← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.

стр. 3151

المجموعة الثالثة والأخيرة من قسم المئين وهو القسم الثاني من أقسام القرآن وتشمل سور (طه، الأنبياء، الحج، المؤمنون، النور، الفرقان، الشعراء، النمل، القصص) كلمة حول هذه المجموعة: بهذه المجموعة ينتهي قسم المئين، وهو القسم الثاني من أقسام القرآن، ويتألف من ثلاث مجموعات: المجموعة الأولى: فصلت في سورة البقرة من أولها إلى آخرها، ثم جاءت المجموعة الثانية ففصلت في سورة البقرة من أولها إلى آخرها، ثم جاءت هذه المجموعة لتفصل كذلك في سورة البقرة من أولها إلى آخرها، وكأن هذه المجموعات الثلاث، ثلاث موجات، كل منها تندفع لتغطي قطاعا من الأرض، وهكذا موجة بعد موجة. وقد رأينا كيف غطت المجموعتان السابقتان سورة البقرة، وكيف فصلتا آيات فيها مع امتدادات معاني هذه الآيات، وها هي المجموعة الثالثة تفعل الشئ نفسه. تأتي سورة طه- كما سنرى- لتفصل معنى موجودا في الآيات الخمس الأولى من البقرة وهي: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ* وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ* أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وتأتي سورة الأنبياء لتفصل معنى موجودا في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ وتأتي سورة الحج لتفصل معنى موجودا في قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ* الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ*

стр. 3152

وتأتي سورة المؤمنون لتفصل معاني موجودة في قوله تعالى: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ* إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ* الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ* كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ* هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ* ثم تأتي سورة النور لتفصل قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. ثم تأتي سورة الفرقان لتفصل قوله تعالى: كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. وتأتي سورة الشعراء والنمل والقصص لتفصل معاني موجودة في قوله تعالى: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ وسنرى بالتفصيل كيف أن كل سورة فصلت ما ذكرناه، وكما قلنا من قبل في وصف المجموعات السابقة فإنك لو نظرت إلى الآيات من سورة البقرة التي فصلتها هذه المجموعة من السور، لرأيتها مترابطة مع بعضها يكمل بعضها بعضا، ويأخذ بعضها بحجز بعض. ويلاحظ أن المجموعة تبتدئ بسورة مبدوءة ب (طه) وتنتهي بثلاث سور مبدوءة على الترتيب ب (طسم) و (طس) و (طسم).

стр. 3153

إن وجود الحرف (ط) في بداية أول سورة من المجموعة، ووجوده في بدايات السور الأخيرة منها، ثم عدم تكراره مرة أخرى في أوائل السور، يوحي بأن هذه السور مجموعة واحدة. ووجود الحرف (ميم) بعد الطاء والسين في سورة الشعراء، والقصص، يوحي بالصلة بسورة البقرة المبدوءة ب (الم)، والابتداء بحرف (الطاء) بينما سورة يونس بدأت بالألف، وسورة البقرة بدأت بالألف، يوحي بأن هذه المجموعة ليست بداية قسم وإنما هي متأخرة عن بدايته، وقد رأينا من خلال المعاني أنها المجموعة الثالثة والأخيرة من القسم الثاني، ثم إنه بعد هذه المجموعة تأتي أربع سور كلها مبدوءة ب (الم) * نفس الأحرف التي بدأت بها سورة البقرة؛ مما يوحي بقوة أن ما بعد هذه المجموعة قسم جديد، فتكون هذه نهاية قسم. وكما قلنا من قبل: فإنه ليس أمامنا في هذا النوع من الكلام إلا معالم يستأنس بها، وإلا انسجام المعاني مع ما نذكره دون تكلف، ولعل هذا وهذا كافيان للتدليل على أن اتجاهنا في فهم فهم الوحدة القرآنية، والسياق القرآني صحيح. ***

стр. 3154

سورة طه وهي السورة العشرون بحسب الرسم القرآني وهي السورة الأولى من المجموعة الثالثة من قسم المئين، وآياتها مائة وخمس وثلاثون آية وهي مكية

стр. 3155

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم

стр. 3156

كلمة في سورة طه ومحورها: لاحظنا أن سورة آل عمران قد فصلت الآيات الخمس الأولى من سورة البقرة، واستدللنا على ذلك، بأن سورة آل عمران بدئت ب (الم) وانتهت بقوله تعالى (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) كما أن الآيات الخمس الأولى من سورة البقرة بدأت بقوله تعالى الم وانتهت بذكر كلمة الفلاح وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. ونجد الآن ظاهرة مشابهة في سورة طه، فإنها تبتدئ بقوله تعالى: طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى وتنتهي بقوله تعالى قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى لاحظ كلمة (أنزلنا) في بدايتها، وكلمة (اهتدى) في نهايتها، وتأمل الآيات الأولى من سورة البقرة: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ* وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ* أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ* لاحظ كلمة بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وكلمة أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ لترى الصلة واضحة بين سورة طه، وبين الآيات الخمس الأولى من سورة البقرة. فإذا نظرنا إلى مضمون السورة، وإلى كونها تقص علينا من نبأ موسى ﵇، وإلى قوله تعالى فيها كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً* مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْراً .. وإلى قوله تعالى فيها: وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً وصلة ذلك كله بقوله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ. وإذا نظرنا إلى قوله تعالى: فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى وصلة ذلك بقوله تعالى أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وإلى وجود قوله تعالى: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها وصلة ذلك بإقامة الصلاة. فإننا لم نبعد إذا قلنا إن محور سورة طه هو الآيات الخمس الأولى من سورة البقرة وقد كنا رأينا من قبل أنه عند ما تفصل سورة ما (مكانا) من سورة البقرة فليس معنى هذا أن تفصله كله، بل قد تفصل جزءا منه، لأن جزءا منه قد تفصله سورة أخرى، أو

стр. 3157

لأن جزءا منه لا يحتاج لتكرار. وقد رأينا حتى الآن أن الآيات الخمس الأولى من سورة البقرة فصلتها سورة آل عمران نوع تفصيل. ثم جاءت سورة يونس ففصلت الآية الأولى منها نوع تفصيل، والآن تأتي سورة طه لينصب تفصيلها على الآية الرابعة والخامسة بشكل مباشر أي على قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ* أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ*. وسنرى في القسم الثالث من أقسام القرآن- قسم المثاني- كيف أن سورا كاملة تفصل الآية الثالثة من هذه الآيات الخمس، أو تفصل الآيات الخمس تفصيلا جديدا أو تفصل ما فصلته سورة أخرى، ولكن بشكل آخر، ومعان أخرى، وبأسلوب آخر، وجرس جديد، ومن تأمل مثل هذا فقط، وكيف أن القرآن قد عرض للموضوع الواحد عشرات المرات، كل مرة ضمن سياق خاص، وبجرس خاص، عرف أن مثل هذا لا يدخل ضمن طاقة البشر، ولا علمهم، ولا بيانهم، ولا إمكانياتهم؛ فسبحان الله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد إمام الأولين والآخرين، وسيد المرسلين، الذي خصه الله بهذا القرآن المبين. تتألف السورة من مقدمة، ثم من قصة موسى ﵇ على ثلاثة مراحل، ثم فاصل، ثم قصة آدم ﵇، ثم خاتمة. تتحدث مقدمة السورة عن حكمة إنزال القرآن، وتعرفنا على الله منزل هذا القرآن، ثم تحدثنا عن نبوة موسى ﵇ وجولته الأولى مع فرعون، ثم تحدثنا السورة عن الجولة الثانية مع فرعون، ثم تحدثنا السورة عن مرحلة من مراحل حياة موسى ﵇ مع بني إسرائيل، ثم تأتي فاصلة تتحدث عن هذا القرآن، وعن كونه يقص علينا من أخبار الماضين، وعن جزاء المعرضين عنه، وعن بعض خصائصه، ثم تأتي قصة آدم ﵇ لتصل كذلك إلى موضوع جزاء الإعراض عن كتاب الله، ثم تأتي الخاتمة لتناقش المعرضين، وتأمر المستجيبين، وتقيم الحجة على المعاندين، فهي تدفع الإنسان في الطريق إلى الإيمان بما أنزل على محمد ﷺ وما أنزل من قبل محمد ﷺ وتدفعهم إلى الإيمان باليوم الآخر لتوصلهم إلى الهدى والفلاح؛ فهي كما قلنا تفصل بشكل مباشر قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ* أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ*.

стр. 3158

نقول: ١ - قال الألوسي في تقديمه لسورة (طه): (وتسمى أيضا سورة (الكليم) كما ذكر السخاوي في جمال القراء، وهي كما أخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن الزبير رضي الله تعالى عنهم مكية. واستثنى بعضهم منها قوله تعالى: وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ الآية. وقال جلال السيوطي: ينبغي أن يستثنى آية أخرى، فقد أخرج البزار وأبو يعلى عن أبي رافع قال: أضاف النبي ﷺ ضيفا فأرسلني إلى رجل من اليهود أن أسلفني دقيقا إلى هلال رجب فقال: لا إلا برهن، فأتيت النبي ﵊ فأخبرته فقال: «أما والله إني لأمين في السماء، أمين في الأرض، فلم أخرج من عنده حتى نزلت هذه الآية لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ الآية انتهى. ولعل ما روي عن الحبرين على القول باستثناء ما ذكر باعتبار الأكثر منها. وآياتها كما قال الداني مائة وأربعون آية شامي، وخمس وثلاثون كوفي، وأربع حجازي، وآيتان بصري، ووجه الترتيب على ما ذكره الجلال: أنه سبحانه لما ذكر في سورة مريم قصص عدة من الأنبياء ﵈. وبعضها مبسوط كقصة زكريا ويحيى وعيسى ﵈، وبعضها بين البسط والإيجاز، كقصة إبراهيم ﵇، وبعضها موجز مجمل كقصة موسى ﵇، وأشار إلى بقية النبيين ﵈ إجمالا، ذكر جل وعلا في هذه السورة شرح قصة موسى ﵇ التي أجملها تعالى هناك، فاستوعبها سبحانه غاية الاستيعاب، وبسطها ﵎ أبلغ بسط، ثم أشار عز شأنه إلى تفصيل قصة آدم ﵇ الذي وقع في (سورة مريم) مجرد ذكر اسمه، ثم أورد ﷻ في سورة الأنبياء بقية قصص من لم يذكر قصته في سورة مريم كنوح، ولوط، وداود، وسليمان، وأيوب، واليسع، وذي الكفل، وذي النون، ﵈، وأشير فيها إلى قصة من ذكرت قصته إشارة وجيزة كموسى، وهارون، وإسماعيل، وذكرت تلو مريم لتكون السورتان كالمتقابلتين. وبسطت فيها قصة إبراهيم ﵇ البسط التام فيما يتعلق به مع قومه، ولم يذكر حاله مع أبيه إلا إشارة، كما أنه في سورة مريم ذكر حاله مع قومه إشارة ومع أبيه مبسوطا. وينضم إلى ما ذكر اشتراك هذه السورة وسورة مريم في الافتتاح بالحروف المقطعة، وقد روي عن ابن عباس وجابر بن زيد رضي الله تعالى عنهم أن سورة طه نزلت بعد سورة مريم. ووجه

