← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.

стр. 3186

يَوْمُ الزِّينَةِ أي يوم عيدكم، وتفرغكم من أعمالكم وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ أي يجمعوا ضُحًى أي وقت الضحوة، واختياره يوم عيدهم ليشاهد الجميع قدرة الله على ما يشاء، ومعجزات الأنبياء، وبطلان معارضة السحر لخوارق العادات، فيكون التبليغ للجميع، وتقوم الحجة على الجميع، واختياره وقت الضحى ليكون هناك متسع من الوقت نهارا، ليشيع ما حدث، ويتذاكر الناس فيه أطول وقت ممكن بقية يومهم، فيستقر في قلوبهم، وليكون أظهر وأجلى وأبين وأوضح وأبعد عن الريبة، وأكثر كشفا للحق. قال ابن كثير: (وهكذا شأن الأنبياء كل أمرهم بين واضح ليس فيه خفاء ولا ترويج، ولذا لم يقل ليلا، ولكن نهارا ضحى) أقول: وفي ذلك درس للدعاة أن يختاروا الوقت الأنسب للشئ الذي يرغبوا أن يقدموه للناس خدمة لدين الله فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ أي شرع معرضا عن موسى في جمع السحرة من مدائن مملكته، وقد كان السحر فيهم كثيرا فَجَمَعَ كَيْدَهُ أي مكره وسحرته ثُمَّ أَتى للموعد قالَ لَهُمْ مُوسى أي للسحرة وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً أي لا تدعوا آياته ومعجزاته سحرا، أو لا تخيلوا للناس بأعمالكم إيجاد أشياء لا حقائق لها؛ فتكونوا قد كذبتم على الله فَيُسْحِتَكُمْ أي فيهلككم بسبب ذلك بِعَذابٍ أي فيهلككم بعقوبة هلاكا لا بقية له وَقَدْ خابَ أي خسر مَنِ افْتَرى أي من كذب على الله، وفي قول موسى هذا درس بليغ للدعاة ألا يقصروا في الوعظ في كل حال، وحتى لأشد أنصار الظالمين، فهؤلاء السحرة حشدهم فرعون ليجابه موسى، فوعظهم موسى، فأفاد هذا الوعظ مرتين، مرة في خلخلة صفهم، ومرة بعد ذلك إذ أسلموا جميعا، فلا يتركن المسلم دعوته في أي ظرف فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ أي اختلفوا وتشاجروا، ولا نعرف بالضبط ما هو مضمون النزاع، وقد قدر بعض المفسرين أن يكونوا اختلفوا في شأن موسى هل هو ساحر مثلهم؟ أو غير ساحر؟ وليس في معرفة ذلك كبير طائل ما دام النص قد أبهم مضمون اختلافهم وَأَسَرُّوا النَّجْوى أي كان تناجيهم فيما بينهم سرا، والذي يبدو- والله أعلم- أنهم تكتموا على خلافهم، ولم يحاولوا أن يظهروه، ورددوا فيما بينهم ما أعلنه فرعون من قبل ولذلك قالُوا إِنْ هذانِ لَساحِرانِ أي إنه هذان لساحران يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ مصر أي يريدان في هذا اليوم أن يغلباكم وقومكم ليستوليا على الناس، وتتبعهما العامة، ويقاتلا فرعون وجنوده فينتصرا عليه ويخرجاكم من أرضكم بِسِحْرِهِما وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ

стр. 3187

أي بدينكم وشريعتكم الْمُثْلى أي الفضلى فَأَجْمِعُوا أي أحكموا كَيْدَكُمْ أي ما تكيدون به موسى، أي اجعلوه مجمعا عليه حتى لا تختلفوا ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا أي ائتوا مصطفين، اتفقوا على ذلك لأنه أدل على وحدتهم، وأوقع في قلوب الرائين وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى أي وقد فاز من غلب، وهكذا حال أهل الباطل في الظاهر مجتمعون، وفي الباطن مختلفون، يتظاهرون بشيء، ويبطنون غيره، مولعون بالاستعراضات والمظاهر والمسيرات، ليغطوا بها ضعفهم النفسي، ثم توجهوا إلى موسى بالخطاب قالُوا أي السحرة يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ عصاك أولا وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى أي اختر أحد الأمرين: إلقاؤك أولا، أو إلقاؤنا أولا، وهذا التخيير منهم أدب حسن معه، وقد وصلت بركة الأدب إليهم إذ أسلموا بعد ذلك قالَ بَلْ أَلْقُوا أي أنتم أولا، وذلك ليبرزوا ما معهم من مكايد السحر، ويظهر الله سلطانه، ويقذف بالحق على الباطل فيدمغه، ويسلط المعجزة على السحر فتمحقه، فيصير آية نيرة للناظرين، وعبرة بينة للمعتبرين فألقوا فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أي إلى موسى مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى أي تتحرك وتضطرب، وهو عمل يشبه معجزة موسى في الظاهر، ويبدو أن سحرهم كان في غاية القوة، حتى أن موسى نفسه خيل إليه أن حبالهم وعصيهم تتحرك، ولنا في الفوائد كلام حول السحر والفارق بينه وبين المعجزة فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى أي أحس برهبة بحكم الجبلة البشرية، أو خاف أن يخالج الناس شك فلا يتبعوه، وهذا الذي رجحه ابن كثير ولم يحك غيره قال: (أي خاف على الناس أن يفتنوا بسحرهم ويغتروا بهم) والظاهر الأول وهو الذي قدمه النسفي، وليس في ذلك منقصة لموسى، بل هو الكمال ليكون قدوة، فليس الشأن ألا نحس في الخوف، ولكن الشأن ألا نستسلم له قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى أي الغالب القاهر، أكد له الغلبة بأكثر من مؤكد، كما هو معلوم في اللغة وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا أي ما زورا وافتعلوا، أي اطرح عصاك تبتلع عصيهم وحبالهم إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ ليس إلا، وكيد الساحر لا قيمة له وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى أي أينما كان فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً أي ألقى موسى عصاه فتلقفت ما صنعوا؛ فلعظم ما رأوا من الآية وقعوا ساجدين قال الأخفش: من سرعة ما سجدوا كأنهم ألقوا. قال النسفي: فما أعجب أمرهم، قد ألقوا حبالهم

стр. 3188

وعصيهم للكفر والجحود، ثم ألقوا رءوسهم بعد ساعة للشكر والسجود، فما أعظم الفرق بين الإلقاءين قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى وهكذا شأن المنصفين إذا رأوا الآية، وقامت عليهم الحجة، لقد عرفوا- لعلمهم بالسحر- أن المسألة ليست بسحر، وبقي الكافر اللعين فرعون يزعم أن فعلة موسى سحر قالَ فرعون حين رأى ما رأى من المعجزة الباهرة آمَنْتُمْ لَهُ أي صدقتموه قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ أي وما أمرتكم بذلك فافتئتم علي في ذلك، طالبهم بمنطق السلطان بالطاعة، والانضباط والتقيد بالأوامر، وعدم التصرف إلا بإذن، ولم يدر أن سلطان الله فوق سلطانه، وأمر الله فوق أمره، ثم قال لهم قولا يعلم هو والسحرة والخلق كلهم أنه بهت وكذب إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ أي لعظيمكم أو لمعلمكم الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ أي أنتم إنما أخذتم السحر عن موسى، واتفقتم أنتم وإياه علي، وعلى رعيتي لتظهروه، ثم لجأ إلى سلاح الإرهاب والتهديد، وهو سلاح الظالمين الأخير فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ القطع من خلاف: أن تقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى، لأن كل واحد من العضوين يخالف الآخر، بأن هذا يد وذاك رجل، وهذا يمين وذاك شمال يعني: لأقطعنها مختلفات وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ هددهم بأن يجمع لهم بين القطع والصلب، وتلك أفظع موتة، لأنها تجمع بين المثلة والألم والتشهير ثم قال وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى أي أنا على ترك إيمانكم بي، أو رب موسى على ترك الإيمان به، أو أنا أو موسى عذابنا أشد وأبقى؟ أي أكثر ألما وأدوم قالُوا أي السحرة لَنْ نُؤْثِرَكَ أي لن نختارك عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ أي الأدلة القاطعة الدالة على صدق موسى وَالَّذِي فَطَرَنا أي لن نختارك على الذي جاءنا ولا على الذي خلقنا فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ أي فاحكم ما أنت حاكم، أي فاصنع ما أنت صانع من القتل والصلب، أي فافعل ما شئت وما وصلت إليه يدك إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا أي في هذه الحياة الدنيا، أي إنما تحكم فينا مدة حياتنا. قال ابن كثير: أي إنما لك تسلط في هذه الدار، وهي دار الزوال، ونحن قد رغبنا في دار القرار إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا أي ذنوبنا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ أي وليغفر لنا ما أكرهتنا عليه من السحر، لتعارض به آية الله تعالى ومعجزة نبيه وَاللَّهُ خَيْرٌ لنا منك، أو خير ثوابا لمن أطاعه وَأَبْقى وأبقى عقابا لمن عصاه، وهو رد لقول فرعون وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى.

стр. 3189

قال ابن كثير: (والظاهر أن فرعون لعنه الله صمم على ذلك، وفعله بهم ولهذا قال ابن عباس وغيره من السلف: أصبحوا سحرة وأمسوا شهداء) ثم اتموا كلامهم واعظين فرعون ومحذرين له من نقمة الله وعذابه الدائم السرمدي ومرغبين له في ثوابه الأبدي المخلد ومعللين لإيمانهم فقالوا إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً أي كافرا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها فيستريح بالموت وَلا يَحْيى أي حياة ينتفع بها وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً أي بأن مات على الإيمان قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ أي بعد أن آمن فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى جمع العليا ثم فسر الدرجات العلى بقوله جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أي دائمين فيها ومعنى النص: ومن لقي ربه يوم المعاد مؤمن القلب قد صدق ضميره بقوله وعمله فأولئك لهم الجنة ذات الدرجات العاليات، والغرف الآمنات، والمساكن الطيبات وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى. قال ابن كثير: (أي طهر نفسه من الدنس والخبث والشرك، وعبد الله وحده لا شريك له واتبع المرسلين فيما جاءوا به من خبر وطلب). وما ذكرناه من أن هذه الآيات الثلاث هي حكاية قول السحرة هو الذي رجحه ابن كثير، وهو الذي مشينا عليه في التفسير، ورجح النسفي: أنها خبر من الله تعالى لا على وجه الحكاية، والذي نرجحه هو ما رجحه ابن كثير. وبهذا تنتهي الجولة الثانية من قصة موسى في هذه السورة. كلمة في السياق: رأينا أن محور السورة هو قوله تعالى من سورة البقرة: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ* أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وقد رأينا في هذه المجموعة من السورة نموذجا على الإيمان الصادق بالله ورسوله، ونموذجا عن الإيمان اليقيني باليوم الآخر، وما هي آثار ذلك، فهؤلاء سحرة فرعون عند ما خالط الإيمان بالله واليوم الآخر قلوبهم، أعلنوا إيمانهم في وجه فرعون واستهانوا بكل عقوباته واتهاماته وتهديداته، ولم يبق في قلوبهم إلا الرغبة في رضوان الله ونيل ثوابه، وإذا كان المقطع قد قص علينا ما يفعله الإيمان، فقد قص علينا كذلك من خبر فرعون ما عرفنا به أن عدم الإيمان بوحي الله ليس إلا أثر الكبر والعنجهية.

