Полный текст (6 440 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.
стр. 3081
سورة مريم
مكيّة وهي السّورة الخامسة والأخيرة من المجموعة الثانية من القسم الثاني من أقسام القرآن قسم المئين وهي السّورة التاسعة عشرة بحسب الرّسم القرآني وآياتها (٩٨)
стр. 3082
بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله وآله واصحابه ربّنا تقبّل منّا، إنّك أنت السّميع العليم
стр. 3083
قال الألوسي في تقديمه لسورة مريم:
(المشهور تسميتها بذلك، ورويت عن رسول الله ﷺ فقد أخرج الطبراني. وأبو نعيم. والديلمي من طريق أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني عن أبيه عن جده قال: أتيت رسول الله ﵊ فقلت:
ولدت لي الليلة جارية فقال: «والليلة أنزلت عليّ سورة مريم»، وجاء فيما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما تسميتها بسورة (كهيعص) وهي مكية كما روي عن عائشة وابن عباس وابن الزبير رضي الله تعالى عنهم، وقال مقاتل: هي كذلك إلا آية السجدة فإنها مدنية، نزلت بعد مهاجرة المؤمنين إلى الحبشة، وفي الإتقان استثناء قوله تعالى وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها أيضا وهي عند العراقيين والشاميين ثمان وتسعون آية، وعند المكيين تسع وتسعون، وللمدنيين قولان.
ووجه مناسبتها لسورة الكهف: اشتمالها على نحو ما اشتملت عليه من الأعاجيب، كقصة ولادة يحيى. وقصة ولادة عيسى ﵉، ولهذا ذكرت بعدها. وقدم ابن كثير للكلام عن سورة مريم بهذه الفائدة روى محمد بن إسحاق في السيرة من حديث أم سلمة. وروى الإمام أحمد عن ابن مسعود في قصة الهجرة إلى أرض الحبشة من مكة أن جعفر بن أبي طالب ﵁ قرأ صدر سورة مريم على النجاشي وأصحابه).
كلمة في سورة مريم ومحورها:
لاحظنا أن القسم الأول من القرآن توجد فيه سورة الأعراف التي تبتدئ بقوله تعالى: المص ونلاحظ الآن أن سورة مريم مبدوءة ب كهيعص وسنجد في القسم الثالث سورة مبدوءة، بالحرف (ص) وحده.
ولاحظنا أن سورة (الأعراف) لم يأت بعدها في قسمها إلا سورتا (الأنفال وبراءة).
وسنرى أن سورة (طه) التي تأتي بعد سورة (مريم) بداية جديدة لمجموعة جديدة كما سنرى أن سورة (ص) هي نهاية مجموعة.
فكأن (ص) عند ما تأتي في سورة تشير إما إلى نهاية مجموعة، أو أنها قنطرة إلى معنى بعيد في سياق سورة البقرة.
وإذ كان ما بعد سورة (مريم) يشير إلى بداية مجموعة جديدة فإن (ص) الواردة فى سورة (مريم) تشير إلى نهاية مجموعة. ومن قبل كنا ذكرنا أن المجموعة الثانية من القسم الثاني من أقسام القرآن تنتهي بسورة مريم.
стр. 3084
وقد رأينا أن هذه المجموعة مؤلفة من خمس سور: (الحجر) التي هي مقدمة لتفصيل قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً .....
و(النحل) التى فصّلت الآية: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ .... و (الإسراء) التي فصّلت الآية سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ.
و(الكهف) التي فصّلت الآية زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ... * والآن تأتي سورة (مريم) لتفصل الآية كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً ... وكل ذلك بما يخدم الأمر في الدخول في الإسلام كافة. وعلى هذا فالسور الأربع المتتابعة تفصّل في آيات أربع متتابعة.
...
وإذن فسورة مريم تفصّل قوله تعالى من سورة البقرة: كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا
اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.
وإنما دلنا على أن سورة مريم تفصّل هذه الآية، أو بعض معانيها، ما سبقها من سور تفصل الآيات التي قبل هذه الآية وكونها تكمل هذه السور والمعاني الواردة فيها، كما دلنا على ذلك المعاني.
...
إن آية البقرة تبين أن الناس قد أصبحوا في لحظة ما كافرين جميعا. فاقتضى ذلك إرسال الرسل مبشّرين ومنذرين، وأنزل الله معهم الوحي حاكما في كل خلاف، ولكن الكتاب الذي جاء حاسما لكل خلاف أصبح محل اختلاف بسبب بغي الناس.
ولكن جرت سنة الله أنه رغم الاختلاف فإنه يهدي بالكتاب المؤمنين الخالصين إلى الصراط المستقيم، فالآية تبيّن حكمة بعثة الرسل، وتبيّن حكمة إنزال الكتاب، وتبيّن رحمة الله بأهل الإيمان الذين لا بغي عندهم. وهي بهذا تخدم الأمر بالدخول في الإسلام كله: فإذ بعث الله محمدا ﷺ بشيرا ونذيرا، أنزل معه الكتاب حاسما لكل خلاف، فالدخول في الإسلام الذي بعث به محمد ﷺ هو الطريق الوحيد للبشرية لتحسم خلافاتها بالحق وبالوحي وبالكتاب.
стр. 3085
لقد اختلف اليهود والنصارى حول المسيح. قال اليهود عليهم اللعنة إنه ابن زنى وقالت النصارى إنه ابن الله وغير ذلك. فجاءت سورة مريم تحسم هذا الخلاف.
واختلف العرب واليهود والنصارى في دين إبراهيم. فجاءت السورة تحسم هذا الخلاف. وتحدثت السورة عن مجموعة من الرسل وعن عبوديتهم لله.
وعما خلفهم أقوامهم به من المخالفة. وعن كون الملائكة لا تنزل إلا بأمر الله.
وعن موقف الكافرين من اليوم الآخر. وعن ادّعائهم أن لله ولدا.
وختمت السورة بقوله تعالى: فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا* وَكَمْ أَهْلَكْنا ... فمحمد ﷺ يبشر وينذر بهذا القرآن ككل رسول، والقرآن ككل كتاب أنزله الله، يحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه.
فسورة مريم نموذج على التبشير والإنذار، والحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه بغيا.
وعند ما تحدث الاختلافات فإن الله يهدي أهل الإيمان بواسطة الرسل، وفي ذلك رحمة لهم. ومن ثمّ يذكّر الله في سورة مريم برحمة الله للخلق بإرساله الرسل؛ فتجد السورة تقول:
ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا. وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ. وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ. وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى. وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ. وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ. فهؤلاء رسل مبشرون ومنذرون، وهؤلاء مؤمنون هداهم الله لما اختلف فيه من الحق بإذنه، وهدى الخلق بهم. وهؤلاء اختلف قومهم من بعدهم بغيا.
ومن ثم أرسل الله محمدا ﷺ بالقرآن ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه.
هذا مظهر من مظاهر صلة سورة مريم- ﵍ بمحورها من سورة البقرة، ويمكن أن نعرض المسألة بشكل آخر: أصبح العرب كلهم كفارا. وهذا يقتضي أن يبعث فيهم رسول يبشر وينذر ومعه كتاب يحسم كل خلاف، كما فعل الله للبشرية يوم صارت كلها كفارا.
واختلف أهل الكتاب في الكتاب، وهذا يقتضي أن يبعث الله رسولا بكتاب يحسم الخلاف.
стр. 3086
فكان هذا القرآن. إلا أن الخالصين من البغي وحدهم هم الذين يهتدون بهذا القرآن.
...
إن سورة مريم تذكّر برحمة الله لزكريا ولمريم ولإبراهيم ولموسى ولإسماعيل ولإدريس ولكل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وفي هذا التذكير تفصيل لموضوع بعثة الأنبياء، وموقف الناس منهم، واختلاف الناس بعدهم.
وتذكّر بالحال الذي عليه العرب والناس بعد الرسل، وتبشّر وتنذر.
...
فلنتأمل بدقة ما سنذكره من ارتباط معاني سورة مريم بمحورها:
كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ آية البقرة، وسورة مريم تعرض لمجموعة من الرسل بعثوا.
وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ آية البقرة، والسورة تعرض لاختلاف الناس في شأن المسيح ﵇. وهي القضية التي ضل بها أكبر قطاع من البشر، ولإنكار الناس لليوم الآخر وهي القضية التي ضل بها أكثر البشر.
فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ آية البقرة، بأن أنزل هذا القرآن ومنه سورة مريم التي هدت الناس لبعض ما اختلف فيه الناس.
وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ* آية سورة البقرة. وسورة مريم تتعرض لموضوع الهداية إلى الصراط المستقيم
...
إن الدخول في الإسلام هو الذي يحقق حكمة بعثة الرسل، وبه يرتفع الخلاف، وكل خلاف بعد الإسلام سببه البغي، ومهما ضل الناس فإن سنة الله أن يهتدي أهل الإيمان إلى الصراط المستقيم، الذي هو الإسلام. وسورة مريم تذكّر بهذه المعاني، ومن ثم فهي تفصيل لمحورها من سورة البقرة، الآتي في خدمة الأمر بالدخول في الإسلام كله.
стр. 3087
تتألف السورة من مقطعين، كل مقطع يتألف من مجموعات، وسنعرض السورة، وأثناء العرض نتحدّث عن سياقها، ونسأل الله أن يجيرنا من الزلل، والتكلف والتعسّف في فهم كتابه، وأن يفتح علينا، وأن يحفظنا، وأن يختم لنا بالإيمان، إنه على ما يشاء قدير.
كهيعص كنا ذكرنا من قبل أن أحدا لا يستطيع الجزم بمراد الله من هذه الأحرف. وذكرنا أن كل من تكلّم في هذه الأحرف إنما يسجّل ملاحظات حولها. وذكرنا إحدى هذه الملاحظات وهي أن هذه الأحرف تعين على فهم الوحدة القرآنية العامة من خلال كونها تشير إلى بداية مجموعة أو نهايتها، أو تشير إلى محل سورة ضمن مجموعة، أو إلى صلة سورة ضمن السياق الكلي، وأمثال هذا.
وهذه سورة مريم مبدوءة بما رأينا. وقد استفدنا من كون آخر حرف في بدايتها (ص) أنها نهاية مجموعة. ومما نلاحظه أنها مبدوءة بالحرف (ك) وهو الحرف نفسه المبدوءة به الآية التي ذكرنا أنها محور سورة مريم من البقرة كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً.
ونلاحظ أن الحرف (ها) آت في السورة بعدها (طه). ثم لا يرد مرة أخرى، فهل فيه إشارة إلى أن سورته بداية مجموعة لورود الهاء في (كهيعص) كأول حرف بعد الهاء. ثم نلاحظ أن الحرف (يا) يأتي مرة واحدة في سورة (يس) وأن الحرف (عين) يرد بعد ذلك مرة واحدة في سورة الشورى حم عسق والملاحظ: أن ها، يا، عين، جاءت على هذا التسلسل.
كما أن طه، وياسين، وحم عسق، جاءت على نفس التسلسل.
إن (كهيعص) كبقية الأحرف من مفاتيح فهم الوحدة الكلية للقرآن، ومن ثم فإن في هذه الأحرف في القرآن سرا هو وحده آية على أن هذا القرآن من عند الله المحيط علما بكل شئ.
وقد سجّل المفسّرون كثيرا من الأقوال حول هذه الأحرف أشرنا إليها من قبل، ولا يخرج كلامهم عن كونه محاولات للعثور على تفسير أو تسجيلا لملاحظة فلا نعيده.