стр. 3159

ربط أول هذه بآخر تلك: أنه سبحانه ذكر هناك تيسير القرآن بلسان الرسول ﵊، معللا بتبشير المتقين وإنذار المعاندين. وذكر تعالى هنا ما فيه نوع من تأكيد ذلك. وجاءت آثار تدل على مزيد فضلها. أخرج الدارمي. وابن خزيمة في التوحيد. والطبراني في الأوسط. والبيهقي في الشعب. وغيرهم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله ﷺ : «إن الله ﵎ قرأ (طه) و (يس) قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام، فلما سمعت الملائكة القرآن قالت: طوبى لأمة ينزل عليها هذا، وطوبى لأجواف تحمل هذا، وطوبى لألسنة تتكلم بهذا». وأخرج الديلمي عن أنس مرفوعا نحوه). ٢ - وقال صاحب الظلال في تقديمه للسورة: (تبدأ هذه السورة وتختم خطابا للرسول ﷺ ببيان وظيفته وحدود تكاليفه .. إنها ليست شقوة كتبت عليه، وليست عناء يعذب به. إنما هي الدعوة والتذكرة، وهي التبشير والإنذار. وأمر الخلق بعد ذلك إلى الله الواحد الذي لا إله غيره. المهيمن على ظاهر الكون وباطنه، الخبير بظواهر القلوب وخوافيها. الذي تعنو له الجباه، ويرجع إليه الناس: طائعهم وعاصيهم .. فلا على الرسول ممن يكذب ويكفر، ولا يشقى لأنهم يكذبون ويكفرون. وبين المطلع والختام تعرض قصة موسى ﵇ من حلقة الرسالة إلى حلقة اتخاذ بني إسرائيل للعجل بعد خروجهم من مصر، مفصلة مطولة، وبخاصة موقف المناجاة بين الله وكليمه موسى- وموقف الجدل بين موسى وفرعون، وموقف المباراة بين موسى والسحرة .. وتتجلى في غضون القصة رعاية الله لموسى الذي صنعه على عينه واصطنعه لنفسه، وقال له ولأخيه: لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى. وتعرض قصة آدم سريعة قصيرة، تبرز فيها رحمة الله لآدم بعد خطيئته وهدايته له. وترك البشر من أبنائه لما يختارون من هدى أو ضلال بعد التذكير والإنذار. وتحيط بالقصة مشاهد القيامة. وكأنما هي تكملة لما كان أول الأمر في الملأ الأعلى من قصة آدم. حيث يعود الطائعون إلى الجنة، ويذهب العصاة إلى النار، تصديقا لما قيل لأبيهم آدم، وهو يهبط إلى الأرض بعد ما كان). وقد آن أوان عرض السورة:

стр. 3160

مقدمة سورة طه وتتألف من ثماني آيات، وهذه هي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة طه (٢٠): الآيات ١ الى ٨] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ طه (١) ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى (٢) إِلاَّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى (٣) تَنْزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى (٤) الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى (٥) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى (٦) وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى (٧) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى (٨) التفسير: طه* ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى. أي بل لتسعد، فالذين يظنون أن اتباع القرآن شقاء واهمون وخاطئون وكاذبون، ففي الآية دعوة إلى الإيمان بالقرآن ورد على مزاعم الكافرين في شأنه وتذكير بالنعمة في إنزاله. قال قتادة تعليقا على الآية: (لا والله ما جعله شقاء ولكن جعله رحمة ونورا ودليلا إلى الجنة) ثم ذكر الله حكمة من حكم إنزاله فقال: إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى. أي لكن أنزلناه تذكرة لمن يخاف الله، أو لمن يؤول أمره إلى الخشية. قال ابن كثير: (إن الله أنزل كتابه، وبعث رسوله، رحمة رحم بها عباده؛ ليتذكر ذاكر، وينتفع رجل بما سمع من كتاب الله، وهو ذكر أنزل الله به حلاله وحرامه). أقول: دلت الآيتان على أن السعادة في التزام كتاب الله، ولا سعادة بدونه، وهو موضوع ستفصله السورة كثيرا- كما سنرى- وعلى أن هذا القرآن من خصائصه أنه

стр. 3161

مذكر، فقد عرض كل شئ بصيغة التذكير، وهذا يفيد أن الحقائق التي عرضها موجودة في الفطرة، وإنما هو مذكر بها، ومن ثم فكل شذوذ عنه تعذيب للفطرة نفسها، ومن ثم فلا سعادة لأحد إلا به. وفي الآية الأخيرة دليل على أنه لا يتذكر بهذا القرآن إلا من كان في قلبه خشية، ولا خشية إلا بمعرفة ومن ثم فإن معرفة الله هي الفرض الأول على المكلف، ولكنها المعرفة المستقرة في القلب، وليست المعرفة التي تجري على اللسان، كما دلت الآية الأخيرة على أن القرآن يربي الخشية من الله، فمن أحس من نفسه ضعف الخشية، فليكثر من تلاوته ثم قال تعالى: تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى. العلى: جمع العليا، والعليا تأنيث الأعلى، أي نزل هذا القرآن تنزيلا من الذي خلق الأرض والسموات كلها، فمن كان هذا شأنه هو الذي أنزل القرآن فكيف لا يكون كتابه للإسعاد، وكيف لا يذكر عباده بما يسعدهم في دنياهم وأخراهم، فمن خلق الخلق لا يهمله- خاصة وهو متصف بالرحمة- والرحيم لا يترك عباده بلا توجيه يسعدهم، وهو مالك لكل شئ، والمالك لا يترك مملوكيه بلا رعاية، وهو العليم بكل شئ، ومن كان كذلك فهو الحري بأن تسعد توجيهاته، وهو المتصف بالأسماء الحسنى، ومن كان كذلك سيصدر عنه ما هو الأحسن، ولا يصدر عنه إلا ما يسعد، وكل هذه المعاني تضمنتها الآيات الأربع الآتية على الترتيب: فبعد أن ذكر الله: أن الذي نزل القرآن هو الذي خلق السموات العلى قال: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى استواء ليس كمثله شئ. قال ابن كثير: (من غير تكييف، ولا تحريف، ولا تشبيه، ولا تعطيل، ولا تمثيل). دلت الآية على أنه ﷻ في غاية الرحمة، وفي غاية العظمة، ومن كان كذلك فإنه حري أن يخشى، وحري أن يكون كتابه مسعدا، وموجها ومربيا ثم قال تعالى: لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى أي ما تحت التراب، فالكل ملكه، وإذا كان كل شئ ملكه فهو غني عن أن يشقي أحدا بتوجيهاته. وهو حري أن يسعد بتنزيله، وهو جدير بأن ينزل كتابا وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ أي وإن ترفع صوتك فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ أي ما أسررته إلى غيرك، أو ما أسررته في نفسك وَأَخْفى ويعلم ما هو أخفى من السر وهو ما أخطرته ببالك، أو سترته في نفسك للمستقبل، أو هو ما لم تحدث به نفسك، ولكنه مستكن فيها، وهو الذي يسميه علماء

стр. 3162

النفس الآن (اللاشعور) فالله الذي يعلم السر والجهر، وما هو أخفى من السر، هو الذي أنزل القرآن؛ فكيف لا يكون القرآن مسعدا؟ إن أي شئ آخر لا يمكن أن يسعد الإنسان سوى هذا القرآن؛ لأنه وحده الذي يخاطب الكينونة البشرية كلها فيسعدها كلها، وكل ما سواه يكون إسعاده على حساب إشقاء في جانب آخر. ثم قال تعالى: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى. قال ابن كثير: (أي الذي أنزل عليك القرآن هو الله لا إله إلا هو، ذو الأسماء الحسنى والصفات العلى). وفي ذكر كلمة التوحيد قبل ذكر الأسماء إشارة إلى أنه واحد في ذاته، ولو افترقت عبارات صفاته، وإذ كان الله الواحد الأحد المتصف بالصفات الحسنى هو منزل هذا القرآن فكيف لا يكون كتابه مسعدا! وكيف لا يذكر الله عباده بما يسعدهم في دنياهم وأخراهم. هذه هي المقدمة. كلمة في السياق: إن صلة هذه المقدمة بمحور السورة واضح؛ فالمقدمة أقامت الحجة على أن هذا القرآن يسعد ولا يشقي، وفي ذلك دعوة للإيمان به، والمقدمة بينت أنه مذكر لمن يخشى، فهي دعوة للخشية، وللتذكر بهذا القرآن، أي هي دعوة للإيمان، فالصلة بينها وبين قوله تعالى وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ واضحة، خاصة وقد عرفت على المنزل وهو الله، وعرفت المنزل وهو القرآن، وردت على توهمات في شأنه، كما أن الصلة بين المقدمة وقوله تعالى في سورة البقرة عن القرآن هُدىً لِلْمُتَّقِينَ وبينها وبين قوله تعالى: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ واضحة؛ مما يؤكد أن محور سورة طه هو الآيات الأولى من سورة البقرة، وسنرى أن الصلة بين مقدمة سورة طه، وبقية السورة كاملة. فعند ما نرى مثلا في المرحلة الأولى من قصة موسى ﵇ مع فرعون قوله تعالى: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى التي تشبه قوله تعالى في المقدمة: إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى ندرك أن سنة الله الدائمة هي أن يرسل الله رسلا للبشر؛ ليتذكروا ويخافوا، فليس بدعا أن ينزل الله القرآن تذكرة لمن يخشى. ولا نستعجل الكلام عن الصلة بين المقدمة وبقية السورة، فسنرى هذا شيئا فشيئا.

стр. 3163

والمهم هنا هو التذكير السريع بصلة مقدمة السورة بمحور السورة من البقرة، وصلتها ببقية سياق السورة. فوائد: ١ - هل يعني قوله تعالى السَّماواتِ الْعُلى أن هناك سماوات دنيا، وأنه يشير إلى ما هو أعلى منها؟ نلاحظ أنه يمر معنا في كتب العهد القديم مثل هذا التعبير: (هو ذا للرب إلهك السموات وسماء السماوات والأرض وكل ما فيها) تثنية (١٠). مما يشير إلى أن هناك سماوات، وهذه السموات لها سماوات، فكأن هناك سماوات خاصة للأرض، ولهذه السماوات سماوات فوقها، فهل الآية تشير إلى هذا المعنى؟. الشئ الذي وضحناه في بداية سورة البقرة أن السموات السبع المذكورة في القرآن قريبة من الأرض، ومغيبة عنا، فهي دون المجرات والله أعلم، فإذا صح ما اتجهنا إليه يمكن أن نفهم من قوله تعالى وَالسَّماواتِ الْعُلى أن المراد من ذلك هذه المجرات وما فوقها مما هي فوق السموات السبع؛ لأن العلى جمع العليا، والعليا تأنيث الأعلى، فهي إشارة إلى سماوات أعلى من غيرها. نقول هذا مع احتمالنا أن الآية تشير إلى السموات السبع والله أعلم. ٢ - قال النسفي في قوله تعالى الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى: (والمذهب قول علي ﵁: الاستواء غير مجهول، والتكييف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة). وقال الألوسي بمناسبة هذه الآية: (و «العرش» في اللغة: سرير الملك، وفي الشرع: سرير ذو قوائم له حملة من الملائكة ﵈، فوق السموات مثل القبة، ويدل على أن له قوائم ما أخرجاه في الصحيحين عن أبي سعيد قال: جاء رجل من اليهود إلى النبي ﷺ قد لطم وجهه فقال: يا محمد رجل من أصحابك قد لطم وجهي. فقال النبي ﵊: ادعوه فقال: لم لطمت وجهه؟ فقال: يا رسول الله إني مررت بالسوق وهو يقول: والذى اصطفى موسى على البشر. فقلت: يا خبيث، وعلى محمد ﷺ ؟ فأخذتني غضبة، فلطمته، فقال النبي ﷺ : «لا تخيروا بين الأنبياء، فإن الناس يصعقون وأكون أول من يفيق، فإذا أنا بموسى ﵇ آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور». وعلى أن له