стр. 3190

أما الصلة بين مقدمة السورة وسياقها هنا فهي من حيث إنها تبين لنا أن الوحي تذكرة لمن يخشى، وقد رأينا كيف أن السحرة تذكروا، فلم يكن الوحي شقاء لموسى، ولا لهم، فالشقاء: هو بقاء الإنسان على الكفر ورفضه للحق، والعبرة بالخواتيم في الدنيا والآخرة، ولئن كانت خاتمة السحرة شهادة، فإنها سعادة إذ هي أمنية المؤمنين وقد نالوا رضوان الله، ولكن كيف كانت عاقبة فرعون، وماذا أعد له في الآخرة؟. إنه لا سعادة بدون هداية، ولا شقاء معها، ولا فلاح بدون إيمان ولا شقاء معه، وفي قول السحرة إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا ما يفيد أن الإنسان لو عذبه الكافرون كل حياته لما كان ذلك يساوي شيئا، ولما كان ذلك بالنسبة له شقاء. ومن ثم فإننا ندرك- وسيزداد هذا الإدراك وضوحا- أن السورة تعالج موضوع التصور الخاطئ للشقاء والسعادة الذي عليه الكافرون، فالسعادة: هي الإيمان بالوحي واليوم الآخر، والشقاء: هو رفض ذلك، فالكفر شقي شقي مهما كان غارقا في اللذات، والمؤمن سعيد سعيد مهما كان غارقا في الآلام أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ* ولننتقل إلى جولة جديدة من قصة موسى- ﵇ نرى فيها عاقبة فرعون، وعاقبة موسى وقومه، هي تعطي درسا جديدا لأهل الإيمان، وهذه الجولة تبدأ من الآية (٧٧) إلى نهاية الآية (٩٨)، ثم تأتي آيات تبين حكمة ذكر قصة موسى في هذا القرآن، وعاقبة الإعراض عن هذا القرآن، وتعرض لمشاهد من يوم القيامة، وتعود للكلام عن القرآن وخصائصه، وحكمة إنزاله، وكل ذلك بما ينسجم مع سياق السورة الخاص، ومع محورها ضمن السياق القرآني العام، ومن ثم فسنعرض هذه الآيات عرضا واحدا حتى نهاية الآية (١١٤) أي إلى بداية قصة آدم ﵇، وذلك هو المقطع الثالث في السورة. ***

стр. 3191

المقطع الثالث في السورة ويمتد من الآية (٧٧) إلى نهاية الآية (١١٤) وهذا هو: [سورة طه (٢٠): الآيات ٧٧ الى ١١٤] وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لا تَخافُ دَرَكاً وَلا تَخْشى (٧٧) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ (٧٨) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى (٧٩) يا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى (٨٠) كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى (٨١) وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى (٨٢) وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى (٨٣) قالَ هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى (٨٤) قالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (٨٥) فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ يا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (٨٦) قالُوا ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْناها فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ (٨٨) أَفَلا يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً (٨٩) وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠) قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى (٩١) قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣) قالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤) قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ (٩٥) قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (٩٦) قالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً (٩٧) إِنَّما إِلهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً (٩٨) كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً (٩٩) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْراً (١٠٠) خالِدِينَ فِيهِ وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلاً (١٠١) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً (١٠٢) يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً (١٠٣) نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً (١٠٤) وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً (١٠٥) فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً (١٠٦) لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً (١٠٧) يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً (١٠٨) يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً (١٠٩) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً (١١٠) وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً (١١١) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً (١١٢) وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً (١١٣) فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً (١١٤)

стр. 3192

التفسير: وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى حين أصر فرعون على أن لا يرسل معه بني إسرائيل بعد كل الآيات والعقوبات أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي أي أمرناه أن يخرج ببني إسرائيل من مصر ليلا، ويأخذ بهم طريق البحر فَاضْرِبْ لَهُمْ أي فاجعل لهم طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً أي يابسا لا تَخافُ دَرَكاً أي لحاقا وَلا تَخْشى أي وأنت لا تخشى أي اضرب لهم طريقا غير خائف أن يدركك فرعون وجنوده، أو يلحقوك، أو تغرق أنت وقومك فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ أي خرج خلفهم ومعه جنوده فَغَشِيَهُمْ أي غطاهم مِنَ الْيَمِّ أي من البحر ما غَشِيَهُمْ قال النسفي أي: أصابهم من البحر ما غشيهم، هو من جوامع الكلم التي تستقل مع قلتها بالمعاني الكثيرة أي غشيهم ما لا يعلم كنهه إلا الله وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ عن سبيل الرشاد وَما هَدى أي وما أرشدهم إلى الحق والسداد.

стр. 3193

كلمة في السياق: ختم الله الكلام عن فرعون بقوله وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى مع أنه كان يقول لقومه كما قص الله علينا في مكان آخر وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ (غافر: ٢٩) مما أفهمنا أنه لا هدى إلا بالإيمان بما أنزل الله، كما ذكر الله في الآيتين اللتين هما محور هذه السورة وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ* أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ فالخاتمة التي ختمت بها قصة فرعون دلت على أن الشقاء الحقيقي للكافرين، إذ لهم سوء العاقبة، وبعد سوء العاقبة لهم النار، فهذا هو الشقاء، أن يكون الإنسان ضالا، فيأخذه عذاب الله وهو كذلك، ثم له النار بعد ذلك. أما أهل الإيمان فالعاقبة لهم في الدنيا ولهم الآخرة، وهم سعداء في الدنيا بالإيمان والهدى، وسعداء في الآخرة بالنعيم. ثم اتجه السياق إلى مخاطبة بني إسرائيل يا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ فرعون وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وهو الذي كلم الله تعالى عليه موسى من قبل، وكلمه عليه من بعد، وأعطاه عليه الألواح، وسأله عليه الرؤية، وهذه المواعدة من أجل إعطاء الله موسى الألواح كما سنرى وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى أي في التيه. ذكرهم بأعظم نعمه عليهم: النجاة من العدو، وإنزال الكتب، وإنزال المن والسلوى في أيام التيه، حيث كانوا في أشد حالات الحاجة، ثم قال تعالى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ أباح لهم أن يأكلوا من الحلالات، وهذا من تمام النعمة، ثم حذرهم فقال وَلا تَطْغَوْا فِيهِ أي ولا تطغوا في رزقي، فتتعدوا حدود الله، وتكفروا نعمه، وتنحرفوا عن شريعته، ويظلم بعضكم بعضا فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي أي فأغضب عليكم وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي أي عقوبتي فَقَدْ هَوى أي فقد هلك، أو سقط سقوطا لا نهوض بعده، ثم بين لهم طريق التوبة بعد السقوط، إذا حدث طغيان وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ أي رجع عما كان فيه من كفر أو شرك أو معصية أو نفاق وَآمَنَ أي صدق بقلبه وَعَمِلَ صالِحاً أي بجوارحه ثُمَّ اهْتَدى أي استقام وثبت على الهدى، أي استقام على منهج الله وسار عليه حتى لقي الله، دل ذلك على أن الاهتداء الكامل أثر عن الإيمان والعمل الصالح والتوبة.

стр. 3194

كلمة في السياق: هذا الخطاب لبني إسرائيل فيه درس لأهل الإيمان ألا يطغوا؛ فإنهم إن طغوا حل بهم ما حل بالطغاة، ففرعون لم ينزل الله به عقابه إلا لطغيانه واعتدائه على أهل الإيمان، فإذا أصبح أهل الإيمان طغاة فانهم في هذه الحالة يصبحون كفرعون في استحقاقهم سخط الله وغضبه، ثم أكمل الله الدرس بأن دل على الطريق في حالة وقوع الطغيان وهو التوبة والإيمان والعمل الصالح والاستقامة. إن أهل الإيمان إذا أيدهم الله قد يظنون أن لهم شأنا خاصا عند الله يبيح لهم أن يفعلوا ما شاءوا، فيخالفوا ويعصوا، فنبه الله على ذلك في هذا السياق، ففي الآيات تنبيه لأهل الإيمان على منعرج خطر في الطريق. قد لاحظنا أن مما من الله على بني إسرائيل هو مواعدته إياهم جانب الطور الأيمن، وها قد وصل السياق إلى قصة هذه المواعدة، وكيف أن بني إسرائيل فتنوا خلال غيبة موسى عنهم، وكيف عالج موسى هذه الفتنة، والسياق ينقلنا مباشرة إلى مخاطبة موسى التي نفهم منها أن موسى قد سبق قومه إلى مكان الموعد وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى أي وأي شئ عجل بك عن قومك، أي أي شئ أوجب عجلتك، والاستفهام للإنكار كما قال النسفي، دل على أن التقيد الحرفي في الأوامر هو الكمال، فهذا موسى عجل للقاء الله مجتهدا، وهو في اجتهاده يتصور أن في ذلك مرضاة الله، ولا شك أن الشوق كان يدفعه ويحدوه، ومع ذلك أنكر الله عليه عجلته، كما دل على أن رعاية شئون الأمة بالمعاناة معها لإبقائها على أمر الله هو الوضع السليم، لا الانفراد والسبق، ولو كان بنية صالحة قالَ هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي أي هم خلفي يلحقون بي، وليس بيني وبينهم إلا مسافة يسيرة، ثم ذكر موجب العجلة فقال وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ أي إلى الموعد الذي وعدت لِتَرْضى أي لتزداد عني رضا ولا نلاحظ أن الله قد عاقبه على استعجاله، لأنه كان مجتهدا، وأقبل بنية صالحة سوى ذلك العتاب الذي بدأه به لما سأله عن سبب استعجاله، وهو أعلم، إلا أن السياق يفهمنا الكثير: وذلك أننا نعلم من سياق القصة في مكان آخر أن موسى- ﵇ بقي أربعين ليلة، وأعطاه الله الألواح فيها، وأعلمه فيها بما أحدث قومه، إلا أنه هنا قد

стр. 3195

طوى الكلام إلا عن الإخبار بما حدث لقومه بعده، وفي ذلك نوع إشعار بالخطإ في الاستعجال انعكس على الأمة بأسرها، وفي ذلك درس لأهل الإيمان بالالتزام الحرفي بالوحي أئمة ومأمومين، وهذا كله نفهمه من استعمال حرف الفاء في الجواب التي فيها ظلال السببية قالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ .. ولننتقل إلى الآيات التالية: قالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ أي ألقيناهم في فتنة مِنْ بَعْدِكَ من بعد خروجك من بينهم وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ أي بدعائه إياهم إلى عبادة العجل، وإجابتهم له فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ من مناجاة ربه غَضْبانَ أَسِفاً أي شديد الغضب، شديد الحزن، وكيف لا يغضب ويحزن وهم قد عبدوا غير الله مما يعلم كل ذي عقل بطلان ما عبدوه، وموسى فيما هو فيه من الاعتناء بأمرهم، وتسلم ما فيه هدايتهم وشرفهم من ربهم قالَ يا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً قال ابن كثير: أي أما وعدكم على لساني كل خير في الدنيا والآخرة، وحسن العاقبة، كما شاهدتم من نصرته إياكم على عدوكم، وإظهاركم عليه، وغير ذلك من أيادي الله؟؟ أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أي في انتظار ما وعدكم الله، ونسيان ما سلف من نعمه، وما بالعهد من قدم أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ أي بل أردتم بصنيعكم هذا أن تفعلوا فعلا يجب به عليكم الغضب من ربكم فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي أي ما وعدتموني إياه في توحيد الله وإقامة أمره قالُوا ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا أي عن قدرتنا واختيارنا، أي ما أخلفنا موعدك إن ملكنا أمرنا، أي لو ملكنا أمرنا وخلينا ورأينا لما أخلفنا موعدك، ولكنا غلبنا عليه، ثم بينوا كيف غلبوا بكيد السامري حيث أتاهم بمنطق في غاية الخبث، وها هم شرعوا في تبيانه وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ أي أثقالا من حلي القبط، أرادوا أنها آثام وتبعات لأنهم استعاروها ليلة الخروج من مصر وأخذوها فَقَذَفْناها أي فألقيناها عنا فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ تحتمل أنه ألقى كما ألقوا، وتحتمل أن مثل هذا الإلقاء أي الوسوسة ألقى لهم السامري، أتاهم من منطق الورع الكاذب، ليصل بهم إلى الكفر، أتاهم أنكم خنتم المصريين يوم استعرتم حليهم استعارة، ثم أخذتموها، فهذا غير مباح لكم، فعليكم أن تتخلوا عنه، ونسي الخبيث أن موسى ما أمرهم بهذا إلا بأمر الله، وأن الله هو الذي يحل ويحرم فما أحله فهو الحلال، وما حرمه فهو الحرام فَأَخْرَجَ لَهُمْ السامري من هذا الذهب عِجْلًا جَسَداً أي مجسدا لَهُ خُوارٌ له صوت، فهو محكم الصنعة جدا، فمالت طباعهم إلى الذهب، وكان

стр. 3196

عندهم استعداد للشرك، بدليل أنهم طلبوا من موسى- كما قصه الله علينا في سورة الأعراف- أن يجعل لهم إلها عند ما مروا على قوم يعبدون أصناما لهم فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى أي قال السامري وأتباعه ومن وافقه: هذا إلهكم وإله موسى فَنَسِيَ إن كان الضمير يعود إلى موسى يكون المعنى: هذا إله موسى ولكنه نسي ربه هنا، وذهب يتطلبه، وإن كان الضمير يعود إلى السامري يكون المعنى: فنسي السامري بفعله ذلك ربه، وترك ما كان عليه من الإيمان الظاهر، أو نسي السامري أن العجل لا يكون إلها بدليل ما بعده: أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً أي إن العجل عاجز عن الخطاب، والضر والنفع، فكيف تتخذونه إلها، أي أفلا يرون أنه لا يجيبهم إذا سألوه، ولا إذا خاطبوه، ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا في دنياهم، أو أخراهم. نقل عن الظلال: بمناسبة الكلام عن السامري في الآيات يقول صاحب الظلال: (والسامري رجل من (السامرة) كان يرافقهم، أو أنه واحد منهم يحمل هذا اللقب. وجعل [للعجل] منافذ إذا دارت فيها الريح، أخرجت صوتا كصوت الخوار، ولا حياة فيه ولا روح فهو جسد- ولفظ الجسد يطلق على الجسم الذي لا حياة فيه- فما كادوا يرون عجلا من ذهب يخور حتى نسوا ربهم الذي أنقذهم من أرض الذل، وعكفوا على عجل الذهب، وفي بلاهة فكر وبلادة روح قالوا: «هذا إلهكم وإله موسى». راح يبحث عنه على الجبل. وهو هنا معنا. وقد نسي موسى الطريق إلى ربه وضل عنه). وبمناسبة قول السامري الذي سيأتي: بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها قال صاحب الظلال: (وتتكاثر الروايات حول قول السامري هذا. فما هو الذي بصر به؟ ومن هو الرسول الذي قبض قبضة من أثره فنبذها؟ وما علاقة هذا بعجل الذهب الذي صنعه؟ وما أثر هذه القبضة فيه؟. والذي يتردد كثيرا في هذه الروايات أنه رأى جبريل- ﵇ وهو في صورته التي ينزل بها إلى الأرض، فقبض قبضة من تحت قدمه، أو من تحت حافر فرسه، فألقاها على عجل الذهب، فكان له هذا الخوار. أو أنها هي التي أحالت كوم الذهب عجلا له خوار.