***
стр. 3088
[المقطع الأول من السورة ويتألف من ثلاث مجموعات:]
المجموعة الأولى من المقطع الأول من سورة مريم وتشمل قصة زكريا ويحيى ﵉ من الآية (٢) إلى نهاية الآية (١٥) وهذه هي:
١٩/ ١٥ - ٢
стр. 3089
١٩/ ١٥ - ١٤
التفسير:
ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا أي هذا ذكر رحمة ربك عبده زكريا
إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا أي سرا
قالَ أي في دعائه الخفي رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي أي ضعف وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً فشا في رأسي لشيب وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ أي بدعائي إياك رَبِّ شَقِيًّا أي غير سعيد، أي كنت مستجاب الدعوة قبل اليوم، سعيدا به. والمعنى أنني ضعفت، وخارت قواي، واضطرم المشيب في السواد، ولم أعهد منك إلا الإجابة في الدعاء، ولم تردني قط فيما سألتك. والمراد من هذا الإخبار عن الضعف والكبر، ودلائله الظاهرة والباطنة التوسّل إلى الوصول إلى المطلوب، مع الاعتراف إلى الله بإحسانه السابق استدرارا للإجابة إلى ما يدعوه.
ثم بين ماذا يريد ولماذا فقال: وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ أي العصبة من قومي مِنْ وَرائِي أي من بعد موتي. أي خافهم أن يغيّروا الدين، وألا يحسنوا الخلافة على أمته، فطلب عقبا صالحا من صلبه يقتدى به في إحياء الدين وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً أي عقيما لا تلد فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ أي من عندك أي منك بلا سبب، لأن امرأتي لا تصلح للولادة وَلِيًّا أي ابنا يلي أمرك بعدي.
يَرِثُنِي أي يرث مني ميراث العلم والنبوة وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ النبوة. أي يرث نبوتي ونبوة آل يعقوب. ومعنى وراثة النبوة: أنه يصلح لأن يوحى إليه، ولم يرد أن نفس النبوة تورث وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا أي مرضيا عندك، وعند خلقك تحبه وتحببه إلى خلقك في دينه وخلقه أو راضيا عنك وعن حكمك. دعا بالولد من خشيته أن يتصرف قومه من بعده في الناس تصرفا سيئا، فسأل الله ولدا يكون نبيا من بعده ليسوسهم بنبوته، بما يوحى إليه، فأجيب في ذلك كما سنرى؛ رحمة من الله به، سجّلها ربنا في كتابه القرآن، وذكرها
يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى تولى الله تسميته تشريفا لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا أي لم يسم أحد قبله بهذا الاسم. قال النسفي: وهذا دليل على أن الاسم الغريب
جدير بالأثرة. أقول: إذا كان هذا الاسم فيه معنى جميل وفسّر مجاهد السمي بالشبيه.
والمعنى. لم نجعل له من قبل شبيها ومثلا في مجموع خصائصه في كونه لم يعص ولم يهمّ بمعصية، وأنه بين شيخ وعجوز وأنه كان حصورا. والمعنى الأول هو الذي رجّحه
стр. 3090
ابن جرير، فلما أجيب زكريا إلى ما سأل، وبشّر بالولد، تعجّب وفرح فرحا شديدا، وسأل عن الكيفية والوجه الذي يأتيه فيه الولد مع أن امرأته كانت عاقرا لم تلد من أول عمرها مع كبرها، ومن ثم قال:
قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ أي كيف يكون لي غلام! وليس هذا باستبعاد وإلا لما دعا؛ بل هو استكشاف أنه بأي طريق يكون؟ أيوهب له وهو وامرأته بتلك الحال. أم يحوّلان شابين؟ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا العتي: هو اليبس والجساوة في المفاصل والعظام، كالعود اليابس. أي بلغت هذه الحال من الكبر والطعن في السن العالية. ومن المبشّر لزكريا هل هو الله مباشرة إلهاما، أو بالواسطة؟ يدل كلام المفسرين على أن التبشير كان بواسطة الملك
قالَ قال ابن كثير: أي الملك مجيبا لزكريا عما تعجّب منه كَذلِكَ أي الأمر كذلك في إيجاد الولد منك، وأنت في هذه الحال، ومن زوجتك هذه لا من غيرها قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ أي يسير سهل. ثم ذكر له ما هو أعجب مما سأل عنه فقال: وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ أي أوجدتك من قبل يحيى وَلَمْ تَكُ شَيْئاً أليس أصلك ذرات متفرقة جمعها الله بكامل قدرته فكانت إنسانا
قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً أي علامة أعرف بها حبل امرأتي قالَ آيَتُكَ أي علامتك أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا مع كونك سوي الأعضاء واللسان، أي علامتك أن يحتبس لسانك عن الكلام ثلاث ليال، وأنت صحيح سوي، من غير مرض ولا علة. قال النسفي: يعني علامتك أن تمنع الكلام فلا تطيقه، وأنت سليم الجوارح، ما بك خرس ولا بكم. ودلّ ذكر الليالي هنا والأيام في آل عمران على أن المنع من الكلام استمر به ثلاثة أيام ولياليهن إذ ذكر الأيام يتناول ما بإزائها من الليالي، وكذا ذكر الليالي يتناول ما بإزائها من الأيام عرفا.
فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ الذي بشّر فيه بالولد والمحراب: هو موضع الصلاة. فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أي أشار إشارة خفية سريعة أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا. قال ابن كثير: أي موافقة له فيما أمر به في هذه الأيام الثلاثة، زيادة على أعماله؛ شكرا لله على ما أولاه
يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ أي التوراة بِقُوَّةٍ أي يجد واستظهار بالتوفيق والتأييد، والتقدير: وهبنا له يحيى وقلنا ليحيى بعد ولادته وأوان الخطاب ذلك وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ أي فهم التوراة والفقه في الدين والقدرة على الفتوى صَبِيًّا أي وهو صبي. قال ابن كثير:
وهذا ... تضمّن محذوفا تقديره أنه وجد هذا الغلام المبشر به وهو يحيى ﵇، وأن الله علّمه الكتاب وهو التوراة التي كانوا يتدارسونها، ويحكم بها النبيون الذين
стр. 3091
أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار، وقد كان سنّه إذ ذاك صغيرا، فلهذا نوّه بذكره، وبما أنعم عليه وعلى والديه فقال: يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ أي تعلّم الكتاب بقوة أي بجد وحرص واجتهاد وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ أي الفهم والعلم والجد والعزم والإقبال على الخير والإكباب عليه والاجتهاد فيه صَبِيًّا أي وهو صغير حدث
وَحَناناً أي: وشفقة ورحمة لأبويه وغيرهما مِنْ لَدُنَّا أي من عندنا وَزَكاةً أي وطهارة وصلاحا، فلم يعمد إلى ذنب وَكانَ تَقِيًّا أي مسلما مطيعا، والتقدير وآتيناه الحكم، وآتيناه حنانا من لدنا وزكاة، وجعلناه ذا حنان وذا زكاة. والحنان: هو المحبة في شفقة وميل، والزكاة: الطهارة من الدنس والآثام والذنوب، وكان مع هذا كله تقيا ومقبلا على الله في طاعة الأمر واجتناب النهي
وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ لما ذكر تعالى طاعته لربه، وأنه خلقه ذا رحمة وزكاة وتقى، عطف بذكر طاعته لوالديه وبرّه بهما، ومجانبته لعقوقهما، قولا ونهيا. ولهذا قال: وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً أي متكبرا عَصِيًّا أي عاصيا لربه. ثم قال بعد هذه الأوصاف الجميلة جزاء له على ذلك
وَسَلامٌ عَلَيْهِ أي وأمان من الله يَوْمَ وُلِدَ من أن يناله الشيطان وَيَوْمَ يَمُوتُ من فتنة القبر، ووحشة البرزخ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا أي له الأمان في هذه الأحوال الثلاثة.
قال سفيان بن عيينة: أوحش ما يكون المرء في ثلاثة مواطن: يوم ولد فيرى نفسه خارجا مما كان فيه، ويوم يموت فيرى قوما لم يكن عاينهم، ويوم يبعث فيرى نفسه في محشر عظيم فأكرم الله فيها يحيى بن زكريا، فخصّه بالسلام عليه فقال: وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا رواه ابن جرير.
الفوائد:
١ - [العمل والكسب باليد لا يتنافى مع أرقى المقامات فقد كان زكريا ﵇ نجارا]
جاء في صحيح البخاري عن زكريا ﵇: «أنه كان نجارا يأكل من عمل يده في النجارة». وفي ذلك درس في العمل والكسب، وأنه لا يتنافى مع أرقى المقامات.
٢ - [بعض ما قيل في فضل الدعاء الخفي بمناسبة آية إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا]
علّق قتادة على قوله تعالى: إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا فقال: إن الله يعلم القلب التقي، ويسمع الصوت الخفي. وقال النسفي: وهو [أي الدعاء الخفي] أبعد عن الرياء وأقرب إلى الصفاء. وقال: أي عن الدعاء سرا: هو المأمور به. ويفهم من كلامه أنه إذا لم يكن الدعاء مشتركا فالسنة في الدعاء الإسرار.
٣ - [من مظاهر الإعجاز والبلاغة في آية وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً]
من مظاهر الإعجاز في القرآن أن كل كلمة من كلماته في محلها لا يمكن أن
стр. 3092
يكون أفصح منها، ولا أبلغ، وهذا شئ مشترك بين كل لفظة وكل آية، إلا أن المفسرين أو المؤلفين في إعجاز القرآن يختارون للتدليل على ذلك ما هو أظهر. وللنسفي وقفة عند قوله تعالى: قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً يفصح فيه عما قلناه. قال: «ولا ترى كلاما أفصح من هذا، ألا ترى أن أصل الكلام: يا رب قد شخت؛ إذ الشيخوخة تشتمل على ضعف البدن، وشيب الرأس، المتعرض لهما، وأقوى منه، ضعف بدني، وشاب رأسي ففيه مزيد التقرير للتفصيل، وأقوى منه:
وهنت عظام بدني ففيه عدول عن التصريح إلى الكناية، فهي أبلغ منه وأقوى منه: وأنا وهنت عظام بدني. وأقوى منه: إني وهنت عظام بدني. وأقوى منه: إني وهنت العظام من بدني. ففيه سلوك طريقي الإجمال والتفصيل، وأقوى منه: إني وهنت العظام مني. ففيه ترك توسيط البدن. وأقوى منه: إني وهن العظم مني لشمول الوهن العظام فردا فردا، باعتبار ترك جمع العظم إلى الإفراد لصحة حصول وهن المجموع بالبعض دون كل فرد فرد، ولهذا تركت الحقيقة في شاب رأسي إلى أبلغ، وهي الاستعارة فحصل: اشتعل شيب رأسي. وأبلغ منه: اشتعل رأسي شيبا لإسناد الاشتعال إلى مكان الشعر، ومنبته. وهو الرأس لإفادة شمول الرأس؛ إذ وزان اشتعل شيب رأسي واشتعل رأسي شيبا وزان اشتعل النار في بيتي، واشتعل بيتي نارا، والفرق نيّر ولأن فيه الإجمال والتفصيل كما عرف في طريق التمييز، وأبلغ منه: واشتعل الرأس مني شيبا وأبلغ منه: واشتعل الرأس شيبا ففيه اكتفاء بعلم المخاطب أنّه رأس زكريا بقرينة العطف على وهن العظم).
٤ - [هل كان زكريا يريد بكلمة يَرِثُنِي وراثة المال؟ والرد على هذا الزعم]
ذهب بعضهم إلى أن قول زكريا: يَرِثُنِي إلى أنّ زكريا يريد وراثة المال وقد نفى ابن كثير هذا نفيا باتا. ودلل على أن مراده الوراثة في منصب الدين واستدل على ذلك بثلاثة أدلة:
١ - أن زكريا كان نجارا يأكل من كسب يديه، ومثله لا يجمع مالا، كيف وهو نبي ومثله يكون أزهد الناس في الدنيا.