стр. 3164

حملة من الملائكة ﵈ قوله تعالى: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ). وما رواه أبو داود عن النبي ﷺ أنه قال: «أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش إن ما بين أذنيه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة سنة». وعلى أنه فوق السموات مثل القبة ما رواه أبو داود أيضا عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه عن جده قال: أتى رسول الله ﷺ أعرابي فقال: يا رسول الله جهدت الأنفس، ونهكت الأموال- أو هلكت- فاستسق لنا، فإنا نستشفع بك إلى الله تعالى، ونستشفع بالله تعالى عليك. فقال رسول الله ﷺ : «ويحك أتدري ما تقول؟ وسبح رسول الله ﷺ ، فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، ثم قال: ويحك إنه لا يستشفع بالله تعالى على أحد من خلقه؛ شأن الله تعالى أعظم من ذلك. ويحك أتدري ما الله، إن الله تعالى فوق عرشه. وعرشه فوق سماواته، لهكذا وقال بأصابعه مثل القبة وإنه ليئط به أطيط الرحل الجديد بالراكب». وهو غير الكرسي على الصحيح فقد قال ابن جرير: قال أبو ذر رضي الله تعالى عنه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهري فلاة من الأرض». وأنت تعلم أن طريقة كثير من العلماء الأعلام وأساطين الإسلام الإمساك عن التأويل مطلقا، مع نفي التشبيه والتجسيم، منهم الإمام أبو حنيفة، والإمام مالك، والإمام أحمد، والإمام الشافعي، ومحمد بن الحسن، وسعد ابن معاذ المروزي، وعبد الله بن المبارك، وأبو معاذ خالد بن سليمان صاحب سفيان الثوري، وإسحاق بن راهويه، ومحمد بن إسماعيل البخاري، والترمذي، وأبو داود السجستاني، ونقل القاضي أبو العلاء صاعد بن محمد في كتاب الاعتقاد عن أبي يوسف عن الإمام أبي حنيفة أنه قال: لا ينبغي لأحد أن ينطق في الله تعالى بشيء من ذاته، ولكن يصفه بما وصف سبحانه به نفسه، ولا يقول فيه برأيه شيئا، تبارك الله تعالى رب العالمين. وأخرج ابن أبي حاتم في مناقب الشافعي عن يونس بن عبد الأعلى قال: سمعت الشافعي يقول: لله تعالى أسماء وصفات لا يسع أحدا ردها، ومن خالف بعد ثبوت الحجة عليه كفر، وأما قبل قيام الحجة فإنه يعذر بالجهل، لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل، ولا الرؤية والفكر، فنثبت هذه الصفات، وننفي عنها التشبيه، كما نفى

стр. 3165

سبحانه عن نفسه فقال: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري أنه قد اتفق على ذلك أهل القرون الثلاثة، وهم خير القرون بشهادة صاحب الشريعة ﷺ ، وكلام إمام الحرمين في الإرشاد يميل إلى طريقة التأويل، وكلامه في الرسالة النظامية مصرح باختياره طريقة التفويض؛ حيث قال فيها: والذي نرتضيه رأيا، وندين به عقدا، اتباع سلف الأمة، فالأولى الاتباع وترك الابتداع، والدليل السمعي القاطع في ذلك إجماع الصحابة رضي الله تعالى عنهم. فإنهم درجوا على ترك التعرض لمعاني المتشابهات، مع أنهم كانوا لا يألون جهدا فى ضبط قواعد الملة، والتواصي بحفظها، وتعليم الناس ما يحتاجون إليه منها، فلو كان تأويل هذه الظواهر مسنونا أو محتوما لأوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق الاهتمام بفروع الشريعة، وقد اختاره أيضا الإمام أبو الحسن الأشعري في كتابه الذي صنفه في اختلاف المصلين، ومقالات الإسلاميين، وفي كتابه الإبانة في أصول الديانة، وهو آخر مصنفاته فيما قيل. وقال البيضاوي في الطوالع: والأولى اتباع السلف في الإيمان بهذه الأشياء يعني المتشابهات- ورد العلم إلى الله تعالى بعد نفي ما يقتضي التشبيه والتجسيم عنه تعالى). ٣ - بمناسبة قوله تعالى وَما تَحْتَ الثَّرى يذكر ابن كثير كلاما مرجعه إما إلى الإسرائيليات، وإما إلى حديث رواه من لا يساوي شيئا، ومن ثم أضربنا عن نقله، إلا أننا نذكر أن علم الجيولوجيا المعاصر، أثبت أن في الأرض طبقات، وقد اكتشف منها حتى الآن خمس طبقات، كل طبقة تختلف عن الأخرى، ولا زالت نواة الأرض مجهولة حتى كتابة هذه السطور فيما نعلم، ولا ندري إذا كانت ستنكشف عن كونها أكثر من طبقة» هذا ما أخبرني به الأخ الدكتور حسن زينو المختص في علم الجيولوجيا. ٤ - بمناسبة قوله تعالى وَالسَّماواتِ الْعُلى قال ابن كثير: وقد جاء في الحديث الذي صححه الترمذي وغيره «أن سمك كل سماء مسيرة خمسمائة عام، وبعد ما بينها والتي تليها مسيرة خمسمائة عام». أقول: هذا دليل لنا على ما ذهبنا إليه أن السموات السبع قريبة لنا، فهي أقرب لنا نسبيا من مجرات هذا الكون البعيدة؛ إذ بعض تلك المجرات تبعد عنا آلاف السنين الضوئية كما يذكرون، وهذا يرجح كون السموات السبع دون المجرات، وأنها مغيبة عنا وهو ما اتجهنا إليه في هذا التفسير. ٥ - ذكر ابن كثير سببا لنزول قوله تعالى: ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى وعلق

стр. 3166

عليه فقال: (قال جبير عن الضحاك: لما أنزل الله القرآن على رسوله ﷺ قام به هو وأصحابه، فقال المشركون من قريش: ما أنزل هذا القرآن على محمد إلا ليشقى، فأنزل الله تعالى: طه* ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى فليس الأمر كما زعمه المبطلون بل من آتاه الله العلم فقد أراد به خيرا كثيرا، كما ثبت في الصحيحين عن معاوية قال: قال رسول الله ﷺ : «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين» وما أحسن الحديث الذي رواه الحافظ أبو القاسم الطبراني في ذلك حيث قال: حدثنا أحمد ابن زهير، حدثنا العلاء بن سالم، حدثنا إبراهيم الطالقاني، حدثنا ابن المبارك، عن سفيان عن سماك ابن حرب عن ثعلبة بن الحكم قال: قال رسول الله ﷺ «يقول الله تعالى للعلماء يوم القيامة إذا قعد على كرسيه لقضاء عباده إني لم أجعل علمي وحكمتي فيكم إلا وأنا أريد أن أغفر لكم على ما كان منكم ولا أبالي». إسناده جيد ولننتقل إلى المرحلة الأولى من قصة موسى ﵇ المذكورة في هذه السورة، وتمتد من الآية (٩) إلى نهاية الآية (٥٥) وهي المقطع الأول في السورة. ***

стр. 3167

المقطع الأول ويتضمن المرحلة الأولى من قصة موسى ﵇ في سورة (طه) ويمتد المقطع من الآية (٩) إلى نهاية الآية (٥٥) وهذا هو: [سورة طه (٢٠): الآيات ٩ الى ٥٥] وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (٩) إِذْ رَأى ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً (١٠) فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (١٢) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي (١٤) إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى (١٥) فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى (١٦) وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى (١٧) قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى (١٨) قالَ أَلْقِها يا مُوسى (١٩) فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى (٢٠) قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى (٢١) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى (٢٢) لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى (٢٣) اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (٢٤) قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨) وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي (٢٩) هارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً (٣٤) إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً (٣٥) قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى (٣٦) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى (٣٧) إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى (٣٨) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي (٣٩) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى (٤٠) وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١) اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي (٤٢) اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (٤٣) فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى (٤٤) قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى (٤٥) قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى (٤٦) فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى (٤٧) إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٤٨) قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى (٤٩) قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى (٥٠) قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى (٥١) قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى (٥٢) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى (٥٣) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى (٥٤) مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى (٥٥)

стр. 3168

التفسير: وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى أي وقد أتاك حديث موسى، والكلام عن قصة موسى ﵇ يأتي في السياق كنموذج على الرسالة والرسول، وعلى إنزال الوحي من الله، وفي قصة موسى تدليل على أن إنزال الله وحيا على أحد من خلقه لا يكون سببا لشقائه، كما أن في إنزاله الوحي على موسى كانت الحكمة فيه التذكرة لمن يخشى، أو إقامة الحجة على الإنسان ليخشى، وهي نفس الحكمة في إنزال هذا القرآن، والقصة- وإن كانت في سياقها القريب- تخدم ما ذكرناه، أي تخدم قضية الإيمان بما أنزل على محمد ﷺ ، فهي كذلك في سياقها تخدم موضوع الإيمان بما أنزل على غيره، وهذان هما محور السورة في البقرة وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وتخدم موضوع التأسيس في تحمل أعباء النبوة والدعوة، كما تخدم موضوع وحدة رسالات الله، عدا عن كونها تعطي دروسا كثيرة خالدة في الحياة البشرية، إِذْ رَأى ناراً حين مقفله من مدين، كما سيقص القرآن قصة ذلك في سورة القصص، التي هي السورة الأخيرة في هذه المجموعة، وهذا من مظاهر وحدة هذه المجموعة وتكاملها فَقالَ لِأَهْلِهِ أي لزوجته امْكُثُوا أي أقيموا في مكانكم إِنِّي آنَسْتُ ناراً أي أبصرت، والإيناس: رؤية شئ يؤنس به لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أي شهاب من النار، أي نار مقتبسة في رأس عود أو فتيلة أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً أي ذوي هدى، أو قوما يهدونني الطريق، دل ذلك على وجود البرد والظلام وقتذاك، وأن موسى ﵇ قد تاه عن الطريق، وفي ذلك إشارة إلى أن الإنسان في أشد حالات