стр. 3197

والقرآن لا يقرر هنا حقيقة ما حدث، إنما هو يحكي قول السامري مجرد حكاية، ونحن نميل إلى اعتبار هذا عذرا من السامري وتملصا من تبعة ما حدث. وأنه هو الذي صنع العجل من الذهب الذي قذفه بنو إسرائيل من زينة المصريين التي أخذوها معهم، وأنه صنعه بطريقة تجعل الريح تصوت في فراغه فتحدث صوتا كالخوار. ثم قال حكاية أثر الرسول يبرر بها موقفه، ويرجع الأمر إلى فطنته إلى أثر الرسول). فائدة وكلمة حول السياق: فيما فعله السامري وقصه الله علينا درس بليغ جدا، فقد استغل السامري روح الورع التي رباها موسى- ﵇ في أتباعه ليوجهها توجيها سيئا، يخدم أغراضه الكافرة، وذلك قد يحدث دائما إذا لم يوجد علم ووعي، فهذا الذي فعله السامري في حياة موسى- ﵇ فعله عبد الله بن سبأ بعد وفاة رسولنا ﵊ إذ استغل روح المثالية التي سيطرت على المسلمين، وروح الورع، واستغل السوابق التي كانت في عصر أبي بكر وعمر، وهي سوابق من الورع، فبدأ يطعن- كذبا وزورا- في تصرفات عثمان، مما أدى إلى الفتنة العمياء، التي لا زلنا نعاني من آثارها، أخذ بعض المسلمين بحبل الورع الجاهل ليصل بهم إلى الضلال المبين، وأي ضلال أفظع من قتل عثمان ﵁، إلا أن الشئ الذي ينبغي أن نسجله هنا أن الجيل الذي استطاع السامري إضلاله وفتنته هو نفس جيل موسى- ﵇ أما عبد الله بن سبأ فقد فتن جيلا أصبح الصحابة فيه قلة، وعلى كل حال فهذا الدرس يعلمنا أنه ما لم يكن كل فرد من المسلمين على غاية من العلم والوعي فإن استعدادهم للفتنة يبقى قائما، وقد تكون الفتنة باسم الدين نفسه. وفي كون هذه القصة جاءت في سياق السورة التي محورها وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ فإنها درس لأهل الإيمان أن يحذروا كل سامري يريد أن يفتنهم عما أنزل الله على رسوله ﷺ . وبعد ما مر يصل السياق إلى أن يعرض علينا كيف عالج هارون وموسى- ﵉ هذا الوضع وكل منهما رسول، ومن هذه المعالجة ندرك حكمة الله إذ جعل موسى رئيسا على هارون، وندرك أهمية العزم والحسم في تصرفات القائد الأعلى: وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ أي لمن عبدوا العجل مِنْ قَبْلُ أي من قبل رجوع

стр. 3198

موسى إليهم يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ أي ابتليتم بالعجل فلا تعبدوه وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ لا العجل فَاتَّبِعُونِي أي كونوا على ديني الذي هو الحق وَأَطِيعُوا أَمْرِي أي فيما آمركم به، واتركوا ما أنهاكم عنه، من عبادة العجل قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ أي لن نزال مقيمين على العجل وعبادته حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى أي حتى يعود إلينا موسى فننظر هل يعبده كما عبدناه، وهل صدق السامري أو لا، وهكذا خالفوا هارون في ذلك، وقد قص الله علينا في سورة الأعراف على لسان هارون قوله وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي وإذن كان موقفهم شديدا وسفيها. ولنذكر بهذه المناسبة موقف أبي بكر إذ ارتد من ارتد من العرب، كيف أنه أرجعهم إلى الجادة بحد السيف، لنعرف لأبي بكر فضله، وحاشا لله أن يكون في إشارتنا هذه انتقاص من هارون ﵇. فلنر كيف عالج موسى ﵇ هذه الفتنة. بدأ موسى ﵇ السيطرة على الموقف بتوجيه اللوم الشديد لأخيه، بل بتعزيره لما تصوره من تقصيره، بأن أخذ برأس أخيه يجره إليه كما قص الله علينا ذلك في سورة الأعراف، وكما يفهم من السياق هنا: قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا بعبادة العجل أَلَّا تَتَّبِعَنِ أي أي شئ منعك أن تتبعني حين لم يقبلوا قولك، وتلحق بي وتخبرني؟ أو ما منعك أن تتبعني في الغضب لله، وهلا قاتلت من كفر بمن آمن، وما لك لم تباشر الأمر كما كنت أباشره أنا لو كنت شاهدا أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي أي الذي قاله له يوم استخلفه وهو اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ كما ورد في سورة الأعراف قالَ يَا بْنَ أُمَّ قال ابن كثير: ترقق له بذكر الأم مع أنه شقيقه لأبويه، لأن ذكر الأم هاهنا أرق وأبلغ في الحنو والعطف لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي دل هذا على أن موسى قد أخذ بشعر رأس أخيه وبشعر لحيته غضبا وإنكارا عليه، لأن الغيرة في الله ملكته، ثم إن هارون ذكر عذره في عدم قتال من عبد العجل بمن لم يعبده فقال إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي أي ولم تحفظ قولي عند ما استخلفتك وهو كما مر في الأعراف وَأَصْلِحْ قال النسفي: وفيه دليل على الاجتهاد. أقول: وفي إنكار موسى على هارون دليل على أن القضاء على الكفر- ولو على حساب وحدة الأمة- هو الإصلاح، وليس الإصلاح هو المحافظة على وحدة الأمة مع الكفر، ثم تابع موسى ﵇ عملية السيطرة على الفتنة، فأقبل على السامري منكرا قالَ فَما خَطْبُكَ

стр. 3199

يا سامِرِيُّ أي ما حملك على ما صنعت، وما الذي عرض لك حتى فعلت ما فعلت، والمعني الحرفي هو: ما أمرك الذي تخاطب عليه يا سامري قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ أي علمت ما لم يعلمه بنو إسرائيل فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها أي فطرحتها وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي أي زينت لي نفسي أن أفعله ففعلته اتباعا لهواي، وهو اعتراف بالخطإ واعتذار، وليس توبة واستعدادا لقبول العقاب قالَ أي موسى فَاذْهَبْ أي من بيننا طريدا فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أي ما عشت أَنْ تَقُولَ لمن أراد مخالطتك جاهلا بمالك لا مِساسَ أي لا يمسني أحد، ولا أمسه ولنا عودة على هذا الموضوع وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ أي لن يخلفك الله موعده الذي وعدك على الشرك والفساد في الأرض، ينجزه لك في الآخرة بعد ما عاقبك بذاك في الدنيا وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ أي معبودك العجل الَّذِي ظَلْتَ أي ظللت عَلَيْهِ عاكِفاً أي مقيما على عبادته لَنُحَرِّقَنَّهُ بالنار ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ أي في البحر نَسْفاً أي لنذرينه في البحر تذرية، ومن هذا فهم بعض المفسرين أنهم بردوه في المبارد، ولما كانوا قد قالوا من قبل عن العجل هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فإن موسى ختم كلامه بقوله إِنَّما إِلهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فليس غيره إلها وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أي وسع علمه كل شئ، ومن كان هذا شأنه فهو وحده المستحق للعبادة، فأين تغيب عقولكم إذ تعبدون العجل؟! وبهذا قضى موسى على الفتنة وأرجع قومه إلى التوحيد، وفي ذلك درس لهذه الأمة كيف تقضي على كل انحراف. كلمة في السياق: نلاحظ أن قصة موسى جاءت بعد قوله تعالى: وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى * اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى * وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى .. وختمت قصة موسى بقوله تعالى: إِنَّما إِلهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً إن ذكر قصة موسى بين الآيتين المذكورتين تدليل على أن منزل القرآن وسع علمه كل شئ، وأنه يعلم السر وأخفى، كما أن في ذكر قصة موسى التي هي تكليف بالتوحيد ودعوة وحماية له بعد قوله تعالى اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى نموذج على أن ما يدعو إليه القرآن من التوحيد هو دعوة كل الرسل، ومن ثم فالصلة بين قصة موسى ومقدمة السورة من الوضوح بما لا مزيد عليه، وتزداد الصلة وضوحا في أذهاننا إذا تذكرنا ما يلي:

стр. 3200

بدأت السورة بقوله تعالى طه* ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى * تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى * الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى * لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى * وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى * اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى. ثم قصة موسى، وبعد ذلك يأتي قوله تعالى: كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً* مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْراً .. إن ذكر قصة موسى بين المقدمة وبين هذه الآيات تشير بوضوح إلى أن ذكر هذه القصة من باب التدليل على أن هذا القرآن من عند الله، الذي يعلم السر وأخفى، ويعلم كل شئ، ولو لم تكن المسألة كذلك ما كان القرآن ليقص علينا أنباء ما قد سبق بمثل هذه الدقة، فإذا أدركنا هذا عرفنا كذلك الصلة بين ما مر معنا من السورة، وبين محورها من سورة البقرة وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ .. فالسورة تعمق الإيمان بما أنزل الله على محمد ﵊ من خلال الكلام عما أنزله من قبل وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ .. ولنكمل تفسير الآيات ملاحظين أن ما سنفسره الآن هو المجموعة الثانية من المقطع الثالث، وهي تشكل فاصلا بين قصة موسى وقصة آدم فتبدأ بذكر الحكمة من عرض قصة موسى، ثم تنطلق بما يخدم سياق السورة الخاص وسياق القرآن العام كما سنرى: كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ أي مثل قصصنا عليك من قصة موسى وفرعون نقص عليك من أنباء ما قد سبق من أخبار الأمم الماضية؛ تكثيرا لبيناتك وزيادة في معجزاتك. قال ابن كثير فيها: أي: كما قصصنا عليك خبر موسى وما جرى له مع فرعون وجنوده على الجلية والأمر الواقع، كذلك نقص عليك الأخبار الماضية كما وقعت من غير زيادة ولا نقص وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنَّا أي من عندنا ذِكْراً أي وقد أعطيناك من لدنا قرآنا، وسمي القرآن ذكرا لأن فيه ذكر الله، ولأنه يذكر الإنسان، ولأنه يثير فكره واعتباره، فهذه واحدة من خصائص هذا القرآن، أن كل ما فيه من قصص وأخبار وتشريع وتقرير ذكر ومذكر، فكتاب هذا شأنه، وهذه بعض من خصائصه لا يمكن أن يكون إلا من عند الله العزيز الحكيم.