٢ - إن النبي أعظم منزلة وأجل قدرا من أن يشفق على ماله إلى ما هذا حده، وأن يأنف من وراثة عصباته له، ويسأل أن يكون له ولد ليحوز ميراثه دونهم.
٣ - أنه قد ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث وما تركنا صدقة». وفي رواية عند الترمذي بإسناد صحيح «نحن معشر الأنبياء لا نورث». وبعد أن برهن ابن كثير على ذلك ذكر ما استدل به الآخرون ثم قال عن
стр. 3093
أدلتهم: وهذه مرسلات لا تعارض الصحاح.
٥ - [قول ابن عباس في تفسير قوله تعالى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا]
وفي تفسير قوله تعالى: لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا نقل ابن كثير قول ابن عباس في ذلك وهو: (أي لم تلد العواقر قبله مثله). ثم بين الفارق بين حمل زوجة زكريا، وحمل زوجة إبراهيم ﵇. قال: وهذا دليل على أن زكريا ﵇ كان لا يولد له، وكذلك امرأته كانت عاقرا من أول عمرها، بخلاف إبراهيم وسارة ﵉، فإنهما إنما تعجبا من البشارة بإسحاق لكبرهما لا لعقرها، ولهذا قال:
أَبَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (الحجر: ٥٤) مع أنه كان قد ولد له قبله إسماعيل بثلاث عشرة سنة. وقالت امرأته يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ* قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (هود: ٧٢، ٧٣).
٦ - [ما في قوله تعالى وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا من تدليل على وجوده سبحانه]
في قوله تعالى: وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا يستدل الضحاك بقوله: مِنْ لَدُنَّا على أن ذلك لا يقدر عليه غير الله، وهي لفتة بديعة؛ فإن وجود الأخلاق في النفس البشرية دليل على وجود الله. وقد ذكرنا ذلك في كتابنا (الله ﷻ وفي النص تصريح بفضيلة الحنان، ويكفى أنه من أخلاق النبوة.
٧ - [حول تفسير الحكم في قوله تعالى وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا]
مما فسّر به الحكم في قوله تعالى: وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا: بأنه الحكمة، والحكمة موافقة التصرف لمقتضى الحال على ضوء الحكم الشرعي، ومن المواقف التي يذكرها المفسرون ليحيى ما يرويه عبد الله بن المبارك عن معمر: قال الصبيان ليحيى بن زكريا: اذهب بنا نلعب. فقال: ما للعب خلقت.
٨ - [ما يؤخذ من خصائص يحيى ﵇ في موضوع تربية الطفل تربية عالية]
ما ذكره الله من خصائص يحيى يعتبر نقاط علام في تربية الأطفال، فإن تربي طفلك على مجموع هذه الخصائص هي الغاية التي ما بعدها غاية: يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ ربّ ولدك على أخذ الكتاب بجدّ وعزم.
وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ربّ ولدك على فهم الحكمة والتحقق بها كي يكون حكيما.
وَزَكاةً ربّه على التقوى والطهارة في الأخلاق والسلوك.
وَكانَ تَقِيًّا ربّه على التقوى والإسلام والطاعة.
стр. 3094
وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ. ربّه على البر وجنّبه العقوق.
وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا ربّه على التواضع والطاعة.
٩ - [حول التدليل على أن يحيى ﵇ لم يعمل معصية ولم يهم بها قط]
يذكر المفسرون أن يحيى ﵇ لم يعمل معصية، ولم يهم بها قط.
ويأخذ بعضهم هذا إما من قوله تعالى: وَزَكاةً ووَ لَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا. أو من أحاديث واردة في الموضوع. وابن كثير يذكر الأحاديث التي يرويها هؤلاء ويضعّفها جميعا. لاردا لعصمة يحيى التامة، ولكن لأنها تذكر مع ذلك معاني أخرى تنفي أن يكون غيره مثله. وهذا كلامه:
«وروى عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة في قوله: جَبَّاراً عَصِيًّا قال: كان ابن المسيّب يذكر قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من أحد يلقى الله يوم القيامة إلا ذا ذنب إلا يحيى بن زكريا». قال قتادة: ما أذنب ولا همّ بامرأة. مرسل. وقال محمد بن إسحاق عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب حدثني ابن العاص أنه سمع النبي ﷺ قال: «كل بني آدم يأتي يوم القيامة وله ذنب إلا ما كان من يحيى بن زكريا»
وروى الإمام أحمد ... عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «ما من أحد من ولد آدم إلا وقد أخطأ، أو همّ بخطيئة، ليس يحيى بن زكريا، وما ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونس بن متى». وهذا أيضا ضعيف لأن علي بن زيد بن جدعان- أحد رجال الإسناد- له منكرات كثيرة، والله أعلم. وقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة أن الحسن قال: إن يحيى وعيسى ﵉ التقيا. فقال له عيسى: استغفر لي، أنت خير مني فقال الآخر: أنت خير مني. فقال له عيسى أنت خير مني، سلّمت على نفسي وسلّم الله عليك، فعرف والله فضلهما»
كلمة في السياق: [حول قصة زكريا ﵇ وصلتها بالمحور]
جاءت قصة زكريا مقدمة لقصة مريم، فالله الذي هو قادر على أن يخلق يحيى من امرأة عاقر، قادر على أن يخلق عيسى من غير أب. فمن المقاصد الرئيسية في السورة إبطال بنوة عيسى لله، ورفع الاختلاف في هذه القضية. ومن جملة حكم إنزال رفع الاختلاف بين الناس. ومن أهم ما وقع فيه الاختلاف قضية مريم وابنها، وعلى هذا فقصة زكريا تمهيد للحدث الكبير حدث قصة مريم. ولكنها مقدمة علمتنا الكثير:
علمتنا كيف يحرص الرسول على استمرار الهدى.
стр. 3095
وعلمتنا أن الجيل اللاحق قد ينحرف فيحتاج إلى نبي جديد، وبعد محمد ﷺ لا نبوّة ولكنه التجديد.
وعلمتنا كيف ينبغي أن يؤخذ الكتاب.
وعلمتنا كيف تكون خصائص وأخلاق الأنبياء.
وعلمتنا كيف يدعو الرسول.
وقصت علينا قصة رسولين.
فلنر مكان هذه القصة في السياق الكلي للقرآن.
إن الآية التي هي محور سورة مريم من سورة البقرة هي:
كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ. وهذا القرآن أنزله الله ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، ومن ثم يقص علينا قصة زكريا ويحيى وعيسى. وهم ممن وقع الاختلاف في شأنهم، يدلنا على ذلك أن بداية قصة زكريا هي: ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا .... وأن قصة مريم بعده مبدوءة بقوله تعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ.
وقصة زكريا ويحيى قصة رسولين مبشرين ومنذرين، وذكرهما للقدوة بهما ولرفع الخلاف في شأنهما، ومقدمة للوصول إلى قصة مريم التي وقع في شأن ابنها الاختلاف الأكبر.
فلنر المجموعة الثانية من السورة.
***
стр. 3096
المجموعة الثانية من المقطع الأول وتمتد من الآية (١٦) إلى نهاية الآية (٤٠) وهذه هي:
١٩/ ٤٠ - ١٦
стр. 3097
١٩/ ٤٠ - ٣٠
[نقل: لصاحب الظلال] بين يدي قصة مريم ﵍:
قال صاحب الظلال ﵀:
(وإذا نحن تجاوزنا حادث خلق الإنسان أصلا وإنشائه على هذه الصورة، فإن حادث ولادة عيسى بن مريم يكون أعجب ما شهدته البشرية في تاريخها كله، ويكون حادثا فذا لا نظير له من قبله ولا من بعده.
والبشرية لم تشهد خلق نفسها وهو الحادث العجيب الضخم في تاريخها، لم تشهد خلق الإنسان الأول من غير أب وأم، وقد مضت القرون بعد ذلك الحادث، فشاءت الحكمة الإلهية أن تبرز العجيبة الثانية في مولد عيسى من غير أب، على غير السّنة التي جرت منذ وجد الإنسان على هذه الأرض، ليشهدها البشر، ثم تظل في سجل الحياة الإنسانية بارزة فذة تتلفت إليها الأجيال، إن عز عليها أن تتلفت إلى العجيبة الأولى التي لم يشهدها إنسان.
стр. 3098
لقد جرت سنّة الله التي وضعها لامتداد الحياة بالتناسل من ذكر وأنثى في جميع الفصائل والأنواع بلا استثناء، حتى المخلوقات التي لا يوجد فيها ذكر وأنثى متميزان تتجمع في الفرد الواحد منها خلايا التذكير والتأنيث .. جرت هذه السنة أحقابا طويلة حتى استقر في تصور البشر أن هذه هي الطريقة الوحيدة، ونسوا الحادث الأول.
حادث وجود الإنسان لأنه خارج عن القياس. فأراد الله أن يضرب لهم مثل عيسى بن مريم- ﵇ ليذكرهم بحرية القدرة وطلاقة الإرادة، وأنها لا تحبس داخل النواميس التي تختارها. ولم يتكرر حادث عيسى لأن الأصل هو أن تجري السنة التي وضعها الله، وأن ينفذ الناموس الذي اختاره. وهذه الحادثة الواحدة تكفي لتبقى أمام أنظار البشرية معلما بارزا على حرية المشيئة، وعدم احتباسها داخل حدود النواميس وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ.
ونظرا لغرابة الحادث وضخامته فقد عز على فرق من الناس أن تتصوره على طبيعته، وأن تدرك الحكمة في إبرازه، فجعلت تضفي على عيسى بن مريم- ﵇ صفات الألوهية، وتصوغ حول مولده الخرافات والأساطير، وتعكس الحكمة من خلقه على هذا النحو العجيب- وهي إثبات القدرة الإلهية التي لا تتقيد- تعكسها فتشوه عقيدة التوحيد.
والقرآن في هذه السورة يقص كيف وقعت هذه العجيبة، ويبرز دلالتها الحقيقية، وينفي تلك الخرافات والأساطير).