стр. 3169

الضيق يكون أقرب ما يكون إلى الرحمة، وفي قوله لأهله امْكُثُوا درس في كمال رحمته وشفقته وغيرته وشجاعته وخدمته لأهله، وفي استعماله لكلمة لَعَلِّي إشارة إلى دقته في التعبير؛ إذ بنى الأمر على الرجاء؛ لئلا يعد ما ليس يستيقن الوفاء به فَلَمَّا أَتاها أي أتى النار واقترب منها نُودِيَ يا مُوسى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ أي الذي يخاطبك ويكلمك، وفي ذلك تعليم لنا أن نعرف من نكلفه يوصفنا الذي نكلفه فيه وبما يؤكد أننا متصفون بهذا الوصف، وقد عرف موسى ﵇ أن الله يخاطبه بعلامات قال النسفي: (فعرف أنه كلام الله بأنه سمعه من جميع جهاته الست، وسمعه بجميع أعضائه) فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ أي انزعهما، ثم علل حكمة الأمر بقوله: إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ أي المطهر أو المبارك طُوىً هذا اسم الوادي، علل له الأمر بخلع النعلين بأنه احترام للبقعة، وتعظيم لها قال سعيد بن جبير: أمره بخلع نعليه تعظيما للبقعة، كما يؤمر الرجل بخلع نعليه إذا أراد أن يدخل الكعبة، وفي ذكر الأمر مع تعليله تعليم لنا ألا نأمر إلا مع التعليل للأمر، فإذا كان الله- هذا شأنه فكيف بالبشر مع البشر؟ وفي حكمة مجيء هذا الأمر من الله بعد إعلامه لموسى أنه الله، وقبل إعلامه بالاصطفاء والاجتباء، تعليم لنا بأن مما يساعد الإنسان على أن يتخلص من ارتباكه في المواقف الصعبة أن يفعل شيئا محسوسا في مثل هذه المقامات، فلا شك أن الأمر بخلع النعلين، وتنفيذ ذلك من قبل موسى ساعده على تحمل المفاجأة والتخلص من إرباكها، ثم قال تعالى: وَأَنَا اخْتَرْتُكَ أي اصطفيتك للنبوة فَاسْتَمِعْ لِما أي للذي يُوحى إليك، علمه أولا التواضع في هيئته؛ إذ أمره بخلع النعلين، ثم طالبه بأدب الإنصات، فدل ذلك على أن تعليم الأدب وتعلمه هو البداية الصحيحة في التربية، وكم من مرب لم يبدأ بتعليم الأدب ففاته كل شئ، وانقلب تعليمه عليه، ومن ثم نلاحظ أن كل رسول الله عليهم الصلاة والسلام كان يطالب قومه بأمرين: التقوى والطاعة، كما سنرى في سورة الشعراء، التقوى لله، والطاعة له؛ للتلازم التام بين الأدب مع الله، والأدب مع رسله، فعلى وراث النبوة أن يلاحظوا ذلك، وعلى الراغبين في العلم والتعلم، والوصول إلى الله أن يعطوا ذلك حقه، وبعد أن أمر الله موسى ﵇ أن يستمع إلى ما يقوله ويوحيه له قال: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا قال ابن كثير: هذا أول واجب على المكلفين أن يعلموا أنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وبعد أن عرفه على ذاته أمره فَاعْبُدْنِي أي وحدني وأطعني وأقم عبادتي من غير شريك وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي أي صل لتذكرني، أي أقم

стр. 3170

الصلاة لتذكرني فيها، لاشتمال الصلاة على الأذكار، وهذا دليل على أنه لا فريضة بعد التوحيد أعظم منها، وقد دل هذا الخطاب على أن معرفة الله هي البداية، وأن الصلاة هي التي يثنى بها، وكل بداية غير هذه البداية، أو ما يؤدي إليها، ليست من التربية الإسلامية في شئ، فليلاحظ المربون ذلك إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أي قائمة لا محالة، وكائنة لا بد منها أَكادُ أُخْفِيها أي أكاد أسترها عن العباد، لولا ما في الإخبار بإتيانها مع تعمية وقتها من الحكمة، وهو أنهم إذا لم يعلموا متى تقوم كانوا على وجل منها في كل وقت، أي لولا ما في الإخبار بها من الحكمة لما أخبرت به، وفي الآية اتجاهات أخرى نراها في الفوائد لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى أي أقمتها لا محالة لأجزي كل نفس بسعيها من خير أو شر، أخبر بالساعة وحكمة إقامتها بعد الأمر بالعبادة والصلاة ليعلم أن الإنسان مجازى، ومكافأ على عمله، وفي ذلك تأديب لنا أن نعرف بالجزاء على العمل والمكافأة عليه، ثم قال تعالى: فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها أي فلا يصرفنك عنها، أي عن العمل للساعة مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها أي من لا يصدق بها وَاتَّبَعَ هَواهُ أي واتبع شهواته في مخالفة أمر مولاه فَتَرْدى أي فتهلك وتعطب. قال ابن كثير: (المراد بهذا الخطاب آحاد المكلفين، أي لا تتبعوا سبيل من كذب بالساعة، وأقبل على ملاذه في دنياه، وعصى مولاه؛ فاتبع هواه، فمن وافقهم على ذلك فقد خاب وخسر). وقال النسفي: (فالخطاب لموسى والمراد به أمته، وقد دلت الآية على أن الهلاك يكمن في الكفر بالآخرة، وأن اتباع الهوى مرادف للتكذيب بها، فلا شئ يطهر من الهوى ويبعد عن الهلاك إلا الإيمان باليوم الآخر). فائدة: بمناسبة قوله تعالى: إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها .. يقول صاحب الظلال: (فأما الساعة فهي الموعد المرتقب للجزاء الكامل العادل، الذي تتوجه إليه النفوس فتحسب حسابه، وتسير في الطريق وهي تراقب وتحاسب وتخشى الانزلاق .. والله سبحانه يؤكد مجيئها: إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ وأنه يكاد يخفيها. فعلم الناس بها قليل لا يتجاوز ما يطلعهم عليه من أمرها بقدر ما يحقق حكمته من معرفتهم ومن جهلهم ..

стр. 3171

والمجهول عنصر أساسي في حياة البشر وفي تكوينهم النفسي. فلا بد من مجهول في حياتهم يتطلعون إليه. ولو كان كل شئ مكشوفا لهم- وهم بهذه الفطرة- لوقف نشاطهم وأسنت حياتهم. فوراء المجهول يجرون. فيحذرون ويأملون، ويجربون ويتعلمون. ويكشفون المخبوء من طاقتهم وطاقات الكون من حولهم، ويرون آيات الله في أنفسهم وفي الآفاق، ويبدعون في الأرض بما شاء لهم الله أن يبدعوا .. وتعليق قلوبهم ومشاعرهم بالساعة المجهولة الموعد، يحفظهم من الشرود، فهم لا يدرون متى تأتي الساعة. فهم من موعدها على حذر دائم وعلى استعداد دائم. ذلك لمن صحت فطرته واستقام. فأما من فسدت فطرته واتبع هواه فيغفل ويجهل، فيسقط ومصيره إلى الردى: فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى. ذلك أن اتباع الهوى هو الذي ينشئ التكذيب بالساعة. فالفطرة السليمة تؤمن من نفسها بأن الحياة الدنيا لا تبلغ فيها الإنسانية كمالها، ولا يتم فيها العدل تمامه، وأنه لا بد من حياة أخرى يتحقق فيها الكمال المقدر للإنسان، والعدل المطلق في الجزاء على الأعمال.). كلمة في السياق: في هذا الخطاب لموسى ﵇ نموذج على التنزيل الذي في مخالفته الهلاك والشقاء، لا في موافقته ومن ثم قال فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى أي فتهلك، كما أنه نموذج على التذكرة لمن يخشى، وقد لاحظنا أنه ذكر بالتوحيد والصلاة والساعة؛ فعرفنا بذلك بماذا يذكر، كما عرفنا من ماذا ينبغي أن يخاف الإنسان ويخشى، فالصلة بين مقدمة السورة وما بعدها واضح جدا، والصلة بين السورة ومحورها كذلك واضح وهو قوله تعالى: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ* وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ* أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ فإذا كان هؤلاء هم المفلحون فغيرهم خاسر. ولنعد إلى السياق: فبعد أن عرف الله موسى على ذاته، وأعلمه اجتباءه، وكلفه وحذره، سأله فقال وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى قال النسفي: (والسؤال للتنبيه لتقع المعجزة بها بعد التثبت، أو للتوطين لئلا يهوله انقلابها حية، أو للإيناس ورفع الهيبة للمكالمة). قالَ

стр. 3172

موسى: هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها أي أعتمد عليها إذا أعييت، أو وقفت على رأس القطيع، وعند الطفرة وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي أي وأخبط بها ورق الشجر على غنمي لتأكل. قال الإمام مالك: الهش: أن يضع الرجل المحجن في الغصن ثم يحركه حتى يسقط ورقة وثمره، ولا يكسر العود فهذا الهش ولا يخبط وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أي حاجات ومصالح ومنافع أُخْرى قال ابن كثير: (وقد تكلف بعضهم لذكر شئ من تلك المآرب التي أبهمت ... ولكن كل ذلك من الإسرائيليات) قالَ أَلْقِها يا مُوسى أي اطرحها من يدك فَأَلْقاها أي طرحها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى أي تمشي سريعا وتضطرب. قال صاحب الظلال: (ووقعت المعجزة الخارقة التي تقع في كل لحظة، ولكن الناس لا ينتبهون إليها. وقعت معجزة الحياة. فإذا العصا حية تسعى. وكم من ملايين الذرات الميتة أو الجامدة كالعصا تتحول في كل لحظة إلى خلية حية، ولكنها لا تبهر الإنسان كما يبهره أن تتحول عصا موسى حية تسعى!، ذلك أن الإنسان أسير حواسه، وأسير تجاربه، فلا يبعد كثيرا في تصوراته عما تدركه حواسه، وانقلاب العصا حية تسعى ظاهرة حسية تصدم حسه فينتبه لها بشدة. أما الظواهر الخفية لمعجزة الحياة الأولى، ومعجزات الحياة التي تدب في كل لحظة فهي خفية قلما يلتفت إليها. وبخاصة أن الألفة تفقدها جدتها في حسه، فيمر عليها غافلا أو ناسيا). ومن مجموع ما وصف الله هذه الحية في كتابه فهم ابن كثير أنها: صارت في الحال حية عظيمة ثعبانا طويلا يتحرك حركة سريعة، فإذا هي تهتز كأنها جان، وهو أسرع الحيات حركة، ولكنه صغير، فهذه في غاية الكبر، وفي غاية سرعة الحركة قالَ الله تعالى: خُذْها وَلا تَخَفْ، سَنُعِيدُها أي سنردها سِيرَتَهَا الْأُولى أي في طريقتها الأولى، أي نردها عصا كما كانت وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ أي إلى جنبك تحت العضد. أي أدخلها تحت عضدك تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ أي من غير برص، ولا أذى، ومن غير شين آيَةً أُخْرى لنبوتك لِنُرِيَكَ بهاتين الآيتين مِنْ آياتِنَا أي بعض آياتنا الْكُبْرى أي العظمى، أي فعلنا ذلك لنريك من آياتنا الكبرى اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى أي جاوز العبودية إلى الربوبية، أي اذهب إلى فرعون ملك مصر الذي خرجت فارا منه، وهاربا، فادعه إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ومره فليحسن إلى بني إسرائيل ولا يعذبهم، إنه قد طغى وبغى، وآثر الحياة الدنيا، ونسي الرب الأعلى.