стр. 3201

كلمة في السياق: بدأت السورة بقوله تعالى طه* ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى وهاهنا نجد قوله تعالى وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً لاحظ الصلة بين الذكر والتذكرة، ثم لاحظ الصلة بين الآية الآتية مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْراً وبين ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى فليس الشقاء في اتباع القرآن، بل في الإعراض عنه، ثم لاحظ كيف أن قصة موسى كانت تذكرة وذكرا لمن يخشى، وهذا كله يشير إلى أن سياق السورة سائر على نسق واحد. ولنعد إلى التفسير: مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ أي من كذب بهذا الذكر وهو القرآن، وتولى عنه ولم يؤمن به فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْراً أي عقوبة ثقيلة سماها وزرا تشبيها في ثقلها على المعاقب، وصعوبة احتمالها، بالحمل الثقيل خالِدِينَ فِيهِ أي في الوزر، أي في جزائه وهو العذاب وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلًا أي وساء الحمل حملا وزرهم. قال ابن كثير: وهذا عام في كل من بلغه القرآن من العرب والعجم أهل الكتاب وغيرهم كما قال تعالى لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ فكل من بلغه القرآن فهو نذير له، وداع فمن اتبعه هدي، ومن خالفه وأعرض عنه ضل وشقي في الدنيا، والنار موعده يوم القيامة يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ أي ينفخ إسرافيل فيه، ولنا عودة على ذلك في الفوائد وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً أي عميا وهذا لأن حدقة من يذهب نور بصره تزرق، ويمكن أن يراد زرقة أجسامهم من ثقل ما هم فيه يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ أي يتسارون بينهم، أي يقول بعضهم لبعض سرا لهول ذلك اليوم: إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً أي ما لبثتم في الدنيا إلا عشر ليال، يستقصرون مدة لبثهم في القبور، أو في الدنيا؛ لما يعاينون من الشدائد التي تذكرهم أيام النعمة والسرور، فيتأسفون عليها، ويصفونها بالقصر، لأن أيام السرور قصار، أو لأنها ذهبت عنهم، والذاهب- وإن طالت مدته- قصير الانتهاء، أو لاستطالتهم الآخرة، لأنها أبد يستقصر إليها عمر الدنيا، ويتقال لبث أهلها فيها بالقياس إلى لبثهم في الآخرة نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ أي في حال تناجيهم بينهم إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً أي أعدلهم قولا، أي العاقل الكامل فيهم إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً لقصر مدة الدنيا في أنفسهم يوم المعاد. قال ابن كثير: لأن الدنيا كلها وإن تكررت أوقاتها، وتعاقبت لياليها وأيامها

стр. 3202

وساعاتها، كأنها يوم واحد، ولهذا يستقصر الكافرون مدة الحياة الدنيا يوم القيامة، وكأن غرضهم في ذلك درء قيام الحجة عليهم لقصر المدة وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ هل تبقى يوم القيامة أو تزول؟ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً أي يذهبها عن أماكنها، ويمحقها ويسيرها تسييرا فَيَذَرُها أي فيذر مقارها قاعاً صَفْصَفاً أي مستوية ملساء، هذا إن عاد الضمير إلى الجبال، وإن عاد إلى الأرض يكون المعنى: فيتركها بساطا واحدا. قال ابن كثير: والقاع: هو المستوي من الأرض، والصفصف تأكيد لمعنى ذلك لا تَرى فِيها عِوَجاً أي انخفاضا وَلا أَمْتاً أي ارتفاعا يَوْمَئِذٍ أي يوم تكون الأرض كذلك يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ إلى المحشر، أي صوت الداعي وهو إسرافيل لا عِوَجَ لَهُ أي لا يعوج له مدعو بل يستوون إليه من غير انحراف متبعين لصوته وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ أي وسكنت الأصوات هيبة وإجلالا للرحمن فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً أي إلا صوتا خفيا لتحريك الشفاه أو المعنى: فلا تسمع إلا خفق الأقدام ونقلها إلى المحشر، إذ تسمي العرب صوت أخفاف الإبل همسا. قال ابن كثير: (وقال سعيد بن جبير فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً الحديث وسره، ووطء الأقدام، فقد جمع سعيد كلا القولين وهو محتمل، أما وطء الأقدام فالمراد سعي الناس إلى المحشر، وهو مشيهم في سكون وخضوع، وأما الكلام الخفي فقد يكون في حال دون حال فقد قال تعالى يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (هود: ١٠٥) يَوْمَئِذٍ أي يوم القيامة لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عنده إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا أي لا تنفع الشفاعة إلا شفاعة من أذن له الرحمن أن يشفع، ورضي له قولا بأن يكون المشفوع له مسلما يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ أي يعلم ما تقدمهم من الأحوال وما يستقبلونه وَلا يُحِيطُونَ بِهِ أي بالله عِلْماً لأنه لا يعرف الله حق المعرفة إلا الله وَعَنَتِ الْوُجُوهُ أي وخضعت وذلت لِلْحَيِّ الذي لا يموت الْقَيُّومِ الدائم القائم على كل نفس بما كسبت، أو القائم بنفسه الدائم بتدبير الخلق وَقَدْ خابَ أي قد يئس من رحمة الله مَنْ حَمَلَ ظُلْماً أي من حمل إلى موقف القيامة شركا، لأن الظلم: وضع الشئ في غير موضعه، ولا ظلم أشد من جعل المخلوق شريكا لله وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ أي الطاعات وَهُوَ مُؤْمِنٌ أي مصدق بما جاء به محمد ﵊، قال

стр. 3203

النسفي: وفيه دليل أنه يستحق اسم الإيمان بدون الأعمال الصالحة، وأن الإيمان شرط قبولها فَلا يَخافُ ظُلْماً بأن يزاد في سيئاته وَلا هَضْماً أي ولا ينقص من حسناته؛ إذ أصل الهضم: النقص والكسر وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا هذه الآية معطوفة على قوله تعالى كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ كما ذكر النسفي: والمعنى: ومثل ذلك الإنزال أنزلناه قرآنا عربيا أي بلسان العرب، وفي ذلك إشارة إلى فصاحة هذا القرآن، ودقة بيانه إذ ليس كبيان العرب في الفصاحة والبيان وَصَرَّفْنا أي وكررنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ أي من الإنذار لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أي يجتنبون الشرك، ويتركون المآثم والمحارم والفواحش أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ أي القرآن أو الإنذار فيه ذِكْراً عظة وتذكرة فيفعلون الطاعات والقربات. كلمة في السياق: نلاحظ أنه قد وردت آيتان كل منهما مبدوءة بكلمة (كذلك) هما: كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً التي جاءت بعد قصة موسى مباشرة. والآية الثانية: وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً وما بين ذلك جاء هذا التذكير العالي، والإنذار المخيف، والوصف المدهش لليوم الآخر، وما يكون فيه، فكان ذلك نموذجا على الذكر في هذا القرآن، ونموذجا على ما في هذا القرآن من تصريف الوعيد، ورفع للإنسان إلى حقيقة التقوى، أو التذكر بهذه العظة الرائعة، ومن الآيتين ومما ورد بينهما نرى بعض خصائص هذا القرآن، من كونه ذكرا ومذكرا ومنذرا، ومن كون هذه الخصائص موجودة فيه على أرقاها، والنموذج الذي بين هاتين الآيتين دليل على ذلك وكتاب جاء ليفصل كل شئ، وكانت آياته كلها فيها هذه الخصائص وغيرها مجتمعة، دليل على أنه من عند الله، ومن ثم فإننا نلاحظ أن الآية التي بعد الآية الأخيرة بدأت بقوله تعالى فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ إن من عرف خصائص هذا القرآن، عرف علو الله وعظمته وإحاطة علمه. ولا شك أن القارئ لا تغيب عنه الصلة بين هذه المجموعة وسياق السورة الخاص، فالسورة قالت في بدايتها عن هذا القرآن: ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى وقالت هاهنا: لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً. فالآية تؤكد أن القرآن للتذكير، ولتربية الخشية، وبنفس الوقت تعلل لكون القرآن تذكرة لمن يخشى

стр. 3204

بقولها وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ فتصريف الوعيد، وكون القرآن ذكرا، تفصيل لكون القرآن تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى التي وردت في أول السورة، وفي قوله تعالى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً تفصيل لما يحدثه القرآن عند من يخشى، فهو يحدث له تقوى أو تذكرا. فما بين الآيتين [كذلك- وكذلك] وما بين مقدمة السورة صلة واضحة وفيما بين الآيتين نموذج على خصائص هذا القرآن المذكورة. وقصة موسى تخدم سياق السورة من هذا كله ندرك كيف سار السياق الخاص للسورة. والآن لنرى الصلة بين المجموعة الأخيرة والسياق العام للقرآن: إن محور هذه السورة قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ .. وهذه المجموعة بدأت بتهديد من لم يؤمن مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْراً ثم أنذرت هؤلاء المعرضين، وبشرت المؤمنين، ثم ذكرت من خصائص هذا القرآن لتنمية الإيمان به، ثم ختمت الآية الأخيرة بقوله تعالى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً وفي ذلك بيان أن مقتضى الإيمان بهذا القرآن الوصول إلى التقوى، والخروج من الغفلة فالإيمان بالقرآن له آثاره العملية إذن، وقد حدد الله أثرين من آثار الإيمان بهذا القرآن، تذكر الآن الآيات الأولى من سورة البقرة: ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ* وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ* أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ تذكر هذه الآيات لتجد الصلة على أشدها ما بين سورة طه ومحورها من سورة البقرة، ولم يبق عندنا من المجموعة إلا آية واحدة لم نفسرها فلنفسرها، ثم لنر محلها في السياق: فَتَعالَى اللَّهُ أي تنزه وتقدس وارتفع عن فنون الظنون وأوهام الأفهام، ومضاهاة الأنام، ومشابهة الأجسام الْمَلِكُ الذي له ملك السموات والأرض وما بينهما الْحَقُّ أي المحق في الوهيته وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ أي ولا تعجل بقراءة القرآن إذا لقنك جبريل إياه، من قبل أن يفرغ جبريل من الإبلاغ، بل أنصت وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً أي بالقرآن ومعانيه. قال النسفي: (وقيل ما أمر الله رسوله ﷺ بطلب الزيادة في شئ إلا في العلم) وبهذه الآية انتهت المجموعة الثانية من المقطع الثالث. فلنر محل هذه الآية في السياق الخاص والعام:

стр. 3205

كلمة في سياق هذه الآية: تتألف هذه الآية من ثلاث فقرات: ١ - فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ قررت هذه الآية أن الله هو المالك، وهو الحق، وهو المنزه، المتعالي وقد رأينا في بداية السورة قوله تعالى لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى وقلنا هناك: إن هذا تعليل لإنزال القرآن، وكونه على هذه الشاكلة، فالله الملك لكل شئ، أنزل هذا القرآن على عبيده، وكلفهم به، فذلك شأنه، وعلى المؤمن التسليم والإيمان، فالصلة بين اسم الملك هنا وبين سياق السورة واضح، وفي ذكر اسم الحق في هذا السياق الذي هو حديث عن هذا القرآن وضرورة الإيمان به إشارة إلى أن كتابه حق؛ لأن الله الذي أنزله حق، وفي قوله فَتَعالَى في هذا السياق إشارة إلى أن الله من العلو بحيث يكون كتابه على مثل هذا الكمال، فالصلة بين هذه الفقرة وبين سياق السورة قائمة. ٢ - وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ في هذه الفقرة توجيه لرسول الله ﷺ ، وإلزام له بأدب الصمت حين التلقي، وإذا تذكرنا ما قلناه عند قوله تعالى لموسى فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى عرفنا أن تأديب الله لرسله ﵈ واحد: الإنصات عند التلقي، ومن مثل هذه النكات الدقيقة التي ترينا هذه الوحدة في التربية الربانية على مدى العصور، وهذه الوحدة التي نرى فيها كل كلمة في القرآن، ترتبط بغيرها وتكملها ولا ينقض منها شئ شيئا، من مثل هذا نجد كيف أن هذا القرآن جل أن يكون من عند البشر. وفي هذه الفقرة شئ آخر وهو أن رسول الله ﷺ متلق هذا القرآن تلقيا، وهو مخاطب به، ومكلف فيه، ويؤمر من أجل ذلك بأوامر، ففي ذلك تأكيد على أن هذا القرآن من عند الله، وأن محمدا رسول الله ليس إلا، ويخدم هذا المعنى الفقرة الثالثة في الآية. ٣ - وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً وفي هذا الأمر في هذه الآية المبتدأة بقوله تعالى فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ إشارة إلى أن هذا القرآن فيه ما لا يتناهى من العلوم. فهل اتضحت بهذا كله الصلة بين هذه الآية وسياق السورة ولماذا استقر عليها سياق المقاطع الثلاثة:

стр. 3206

الله هو الذي أنزل هذا القرآن العظيم، فتعالى الله الملك الحق. أنزل الله هذا القرآن للإسعاد لا للإشقاء، فتعالى الله الملك الحق. فيا أيها الذي أنزل عليه هذا القرآن استمع، وأنصت، واطلب من الله مزيد العلم، بدأت مقدمة السورة بالخطاب المباشر لرسول الله ﷺ ، واستقر المقطع الثالث على الخطاب المباشر لرسول الله ﷺ ، ولعله بهذا كله اتضحت صلة هذه الآية بالسياق القرآني العام، أي بمحورها من سورة البقرة وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ الذين يؤمنون بما أنزل الله الملك الحق، الذي أمرك- أيها الرسول- أن تنصت إذا أنزل عليك القرآن، والذي أمرك أن تطلب منه مزيد العلم، فأنت منزل عليه، وأنت متلق عن الله، وكل ذلك قام عليه الدليل، فعلى الإنسان أن يؤمن بما أنزل عليك. وهكذا انتهى المقطع الثالث من هذه السورة، ولقد عرضنا المقاطع الثلاثة عرضا مستمرا مؤخرين الفوائد التي اعتدنا أن نقدمها وراء المقطع الواحد أو المجموعة الواحدة لأن فهم السياق اقتضى منا ذلك. وإذ لم يبق عندنا إلا مقطع واحد في السورة، ثم خاتمة السورة، فإننا نذكر هنا الفوائد المتعلقة بالمقاطع الثلاثة: الفوائد: ١ - إن ما ورد في السورة من قصة موسى نجده في سفر الخروج، وكنا نقلنا نقولا كثيرة من ذلك عند الكلام عن سورة الأعراف، وبينا قيمة هذه النقول، وذكرنا كيف أن كل كتب العهد القديم فيها علامة تحريفها، ومن ثم فلا تصلح أساسا للفهم، ولا للاعتماد، ولا للتفصيل، ولا للنظر لما فيها من الخلط والخبط والخطأ والتشويه، فمن ذلك مثلا أنها- في موضوعنا- تذكر أن هارون ﵇ هو الذي صنع لهم العجل ليعبدوه فالحمد لله الذي أكرمنا بهذا القرآن، وأعطانا التصور الصحيح للحق الذي نزه به الأنبياء ﵈، وإذا كانت التوراة الحالية على مثل هذه الشاكلة من الخلط والخبط، فإنك تجد فيها الحوادث مختلطة، فيها تقديم وفيها تأخير، وفيها تحريف، وذلك أثر عن ضياعها وجمعها بعد زمن طويل، كما أثبتنا ذلك في أكثر من مكان في هذا التفسير، ومن ثم فإن فيما قصه الله علينا كفاية.

