتهم نحو الغرب، وذكر أن آثار سدّ ذي القرنين لا زالت موجودة على نفس الوصف الذي وصفها به القرآن، بينما لا تنطبق هذه الأوصاف على أي سد حاول المفسرون أن يعتبروه هو سد ذي القرنين، ومع أننا لا نستطيع الجزم بما أوصل إليه هذا التحقيق لكنه يبقى التحقيق الأقوى في التاريخ الإسلامي حول ذي القرنين. ***

стр. 3070

المقطع السادس ويمتد من الآية (٩٩) إلى نهاية الآية (١١٠) وهي نهاية السورة وهذا هو: ١٨/ ١١٠ - ٩٩

стр. 3071

التفسير: وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ قال الألوسي «وقال أبو حيان: الأظهر كون الضمير ليأجوج ومأجوج: أي وتركنا بعض يأجوج ومأجوج يموج في بعض آخر منهم حين يخرجون من السدّ مزدحمين في البلاد، وذلك بعد نزول عيسى ﵇» وقال الألوسي في الآية: أي جعلنا بعض الخلائق (يومئذ) أي يوم إذ يضطربون اضطراب البحر .. ولعلّ ذلك لعظائم تقع قبل النفخة الأولى .. » وقال النسفي في تفسيرها: وجعلنا بعض الخلق يومئذ يختلط في بعض وَنُفِخَ فِي الصُّورِ أي النفخة الثانية فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً أي فأحضرنا الجميع للحساب. والمعنى: فجمعنا جميع الخلائق للثواب والعقاب، ويحتمل أن يكون المعنى: وجمعنا كل إنسان جمعا بعد إذ كان متفرقا وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً أي وأظهرناها لهم فرأوها وشاهدوها، ثم وصف حال الكافرين في الدنيا: الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي أي عن آياتي التي تذكّر بي، فأذكر بالتعظيم، أو عن القرآن وتأمل معانيه، أي تغافلوا وتعاموا وتصامموا عن قبول الهدى واتباع الحق وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً أي غير قادرين على سماع الحق. كلمة في السياق: بدأت السورة بالمقدمة التي استقرت على قوله تعالى: إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا* وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً. وبعد أن مضى الحديث عن أصحاب الكهف، وصاحب الجنتين، والحياة الدنيا، وقصة موسى والخضر ﵉ وقصة ذي القرنين وصاحب الجنتين وما تخلل ذلك من أوامر ونواه وعظات. جاء هنا قوله تعالى: وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً* وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً* الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً فكأن هذه المجموعة استمرار لما استقرت عليه المقدمة، وكأن كل ما جاء في الوسط تمثيل وتفصيل لكل ما يخدم ويذكّر في أمر الدنيا وزوالها، وزوال ما فيها من صالحين وطالحين، وملوك وأولياء وغير ذلك. فليحدد الإنسان بصره نحو اليوم الآخر، وليخف ما فيه. وهذه الخاتمة في الوقت نفسه تعليق على قصة ذي القرنين من حيث ما أعده الله لكل كافر من يأجوج