стр. 3173

ملاحظة: نلاحظ أنه لم يأمر الله موسى ﵇ بالذهاب إلى فرعون إلا بعد أن أراه من آياته الكبرى، وما ذلك إلا لأن هذا التكليف شاق، فقدم الله له بما به يهون كل شئ، ويصغر كل شئ في عيني موسى؛ إذ رأى من آثار قدرة الله ما رأى ومن ثم فإننا نلاحظ أن موسى ﵇ عند ما كلفه ربه بذلك قال رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ... لأنه قريب عهد برؤية الآية، بينما نلاحظ أنه وأخاه هارون قالا فيما بعد قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى وذلك لبعد العهد عن رؤية الآيتين، وفي ذلك كله تعريف لنا على خصائص النفس البشرية، وعلى أن الله هو الأعلم بها لأنه خالقها، ومن ثم فإنه الأقدر على ما يسعدها وما يشقيها وما تحتاجه، وفي ذلك تعليم لنا أننا إذا أردنا أن نكلف إنسانا تكليفا صعبا أن نقدم له بما يستسهل معه المهمة، ولنعد إلى السياق: ... قالَ أي موسى رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي أي وسعه ليحتمل الوحي والمشاق وردئ الأخلاق وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي أي وسهل علي ما أمرتني به، من تبليغ الرسالة والقيام بواجباتها وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي أي وافتح عقدة من عقد لساني، لم يطلب زوال العقدة بكمالها، وإنما طلب ما يعينه على أداء رسالة ربه، ومن ثم علل لطلبه فقال: يَفْقَهُوا قَوْلِي أي عند تبليغ الرسالة وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي أي ظهيرا ومعينا وملجأ يساعدني ويعينني، وأبثه ما بنفسي، وأن يكون من أهلي، ثم عينه هارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي أي قو به ظهري وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي أي اجعله شريكي في النبوة والرسالة ثم علل لطلبة أخا فقال: كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً أي نصلي لك، ونسبحك تسبيحا كثيرا ونذكرك ذكرا كثيرا في الصلوات وخارجها إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً أي عالما بأحوالنا، فأجابه الله تعالى إلى ما سأل قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى أي قد أعطيت سؤلك. ملاحظة: لما أمر الله موسى ﵇ بالذهاب إلى فرعون الطاغية، وعرف أنه كلف أمرا عظيما دعا بهذه الدعوات التي يحتاجها من يقوم بمثل هذا الشأن، وقد أجابه الله إليها منة عليه فيها، ولعلمه احتياجه إليها، من شرح الصدر، وتيسير الأمر، وطلاقة اللسان،

стр. 3174

وأخ موات على السراء والضراء، ومن عانى أمر الدعوة إلى الله عرف أهمية هذه الدعوات، فبدون شرح الصدر لا يستطيع الإنسان أن يقوم بالدعوة إلى الله، ولا أن يتحمل لأواءها أبدا، وبدون تيسير الأمر ينكسر قلب الداعية إلى الله، وبدون طلاقة لسان لا تقوم الحجة، ولا يوصل إلى المقصود، وبدون أخ موات مؤازر في السراء والضراء يستشار وتبث الشكوى إليه يحس الداعية بغربة هائلة محزنة، ولذلك فقد ورد أن رسولنا ﵊ دعا بهذه الدعوات. قال الألوسي: (وجاء أن النبي ﷺ دعا بمثل هذا الدعاء، إلا أنه أقام عليا كرم الله تعالى وجهه مقام هارون ﵇، فقد أخرج ابن مردويه، والخطيب، وابن عساكر عن أسماء بنت عميس قالت: «رأيت رسول الله ﷺ بإزاء ثبير وهو يقول: أشرق ثبير، أشرق ثبير، اللهم إني أسألك مما سألك أخي موسى، أن تشرح لي صدري، وأن تيسر لي أمري، وأن تحل عقدة لساني يفقه قولي، واجعل لي وزيرا من أهلي، عليا أخي، اشدد به أزري، وأشركه في أمري، كي نسبحك كثيرا، ونذكرك كثيرا، إنك كنت بنا بصيرا». ولا يخفى أنه يتعين هنا حمل الأمر على أمر الإرشاد، والدعوة إلى الحق، ولا يجوز حمله على النبوة، ولا يصح الاستدلال بذلك على خلافة علي كرم الله تعالى وجهه بعد النبي ﷺ بلا فصل. ومثله فيما ذكر ما صح من قوله ﵊ له حين استخلفه في غزوة تبوك على أهل بيته! «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي» كما بين في التحفة الاثنى عشرية، نعم في ذلك من الدلالة على مزيد فضل علي كرم الله تعالى وجهه ما لا يخفى). فائدة: من كلام موسى ﵇ عند ما سأل الله أن يؤيده بأخيه نفهم أدب الأخوة في الله، والغاية منها، فالأدب شد الأزر، والاشتراك في الأمر، والهدف ذكر الله، وتسبيحه، فما لم يتحقق بالأخوة كثرة الذكر، لا تكون أخوة خالصة في الله، وإذا كان لها هدف آخر غير ذلك فليست أخوة في الله. ولنعد إلى السياق: فبعد أن من الله على موسى بإعطائه سؤله ذكره بنعمه عليه من قبل؛ لتبقى ثقته بالله مطلقة فيما يأتي، لأنه بدون الثقة المطلقة بالله لا يستطيع رجل الدعوة أن يستمر. فقال: وَلَقَدْ مَنَنَّا أي أنعمنا عَلَيْكَ مَرَّةً أي كرة أُخْرى أي قبل هذه، ثم فسرها فقال: إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ إلهاما أو مناما حين ولدت وكان

стр. 3175

فرعون يقتل أمثالك ما يُوحى وقد فسر ما يوحى بقوله أَنِ اقْذِفِيهِ أي ألقيه فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ أي في النيل فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ أي بجانب النهر يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ يعني فرعون وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي أي حببتك إلى عبادي أو جعلت فرعون يحبك وهو عدوك وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي أي ولتربى بمرأى مني، يعني: أنا راعيك ومراقبك، كما يراعي الرجل الشئ بعينه إذا اعتنى به، وقد نقل ابن كثير في معناها عن الجوني: «أنه ولتربى بعين الله» قال صاحب الظلال بمناسبة هذه الآية: (إن موسى- عليه والسلام- ذاهب لمواجهة أقوى ملك في الأرض وأطغى جبار. إنه ذاهب لخوض معركة الإيمان مع الطغيان. إنه ذاهب إلى خضم من الأحداث والمشكلات مع فرعون أول الأمر. ثم مع قومه بني إسرائيل وقد أذلهم الاستعباد الطويل وأفسد فطرتهم، وأضعف استعدادهم للمهمة التي هم منتدبون لها بعد الخلاص، فربه يطلعه على أنه لن يذهب غفلا من التهيؤ والاستعداد. وأنه لم يرسل إلا بعد التهيئة والإعداد. وأنه صنع على عين الله منذ زمان، ودرب على المشاق وهو طفل رضيع، ورافقته العناية وسهرت عليه وهو صغير ضعيف وكان تحت سلطان فرعون وفي متناوله وهو مجرد من كل عدة ومن كل قوة فلم تمتد إليه يد فرعون، ... فلا عليه اليوم من فرعون، وقد بلغ أشده، وربه معه، قد اصطنعه لنفسه، واستخلصه واصطفاه.). إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ هذا تفسير ثان لنعمة الله على موسى فَتَقُولُ إذا رفضت المراضع هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ أي على من يضمه إلى نفسه فيربيه، وأرادت بتلك المرضعة أمه فَرَجَعْناكَ أي فرددناك إِلى أُمِّكَ كما وعدناها كما هو مذكور في سورة القصص كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها بلقائك وَلا تَحْزَنَ على فراقك وَقَتَلْتَ نَفْساً أي القبطي الكافر فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وهو ما حصل له بسبب عزم آل فرعون على قتله، ففر منهم هاربا حتى ورد ماء مدين وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً أي ابتليناك ابتلاء بإيقاعك في المحن، وتخليصك منها، هذا تذكير من الله لموسى بالمحن التي مر فيها، وكيف أن كل محنة كانت كافية في عالم الأسباب لأن تقضي عليه، لولا أن نجاه الله منها، وفي ذلك تثبيت لقلبه وتقوية له فيما سيلاقيه من أخطار فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ أي في أرض مدين وبين أهلها ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى أي ثم جئت موافقا لقدر الله وإرادته. وقال مجاهد: أي جئت على موعد. وقال قتادة:

стр. 3176

جئت على قدر الرسالة والنبوة. والمعنى بشكل عام. ثم جئت على موعد مع قدرنا لتكون رسولا نبيا وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي أي اخترتك واصطفيتك لوحيي ورسالتي، لتتصرف على إرادتي ومحبتي. قال الزجاج في معناها أي: اخترتك لأمري، وجعلتك القائم بحجتي، والمخاطب بيني وبين خلقي، كأني أقمت عليهم الحجة وخاطبتهم اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي أي بحجتي وبراهيني ومعجزاتي وَلا تَنِيا أي ولا تفترا فِي ذِكْرِي أي لا تضعفا فيه، والمراد أن عليهما ألا يفترا عن ذكر الله في كل حال، ومن ذلك تبليغ الرسالة، ومواجهة فرعون، دل ذلك على أن رجل الدعوة لا ينبغي أن يفتر عن ذكر الله، ومتى فتر قصر، ولم يستطع الدعوة والمتابعة والمواجهة والمجابهة على ما يقتضيه أمر الله اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى أي جاوز الحد بادعائه الربوبية فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً أي ألطفا له في القول لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أي يتعظ ويتأمل؛ فيذعن للحق ويلتزم به أَوْ يَخْشى أي أو يخاف الله فيحدث له الخوف طاعة، وفي هذه الآية عبرة وعظة كبيرتان للدعاة؛ فموسى ﵇ صفوة الله من خلقه إذ ذاك، ومع هذا أمر ألا يخاطب فرعون إلا بالملاطفة واللين، وأن تكون دعوتهما له بكلام رقيق لين سهل رفيق؛ ليكون أوقع في النفوس وأبلغ وأنجع، ولكن هذا في ابتداء الدعوة، وعند إقامة الحجة، أما بعد ذلك فقد لاحظ أن موسى قال كما قصه الله لنا في سورة الإسراء وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً وفي كتابنا (جند الله ثقافة وأخلاقا) بينا درجات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن أول الدرجات التعليم، ثم الوعظ ثم ... ولا شك أن الخطاب يختلف باختلاف المخاطب، واختلاف حاله ودل قوله تعالى لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى أن مهمة الداعية إلى الله إما تذكير الإنسان بتعليمه الحقائق، وإما إثارة الخشية في قلبه من الله تعالى. فائدة: بمناسبة قوله تعالى: ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى ننقل ما قاله صاحب الظلال في شأن عودة موسى إلى مصر: (ويعود إلى البلد الذي نشأ فيه، والذي فيه قومه بنو إسرائيل يعيشون تحت سياط فرعون وقهره. لماذا عاد. وقد خرج من مصر طريدا. قتل قبطيا فيها حين رآه يقتتل مع إسرائيلي، وغادر مصر هاربا وبنو إسرائيل فيها يسامون العذاب ألوانا، حيث وجد الأمن والطمأنينة في مدين إلى جوار صهره الذي آواه وزوجه إحدى ابنتيه. إنها جاذبية الوطن والأهل تتخذها القدرة ستارا لما تهيئه لموسى من

