وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا قال النسفي: الرسول: الذي معه كتاب من الأنبياء. والنبي:
الذي ينبئ عن الله وإن لم يكن معه كتاب ... (وقد عرّف غيره الرسول والنبي بغير ذلك) وقد جمع الله لموسى الوصفين، فإنه كان من المرسلين الكبار أولي العزم الخمسة. وهم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد ﷺ فهو رسول نبي مخلص، كما كان إبراهيم. وكما كان عيسى، فأين يذهب بالنصارى، إذ يقولون على الله ما لا يليق بجلاله، أفلا يكفي أن يوصف عيسى بأنه رسول نبي مخلص، وقد وصف من هو أرقى منه وأفضل كذلك وإنما فهمنا هذا المعنى من السياق لأننا نلاحظ أن السورة في بدايتها ونهايتها تركز على نقض أن يكون عيسى ابنا لله ، وهي مع هذا تؤكد في سياقاتها موضوع ربوبية الله وحده، ووجوب معرفته، والإخلاص في العبادة له وحده، كما تتعرض لقضايا أخرى مما خالف فيه الناس الحق
وَنادَيْناهُ أي ودعوناه وكلّمناه مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ الطور معروف وهو جبل في سيناء، والجمهور على أن المراد بجانبه الأيمن بالنسبة لموسى ﵇، لأن الجبل لا يمين له، والمعنى أنه حين أقبل من مدين يريد مصر نودي من الشجرة وكانت في جانب الجبل على يمين موسى وَقَرَّبْناهُ تقريب منزلة ومكانة نَجِيًّا أي مناجيا، فهذا موسى الذي هذا شأنه، وصفه الله أنه رسول نبي، وذلك إبراهيم وصفه أنه صدّيق نبيّ، فلم تغلون بعيسى فتصفونه بغير ما يوصف به إبراهيم وقد أعطاه الله ما أعطاه، وبغير ما يوصف به موسى وقد أعطاه الله ما أعطاه، ألا إنها الضلالة العمياء
وَوَهَبْنا لَهُ أي لموسى مِنْ رَحْمَتِنا أي من رحمتنا له وترؤفنا عليه أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا أي أجبنا سؤاله وشفاعته في أخيه، فجعلناه نبيا. قال بعض السلف: ما شفع أحد في أحد شفاعة في الدنيا أعظم من شفاعة موسى في هارون أن يكون نبيا، وإذن فإن يستجاب لموسى فيهب الله لهارون النبوة بشفاعته فذلك دليل على أن موسى في المكان العظيم عند الله، ومع هذا فإنه نبي رسول، فلماذا تغلون في عيسى وتصفونه بالألوهية.
وَاذْكُرْ يا محمد فِي الْكِتابِ أي القرآن إِسْماعِيلَ ابن إبراهيم الأكبر ﵉ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ أي وافيه وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا قال ابن كثير: (في هذا دلالة على شرف إسماعيل على أخيه، لأنه إنما وصف بالنبوة فقط، وإسماعيل وصف بالنبوة والرسالة، وقد ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال:
«إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل ... ». وذكر تمام الحديث فدل على صحة ما قلناه)
وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ يحتمل أنه إنما خصت هاتان العبادتان
стр. 3117
لأنهما أمّا العبادات البدنية والمالية، وهل المراد بأهله أمته كلها، لأن النبي أب لأمته، أو المراد بذلك أهل بيته فقط؟ قولان، والثاني أقوى. قال النسفي: (وفيه دليل على أنه لم يداهن). وصفه الله بالنبوة، والرسالة، وصدق الوعد، وأمر الأهل بالصلاة والزكاة، وتلك أمهات من الأخلاق العظيمة ثم قال وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا إذ اجتمع له جمال العمل وقبوله، والاجتباء والاصطفاء.
ذكرت هاتان الآيتان رسالة جديدة، ونبيا مبعوثا قائما بالعبودية لله، فهذا منتهى غاية كل رسول أن يكون عبدا لله.
وبعد أن ذكرت السورة من ذكرتهم من الرسل، ممن هم من ذرية إبراهيم، يأتي ذكر رسول قديم سابق في الزمان على إبراهيم ونوح: وَاذْكُرْ يا محمد فِي الْكِتابِ القرآن إِدْرِيسَ هو الذي يسميه أهل الكتاب أخنوخ، ويذكرون أنه أول مرسل بعد آدم ﵇ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا وصفه بالصدّيقية والنبوة، كما وصف إبراهيم ﵇
وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا قال النسفي: هو شرف النبوة، الزلفى عند الله. ولنا عودة على هذا الموضوع في الفوائد.
وبعد أن ذكر الله هؤلاء الرسل ﵈ قال: أُولئِكَ إشارة إلى المذكورين في السورة من زكريا إلى إدريس الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وكل النبيين منعم عليهم وتخصيص هؤلاء بالذكر لا ينفي الإنعام على غيرهم، وإنما ذكرهم هنا وحدهم لحكمة يقتضيها سياق السورة ومكانها من القرآن عامة مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ فكلهم من ذرية آدم وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وكل مذكور في هذه السورة منهم ما عدا إدريس وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ دخل في ذلك بشكل مباشر إسماعيل وإسحاق وَإِسْرائِيلَ هو يعقوب وهو ابن إسحاق، فهو من ذرية إبراهيم، ومن ذرية إسرائيل: موسى، وهارون، وزكريا، وعيسى، ويحيى وغيرهم وَمِمَّنْ هَدَيْنا أي للمحاسن وَاجْتَبَيْنا من الأنام كل هؤلاء إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا أي سقطوا على وجوههم ساجدين رغبة باكين رهبة، أي إذا سمعوا كلام الله المتضمن حججه ودلائله وبراهينه سجدوا لربهم؛ خضوعا واستكانة حمدا وشكرا على ما هم فيه من النعم العظيمة. والبكي جمع باك، وقد أجمع العلماء على شرعية السجود هاهنا اقتداء بهم واتباعا لمنوالهم. قال سفيان الثوري .... عن أبي معمر قال: قرأ عمر بن الخطاب ﵁ سورة مريم فسجد وقال: هذا السجود فأين البكى يريد البكاء رواه ابن أبي حاتم.
стр. 3118
كلمة في السياق:
استقر السياق- كما رأينا- على تسجيل حال الأنبياء في الخضوع لله والسجود له والرهبة منه، وعيسى كان هذا دأبه، فكيف يزعمون أنه غير عبد لله، وهكذا من خلال عرض حال الأنبياء تستقر الأدلة على أن عيسى عبد الله، وهي القضية الرئيسية التي حكمت فيها سورة مريم حتى نهاية لمقطع الأول مما اختلف فيه الناس.
لقد عرض لنا المقطع الأول حال الأنبياء، ودعوتهم، وأخلاقهم التي من جملتها خضوعهم لله، وخشوعهم وسجودهم، فإذا استقر هذا يصل السياق إلى الحديث عما خلفهم به أقوامهم كما سنرى فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا.
فلنلاحظ الآن ما يلي:
إن محور سورة مريم هو قوله تعالى: كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ. وقد قص الله علينا قصص عدد من هؤلاء النبيين في سورة مريم.
وبعد أن قص علينا قصتهم قال: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ ...
وقال تعالى في سورة البقرة: وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ.
وهذا القرآن أنزله الله ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه. ومن ثم تأتي سورة مريم لتقول لرسول الله ﷺ : وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ* ... وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ* فيا أيها الناس اقبلوا حكم القرآن، فإذا تذكرنا أن آية البقرة واردة في سياق الأمر بالدخول في الإسلام كافة، فهذا يفيد أن على الخلق أن يحتكموا إلى كتاب الله في كل شئ، وذلك هو الدخول في الإسلام كافة، وقد حكمت السورة في أهم قضية مختلف فيها، وهي رسالة المسيح وعبوديته وبراءة أمه، فليتبع حكم الله في ذلك وليحذر من يرفض حكمه.
وقال تعالى في آية البقرة: وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ كما حدث لأتباع عيسى دلّ ذلك على أن بولس ومدرسته باغية ظالمة إذ خالفت المؤمنين الحقيقيين من أتباع عيسى محرّفة لكتاب الله، وفي ذلك درس لهذه الأمة ألا تختلف في فهم الكتاب بغيا.
стр. 3119
فسورة مريم تقدم لنا نموذجا على الخلاف بعد إنزال الكتاب كأثر عن البغي.
فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وتلك بشارة لأهل الإيمان ولهذه الأمة بأن الله هداها إلى الحق في كل قضية اختلفت فيها البشرية.
وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ* وقد هدى هذه الأمة إلى الصراط المستقيم الذي دعا إليه عيسى وإبراهيم وغيره من رسل الله عليهم الصلاة والسلام، وذلك هو الإسلام، فادخلوا فيه كله أيها المؤمنون. ومن خلال آية البقرة، ومن خلال تفصيلها في سورة مريم، نفهم أن حكمة بعثة الرسل هي كفر الناس أولا، ثم اختلافهم في فهم الكتاب بعد إرسال الرسل ثانيا. ثم في انحراف الناس عن التطبيق والاقتداء ثالثا، أما الحكمة الأولى فإنا نفهمها من قوله تعالى: كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وأما الحكمة الثانية فنفهمها من قوله تعالى وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا .... ومن قوله تعالى في سورة مريم ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ.
وأما الحكمة الثالثة فنفهمها من المجموعة الآتية معنا والمبدوءة بقوله تعالى:
فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا.
وهكذا من خلال السياق القرآني تتكامل معنا المعاني في القضية الواحدة.
فوائد:
١ - [كلام ابن كثير بمناسبة قول إبراهيم لأبيه سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي]
بمناسبة قوله تعالى على لسان إبراهيم سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي قال ابن كثير: «وقد استغفر إبراهيم ﷺ لأبيه مدة طويلة، وبعد أن هاجر إلى الشام وبنى المسجد الحرام، وبعد أن ولد له إسماعيل وإسحاق ﵉ في قوله رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ (إبراهيم: ٤١) وقد استغفر المسلمون لقراباتهم وأهليهم من المشركين في ابتداء الإسلام؛ وذلك اقتداء بإبراهيم الخليل في ذلك، حتى أنزل الله تعالى قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إلى قوله- إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ الآية (الممتحنة: ٤)، يعنى إلا في هذا القول فلا تتأسوا به، ثم بين تعالى أن إبراهيم أقلع عن ذلك، ورجع عنه فقال
стр. 3120
تعالى: ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ إلى قوله- وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (التوبة: ١١٣، ١١٤).