стр. 3072

وغيرهم، ولنذكر أن محور السورة هو: زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ وواضح أن المقطع يعطينا تصورا عن يوم القيامة، وعن فوقية المؤمنين على الكافرين فيه، وكما أن آية البقرة خدمت قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ فإن سورة الكهف خدمت ذلك الأمر وذلك النهي، والآن قد آن الأوان ليخاطب الكافرون الذين زيّنت لهم الحياة الدنيا، ويسخرون من الذين آمنوا، خطابين صريحين يشكلان جزءا من خاتمة سورة الكهف. الخطاب الأول: أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ هذا الخطاب يحتمل معنيين الأول: لا يظن الكفار أن اتخاذهم عبادي أي: الملائكة وعيسى وغيرهم أولياء من دوني أن ذلك نافعهم. والمعنى الثاني: لا يظن الكافرون وهم قد رفضوا الدخول في الإسلام، واتبعوا خطوات الشيطان، ويسخرون من الذين آمنوا، أن يكون عبادي لهم أولياء، إن عباد الله لا يكونون أولياء للكافرين، وكيف يوالونهم وهم يرفضون الدخول في الإسلام، ويستهزءون بالإيمان وأهله، وهذا الخطاب مهم هنا، فمن زينة الحياة الدنيا الاتباع، والله حرّم على المؤمنين أن يعطوا الكافرين ولاءهم، وفي ذلك إيئاس للكافرين من أن يكون لهم جاه على حساب أهل الإيمان، فما أضل من يعطي كافرا ولاءه. ثم قال تعالى: إِنَّا أَعْتَدْنا أي إنا أعددنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا أي ضيافة ومنزلا. جزاؤهم في الدنيا ألا يواليهم أهل الإيمان، وجزاؤهم في الآخرة النار؛ على سلوكهم، ومحبتهم للدنيا، وسخريتهم من أهل الإيمان، ورفضهم الدخول في الإسلام، وعلى اتّباعهم خطوات الشيطان. الخطاب الثاني: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا خاطبهم بمنطق الربح والخسارة؛ لأنهم في طلبهم للحياة الدنيا يبتغون الربح الَّذِينَ ضَلَّ أي ضاع وبطل سَعْيُهُمْ أي عملهم فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً الآية عامة في كل من لم يدخل في الإسلام كله، وهو يحسب أنه مصيب، فهذا أكثر الناس خسارة أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ أي جحدوا آيات الله، وبراهينه التي أقامها على

стр. 3073

وحدانيته، وصدق رسله، وكذبوا بالدار الآخرة فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ بكفرهم فلا يثابون عليها فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً أي فلا يكون لهم عندنا وزن ولا مقدار، أي لا نثقّل موازينهم لأنها خالية عن الخير ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً أي جزاؤهم جهنم بكفرهم واستهزائهم بآيات الله ورسله، لاحظ صلة ذلك بآية المحور وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا. ثمّ ختم الله السورة بقوله إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا أي ضيافة، الفردوس كما ورد في الحديث: «الفردوس ربوة الجنة أوسطها وأحسنها». خالِدِينَ فِيها أي مقيمين ساكنين فيها لا يظعنون عنها أبدا لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا أي لا يطلبون عنها تحوّلا إلى غيرها رضا بما أعطوا، أي لا مزيد عليها حتى تنازعهم أنفسهم ما هو أجمع لأغراضهم وأمانيهم. وهذا غاية ما توصف به الجنة، لأن الإنسان في الدنيا في أي نعيم كان فهو طامح، مائل الطرف إلى أرفع منه. قال ابن كثير: تنبيه (أي هذا تنبيه) على رغبتهم فيها، وحبهم لها، مع أنه قد يتوهم فيمن هو مقيم في المكان دائما أنه قد يسأمه أو يملّه. فأخبر أنهم- مع هذا الدوام والخلود السرمدي- لا يختارون عن مقامهم ذلك متحولا، ولا انتقالا، ولا ظعنا ولا رحلة ولا بدلا. كلمة في السياق: الآية التي هي محور السورة: زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ وفي خاتمة السورة يقرّر الله أن الكافرين يهزءون من الرسل وآيات الله، ويذكر جزاءهم على ذلك، كما يذكر ما أعد للمؤمنين بما يفهمنا به أن المؤمنين فوق الكافرين يوم القيامة. ... قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ أي ماؤه مِداداً أي حبرا؛ إذ المداد ما يكتب به لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي أي لو كتبت الكلمات التي تعبّر عن علم الله وحكمته، وكان البحر مدادا لها، لنفد البحر قبل نفاد كلمات الله وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً أي بمثل البحر آخر ثم آخر، وهلم جرا بحور تمده، ويكتب بها، لما نفدت كلمات الله؛ إذ كلمات الله لا تتناهى، فجل جلاله ولا إله غيره. فإذا كان هذا علم الله، فكيف لا يسلم الإنسان له وجهه! وكيف لا يدخل في دينه!