стр. 3177

أدوار .. وهكذا نحن في هذه الحياة نتحرك. تحركنا أشواق وهواتف، ومطامح ومطامع، وآلام وآمال .. وإن هي إلا الأسباب الظاهرة للغاية المضمرة، والستار الذي تراه العيون لليد التي لا تراها الأنظار ولا تدركها الأبصار. يد المدبر المهيمن العزيز القهار ... ). كلمة في السياق: مر معنا في مقدمة السورة قوله تعالى: طه* ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى وهاهنا كلف الله موسى أن يدعو فرعون إلى الله قائلا له لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى، فالسياق بين لنا أن إنزال الله القرآن على محمد ﷺ إنما هو استمرار لسنة الله فى إرسال الرسل فما القرآن إلا وحي الله الذى أنزله على محمد ﷺ كما أنزل وحيه على غيره من الرسل، فالرسل أمة واحدة والوحي واحد، والهدف واحد، والمؤمن يؤمن بوحي الله كله، وذلك محور السورة من البقرة: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ولنعد إلى السياق: قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أي يعجل علينا بالعقوبة أَوْ أَنْ يَطْغى أي أو يجاوز الحد في الإساءة إلينا، خشيا أن يقابلهما بعقوبة مستعجلة، أو بعقوبة قاسية متطاولة قالَ لا تَخافا منه ثم علل لذلك إِنَّنِي مَعَكُما أي بالحفظ والتأييد والنصرة والتوفيق والرعاية أَسْمَعُ وَأَرى أي أسمع كلامكما وكلامه، وأرى مكانكما ومكانه، وأسمع دعاءكما فأجيب، وأرى ما يراد بكما فأمنع، لست بغافل عنكما فلا تهتما، فإن ناصيته بيدي، فلا يتكلم ولا يتنفس ولا يبطش إلا بإذني، وأنا معكما بحفظي ونصري وتأييدي، ثم لقنهما الله ما يقولان بما يحقق أمره لهما بالقول اللين المذكر الواعظ فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ إليك فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ أي أطلقهم عن الاستعباد والاسترقاق لنذهب وإياهم إلى حيث شاء الله وَلا تُعَذِّبْهُمْ بتكليف المشاق قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ أي بحجة على صدق ما ادعيناه أي بمعجزة من الله وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى والمعنى: سلم من العذاب من أسلم إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ في الدنيا والعقبى عَلى مَنْ كَذَّبَ بآيات الله ورسله ووحيه وَتَوَلَّى أي أعرض عن طاعته. وهكذا حدد الله لهما مضمون الخطاب، ومن عرف هذا المقام أي كيف أن الله أمرهما بالخطاب اللين ثم حدد لهما مضمون الخطاب الذي يخاطبانه به بما يحقق الأمر الأول، أدرك أن الله

стр. 3178

عزّ وجل لا يترك شيئا بلا بيان، ولا يأمر أمرا إلا ويعلم الإنسان كل ما يلزم لتحقيقه وتنفيذه، ثم طوى السياق ما بين الأمر وما بين تنفيذه وحدثنا مباشرة عما كان جواب فرعون لهما والتقدير: فأتياه وأديا الرسالة وقالا له ما أمرا به فكان الجواب: قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى خاطب موسى لأنه الأصل في النبوة وهارون تابعه، أو لأنه يعرفه من قبل قالَ موسى رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ، ثُمَّ هَدى أي أعطى كل شئ صورته وشكله وجبلته التي تطابق الحكمة التي من أجلها خلق، ثم هداه ليسير في طريقه المحدد بما يحقق الحكمة في هذا الكون، وقد كانت هذه الآية مضمون ظاهرة كاملة كتبناها في كتابنا (الله ﷻ هي ظاهرة (الهداية) استدللنا بوجود الهداية في المخلوقات الحسية والمعنوية الصغيرة والكبيرة الحية وغير الحية على وجود ذات هادية أعطت كل شئ خلقه، ثم هدته، دلل بوجود ظاهرة الهداية في الكون على خالق الكون، فما أعظم هذا القرآن، وما أعظم ما ألهم الله موسى من حجة. قال صاحب الظلال عند هذه الآية: (قال رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى .. ربنا الذي وهب الوجود لكل موجود في الصورة التي أوجده بها وفطره عليها. ثم هدى كل شئ إلى وظيفته التي خلقه لها، وأمده بما يناسب هذه الوظيفة ويعينه عليها. و (ثم) هنا ليست للتراخي الزمني. فكل شئ مخلوق ومعه الاهتداء الطبيعي الفطري للوظيفة التي خلق لها، وليس هناك افتراق زمني بين خلق المخلوق وخلق وظيفته، وإنما هو التراخي في الرتبة بين خلق الشئ واهتدائه إلى وظيفته فهداية كل شئ إلى وظيفته مرتبة أعلى من خلقه غفلا وهذا الوصف الذي يحكيه القرآن الكريم عن موسى- عليه والسلام- يلخص أكمل آثار الألوهية الخالقة المدبرة لهذا الوجود: هبة الوجود لكل موجود، وهبة خلقه على الصورة التي خلق بها. وهبة هدايته للوظيفة التي خلق لها .. وحين يجول الإنسان ببصره وبصيرته- في حدود ما يطيق- في جنبات هذا الوجود الكبير تتجلى له آثار تلك القدرة المبدعة المدبرة في كل كائن صغير أو كبير. من الذرة المفردة إلى أضخم الأجسام، ومن الخلية الواحدة إلى أرقى أشكال الحياة في الإنسان. هذا الوجود الكبير المؤلف مما لا يحصى من الذرات والخلايا، والخلائق والأحياء، وكل ذرة فيه تنبض، وكل خلية فيه تحيا، وكل حي فيه يتحرك، وكل كائن فيه يتفاعل أو يتعامل مع الكائنات الأخرى .. وكلها تعمل منفردة ومجتمعة داخل إطار

стр. 3179

النواميس المودعة في فطرتها وتكوينها بلا تعارض ولا خلل ولا فتور في لحظة من اللحظات! وكل كائن بمفرده كون وحده وعالم بذاته، تعمل في داخله ذراته وخلاياه وأعضاؤه وأجهزته وفق الفطرة التي فطرت عليها، داخل حدود الناموس العام، في توافق وانتظام. وكل كائن بمفرده- ودعك من الكون الكبير- يقف علم الإنسان وجهده قاصرا محدودا في دراسة خواصه ووظائفه وأمراضه وعلاجه. دراستها مجرد دراسة لا خلقها ولا هدايتها إلى وظائفها، فذلك خارج كلية عن طوق الإنسان. وهو خلق من خلق الله، وهبه وجوده على الهيئة التي وجد بها، للوظيفة التي خلق لها، كأي شئ من هذه الأشياء، ألا إنه الإله الواحد رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى). قالَ فَما بالُ أي فما حال الْقُرُونِ الْأُولى أي الأجيال السالفة، أو الأعصار السابقة، الظاهر أن فرعون سأل هذا السؤال ليفر من الإلزام بالحجة، فلا يعترف لرب موسى بالربوبية، وعلى هذا فسؤاله يحتمل معنيين الأول: إذا كان الأمر كما تقول بأن الله خالق كل شئ وهاديه؛ فأخبرني عن تاريخ هذا العالم وأعصاره وأزمانه وأممه ما دمت رسولا لله. والثاني: هو ما عبر عنه ابن كثير بقوله: (أصح الأقوال في معنى ذلك أن فرعون لما أخبره موسى بأن ربه الذي أرسله هو الذي خلق ورزق، وقدر فهدى، شرع يحتج بالقرون الأولى، أي الذين لم يعبدوا الله، أي فما بالهم إذا كان الأمر كذلك- لم يعبدوا ربك بل عبدوا غيره، فقال له موسى في جواب ذلك: هم وإن لم يعبدوه فإن عملهم عند الله مضبوط عليهم، وسيجزيهم بعملهم في كتاب الله، وهو اللوح المحفوظ، وكتاب الأعمال» وعلى كل فإن مراده الفرار من إلزام موسى الحجة؛ ولذلك أجاب موسى على كلامه جوابا سريعا، وعاد ليقيم الحجة عليه بلفت نظره إلى مظاهر هذا الكون، وفي ذلك تعليم لنا ألا ندخل مع الكافرين في المسارب التي يريدون أن يدخلونا فيها للفرار من الإلزامات الواضحة لهم قالَ موسى مجيبا عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ أي في اللوح المحفوظ، أي هذا سؤال عن الغيب، وقد استأثر الله بعلمه لا يعلمه إلا هو، وما أنا إلا عبد مثلك؛ لا أعلم منه إلا ما أخبرني به علام الغيوب، وعلم أحوال القرون مكتوب عند الله في اللوح المحفوظ لا يَضِلُّ رَبِّي أي لا يخطئ شيئا وَلا يَنْسى شيئا وصف علمه تعالى بأنه بكل شئ محيط، وأنه لا ينسى شيئا ﵎ وتقدس، وتنزه، فإن علم المخلوق يعتريه

стр. 3180

نقصانان: أحدهما عدم الإحاطة بالشئ، والآخر نسيانه بعد علمه، فنزه الله عن ذلك، وذكر ذلك بعد قوله تعالى فِي كِتابٍ إشارة إلى أن الكتاب ليس خشية الخطأ والنسيان، بل لحكم، منها أن يعلم الملائكة أن معمول الخلق يوافق معلومه وأن الأمر في غاية الضبط، وفي ذلك تعليم للإنسان أن يضبط الأمور في كل حال بالكتابة، ثم يستأنف موسى التعريف على الله الذي بدأه بقوله: رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً .. ). هذه وجهة نظر ابن كثير في السياق وهو الذي يتفق مع ما استنتجناه من أن موسى- ﵇ فوت على فرعون فرصته في الفرار من الجواب الملزم، إلا أنه يمكن أن يفهم السياق فهما آخر وهو: أن يكون موسى أجاب فرعون على سؤاله الثاني المستكن في السؤال الأول ثم استمر بما يحقق الجواب عن السؤالين مفوتا الفرصة على فرعون في التقديرين من الفرار من الإلزام، وعلى هذا يكون السياق: قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ، لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى، الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً .. فيكون قوله تعالى: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً .. تدليلا على أن الله لا يضل ولا ينسى، وفي الوقت نفسه تعريفا على الله، فيكون الكلام الجديد متضمنا الإجابة عن السؤالين بآن واحد: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً أي بساطا وفراشا، أي صالحة للقرار والاستقرار والنوم والراحة وَسَلَكَ أي جعل لَكُمْ فِيها سُبُلًا أي طرقا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ أي من السحاب السَّماءِ أي مطرا فَأَخْرَجْنا بِهِ أي بالماء أَزْواجاً أصنافا مِنْ نَباتٍ شَتَّى أي مختلف، أي فأخرج الله بهذا الماء أنواع النباتات من زروع وثمار، ومن حامض وحلو ومر، بعضها للناس، وبعضها للبهائم التي تخدم الإنسان، والتي كثير من علفها هو مما يفضل عن حاجة الإنسان، مما لا يقدر الإنسان على أكله، وفي اختلاف منافع النباتات المختلفة واختلاف لونها ورائحتها وشكلها بما يخدم مصالح الإنسان دليل على أن هناك ذاتا هي التي سخرت كل شئ في هذه الأرض لصالح الإنسان، وفي كتابنا (الله ﷻ تحدثنا كثيرا عن ظاهرتي العناية والإرادة مستدلين بهما بما لا يقبل الجدل على وجود الله. وبمناسبة قوله تعالى فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى قال صاحب الظلال: (وقد شاء الخالق المدبر أن يكون النبات أزواجا كسائر الأحياء. وهي ظاهرة مطردة في