стр. 3207

٢ - بمناسبة قوله تعالى وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً ذكر ابن كثير ما أسماه بحديث الفتون الذي استغرق أربع صفحات من تفسيره، ثم ختمه بأن علق عليه بقوله: (وكأنه تلقاه ابن عباس مما أبيح نقله من الإسرائيليات عن كعب الأحبار. أو غيره والله أعلم، ثم قال: وسمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي يقول ذلك) أقول: الذي يبدو: أن هذا الكلام الذي قاله ابن عباس هو حصيلة ما يمكن أن يكون سمعه من أهل الكتاب، أو فهمه من القرآن أو سمع بعضه من رسول الله ﷺ . فإذا عرفنا قيمة النقل عن أهل الكتاب فيما هو عنهم، فلا حرج علينا من نقله، خاصة وقد أخرجه النسائي في سننه. قال ابن كثير ناقلا عن النسائي بسنده إلى سعيد بن جبير قال: سألت عبد الله بن عباس عن قول الله لموسى ﵇ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً فسألته عن الفتون ما هو فقال: استأنف النهار يا ابن جبير فإن لها حديثا طويلا. فلما أصبحت غدوت إلى ابن عباس لأنتجز منه ما وعدني من حديث الفتون، فقال: تذاكر فرعون وجلساؤه ما كان الله وعد إبراهيم ﵇ أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكا، فقال بعضهم: إن بني إسرائيل ينتظرون ذلك لا يشكون فيه، وكانوا يظنون أنه يوسف بن يعقوب، فلما هلك قالوا ليس هكذا كان وعد إبراهيم ﵇، فقال فرعون: كيف ترون. فائتمروا وأجمعوا أمرهم على أن يبعث رجالا معهم الشفار، يطوفون في بني إسرائيل، فلا يجدون مولودا ذكرا إلا ذبحوه. ففعلوا ذلك، فلما رأوا أن الكبار من بني إسرائيل يموتون بآجالهم، والصغار يذبحون، قالوا: ليوشكن أن تفنوا بني إسرائيل، فتصيروا إلى أن تباشروا من الأعمال والخدمة التي يكفونكم؛ فاقتلوا عاما كل مولود ذكرا، واتركوا بناتهم، ودعوا عاما فلا تقتلوا منهم أحدا، فيشب الصغار مكان من يموت من الكبار، فإنهم لن يكثروا بمن تستحيون منهم؛ فتخافوا مكاثرتهم إياكم، ولم يفنوا بمن تقتلون وتحتاجون إليهم، فأجمعوا أمرهم على ذلك، فحملت أم موسى بهارون في العام الذي لا يذبح فيه الغلمان فولدته علانية آمنة. فلما كان من قابل، حملت بموسى ﵇، فوقع في قلبها الهم والحزن، وذلك من الفتون يا ابن جبير، ما دخل عليه وهو في بطن أمه مما يراد به. فأوحى الله إليها وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي، إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ فأمرها إذا ولدت أن تجعله في تابوت ثم تلقيه في اليم. فلما ولدت فعلت ذلك، فلما توارى عنها ابنها أتاها الشيطان فقالت في نفسها: ما فعلت بابني لو ذبح

стр. 3208

عندي فواريته وكفنته كان أحب إلي من أن ألقيه إلى دواب البحر وحيتانه، فانتهى الماء به حتى أوفى به عند مرفعة مستقى جواري امرأة فرعون، فلما رأينه أخذنه، فأردن أن يفتحن التابوت، فقالت بعضهن: إن في هذا مالا، وإنا إن فتحناه لم تصدقنا امرأة الملك بما وجدناه، فيه فحملنه كهيئته لم يخرجن منه شيئا حتى دفعنه إليها، فلما فتحته رأت فيه غلاما، فألقى الله عليه منها محبة لم تلق منها على أحد قط، وأصبح فؤاد أم موسى فارغا من ذكر كل شئ إلا من ذكر موسى. فلما سمع الذباحون بأمره، أقبلوا بشفارهم إلى امرأة فرعون ليذبحوه، وذلك من الفتون يا ابن جبير، فقالت لهم: أقروه فإن هذا الواحد لا يزيد بني إسرائيل حتى آتي فرعون فأستوهبه منه، فإن وهبه لي كنتم قد أحسنتم وأجملتم، وإن أمر بذبحه لم ألمكم، فأتت فرعون فقالت: قرة عين لي ولك فقال فرعون: يكون لك فأما لي فلا حاجة لي فيه. فقال رسول الله ﷺ : «والذي يحلف به لو أقر فرعون أن يكون قرة عين له كما أقرت امرأته لهداه الله كما هداها ولكن حرمه ذلك» فأرسلت إلى من حولها، إلى كل امرأة لها، لأن تختار له ظئرا فجعل كلما أخذته امرأة منهن لترضعه لم يقبل على ثديها حتى أشفقت امرأة فرعون أن يمتنع من اللبن فيموت، فأحزنها ذلك، فأمرت به فأخرج إلى السوق ومجمع الناس، ترجو أن تجد له ظئرا تأخذه منها، فلم يقبل، وأصبحت أم موسى والها، فقالت لأخته قصي أثره واطلبيه، هل تسمعين له ذكرا، أحي ابني أم أكلته الدواب، ونسيت ما كان الله وعدها فيه، فبصرت به أخته عن جنب وهم لا يشعرون، والجنب: أن يسمو بصر الإنسان إلى شئ بعيد، وهو إلى جنبه لا يشعر به، فقالت من الفرح حين أعياهم الظؤارات: أنا أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون، فأخذوها فقالوا: ما يدريك ما نصحهم له، هل تعرفينه؟ حتى شكوا في ذلك، وذلك من الفتون يا ابن جبير. فقالت نصحهم له وشفقتهم عليه رغبتهم في صهر الملك ورجاء منفعة الملك، فتركوها فانطلقت إلى أمها، فأخبرتها الخبر، فجاءت أمه، فلما وضعته في حجرها نزا إلى ثديها فمصه حتى امتلأ جنباه ريا وانطلق البشير إلى امرأة فرعون يبشرونها، أن قد وجدنا لابنك ظئرا، فأرسلت إليها، فأتت بها وبه، فلما رأت ما يصنع بها قالت: امكثي ترضعي ابني هذا، فإني لم أحب شيئا حبه قط، قالت أم موسى: لا أستطيع أن أدع بيتي وولدي فيضيع، فإن طابت نفسك أن تعطينيه فأذهب به إلى بيتي فيكون معي لا الوه خيرا فعلت، فإني غير تاركة بيتي وولدي، وذكرت أم موسى ما كان الله وعدها فيه، فتعاسرت على امرأة فرعون، وأيقنت أن الله منجز وعده فرجعت به إلى بيتها من

стр. 3209

يومها، وأنبته الله نباتا حسنا، وحفظه لما قد قضى فيه، فلم يزل بنو إسرائيل وهم في ناحية القرية ممتنعين من السخرة والظلم ما كان فيهم. فلما ترعرع قالت امرأة فرعون لأم موسى: أزيريني ابني، فدعتها يوما تزورها إياه فيه، وقالت امرأة فرعون لخزانها وظئورها وقهارمتها: لا يبقين أحد منكم إلا استقبل ابني اليوم بهدية وكرامة، لأرى ذلك، وأنا باعثة أمينا يحصي ما يصنع كل إنسان منكم، فلم تزل الهدايا والكرامة والنحل تستقبله من حين خرج من بيت أمه إلى أن دخل على امرأة فرعون. فلما دخل عليها نحلته وأكرمته وفرحت به، ونحلت أمه لحسن أثرها عليه، ثم قالت: لآتين به فرعون فلينحلنه وليكرمنه، فلما دخلت به عليه جعله في حجره، فتناول موسى لحية فرعون فمدها إلى الأرض، فقال الغواة من أعداء الله لفرعون: ألا ترى ما وعد الله إبراهيم نبيه أنه زعم أن يرثك ويعلوك ويصرعك، فأرسل إلى الذباحين ليذبحوه، وذلك من الفتون يا ابن جبير بعد كل بلاء ابتلي به. وأريد به فتونا، فجاءت امرأة فرعون فقالت: ما بدا لك في هذا الغلام الذي وهبته لي؟ فقال: ألا ترينه يزعم أنه يصرعني ويعلوني، فقالت: اجعل بيني وبينك أمرا يعرف الحق به، ائت بجمرتين ولؤلؤتين فقدمهن إليه، فإن بطش باللؤلؤتين واجتنب الجمرتين عرفت أنه يعقل، وإن تناول الجمرتين ولم يرد اللؤلؤتين علمت أن أحدا لا يؤثر الجمرتين على اللؤلؤتين وهو يعقل. فقرب إليه الجمرتين واللؤلؤتين فتناول الجمرتين، فانتزعهما منه مخافة أن يحرقا يده، فقالت المرأة: ألا ترى؟ فصرفه الله عنه بعد ما كان قد هم به، وكان الله بالغا فيه أمره، فلما بلغ أشده وكان من الرجال لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل معه بظلم ولا سخرة حتى امتنعوا كل الامتناع، فبينما موسى ﵇ يمشي في ناحية المدينة إذا هو برجلين يقتتلان، أحدهما فرعوني والآخر إسرائيلي. فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني، فغضب موسى غضبا شديدا لأنه تناوله وهو يعلم منزلته من بني إسرائيل، وحفظه لهم لا يعلم الناس إلا إنما ذلك من الرضاع، إلا أم موسى، إلا أن يكون الله أطلع موسى من ذلك على ما لم يطلع عليه غيره، فوكز موسى الفرعوني فقتله، وليس يراهما أحد إلا الله والإسرائيلي، فقال موسى حين قتل الرجل: هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين، ثم قال: رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ فأصبح في المدينة خائفا يترقب الأخبار فأتي فرعون فقيل له إن بني إسرائيل قتلوا رجلا من آل فرعون فخذ لنا بحقنا ولا ترخص لهم، فقال: ابغوني قاتله ومن يشهد عليه، فإن الملك وإن كان صفوة مع قومه لا يستقيم له أن

стр. 3210

يقيد بغير بينة ولا ثبت، فاطلبوا لي علم ذلك؛ آخذ لكم بحقكم، فبينما هم يطوفون لا يجدون ثبتا إذ بموسى من الغد قد رأى ذلك الإسرائيلي يقاتل رجلا من آل فرعون آخر، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني، فصادف موسى، فندم على ما كان منه، وكره الذي رأى، فغضب الإسرائيلي وهو يريد أن يبطش بالفرعوني، فقال للإسرائيلي لما فعل بالأمس واليوم: إنك لغوي مبين، فنظر الإسرائيلي إلى موسى بعد ما قال له ما قال، فإذا هو غضبان كغضبه بالأمس الذي قتل فيه الفرعوني، فخاف أن يكون بعد ما قال له إنك لغوي مبين أن يكون إياه أراد، ولم يكن أراده، إنما أراد الفرعوني، فخاف الإسرائيلي وقال: يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس، وإنما قاله مخافة أن يكون إياه أراد موسى ليقتله، فتتاركا وانطلق الفرعوني، فأخبرهم بما سمع من الإسرائيلي من الخبر حين يقول: يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس، فأرسل فرعون الذباحين ليقتلوا موسى، فأخذ رسل فرعون في الطريق الأعظم يمشون على هيئتهم، يطلبون موسى وهم لا يخافون أن يفوتهم، فجاء رجل من شيعة موسى من أقصى المدينة، فاختصر طريقا حتى سبقهم إلى موسى، فأخبره، وذلك من الفتون يا ابن جبير. فخرج موسى متوجها نحو مدين ولم يلق بلاء قبل ذلك، وليس له بالطريق علم إلا حسن ظنه بربه ، فإنه قال: عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ* وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ يعني بذلك: حابستين غنمهما فقال لهما: ما خطبكما معتزلتين لا تسقيان مع الناس؟ قالتا: ليس لنا قوة نزاحم القوم وإنما نسقي من فضول حياضهم، فسقى لهما، فجعل يغترف في الدلو ماء كثيرا، حتى كان أول الرعاء، فانصرفتا بغنمهما إلى أبيهما، وانصرف موسى ﵇، فاستظل بشجرة وقال رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ. واستنكر أبوهما سرعة صدورهما بغنمهما حفلا بطانا، فقال: إن لكما اليوم لشأنا فأخبرتاه بما صنع موسى، فأمر إحداهما أن تدعوه، فأتت موسى فدعته فَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ليس لفرعون ولا لقومه علينا سلطان، ولسنا في مملكته فقالت إحداهما يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ فاحتملته الغيرة على أن قال لها ما يدريك، ما قوته وما أمانته، فقالت: أما قوته فما رأيت منه في الدلو حين سقى لنا لم أر رجلا قط أقوى في ذلك السقي منه، وأما الأمانة فإنه نظر إلي حين أقبلت إليه وشخصت له، فلما علم أني امرأة صوب رأسه فلم يرفعه