التفسير:
وَاذْكُرْ يا محمد فِي الْكِتابِ القرآن مَرْيَمَ أي قصة مريم إِذِ انْتَبَذَتْ أي اعتزلت. أي اذكر وقت اعتزالها مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا أي تخلت للعبادة في مكان ما شرقي بيت المقدس، أو شرقي دارها معتزلة عن الناس
فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً أي جعلت بينها وبين أهلها حجابا. أي استترت منهم وتوارت فَأَرْسَلْنا المرسل هو الله إِلَيْها رُوحَنا أي جبريل ﵇ وإضافة الروح إلى الله للتشريف. وإنما سمي روحا لأن الدين يحيا به وبوحيه فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا فتمثل لها جبريل على صورة إنسان تام كامل مستوى الخلق. قال النسفي: وإنما مثّل لها في صورة الإنسان لتستأنس بكلامه ولا تنفر عنه، ولو بدا لها في صورة الملائكة لنفرت ولم تقدر على الاستماع
قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا أي إن كنت
стр. 3099
تخاف الله أي إن كان يرجى منك أن تتقي الله فإني عائذة به منك، لمّا تبدى لها الملك في صورة بشر، وهي في مكان منفرد، وبينها وبين قومها ستر، خافته وظنّت أنه يريدها على نفسها فذكّرته بالله. وهذا هو المشروع في الدفع أن يكون بالأسهل، فخوّفته أولا بالله
قالَ جبريل إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ أمّنها بهذا مما خافت، وأخبر أنه ليس بآدمي بل هو رسول من استعاذت به. ثمّ بيّن لها حكمة إرساله لِأَهَبَ لَكِ بإذن الله، أو لأكون سببا في هبة الغلام بالنفخ في الدرع أي في الثوب غُلاماً زَكِيًّا أي طاهرا من الذنوب، أو ناميا على الخير، فتعجّبت مريم من هذا
وقالَتْ أَنَّى أي كيف يَكُونُ لِي غُلامٌ أي ابن وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ أي زوج بالنكاح وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا أي زانية فاجرة تبغي الرجال، أي تطلب الشهوة من أي رجل كان، ولا يكون الولد عادة إلا من أحد هذين، أي على أي صفة يوجد هذا الغلام مني ولست بذات زوج؟ ولا يتصور مني الفجور؟
قالَ أي جبريل كَذلِكِ أي الأمر كما قلت لم يمسسك رجل نكاحا ولا سفاحا، ولكنّ الله قادر قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ أي إعطاء الولد بلا أب عليّ سهل وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ أي فعلنا ذلك لنبيّن لهم قدرتنا، ولنجعله للناس آية أي عبرة وبرهانا على قدرتنا. قال ابن كثير: (أي دلالة وعلامة للناس على قدرة بارئهم وخالقهم، الذي نوّع في خلقهم فخلق أباهم من غير ذكر أو أنثى، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق بقية الذرية من ذكر وأنثى إلا عيسى فإنه من أنثى، بلا ذكر. فتمت القسمة الرباعية الدالة على كمال قدرته وعظيم سلطانه. فلا إله غيره، ولا رب سواه) وكما هو آية فكذلك هو رحمة. ومن ثم قال: وَرَحْمَةً مِنَّا أي ونجعل هذا الغلام رحمة من الله نبيا من الأنبياء، يدعو إلى عبادة الله وتوحيده وَكانَ أي خلق عيسى أَمْراً مَقْضِيًّا أي مقدّرا مسطورا في اللوح، أي قد قضى الله هذا فليس منه بد. قال ابن كثير: (يحتمل أن هذا من تمام كلام جبريل لمريم، يخبرها أن هذا أمر مقدّر في علم الله تعالى. وقدره ومشيئته.
ويحتمل أن يكون من خبر الله تعالى لرسوله محمد ﷺ وأنه كنّى بهذا عن النفخ فيها».
فَحَمَلَتْهُ أي عيسى ﵇ فَانْتَبَذَتْ بِهِ أي اعتزلت وهو في بطنها مَكاناً قَصِيًّا أي بعيدا من أهلها.
فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ أي فجاء بها المخاض، أو فألجأها المخاض أي الطلق إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ أي إلى أصلها. أي فاضطرها وألجأها الطلق إلى جذع النخلة في المكان الذي تنحّت إليه قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا أي قبل هذا اليوم، قالت ذلك جزعا مما أصابها، وخوفا من كلام الناس
стр. 3100
وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا أي شيئا متروكا لا يعرف، ولا يذكر. والنسي هو الشئ الذي حقه أن يطرح وينسى لحقارته. قال ابن كثير: (فيه دليل على تمني الموت عند الفتنة، فإنها عرفت أنها ستبتلى وتمتحن بهذا المولود الذي لا يحمل الناس أمرها فيه على السداد، ولا يصدقونها في خبرها. وبعد ما كانت عندهم عابدة ناسكة تصبح عندهم فيما يظنون عاهرة زانية).
فَناداها جبريل أو عيسى مِنْ تَحْتِها إن كان عيسى فإنه خاطبها من تحت ذيلها، وإن كان جبريل فقد خاطبها من مكان منخفض عنها أَلَّا تَحْزَنِي أي لشدة ما لقيت، هذا تسلية لها في وحدتها وجوعها، واحتمالات كلام الناس عليها. قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا أي جدولا صغيرا على القول الراجح، أو سيدا كريما على القول المرجوح
وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ أي وخذي إليك يجذع النخلة، وحرّكيه تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً أي تمرا جَنِيًّا أي طريّا
فَكُلِي من التمر وَاشْرَبِي من الجدول. دلّ هذا على مناسبة التمر للنفساء وَقَرِّي عَيْناً أي بالولد الرضي، أي وطيبي نفسا بعيسى، وارفضي عنك ما أحزنك فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً. أي مهما رأيت من أحد فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً أي صمتا وإمساكا عن الكلام. وكان صوم الصمت مشروعا عندهم، ونسخ في شريعتنا، ولنا عودة إلى هذا الموضوع فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا أي آدميا. قال ابن كثير: المراد بهذا القول الإشارة إليه بذلك، لا أن المراد به القول اللفظي لئلا ينافي فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا وقال النسفي: وإنما أخبرتهم بأنها نذرت الصوم بالإشارة.
وقد تسمى الإشارة كلاما وقولا. وقيل: كان وجوب الصمت بعد هذا الكلام، أو سوّغ لها هذا القدر بالنطق.
فَأَتَتْ بِهِ مريم بعيسى قَوْمَها تَحْمِلُهُ أي أقبلت نحوهم حاملة إياه. فلما رأوه معها قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا. أي. أمرا عظيما عجيبا، والفريّ: القطع. أي أمرا قاطعا للعادة
يا أُخْتَ هارُونَ أي في الصلاح، شبهوها بهارون في الصلاح. ولنا عودة على الموضوع ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ أي زانيا وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا أي زانية
فَأَشارَتْ إِلَيْهِ أي أشارت إليهم إلى خطاب عيسى فغضبوا أو تعجبوا وقالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا أي من هو موجود في مهده حال صغره كيف يتكلم:
قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ أول شئ تكلّم به أن نزّه جناب ربه تعالى وبرّأه عن الولد، وأثبت لنفسه العبودية لربه آتانِيَ الْكِتابَ أي قضى أنه يؤتيني الكتاب فيما قضى وَجَعَلَنِي نَبِيًّا أي فيما يأتي، جعل الآتي لا محالة كأنه وجد
وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ أي جعلني نفّاعا
стр. 3101
حيث كنت، أو معلّما للخير حيث كنت وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ أي أمرني بهما ما دُمْتُ حَيًّا أي مدة حياتي
وَبَرًّا بِوالِدَتِي أي بارا بها أكرمها وأعظّمها وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً أي متكبرا شَقِيًّا أي عاقا
وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا أي جنس السلام عليّ في هذه المواطن الثلاثة، وفيه تعريض باللعنة على متهميّ مريم وأعدائها، إذ المقام مقام مناكرة وعناد، فكان مئنة لمثل هذا التعريض، وفي كل ما قاله إثبات لعبوديته لله ، وأنه مخلوق مأمور، وهو خلق من خلق الله الذي يحيي ويميت، كما أنّه يبعث كسائر الخلائق، وفي نطقه المعجز هذا في صغره قدّم الدليل على براءة أمه
ذلِكَ أي الذي قال إنى عبد الله ...
عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لا كما قالت النصارى إنه إله، أو ابن الله قَوْلَ الْحَقِّ أقول قول الحق، أي هو ابن مريم وليس بإله كما يدّعونه الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ أي يشكّون أو يختلفون. فقالت اليهود: ساحر كذاب ابن زانية. وقالت النصارى: ابن الله وثالث ثلاثة
ما كانَ لِلَّهِ أي ما ينبغي له أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ نزّه ذاته عن اتخاذ الولد إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ أي كما قال لعيسى كن فكان من غير أب، ومن كان متّصفا بهذا كان منزها أن يكون والدا
وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ يعني كما أنا عبده فأنتم عبيده، وعليّ وعليكم أن نعبده، وهو من كلام عيسى فَاعْبُدُوهُ أي ولا تشركوا به شيئا هذا أي الذي ذكرته في كوني عبد الله، وأن الله ربي وربكم، وأن عليكم أن تعبدوه صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ أي طريق لا عوج له
فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ أي فاختلف الفرق مِنْ بَيْنِهِمْ من بين النصارى، أو من بين الناس، أو من بين قومه، فمنهم من قال: إنه ابن الله، ومنهم من قال: إنه الله، ومنهم من قال: ثالث ثلاثة ومنهم من قال: هو عبد الله ورسوله فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا من الأحزاب، إذ أحدهم كان على الحق وهم الذين يعترفون أنه رسول الله مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ هو يوم القيامة، أو من شهودهم هول الحساب والجزاء في يوم القيامة، أو من شهادة ذلك اليوم عليهم، أو أن تشهد عليهم الملائكة والأنبياء وجوارحهم بالكفر، أو من مكان الشهادة أو وقتها
أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ أي إن عموا وصمّوا عن الحق في الدنيا، فما أسمعهم وما أبصرهم بالهدى يوم لا ينفعهم يَوْمَ يَأْتُونَنا أي يوم القيامة لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ أي في ضلال عن الحق ظاهر واضح، أي لكنهم في الحياة الدنيا- بسبب ظلمهم أنفسهم- في ضلال ظاهر، وهو اعتقادهم أن عيسى إله معبود، مع ظهور آثار
стр. 3102
الحدوث فيه، ولذلك هم في ضلال ظاهر؛ حيث تركوا الاستماع والنظر حين يجدي، ووضعوا العبادة في غير موضعها، وفي ذلك إشعار بأنه لا ظلم أشد من ظلمهم
وَأَنْذِرْهُمْ أي وخوّفهم يَوْمَ الْحَسْرَةِ أي يوم القيامة، لأنه يقع فيه الندم على ما فات إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ أي فرغ من الحساب، وصير إلى الجنة أو النار وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ أي في الدنيا عما أنذروا به يوم الحسرة والندامة. أي في غفلة هنا عن الاهتمام بذلك المقام وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ أي لا يصدقون. أي وأنذرهم على هذه الحال التي هم عليها غافلون غير مؤمنين
إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها متفردين بالملك والبقاء عند تعميم الهلك والفناء وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ أي يردون فيجازون جزاء وفاقا.
أخبر تعالى في مقام وعظ هؤلاء أنه الخالق المالك المتصرّف، وأن الخلق كلهم يهلكون، ويبقى هو تعالى وتقدّس ولا أحد يدعي ملكا ولا تصرفا، بل هو الوارث لجميع خلقه الباقي بعدهم، الحاكم فيهم، فلا تظلم نفس شيئا، ولا جناح بعوضة، ولا مثقال ذرة.
كلمة في السياق: [حول صلة قصة مريم بقصة زكريا ﵉ وبالمحور]
الصلة بين قصة مريم وما قبلها واضحة، قال ابن كثير: (لما ذكر تعالى قصة زكريا ﵇، وأنه أوجد منه في حال كبره وعقم زوجته ولدا زكيا مباركا، عطف بذكر قصة مريم في إيجاده ولدها عيسى ﵇ منها، من غير أب فإن بين القصتين مناسبة ومشابهة. ولهذا ذكرهما في آل عمران، وهاهنا وكذا في سورة الأنبياء يقرن القصتين لتقارب ما بينهما في المعنى؛ ليدل عباده على قدرته وعظمة سلطانه وأنه على ما يشاء قدير).
هذا ما له علاقة في السياق الخاص للسورة.
وأمّا صلة القصة بالسياق العام للقرآن فهي على النحو التالي:
لقد ذكرت الآية التي هي محور هذه السورة: فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ.