стр. 3181

الأحياء كلها. والنبات في الغالب يحمل خلايا التذكير وخلايا التأنيث في النبتة الواحدة، وأحيانا يكون اللقاح في نبتة ذكر منفردة كما هو الحال في الفصائل الحيوانية. وبذلك يتم التناسق في نواميس الحياة ويطرد في كل الفصائل والأنواع .. ). ملاحظة: نلاحظ أن السياق في الآية وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً انتقل من الغيبة إلى لفظ المتكلم فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى وقد علل بعضهم هذا الانتقال بأنه بسبب انتهاء كلام موسى، فإذا صح هذا يكون فرعون قد قطع على موسى كلامه؛ ومن ثم فإن الله قد أكمل ما كان يريد أن يقوله، فأخبر الله تعالى عن نفسه بقوله فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى قائلين للناس كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ وعلل بعضهم لذلك بأن هذه المعاني كلها قد قالها موسى، ولكن أراد الله أن يفهمنا أن كلام موسى كان مطابقا للحق، حتى لو تحدث الله عن ذاته، فذلك يكون كلامه، ومن ثم أجرى الله هذا الكلام على أنه كلامه، ولنعد إلى السياق. كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ أي أخرجنا أصناف النبات آذنين في الانتفاع بها، مبيحين أن تأكلوا بعضها، وتعلفوا بعضها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ إن في الذي ذكر لدلالات وحججا وبراهين لِأُولِي النُّهى أي لذوي العقول، والنهى: جمع نهية وإنما سمي العقل نهية إما لأنه ينهى عن المحظور، أو لأن الأمور ينتهى بها إليه، ثم أخبرنا تعالى أن هذه الأرض التي جعلها كما أخبرنا هي بالنسبة لنا منها المبدأ وإليها المصير، ومنها إخراجنا للبعث؛ فإن تكون الأرض كذلك فذلك دليل على إرادة الله وعنايته وعلمه وقدرته، وفي ذلك ما يذكر الإنسان ويعظه مِنْها أي من الأرض خَلَقْناكُمْ أي خلقنا أباكم آدم منها وخلقناكم من أغذيتها وَفِيها نُعِيدُكُمْ إذا متم وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ أي عند البعث تارَةً أُخْرى أي مرة أخرى قال النسفي: (والمراد بإخراجهم أنه يؤلف أجزاءهم المتفرقة المختلطة بالتراب، ويردهم كما كانوا أحياء ويخرجهم إلى المحشر، وهكذا بين ما علق بالأرض من مرافق حيث جعلها الله للبشر فراشا ومهادا يتقلبون عليها، وسوى لهم فيها مسالك يترددون فيها كيف شاءوا، وأنبت فيها أصناف النبات التي منها أقواتهم، وعلوفات بهائمهم، وهي أصلهم الذي

стр. 3182

منه تفرعوا وأمهم التي منها ولدوا، وهي التي تضمهم إذا ماتوا، فهل يكون ذلك إلا بالله ومن الله، فكيف يجحد الإنسان بعد ذلك وجود الله رب العالمين، ولا يعترف له بالربوبية، ولا يقر على نفسه بالعبودية). كلمة في السياق: نلاحظ أن الآيات التي مرت معنا استقرت على قوله تعالى: مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى كما نلاحظ أن بداية الخطاب لموسى- ﵇ كان فيه: إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها مما يشير إلى أن الكلام عن اليوم الآخر جزء رئيسي في السورة، وسنرى مزيدا من الكلام عن هذا الموضوع، وعن غيره، ففي السورة حديث موسع: ١ - عن الإيمان بما أنزل على محمد ﷺ . ٢ - وما أنزل على من قبله. ٣ - وعلى اليقين باليوم الآخر، وأن أصحاب ذلك مهتدون مفلحون، ولذلك صلة بالمحور: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ* أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ فالسورة تفصل هذه المعاني كلها من خلال الخطاب المباشر للرسول ﷺ ، أو من خلال ما يقصه الله، أو من خلال ما يعرضه أو يأمر به. ونلاحظ أنه بالآيات التي مرت معنا تنتهي الجولة الأولى من قصة موسى- ﵇ وفيها تم الكلام عن التكليف بالرسالة، وعن القيام بإحدى مهمات التكليف، وهي تبليغ فرعون، وإقامة الحجة عليه، وقد رأينا من دروس ذلك الكثير، ورأينا صلة ذلك بالسياق الخاص للسورة، والسياق القرآني العام، والآن تأتي جولة ثانية من قصة موسى- ﵇ قصة التحدي والغلبة وإيمان السحرة النموذجي، الذي يقصه الله علينا ليبين لنا أثر الإيمان الحقيقي، وفلاح أهله بالآخرة، وكيف أن الذين لا يؤمنون إنما هم طاغون باغون ظلمة، لا يصرفهم عن الإيمان ضعف حجة، بل عمى قلب، وطغيان نفس، وكل ذلك يخدم السياق الخاص للسورة، والسياق القرآني العام. ***

стр. 3183

المقطع الثاني ويمتد من الآية (٥٦) إلى نهاية الآية (٧٦) وهذا هو [سورة طه (٢٠): الآيات ٥٦ الى ٧٦] وَلَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وَأَبى (٥٦) قالَ أَجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى (٥٧) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكاناً سُوىً (٥٨) قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (٥٩) فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتى (٦٠) قالَ لَهُمْ مُوسى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى (٦١) فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوى (٦٢) قالُوا إِنْ هذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى (٦٣) فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى (٦٤) قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى (٦٥) قالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى (٦٦) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى (٦٧) قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى (٦٨) وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى (٦٩) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى (٧٠) قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى (٧١) قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالَّذِي فَطَرَنا فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا (٧٢) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى (٧٣) إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى (٧٤) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى (٧٥) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى (٧٦)

стр. 3184

التفسير: وَلَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها لم يذكر هنا الآيات التي أريها، ولكن من السياق نعرف أنه الحجج والبراهين والمعجزات وهي انقلاب العصا حية، وخروج يد موسى بيضاء من غير سوء، وفي سورة الإسراء قال تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ. فَكَذَّبَ بالآيات وَأَبى قبول الحق، ذلك موقف الكافرين من الحق، التكذيب به، ورفضه في كل زمان ومكان، وإن زخرفوا هذا الرفض وهذا التكذيب بآلاف الصور، إلا أن المسألة تبقى هكذا، تكذيب للحق، ورفض له، مع قيام الحجة به، فإذا تذكرنا أن محور السورة من سورة البقرة هو وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ عرفنا أن قصة فرعون في هذا السياق تعرفنا على أن الذين لا يؤمنون يكذبون ويرفضون، لا لقصور في الحجة، ولا لانعدام الآيات، بل لمرض في أنفسهم، ثم قال تعالى قالَ أي فرعون أَجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى قال ابن كثير في الآية: (يقول تعالى مخبرا عن فرعون أنه قال لموسى حين أراه الآية الكبرى، وهي إلقاء عصاه فصارت ثعبانا عظيما، ونزع يده من

стр. 3185

تحت جناحه فخرجت بيضاء من غير سوء، فقال هذا سحر جئت به لتسحرنا، وتستولي به على الناس، فيتبعونك، وتكاثرنا بهم ولا يتم هذا معك، فإن عندنا سحرا مثل سحرك، فلا يغرنك ما أنت فيه. وقال صاحب الظلال عن هذه الآية والآية التي بعدها: قالَ: أَجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى؟ (ويظهر أن استعباد بني إسرائيل كان إجراء سياسيا خوفا من تكاثرهم وغلبتهم، وفي سبيل الملك والحكم لا يتحرج الطغاة من ارتكاب أشد الجرائم وحشية وأشنعها بربرية وأبعدها عن كل معاني الإنسانية وعن الخلق والشرف والضمير، ومن ثم كان فرعون يستأصل بني إسرائيل ويذلهم بقتل المواليد الذكور. واستبقاء الإناث، وتسخير الكبار في الشاق المهلك من الأعمال .. فلما قال له موسى وهارون: أرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم. قالَ: أَجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى؟ لأن إطلاق بني إسرائيل تمهيد للاستيلاء على الحكم والأرض. وإذا كان موسى [في زعم فرعون] يطلب إطلاق بني إسرائيل لهذا الغرض، وكل ما يقدمه هو عمل من أعمال السحر، فما أسهل الرد عليه: فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ .. وهكذا يفهم الطغاة أن دعوى أصحاب العقائد إنما تخفي وراءها هدفا من أهداف هذه الأرض، وأنها ليست سوى ستار للملك والحكم .. ثم هم يرون مع أصحاب الدعوات آيات، إما خارقة كآيات موسى، وإما مؤثرة في الناس تأخذ طريقها إلى قلوبهم وإن لم تكن من الخوارق. فإذا الطغاة يقابلونها بما يماثلها ظاهريا .. سحر نأتي بسحر مثله! كلام نأتي بكلام من نوعه! صلاح نتظاهر بالصلاح! عمل طيب نرائي بعمل طيب! ولا يدركون أن للعقائد رصيدا من الإيمان، ورصيدا من عون الله، فهي تغلب بهذا وبذاك، لا بالظواهر والأشكال.). فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ أي فلنعارضك بسحر مثل سحرك، وهكذا نقل فرعون المسألة من صبغتها الدينية فأعطاها صبغة سياسية ووطنية، وذلك دأب الظالمين مع أهل الحق، إذا وعظوهم أو ذكروهم أو أمروهم أو نهوهم فإنهم يتهمونهم في نياتهم، ويثيرون عليهم شتى العواطف، ثم قال فرعون لموسى فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً أي يوما نجتمع نحن وأنت فيه، فنعارض ما جئت به بما عندنا من السحر في مكان معين، ووقت معين لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكاناً سُوىً أي مستويا لا يغيب فيه شئ شيئا آخر، من أجل أن يرى الناس جميعا ما يحدث قالَ موسى مَوْعِدُكُمْ

стр. 3186

يَوْمُ الزِّينَةِ أي يوم عيدكم، وتفرغكم من أعمالكم وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ أي يجمعوا ضُحًى أي وقت الضحوة، واختياره يوم عيدهم ليشاهد الجميع قدرة الله على ما يشاء، ومعجزات الأنبياء، وبطلان معارضة السحر لخوارق العادات، فيكون التبليغ للجميع، وتقوم الحجة على الجميع، واختياره وقت الضحى ليكون هناك متسع من الوقت نهارا، ليشيع ما حدث، ويتذاكر الناس فيه أطول وقت ممكن بقية يومهم، فيستقر في قلوبهم، وليكون أظهر وأجلى وأبين وأوضح وأبعد عن الريبة، وأكثر كشفا للحق. قال ابن كثير: (وهكذا شأن الأنبياء كل أمرهم بين واضح ليس فيه خفاء ولا ترويج، ولذا لم يقل ليلا، ولكن نهارا ضحى) أقول: وفي ذلك درس للدعاة أن يختاروا الوقت الأنسب للشئ الذي يرغبوا أن يقدموه للناس خدمة لدين الله فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ أي شرع معرضا عن موسى في جمع السحرة من مدائن مملكته، وقد كان السحر فيهم كثيرا فَجَمَعَ كَيْدَهُ أي مكره وسحرته ثُمَّ أَتى للموعد قالَ لَهُمْ مُوسى أي للسحرة وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً أي لا تدعوا آياته ومعجزاته سحرا، أو لا تخيلوا للناس بأعمالكم إيجاد أشياء لا حقائق لها؛ فتكونوا قد كذبتم على الله فَيُسْحِتَكُمْ أي فيهلككم بسبب ذلك بِعَذابٍ أي فيهلككم بعقوبة هلاكا لا بقية له وَقَدْ خابَ أي خسر مَنِ افْتَرى أي من كذب على الله، وفي قول موسى هذا درس بليغ للدعاة ألا يقصروا في الوعظ في كل حال، وحتى لأشد أنصار الظالمين، فهؤلاء السحرة حشدهم فرعون ليجابه موسى، فوعظهم موسى، فأفاد هذا الوعظ مرتين، مرة في خلخلة صفهم، ومرة بعد ذلك إذ أسلموا جميعا، فلا يتركن المسلم دعوته في أي ظرف فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ أي اختلفوا وتشاجروا، ولا نعرف بالضبط ما هو مضمون النزاع، وقد قدر بعض المفسرين أن يكونوا اختلفوا في شأن موسى هل هو ساحر مثلهم؟ أو غير ساحر؟ وليس في معرفة ذلك كبير طائل ما دام النص قد أبهم مضمون اختلافهم وَأَسَرُّوا النَّجْوى أي كان تناجيهم فيما بينهم سرا، والذي يبدو- والله أعلم- أنهم تكتموا على خلافهم، ولم يحاولوا أن يظهروه، ورددوا فيما بينهم ما أعلنه فرعون من قبل ولذلك قالُوا إِنْ هذانِ لَساحِرانِ أي إنه هذان لساحران يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ مصر أي يريدان في هذا اليوم أن يغلباكم وقومكم ليستوليا على الناس، وتتبعهما العامة، ويقاتلا فرعون وجنوده فينتصرا عليه ويخرجاكم من أرضكم بِسِحْرِهِما وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ

стр. 3187

أي بدينكم وشريعتكم الْمُثْلى أي الفضلى فَأَجْمِعُوا أي أحكموا كَيْدَكُمْ أي ما تكيدون به موسى، أي اجعلوه مجمعا عليه حتى لا تختلفوا ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا أي ائتوا مصطفين، اتفقوا على ذلك لأنه أدل على وحدتهم، وأوقع في قلوب الرائين وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى أي وقد فاز من غلب، وهكذا حال أهل الباطل في الظاهر مجتمعون، وفي الباطن مختلفون، يتظاهرون بشيء، ويبطنون غيره، مولعون بالاستعراضات والمظاهر والمسيرات، ليغطوا بها ضعفهم النفسي، ثم توجهوا إلى موسى بالخطاب قالُوا أي السحرة يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ عصاك أولا وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى أي اختر أحد الأمرين: إلقاؤك أولا، أو إلقاؤنا أولا، وهذا التخيير منهم أدب حسن معه، وقد وصلت بركة الأدب إليهم إذ أسلموا بعد ذلك قالَ بَلْ أَلْقُوا أي أنتم أولا، وذلك ليبرزوا ما معهم من مكايد السحر، ويظهر الله سلطانه، ويقذف بالحق على الباطل فيدمغه، ويسلط المعجزة على السحر فتمحقه، فيصير آية نيرة للناظرين، وعبرة بينة للمعتبرين فألقوا فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أي إلى موسى مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى أي تتحرك وتضطرب، وهو عمل يشبه معجزة موسى في الظاهر، ويبدو أن سحرهم كان في غاية القوة، حتى أن موسى نفسه خيل إليه أن حبالهم وعصيهم تتحرك، ولنا في الفوائد كلام حول السحر والفارق بينه وبين المعجزة فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى أي أحس برهبة بحكم الجبلة البشرية، أو خاف أن يخالج الناس شك فلا يتبعوه، وهذا الذي رجحه ابن كثير ولم يحك غيره قال: (أي خاف على الناس أن يفتنوا بسحرهم ويغتروا بهم) والظاهر الأول وهو الذي قدمه النسفي، وليس في ذلك منقصة لموسى، بل هو الكمال ليكون قدوة، فليس الشأن ألا نحس في الخوف، ولكن الشأن ألا نستسلم له قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى أي الغالب القاهر، أكد له الغلبة بأكثر من مؤكد، كما هو معلوم في اللغة وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا أي ما زورا وافتعلوا، أي اطرح عصاك تبتلع عصيهم وحبالهم إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ ليس إلا، وكيد الساحر لا قيمة له وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى أي أينما كان فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً أي ألقى موسى عصاه فتلقفت ما صنعوا؛ فلعظم ما رأوا من الآية وقعوا ساجدين قال الأخفش: من سرعة ما سجدوا كأنهم ألقوا. قال النسفي: فما أعجب أمرهم، قد ألقوا حبالهم

стр. 3188

وعصيهم للكفر والجحود، ثم ألقوا رءوسهم بعد ساعة للشكر والسجود، فما أعظم الفرق بين الإلقاءين قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى وهكذا شأن المنصفين إذا رأوا الآية، وقامت عليهم الحجة، لقد عرفوا- لعلمهم بالسحر- أن المسألة ليست بسحر، وبقي الكافر اللعين فرعون يزعم أن فعلة موسى سحر قالَ فرعون حين رأى ما رأى من المعجزة الباهرة آمَنْتُمْ لَهُ أي صدقتموه قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ أي وما أمرتكم بذلك فافتئتم علي في ذلك، طالبهم بمنطق السلطان بالطاعة، والانضباط والتقيد بالأوامر، وعدم التصرف إلا بإذن، ولم يدر أن سلطان الله فوق سلطانه، وأمر الله فوق أمره، ثم قال لهم قولا يعلم هو والسحرة والخلق كلهم أنه بهت وكذب إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ أي لعظيمكم أو لمعلمكم الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ أي أنتم إنما أخذتم السحر عن موسى، واتفقتم أنتم وإياه علي، وعلى رعيتي لتظهروه، ثم لجأ إلى سلاح الإرهاب والتهديد، وهو سلاح الظالمين الأخير فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ القطع من خلاف: أن تقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى، لأن كل واحد من العضوين يخالف الآخر، بأن هذا يد وذاك رجل، وهذا يمين وذاك شمال يعني: لأقطعنها مختلفات وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ هددهم بأن يجمع لهم بين القطع والصلب، وتلك أفظع موتة، لأنها تجمع بين المثلة والألم والتشهير ثم قال وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى أي أنا على ترك إيمانكم بي، أو رب موسى على ترك الإيمان به، أو أنا أو موسى عذابنا أشد وأبقى؟ أي أكثر ألما وأدوم قالُوا أي السحرة لَنْ نُؤْثِرَكَ أي لن نختارك عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ أي الأدلة القاطعة الدالة على صدق موسى وَالَّذِي فَطَرَنا أي لن نختارك على الذي جاءنا ولا على الذي خلقنا فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ أي فاحكم ما أنت حاكم، أي فاصنع ما أنت صانع من القتل والصلب، أي فافعل ما شئت وما وصلت إليه يدك إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا أي في هذه الحياة الدنيا، أي إنما تحكم فينا مدة حياتنا. قال ابن كثير: أي إنما لك تسلط في هذه الدار، وهي دار الزوال، ونحن قد رغبنا في دار القرار إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا أي ذنوبنا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ أي وليغفر لنا ما أكرهتنا عليه من السحر، لتعارض به آية الله تعالى ومعجزة نبيه وَاللَّهُ خَيْرٌ لنا منك، أو خير ثوابا لمن أطاعه وَأَبْقى وأبقى عقابا لمن عصاه، وهو رد لقول فرعون وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى.

стр. 3189

قال ابن كثير: (والظاهر أن فرعون لعنه الله صمم على ذلك، وفعله بهم ولهذا قال ابن عباس وغيره من السلف: أصبحوا سحرة وأمسوا شهداء) ثم اتموا كلامهم واعظين فرعون ومحذرين له من نقمة الله وعذابه الدائم السرمدي ومرغبين له في ثوابه الأبدي المخلد ومعللين لإيمانهم فقالوا إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً أي كافرا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها فيستريح بالموت وَلا يَحْيى أي حياة ينتفع بها وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً أي بأن مات على الإيمان قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ أي بعد أن آمن فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى جمع العليا ثم فسر الدرجات العلى بقوله جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أي دائمين فيها ومعنى النص: ومن لقي ربه يوم المعاد مؤمن القلب قد صدق ضميره بقوله وعمله فأولئك لهم الجنة ذات الدرجات العاليات، والغرف الآمنات، والمساكن الطيبات وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى. قال ابن كثير: (أي طهر نفسه من الدنس والخبث والشرك، وعبد الله وحده لا شريك له واتبع المرسلين فيما جاءوا به من خبر وطلب). وما ذكرناه من أن هذه الآيات الثلاث هي حكاية قول السحرة هو الذي رجحه ابن كثير، وهو الذي مشينا عليه في التفسير، ورجح النسفي: أنها خبر من الله تعالى لا على وجه الحكاية، والذي نرجحه هو ما رجحه ابن كثير. وبهذا تنتهي الجولة الثانية من قصة موسى في هذه السورة. كلمة في السياق: رأينا أن محور السورة هو قوله تعالى من سورة البقرة: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ* أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وقد رأينا في هذه المجموعة من السورة نموذجا على الإيمان الصادق بالله ورسوله، ونموذجا عن الإيمان اليقيني باليوم الآخر، وما هي آثار ذلك، فهؤلاء سحرة فرعون عند ما خالط الإيمان بالله واليوم الآخر قلوبهم، أعلنوا إيمانهم في وجه فرعون واستهانوا بكل عقوباته واتهاماته وتهديداته، ولم يبق في قلوبهم إلا الرغبة في رضوان الله ونيل ثوابه، وإذا كان المقطع قد قص علينا ما يفعله الإيمان، فقد قص علينا كذلك من خبر فرعون ما عرفنا به أن عدم الإيمان بوحي الله ليس إلا أثر الكبر والعنجهية.

стр. 3190

أما الصلة بين مقدمة السورة وسياقها هنا فهي من حيث إنها تبين لنا أن الوحي تذكرة لمن يخشى، وقد رأينا كيف أن السحرة تذكروا، فلم يكن الوحي شقاء لموسى، ولا لهم، فالشقاء: هو بقاء الإنسان على الكفر ورفضه للحق، والعبرة بالخواتيم في الدنيا والآخرة، ولئن كانت خاتمة السحرة شهادة، فإنها سعادة إذ هي أمنية المؤمنين وقد نالوا رضوان الله، ولكن كيف كانت عاقبة فرعون، وماذا أعد له في الآخرة؟. إنه لا سعادة بدون هداية، ولا شقاء معها، ولا فلاح بدون إيمان ولا شقاء معه، وفي قول السحرة إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا ما يفيد أن الإنسان لو عذبه الكافرون كل حياته لما كان ذلك يساوي شيئا، ولما كان ذلك بالنسبة له شقاء. ومن ثم فإننا ندرك- وسيزداد هذا الإدراك وضوحا- أن السورة تعالج موضوع التصور الخاطئ للشقاء والسعادة الذي عليه الكافرون، فالسعادة: هي الإيمان بالوحي واليوم الآخر، والشقاء: هو رفض ذلك، فالكفر شقي شقي مهما كان غارقا في اللذات، والمؤمن سعيد سعيد مهما كان غارقا في الآلام أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ* ولننتقل إلى جولة جديدة من قصة موسى- ﵇ نرى فيها عاقبة فرعون، وعاقبة موسى وقومه، هي تعطي درسا جديدا لأهل الإيمان، وهذه الجولة تبدأ من الآية (٧٧) إلى نهاية الآية (٩٨)، ثم تأتي آيات تبين حكمة ذكر قصة موسى في هذا القرآن، وعاقبة الإعراض عن هذا القرآن، وتعرض لمشاهد من يوم القيامة، وتعود للكلام عن القرآن وخصائصه، وحكمة إنزاله، وكل ذلك بما ينسجم مع سياق السورة الخاص، ومع محورها ضمن السياق القرآني العام، ومن ثم فسنعرض هذه الآيات عرضا واحدا حتى نهاية الآية (١١٤) أي إلى بداية قصة آدم ﵇، وذلك هو المقطع الثالث في السورة. ***
следующие страницы →