стр. 3074

وكيف لا يخدم أولياءه، وكيف لا يخاف شأنه، وكيف لا يحب آخرته ويزهد فيما يكره، إن التنبيه على علم الله في هذا المقام يضيء على السورة كلها وعلى معانيها وعلى محورها وحيّزه. ... قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ فمن زعم أنّي كاذب فليأت بمثل ما جئت به، فإني لا أعلم الغيب، فما كنت لأخبركم عمّا سألتم من قصة أصحاب الكهف، وخبر ذي القرنين، مما هو مطابق في نفس الأمر لولا ما أطلعني الله عليه، فأنا بشر، ولكن خصّني الله بالرسالة، وأكرمني بالوحي، وشرّفني بالدعوة لدينه يُوحى إِلَيَّ فهذا الذي شرّفني الله به، وكلفكم باتباعي من أجله أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ هذا محور ما أدعو إليه، وما أوحي إليّ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ أي فمن كان يأمل حسن لقاء ربه وأن يلقاه لقاء رضا وقبول. أي فمن كان يرجو ثوابه وجزاءه الصالح فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً أي عملا موافقا لشرع الله وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً بألا يريد بعبادته إلا وجه الله وحده لا شريك له. وهكذا بعد أن زهّد الله في الدنيا، دلّ على الطريق إليه وإلى الآخرة. ودلّ على أن محور الإسلام التوحيد. وأن العمل الصالح الملتبس بالإخلاص هو الطريق إلى الآخرة ولنلاحظ أن مقدمة السورة كانت: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً* قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً وأن السورة قد ختمت بقوله تعالى: فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً والملاحظ أن السورة كلها كالقرآن كله- كانت تبشيرا وإنذارا، ولنتذكر في هذا المقام أن السورة تفصّل في حيّز الأمر بالدخول في الإسلام كله، وعلى هذا فخاتمتها تشير إلى طريق الدخول في الإسلام: العمل الصالح الخالص لله. قال ابن كثير: وهذان ركنا العمل المتقبّل، لا بد أن يكون خالصا لله، صوابا على شريعة رسول الله ﷺ . فوائد المقطع الأخير: ١ - [مناقشة وتحقيق حول الاتجاه القائل بأن آية قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا نزلت في الخوارج] هناك اتجاه في قوله تعالى: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا أنها في الخوارج، والتحقيق أنها ليست فيهم خاصة قال ابن كثير: روى البخاري ... عن مصعب قال: سألت أبي- يعني سعد بن أبي وقاص- عن قول الله: قُلْ هَلْ

стр. 3075

نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا أهم الحرورية؟ (أي الخوارج) قال: لا هم اليهود والنصارى، أما اليهود فكذّبوا محمدا ﷺ ، وأما النصارى فكفروا بالجنة، وقالوا: لا طعام فيها ولا شراب، والحرورية الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، فكان سعد ﵁ يسميهم الفاسقين، وقال علي بن أبي طالب، والضحاك وغير واحد، هم الحرورية، ومعنى هذا عن عليّ ﵁: أن هذه الآية الكريمة تشمل الحرورية، كما تشمل اليهود والنصارى وغيرهم، لا أنها نزلت في هؤلاء على الخصوص، ولا هؤلاء، بل هي أعمّ من هذا، فإن هذه الآية مكية قبل خطاب اليهود والنصارى، وقبل وجود الخوارج بالكلية، وإنما هي عامة في كل من عبد الله على غير طريقة مرضية، يحسب أنه مصيب فيها، وأن عمله مقبول، وهو مخطئ وعمله مردود. ٢ - [أحاديث حول قوله تعالى فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ ... ] بمناسبة قوله تعالى: فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً نذكر هذه الأحاديث: أ- روى البخاري عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة- قال- اقرءوا إن شئتم فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً. ب- وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «يؤتى بالرجل الأكول، الشروب، العظيم، فيوزن بحبة فلا يزنها». قال: وقرأ: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً. ج- وأخرج البزار عن بريدة قال: كنا عند رسول الله ﷺ فأقبل رجل من قريش، يخطر في حلة له، فلما قام على النبي ﷺ قال: «يا بريدة هذا ممن لا يقيم الله له يوم القيامة وزنا» ٣ - [حديث بمناسبة قوله تعالى كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا] بمناسبة قوله تعالى: كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا. نذكّر بما ورد في الصحيحين: «إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس؛ فإنه أعلى الجنة، وأوسط الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة». ٤ - [من مظاهر الإعجاز القرآني تصوير علم الله بصورة لا يمكن أن تخطر على قلب بشر] بمناسبة قوله تعالى: قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً نذكّر بما فصّلناه في كتابنا (الرسول) أثناء الكلام عن المعجزة القرآنية، كيف أن من مظاهر الإعجاز في القرآن أنك تجد فيه صورا لا يمكن أن تخطر بقلب بشر، ومن ذلك هذه الصورة في تصوير علم الله غير المتناهي،