стр. 3211

حتى بلغته رسالتك، ثم قال لي: امشي خلفي وانعتي لي الطريق، فلم يفعل هذا إلا وهو أمين. فسري عن أبيها وصدقها، وظن به الذي قالت، فقال له: هل لك أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ* سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ففعل فكانت على نبي الله موسى ثمان سنين واجبة، وكانت سنتان عدة منه، فقضى الله عنه عدته فأتمها عشرا، قال سعيد وهو ابن جبير: فلقيني رجل من أهل النصرانية من علمائهم قال: هل تدري أي الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا، وأنا يومئذ لا أدري، فلقيت ابن عباس فذكرت له ذلك، فقال: أما علمت أن ثمانيا كانت على نبي الله واجبة، لم يكن نبي لينقص منها شيئا، ويعلم أن الله كان قاضيا عن موسى مدته التي كان وعده، فإنه قضى عشر سنين، فلقيت النصراني فأخبرته ذلك فقال: الذي سألته فأخبرك أعلم منك بذلك، قلت: أجل وأولى، فلما سار موسى بأهله كان من أمر النار والعصا ويده ما قص الله عليك في القرآن، فشكا إلى الله تعالى ما يحذر من آل فرعون في القتيل، وعقدة لسانه، فإنه كان في لسانه عقدة تمنعه من كثير الكلام، وسأل ربه أن يعينه بأخيه هارون يكون له ردءا يتكلم عنه بكثير مما لا يفصح به لسانه، فآتاه الله سؤله وحل عقدة من لسانه، وأوحى الله إلى هارون، وأمره أن يلقاه، فاندفع موسى بعصاه حتى لقي هارون ﵇، فانطلقا جميعا إلى فرعون، فأقاما على بابه حينا لا يؤذن لهما، ثم أذن لهما بعد حجاب شديد فقالا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ قال: فمن ربكما؟ فأخبراه بالذي قص الله عليك في القرآن قال: فما تريدان؟ وذكره القتيل فاعتذر بما قد سمعت قال: أريد أن تؤمن بالله، وترسل معنا بني إسرائيل فأبى عليه وقال: ائت بآية إن كنت من الصادقين. فألقى عصاه فإذا هي حية تسعى عظيمة، فاغرة فاها، مسرعة إلى فرعون، فلما رآها فرعون قاصدة إليه خافها، فاقتحم عن سريره واستغاث بموسى أن يكفها عنه ففعل، ثم أخرج يده من جيبه فرآها بيضاء من غير سوء، يعني: من غير برص، ثم ردها فعادت إلى لونها الأول، فاستشار الملأ حوله فيما رأى فقالوا له: هذان ساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى، يعني: ملكهم الذي هم فيه، والعيش، وأبوا على موسى أن يعطوه شيئا مما طلب، وقالوا له: اجمع لهما السحرة فإنهم بأرضك كثير، حتى تغلب بسحرك سحرهما، فأرسل إلى المدائن فحشر له كل ساحر متعالم، فلما أتوا فرعون قالوا: بما يعمل هذا الساحر؟ قالوا يعمل

стр. 3212

بالحيات، قالوا: فلا والله ما أحد في الأرض يعمل بالسحر والحيات، والحبال والعصي، الذي نعمل، فما أجرنا إن نحن غلبنا؟ قال لهم: أنتم أقاربي وخاصتي، وأنا صانع إليكم كل شئ أحببتم، فتواعدوا يوم الزينة، وأن يحشر الناس ضحى، قال سعيد بن جبير فحدثني ابن عباس أن يوم الزينة اليوم الذي أظهر الله فيه موسى على فرعون والسحرة، هو يوم عاشوراء. فلما اجتمعوا في صعيد واحد قال الناس بعضهم لبعض: انطلقوا فلنحضر هذا الأمر لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ يعنون موسى وهارون استهزاء بهما؛ فقالوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ قالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ فرأى موسى من سحرهم ما أوجس في نفسه خيفة، فأوحى الله إليه أن ألق عصاك فلما ألقاها صارت ثعبانا عظيمة فاغرة فاها، فجعلت العصي تلتبس بالحبال حتى صارت جرزا إلى الثعبان تدخل فيه، ما أبقت عصا ولا حبلا إلا ابتلعته، فلما عرف السحرة ذلك قالوا: لو كان هذا سحرا لم يبلغ من سحرنا كل هذا، ولكن هذا أمر من الله ، آمنا بالله وبما جاء به موسى من عند الله، ونتوب إلى الله مما كنا عليه، فكسر الله ظهر فرعون في ذلك الموطن وأشياعه، ظهر الحق وبطل ما كانوا يعملون فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ وامرأة فرعون بارزة متبذلة تدعو الله بالنصر لموسى على فرعون وأشياعه، فمن رآها من آل فرعون ظن أنها إنما ابتذلت للشفقة على فرعون وأشياعه، وإن كان حزنها وهمها لموسى، فلما طال مكث موسى بمواعيد فرعون الكاذبة، كلما جاء بآية وعده عندها أن يرسل معه بني إسرائيل، فإذا مضت أخلف موعده وقال: هل يستطيع ربك أن يصنع غير هذا؟ فأرسل الله على قومه الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم آيات مفصلات، كل ذلك يشكو إلى موسى ويطلب إليه أن يكفها عنه، ويواثقه على أن يرسل معه بني إسرائيل، فإذا كف ذلك أخلف موعده، ونكث عهده، حتى أمر الله موسى بالخروج بقومه فخرج بهم ليلا، فلما أصبح فرعون ورأى أنهم قد مضوا، أرسل في المدائن حاشرين، فتبعه بجنود عظيمة كثيرة، وأوحى الله إلى البحر إذا ضربك عبدي موسى بعصاه فانفلق اثنتي عشرة فرقة، حتى يجوز موسى ومن معه، ثم التق على من بقي بعد من فرعون وأشياعه فنسي موسى أن يضرب البحر بالعصا، وانتهى إلى البحر وله قصيف، مخافة أن يضربه موسى بعصاه وهو غافل، فيصير عاصيا لله. فلما تراءى الجمعان وتقاربا قالَ أَصْحابُ مُوسى: إِنَّا لَمُدْرَكُونَ افعل ما أمرك به ربك، فإنه لم يكذب ولم تكذب. قال: وعدني ربي

стр. 3213

إذا أتيت البحر انفرق اثنتي عشرة فرقة حتى أجاوزه ثم ذكره بعد ذلك العصا، فضرب البحر بعصاه حين دنا أوائل جند فرعون من أواخر جند موسى، فانفرق البحر كما أمره ربه، وكما وعد موسى، فلما أن جاوز موسى وأصحابه كلهم البحر، ودخل فرعون وأصحابه التقى عليهم البحر كما أمر، فلما جاوز موسى البحر قال أصحابه: إنا نخاف أن لا يكون فرعون غرق ولا نؤمن بهلاكه، فدعا ربه فأخرجه له ببدنه، حتى استيقنوا بهلاكه، ثم مروا بعد ذلك على قوم يعكفون على أصنام لهم قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ* قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ* إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ الآية. قد رأيتم من العبر وسمعتم ما يكفيكم، ومضى فأنزلهم موسى منزلا وقال: أطيعوا هارون؛ فإني قد استخلفته عليكم، فإني ذاهب إلى ربي وأجلهم ثلاثين يوما أن يرجع إليهم فيها. فلما أتى ربه وأراد أن يكلمه في ثلاثين يوما، وقد صامهن ليلهن ونهارهن، وكره أن يكلم ربه وريح فيه ريح فم الصائم فتناول موسى من نبات الأرض شيئا فمضغه، فقال له ربه حين أتاه: لم أفطرت؟ وهو أعلم بالذي كان قال يا رب إني كرهت أن أكلمك إلا وفمي طيب الريح، قال: أو ما علمت يا موسى أن ريح فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك، ارجع فصم عشرا ثم ائتني، ففعل موسى ﵇ ما أمر به، فلما رأى قوم موسى أنه لم يرجع إليهم في الأجل، ساءهم ذلك، وكان هارون قد خطبهم وقال: إنكم قد خرجتم من مصر ولقوم فرعون عندكم عواري، وودائع لكم فيها مثل ذلك، فإني أرى أنكم تحتسبون مالكم عندهم، ولا أحل لكم وديعة استودعتموها، ولا عارية، ولسنا برادين إليهم شيئا من ذلك ولا ممسكيه لأنفسنا فحفر حفيرا وأمر كل قوم عندهم من ذلك من متاع أو حلية أن يقذفوها في ذلك الحفير، ثم أوقد عليه النار فأحرقته، فقال: لا يكون لنا ولا لهم، وكان السامري من قوم يعبدون البقر، جيران لبني إسرائيل، ولم يكن من بني إسرائيل، فاحتمل مع موسى وبني إسرائيل حين احتملوا، فقضى له أن رأى أثرا فقبض منه قبضة فمر بهارون فقال له هارون ﵇: يا سامري ألا تلقي ما في يدك، وهو قابض عليه، لا يراه أحد طول ذلك فقال: هذه قبضة من أثر الرسول الذي جاوز بكم البحر، ولا ألقيها لشئ إلا أن تدعو الله إذا ألقيتها أن يجعلها ما أريد. فألقاها ودعا له هارون، فقال أريد أن يكون عجلا، فاجتمع ما كان في الحفيرة من متاع أو حلية أو نحاس أو حديد، فصار عجلا أجوف ليس فيه روح وله خوار. قال ابن عباس: لا والله ما كان له صوت قط، إنما كانت الريح تدخل في دبره، وتخرج من فيه، وكان ذلك الصوت من ذلك فتفرق بنو إسرائيل فرقا،

стр. 3214

فقالت فرقة: يا سامري ما هذا وأنت أعلم به؟ قال: هذا ربكم ولكن موسى أضل الطريق، فقالت فرقة: لا نكذب بهذا حتى يرجع إلينا موسى، فإن كان ربنا لم نكن ضيعناه، وعجزنا فيه حين رأينا، وإن لم يكن ربنا فإنا نتبع قول موسى، وقالت فرقة: هذا من عمل الشيطان وليس بربنا ولا نؤمن به ولا نصدق، وأشرب فرقة في قلوبهم الصدق بما قال السامري في العجل، وأعلنوا التكذيب به، فقال لهم هارون: يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي قالوا: فما بال موسى وعدنا ثلاثين يوما ثم أخلفنا، هذه أربعون يوما قد مضت، وقال سفهاؤهم أخطأ ربه فهو يطلبه يتبعه، فلما كلم الله موسى وقال له ما قال أخبره بما لقي قومه من بعده فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً فقال لهم ما سمعتم في القرآن، وأخذ برأس أخيه يجره إليه وألقى الألواح من الغضب، ثم إنه عذر أخاه بعذره، واستغفر له، وانصرف إلى السامري فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ قال: فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ وفطنت لها وعميت عليكم. فَنَبَذْتُها وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي قالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً. ولو كان إلها لم يخلص إلى ذلك منه، فاستيقن بنو إسرائيل بالفتنة، واغتبط الذي كان رأيهم فيه مثل رأي هارون، فقالوا لجماعتهم: يا موسى سل لنا ربك أن يفتح لنا باب توبة نصنعها، فيكفر عنا ما عملنا، فاختار موسى قومه سبعين رجلا لذلك لا يألوا الخير، خيار بني إسرائيل، ومن لم يشرك في العجل، فانطلق بهم يسأل لهم التوبة، فرجفت بهم الأرض فاستحيا نبي الله من قومه، ومن وفده حين فعل بهم ما فعل فقال رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا وفيهم من كان الله اطلع منه على ما أشرب قلبه من حب العجل، وإيمانه به، فلذلك رجفت بهم الأرض فقال وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ* الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ فقال: يا رب سألتك التوبة لقومي فقلت إن رحمتي كتبتها لقوم غير قومي، هلا أخرتني حتى تخرجني في أمة ذلك الرجل المرحومة، فقال له: إن توبتهم أن كل رجل منهم من لقي من والد وولد فيقتله بالسيف، ولا يبالي من قتل في ذلك الموطن، وتاب أولئك الذين كان خفي علي موسى وهارون، واطلع الله من ذنوبهم فاعترفوا بها، وفعلوا ما أمروا به، وغفر الله للقاتل والمقتول، ثم سار بهم موسى ﵇ متوجها نحو الأرض