٢ - [من تعريفات الصدّيق والمخلص والمخلص]
هناك تعريفات كثيرة للصدّيق والمخلص والمخلص منها:
أ- الصادق: هو المستقيم في الأفعال، والصدّيق يزيد على ذلك باستقامته على الأحوال.
ب- المخلِص: هو الذي يعمل لله ولا يحب أن يحمده الناس.
ج- والمخلَص: من أخلصه الله له فلم يبق فيه حظ لغير الله.
ومن رزقه الله قلبا شاكرا ولسانا ذاكرا وزوجة تعين على الخير لم يخزن عنه من الخير شيئا.
٣ - [محاولات المفسرين لمعرفة سبب وصف الله لإسماعيل ﵇ أنه صادق الوعد]
في الكلام عن إسماعيل ﵇ وكونه متصفا بأنه صادق الوعد، يحاول المفسرون أن يذكروا سبب وصفه بذلك. فبعضهم كابن جريج يقول: السبب في ذلك أنه لم يعد ربه عدة إلا أنجزها، يعني ما التزم عبادة قط بنذر إلا قام بها، ووفّاها حقها.
وقال بعضهم: إنما قيل له (صادق الوعد) لأنه قال لأبيه: (سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) فصدق في ذلك. ويقص بعضهم قصة عنه في هذا المقام هي سبب تسميته بذلك، وفيها وفاؤه بوعده بما شقّ عليه، والقولان الأولان أقوى. ويقصّ ابن كثير في هذا المقام قصة يرويها الخرائطي في صدق الوعد فيقول:
«عن عبد الله بن أبي الحمساء قال: بايعت رسول الله ﷺ قبل أن يبعث فبقيت له علي بقية، فوعدته أن آتيه بها في مكانه ذلك. قال: فنسيت يومي والغد، فأتيته في اليوم الثالث وهو في مكانه ذلك، فقال لي: «يا فتى لقد شققت علي فأنا هاهنا منذ ثلاث أنتظرك» ورواه ابن مندة
ومن كلام ابن كثير في هذا المقام:
(فصدق الوعد من الصفات الحميدة، كما أن خلفه من الصفات الذميمة قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ (الصف: ٢، ٣) وقال رسول الله ﷺ : «آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان» ولما كانت هذه صفات المنافقين كان
стр. 3121
التلبس بضدها من صفات المؤمنين، ولهذا أثنى الله على عبده ورسوله إسماعيل بصدق الوعد، وكذلك كان رسول الله ﷺ صادق الوعد أيضا، لا يعد أحدا شيئا إلا وفىّ له به، وقد أثنى على أبي العاص بن الربيع زوج ابنته زينب فقال: «حدثني فصدقني ووعد فوفى لي» ولما توفي النبي ﷺ قال الخليفة أبو بكر الصديق من كان له عند رسول الله ﷺ عدة أو دين فليأتني أنجز له، فجاءه جابر بن عبد الله فقال: إن رسول الله ﷺ قد قال: لو كان جاء مال البحرين أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا، يعني ملء كفيه، فلما جاء مال البحرين أمر الصديق جابرا فغرف بيده من المال ثم أمره بعدّه فإذا هو خمسمائة درهم
فأعطاه مثليها معها).
٤ - [كلام بمناسبة قول الله تعالى عن إسماعيل ﵇ وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ .. ]
وبمناسبة الكلام عن قول الله في إسماعيل ﵇ وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا قال ابن كثير:
«هذا أيضا من الثناء الجميل، والصفة الحميدة، والخلة السديدة، حيث كان صابرا على طاعة ربه ، آمرا بها لأهله، كما قال تعالى لرسوله وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها الآية (طه: ١٣٢). وقال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (التحريم: ٢٦) أي مروهم بالمعروف، وانهوهم عن المنكر، ولا تدعوهم هملا فتأكلهم النار يوم القيامة، وقد جاء في الحديث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «رحم الله رجلا قام من الليل فصلى، وأيقظ امرأته، فإن أبت نضح في وجهها الماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل فصلت، وأيقظت زوجها، فإن أبى نضحت في وجهه الماء» أخرجه أبو داود وابن ماجه. وعن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ عن النبي ﷺ قال: «إذا استيقظ الرجل من الليل، وأيقظ امرأته، فصليا ركعتين، كتبا من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات». رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه واللفظ له).
٥ - [حول ما قيل في تفسير المكان العلي الذي رفع الله إليه إدريس وتعليق المؤلف عليه]
رأينا أن النسفي فسّر المكان العلي الذي رفع الله إليه إدريس بأنه شرف النبوة والزلفى. وفي الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ مرّ به في ليلة الإسراء وهو في السماء الرابعة. ويذكر المفسرون روايات فيه أكثرها عن أهل الكتاب، وإدريس هو أخنوخ كما مر معنا من قبل وقد ورد ذلك في حديث، ويرد اسم أخنوخ في الإصحاح الخامس من سفر التكوين على أنه الجد الرابع لنوح. فنوح بن لامك بن متوشالح بن
стр. 3122
أخنوخ. يقول هذا الإصحاح:
(فكانت كل أيام أخنوخ ثلاث مائة وخمسا وستين سنة، وسار أخنوخ مع الله ولم يوجد لأن الله أخذه). وهذا الكلام هو أصل ما يذكره المفسرون من أن إدريس رفعه الله إلى السماء الرابعة وقبض روحه هناك. وفي رواية عن ابن عباس: رفع إلى السماء السادسة فمات بها، وليس عندنا عن رسولنا شئ نقف عنده. والنص القرآني يحتمل أكثر من معنى. منها ما ذكرناه، ومنها أن المكان العلي هو الجنة، كما ذهب إليه الحسن وغيره.
ولننتقل إلى المجموعة الأولى من المقطع الثاني في سورة مريم.
стр. 3123
[المقطع الثاني من السورة ويتألف من أربع مجموعات:]
المجموعة الأولى من المقطع الثاني وهي من الآية (٥٩) إلى نهاية الآية (٦٥) وهذه هي:
١٩/ ٦٥ - ٥٩
التفسير:
فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أي فجاء من بعد هؤلاء الرسل خلف: أي ذرية سوء أَضاعُوا الصَّلاةَ المفروضة وإذا أضاعوها فهم لما سواها من الواجبات أضيع؛ لأنها عماد الدين وقوامه، وخير أعمال العباد وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ أي ملاذّ النفوس، أي أقبلوا على شهوات الدنيا وملاذّها، ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا أي خسارا يوم القيامة. أي فسوف يلقون شرا لأن كل شر عند العرب غي. أي جزاء شرهم
إِلَّا مَنْ تابَ أي رجع عن كفره وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً بعد إيمانه فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً أي لا ينقصون شيئا من جزاء أعمالهم، ولا يمنعونه، بل يضاعف لهم، أو لا يظلمون أدنى
стр. 3124
شيء من الظلم. والمعنى: إلا من رجع عن ترك الصلوات واتّباع الشهوات فإنّ الله يقبل توبته، ويحسن عاقبته، ويجعله من ورثة جنة النعيم، وذلك لأن التوبة تجبّ ما قبلها. ولهذا لا ينقص هؤلاء التائبون من أعمالهم التي عملوها شيئا، ولا يقابلون بما عملوه قبلها فينقص لهم مما عملوه بعدها لأن ذلك ذهب هدرا، من كرم الكريم وحلم الحليم
جَنَّاتِ عَدْنٍ أي إقامة، وهي الجنات التي يدخلها التائبون من ذنوبهم الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ أي التائبين المؤمنين الذين يعملون الصالحات كما سبق ذكرهم بِالْغَيْبِ أي وعدهم إياها بظهر الغيب، أو وعدها وهي غائبة غير حاضرة، أو وهم غائبون عنها لا يشاهدونها إِنَّهُ أي الرحمن أو إن الشأن كانَ وَعْدُهُ أي موعوده وهو الجنة مَأْتِيًّا أي هم يأتونها أي العباد صائرون إليها وسيأتونها، وقد يراد بالمأتي الآتي، وهو سائغ في لغة العرب. فيكون المعنى: إنه كان وعده آتيا.
لا يَسْمَعُونَ فِيها أي في الجنة لَغْواً أي فحشا أو كذبا أو ما لا طائل تحته من الكلام، وفيه تنبيه على وجوب تجنب اللغو واتقائه، حيث نزه الله عنه داره التي لا تكليف فيها إِلَّا سَلاماً إلا قولا يسلمون فيه من العيب وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا أي على مقدار طرفي النهار من الدنيا إذ لا ليل ولا نهار ثمّ؛ لأنّهم في النور أبدا، وإنما يعرفون مقدار النهار برفع الحجب، ومقدار الليل بإرخائها، والرزق بالبكرة والعشي أفضل العيش فوصف الله جنته بذلك. وقيل أراد دوام الرزق، والذي يبدو أن ما شاءوه من
الرزق كان، ولهم مع ذلك رزق خاص بالبكور والعشي
تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا أي من كان من المتحققين بصفات المتقين. ومعنى نورث: أي نجعل ثمرتها وما فيها ميراث أعمالهم. وقيل معناها أنهم يرثون المساكن التي كانت لأهل النار، لو آمنوا لأن الكفر موت حكما.
كلمة في السياق:
وهكذا عرفتنا هذه الآيات أنه بعد كل رسول كانت أمته يضل منها الكثير، فيتركون الواجبات، ويتبعون الشهوات، ولأمتنا نصيب من ذلك وقد هدّد الله هؤلاء بالنار، ثم هيّج على التوبة والإيمان والعمل الصالح؛ بذكر ما أعد الله لأهل ذلك، ومن الأدلة على أن كل رسول كانت أمته من بعده تقسو قلوبها قوله تعالى: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (الحديد: ١٦).