стр. 3076

فهل يمكن لعاقل أن يتصور أن مثل هذه الصورة يمكن أن تخطر بقلب إنسان، اللهم إنا نشهد أن هذا الكتاب كتابك، وأن محمدا ﷺ رسولك. ٥ - [روايات حول كون آخر آية نزلت من القرآن هي فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ .. ] أخرج ابن جرير بسنده إلى عمرو بن قيس الكندي: أنه سمع معاوية بن أبي سفيان تلا هذه الآية فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ الآية وقال إنها آخر آية نزلت من القرآن، وهذا أثر مشكل فإن هذه الآية آخر سورة الكهف، والكهف كلها مكية، ولعل معاوية أراد أنه لم ينزل بعدها آية تنسخها، ولا تغير حكمها، بل هي مثبتة محكمة، فاشتبه ذلك على بعض الرواة، فروى بالمعنى على ما فهمه والله أعلم. ٦ - [أحاديث وآثار حول آية فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ .. وموضوع الشرك الخفي] بمناسبة قوله تعالى: فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً يذكر ابن كثير مجموعة أحاديث وآثار ننقلها كلها: «وقد روى ابن أبي حاتم من حديث معمر عن عبد الكريم الجزري عن طاوس قال: قال رجل: يا رسول الله: إني أقف المواقف أريد وجه الله، وأحب أن يرى موطني، فلم يرد عليه رسول الله ﷺ شيئا، حتى نزلت هذه الآية فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً وهكذا أرسل هذا مجاهد وغير واحد، وقال الأعمش ... عن شهر بن حوشب قال جاء رجل إلى عبادة بن الصامت فقال: أنبئني عما أسألك عنه: أرأيت رجلا يصلي يبتغي وجه الله، ويحب أن يحمد، ويصوم ويبتغي وجه الله، ويجب أن يحمد، ويتصدق ويبتغي وجه الله، ويحب أن يحمد، ويحج يبتغي وجه الله، ويحب أن يحمد، فقال عبادة: ليس له شئ إن الله تعالى يقول: أنا خير شريك، فمن كان له معي شريك فهو له كله لا حاجة لي فيه. وروى الإمام أحمد ... عن أبي سعيد الخدري قال: كنا نتناوب رسول الله ﷺ ، فنبيت عنده تكون له الحاجة، أو يطرقه أمر من الليل، فيبعثنا، فكثر المحتسبون (أي الضيوف) وأهل النوب، فكنا نتحدث، فخرج علينا رسول الله ﷺ فقال: «ما هذه النجوى؟» ألم أنهكم عن النجوى؟ قال: فقلنا تبنا إلى الله أي نبي الله، إنما كنا في ذكر المسيح (وهو الدجال) وفرقنا منه فقال: «ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم من المسيح عندي؟» قال: قلنا: بلى. قال: «الشرك الخفي أن يقوم الرجل يصلي لمكان الرجل» وروى الإمام أحمد عن ابن غنم قال: لما دخلنا مسجد الجابية، أنا وأبو الدرداء، لقينا عبادة بن الصامت، فأخذ يميني بشماله، وشمال أبي الدرداء بيمينه، فخرج يمشي بيننا، ونحن نتناجى، والله أعلم بما نتناجى به، فقال عبادة بن الصامت: إن طال بكما