وهذا القرآن أنزله الله على محمد ﷺ ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه. وقد حكم إذ عرض قصة مريم وابنها، وعلّق عليها، وهي من أعظم القضايا التي اختلف فيها البشر، فأعطى فيها قول الحق، ووعظ الناس وذكرهم وأنذرهم أن يثوبوا إلى الحق، مقررا عبودية المسيح وبراءة أمه.
وتأتي بعد ذلك قصة إبراهيم ﵇ لتبرهن أن كل رسول لله كان مقامه العبودية لله، وكانت دعوته لذلك
стр. 3103
نقل [صاحب الظلال]:
عند قوله تعالى: فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ قال صاحب الظلال:
(ولقد جمع الإمپراطور الروماني قسطنطين مجمعا من الأساقفة- وهو أحد المجامع الثلاثة الشهيرة- بلغ أعضاؤه ألفين ومائة وسبعين أسقفا، فاختلفوا في عيسى اختلافا شديدا، وقالت كل فرقة فيه قولا. قال بعضهم: هو الله هبط إلى الأرض فأحيا من أحيا وأمات من أمات ثم صعد إلى السماء. وقال بعضهم: هو ابن الله، وقال بعضهم: هو أحد الأقانيم الثلاثة: الأب والابن وروح القدس. وقال بعضهم: هو ثالث ثلاثة: الله إله وهو إله وأمه إله. وقال بعضهم: هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته. وقالت فرق أخرى أقوالا. ولم يجتمع على مقالة واحدة أكثر من ثلاث مائة وثمانية اتفقوا على قول. فمال إليه الإمبراطور ونصر أصحابه وطرد الآخرين وشرّد المعارضين وبخاصة الموحّدين.
ولما كانت العقائد المنحرفة قد قررتها مجامع شهدتها جموع الأساقفة فإن السياق هنا ينذر الكافرين الذين ينحرفون عن الإيمان بوحدانية الله، وينذرهم بمشهد يوم عظيم تشهده جموع أكبر، وترى ما يحل بالكافرين المنحرفين: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ* أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ* وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ.
فوائد:
١ - [مناقشة حول ما جاء في الأناجيل الأربعة المعتمدة عند نصارى اليوم عن مريم ﵍]
في مراجعة للأناجيل الأربعة المعتمدة عند نصارى اليوم يجد الإنسان أن هذه الأناجيل لا تصلح لأن تعتمد في تحقيق أي مسألة. وذلك لأنها كلها من مدرسة بولس، وليس فيها إنجيل واحد متلقى عن المسيح مباشرة. وكنا ذكرنا من قبل أن بولس قد ذكر في رسائله أنه اختلف مع بطرس حواريّ المسيح، ومع برنابا التلميذ المكمل للاثنى عشر.
ومن ذلك ندرك حاله وحال تلامذته واتجاهه، إذ يختلف فكرا وسلوكا مع الممثلين الحقيقيين للديانة المسيحية. ثم في هذه الأناجيل الأربعة ما يدل على أنها روايات لحياة المسيح، كما وصلت إلى أصحابها، ومن ثم لا تجدها تسير على نسق واحد، فليست هي إذن تسجيلا للوحي الذي أنزله الله على عيسى ثم هي مختلفة مع بعضها اختلافا كبيرا. خذ مثلا نسب يوسف النجار الذي يزعمون أنه زوج مريم ﵍. ففي إنجيل متى ما بين يوسف النجار وإبراهيم ﵇ أربعون رجلا. وفي إنجيل لوقا ما بين يوسف النجار وبين إبراهيم (٥٤) رجلا. ثم تجد فارقا كبيرا بين رجال من النسبين حتى ليكاد الالتقاء يكون نادرا.
стр. 3104
فإذا كانت المسألة هكذا، وإذا كان حال الأناجيل الأربعة كذلك. والمفروض أن تكون حقا خالصا فما حال غيرها، ومن ثم تعرف الروايات المذكورة في الأناجيل لا تساوي شيئا من حيث قيمتها التاريخية، فهي تسجيل لوجهة نظر بعد أن حدث الاختلاف الهائل في شأن المسيح وأمه ﵉. ووجهة النظر المسجلة وجهة نظر بولس ومدرسته التي هي على نقيض كامل لما كان عليه تلاميذ المسيح الحقيقيين. ومن ثم نجد أن بولس نفسه في رسائله المعتمدة عند نصارى اليوم يذكر أنه اختلف مع أكبر تلاميذ المسيح وهاجمه، كما اختلف مع برنابا نفسه الرجل الصالح، وللأسف فمدرسة بولس هي المدرسة التي انتصرت في تاريخ النصرانية، وأتلفت وثائق كل
وجهة نظر أخرى تختلف مع وجهتها.
ومن ثم فإن هذه المدرسة ورجالها ورواياتها مرفوضة ممروضة، وجاء القرآن ليوضّح الحق ويقرره في شأن المسيح وأمه ﵉
٢ - [مقارنة بين دقة التصوير الفني للقرآن والسنة بما جاء في الأناجيل]
تتحدث الأناجيل المحرفة الحالية عن يحيى ﵇. وإنجيل لوقا من بينها يتحدث عن زكريا وزوجته العاقر وحملها بيحيى وما رافق ذلك من احتباس لسانه، والصلة بين زكريا ومريم. وبين مريم وزوجة زكريا مع اختلاف وزيادات ونقص عما ورد. وقد جعل الله لنا في القرآن غنية عما سواه. فما ورد في الكتاب والسنة هو الحكم الفصل، وهو وحده الكافي، وهو وحده الحق.
٣ - [حديث بمناسبة قوله تعالى انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا]
أخرج ابن جرير بسنده إلى ابن عباس. قال: «إني لأعلم خلق الله لأي شئ اتخذت النصارى المشرق قبلة لقول الله تعالى: انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا واتخذوا ميلاد عيسى قبلة».
٤ - [ما ذكره ابن كثير في شأن مريم ﵍ وتعليق المؤلف عليه]
قال ابن كثير في شأن مريم ﵍:
ذكر غير واحد من علماء السلف أن الملك وهو جبرائيل ﵇ في جيب درعها، فنزلت النفخة حتى ولجت في الفرج، فحملت بالولد بإذن الله تعالى، فلما حملت ضاقت ذرعا، ولم تدر ماذا تقول للناس، فإنها تعلم أن الناس لا يصدقونها فيما تخبرهم به، غير أنها أفشت سرّها وذكرت أمرها لأختها امرأة زكريا، وذلك أن زكريا ﵇ كان قد سأل الله الولد فأجيب إلى ذلك. فحملت امرأته فدخلت عليها مريم فقامت إليها فاعتنقتها وقالت أشعرت يا مريم أنّي حبلى؟ فقالت لها مريم وهل علمت أيضا أني حبلى وذكرت لها شأنها وما كان خبرها، وكانوا بيت إيمان وتصديق، ثم كانت امرأة زكريا بعد ذلك إذا واجهت مريم تجد الذي في بطنها يسجد
стр. 3105
للذي في بطن مريم، أي يعظمه ويخضع له، فإن السجود كان في ملتهم عند السلام مشروعا، كما سجد ليوسف أبواه وإخوته، وكما أمر الله الملائكة أن يسجدوا لآدم ﵇، ولكن حرم في ملتنا هذه تكميلا لتعظيم جلال الرب تعالى، روى ابن أبي حاتم عن علي بن الحسين قال: قرئ على الحارث بن مسكين وأنا أسمع أخبرنا عبد الرحمن ابن القاسم قال: قال مالك ﵀: بلغني أن عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا ﵉ ابنا خالة، وكان حملهما جميعا معا، فبلغني أن أم يحيى قالت لمريم إني أرى أن ما بطني يسجد لما في بطنك» قال مالك: أرى ذلك لتفضيل عيسى ﵇ لأن الله جعله يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص.
أقول: في إنجيل لوقا الإصحاح الأول: «فلما سمعت اليصابات (زوجة زكريا) سلام مريم ارتكض الجنين في بطنها، وامتلأت اليصابات من الروح القدس، وصرخت بصوت عظيم وقالت: مباركة أنت في النساء وهي- مباركة ثمرة بطنك ... فهو ذا حين صار صوت سلامك في أذني ارتكض الجنين بابتهاج في بطني، فطوبى للتي آمنت أن يتم ما قيل لها من قبل الرب».
٥ - [أقوال المفسرين حول مدة حمل مريم وولادتها لعيسى ﵉]
هناك خلاف بين المفسرين حول مدة حمل مريم بعيسى ﵇ هل كان الحمل والولادة في زمن قصير أو هو حمل عادي؟ قال ابن كثير: «فالمشهور الظاهر- والله على كل شئ قدير- أنها حملت به كما تحمل النساء بأولادهن، ولهذا لما ظهرت مخايل الحمل بها، وكان معها في المسجد رجل صالح من قرابتها يخدم معها البيت المقدس، يقال له يوسف النجار، فلما رأى ثقل بطنها وكبره أنكر ذلك من أمرها ثم صرفه ما يعلم من براءتها ونزاهتها ودينها وعبادتها، ثم تأمّل ما هي فيه، فجعل أمرها يجوس في فكره لا يستطيع صرفه عن نفسه، فحمل نفسه على أن عرّض لها في القول فقال: يا مريم إني سائلك عن أمر فلا تعجلي عليّ. قالت: وما هو؟ قال: هل يكون قط شجر من غير حب؟ وهل يكون زرع من غير بذر؟ وهل يكون ولد من غير أب؟
فقالت: نعم وفهمت ما أشار إليه، أما قولك: هل يكون شجر من غير حب، وزرع من غير بذر فإن الله قد خلق الشجر والزرع أول ما خلقهما من غير حب ولا بذر، وهل يكون ولد من غير أب، فإن الله تعالى قد خلق آدم من غير أب ولا أم فصدّقها وسلم لها حالها. ولما استشعرت من قومها اتهامها بالريبة، انتبذت منهم مكانا قصيا».
أقول: وفي إنجيل متى في الإصحاح الأول: «لما كانت مريم أمة مخطوبة ليوسف قبل
стр. 3106
أن يجتمعا، وجدت حبلى من الروح القدس، فيوسف رجلها إذ كان بارا ولم يشأ أن يشهرها أراد تخليتها سرا، ولكن فيما هو متفكر في هذه الأمور، إذ ملاك الرب قد ظهر له في حلم قائلا يا يوسف بن داود لا تخف أن تأخذ مريم امرأتك لأن الذي حبل به فيها هو من الروح القدس .... فلما استيقظ يوسف من النوم فعل كما أمره ملاك الرب وأخذ امرأته ولم يعرفها حتى ولدت ابنها البكر». وهذا الكلام لا نجده في بقية الأناجيل ولا نستطيع اعتماده وإنما نذكره للاستئناس.
٦ - [هل كانت النخلة التي هزتها مريم يابسة في الأصل أم مثمرة؟ وهل كان الحدث خارقا أم عاديا ؟]
هل كانت النخلة التي هزتها مريم يابسة في الأصل أو مثمرة، وكان الحدث خارقا أو عاديا؟ أقوال للمفسرين. إلا أن الظاهر أن إكرامها بالجدول والتمر كان خارقا هذا إذا فسرنا (السري) بالنهر الصغير وهو الراجح، ومن إكرام الله مريم بالنخلة وهي نفساء. فهم عمرو بن ميمون وغيره أن أجود شئ للنفساء التمر. قال عمرو بن ميمون: ما من شئ خير للنفساء من التمر والرطب. ثم تلا الآية الكريمة وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا.