стр. 3125
وإذ انحرفت أمة قبل رسولنا ﵊ بترك الصلوات واتباع الشهوات، فإن الله كان يرسل لها رسولا جديدا يجدّد دين الله، وقد أشار الله إلى هذا المعنى في الآيتين اللاحقتين:
وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ جاء هذا الكلام في القرآن على لسان الملائكة يعني أن نزولنا في الأحاديين وقتا دون وقت ليس إلا بأمر الله فإذا كان هذا في حق محمد ﷺ فهو في حق الزمان والمكان على المدى كله كذلك، وهذا- والله أعلم- سر مجئ هاتين الآيتين في هذا السياق لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ أي له ما قدامنا وما خلفنا من الأماكن، وما نحن فيها، فلا نتمالك أن ننتقل من مكان إلا بأمر الله ومشيئته، وهو الحافظ العالم بكل حركة وسكون، وما يحدث من الأحوال، لا تجوز عليه الغفلة والنسيان، فأنى لنا أن نتقلّب إلا إذا أذن لنا فيه؟ ومن ثم قال: وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا أي فإن الله لم يكن لينسى شيئا، وإذا كان الشأن كذلك فإن وحيه ورسالاته وتنزيله كل ذلك في غاية الحكمة، كيف لا وهو رب السموات والأرض؟
قال تعالى: رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ أي لما عرفت أنه متصف بهذه الصفات فاثبت على عبادته، واصبر على جحد الجحود لعبادة المعبود، واصبر على المشاق لأجل عبادة الخلاق. أي لتتمكن من الإتيان بها هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا أي شبيها ومثلا، أو هل يسمى أحد باسم الله غيره؟ لأن اسم الجلالة «الله» مخصوص بالمعبود بالحق، أي إذا صح أن لا معبود يوجه إليه العباد العبادة إلا هو، لم يكن بد من عبادته والاصطبار على مشاقها. وإذ كان هو رب السموات والأرض، لم يكن بد من عبادته والاصطبار على مشاقها، وإذ كان هو منزل الملائكة بالحق وبالحكمة لم يكن بد من عبادته والاصطبار على مشاقها، وإذ كان الله لا ينسى ولا يغفل فلا بد من عبادته والاصطبار عليها.
كلمة في السياق:
١ - رأينا أنّ الحكمة في إرسال الرسل إما لإرجاع الناس عن الكفر، وإما للفصل في اختلافاتهم، وإما لتجديد حيوية السير إلى الله بالعودة إلى الصلاة، وبترك الشهوات المحرمة، وقد كفر الناس قبل بعثة رسول الله ﷺ واختلفوا اختلافات كثيرة، وتركوا الصلوات واتبعوا الشهوات، فبعث الله محمدا ﷺ وأنزل معه الكتاب، فدعا إلى الإيمان، وحكم في الاختلاف، وربى الناس على إقامة الصلوات، وترك الشهوات
стр. 3126
المحرمة، إن هذا كله يشار إليه في سورة مريم، فإذا أدركنا ذلك أدركنا صلة سورة مريم بمحورها: كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ ...
٢ - بعد أن قصّ الله علينا من أحوال النبيين وأخبارهم، وعبادتهم لله، ودعوتهم لتوحيده، وخشوعهم وسجودهم، وبكائهم، قصّ علينا خبر أقوامهم من بعدهم، واحتياجهم إلى وحي جديد، وكان هذا الوحي هو ما أنزله الله على محمد ﷺ إذا أدركنا هذا نكون قد أدركنا صلة هذه المجموعة بما قبلها.
فوائد:
[(١ - ٣) أقوال المفسرين في تفسير آية فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ .. ]
١ - اختلف المفسرون في المراد بإضاعة الصلاة في قوله تعالى فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ هل المراد في ذلك تركها كلية، أو المراد بذلك تأخيرها عن مواقيتها وإضاعة وقتها؟ وما حكم إضاعتها؟ هل هو كفر، أو فسوق؟ على قولين في هذا كله.
٢ - رأينا أن قوله تعالى: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ إشارة إلى كل رسول، ورأينا أن من حكمة ورودها في محلها في السياق لتدخل فيها هذه الأمة أيضا، بدليل أنه يأتي بعد ذلك وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ .... ففي مجئ قوله تعالى وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ في هذا السياق إشارة إلى النبوة التي تجدد ما أوهى الناس من خلال عرض التنزلات المقدرة على رسول الله محمد ﷺ ، ويتساءل متسائل إذا كانت الأمم السابقة تخلف رسلها بمثل ما رأينا. وتأتي الرسالات اللاحقة لتقوّم فمن يقوّم أمر هذه الأمة؟.
نقول: إن هذه الأمة لا تحتاج إلى نبوة جديدة؛ لحفظ الله القرآن، وسنة رسوله ﵊. ومن ثم كان محمد رسول الله ﷺ وخاتم النبيين. فأمتنا لا تحتاج إلى نبوة جديدة لأن هذا القرآن فيه تبيان كل شئ والذي تحتاجه فقط إلى مجددين لهذا الدين. وقد جرت سنة الله أن يبعث لهذه الأمة على رأس كل قرن من يجدّد لها ما وهى من أمر دينها. كما ورد في الحديث.
٣ - أورد ابن كثير كلاما بمناسبة قوله تعالى: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ يدل على أن هذه الآية تشمل هذه الأمة.
ومن كلامه: (وقال ابن نجيح عن مجاهد فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ قال هم في هذه الأمة يتراكبون تراكب الأنعام والحمر في الطرق لا يخافون الله في السماء، ولا يستحيون من الناس في الأرض، وروى ابن أبي
стр. 3127
حاتم .... عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «يكون خلف بعد ستين سنة، أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، فسوف يلقون غيا، ثم يكون خلف يقرءون القرآن لا يعدو تراقيهم، ويقرأ القرآن ثلاثة: مؤمن، ومنافق، وفاجر» وقال بشير قلت للوليد: ما هؤلاء الثلاثة؟ قال: المؤمن مؤمن به، والمنافق كافر به، والفاجر يتأكل به، وهكذا رواه أحمد عن أبي عبد الرحمن المقري.
وقال كعب الأحبار: والله إني لأجد صفة المنافقين في كتاب الله : شرّابين للقهوات ترّاكين للصلوات، لعّابين بالكعبات، رقادين عن العتمات، مفرّطين في الغدوات، ترّاكين للجماعات. قال ثم تلا هذه الآية فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا وقال الحسن البصري: عطلوا المساجد، ولزموا الضيعات، وقال أبو الأشهب العطاردي: أوحى الله إلى داود ﵇ يا داود حذّر وأنذر أصحابك أكل الشهوات، فإن القلوب المعلقة بشهوات الدنيا عقولها عني محجوبة، وإنّ أهون ما أصنع بالعبد من عبيدي إذا آثر شهوة من شهواته أن أحرمه من طاعتي).
٤ - [قولان للنسفي في قوله تعالى فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا]
في تفسير النسفي في قوله تعالى فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا قولان أحدهما ما ذكرناه وهو الخسارة والشر، والثاني: أنه واد في جهنم بعيد القعر، خبيث الطعم، وهو منقول عن ابن مسعود، ومثله عن أبي عياض قال: واد في جهنم من قيح ودم.
٥ - [كلام ابن كثير بمناسبة قوله تعالى وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا]
عند قوله تعالى: وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا يقول ابن كثير: أي في مثل البكرات ووقت العشيات، لا أن هناك ليلا أو نهارا، ولكنهم في أوقات تتعاقب، يعرفون مضيها بأضواء وأنوار كما روى الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :
«أول زمرة تلج الجنة صورهم على صورة القمر ليلة البدر، لا يبصقون فيها، ولا يتمخّطون فيها ولا يتغوطون، آنيتهم وأمشاطهم الذهب والفضة ومجامرهم الألوة (العود الذي يتبخر به) ورشحهم المسك، ولكل واحد منهم زوجتان، يرى مخ ساقها من وراء اللحم من الحسن، لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم على قلب رجل واحد، يسبحون الله بكرة وعشيا» أخرجاه في الصحيحين، وروى الإمام أحمد ... عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «الشهداء على بارق نهر بباب الجنة، في قبة خضراء، يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيا». وقال الضحاك عن ابن عباس في قوله تعالى: وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا قال: مقادير الليل والنهار. وروى ابن جرير عن الوليد بن
стр. 3128
مسلم قال: سألت زهير بن محمد عن قول الله تعالى وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا قال: ليس في الجنة ليل هم في نور أبدا ولهم مقدار الليل والنهار يعرفون مقدار الليل بإرخاء الحجب وإغلاق الأبواب، ويعرفون مقدار النهار برفع الحجب وبفتح الأبواب وبهذا الإسناد عن الوليد بن مسلم عن خليد عن الحسن البصري، وذكر أبواب الجنة فقال: أبواب يرى ظاهرها من باطنها فتكلم وتكلم فتهمهم: انفتحي انغلقي، فنفعل. وقال قتادة في قوله وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا: فيها ساعتان بكرة وعشي، ليس ثمّ ليل ولا نهار، وإنما هو ضوء ونور. وقال مجاهد: ليس بكرة ولا عشي، ولكن يؤتون به على ما كانوا يشتهون في الدنيا. وقال الحسن وقتادة وغيرهما: كانت العرب الأنعم فيهم من يتغدى ويتعشى، فنزل القرآن على ما في أنفسهم من النعيم فقال تعالى وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا وقال ابن مهدي عن حماد بن زيد عن هشام عن الحسن وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا قال: البكور يرد على العشي والعشي يرد على البكور ليس فيها ليل).