стр. 3077

عمر أحدكما، أو كليكما، لتوشكان أن تريا الرجل من ثبج المسلمين (يعني من وسطهم) قرأ القرآن على لسان محمد ﷺ فأعاده وأبدأه، وأحل حلاله وحرم حرامه، ونزله عند منازله لا يجوز فيكم إلا كما يجوز رأس الحمار الميت (١). قال: فبينما نحن كذلك إذ طلع شداد بن أوس ﵁، وعوف بن مالك فجلسا إلينا. فقال شداد: إن أخوف ما أخاف عليكم أيها الناس لما سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من الشهوة الخفية والشرك» فقال عبادة بن الصامت وأبو الدرداء: اللهم غفرا، أو لم يكن رسول الله ﷺ قد حدّثنا أن الشيطان قد يئس أن يعبد في جزيرة العرب، أما الشهوات الخفية فقد عرفناها هي شهوات الدنيا من نسائها وشهواتها، فما هذا الشرك الذي تخوفنا يا شداد؟ فقال شداد: أرأيتكم لو رأيتم رجلا يصلي لرجل، أو يصوم لرجل، أو يتصدق له، أترون أنه قد أشرك؟ قالوا: نعم والله إن من صلى لرجل أو صام أو تصدق له فقد أشرك، فقال شداد: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من صلى يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك، ومن تصدق يرائي فقد أشرك» قال عوف بن مالك: فعند ذلك أفلا يعمد الله إلى ما أبتغي به وجهه من ذلك العمل كله، فيقبل ما خلص له ويدع ما أشرك به؟ فقال شداد عند ذلك؟ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله يقول أنا خير قسيم لمن أشرك بي، من أشرك بي شيئا فإنّ عمله قليله وكثيره لشريكه الذي أشرك به، أنا عنه غني». (طريق أخرى لبعضه) روى الإمام أحمد ... عن عبادة بن نسى عن شداد بن أوس ﵁ أنه بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال شئ سمعته من رسول الله ﷺ فأبكاني، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أتخوف على أمتي الشرك والشهوة الخفية» قلت: يا رسول الله أتشرك أمتك من بعدك؟ قال: «نعم أما إنهم لا يعبدون شمسا ولا قمرا، ولا حجرا ولا وثنا، ولكن يراءون بأعمالهم؛ والشهوة الخفية أن يصبح أحدهم صائما فتعرض له شهوة من شهواته فيترك صومه». (حديث آخر) روى الحافظ أبو بكر البزار ... عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «يقول الله يوم القيامة أنا خير شريك، فمن أشرك بي أحدا فهو له كله» وروى الإمام أحمد ... عن أبي هريرة عن النبي ﷺ يرويه عن الله أنه قال: «أنا خير الشركاء فمن عمل عملا أشرك فيه غيري فأنا منه برئ، وهو للذي أشرك».

стр. 3078

(حديث آخر) روى الإمام أحمد ... عن محمود بن لبيد أن رسول الله ﷺ قال: «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر» قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: «الرياء، يقول الله يوم القيامة إذا جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء». (حديث آخر) روى الإمام أحمد ... عن أبي سعيد بن أبي فضالة الأنصاري- وكان من الصحابة- أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم لا ريب فيه، نادى مناد: من كان أشرك في عمل عمله لله أحدا فليطلب ثوابه من عند غير الله، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك». (حديث آخر) روى الإمام أحمد ... عن أبي بكرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من سمّع سمّع الله به، ومن راءى، راءى الله به». وروى الإمام أحمد ... عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ قال: «من يرائي يرائي الله به، ومن يسمّع، يسمّع الله به» (حديث آخر) روى الإمام أحمد ... عن عمرو بن مرة قال: سمعت رجلا في بيت أبي عبيدة أنه سمع عبد الله بن عمرو يحدث ابن عمر، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «من سمّع الناس بعمله، سمّع الله به، مسامع خلقه، وصغّره وحقّره» فذرفت عينا عبد الله. وروى الحافظ أبو بكر البزار .... عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «تعرض أعمال بني آدم بين يدي الله يوم القيامة في صحف مختمة، فيقول الله: ألقوا هذا، واقبلوا هذا، فتقول الملائكة: يا رب والله ما رأينا منه إلا خيرا، فيقول: إن عمله كان لغير وجهي، ولا أقبل اليوم من العمل إلا ما أريد به وجهي» وأخرج أبو يعلى عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله «من أحسن الصلاة حيث يراه الناس، وأساءها حيث يخلو، فتلك استهانة استهان بها ربه » ومما ذكره ابن كثير في هذا المقام حديث عن عبد الله بن قيس الخزاعي أنّ رسول الله ﷺ قال: «من قام رياء وسمعة لم يزل في مقت الله حتى يجلس». كلمة في موضوع السير إلى الله: في كتابنا (جند الله ثقافة وأخلاقا) أبرزنا أن القدوة برسول الله ﷺ طريقها رجاء الله واليوم الآخر، وذكر الله كثيرا، لأن الله تعالى قال: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً وبيّنا هناك أن