٧ - [حول صوم مريم ﵍ والاختلاف في كيفيته]
هل الصوم الذي أمرت به مريم كان صوما كاملا عن الطعام والشراب وكان جزءا من الصوم عندهم الامتناع عن الكلام؟ أو أنه كان صوم صمت فقط؟
أقوال للمفسرين. والمهم أن صوم الصمت في شريعتنا غير جائز. قال ابن إسحاق عن حارثة قال: كنت عند ابن مسعود فجاء رجلان فسلّم أحدهما ولم يسلّم الآخر فقال: ما شأنك؟ قال أصحابه: حلف أن لا يكلم الناس اليوم. فقال عبد الله بن مسعود: كلّم الناس وسلّم عليهم فإن تلك امرأة علمت أن أحدا لا يصدقها أنها حملت من غير زوج، يعني بذلك مريم ﵍ ليكون عذرا لها إذا سئلت. ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير.
٨ - [كلام ابن كثير حول تصوير لحظة اللقاء الأول بين مريم والناس بعد ولادتها]
في تصوير لحظة اللقاء الأول بعد الولادة بين مريم والناس. يروي ابن كثير ما أخرجه ابن أبي حاتم عن نوف البكالي قال: وخرج قومها في طلبها، قال: وكانت من أهل بيت نبوة وشرف، فلم يحسوا منها شيئا فلقوا راعي بقر، فقالوا: رأيت فتاة كذا وكذا نعتها. قال: لا، ولكني رأيت الليلة من بقري ما لم أره منها قط. قالوا: وما رأيت؟ قال: رأيتها الليلة تسجد نحو هذا الوادي. قال عبد الله بن أبي زياد: وأحفظ عن سيار أنه قال: رأيت نورا ساطعا فتوجهوا حيث قال لهم فاستقبلتهم مريم فلما راتهم قعدت وحملت ابنها في حجرها فجاءوا حتى قاموا عليها قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ
стр. 3107
شَيْئاً فَرِيًّا أمرا عظيما يا أُخْتَ هارُونَ أي: شبيهة هارون في العبادة ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا أي أنت من بيت طيب طاهر معروف بالصلاح والعبادة والزهادة، فكيف صدر هذا منك قال علي بن أبي طلحة قيل لها: يا أُخْتَ هارُونَ أي أخي موسى وكانت من نسله. كما يقال للتميمي يا أخا تميم. وللمضري يا أخا مضر».
أقول: ولم يزل النصارى يشوّشون على قوله تعالى: يا أُخْتَ هارُونَ.
وفي ذلك يروي الإمام أحمد والترمذي ومسلم والنسائي عن المغيرة بن شعبة قال:
«بعثني رسول الله ﷺ إلى نجران فقالوا: أرأيت ما تقرءون يا أُخْتَ هارُونَ وموسى قبل عيسى بكذا وكذا؟ قال: فرجعت فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: «ألا أخبرتهم أنهم يسمّون بالأنبياء والصالحين قبلهم».
وكلام الرسول ﷺ يحتمل أن لها أخا اسمه هارون، ويحتمل أنهم سموها بذلك لقبا.
٩ - [تعليق النسفي على ما أمرت به مريم ﵍ من القول]
قال النسفي تعليقا على ما أمرت به مريم من القول: فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا: وإنما أمرت أن تنذر السكوت لأن عيسى ﵇ يكفيها الكلام بما يبرئ به ساحتها، ولئلا تجادل السفهاء، وفيه دليل على أن السكوت عن السفيه واجب، وما قدع سفيه بمثل الإعراض ولا أطلق عنانه بمثل العراض.
١٠ - [حديث حول الإيمان بأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه]
في الحديث الصحيح المتفق على صحته عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأنّ الجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل».
١١ - [ما قيل بمناسبة قوله تعالى وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ]
عند قوله تعالى: وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ يذكر ابن كثير ما رواه ابن جرير عن وهيب بن الورد مولى مخزوم قال: «لقى عالم عالما هو فوقه في العلم فقال له:
يرحمك الله ما الذي أعلن من عملي؟ قال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنه دين الله الذي بعث به أنبياءه إلى عباده» وقد قال العلماء في قوله الله تعالى وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ أن بركته هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أينما كان.
١٢ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ]
بمناسبة قوله تعالى: فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ قال ابن كثير: (أي
стр. 3108
اختلفت أقوال أهل الكتاب في عيسى بعد بيان أمره ووضوح حاله، وأنه عبده ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، فصمّمت طائفة منهم- وهم جمهور اليهود عليهم لعائن الله- على أنه ولد زنية، وقالوا: كلامه هذا سحر، وقالت طائفة أخرى: إنما تكلم الله. وقال آخرون: بل هو ابن الله، وقال آخرون: ثالث. وقال آخرون: بل هو عبد الله ورسوله. وهذا هو قول الحق الذي أرشد الله إليه المؤمنين. وقد روي نحو هذا عن عمرو بن ميمون وابن جريج وقتادة وغير واحد من السلف والخلف. روى عبد الرزاق عن قتادة في قوله تعالى: ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ قال: اجتمع بنو إسرائيل، فأخرجوا منهم أربعة نفر، أخرج كل قوم عالمهم فامتروا في عيسى حين رفع، فقال بعضهم: هو الله هبط إلى الأرض، فأحيا من أحيا، وأمات من أمات، ثم صعد إلى السماء، وهم اليعقوبية. فقال الثلاثة: كذبت. ثم قال اثنان منهم للثالث: قل أنت فيه. قال هو ابن الله وهم النسطورية. فقال الاثنان:
كذبت. ثم قال أحد الاثنين: قل فيه. فقال: هو ثالث ثلاثة. الله إله، وهو إله، وأمه إله، وهم الإسرائيلية ملوك النصارى عليهم لعائن الله. قال الرابع: كذبت بل هو عبد الله ورسوله، وروحه وكلمته، وهم المسلمون. فكان لكل رجل منهم أتباع على ما قالوا، فاقتتلوا وظهر على المسلمين. فذلك قول الله تعالى: وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ
مِنَ النَّاسِ
(آل عمران: ٢١) وقال قتادة: وهم الذين قالوا الله:
فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ قال: اختلفوا فيه فصاروا أحزابا. وقد روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس، وعن عروة بن الزبير وعن بعض أهل العلم قريبا من ذلك، وقد ذكر غير واحد من علماء التاريخ من أهل الكتاب وغيرهم، أن قسطنطين جمعهم في محفل كبير من مجامعهم الثلاثة المشهورة عندهم فكان جماعة الأساقفة منهم ألفين ومائة وسبعين أسقفا، فاختلفوا في عيسى بن مريم ﵇ اختلافا متباينا، فقالت كل شرذمة فيه قولا، فمائة تقول فيه قولا، وسبعون تقول فيه قولا آخر، وخمسون تقول شيئا آخر، ومائة وستون تقول شيئا، ولم يجتمع على مقالة واحدة أكثر من ثلاثمائة وثمانية منهم، اتفقوا على قول وصمّموا عليه، فمال إليهم الملك، وكان فيلسوفا، فقدّمهم ونصرهم، وطرد من عداهم، فوضعوا له الأمانة الكبيرة، بل هي الخيانة العظيمة، ووضعوا له كتب القوانين وشرعوا له أشياء، وابتدعوا بدعا كثيرة، وحرّفوا دين المسيح، وغيّروه فابتنى لهم حينئذ الكنائس الكبار في مملكته كلها: بلاد الشام، والجزيرة، والروم. فكان مبلغ الكنائس في أيامه ما يقارب اثني عشر ألف كنيسة،
стр. 3109
وبنت أمه هيلانة قمامة (أي ديرا) على المكان الذي صلب فيه المصلوب الذي يزعم اليهود أنه المسيح، وقد كذبوا، بل رفعه الله إلى السماء).
١٣ - [حديث بمناسبة قوله تعالى وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ]
بمناسبة قوله تعالى: وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ يذكر ابن كثير الحديث الذي رواه الإمام أحمد. ورواه البخاري ومسلم بلفظ قريب من ذلك. وهذه رواية الإمام أحمد عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، يجاء بالموت كأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟ قال: فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت. قال: فيؤمر فيذبح. قال: ويقال يا أهل الجنة خلود بلا موت، ويا أهل النار خلود بلا موت» ثم قرأ رسول الله ﷺ : وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ وأشار بيده ثم قال: «أهل الدنيا في غفلة الدنيا».
كلمة في السياق: [حول صلة قصة عيسى ومريم ﵉ بمحور السورة]
في الآية التي قلنا إنها محور سورة مريم نجد قوله تعالى: فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ. فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.
وفي سياق قصة عيسى ومريم ﵉ يقول الله على لسان المسيح:
وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ.
فدلّ ذلك على أن هداية المؤمنين هي في كونهم عرفوا لله حقه في الربوبية، وواجبهم له في العبودية، وهذا هو الصراط المستقيم. ومن ثمّ نلاحظ أن قصة إبراهيم ﵇ التي تأتي مباشرة بعد قصة عيسى ﵇ تتحدث عن معنى العبودية التي دعا إليها إبراهيم أباه وتحقق بها عملا. فالسورة حديث عن الأنبياء، وحديث عن إنزال الله الكتاب بما يرفع الاختلاف. وحديث عن هداية الله المؤمنين إلى الصراط المستقيم.
وحديث عن الاختلاف الظالم والانحراف الغاشم، وحديث عن كل ما تقتضيه قضية الاعتراف لله بالربوبية
...
стр. 3110
ونلاحظ أن قصة مريم بدأت بقوله تعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ وأن قصة إبراهيم بعدها بدأت بقوله تعالى وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ وبين ذلك ورد قوله تعالى: وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ.
فإذا تذكرنا أن الآية التي هي محور سورة مريم وصفت النبيين بالتبشير والإنذار، ووصفت الكتاب بأنه ينزل ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، عرفنا سورة مريم بمحورها فههنا يأمر الله رسوله بالإنذار، ويأمره بذكر هذه القصص التي ترفع الخلاف.
وإذا تذكّرنا أن الصراط المستقيم هو العبودية لله رب العالمين، وأن هذا المعنى ركزته السورة. وستركزه، ندرك كيف تخدم هذه السورة موضوع الدخول في الإسلام كله، إذ الدخول في الإسلام كله هو العبودية لله، وهو الصراط المستقيم.
وبعد ما مرّ تأتي قصة إبراهيم ليتأكد بها أن دعوة الرسل ﵈ هي العبودية لله التي هي نفسها دعوة عيسى ﵇، لا كما يزعم النصارى. وبعد قصة إبراهيم يأتي ذكر موسى وهارون. ثم ذكر إسماعيل. ثم ذكر إدريس. ثم آية جامعة تتحدث عن عبودية الرسل جميعا لله. وفي ذلك تأكيد لكون عيسى رسولا كبقية الرسل، وكونه عبدا لله وليس غير ذلك. وفي ذلك تعريف على الرسل الذين بعثهم الله مبشرين ومنذرين.