٦ - [روايات نقل ابن كثير في سبب نزول: وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ... ]
في سبب نزول قوله تعالى: وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ... ينقل ابن كثير الروايات التالية: روى الإمام أحمد ... عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ لجبريل: «ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟» قال: فنزلت: وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ إلى آخر الآية. انفرد بإخراجه البخاري وقال العوفي عن ابن عباس احتبس جبرائيل عن رسول الله ﷺ فوجد رسول الله ﷺ من ذلك وحزن فأتاه جبريل وقال: يا محمد وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ الآية. وقال مجاهد لبث جبريل عن محمد ﷺ اثنتي عشرة ليلة، ويقولون أقل، فلما جاءه قال: يا جبريل لقد رثت عليّ (أي أبطأت) حتى ظن المشركون كل ظن فنزلت وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ الآية. قال وهذه الآية كالتي في الضحى وكذلك قال الضحاك بن مزاحم، وقتادة والسدي، وغير واحد أنها نزلت في احتباس جبريل، وقال الحكم بن أبان عن عكرمة قال: أبطأ جبريل النزول على النبي ﷺ أربعين يوما ثم نزل فقال له النبي ﷺ : «ما نزلت حتى اشتقت إليك» فقال له جبريل: بل أنا كنت إليك أشوق، ولكني مأمور، فأوحى الله إلى جبريل أن قل له وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ الآية. وروى ابن أبي حاتم .... عن مجاهد قال: أبطأت الرسل على النبي ﷺ ثم أتاه جبريل فقال له: «ما حبسك يا جبريل؟» فقال له جبريل: وكيف نأتيكم وأنتم لا تقصون أظفاركم، ولا تنقون
стр. 3129
براجمكم (١) ولا تأخذون شواربكم، ولا تستاكون؟ ثم قرأ وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ إلى آخر الآية. وقد روى الطبراني .... عن ابن عباس عن النبي ﷺ أن جبريل أبطأ عليه فذكر له ذلك فقال: وكيف وأنتم لا تستنون، ولا تقلمون أظفاركم، ولا تقصون شواربكم، ولا تنقون رواجبكم (٢)؟». وروى الإمام أحمد ... عن أم
سلمة قالت: قال لي رسول الله ﷺ : «أصلحي لنا المجلس، فإنه ينزل ملك إلى الأرض لم ينزل إليها قط».
٧ - [ذكر ابن كثير بمناسبة قوله تعالى وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا]
وبمناسبة قوله تعالى وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا يذكر ابن كثير ما أخرجه ابن أبي حاتم عن أبي الدرداء عن رسول الله ﷺ قال: «ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرّمه فهو حرام، وما سكت عنه فهو عافية، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئا». ثم تلا هذه الآية: وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا.
كلمة في السياق: [حول سبب نزول آية وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ .. وصلتها والمجموعة بالمحور]
رأينا سبب نزول قوله تعالى: وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ...
ورأينا أن قوله تعالى: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ ... أنه في الأصل كلام عن الأمم السابقة بعد أنبيائها، ولكنه ينطبق على هذه الأمة، وفهمنا من السياق أن حكمة الله أن يبعث الرسل؛ ليرجع الناس عن الانحراف، كما يبعثهم ليحكموا بين الناس فيما اختلفوا فيه، كما يبعثهم ليدعوا إلى الله ابتداء، كل ذلك رأيناه، ومن خلال ما ذكرناه عند قوله تعالى: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ومن خلال ما ذكرناه عند قوله تعالى: وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ندرك أن كل آية في كتاب الله وجودها في محلها معجز.
...
ومما مرّ معنا في السورة ندرك أن السورة قد قرّرت في جملة ما قرّرت:
١ - أن محمدا رسول الله فهو بشير ونذير كبقية الرسل.
٢ - أن الله أنزل كتابه على محمد ﷺ ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه.
٣ - أن هذه الأمة عليها أن تحذر ما وقعت به غيرها من الأمم بعد رسلها
стр. 3130
وإذ تتقرر هذه المعاني فإن تتمة السورة تنذر وتبشّر، وترد وتحكم، وتأتي خاتمتها لتقول: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا* فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا* وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً.
إن هذا الختام للسورة يأتي بعد ردود وإنذارات- كما سنرى- فلنتذكر الآن محور سورة مريم من البقرة: كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ أصبحوا كفارا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين.
ويوم بعث محمد ﷺ لم يبق على وجه الأرض مسلم، كما هو معلوم من قصة سلمان الفارسي فبعث الله محمدا بالقرآن بشيرا ونذيرا والسورة تقرر هذه الحقيقة.
وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ
وقد أنزل الله القرآن على محمد ﷺ بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه.
وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ.
فلتحذر هذه الأمة ذلك، وخاصة الظلم، وترك الصلوات، واتباع الشهوات.
فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وهذه بشارة لأهل الإيمان وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ* والصراط المستقيم هو العبودية لله، وذلك بالدخول الكامل في الإسلام.
والسورة تسير من الآن فصاعدا مبشرة ومنذرة، والأمر الذي سبق ذلك هو فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ وهو الأمر اللازم لعملية التبشير والإنذار، فبدون عبادة لله لا يستطيع الإنسان أن يقوم بواجب التبشير والإنذار فليعلم الدعاة إلى الله ذلك.
...
تتألف السورة من مقطعين: المقطع: المقطع الأول يتألف من ثلاث مجموعات مترابطة، والمجموعة التي عرضناها آنفا هي بداية المقطع الثاني، ورأينا ارتباطها بما قبلها
وسنعرض بقية المقطع الثاني عرضا واحدا مع ملاحظة أن الآية الأولى في التتمّة هي:
وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً.
стр. 3131
فما حكمة ورود هذا المعنى بعد ما مر؟
إن الاختلاف في الكتاب، وقبل ذلك الكفر، وبعد ذلك إضاعة الصلوات، واتباع الشهوات، كل ذلك علته الأساسية الكفر باليوم الآخر. ومن ثم يأتي الآن هذا الموضوع، ليجتمع في السورة أنها مبشرة ومنذرة وحاكمة في خلاف، ورادّة على ما استقر في أذهان الناس من كفر.
***
стр. 3132
[المجموعة الثانية] تتمة المقطع الثاني وتمتد من الآية (٦٦) إلى نهاية الآية (٩٨) وهي خاتمة السورة وهذه هي:
المجموعة الثانية ١٩/ ٨٠ - ٦٦
стр. 3133
المجموعة الثالثة ١٩/ ٨٧ - ٨١ المجموعة الرابعة ١٩/ ٩٨ - ٨٨
ملاحظة: [حول موضوع الآيات الأخيرة في السورة وما يؤخذ منها وصلتها بما قبلها]
قلنا: إن الله بعث محمدا ﷺ بشيرا ونذيرا، وليس على وجه الأرض إلا كافر.
стр. 3134
ونلاحظ أن هذه الآيات تعرض لأمهات من الكفر:
وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا،
وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا،
وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً* لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا وترد عليها وتبشر وتنذر فهذه الآيات في الصميم من التبشير والإنذار، والردّ على الكفر، وقد مرّ معنا أن سنة الله في الإرسال إما لعموم كفر، وإما لاختلاف ظالم، وإما لتضييع وتفريط. وقد عالج ما مر معنا من السورة موضوع الاختلاف، وموضوع التفريط والتضييع، ويعالج ما يمر الآن الأفكار العامة للكفر.
ومن ثم ندرك أن هذا القرآن قد عالج كل قضايا البشر، وكانت بعثة محمد ﷺ مسك الختام، فقد عالجت كل الأمراض البشرية، سواء كان مرضا ناتجا عن كفر أصلي أو مرضا ناتجا عن ظلم لفهم كتاب سابق، أو مرضا ناشئا عن تضييع وتفريط، كما ندرك أن الدخول في الإسلام كله هو العلاج والدواء لكل مرض أصلي أو عارض؛ لأن الإسلام هو وحده الطريق المستقيم
تفسير المجموعة الثانية من المقطع الثاني:
وَيَقُولُ الْإِنْسانُ الكافر أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا هذا استبعاد وتعجب من الإنسان أن يعود بعد موته، والاستفهام هنا يفيد الإنكار. فهم يستنكرون أن يكون ما بعد الموت حياة والمعنى: أحقا أنّا سنخرج من القبور أحياء حين يتمكن فينا الموت والهلاك؟ يقولون هذا على وجه الاستنكار والاستبعاد والجواب
أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ أي من قبل الحالة التي هو فيها، وهي حالة وجوده واستمراره وَلَمْ يَكُ شَيْئاً يعني: أيقول الإنسان ذلك ولا يتذكر النشأة الأولى، حتى لا ينكر النشأة الأخرى، فإن تلك أدلّ على قدرة الخالق، والخلق الأول أدلّ حيث أخرج الجواهر والأعراض من العدم إلى الوجود، وأما الثانية بعد الموت فليس فيها إلا تأليف الأجزاء الموجودة وردّها إلى ما كانت عليه مجموعة بعد التفريق، يذكّر الله الإنسان بالبداءة كدليل على الإعادة يعني: أنه تعالى قد خلق الإنسان ولم يك شيئا أفلا يعيده وقد صار شيئا وفي قوله تعالى أَوَلا يَذْكُرُ إشارة إلى أن موضوع الإيمان باليوم الآخر من البداهة بحيث يكفي حتى بتيقنه الإنسان أن يتذكر
стр. 3135
بدهيات قريبة جدا. ومن ثم لم يذكر الله إلا آية واحدة في الرد، ثم انتقل السياق إلى الإنذار ثم التبشير:
فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ أي: الكفار المنكرين للبعث وَالشَّياطِينَ أي مع الشياطين أي يحشرون مع قرنائهم من الشياطين الذين أغووهم قال النسفي: يقرن كل كافر مع شيطان في سلسلة ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا أي باركين على الركب، أي يعتلون من المحشر إلى شاطئ جهنم عتلا، على حالهم التي كانوا عليها في الموقف، جثاة على ركبهم غير مشاة على أقدامهم
ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أي طائفة شايعت أي تبعت غاويا من الغواة أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا أي جرأة أو فجورا، أي لنخرجن من كل طائفة من طوائف الغي أعتاهم فأعتاهم، فإذا اجتمعوا طرحناهم في النار على الترتيب، نقدم أولاهم بالعذاب فأولاهم. قال ابن مسعود: يحبس الأول على الآخر، حتى إذا تكاملت العدة بدأ بالأكابر فالأكابر جرما، وقال قتادة: ثم لننزعن من أهل كل دين قادتهم، ورؤساءهم في الشر
ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا أي أحق بالنار، أي إنه تعالى أعلم بمن يستحق من العباد أن يصلى بنار جهنم ويخلد فيها، وبمن يستحق تضعيف العذاب، أقسم الرب ﵎ بنفسه الكريمة، أنه فاعل بهم ذلك، وفي إقسام الله باسمه مضافا إلى رسوله تفخيم لشأن رسوله ﷺ
وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها أي وما منكم يا بني الإنسان أحد إلا داخلها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا أي كان ورودكم كائنا محتوما
ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ أي وندع الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا أي إذا مر الخلائق كلهم على النار، وسقط من سقط من الكفار والعصاة ذوي المعاصي بحسبهم، نجّى الله تعالى المؤمنين المتقين منها بحسب أعمالهم.