стр. 3079

الإنسان ما لم يرج الله واليوم الآخر، ويذكر الله كثيرا، فإن حظه من الاقتداء برسول الله ﷺ يكون معدوما، وبقدر رجاء الله واليوم الآخر، والذكر الكثير، يكون الاقتداء برسول الله ﷺ ، وذكرنا هناك: أن الذكر الكثير هو البداية، لأن الله جعله بصيغة الماضي، وجعل الرجاء بصيغة المضارع، مما يشعر بأنه حتى الرجاء ينميه الذكر الكثير، ويحييه، وهاهنا في سورة الكهف ختمت السورة بقوله تعالى: فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً وعلى هذا فإننا نفهم أن علامة الرجاء العمل الصالح الخالص لوجه الله، وعلى هذا فإن المربين عليهم أن يلاحظوا هذا في التربية، يبدءون مع مريد وجه الله بالذكر والعلم، ويدفعونه نحو أنواع العمل الصالح كلها، مع ملاحظة الإخلاص لله تعالى، فإنه إذا اجتمع لمريد وجه الله ذلك فإنه يكون سائرا على قدم رسول الله ﷺ ، أو إن هذا يسهّل له أمر السير على قدم رسول الله ﷺ ، الذي هو القدوة العليا في حمل الإسلام، والدخول فيه وتطبيقه كله. كما هو القدوة العليا في اجتناب خطوات الشيطان، كما هو القدوة العليا في موقفه من الدنيا، أخذا منها لله، وزهدا فيها لله، وتواضعا للمؤمنين، ومعرفة بالله. فليلاحظ المربون والسالكون إلى الله ذلك. كلمة في سورة الكهف: بدأت سورة الكهف بتعليمنا الحمد على نعمة هذا القرآن، فمن لم يصل إلى الشعور بنعمة الله عليه بهذا القرآن، فهو لم يأخذ درسها الأول، ثم بينت لنا بعض خصائص القرآن، وخاصة موضوع براءته من العوج واستقامته. فمن لم يستشعر هذا المعنى في القرآن كله فاته درسها الثاني. ثم بينت أن أسلوب هذا القرآن في العرض هو التبشير والإنذار، فمن لم يذق هذا المعنى، ويتفاعل معه، ويعرف حكمة الله فيه، فاته درسها الثالث، ثم بينت الحكمة في تزيين الحياة الدنيا، وهي الاختبار، فمن لم ينجح في الاختبار، بأن يحسن العمل بالدخول في الإسلام، واجتناب خطوات الشيطان، فاته درسها الرابع، ومن لم يعرف قصة أهل الكهف ومحلّها بالنسبة لمجموع آيات الله، فاته درسها الخامس، ومن لم يتأدب مع الله، ومع خلقه، ومع الحق، فاته درسها السادس، ومن لم يشكر الله على ما أعطاه من نعم الدنيا، ويتعامل مع أهل الدنيا بمنطق المذكّر الواعظ، فاته درسها السابع، ومن لم يزهد في الدنيا، ويعرف حقيقتها، فاته درسها الثامن، ومن لم يجتنب خطوات الشيطان، فاته درسها التاسع. ومن لم يتأدب