стр. 3215

المقدسة، وأخذ الألواح بعد ما سكت عنه الغضب. فأمرهم بالذي أمرهم به أن يبلغهم من الوظائف، فثقل ذلك عليهم وأبوا أن يقروا بها، فنتق الله عليهم الجبل كأنه ظلة، ودنا منهم حتى خافوا أن يقع عليهم، فأخذوا الكتاب بأيمانهم وهم مصغون ينظرون إلى الجبل، والكتاب بأيديهم، وهم من وراء الجبل مخافة أن يقع عليهم، ثم مضوا حتى أتوا الأرض المقدسة، فوجدوا مدينة فيها قوما جبارين، خلقهم خلق منكر، وذكروا من ثمارهم أمرا عجيبا من عظمها. فقالوا: يا موسى إن فيها قوما جبارين لا طاقة لنا ولا ندخلها ما داموا فيها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون. قال رجلان من الذين يخافون، قيل ليزيد هكذا قرأه قال نعم من الجبارين آمنا بموسى وخرجا إليه، قالوا نحن أعلم بقومنا إن كنتم تخافون ما رأيتم من أجسامهم وعددهم، فإنهم لا قلوب لهم ولا منعة عندهم، فادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون، ويقول أناس إنهم من قوم موسى فقال الذين يخافون بنو إسرائيل قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ فأغضبوا موسى، فدعا عليهم وسماهم فاسقين، ولم يدع عليهم قبل ذلك، لما رأى منهم من المعصية وإساءتهم، حتى كان يومئذ فاستجاب الله له، وسماهم كما سماهم موسى فاسقين وحرمها عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض، يصبحون كل يوم فيسيرون ليس لهم قرار، وظلل عليهم الغمام في التيه، وأنزل عليهم المن والسلوى، وجعل لهم ثيابا لا تبلى ولا تتسخ، وجعل بين ظهرانيهم حجرا مربعا، وأمر موسى فضربه بعصاه؛ فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، في كل ناحية ثلاثة أعين، وأعلم كل سبط عينهم التي يشربون منها، فلا يرتحلون من مكان إلا وجدوا ذلك الحجر بينهم بالمكان الذي كان فيه بالأمس. ٣ - في قوله تعالى وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي أكثر من اتجاه للمفسرين ذكر منها ابن كثير قولين، وأشار إليها النسفي كلها وهذا كلام النسفي وابن كثير: قال النسفي: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي (أي لتذكرني فيها، لاشتمال الصلاة على الأذكار، أو لأني ذكرتها في الكتب وأمرت بها، أو لأن أذكرك بالمدح والثناء، أو لذكري خاصة لا تشوبه بذكر غيري، أو لتكون لي ذاكرا غير ناس، أو لأوقات ذكري، وهي مواقيت الصلاة لقوله: إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً وقد حمل على ذكر الصلاة بعد نسيانها، وذا يصح بتقدير حذف المضاف، أي لذكر صلاتي، وهذا دليل على أنه لا فريضة بعد التوحيد أعظم منها).

стр. 3216

وقال ابن كثير: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي (قيل معناه: صل لتذكرني، وقيل معناه: وأقم الصلاة عند ذكرك لي، ويشهد لهذا الثاني ما روى الإمام أحمد ... عن أنس عن رسول الله ﷺ قال: «إذا رقد أحدكم عن الصلاة، أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها، فإن الله تعالى قال وأقم الصلاة لذكري» وفي الصحيحين عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ «من نام عن صلاة أو نسيها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك». أقول: والقول الأول هو الذي رجحناه ومشينا عليه في التفسير، وليس في استشهاد الرسول ﷺ في الآية دليل على غير هذا الفهم كما تصوره ابن كثير). ٤ - يعلل المفسرون وجود اللثغة في لسان موسى بسبب ما ذكره ابن عباس في حديث الفتون، من أنه وضع الجمرة في فيه وهو صغير، وبمناسبة قوله تعالى على لسان موسى وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي يقول ابن كثير: (وقال الحسن البصري «احلل عقدة من لساني» قال حل عقدة واحدة، ولو سأل أكثر من ذلك أعطي، وقال ابن عباس: شكا موسى إلى ربه ما يتخوف من آل فرعون في القتيل، وعقدة لسانه، فإنه كان في لسانه عقدة تمنعه من كثير من الكلام، وسأل ربه أن يعينه بأخيه هارون يكون له ردءا، ويتكلم عنه بكثير مما لا يفصح به لسانه، فآتاه سؤله، فحل عقدة من لسانه، وقال ابن أبي حاتم: ... عن محمد بن كعب قال: أتاه ذو قرابة له فقال له: ما بك بأس لولا أنك تلحن في كلامك، ولست تعرب في قراءتك، فقال القرظي: يا ابن أخي ألست أفهمك إذا حدثتك قال: نعم. قال: فإن موسى ﵇ إنما سأل ربه أن يحلل عقدة من لسانه كي يفقه بنو إسرائيل كلامه، ولم يزد عليها، هذا لفظه). ٥ - هل كان هناك فاصل زمني بين الإيحاء لموسى والإيحاء لهارون؟ قولان للمفسرين: والذي يذهب إليه ابن عباس أن هارون نبئ في الساعة التي نبئ بها موسى، أي بعد دعاء موسى، ولقد سرنا في التفسير على القول الآخر، وفي الإصحاح الرابع من التوراة الحالية المحرفة (وقال الرب لهارون اذهب إلى البرية لاستقبال موسى، فذهب والتقاه في جبل الله، وقبله فأخبر موسى هارون بجميع كلام الرب الذي أرسله وبكل الآيات التي أوصاه بها). وبمناسبة قول موسى وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي يذكر ابن كثير هذه القصة التي أخرجها ابن أبي حاتم عن عائشة أنها خرجت فيما كانت تعتمر فنزلت ببعض الأعراب فسمعت رجلا يقول: أي أخ كان في الدنيا أنفع لأخيه؟ قالوا: لا ندري.

стр. 3217

قال أنا والله أدري: قالت: فقلت في نفسي: في حلفه لا يستثني أنه ليعلم أي أخ كان في الدنيا أنفع لأخيه. قال: موسى حين سأل لأخيه النبوة، فقلت صدق والله. ٦ - بمناسبة قوله تعالى ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى يذكر ابن كثير ما أخرجه البخاري عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال «التقى آدم وموسى فقال موسى أتت الذي أشقيت الناس وأخرجتهم من الجنة؟ فقال آدم: وأنت الذي اصطفاك الله برسالته واصطفاك لنفسه، وأنزل عليك التوراة؟ قال: نعم. قال فوجدته مكتوبا علي قبل أن يخلقني قال نعم. قال فحج آدم موسى» أخرجاه. ٧ - ذكر النسفي عند قوله تعالى فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى أن هذه الآية تليت عند يحيى بن معاذ فبكى وقال: هذا رفقك بمن يقول أنا إله، فكيف بمن قال: أنت الإله. وهذا رفقك بمن قال: أنا ربكم الأعلى فكيف بمن قال سبحان ربي الأعلى. ٨ - بمناسبة قول موسى وهارون لفرعون: قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى يذكر ابن كثير أن رسولنا ﵊ كان يخاطب غير المسلمين في مكاتباته بهذا: السلام على من اتبع الهدى. قال ابن كثير ولهذا لما كتب رسول الله ﷺ إلى هرقل عظيم الروم كتابا كان أوله: «بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام فأسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين». ٩ - بمناسبة قوله تعالى مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى قال ابن كثير: وفي الحديث الذي في السنن «أن رسول الله ﷺ حضر جنازة فلما دفن الميت أخذ قبضة من التراب فألقاها في القبر، وقال: منها خلقناكم، ثم أخذ أخرى وقال: وفيها نعيدكم، ثم أخذ أخرى وقال: ومنها نخرجكم تارة أخرى». أقول: وهذا الحديث هو أصل ما يفعله المسلمون أو بعضهم، إذ يأخذ كل منهم ثلاثة قبضات أو قبضة من تراب، ويضعها في زنبيل، يمرره أحدهم عليهم عند دفن الميت، ثم يوضع التراب في القبر، غير أن أكثرهم لا يعلم لم يفعل ذلك وما أصله وما الحكمة فيه.

стр. 3218

١٠ - بمناسبة قوله تعالى: وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى يذكر ابن كثير الحديث الذي أخرجه ابن أبي حاتم .. عن جندب بن عبد الله البجلي قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أخذتم- يعني الساحر- فاقتلوه» ثم قرأ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى قال لا يؤمن حيث وجد. ١١ - وبمناسبة قوله تعالى إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى يذكر ابن كثير الأحاديث التالية: قال الإمام أحمد ... عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ «أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن أناس تصيبهم النار بذنوبهم، فتميتهم إماتة حتى إذا صاروا فحما، أذن في الشفاعة جيء بهم ضبائر، فبثوا على أنهار الجنة فيقال: يا أهل الجنة أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل» فقال رجل من القوم: كأن رسول الله ﷺ كان بالبادية وهكذا أخرجه مسلم. وقال ابن أبي حاتم .. عن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ خطب فأتى على هذه الآية: إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى قال رسول الله «أما أهلها الذين هم أهلها فلا يموتون فيها ولا يحيون، وأما الذين ليسوا من أهلها فإن النار تمسهم ثم يقوم الشفعاء فيشفعون، فتجعل الضبائر، فيؤتى بهم نهرا يقال له الحياة أو الحيوان، فينبتون كما ينبت العشب في حميل السيل». ١٢ - وبمناسبة قوله تعالى وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى يذكر ابن كثير الأحاديث التالية: أخرج الإمام أحمد .. عن عبادة ابن الصامت عن رسول الله ﷺ قال: «الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض والفردوس أعلاه درجة، ومنها تخرج الأنهار الأربعة، والعرش فوقها، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس» رواه الترمذي .. عن أبي مالك عن أبيه قال: كان يقال الجنة مائة درجة، في كل درجة مائة درجة، بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، فيهن الياقوت والحلي، في كل درجة أمير، يرون له الفضل والسؤدد». وفي الصحيحين: «أن أهل عليين ليرون من فوقهم كما يرون الكوكب الغابر في أفق السماء؛ لتفاضل ما بينهم» قالوا يا رسول الله تلك منازل الأنبياء قال «بلى والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين» وفي السنن «أن أبا بكر وعمر لمنهم وأنعما».

стр. 3219

١٣ - بمناسبة قوله تعالى يا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ يذكر ابن كثير الحديث الذي رواه البخاري عن ابن عباس قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة وجد اليهود تصوم عاشوراء فسألهم فقالوا هذا اليوم الذي أظفر الله فيه موسى على فرعون، فقال: «نحن أولى بموسى فصوموه». ١٤ - بمناسبة اعتذار من عبد العجل لموسى بقولهم وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ قال ابن كثير: (وحاصل ما اعتذار به هؤلاء الجهلة، أنهم تورعوا عن زينة القبط، فألقوها عنهم، وعبدوا العجل فتورعوا عن الحقير، وفعلوا الأمر الكبير، كما جاء في الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمر، أنه سأله رجل من أهل العراق عن دم البعوض إذا أصاب الثوب- يعني هل يصلي فيه أم لا- فقال ابن عمر ﵄: انظروا إلى أهل العراق قتلوا ابن بنت رسول الله ﷺ يعني الحسين وهم يسألون عن دم البعوضة). ١٥ - هناك سؤال يطرح نفسه وهو: نلاحظ أنه في الهند يعبدون البقر، وفي الهند طبقة المنبوذين الذين لا يلمسون غيرهم من بقية الطبقات ولا يلمسهم غيرهم. ما الصلة بين ذلك، وبين قصة السامري وعقوبة موسى له بأن يقول: (لا مساس)؟ والذي دعانا إلى طرح هذا السؤال: أن بعض المفسرين يذكرون أن السامري ليس من بني إسرائيل. قال ابن كثير: (وفي رواية ابن عباس أنه من كرمان وبعض المفسرين قال: ولا زالت بقاياهم حتى الآن). قال ابن كثير وقال قتادة: أن تقول لا مساس قال عقوبة لهم وبقاياهم اليوم يقولون لا مساس. ونحن الآن لا نعرف أحدا يقول لا مساس إلا طبقة المنبوذين في الهند، فهل ربط هؤلاء المفسرون هذه الظاهرة بهذه القصة؟ موضوع يحتاج إلى تحقيق لقبوله أو رفضه، فهل السامري ترك الأرض المقدسة، وذهب إلى بلد كالهند، وهؤلاء من ذريته وأتباعه، خاصة وأهل الهند يعظمون البقر، أو أن حادثا مشابها حدث في الهند عاقب الله به أصحابه هذه العقوبة على يد رسول، ثم حرفت الديانة، واختلط الأمر وبقيت هذه القضية أثرا عن ذلك- الله أعلم. ١٦ - بمناسبة قوله تعالى يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ قال ابن كثير: (ثبت في الحديث