وفي الآية دليل على ورود الكل لأنه قال (وَنَذَرُ) ومذهب أهل السنّة والجماعة أن صاحب الكبيرة قد يعاقب بقدر ذنبه ثم ينجو لا محالة، لا كما قالت المرجئة: إن صاحب الكبيرة لا يعاقب لأنّ المعصية في زعمهم لا تضر مع الإسلام عندهم، ولا كما قالت المعتزلة: إن مرتكب الكبيرة يخلد. قال ابن كثير: فجوازهم على الصراط، وسرعتهم
بقدر أعمالهم التي كانت في الدنيا، ثم يشفعون في أصحاب الكبائر من المؤمنين، فيشفع الملائكة والنبيون والمؤمنون، فيخرجون خلقا كثيرا قد أكلتهم النار، إلا دارات وجوههم، وهي مواضع السجود، وإخراجهم من النار بحسب ما في قلوبهم من الإيمان، فيخرجون أولا من كان في قلبه مثقال دينار من إيمان، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه حتى يخرجون من كان في قلبه أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان، ثم يخرج الله من النار
стр. 3136
من قال يوما من الدهر: لا إله إلا الله، وإن لم يعمل خيرا قط، ولا يبقى في النار إلا من وجب عليه الخلود، كما وردت بذلك الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ ولهذا قال تعالى ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا.
كلمة في السياق:
رأينا في هذه الآيات موقفا للكافرين، وردا عليه، وإنذارا لهم، وتبشيرا للمتقين، ومجئ هذه الآيات بعد ما مرّ من السورة فيه إشارة إلى أن سبب الكفر والظلم، وترك الواجبات، واتباع الشهوات هو الكفر باليوم الآخر، فإذا تذكرنا محور السورة: كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ
رأينا واحدا من المواقف التي كان عليها الناس، والآن تسجل السورة علة أخرى من علل البشرية الصادة لها عن دين الله، إنّها تسجّل حالة عجيبة للنفس البشرية عند ما تقام عليها الحجة فتفر من الحق، إلى ما سواه، والعجيب أن الكافرين يزعمون أن المؤمنين لا يحكّمون عقولهم
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا أي القرآن أو الحجج والبراهين بَيِّناتٍ أي ظاهرات الإعجاز، أو واضحات الحجج والبراهين، فبدلا من أن يؤمنوا بها يفرون منها، ويعارضونها لا بالحجة بل بالاستدلال الفاسد، بأن حال الكافرين في الدنيا خير من حال المؤمنين قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أي عن الذين آمنوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ المؤمنين أو الكافرين خَيْرٌ مَقاماً أي أحسن منازل وأرفع دورا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا وأحسن مجلسا يجتمع القوم فيه للمشاورة. والندي: هو مجتمع الرجال للحديث، يفتخرون بناديهم أنه أعمر وأكثر واردا أو طارقا، يعنون: فكيف نكون ونحن بهذه المثابة على باطل؟! وأولئك الأقل والأفقر على حق؟! كأن ذلك هو العلامة على الحق والباطل، وليس الأمر كذلك. ولذلك قال تعالى في الرد عليهم:
وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ أي أهل عصر، أي كثيرا من القرون أهلكنا هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً أي متاعا وَرِءْياً أي منظرا وهيئة. أي كانوا أحسن من هؤلاء أموالا، وأمتعة ومناظر وأشكالا، فلو كان متاع الدنيا ونعيمها علامة على رضى الله، أو علامة على كون الإنسان على حق لما أخذ أولئك. فالدنيا يعطيها الله من أحب ومن لا يحب، وقد يمنعها من يحب، ويعطيها من لا يحب. وبعد أن يرد الله على منطق الكافرين هذا يأمر رسوله ﷺ أن يذكر سنته في الكافرين والمؤمنين، في صيغة إنذار
стр. 3137
للكافرين وتبشير للمؤمنين:
قُلْ يا محمد لهؤلاء المشركين بربهم، المدّعين أنهّم على حق، وأنكم على الباطل مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا فهذا دعاء على الضال من الفريقين أي: فليمدّه في طغيانه، هكذا قرّر ذلك ابن جرير. فهذه مباهلة للمشركين الذين يزعمون أنهم على هدى فيما هم فيه، هذا اتجاه. والاتجاه الآخر في الآية تقديره:
من كفر مدّ له الرحمن أي: أمهله وأملى له في العمر ليزداد طغيانا، وإنما أخرج على لفظ الأمر إيذانا بوجوب ذلك، وأنه مفعول لا محالة، وعلى الاتجاه الثاني يكون ذلك تهديدا للكافرين، وإنذارا لهم، وإقامة حجة عليهم، بأن إعطاء الدنيا لا يعني شيئا في موضوع الحق والضلال، ولذلك فمن سنة الله أن يمدّ لأعدائه ثم بيّن الله حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ إذن وقتذاك يكون العلم الحقيقي، من هم أهل الباطل، ومن هم أهل الحق مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً أي منزلا وَأَضْعَفُ جُنْداً أي أعوانا وأنصارا، هم أو المؤمنون؟ والعذاب الذي أوعد به الكافرين هو العذاب الرباني المباشر لهم في الدنيا، أو العذاب بأيدي المؤمنين قتلا أو أسرا، كما قال تعالى قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ (التوبة: ١٤) والمراد بالساعة: القيامة، وما ينالهم فيها من الخزي والنكال، فعند العذاب، أو الساعة يعلمون أن الأمر على عكس ما قدّروه، وأنهم شرّ مكانا وأضعف جندا، لا خير مقاما وأحسن نديا. والمعنى: إن الذين في الضلالة ممدود لهم في ضلالتهم، لا ينفكون عن ضلالتهم إلى أن يعاينوا نصرة الله المؤمنين، أو يشاهدوا الساعة، وعندئذ يعلمون أن موازينهم خاطئة، وأفكارهم ضالة.
ثم بيّن تعالى أنه كما يمد الضالين في ضلالتهم عقوبة، يزيد في هداية المهتدين مكافأة وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً أي ثباتا على الاهتداء، أو يزيدهم يقينا وبصيرة بتوفيقه. ثم قرر تعالى خلاف ما زعموه وما تصوروه وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ أي أعمال الآخرة كلها، أو الصلوات الخمس أو سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله والله أكبر خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً مما يفتخر به الكفار وَخَيْرٌ مَرَدًّا أي مرجعا وعاقبة، وهو رد لمزاعم الكفار إذ يقولون للمؤمنين أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا.
ملاحظة: [حول منطق الكافرين وكونه لا يتغير مع الزمن]
هذا المنطق للكافرين هو منطق أكثر الناس اليوم؛ إذ يحتج كثير من الناس بما عليه الشعوب الأوربية والأمريكية من رخاء على كفرهم، كدليل على أن الإسلام ليس
стр. 3138
حقا، فمنطق الكافرين في كل زمان ومكان واحد.
كلمة في السياق: [حول علة الانحراف الأساسية عن طريق الله وهي الكفر باليوم الآخر]
العلّة الأساسية في الانحراف: هي الكفر باليوم الآخر، فإذا أقيمت الحجة على الناس به، فروا من الحجة، ورفضوا الإسلام بحجة أن الكفر وأهله أجود عيشا وأعظم جاها، وهو منطق أعوج، إذ الغنى والفقر لا يتعلّقان بحق أو باطل. فاللص والغشاش والمرابي قد يكونون أكثر الناس مالا وجاها، فهل يعطي ذلك أفعالهم قيمة عليا؟ فمنطق
الكافرين هذا منطق سفه لا منطق عقل وعلم. وإذ يبطل الله حجتهم وكلامهم فيما مرّ فإنه سيبطل دعوى أخرى لهم فيها سيأتي، إذ يرى بعضهم أن إمداد الله له في الدنيا دليل على كرامته على الله، ومن ثم فإنه حتى في حالة وجود يوم آخر فإنه يزعم أن له كرامة عند الله فيه، وبمثل هذا المنطق يعرض عن الإسلام، ويحارب أهله، ويرفض القرآن. ومن ثم قال تعالى:
...
أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا أي أخبر أيضا بقصة هذا الكافر بالقرآن، واذكر حديثه عقيب أولئك، ونموذج هذا النوع من الناس: العاص بن وائل كما سنرى وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً أي في الآخرة، إن كان هناك آخرة، فردّ الله عليه
أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أي انظر في اللوح المحفوظ فرأى ما زعم أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً أي موثقا أن يؤتيه ذلك، أي أم له عند الله عهد بخطاب مباشر من الله أنه سيؤتيه ذلك، أو له عهد على لسان رسول بأن فعل ما هو عند الله عهد لأهله كالشهادتين والصلاة
كَلَّا كلمة ردع وتنبيه على الخطأ، أي هو مخطئ فيما تصوّره لنفسه، فليرتدع عنه سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ أي من حكمه لنفسه بما يتمناه، وكفره بالله العظيم، وآياته ورسله وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا أي نزيده من العذاب كما زاد في الافتراء والاجتراء
وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ أي من مال وولد، أي يرث الله ماله وولده، أي يسلبهما منه عكس ما قال: إنه يؤتى في الدار الآخرة مالا وولدا، بل في الآخرة يسلب منه الذي كان له في الدنيا وَيَأْتِينا أي يوم القيامة فَرْداً أي لا مال له ولا ولد.
***
стр. 3139
كلمة في السياق:
انتهت المجموعة الثانية من المقطع الثاني بعد أن أقامت الحجة على وجود اليوم الآخر، وأقامت الحجة على منطق الكافرين في زعمهم أن الدنيا هي الميزان، وأقامت الحجة على الزعم بأن الإكرام الدنيوي علامة على إكرام الله الأخروي. وكل ذلك بصيغة التبشير والإنذار
والآن تأتي مجموعة ثالثة لتتحدث عن اتخاذ المشركين آلهة مع الله. فتنذرهم وتحذرهم وتبشر المتقين، ثم تأتي مجموعة رابعة تتحدث عن نسبة الولد إلى الله، فتنذر وتحذر كما سنرى. إن الكفر باليوم الآخر، والشرك بالله، ونسبة الولد إليه، هي محاور الكفر والانحراف الرئيسية التي تعالجها هذه المجموعات وتنذر أصحابها، ومن قبل في المجموعة الأولى من المقطع الثاني عولج ترك الصلوات واتباع الشهوات.