стр. 3080

مع الله، بالأدب مع أنبيائه، وأوليائه، بأن يعرف كرم الله في العطاء، فلا يحتقر من أنعم الله عليه بنعمة علم لدنّي، بل يحترمه ويستفيد منه، فمن لم يفعل ذلك فاته درسها العاشر. ومن لم يعرف أن الله يعطي الدنيا لمن شاء، فيسخّر له ما شاء، فاته درسها الحادي عشر، ومن لم يعرف أنه لا ولاية بين الكافرين والمؤمنين، وأن المنحرفين عن أمر الله هم الأخسرون، وأن علم الله لا يتناهى، وأن الرجاء يحتاج إلى العمل الصالح، والإخلاص، فقد فاتته دروس السورة الأخيرة. إن السورة تربي مشاعر أهل الإيمان في أهم قضية تواجههم ليلا ونهارا قضية ما على هذه الأرض من زينة الحياة الدنيا، وكيفية التعامل مع الخلق في هذا الموضوع، وكل ما له علاقة فيه. ... وقد كرّرنا الكلام عن صلة سورة الكهف بمحورها من سورة البقرة، ونظن أن هذه الصلة من الوضوح بحيث لا تحتاج إلى إعادة كلام فيها، وهذا أوان الانتقال إلى السورة الأخيرة من المجموعة الثانية، من قسم المئين وهي سورة مريم ﵍. ***

стр. 3081

سورة مريم مكيّة وهي السّورة الخامسة والأخيرة من المجموعة الثانية من القسم الثاني من أقسام القرآن قسم المئين وهي السّورة التاسعة عشرة بحسب الرّسم القرآني وآياتها (٩٨)

стр. 3082

بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله وآله واصحابه ربّنا تقبّل منّا، إنّك أنت السّميع العليم

стр. 3083

قال الألوسي في تقديمه لسورة مريم: (المشهور تسميتها بذلك، ورويت عن رسول الله ﷺ فقد أخرج الطبراني. وأبو نعيم. والديلمي من طريق أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني عن أبيه عن جده قال: أتيت رسول الله ﵊ فقلت: ولدت لي الليلة جارية فقال: «والليلة أنزلت عليّ سورة مريم»، وجاء فيما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما تسميتها بسورة (كهيعص) وهي مكية كما روي عن عائشة وابن عباس وابن الزبير رضي الله تعالى عنهم، وقال مقاتل: هي كذلك إلا آية السجدة فإنها مدنية، نزلت بعد مهاجرة المؤمنين إلى الحبشة، وفي الإتقان استثناء قوله تعالى وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها أيضا وهي عند العراقيين والشاميين ثمان وتسعون آية، وعند المكيين تسع وتسعون، وللمدنيين قولان. ووجه مناسبتها لسورة الكهف: اشتمالها على نحو ما اشتملت عليه من الأعاجيب، كقصة ولادة يحيى. وقصة ولادة عيسى ﵉، ولهذا ذكرت بعدها. وقدم ابن كثير للكلام عن سورة مريم بهذه الفائدة روى محمد بن إسحاق في السيرة من حديث أم سلمة. وروى الإمام أحمد عن ابن مسعود في قصة الهجرة إلى أرض الحبشة من مكة أن جعفر بن أبي طالب ﵁ قرأ صدر سورة مريم على النجاشي وأصحابه). كلمة في سورة مريم ومحورها: لاحظنا أن القسم الأول من القرآن توجد فيه سورة الأعراف التي تبتدئ بقوله تعالى: المص ونلاحظ الآن أن سورة مريم مبدوءة ب كهيعص وسنجد في القسم الثالث سورة مبدوءة، بالحرف (ص) وحده. ولاحظنا أن سورة (الأعراف) لم يأت بعدها في قسمها إلا سورتا (الأنفال وبراءة). وسنرى أن سورة (طه) التي تأتي بعد سورة (مريم) بداية جديدة لمجموعة جديدة كما سنرى أن سورة (ص) هي نهاية مجموعة. فكأن (ص) عند ما تأتي في سورة تشير إما إلى نهاية مجموعة، أو أنها قنطرة إلى معنى بعيد في سياق سورة البقرة. وإذ كان ما بعد سورة (مريم) يشير إلى بداية مجموعة جديدة فإن (ص) الواردة فى سورة (مريم) تشير إلى نهاية مجموعة. ومن قبل كنا ذكرنا أن المجموعة الثانية من القسم الثاني من أقسام القرآن تنتهي بسورة مريم.

стр. 3084

وقد رأينا أن هذه المجموعة مؤلفة من خمس سور: (الحجر) التي هي مقدمة لتفصيل قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ..... و(النحل) التى فصّلت الآية: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ .... و (الإسراء) التي فصّلت الآية سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ. و(الكهف) التي فصّلت الآية زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ... * والآن تأتي سورة (مريم) لتفصل الآية كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً ... وكل ذلك بما يخدم الأمر في الدخول في الإسلام كافة. وعلى هذا فالسور الأربع المتتابعة تفصّل في آيات أربع متتابعة. ... وإذن فسورة مريم تفصّل قوله تعالى من سورة البقرة: كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. وإنما دلنا على أن سورة مريم تفصّل هذه الآية، أو بعض معانيها، ما سبقها من سور تفصل الآيات التي قبل هذه الآية وكونها تكمل هذه السور والمعاني الواردة فيها، كما دلنا على ذلك المعاني. ... إن آية البقرة تبين أن الناس قد أصبحوا في لحظة ما كافرين جميعا. فاقتضى ذلك إرسال الرسل مبشّرين ومنذرين، وأنزل الله معهم الوحي حاكما في كل خلاف، ولكن الكتاب الذي جاء حاسما لكل خلاف أصبح محل اختلاف بسبب بغي الناس. ولكن جرت سنة الله أنه رغم الاختلاف فإنه يهدي بالكتاب المؤمنين الخالصين إلى الصراط المستقيم، فالآية تبيّن حكمة بعثة الرسل، وتبيّن حكمة إنزال الكتاب، وتبيّن رحمة الله بأهل الإيمان الذين لا بغي عندهم. وهي بهذا تخدم الأمر بالدخول في الإسلام كله: فإذ بعث الله محمدا ﷺ بشيرا ونذيرا، أنزل معه الكتاب حاسما لكل خلاف، فالدخول في الإسلام الذي بعث به محمد ﷺ هو الطريق الوحيد للبشرية لتحسم خلافاتها بالحق وبالوحي وبالكتاب.

стр. 3085

لقد اختلف اليهود والنصارى حول المسيح. قال اليهود عليهم اللعنة إنه ابن زنى وقالت النصارى إنه ابن الله وغير ذلك. فجاءت سورة مريم تحسم هذا الخلاف. واختلف العرب واليهود والنصارى في دين إبراهيم. فجاءت السورة تحسم هذا الخلاف. وتحدثت السورة عن مجموعة من الرسل وعن عبوديتهم لله. وعما خلفهم أقوامهم به من المخالفة. وعن كون الملائكة لا تنزل إلا بأمر الله. وعن موقف الكافرين من اليوم الآخر. وعن ادّعائهم أن لله ولدا. وختمت السورة بقوله تعالى: فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا* وَكَمْ أَهْلَكْنا ... فمحمد ﷺ يبشر وينذر بهذا القرآن ككل رسول، والقرآن ككل كتاب أنزله الله، يحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه. فسورة مريم نموذج على التبشير والإنذار، والحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه بغيا. وعند ما تحدث الاختلافات فإن الله يهدي أهل الإيمان بواسطة الرسل، وفي ذلك رحمة لهم. ومن ثمّ يذكّر الله في سورة مريم برحمة الله للخلق بإرساله الرسل؛ فتجد السورة تقول: ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا. وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ. وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ. وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى. وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ. وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ. فهؤلاء رسل مبشرون ومنذرون، وهؤلاء مؤمنون هداهم الله لما اختلف فيه من الحق بإذنه، وهدى الخلق بهم. وهؤلاء اختلف قومهم من بعدهم بغيا. ومن ثم أرسل الله محمدا ﷺ بالقرآن ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه. هذا مظهر من مظاهر صلة سورة مريم- ﵍ بمحورها من سورة البقرة، ويمكن أن نعرض المسألة بشكل آخر: أصبح العرب كلهم كفارا. وهذا يقتضي أن يبعث فيهم رسول يبشر وينذر ومعه كتاب يحسم كل خلاف، كما فعل الله للبشرية يوم صارت كلها كفارا. واختلف أهل الكتاب في الكتاب، وهذا يقتضي أن يبعث الله رسولا بكتاب يحسم الخلاف.
следующие страницы →