***
стр. 3111
المجموعة الثالثة والأخيرة من المقطع الأول وتمتد من الآية (٤١) إلى نهاية الآية (٥٨) وهذه هي:
١٩/ ٥٨ - ٤١
стр. 3112
١٩/ ٥٨ - ٥٦
التفسير:
وَاذْكُرْ يا محمد فِي الْكِتابِ أي في القرآن إِبْراهِيمَ أي قصته مع أبيه إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا أي كان مصدقا لجميع الأنبياء وكتبهم، وكان نبيا في نفسه
إِذْ قالَ لِأَبِيهِ أي أنه عند ما قال لأبيه ما سيقصه الله علينا، كان جامعا لخصائص الصدّيقين والأنبياء حين خاطب أباه بتلك المخاطبات. والمراد بقول الله تعالى لرسوله: (وَاذْكُرْ) هو أن يتلو الرسول ﷺ ذلك على الناس، ويبلغه إياهم، وإلا فالله هو ذاكره ومورده في تنزيله، والحكمة في إيراد قصة إبراهيم في هذا المقام واضحة. فإبراهيم جد عيسى الأعلى وجد العرب. وهو الذي تعترف بنبوته ورسالته أكثر الأمم، فإذا خاطب أباه هذه المخاطبات، وجعلها الله له أعلى المقامات، فذلك دليل على أن الدعوة إلى ربوبية الله وعبودية الإنسان هي سنة كل رسول لله دعوة وتحققا، فكيف يدعو الرسل جميعا إلى هذا، ويستقيم في عقل الإنسان أن يكون عيسى مع الله ربا، أو تكون الأصنام مع الله شركاء؟ وهذه مخاطبات إبراهيم يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً أي لم تعبد أصمّ أعمى، وهو في الوقت نفسه لا ينفعك ولا يدفع عنك ضررا، إنك تضع العبادة في غير محلها
يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ أي من الوحي ومعرفة الله ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ أي أرشدك صِراطاً سَوِيًّا أي طريقا مستقيما موصلا إلى نيل المطلوب، والنجاة من المرهوب، وإن كنت من صلبك، وتراني أصغر منك لأني ولدك. فإني قد اطلعت من العلم من الله على ما لم تعلمه أنت ولا اطلعت عليه ولا جاءك
يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ أي لا تطعه فتعبد غير الله؛ فإنه هو الداعي إلى ذلك والراضي به إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا أي عاصيا مخالفا مستكبرا عن طاعة ربه لذلك طرده
стр. 3113
وأبعده، فلا تتبعه فتصير مثله
يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ أي على شركك وعصيانك لما أمرك فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا أي قرينا في النار، تليه ويليك يعني: فلا يكون لك يومئذ مولى ولا ناصر ولا مغيث إلا إبليس، وليس إليه ولا إلى غيره من الأمر شئ، بل اتباعك له موجب لإحاطة العذاب بك، أعلمه بذلك أن دعوته له ونصحه من كمال شفقته عليه ورحمته به. قال النسفي: فانظر في نصيحته كيف راعى المجاملة والرفق والخلق الحسن .... فطلب منه أولا العلة في خطئه، طلب منبه على تماديه، موقظ لإفراطه وتناهيه، لأن من يعبد أشرف الخلق منزلة وهم الأنبياء، كان محكوما عليه بالغي المبين، فكيف بمن يعبد حجرا أو شجرا، لا يسمع ذكر عابده ولا يرى هيئات عبادته، ولا يدفع عنه بلاء ولا يقضي له حاجة، ثم ثنى بدعوته إلى الحق، مترفّقا متلطّفا، فلم يسم أباه بالجهل المفرط، ولا نفسه بالعلم الفائق، ولكنه قال إن شيئا من العلم ليس معك، وذلك علم الدلالة على الطريق السوي. فهب أني وإياك في مسير، وعندي معرفة بالهداية دونك، فاتبعني أنجك من أن تضل وتتيه، ثم ثلّث بنهيه عما كان عليه، بأن الشيطان الذي عصى الرحمن- الذي جميع النعم منه- أوقعك في عبادة الصنم، وزينها لك، فأنت عابده في الحقيقة، ثم ربّع بتخويفه بسوء العاقبة، وما يجره ما هو فيه من التبعة والوبال، مع مراعاة الأدب؛ حيث لم يصرّح بأن العقاب لاحق به، وأن العذاب لاصق به، بل قال أخاف أن يمسك عذاب، بالتنكير المشعر بالتقليل، كأنه قال إني أخاف أن يصيبك نفثات من عذاب الرحمن، وجعل ولاية الشيطان ودخوله في جملة أشياعه وأوليائه أكبر من العذاب، كما أن رضوان الله أكبر من الثواب في نفسه، وصدر كل نصيحة بقوله: يا أبت، توسلا إليه واستعطافا وإشعارا بوجوب احترام الأب وإن كان كافرا).
كلمة في السياق:
نلاحظ أن عيسى ﵇ قال: وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ
وأن إبراهيم ﵇ قال: يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا وما دعاه إليه هو اتباعه في عبادة الله وترك عبادة غير الله، فدل ذلك على أن طريق الأنبياء واحد وهو عبادة الله وحده، وأنه هو الصراط المستقيم، فالانحراف عن هذا الصراط، انحراف عن اتباع إبراهيم وعيسى وبقية الأنبياء ﵈.
стр. 3114
فالسياق يحرر الإنسان- وثنيا كان أو نصرانيا- من عبادة الصنم أو البشر.
...
قالَ أي آزر توبيخا لابنه إبراهيم أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي أي عن عبادتها يا إِبْراهِيمُ لم يقل يا بني في مقابلة قول إبراهيم (يا أَبَتِ) * ممّا يدلّ على أنّه كان مغتاظا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ عن سب الأصنام وشتمها وعيبها لَأَرْجُمَنَّكَ أي لأقتلنك بالرجام- أي بالحجارة- أو لأضربنك بها، حتى تتباعد أو لأشتمنّك وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا أي زمانا طويلا فاحذرني واهجرني فإني ناقم عليك
قالَ إبراهيم سَلامٌ عَلَيْكَ هذا جوابه على تهديد أبيه ومعناه: أما أنا فلا ينالك مني مكروه ولا أذى، وذلك لحرمة الأبوة سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي أي ولكن سأسأل الله فيك أن يهديك ويغفر ذنبك. أي سأسأل الله أن يجعلك من أهل المغفرة؛ بأن يهديك للإسلام. وسلّم عليه تسليم توديع ومتاركة، أو تقريب وملاطفة، ووعده بالاستغفار، ثم علّل لذلك إِنَّهُ أي الله كانَ بِي حَفِيًّا أي معوّدا لي على الإجابة، محيطا إياي بالنعم. والحفاوة: الرأفة والرحمة والكرامة
وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ أي وما تعبدون مِنْ دُونِ اللَّهِ.
وَأَدْعُوا رَبِّي أي: وأعبده وحده عَسى قال ابن كثير: (هذه موجبة لا محالة) أقول:
هي وكل ما رجانا الله به ورسله كذلك أَلَّا أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا كشقاوتكم أنتم بعبادة الأصنام، أفاد تعبيره تواضعا وهضما للنفس، وتعريضا بشقاوتهم، ولقد كان اعتزالهم بالبراءة منهم ومما يعبدون، وبالهجرة بعد ذلك من أرضهم بدليل الآية الآتية التي جعلت هبة إسحاق ويعقوب مكافأة على الاعتزال وإنما جاء إسحاق ويعقوب بعد الهجرة
فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي فلما اعتزل الخليل أباه وقومه في الله؛ أبدله الله من هو خير منهم وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ابن إسحاق وَكُلًّا أي وكل واحد منهما جَعَلْنا نَبِيًّا لما ترك الكفار الفجار لوجهه تعالى عوّضه أولادا مؤمنين أنبياء
وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا زيادة على النبوة من مال وولد وأهل وتمكين ورعاية وغير ذلك من مظاهر الرحمة وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ أي ثناء حسنا، عبّر باللسان عما يوجد باللسان. فالكلام الصادق في حقهم، وهو الثناء عليهم، هو اللسان الصدق، ثم وصف الله هذا اللسان الصدق بقوله عَلِيًّا أي رفيعا مشهورا. قال ابن جرير: وإنما قال (عليا) لأن جميع الملل والأديان يثنون عليهم ويمدحونهم.
стр. 3115
أقول: ومن الثناء عليهم ما قصّه الله لنا عنهم، ومن الثناء عليهم أننا ندعو في الصلاة لإبراهيم وآل إبراهيم، وكل ذلك ببركة اعتزال إبراهيم أباه وقومه في الله.
كلمة في السياق:
دلّت قصة إبراهيم ﵇ على أن المواقف الراقية عند الله اعتزال الكافرين قولا وفعلا بعد استنفاد الوسع. وأن من فعل ذلك يكافئه الله المكافآت الكبيرة الكثيرة دنيا وأخرى، كما دلّتنا على أن الهداية إلى الصراط المستقيم إنما هي بالهداية إلى عبادة الله وحده، كما أعطتنا نموذجا على دعوة الرسل إلى الله بالتبشير والإنذار. في ذلك كله نوع تفصيل لمعان في الآية التي هي محور سورة مريم من البقرة، وخدمة للحيّز الذي وردت فيه وهو الدخول في الإسلام كله بالاقتداء بإبراهيم ﵇ في دعوته، واعتزاله قومه وما يعبدون.
وبعد أن قصّ الله علينا قصة إبراهيم ﵇ مع أبيه يذكر لنا موسى ﵇، وفي ذكر موسى في هذا السياق تذكير برسالته، وأنه من سلسلة الرسل المبشرين والمنذرين، وتذكير بشأنه وحاله، فقد كان يدعو إلى عبادة الله وحده، وهو شئ يعرفه العام والخاص من بني إسرائيل وغيرهم، فكيف يزعم من يزعم أن لله ولدا هو عيسى فيعبده، إن التذكير بموسى في هذا السياق وبصفاته تعريض بمن ينتسب إليه، ولا يوحد الله كما وحده، كأن يجعل المسيح ابنا لله، وموسى لا يعلم ذلك ولا يعرفه، ولا يدعو إليه، كما في ذكر موسى وما وهبه الله له من نبوة هارون المؤيدة له إشارة إلى ما يعطيه الله لعباده المخلصين من مؤيدات وإنعامات هي فوق كل ما يطمح إليه أهل الدنيا وأتباع الشيطان، وذكر موسى الذي هو من ذرية إبراهيم، ثم ذكر إسماعيل بعد ذلك، إشارة إلى أن ما أعطيه إبراهيم بسبب موقفه لم يكن إسحاق ويعقوب فقط، بل هو أكثر من ذلك. فيا عباد الله إلى الله.
...
وَاذْكُرْ يا محمد فِي الْكِتابِ أي في القرآن مُوسى فإنه كذلك ممّن بعث الله من النبيين مبشرين ومنذرين، وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، فلست أنت بدعا من الرسل، وليس إرسالك إلا جزءا من سنة الله في إرسال الرسل، وليس إنزال الكتب عليك إلا جزءا من سنة الله في إنزال الكتب، لتحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، وأي حال من الاختلاف هي أشد من الحال التي بعثت والناس عليها من الاختلاف، حتى أصحاب الكتاب إِنَّهُ أي موسى كانَ مُخْلَصاً أي أخلصه الله واصطفاه بماله من السعادة بأصل الفطرة
стр. 3116
وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا قال النسفي: الرسول: الذي معه كتاب من الأنبياء. والنبي:
الذي ينبئ عن الله وإن لم يكن معه كتاب ... (وقد عرّف غيره الرسول والنبي بغير ذلك) وقد جمع الله لموسى الوصفين، فإنه كان من المرسلين الكبار أولي العزم الخمسة. وهم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد ﷺ فهو رسول نبي مخلص، كما كان إبراهيم. وكما كان عيسى، فأين يذهب بالنصارى، إذ يقولون على الله ما لا يليق بجلاله، أفلا يكفي أن يوصف عيسى بأنه رسول نبي مخلص، وقد وصف من هو أرقى منه وأفضل كذلك وإنما فهمنا هذا المعنى من السياق لأننا نلاحظ أن السورة في بدايتها ونهايتها تركز على نقض أن يكون عيسى ابنا لله ، وهي مع هذا تؤكد في سياقاتها موضوع ربوبية الله وحده، ووجوب معرفته، والإخلاص في العبادة له وحده، كما تتعرض لقضايا أخرى مما خالف فيه الناس الحق
وَنادَيْناهُ أي ودعوناه وكلّمناه مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ الطور معروف وهو جبل في سيناء، والجمهور على أن المراد بجانبه الأيمن بالنسبة لموسى ﵇، لأن الجبل لا يمين له، والمعنى أنه حين أقبل من مدين يريد مصر نودي من الشجرة وكانت في جانب الجبل على يمين موسى وَقَرَّبْناهُ تقريب منزلة ومكانة نَجِيًّا أي مناجيا، فهذا موسى الذي هذا شأنه، وصفه الله أنه رسول نبي، وذلك إبراهيم وصفه أنه صدّيق نبيّ، فلم تغلون بعيسى فتصفونه بغير ما يوصف به إبراهيم وقد أعطاه الله ما أعطاه، وبغير ما يوصف به موسى وقد أعطاه الله ما أعطاه، ألا إنها الضلالة العمياء
وَوَهَبْنا لَهُ أي لموسى مِنْ رَحْمَتِنا أي من رحمتنا له وترؤفنا عليه أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا أي أجبنا سؤاله وشفاعته في أخيه، فجعلناه نبيا. قال بعض السلف: ما شفع أحد في أحد شفاعة في الدنيا أعظم من شفاعة موسى في هارون أن يكون نبيا، وإذن فإن يستجاب لموسى فيهب الله لهارون النبوة بشفاعته فذلك دليل على أن موسى في المكان العظيم عند الله، ومع هذا فإنه نبي رسول، فلماذا تغلون في عيسى وتصفونه بالألوهية.
وَاذْكُرْ يا محمد فِي الْكِتابِ أي القرآن إِسْماعِيلَ ابن إبراهيم الأكبر ﵉ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ أي وافيه وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا قال ابن كثير: (في هذا دلالة على شرف إسماعيل على أخيه، لأنه إنما وصف بالنبوة فقط، وإسماعيل وصف بالنبوة والرسالة، وقد ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال:
«إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل ... ». وذكر تمام الحديث فدل على صحة ما قلناه)
وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ يحتمل أنه إنما خصت هاتان العبادتان
стр. 3117
لأنهما أمّا العبادات البدنية والمالية، وهل المراد بأهله أمته كلها، لأن النبي أب لأمته، أو المراد بذلك أهل بيته فقط؟ قولان، والثاني أقوى. قال النسفي: (وفيه دليل على أنه لم يداهن). وصفه الله بالنبوة، والرسالة، وصدق الوعد، وأمر الأهل بالصلاة والزكاة، وتلك أمهات من الأخلاق العظيمة ثم قال وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا إذ اجتمع له جمال العمل وقبوله، والاجتباء والاصطفاء.
ذكرت هاتان الآيتان رسالة جديدة، ونبيا مبعوثا قائما بالعبودية لله، فهذا منتهى غاية كل رسول أن يكون عبدا لله.
وبعد أن ذكرت السورة من ذكرتهم من الرسل، ممن هم من ذرية إبراهيم، يأتي ذكر رسول قديم سابق في الزمان على إبراهيم ونوح: وَاذْكُرْ يا محمد فِي الْكِتابِ القرآن إِدْرِيسَ هو الذي يسميه أهل الكتاب أخنوخ، ويذكرون أنه أول مرسل بعد آدم ﵇ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا وصفه بالصدّيقية والنبوة، كما وصف إبراهيم ﵇
وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا قال النسفي: هو شرف النبوة، الزلفى عند الله. ولنا عودة على هذا الموضوع في الفوائد.
وبعد أن ذكر الله هؤلاء الرسل ﵈ قال: أُولئِكَ إشارة إلى المذكورين في السورة من زكريا إلى إدريس الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وكل النبيين منعم عليهم وتخصيص هؤلاء بالذكر لا ينفي الإنعام على غيرهم، وإنما ذكرهم هنا وحدهم لحكمة يقتضيها سياق السورة ومكانها من القرآن عامة مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ فكلهم من ذرية آدم وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وكل مذكور في هذه السورة منهم ما عدا إدريس وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ دخل في ذلك بشكل مباشر إسماعيل وإسحاق وَإِسْرائِيلَ هو يعقوب وهو ابن إسحاق، فهو من ذرية إبراهيم، ومن ذرية إسرائيل: موسى، وهارون، وزكريا، وعيسى، ويحيى وغيرهم وَمِمَّنْ هَدَيْنا أي للمحاسن وَاجْتَبَيْنا من الأنام كل هؤلاء إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا أي سقطوا على وجوههم ساجدين رغبة باكين رهبة، أي إذا سمعوا كلام الله المتضمن حججه ودلائله وبراهينه سجدوا لربهم؛ خضوعا واستكانة حمدا وشكرا على ما هم فيه من النعم العظيمة. والبكي جمع باك، وقد أجمع العلماء على شرعية السجود هاهنا اقتداء بهم واتباعا لمنوالهم. قال سفيان الثوري .... عن أبي معمر قال: قرأ عمر بن الخطاب ﵁ سورة مريم فسجد وقال: هذا السجود فأين البكى يريد البكاء رواه ابن أبي حاتم.
стр. 3118
كلمة في السياق:
استقر السياق- كما رأينا- على تسجيل حال الأنبياء في الخضوع لله والسجود له والرهبة منه، وعيسى كان هذا دأبه، فكيف يزعمون أنه غير عبد لله، وهكذا من خلال عرض حال الأنبياء تستقر الأدلة على أن عيسى عبد الله، وهي القضية الرئيسية التي حكمت فيها سورة مريم حتى نهاية لمقطع الأول مما اختلف فيه الناس.
لقد عرض لنا المقطع الأول حال الأنبياء، ودعوتهم، وأخلاقهم التي من جملتها خضوعهم لله، وخشوعهم وسجودهم، فإذا استقر هذا يصل السياق إلى الحديث عما خلفهم به أقوامهم كما سنرى فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا.
فلنلاحظ الآن ما يلي:
إن محور سورة مريم هو قوله تعالى: كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ. وقد قص الله علينا قصص عدد من هؤلاء النبيين في سورة مريم.
وبعد أن قص علينا قصتهم قال: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ ...
وقال تعالى في سورة البقرة: وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ.
وهذا القرآن أنزله الله ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه. ومن ثم تأتي سورة مريم لتقول لرسول الله ﷺ : وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ* ... وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ* فيا أيها الناس اقبلوا حكم القرآن، فإذا تذكرنا أن آية البقرة واردة في سياق الأمر بالدخول في الإسلام كافة، فهذا يفيد أن على الخلق أن يحتكموا إلى كتاب الله في كل شئ، وذلك هو الدخول في الإسلام كافة، وقد حكمت السورة في أهم قضية مختلف فيها، وهي رسالة المسيح وعبوديته وبراءة أمه، فليتبع حكم الله في ذلك وليحذر من يرفض حكمه.
وقال تعالى في آية البقرة: وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ كما حدث لأتباع عيسى دلّ ذلك على أن بولس ومدرسته باغية ظالمة إذ خالفت المؤمنين الحقيقيين من أتباع عيسى محرّفة لكتاب الله، وفي ذلك درس لهذه الأمة ألا تختلف في فهم الكتاب بغيا.
стр. 3119
فسورة مريم تقدم لنا نموذجا على الخلاف بعد إنزال الكتاب كأثر عن البغي.
فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وتلك بشارة لأهل الإيمان ولهذه الأمة بأن الله هداها إلى الحق في كل قضية اختلفت فيها البشرية.
وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ* وقد هدى هذه الأمة إلى الصراط المستقيم الذي دعا إليه عيسى وإبراهيم وغيره من رسل الله عليهم الصلاة والسلام، وذلك هو الإسلام، فادخلوا فيه كله أيها المؤمنون. ومن خلال آية البقرة، ومن خلال تفصيلها في سورة مريم، نفهم أن حكمة بعثة الرسل هي كفر الناس أولا، ثم اختلافهم في فهم الكتاب بعد إرسال الرسل ثانيا. ثم في انحراف الناس عن التطبيق والاقتداء ثالثا، أما الحكمة الأولى فإنا نفهمها من قوله تعالى: كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وأما الحكمة الثانية فنفهمها من قوله تعالى وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا .... ومن قوله تعالى في سورة مريم ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ.
وأما الحكمة الثالثة فنفهمها من المجموعة الآتية معنا والمبدوءة بقوله تعالى:
فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا.
وهكذا من خلال السياق القرآني تتكامل معنا المعاني في القضية الواحدة.
فوائد:
١ - [كلام ابن كثير بمناسبة قول إبراهيم لأبيه سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي]
بمناسبة قوله تعالى على لسان إبراهيم سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي قال ابن كثير: «وقد استغفر إبراهيم ﷺ لأبيه مدة طويلة، وبعد أن هاجر إلى الشام وبنى المسجد الحرام، وبعد أن ولد له إسماعيل وإسحاق ﵉ في قوله رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ (إبراهيم: ٤١) وقد استغفر المسلمون لقراباتهم وأهليهم من المشركين في ابتداء الإسلام؛ وذلك اقتداء بإبراهيم الخليل في ذلك، حتى أنزل الله تعالى قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إلى قوله- إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ الآية (الممتحنة: ٤)، يعنى إلا في هذا القول فلا تتأسوا به، ثم بين تعالى أن إبراهيم أقلع عن ذلك، ورجع عنه فقال
стр. 3120
تعالى: ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ إلى قوله- وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (التوبة: ١١٣، ١١٤).
٢ - [من تعريفات الصدّيق والمخلص والمخلص]
هناك تعريفات كثيرة للصدّيق والمخلص والمخلص منها:
أ- الصادق: هو المستقيم في الأفعال، والصدّيق يزيد على ذلك باستقامته على الأحوال.
ب- المخلِص: هو الذي يعمل لله ولا يحب أن يحمده الناس.
ج- والمخلَص: من أخلصه الله له فلم يبق فيه حظ لغير الله.
ومن رزقه الله قلبا شاكرا ولسانا ذاكرا وزوجة تعين على الخير لم يخزن عنه من الخير شيئا.
٣ - [محاولات المفسرين لمعرفة سبب وصف الله لإسماعيل ﵇ أنه صادق الوعد]
في الكلام عن إسماعيل ﵇ وكونه متصفا بأنه صادق الوعد، يحاول المفسرون أن يذكروا سبب وصفه بذلك. فبعضهم كابن جريج يقول: السبب في ذلك أنه لم يعد ربه عدة إلا أنجزها، يعني ما التزم عبادة قط بنذر إلا قام بها، ووفّاها حقها.
وقال بعضهم: إنما قيل له (صادق الوعد) لأنه قال لأبيه: (سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) فصدق في ذلك. ويقص بعضهم قصة عنه في هذا المقام هي سبب تسميته بذلك، وفيها وفاؤه بوعده بما شقّ عليه، والقولان الأولان أقوى. ويقصّ ابن كثير في هذا المقام قصة يرويها الخرائطي في صدق الوعد فيقول:
«عن عبد الله بن أبي الحمساء قال: بايعت رسول الله ﷺ قبل أن يبعث فبقيت له علي بقية، فوعدته أن آتيه بها في مكانه ذلك. قال: فنسيت يومي والغد، فأتيته في اليوم الثالث وهو في مكانه ذلك، فقال لي: «يا فتى لقد شققت علي فأنا هاهنا منذ ثلاث أنتظرك» ورواه ابن مندة
ومن كلام ابن كثير في هذا المقام:
(فصدق الوعد من الصفات الحميدة، كما أن خلفه من الصفات الذميمة قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ (الصف: ٢، ٣) وقال رسول الله ﷺ : «آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان» ولما كانت هذه صفات المنافقين كان
следующие страницы →