إن هذه القضايا من أهم ما بعث الرسل من أجله، وأنزلت الكتب للحكم فيه.
وهذا القرآن يحكم فيه وكل ذلك بصيغة التبشير والإنذار
تفسير المجموعة الثالثة:
وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً أي أصناما وشركاء يعبدونهم من دون الله لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا أي ليعتزوا بآلهتهم في الدنيا، ويكونوا لهم شفعاء وأنصارا ينقذونهم من العذاب في الآخرة.
ثم أخبر تعالى أنه ليس الأمر كما زعموا ولا يكون ما طمعوا فقال: كَلَّا كلمة ردع تردعهم عما ظنوا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ أي ستجحد يوم القيامة هذه التي اتخذوها آلهة عبادتهم وينكرونها وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا ويكون المعبودون على المشركين خصما على خلاف ما رجوا منهم، ثم عجّب الله رسوله ﷺ من غلبة الشياطين على الكافرين، وسيطرتهم عليهم، مما يشير إلى أنه لا شرك إلا بإغواء الشياطين
أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ أي خليناهم وإياهم، أو سلّطناهم عليهم بالإغواء تَؤُزُّهُمْ أَزًّا أي تغريهم على المعاصي إغراء والأز والهز أخوان ومعناهما التهييج وشدة الإزعاج.
ثم قال تعالى: فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا أي إنما نعد لهم أعمالهم للجزاء، وأنفاسهم للفناء، حتى إذا أتموا العدد المقدر كان الأخذ، أي إنما نؤخّرهم لأجل معدود مضبوط، وهم صائرون لا محالة إلى عذاب الله ونكاله. قال السدي فيها: إنما نعد لهم عدا: السنين، والشهور،
стр. 3140
والأيام، والساعات. وقال ابن عباس فيها: نعدّ لهم أنفاسهم في الدنيا
يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً. قال ابن كثير: والوفد هم القادمون ركبانا، ومنه الوفود، وركوبهم على نجائب من نور من مراكب الدار الآخرة، وهم قادمون على خير موفود إليه، إلى دار كرامته ورضوانه، وأما المجرمون المكذبون للرسل المخالفون لهم فإنهم يساقون عنفا إلى النار عطاشا.
قال تعالى: وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ أي الكافرين، وفي ذكر السوق إشارة إلى أنهم كالأنعام يساقون إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً أي عطاشا، لأن من يرد الماء لا يرده إلا لعطش، وحقيقة الورد: المسير إلى الماء، فيسمى به الواردون فالورد جمع وارد، ذكر المتقون بأنهم يفدون إلى ربهم الذي غمرهم برحمته، كما يفد الوفود على الملوك تبجيلا لهم، والكافرون بأنهم يساقون إلى النار كأنهم نعم عطاش تساق إلى الماء، استخفافا بهم
لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ أي لا يجدون من يشفع لهم، ولا يستطيعون أن يشفعوا لغيرهم، كما يشفع المؤمنون بعضهم لبعض، إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً بأن آمن وشهد ألا إله إلا الله، فهذا يملك أن يشفع بإذن الله أو يشفع له بإذن الله.
تفسير المجموعة الرابعة:
وَقالُوا أي النصارى، وكذلك من زعم أن عزيرا ابن الله، ومن زعم أن الملائكة بنات الله اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً وهو قول لا يقوم عليه دليل، وهو في منتهى الفظاعة؛ ولذلك قال الله تعالى:
لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا أي عجيبا عظيما منكرا
تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ أي يتشققن وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ أي من فظاعة هذا القول، تكاد تنخسف، وتنفصل أجزاؤها وَتَخِرُّ أي تسقط الْجِبالُ هَدًّا أي كسرا أو قطعا، أو هدما، أي يكاد يكون ذلك عند سماعهن هذه المقالة من فجرة بني آدم؛ إعظاما للرب وإجلالا، لأنهن مخلوقات ومؤسسات على توحيده، وأنه لا إله إلا هو وأنه لا شريك له، ولا نظير له، ولا ولد له، ولا صاحبة له، ولا كفء له، بل هو الأحد الصمد، ومن ثم فإنهن يكدن يحدث لهن ما وصف لفظاعة هذا القول:
أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً أي لأن سمّوا لله ولدا
وَما يَنْبَغِي أي وما يصلح وما يتأتى لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً أي لا يصلح له ولا يليق به؛ لجلاله وعظمته أن يتخذ ولدا، وهذا لأن اتخاذ الولد لحاجة، ومجانسة وهو منزه عنهما. قال النسفي: وفي اختصاص الرحمن وتكريره مرات بيان أنه الرحمن وحده، لا يستحق هذا الاسم غيره،
стр. 3141
لأن أصول النعم وفروعها منه، فلينكشف عن بصرك غطاؤه، فأنت وجميع ما عندك عطاؤه، فمن أضاف إليه ولدا فقد جعله كبعض خلقه، وأخرجه بذلك عن استحقاق اسم الرحمن.
إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً أي كل من في السموات والأرض من الملائكة، والناس والجن، إلا وهو يأتي الله يوم القيامة، مقرا له بالعبودية. والعبودية والبنوّة تتنافيان، حتى جعل الله من شريعته أن الأب لو ملك ابنه يعتق عليه فإذا كانت نسبة الجميع إليه العبودية فلا بنوّة
لَقَدْ أَحْصاهُمْ أي حصرهم بعلمه وأحاط بهم وَعَدَّهُمْ عَدًّا أي قد علم عددهم منذ خلقهم إلى يوم القيامة ذكرهم وأنثاهم، وصغيرهم وكبيرهم
وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً أي كل واحد منهم يأتيه يوم القيامة منفردا بلا مال، أو بلا معين، ولا ناصر، وإذ كان هذا شأنه، وإذ كان كل الخلق هذا حالهم، فكيف ينسبون إلى الله الولد.
وهكذا عالجت السورة أهم قضايا الضلال بأسلوب التبشير والإنذار.
ثمّ تأتي آية تبشر المؤمنين ببشارة عظيمة: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا أي مودة في قلوب العباد. قال ابن كثير: (أي يغرس لهم في قلوب عباده الصالحين محبة ومودة، وهذا أمر لا بد منه، ولا محيد عنه، وقد وردت بذلك الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ من غير وجه). وسنراها في الفوائد وبعد أن بشّر الله المؤمنين هذه البشارة، تأتي آية لتذكر أن حكمة إنزال القرآن هي التبشير والإنذار:
فَإِنَّما يَسَّرْناهُ أي سهّلنا هذا القرآن بِلِسانِكَ أي بلغتك لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ المؤمنين وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا أي قوما شدادا في الخصومة بالباطل ثم أنذرهم بآية أخيرة في السورة:
وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ أي من أمة كفروا بآيات الله وكذّبوا رسله هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أي هل تجد أو ترى أو تعلم، إذ الإحساس الإدراك بالحاسة أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً أي صوتا خفيا أي لمّا أتاهم عذابنا لم يبق شخص يرى، ولا صوت يسمع، يعني هلكوا كلهم: فليحذر هؤلاء إن أعرضوا عن تدبر ما أنزل عليك أن يصيبهم ما أصاب غيرهم. وهكذا أكّدت السورة أن هذا القرآن أنزله الله مبشرا ومنذرا، وأرتنا السورة أنواعا من التبشير، وأنواعا من الإنذار.
***
стр. 3142
كلمة في السياق: [حول مدى تفصيل سورة مريم في محورها]
رأينا أن سورة مريم محورها آية البقرة كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ....
فلنر كيف فصلت السورة هذا المحور، وكيف خدمت حيّزه، وهو موضوع الدخول في الإسلام كله:
١ - كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ أي أصبح الناس كفارا فبعث الله مبشرين ومنذرين. وقد أصبح الناس كفارا قبل بعثة محمد ﷺ فبعث الله محمدا ﷺ بشيرا ونذيرا بالقرآن المبشر المنذر، فسورة مريم فصلت لنا قصص نبيين بشروا وأنذروا، ولقد بشرت وأنذرت من كفر باليوم الآخر، ومن أشرك، ومن جعل لله ولدا، ومن أضاع الصلوات واتبع الشهوات، وبشرت المتقين بكرامتهم يوم يحشرون، وبخروجهم من النار يوم يعبرون بالمودة لهم في قلوب المؤمنين، أنذرت بالنار، وبالإهانة والذلة يوم القيامة وأنذرت بعذاب الله في الدنيا.
٢ - وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ. وهذا القرآن أنزله الله بالحق، ليحكم بين الناس جميعا في كل قضية حدث فيها خلاف، ومن ذلك اختلاف أهل الكتاب.
٣ - فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ فمن اهتدى بهذا القرآن فقد اهتدى إلى الصراط المستقيم.
فسورة مريم نموذج لبعثة الله الرسل وأسبابها وأحوالها والحاجة إليها.
ملاحظة: [حول مدى تحقيق ما وقع للأمم السابقة]
إن أهم ما نلفت إليه نظر المسلم هو أن كثيرا من هذه الأمة وقع فيما وقعت فيه الأمم الأخرى، من ترك الصلوات، واتباع الشهوات فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ
وهم مع ذلك يعيشون على الدعوى والادعاء والأماني. وقد فتح الله لأمثال هؤلاء باب الرحمة إذا تابوا وآمنوا وعملوا الصالحات. وفي قوله تعالى بعد هذه الآيات:
стр. 3143
وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا* رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ.
ما يفيد التسليم لله في أمر الوحي مع الإقبال عليه في العبادة، فإن ذلك هو الشئ المكافئ لمواقف المشركين والكافرين والملحدين والمنحرفين.
...
والآن فلنتساءل كيف خدمت سورة مريم حيّز ما ورد فيه محورها من سورة البقرة وهو موضوع الدخول في الإسلام كافة.
إن السورة خدمت هذا الموضوع: من خلال عرض حال المنحرفين وتقويمهم، ومن خلال عرض علل الانحراف وتسفيهها ومن خلال الوعد بأن الذين يلتزمون بالإسلام سيجعل الله لهم القبول، ومن خلال التبشير والإنذار.