стр. 3220

أن رسول الله ﷺ سئل عن الصور فقال: «قرن ينفخ فيه» وقد جاء في حديث الصور من رواية أبي هريرة أنه قرن عظيم- الدائرة منه بقدر السموات والأرض- ينفخ فيه إسرافيل ﵇ وجاء في الحديث «كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن، وحنى جبهته، وانتظر أن يؤذن» فقالوا يا رسول الله كيف نقول؟ قال «قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل على الله توكلنا»). ١٧ - بمناسبة قوله تعالى يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا يقول ابن كثير: (وفي الصحيحين من غير وجه عن رسول الله ﷺ وهو سيد ولد آدم، وأكرم الخلائق على الله أنه قال: «آتي تحت العرش وأخر لله ساجدا، ويفتح علي بمحامد لا أحصيها الآن، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقول: يا محمد ارفع رأسك، وقل تسمع، واشفع تشفع قال: فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة ثم أعود .. فذكر أربع مرات صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر الأنبياء، وفي الحديث أيضا: يقول تعالى: أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان، فيخرجوا خلقا كثيرا، ثم يقول: أخرجوا من النار من كان في قلبه نصف مثقال من إيمان، أخرجوا من النار من كان في قلبه ما يزن ذرة، من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان) الحديث. ١٨ - وبمناسبة قوله تعالى وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً يقول ابن كثير: (فإن الله سيؤدي كل حق إلى صاحبه، حتى يقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء. وفي الحديث يقول الله «وعزتى وجلالي لا يجاوزني اليوم ظلم ظالم». وفي الصحيح: «إياكم والظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة» والخيبة كل الخيبة من لقي الله وهو به مشرك، فإن الله تعالى يقول: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ). ١٩ - بمناسبة قوله تعالى وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ قال ابن كثير: كقوله تعالى في سورة لا أقسم بيوم القيامة لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ* فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ* ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ وثبت في الصحيح عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان يعالج من الوحي شدة، فكان مما يحرك به لسانه، فأنزل الله هذه الآية، يعني أنه ﵊ كان إذا جاءه جبريل بالوحي كلما قال جبريل آية قالها معه من شدة حرصه على حفظ القرآن، فأرشد الله تعالى إلى ما هو الأسهل والأخف في حقه لئلا يشق عليه فقال لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنا

стр. 3221

جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ أي أن نجمعه في صدرك ثم تقرؤه على الناس من غير أن تنسى منه شيئا فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ وقال في هذه الآية وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ أي بل أنصت فإذا فرغ الملك من قراءته عليك فاقرأ بعده». ٢٠ - وبمناسبة قوله تعالى وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً قال ابن كثير: أي زدني منك علما. قال ابن عيينة ﵀ ولم يزل ﷺ في زيادة حتى توفاه الله ، ولهذا جاء في الحديث «إن الله تابع الوحي على رسوله حتى كان الوحي أكثر ما كان يوم توفي ﷺ ». وقال ابن ماجه ... عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقول: «اللهم انفعني بما علمتني وعلمني ما ينفعني، وزدني علما والحمد لله على كل حال». ولننتقل إلى المقطع الرابع في السورة. المقطع الرابع ويمتد من الآية (١١٥) إلى نهاية الآية (١٢٧). [سورة طه (٢٠): الآيات ١١٥ الى ١٢٧] وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً (١١٥) وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى (١١٦) فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى (١١٧) إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى (١١٨) وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى (١١٩) فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى (١٢٠) فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى (١٢١) ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى (١٢٢) قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى (١٢٤) قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً (١٢٥) قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى (١٢٦) وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى (١٢٧)

стр. 3222

التفسير: وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ أي أوحينا إليه أن لا يأكل من الشجرة، والمعنى: وأقسم قسما لقد أمرنا أباهم آدم ووصيناه ألا يقرب من الشجرة مِنْ قَبْلُ أي من قبل وجود بنيه فخالف إلى ما نهي عنه، كما أنهم يخالفون، يعنى أن أساس أمر بني آدم على المخالفة وعرقهم راسخ فيها فليحذروا فَنَسِيَ أي نسي آدم العهد أي النهي قال النسفي: والأنبياء ﵈ يؤاخذون بالنسيان الذي لو تكلفوا لحفظوه وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً أي ولم نجد له قصدا في الخلاف لأمر الله، أو لم يكن آدم من أولي العزم، أو: وعد منا له عزما، دل المعنيان الأخيران على أن التكليف يحتاج إلى عزم وقوة نفس تتحمل به صراع الشهوات وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ أي اذكر ذلك، والسجود الذي أمروا به يحتمل أنه السجود اللغوي الذي هو الخضوع والتذلل، ويحتمل أنه سجود حقيقي، وكان آدم فيه كالقبلة لضرب تعظيم له فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ الذي كان من الجن ودخل في الأمر مع الملائكة لأنه يصحبهم ويعبد الله معهم أَبى أي امتنع واستكبر فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ أي حواء حيث لم يسجد لك ولم ير فضلك فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ أي فلا يكونن سببا لإخراجكما فَتَشْقى أي فتتعب وتعنى، وتشقى في طلب رزقك فإنك هاهنا في عيش رغيد هنئ بلا كلفة ولا مشقة وإنما قال: فتشقى ولم يقل فتشقيا مراعاة لرءوس

стр. 3223

الآي، وفي ذلك إشارة إلى أن الرجل هو الكافل للمرأة إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها أي في الجنة وَلا تَعْرى أي عن الملابس لأنها معدة أبدا فيها وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها أي لا تعطش لوجود الأشربة وَلا تَضْحى أي لا يصيبك حر الشمس إذ ليس فيها شمس، فأهلها في ظل ممدود، قرن بين الجوع والعري لأن الجوع ذل الباطن والعري ذل الظاهر، وقرن بين الظمأ لأنه حر الباطن وهو العطش وبين الضحى الذي هو حر الظاهر، دل ذلك على أن الإنسان يحتاج إلى الطعام والشراب واللباس والسكن، وذلك كله كان مؤمنا لآدم وزوجته بدون عناء، فعصيا، فأخرجا فلم يعودا يحصلان على هذا إلا بالعناء، فكان شقاؤهما أثرا عن المخالفة وهذا الإنسان الآن على الأرض، فعند ما ينزل الله له وحيا فإنما ذلك لإسعاده لا لإشقائه، ولإعادته إلى دار سعادته، الجنة لا لغير، وإنما يزيد شقاؤه في الدنيا بإعراضه عن وحي الله ثم مأواه النار في آخرته بإعراضه عن هذا الوحي، فإذا اتضح لك هذا فقد اتضحت لك الصلة بين هذه الآيات وبين قوله تعالى في مقدمة السورة ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى كلمة في السياق وفي حكمة تكرار القصص القرآني: نلاحظ في هذه السورة أن قصة آدم قد ذكرت هنا لتعليل الإشقاء، وتبيان حقيقته وهذا ينسجم مع السياق الخاص لسورة (طه) المبدوءة بقوله تعالى طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى نقول هذا لنبين أن القصة عند ما تتكرر في القرآن فإنها في كل مرة تقدم خدمة خاصة تتفق مع سياق السورة الخاص، منسجمة مع محور السورة العام، ومن الملاحظ أن كثيرا من قصص القرآن يعرض قسم منها في مكان وقسم آخر في مكان آخر، وتبرز منها بعض قضايا في مكان وتبرز منها بعض قضايا في مكان آخر، وكل ذلك لتؤدي دورها في سياق السورة ومحل السورة من السياق القرآني، هذا عدا عن كون القصة القرآنية دائما من القصص الخالد الذي يذكر الإنسان في كل حالة يحتاج الإنسان إلى أن يتذكر، وتكرار ذكر بعضها لأنها من النوع الذي يحتاج الإنسان أن يتذكره أكثر من غيره ومن ذلك قصة آدم ﵇ فإن الإنسان يحتاج أن يتذكرها دائما. ولنعد إلى لتفسير ... فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ أي أنهى إليه الوسوسة قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وهو الخلود لأن من أكل منها خلد- بزعمه- ولا يموت وَمُلْكٍ لا

стр. 3224

يَبْلى أي لا يفنى، دل ذلك على أن الرغبة في الخلود والملك نزعتان عميقتان في الطبيعة البشرية استغلها الشيطان لحرف الإنسان عن أمر الله، وهما نزعتان لا يزال الشيطان يستغلهما لصرف الإنسان عن وحي الله وكتبه، فمن أجل الخلود المزعوم نجد كثيرا من الزعماء والقادة يفعلون الكثير من الباطل على حساب الحق، ومن أجل الملك نجد الكثير يفعل الكبير من الجرائم على حساب العدل، ولا خلود ولا ملك إلا بالتزام أمر الله فذلك الملك الحقيقي، وذلك الخلود الحقيقي إن الرحمن يدل الإنسان على طريق الملك والخلود الحقيقية، وأما الشيطان فإنه يدله على طريق الملك والخلود الزائفين، ولذلك قال الله تعالى في سورة الأعراف فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ. فَأَكَلا أي آدم وحواء مِنْها أي من الشجرة فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما أي فظهرت لهما عوراتهما، وفي ذلك إشارة إلى أن الستر ملازم لتنفيذ الأمر، وهذه البشرية الآن تعرت عريا فظيعا لطاعتها للشيطان في مخالفة الأمر، إن الشيطان لا يزال بمن يطيعه حتى يعريه تماما وَطَفِقا أي وشرعا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ أي يلزقان الورق بسوءاتهما للتستر وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى أي فضل عن الرأي قال النسفي: (والحاصل أن العصيان وقوع الفعل على خلاف الأمر والنهي، وقد يكون عمدا فيكون ذنبا، وقد لا يكون عمدا فيكون زلة، ولما وصف فعله بالعصيان خرج فعله من أن يكون رشدا، فكان غيا لأن الغي خلاف الرشد، وفي التصريح بقوله وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى والعدول عن قوله وزل آدم مزجرة بليغة وموعظة كافة للمكلفين، كأنه قيل لهم: انظروا واعتبروا كيف نعيت على النبي المعصوم حبيب الله زلته بهذه الغلظة فلا تتهاونوا بما يفرط منكم من الصغائر فضلا عن الكبائر). ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ أي قربه إليه واصطفاه فَتابَ عَلَيْهِ أي قبل توبته وَهَدى أي وهداه إلى الاعتذار والاستغفار قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً يعني آدم وحواء دل هذا على أن المعصية ولو أعقبتها توبة وقبول من الله فإنها لا تمر بلا نوع عقوبة، نسأل الله اللطف بَعْضُكُمْ يا ذرية آدم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ أي بالتحاسد في الدنيا والاختلاف في الدين، والتباغي بأمراض النفوس، وفي ذلك الشقاء الذي جاءت شرائع الله لتخلص الإنسان منه فليس في اتباع الوحي الشقاء ولكن في الإعراض عنه فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً أي كتاب وشريعة، أو وحي بشكل عام فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى قال ابن عباس: (لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة).

стр. 3225

قال النسفي: يعني أن الشقاء في الآخرة هو عقاب من ضل في الدنيا عن طريق الدين، فمن اتبع كتاب الله وامتثل أوامره وانتهى نواهيه نجا من الضلال ومن عقابه وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي أي خالف أمري وما أنزلته على رسلي فتناساه وأخذ من غيره هداه فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً أي ضيقة في الدنيا. قال ابن كثير: فلا طمأنينة ولا انشراح لصدره، بل صدره ضيق حرج لضلاله، وإن تنعم ظاهره ولبس ما شاء، وأكل ما شاء، وسكن حيث شاء، فإن قلبه ما لم يخلص إلى اليقين والهدى فهو في قلق وحيرة وشك، فلا يزال في ريبة يتردد، فهذا من ضنك المعيشة وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً أي في الدنيا قالَ كَذلِكَ أي مثل ذلك فعلت أنت، عميت عن الحق في الدنيا أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها أتتك آياتنا واضحة فلم تنظر إليها بعين المعتبر، وتركتها وعميت عنها، فكذلك اليوم نتركك على عماك، ولا نزيل غطاءك عن عينيك وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى فالجزاء من جنس العمل، أي لما أعرضت عن آيات الله، وتناسيتها، وأغفلتها وعاملتها معاملة من لم يذكرها بعد بلاغها كذلك اليوم نعاملك معاملة من ينساك وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ أي وهكذا نجازي المسرفين المكذبين بآيات الله في الدنيا والآخرة وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ ألما من عذاب الدنيا وَأَبْقى أي وأدوم، وبهذا انتهى المقطع الرابع. كلمة في السياق: وهكذا استقرت قصة آدم ﵇ على السنة الخالدة فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى فالضلال والشقاء ملازمان للإعراض عن دين الله، والهداية والسعادة ملازمان لاتباع دين الله، والصلة بين هذا وبين قوله تعالى في أول سورة طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى واضحة، فالسنة الخالدة لله تعالى هي أنه إنما ينزل وحيا، ويبعث رسلا للإسعاد لا للإشقاء، وللهداية والإكرام لا للإضلال والإبعاد فقصة آدم هنا إذن تخدم السياق الخاص لسورة طه بشكل واضح مبين. ولنتأمل الآن صلة هذا المقطع بمحور السورة: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ* وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ* أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ
следующие страницы →