فوائد:
١ - [حديث قدسي بمناسبة آية وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا ما مِتُّ ... ]
بمناسبة قوله تعالى: وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا يذكر ابن كثير الحديث الصحيح القدسي وهو:
«يقول الله تعالى كذبني ابن آدم ولم يكن له أن يكذبني، وآذاني ابن آدم ولم يكن له أن يؤذيني، أما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون عليّ من آخره وأما أذاه إياي فقوله: إن لي ولدا، وأنا الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد».
٢ - [أحاديث وآثار حول قوله تعالى وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها .. ]
وبمناسبة قوله تعالى: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها يذكر ابن كثير آثارا عن السلف في معناها وأحاديث توضحها:
ومما ذكره:
روى الإمام أحمد ... عن ابن مسعود وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها قال رسول الله ﷺ : «يرد الناس كلهم ثم يصدرون عنها بأعمالهم». وقد رواه أسباط، عن السدي عن مرة، عن عبد الله بن مسعود قال: «يرد الناس جميعا الصراط، وورودهم قيامهم حول النار، ثم يصدرون عن الصراط بأعمالهم، فمنهم من يمر مثل البرق، ومنهم من يمر مثل الريح، ومنهم من يمر مثل الطير، ومنهم من يمر كأجود الإبل، ومنهم من يمر
стр. 3144
كعدو الرجل، حتى إن آخرهم مرّا نوره على موضع إبهامي قدميه، يمر فيتكفأ به الصراط، والصراط دحض مزلة، عليه حسك كحسك القتاد حافتاه ملائكة، معهم كلاليب من النار يخطفون بها الناس» وذكر تمام الحديث. وروى ابن جرير .. عن عبد الله قوله وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها قال «الصراط على جهنم مثل حد السيف، فتمر الطبقة الأولى كالبرق، والثانية كالريح، والثالثة كأجود الخيل، والرابعة كأجود البهائم، ثم يمرون، والملائكة يقولون: اللهم سلم سلم» ولهذا شواهد في الصحيحين وغيرهما من رواية أنس، وأبي سعيد، وأبي هريرة، وجابر وغيرهم من الصحابة ﵃ ..
وروى الإمام أحمد ... عن حفصة قالت: قال رسول الله ﷺ : «إني لأرجو أن لا يدخل النار- إن شاء الله- أحد شهد بدرا والحديبية» قالت: فقلت: أليس يقول:
وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها قالت: فسمعته يقول: ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا. وروى أحمد أيضا ... عن أم مبشر- امرأة زيد بن حارثة- قالت: كان رسول الله ﷺ في بيت حفصة فقال: «لا يدخل النار أحد شهد بدرا أو الحديبية» قالت حفصة: أليس الله يقول: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها فقال رسول الله ﷺ : ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا الآية. وفي الصحيحين من حديث الزهري عن سعيد عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد تمسّه النار إلا تحلة القسم».
وروى عبد الرزاق ... عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «ومن مات له ثلاثة لم تمسه النار إلا تحلة القسم» يعني الورود. وروى أبو داود الطيالسي .. عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يموت لمسلم ثلاثة من الولد فتمسّه النار إلا تحلة القسم» قال الزهري كأنه يريد هذه الآية وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا ...
وروى الإمام أحمد ... عن أنس الجهني عن رسول الله ﷺ : «من قرأ قل هو الله أحد حتى يختمها عشر مرات بنى الله له قصرا في الجنة» فقال عمر: إذا نستكثر يا رسول الله فقال رسول الله ﷺ : «الله أكثر وأطيب». وقال رسول الله ﷺ : «من قرأ ألف آية في سبيل الله، كتب يوم القيامة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا- إن شاء الله- ومن حرس من وراء المسلمين في سبيل الله متطوعا لا بأجر لم ير النار إلا تحلة القسم». قال الله تعالى وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها وإن الذكر في سبيل
стр. 3145
الله يضاعف فوق النفقة بسبعمائة ضعف، وفي رواية بسبعمائة ألف ضعف، وروى أبو داود ... عن سهل عن أبيه عن رسول الله ﷺ : «إن الصلاة عليّ، والصيام والذكر، يضاعف النفقة في سبيل الله، بسبعمائة ضعف». وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها قال هو الممرّ عليها. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها قال: ورود المسلمين المرور على الجسر بين ظهرانيها، ومرور المشركين أن يدخلوها وقال النبي ﷺ : «الزالون والزالات يومئذ كثير، وقد أحاط بالجسر يومئذ سماطان من الملائكة دعاؤهم يا الله سلّم سلّم».
٣ - [سبب نزول قوله تعالى وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ .. ]
وفي سبب نزول قوله تعالى: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا قال قتادة ومجاهد والضحاك: لما رأوا أصحاب محمد ﷺ في عيشهم خشونة، وفيهم قشافة، فعرض أهل الشرك ما تسمعون أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا.
٤ - [حول تفسير الباقيات الصالحات الواردة في سورة مريم ﵍]
مر معنا في سورة الكهف فائدة طويلة حول تفسير الباقيات الصالحات وبمناسبة قوله تعالى في سورة مريم: وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ مَرَدًّا.
ذكر ابن كثير ما أخرجه عبد الرزاق قال:
روى عبد الرزاق ... عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: جاء رسول الله ﷺ ذات يوم فأخذ عودا يابسا فحط ورقه ثم قال: «إن قول لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، تحط الخطايا كما تحط ورق هذه الشجرة الريح، خذهنّ يا أبا الدرداء قبل أن يحال بينك وبينهن، الباقيات الصالحات، وهن من كنوز الجنة» قال أبو سلمة فكان أبو الدرداء إذا ذكر هذا الحديث قال: لأهلّلنّ الله، ولأكبرنّ الله، ولأسبحنّ الله، حتى إذا رآني الجاهل حسب أني مجنون وهذا ظاهره أنه مرسل، ولكن قد يكون من رواية أبي سلمة عن أبي الدرداء والله أعلم، وهكذا وقع في سنن ابن ماجه من حديث أبي معاوية عن عمر ابن يحيى عن أبي سلمة عن أبي الدرداء فذكر نحوه.
٥ - [سبب نزول قوله تعالى أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ .. ]
وفي سبب نزول قوله تعالى: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً ذكر ابن كثير ما يلي:
«روى الإمام أحمد ... عن خباب بن الأرتّ قال: كنت رجلا قينا، وكان لي على العاص بن وائل دين فأتيته أتقاضاه منه فقال: لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد فقلت: لا والله لا أكفر بمحمد ﷺ حتى تموت، ثم تبعث، قال: فإني إذا مت ثم
стр. 3146
بعثت جئتني ولي ثمّ مال وولد فأعطيتك. فأنزل الله أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً إلى قوله وَيَأْتِينا فَرْداً أخرجه صاحبا الصحيح وغيرهما من غير وجه عن الأعمش به، وفي لفظ البخاري كنت قينا بمكة فعملت للعاص بن وائل سيفا فجئت أتقاضاه. فذكر الحديث، وقال أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً قال: موثقا.
وروى عبد الرزاق ... عن مسروق قال: قال خباب بن الأرتّ: كنت قينا بمكة فكنت أعمل للعاص بن وائل، فاجتمعت لي عليه دراهم، فجئت لأتقاضاه، فقال لي: لا أقضيك حتى تكفر بمحمد، فقلت: لا أكفر بمحمد حتى تموت، ثم تبعث، قال: فإذا بعثت كان لي مال وولد قال: فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فأنزل الله أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا الآيات، وقال العوفي عن ابن عباس: إن رجالا من أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يطلبون العاص بن وائل السهمي بدين، فأتوه يتقاضونه فقال: ألستم تزعمون أن في الجنة ذهبا وفضة وحريرا، ومن كل الثمرات؟ قالوا: بلى. قال: فإن موعدكم الآخرة، فو الله لأوتين مالا وولدا، ولأوتين مثل كتابكم الذي جئتم به، فضرب الله مثله في القرآن فقال: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا إلى قوله وَيَأْتِينا فَرْداً وهكذا قال مجاهد وقتادة وغيرهم إنها نزلت في العاص بن وائل».
٦ - [آثار بمناسبة قوله تعالى يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً .. ]
وفي تفسير قوله تعالى: يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً ذكر ابن كثير آثارا كثيرة: قال:
«روى ابن أبي حاتم ... عن ابن مرزوق يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً قال:
يستقبل المؤمن عند خروجه من قبره أحسن صورة رآها وأطيبها ريحا، فيقول: من أنت؟
فيقول: أما تعرفني؟ فيقول: لا، إلا أن الله قد طيّب ريحك وحسّن وجهك فيقول: أنا عملك الصالح وهكذا كنت في الدنيا، حسن العمل طيبه، فطالما ركبتك في الدنيا، فهلم اركبني فيركبه فذلك قوله يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً قال: ركبانا، وروى ابن جرير ... عن أبي هريرة يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً قال: على الإبل. وقال ابن جريج على النجائب، وقال الثوري على الإبل النوق، وقال قتادة يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً قال: إلى الجنة وأخرج عبد الله بن الإمام أحمد في مسند أبيه ... عن النعمان بن سعيد قال: كنا جلوسا عند عليّ ﵁ فقرأ هذه الآية يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً قال: لا والله ما على أرجلهم يحشرون، ولا يحشر الوفد على
стр. 3147
أرجلهم ولكن نوق، لم ير الخلائق مثلها، عليها رحائل من ذهب، فيركبون عليها، حتى يضربوا أبواب الجنة وهكذا رواه ابن أبي حاتم، وابن جرير من حديث عبد الرحمن ابن إسحاق المدني به، وزاد: عليها رحائل الذهب وأزمتها الزبرجد. والباقي مثله.
٧ - [كلام ابن كثير عند آية لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلَّا ... ]
وبمناسبة قوله تعالى: لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً يذكر ابن كثير ما أخرجه ابن ابن حاتم بسنده عن الأسود بن يزيد قال: قرأ عبد الله يعني ابن مسعود هذه الآية إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً ثم قال: اتخذوا عند الله عهدا، فإن الله يقول يوم القيامة: من كان له عند الله عهد فليقم، قالوا: يا أبا عبد الرحمن فعلّمنا قال: قولوا: اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، فإني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا، أنك إن تكلني إلى عملي يقربني من الشر ويباعدني من الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك، فاجعل لي عندك عهدا تؤديه إليّ يوم القيامة، إنك لا تخلف الميعاد.
قال المسعودي: فحدثني زكريا عن القاسم بن عبد الرحمن: أخبرنا ابن مسعود وكان يلحق بهنّ: خائفا مستجيرا مستغفرا راهبا راغبا إليك. ثم رواه من وجه آخر عن المسعودي بنحوه.
٨ - [ملاحظة حول سير القصص القرآني لخدمة معنى معين]
يلاحظ أن سورة مريم بدأت بقصة زكريا، التي هي مقدمة لقصة مريم، التي قرر الله تعالى فيها عبودية عيسى ﵇، وكونه خلق عيسى من مريم بلا أب، وبعد سياق طويل، وقبيل ختم السورة، أنكر الله أشد الإنكار على من نسب لله الولد فقال: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا ... وكأن هذا يفيد أن القضية الرئيسية في السورة هي هذه القضية.
٩ - [حديثان بمناسبة قوله تعالى وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً]
بمناسبة قوله تعالى: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً يذكّر ابن كثير بحديثين:
الأول رواه ابن جرير وهو: قال رسول الله ﷺ : «لقنوا موتاكم شهادة أن لا إله إلا الله، فمن قالها عند موته وجبت له الجنة». فقالوا: يا رسول الله فمن قالها في صحته؟ قال تلك أوجب وأوجب، ثم قال: «والذي نفسي بيده لو جيء بالسماوات والأرضين وما فيهن، وما بينهن وما تحتهن فوضعن في كفة الميزان، ووضعت شهادة أن لا إله إلا الله في الكفة الأخرى لرجحت بهن».
والثانى رواه الإمام أحمد عن أبي موسى ﵁ وهو في الصحيحين- قال:
стр. 3148
قال رسول الله ﷺ : «لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، أن يشرك به، ويجعل له ولد، وهو يعافيهم ويدفع عنهم ويرزقهم».
١٠ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا]
وبمناسبة قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا يذكر ابن كثير الحديث الذي رواه أحمد والبخاري ومسلم «إن الله إذا أحب عبدا دعا جبريل فقال: يا جبريل إني أحب فلانا فأحبه، قال: فيحبه جبريل، قال: ثم ينادي في أهل السماء، إن الله يحب فلانا فأحبوه قال: فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض، وإن الله إذا أبغض عبدا دعا جبريل فقال: يا جبريل إني أبغض فلانا فأبغضه قال: فيبغضه جبريل. ثم ينادي في أهل السماء، إن الله يبغض فلانا فأبغضوه. قال: فيبغضه أهل السماء ثم يوضع له البغضاء في الأرض».
وبعد مجموعة روايات حول المعنى نفسه يذكر رواية أخرى ويتبعها بأقوال للسلف حول هذا الموضوع. قال:
روى ابن أبي حاتم ... عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: إذا أحب الله عبدا نادى جبريل إني قد أحببت فلانا فأحبه، فينادى في السماء، ثم ينزل له المحبة في أهل الأرض فذلك قول الله : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا رواه مسلم والترمذي كلاهما عن عبد الرحمن عن قتيبة عن الدراوردي به، وقال الترمذي حسن صحيح، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا قال: حبا. وقال مجاهد عنه سيجعل لهم الرحمن ودا. قال: محبة في الناس في الدنيا. وقال سعيد بن جبير عنه: يحبهم ويحببهم يعني إلى خلقه المؤمنين، كما قال مجاهد أيضا والضحاك وغيرهم، وقال العوفي عن ابن عباس أيضا: الودّ من المسلمين في الدنيا والرزق الحسن واللسان الصادق، وقال قتادة: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا إي والله في قلوب أهل الإيمان، وذكر لنا أن هرم بن حيان كان يقول: ما أقبل عبد بقلبه إلى الله إلا أقبل الله بقلوب المؤمنين إليه، حتى يرزقه مودتهم ورحمتهم، وقال قتادة: وكان عثمان بن عفان ﵁ يقول: ما من عبد يعمل خيرا أو شرا إلا كساه الله رداء عمله، وروى ابن أبي حاتم ﵀ ... عن الحسن البصري ﵀ قال:
قال رجل والله لأعبدن الله عبادة أذكر بها، فكان لا يرى في حين صلاة إلا قائما يصلي، وكان أول داخل إلى المسجد وآخر خارج، فكان لا يعظم، فمكث بذلك سبعة
стр. 3149
أشهر، وكان لا يمر على قوم إلا قالوا: انظروا إلى هذا المرائي، فأقبل على نفسه فقال:
لا أراني أذكر إلا بشر، لأجعلن عملي كله لله ، فلم يزد على أن قلب نيته، ولم يزد على العمل الذي كان يعمله، فكان يمر بعد بالقوم فيقولون: رحم الله فلانا الآن، وتلا الحسن إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا وقد روى ابن جرير أثرا «أن هذه الآية نزلت في هجرة عبد الرحمن بن عوف» وهو خطأ فإن هذه السورة بكمالها مكية، لم ينزل منها شئ بعد الهجرة، ولم يصح سند ذلك والله أعلم.
كلمة في سورة مريم ومجموعتها:
رأينا أنه بسورة مريم اختتمت المجموعة الثانية من القسم الثاني من أقسام القرآن، ورأينا أن هذه المجموعة تألفت من خمس سور: الأولى منها كالمقدمة للسور الأربع الأخيرة. ورأينا أن السور الأربع الأخيرة قد فصّلت الآيات الواردة في حيّز قوله تعالى ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ففصّلتها، وخدمت موضوع الدخول في السلّم كافة.
فإذا تذكّرنا أن سورة البقرة نزلت في المدينة، وأن هذه السور الخمس نزلت في مكة، ثمّ رأينا مثل هذا الترتيب العجيب، والتفصيل المدهش، والتناسق الكامل.
والتنسيق بين سور القرآن بما يخدم بعضه بعضا، أدركنا أن مثل هذا لا يمكن أن يكون، لولا أن هذا القرآن كتاب الله رب العالمين.
وبهذا نختتم الكلام عن المجموعة الثانية من القسم الثاني من أقسام القرآن، ولننتقل إلى المجموعة الثالثة والأخيرة من القسم الثاني من قسم المئين.
***
стр. 3150
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم
стр. 3151
المجموعة الثالثة والأخيرة من قسم المئين وهو القسم الثاني من أقسام القرآن
وتشمل سور (طه، الأنبياء، الحج، المؤمنون، النور، الفرقان، الشعراء، النمل، القصص)
كلمة حول هذه المجموعة:
بهذه المجموعة ينتهي قسم المئين، وهو القسم الثاني من أقسام القرآن، ويتألف من ثلاث مجموعات:
المجموعة الأولى: فصلت في سورة البقرة من أولها إلى آخرها، ثم جاءت المجموعة الثانية ففصلت في سورة البقرة من أولها إلى آخرها، ثم جاءت هذه المجموعة لتفصل كذلك في سورة البقرة من أولها إلى آخرها، وكأن هذه المجموعات الثلاث، ثلاث موجات، كل منها تندفع لتغطي قطاعا من الأرض، وهكذا موجة بعد موجة. وقد رأينا كيف غطت المجموعتان السابقتان سورة البقرة، وكيف فصلتا آيات فيها مع امتدادات معاني هذه الآيات، وها هي المجموعة الثالثة تفعل الشئ نفسه.
تأتي سورة طه- كما سنرى- لتفصل معنى موجودا في الآيات الخمس الأولى من البقرة وهي: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ* وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ* أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.
وتأتي سورة الأنبياء لتفصل معنى موجودا في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ
وتأتي سورة الحج لتفصل معنى موجودا في قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ* الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ*
стр. 3152
وتأتي سورة المؤمنون لتفصل معاني موجودة في قوله تعالى: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ* إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ* الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ* كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ* هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ*
ثم تأتي سورة النور لتفصل قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.
ثم تأتي سورة الفرقان لتفصل قوله تعالى: كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.
وتأتي سورة الشعراء والنمل والقصص لتفصل معاني موجودة في قوله تعالى: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ
وسنرى بالتفصيل كيف أن كل سورة فصلت ما ذكرناه، وكما قلنا من قبل في وصف المجموعات السابقة فإنك لو نظرت إلى الآيات من سورة البقرة التي فصلتها هذه المجموعة من السور، لرأيتها مترابطة مع بعضها يكمل بعضها بعضا، ويأخذ بعضها بحجز بعض.
ويلاحظ أن المجموعة تبتدئ بسورة مبدوءة ب (طه) وتنتهي بثلاث سور مبدوءة على الترتيب ب (طسم) و (طس) و (طسم).
стр. 3153
إن وجود الحرف (ط) في بداية أول سورة من المجموعة، ووجوده في بدايات السور الأخيرة منها، ثم عدم تكراره مرة أخرى في أوائل السور، يوحي بأن هذه السور مجموعة واحدة. ووجود الحرف (ميم) بعد الطاء والسين في سورة الشعراء، والقصص، يوحي بالصلة بسورة البقرة المبدوءة ب (الم)، والابتداء بحرف (الطاء) بينما سورة يونس بدأت بالألف، وسورة البقرة بدأت بالألف، يوحي بأن هذه المجموعة ليست بداية قسم وإنما هي متأخرة عن بدايته، وقد رأينا من خلال المعاني أنها المجموعة الثالثة والأخيرة من القسم الثاني، ثم إنه بعد هذه المجموعة تأتي أربع سور كلها مبدوءة ب (الم) * نفس الأحرف التي بدأت بها سورة البقرة؛ مما يوحي بقوة أن ما بعد هذه المجموعة قسم جديد، فتكون هذه نهاية قسم.
وكما قلنا من قبل: فإنه ليس أمامنا في هذا النوع من الكلام إلا معالم يستأنس بها، وإلا انسجام المعاني مع ما نذكره دون تكلف، ولعل هذا وهذا كافيان للتدليل على أن اتجاهنا في فهم فهم الوحدة القرآنية، والسياق القرآني صحيح.
***
стр. 3154
سورة طه
وهي السورة العشرون بحسب الرسم القرآني وهي السورة الأولى من المجموعة الثالثة من قسم المئين، وآياتها مائة وخمس وثلاثون آية وهي مكية
стр. 3155
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم