← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.

стр. 3221

جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ أي أن نجمعه في صدرك ثم تقرؤه على الناس من غير أن تنسى منه شيئا فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ وقال في هذه الآية وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ أي بل أنصت فإذا فرغ الملك من قراءته عليك فاقرأ بعده». ٢٠ - وبمناسبة قوله تعالى وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً قال ابن كثير: أي زدني منك علما. قال ابن عيينة ﵀ ولم يزل ﷺ في زيادة حتى توفاه الله ، ولهذا جاء في الحديث «إن الله تابع الوحي على رسوله حتى كان الوحي أكثر ما كان يوم توفي ﷺ ». وقال ابن ماجه ... عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقول: «اللهم انفعني بما علمتني وعلمني ما ينفعني، وزدني علما والحمد لله على كل حال». ولننتقل إلى المقطع الرابع في السورة. المقطع الرابع ويمتد من الآية (١١٥) إلى نهاية الآية (١٢٧). [سورة طه (٢٠): الآيات ١١٥ الى ١٢٧] وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً (١١٥) وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى (١١٦) فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى (١١٧) إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى (١١٨) وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى (١١٩) فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى (١٢٠) فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى (١٢١) ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى (١٢٢) قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى (١٢٤) قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً (١٢٥) قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى (١٢٦) وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى (١٢٧)

стр. 3222

التفسير: وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ أي أوحينا إليه أن لا يأكل من الشجرة، والمعنى: وأقسم قسما لقد أمرنا أباهم آدم ووصيناه ألا يقرب من الشجرة مِنْ قَبْلُ أي من قبل وجود بنيه فخالف إلى ما نهي عنه، كما أنهم يخالفون، يعنى أن أساس أمر بني آدم على المخالفة وعرقهم راسخ فيها فليحذروا فَنَسِيَ أي نسي آدم العهد أي النهي قال النسفي: والأنبياء ﵈ يؤاخذون بالنسيان الذي لو تكلفوا لحفظوه وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً أي ولم نجد له قصدا في الخلاف لأمر الله، أو لم يكن آدم من أولي العزم، أو: وعد منا له عزما، دل المعنيان الأخيران على أن التكليف يحتاج إلى عزم وقوة نفس تتحمل به صراع الشهوات وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ أي اذكر ذلك، والسجود الذي أمروا به يحتمل أنه السجود اللغوي الذي هو الخضوع والتذلل، ويحتمل أنه سجود حقيقي، وكان آدم فيه كالقبلة لضرب تعظيم له فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ الذي كان من الجن ودخل في الأمر مع الملائكة لأنه يصحبهم ويعبد الله معهم أَبى أي امتنع واستكبر فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ أي حواء حيث لم يسجد لك ولم ير فضلك فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ أي فلا يكونن سببا لإخراجكما فَتَشْقى أي فتتعب وتعنى، وتشقى في طلب رزقك فإنك هاهنا في عيش رغيد هنئ بلا كلفة ولا مشقة وإنما قال: فتشقى ولم يقل فتشقيا مراعاة لرءوس

стр. 3223

الآي، وفي ذلك إشارة إلى أن الرجل هو الكافل للمرأة إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها أي في الجنة وَلا تَعْرى أي عن الملابس لأنها معدة أبدا فيها وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها أي لا تعطش لوجود الأشربة وَلا تَضْحى أي لا يصيبك حر الشمس إذ ليس فيها شمس، فأهلها في ظل ممدود، قرن بين الجوع والعري لأن الجوع ذل الباطن والعري ذل الظاهر، وقرن بين الظمأ لأنه حر الباطن وهو العطش وبين الضحى الذي هو حر الظاهر، دل ذلك على أن الإنسان يحتاج إلى الطعام والشراب واللباس والسكن، وذلك كله كان مؤمنا لآدم وزوجته بدون عناء، فعصيا، فأخرجا فلم يعودا يحصلان على هذا إلا بالعناء، فكان شقاؤهما أثرا عن المخالفة وهذا الإنسان الآن على الأرض، فعند ما ينزل الله له وحيا فإنما ذلك لإسعاده لا لإشقائه، ولإعادته إلى دار سعادته، الجنة لا لغير، وإنما يزيد شقاؤه في الدنيا بإعراضه عن وحي الله ثم مأواه النار في آخرته بإعراضه عن هذا الوحي، فإذا اتضح لك هذا فقد اتضحت لك الصلة بين هذه الآيات وبين قوله تعالى في مقدمة السورة ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى كلمة في السياق وفي حكمة تكرار القصص القرآني: نلاحظ في هذه السورة أن قصة آدم قد ذكرت هنا لتعليل الإشقاء، وتبيان حقيقته وهذا ينسجم مع السياق الخاص لسورة (طه) المبدوءة بقوله تعالى طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى نقول هذا لنبين أن القصة عند ما تتكرر في القرآن فإنها في كل مرة تقدم خدمة خاصة تتفق مع سياق السورة الخاص، منسجمة مع محور السورة العام، ومن الملاحظ أن كثيرا من قصص القرآن يعرض قسم منها في مكان وقسم آخر في مكان آخر، وتبرز منها بعض قضايا في مكان وتبرز منها بعض قضايا في مكان آخر، وكل ذلك لتؤدي دورها في سياق السورة ومحل السورة من السياق القرآني، هذا عدا عن كون القصة القرآنية دائما من القصص الخالد الذي يذكر الإنسان في كل حالة يحتاج الإنسان إلى أن يتذكر، وتكرار ذكر بعضها لأنها من النوع الذي يحتاج الإنسان أن يتذكره أكثر من غيره ومن ذلك قصة آدم ﵇ فإن الإنسان يحتاج أن يتذكرها دائما. ولنعد إلى لتفسير ... فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ أي أنهى إليه الوسوسة قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وهو الخلود لأن من أكل منها خلد- بزعمه- ولا يموت وَمُلْكٍ لا

стр. 3224

يَبْلى أي لا يفنى، دل ذلك على أن الرغبة في الخلود والملك نزعتان عميقتان في الطبيعة البشرية استغلها الشيطان لحرف الإنسان عن أمر الله، وهما نزعتان لا يزال الشيطان يستغلهما لصرف الإنسان عن وحي الله وكتبه، فمن أجل الخلود المزعوم نجد كثيرا من الزعماء والقادة يفعلون الكثير من الباطل على حساب الحق، ومن أجل الملك نجد الكثير يفعل الكبير من الجرائم على حساب العدل، ولا خلود ولا ملك إلا بالتزام أمر الله فذلك الملك الحقيقي، وذلك الخلود الحقيقي إن الرحمن يدل الإنسان على طريق الملك والخلود الحقيقية، وأما الشيطان فإنه يدله على طريق الملك والخلود الزائفين، ولذلك قال الله تعالى في سورة الأعراف فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ. فَأَكَلا أي آدم وحواء مِنْها أي من الشجرة فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما أي فظهرت لهما عوراتهما، وفي ذلك إشارة إلى أن الستر ملازم لتنفيذ الأمر، وهذه البشرية الآن تعرت عريا فظيعا لطاعتها للشيطان في مخالفة الأمر، إن الشيطان لا يزال بمن يطيعه حتى يعريه تماما وَطَفِقا أي وشرعا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ أي يلزقان الورق بسوءاتهما للتستر وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى أي فضل عن الرأي قال النسفي: (والحاصل أن العصيان وقوع الفعل على خلاف الأمر والنهي، وقد يكون عمدا فيكون ذنبا، وقد لا يكون عمدا فيكون زلة، ولما وصف فعله بالعصيان خرج فعله من أن يكون رشدا، فكان غيا لأن الغي خلاف الرشد، وفي التصريح بقوله وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى والعدول عن قوله وزل آدم مزجرة بليغة وموعظة كافة للمكلفين، كأنه قيل لهم: انظروا واعتبروا كيف نعيت على النبي المعصوم حبيب الله زلته بهذه الغلظة فلا تتهاونوا بما يفرط منكم من الصغائر فضلا عن الكبائر). ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ أي قربه إليه واصطفاه فَتابَ عَلَيْهِ أي قبل توبته وَهَدى أي وهداه إلى الاعتذار والاستغفار قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً يعني آدم وحواء دل هذا على أن المعصية ولو أعقبتها توبة وقبول من الله فإنها لا تمر بلا نوع عقوبة، نسأل الله اللطف بَعْضُكُمْ يا ذرية آدم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ أي بالتحاسد في الدنيا والاختلاف في الدين، والتباغي بأمراض النفوس، وفي ذلك الشقاء الذي جاءت شرائع الله لتخلص الإنسان منه فليس في اتباع الوحي الشقاء ولكن في الإعراض عنه فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً أي كتاب وشريعة، أو وحي بشكل عام فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى قال ابن عباس: (لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة).

стр. 3225

قال النسفي: يعني أن الشقاء في الآخرة هو عقاب من ضل في الدنيا عن طريق الدين، فمن اتبع كتاب الله وامتثل أوامره وانتهى نواهيه نجا من الضلال ومن عقابه وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي أي خالف أمري وما أنزلته على رسلي فتناساه وأخذ من غيره هداه فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً أي ضيقة في الدنيا. قال ابن كثير: فلا طمأنينة ولا انشراح لصدره، بل صدره ضيق حرج لضلاله، وإن تنعم ظاهره ولبس ما شاء، وأكل ما شاء، وسكن حيث شاء، فإن قلبه ما لم يخلص إلى اليقين والهدى فهو في قلق وحيرة وشك، فلا يزال في ريبة يتردد، فهذا من ضنك المعيشة وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً أي في الدنيا قالَ كَذلِكَ أي مثل ذلك فعلت أنت، عميت عن الحق في الدنيا أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها أتتك آياتنا واضحة فلم تنظر إليها بعين المعتبر، وتركتها وعميت عنها، فكذلك اليوم نتركك على عماك، ولا نزيل غطاءك عن عينيك وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى فالجزاء من جنس العمل، أي لما أعرضت عن آيات الله، وتناسيتها، وأغفلتها وعاملتها معاملة من لم يذكرها بعد بلاغها كذلك اليوم نعاملك معاملة من ينساك وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ أي وهكذا نجازي المسرفين المكذبين بآيات الله في الدنيا والآخرة وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ ألما من عذاب الدنيا وَأَبْقى أي وأدوم، وبهذا انتهى المقطع الرابع. كلمة في السياق: وهكذا استقرت قصة آدم ﵇ على السنة الخالدة فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى فالضلال والشقاء ملازمان للإعراض عن دين الله، والهداية والسعادة ملازمان لاتباع دين الله، والصلة بين هذا وبين قوله تعالى في أول سورة طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى واضحة، فالسنة الخالدة لله تعالى هي أنه إنما ينزل وحيا، ويبعث رسلا للإسعاد لا للإشقاء، وللهداية والإكرام لا للإضلال والإبعاد فقصة آدم هنا إذن تخدم السياق الخاص لسورة طه بشكل واضح مبين. ولنتأمل الآن صلة هذا المقطع بمحور السورة: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ* وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ* أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ

стр. 3226

رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. إن الصلة واضحة بين مقدمة سورة البقرة وبين قوله تعالى في هذه المجموعة فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى فإن الآيات الأولى في سورة البقرة تصف أهل التقوى بالإيمان بكل هدى أنزله الله، وتبين أنهم المهتدون، وأنهم المفلحون، إن صلة ذلك بقوله تعالى في سورة طه فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى واضحة. وقد كنا قلنا من قبل إن سورة (طه) توضح مفهوم السعادة والشقاء، وتصحح المفاهيم الخاطئة في هذا الأمر. فالشقاء الحقيقي هو الشقاء في الآخرة، والشقاء الحقيقي في ترك الهدى مهما ظن ظان أن السعادة في غير ذلك. إنه عند ما يترك الخلق دين الله يصبح بعضهم لبعض عدوا، ويصبح الإنسان لنفسه عدوا؛ إذ يتناقض مع فطرته، وفي ذلك الشقاء الحقيقي، إن دين الله هو الذي يجعل الإنسان صديقا مع نفسه، وهو الذي يوجد صيغة للتعايش المريح بين الخلق، ومن ثم نلاحظ أن التشريعات الإسلامية منصبة على إبعاد المؤمنين عن كل خلاف، إن تحريم الغيبة والنميمة، وتحريم بيع الغرر، وتحريم الخمر والميسر، وتحريم الربا، كل ذلك وغيره يهدف إلى قطع الخصومات والمنازعات بين الناس. إنه مهما ظن ظان أن سعادته فيما حرم الله عليه فهو مخطئ، سواء كان هذا المحرم موسيقى أو زنى أو خمرا أو غيبة أو نميمة أو غير ذلك، إن اللذة لا تعني السعادة، واذا عنت السعادة الآنية فإنها تعني الشقاء المضاعف البعيد. خذ مثلا: إن الأمة التي تميل إلى الترف والاسترخاء عند ما تغلب على أمرها فإن آلامها التي تنالها عند الغلبة أكبر بكثير من لذاتها التي أصابتها قبل ذلك فهل كان في الترف والاسترخاء سعادة؟! وهل الموسيقى- وهي عامل من عوامل استرخاء النفس البشرية مثلا- تشكل سعادة حقيقة للإنسان؟ اللهم لا. في الفصل الرابع من كتاب (الإسلام) من سلسلة الأصول الثلاثة كلام عن العقوبات الفطرية التي تترتب على كل مخالفة يفعلها إنسان أو تفعلها مجموعة، أو ترتكبها الإنسانية، وفي ذلك الفصل دليل كامل على أن الشقاء ملازم للإعراض عن وحي الله، وأن السعادة الحقيقية في ملازمة دين الله، هذا كله إذا نظرنا إلى المسألة في إطار الدنيا، ولكن عند ما ننظر إلى المسألة في إطارها العام، دنيا وأخرى، يتضح

стр. 3227

بشكل قاطع أن السعادة في ملازمة شرع الله، حتى لو أن إنسانا قرض جسمه بالمقاريض من أول هذه الدنيا إلى آخرها لكان هذا عارضا بالنسبة إلى السعادة الحقيقية للإنسان في الآخرة. فإذا اتضح هذا كله، واتضح أن السعادة في الدنيا والآخرة في اتباع دين الله، وأن كل شقاء يصيب الإنسان سببه خطيئة آدم؛ إذ أخرج بها من الجنة، فعلى الإنسان أن يتعظ، ويعمل من أجل الخلاص من هذا الشقاء باتباع وحي الله، إذا اتضح هذا كله وقامت به الحجة تأتي خاتمة السورة لتستنكر عدم اهتداء المكذبين مع إقامة الحجة، ومع ما يعرفونه من عقوبات الله التي أنزلها بالسابقين، ثم توجه رسول الله ﷺ إلى الموقف المكافئ للمكذبين، ثم ترد على اقتراح الكافرين إنزال الآيات للإيمان، فلنر خاتمة السورة وتفسيرها مؤخرين فوائد المقطع الرابع إلى ما بعد عرض تفسير الخاتمة. خاتمة السورة وتمتد من الآية (١٢٨) إلى نهاية السورة أي إلى نهاية الآية (١٣٥) وهذه هي: [سورة طه (٢٠): الآيات ١٢٨ الى ١٣٥] أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى (١٢٨) وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى (١٢٩) فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى (١٣٠) وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى (١٣١) وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى (١٣٢) وَقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى (١٣٣) وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى (١٣٤) قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى (١٣٥)

стр. 3228

التفسير أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى أي لذوي العقول، فإنهم إذا تفكروا علموا أن استئصال السابقين كان لكفرهم فلا يفعلون مثل ما فعلوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ أي لولا الكلمة السابقة من الله وهو أنه لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه لَكانَ لِزاماً أي لكان الهلاك لازما لهؤلاء وَأَجَلٌ مُسَمًّى هذا معطوف على «كلمة»، والتقدير: ولولا كلمة سبقت من ربك، ولولا أجل مسمى، أي مدة معلومة مضروبة لكل أمة لجاء هؤلاء العذاب، وأهلكوا بسبب كفرهم وإعراضهم، وهذا تذكير وإنذار من الله، وبيان أن ما هم فيه لو شاء الله أن ينهيه بلحظة لأنهاه، فلا يغتروا مصرين على الكفر والإعراض عن الوحي، ومجيء هاتين الآيتين بعد ذكر الله المعيشة الضنك، والعذاب في الآخرة لمن أعرض عن ذكره يفيد أن هناك عقوبة ثالثة وهي الإهلاك في الحياة الدنيا بسبب الإعراض. وقد ذكرنا في فصل المؤيدات من الجزء الرابع من كتاب (الإسلام) في سلسلة الأصول الثلاثة: أن المؤيدات للالتزام بهذا الدين ثلاثة أقسام: بشرية، وفطرية، وربانية. والربانية قسمان: عقوبة الدنيا بالعذاب، وعقوبة الآخرة بالعذاب. فالصلة بين هاتين الآيتين وما قبلهما واضحة، ففيهما تذكير، وذلك منسجم مع مقدمة السورة إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى وفيهما إنذار لمن لم يؤمن، وذلك منسجم مع

стр. 3229

محور السورة وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ. والآن ما هو موقف أهل الحق من هؤلاء المعرضين الخاطئين في تصورهم لموضوع الشقاء والسعادة؟ ما هي القضايا الرئيسية التي ينبغي أن يلتزم بها أهل الإيمان وأهل الهدى؟ هذا ما نراه في الآيات الثلاث: ١ - فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ أي من تكذيبهم وأقوالهم التي يعبرون بها عن تصوراتهم المريضة وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ أي بصلاة الفجر وَقَبْلَ غُرُوبِها أي في صلاة العصر وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ أي من ساعاته فتهجد به، وحمله بعضهم على المغرب والعشاء وَأَطْرافَ النَّهارِ في مقابلة آناء الليل، وحمله بعضهم على الظهر والعصر، لأنهما واقعتان في النصف الأخير من النهار بين زوال الشمس وغروبها، هذا كله إذا فهمنا أن المراد بالتسبيح هنا تسبيح الصلاة، إلا أننا إذا فهمنا أن المراد بالتسبيح هنا مطلق التسبيح سواء كان في صلاة أو لا، يكون ذلك أمرا للمداومة على ذكر الله: سبحان الله وبحمده ليلا ونهارا، قبل طلوع الشمس وبعده، قبل غروب الشمس وبعده، في ساعات الليل وفي كل طرف من أطراف النهار بالصلاة وغيرها لَعَلَّكَ تَرْضى قال النسفي: (أي اذكر الله في هذه الأوقات رجاء أن تنال عند الله ما به ترضى نفسك ويسر قلبك) هذا هو الأمر الأول هنا، وهو يفيد أن التسبيح بحمد الله، مع الصبر، هو أدب المسلم في صموده أمام أقوال أهل الكفر- وما أكثرها، وما أشدها- كما أن التسبيح بحمد الله هو وسيلة المسلم للسعادة في الدنيا والآخرة، هذا وعد الله لمن لازم التسبيح بحمده. ٢ - وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ أي نظر عينيك إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ أي أصنافا من الكفرة، وفي ذلك إشارة إلى أنه ليس كل كافر ممتعا، ومعنى مد البصر: تطويله، وألا يكاد يرده استحسانا للمنظور إليه وإعجابا به، دل ذلك على أن النظر غير الممدود معفو عنه، وذلك أن يباده الشئ بالنظر ثم يغض الطرف، ولقد شدد المتقون في وجوب غض البصر عن أبنية الظلمة، ومظاهر الفسق في ملابسهم ومراكبهم حتى قال الحسن: لا تنظروا إلى دقدقة هماليج الفسقة ولكن انظروا كيف يلوح ذل المعصية من تلك الرقاب؟ وهذا لأنهم إنما اتخذوا هذه الأشياء لعيون النظارة فالناظر إليها محصل لغرضهم ومغر لهم على اتخاذها والمعنى: لا تنظر إلى ما فيه هؤلاء المترفون وأشباههم ونظراؤهم من النعيم، فإنما هو زهرة زائلة ونعمة حائلة لنختبرهم بذلك، وقليل من

стр. 3230

عبادي الشكور، ولذلك قال بعد قوله وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا أي زينتها وبهجتها لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ أى لنبلوهم حتى يستوجبوا العذاب لوجود الكفران منهم، أو ليستغرقوا فيما هم فيه من النعيم فينسوا أو ليروا أن ما هم فيه علامة على أن حالهم هي الحال الصحيحة، ومن ثم فلا تتطلع إلى ما هم فيه ولا تنظر إليه ولا تعظمه، بل كن زاهدا فيه وَرِزْقُ رَبِّكَ أي ثوابه وهو الجنة أو الحلال المشروع الكافي خَيْرٌ أي أحسن وَأَبْقى أي وأدوم مما رزقوا. ولما كان ميزان الشقاء والسعادة عند أهل الكفر هو نعيم الدنيا وهو أثر عن التصور الخاطئ لهذا الموضوع فقد صحح الله هذا التصور من خلال النهي عن مد البصر نحو ما يتمتع به الكافرون ٣ - وَأْمُرْ أَهْلَكَ أي أهل بيتك أو أمتك بِالصَّلاةِ أي استنقذهم من عذاب الله بإقام الصلاة وَاصْطَبِرْ عَلَيْها أي واصبر أنت على فعل الصلاة بأن تداوم عليها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً أي لا نسألك أن ترزق نفسك، ولا أهلك نَحْنُ نَرْزُقُكَ أي وإياهم، فلا تهتم لأمر الرزق، وفرغ بالك لأمر الآخرة وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى أي وحسن العاقبة لأهل التقوى، في هذه الآية تطمين على الرزق وهو الهم الذي يشغل أكثر الخلق، وأمر بالصلاة، وأمر بالأمر بها، لأن إقامة الصلاة تعطي الإنسان طمأنينة كاملة، فهي عامل السعادة الأول في قلب المؤمن، وفي الأمر بها للأهل تعليم للإنسان أن يكون عاملا على نشر الهدى، وخاصة في دائرة أهله. وهكذا بالصبر والتسبيح والزهد والصلاة والأمر بالصلاة يشق المسلم طريقه في هذه الحياة، فيصمد أمام الكفر ومغرياته، وادعاءات أهله ويستمر على الهدى وعلى شرع الله. وقد بقي معنا الآن من السورة ثلاث آيات تتضمن اقتراحا للكافرين وردا عليه: وَقالُوا أي الكافرون لَوْلا يَأْتِينا محمد ﷺ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أي بعلامة دالة على صحة نبوته، وقد رد الله عليهم بقوله أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى. أي الكتب المتقدمة يعني: أولم تأتكم آية هي أم الآيات وأعظمها في باب الإعجاز يعني القرآن الذي فيه برهان ما في سائر الكتب المنزلة، ودليل صحتها، لأنه معجزة، وتلك ليست بمعجزات، فهي مفتقرة إلى شهادة على صحة ما فيها أليس ذلك

стр. 3231

وحده كافيا؟! وقد عبر ابن كثير عن قوله تعالى. أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى بما يلي: (يعني القرآن العظيم الذي أنزله عليه الله، وهو أمي لا يحسن الكتابة، ولم يدارس أهل الكتاب وقد جاء فيه أخبار الأولين بما كان منهم في سالف الدهور بما يوافقه عليه الكتب المتقدمة الصحيحة منها، فإن القرآن مهيمن عليها يصدق الصحيح، ويبين خطأ المكذب فيها وعليها ..... ثم بعد كلام قال: وإنما ذكر هاهنا أعظم الآيات التي أعطيها ﵊ وهو القرآن وإلا فله من المعجزات ما لا يحد ولا يحصر، كما هو مودع في كتبه ومقرر في مواضعه؟ فإن يكن هذا القرآن على هذه الشاكلة، فذلك دليل على أنه من عند الله كما قال تعالى في بداية السورة تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى * الرَّحْمنُ فالسورة تختم بما بدأت به بأن تأتي بالدليل على أن هذا القرآن من عند الله، إذ أن قصة موسى وقصة آدم موجودتان في الصحف الأولى فإن تعرضهما هذه السورة بمثل هذه الدقة وبمثل هذا الكمال دون تناقض وكما هما حقا وصدقا فذلك دليل على أن هذا القرآن من عند الله، وهذا يفيد أنه لا حجة لكافر لا يؤمن برسول الله ﷺ وما أنزل عليه ومن ثم ندرك الصلة بين هذه الآية وسياق السورة ومحور السورة من سورة البقرة وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ أي: من قبل الرسول أو القرآن لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أي: هلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا قبل أن تهلكنا حتى نؤمن به ونتبعه فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ بنزول العذاب وَنَخْزى يوم القيامة والمعنى: أن هؤلاء الكافرين المكذبين لو أن الله أهلكهم قبل أن يرسل إليهم هذا الرسول الكريم، وينزل عليهم هذا الكتاب العظيم لاحتجوا على الله بأنه لم يرسل لهم رسولا فها هو ذا الرسول قد أرسل، وها هي الآيات قد أنزلت ولم يؤمنوا ولم يتبعوا، ومن ثم فإنهم يستحقون كل ما أنذروا به، ومن ثم ختم الله السورة بأن أمر رسوله ﷺ أن يقول: قُلْ أي يا محمد لمن كذبك وخالفك واستمر على كفره وعناده كُلٌّ أي كل واحد منا ومنكم مُتَرَبِّصٌ أي ينظر للعاقبة ولما يؤول إليه أمرنا وأمركم فَتَرَبَّصُوا أي فانتظروا فَسَتَعْلَمُونَ إذا جاءت القيامة مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ أي الطريق المستقيم وَمَنِ اهْتَدى إلى الحق وسبيل الرشاد،

стр. 3232

فإذا نظرت إلى هذه الخاتمة، وإلى محور السورة من سورة البقرة فإنك تجد الجواب في المحور هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ... وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وبالكلام عن السياق الخاص والعام أثناء عرضنا لهذه الخاتمة نستغني عن أن نفرد كلمة لهذا الموضوع فلنتكلم مباشرة عن فوائد المقطع الرابع وخاتمة السورة: الفوائد: ١ - بمناسبة ذكر شجرة الخلد في قصة آدم ﵇ يذكر ابن كثير الحديث الذي رواه أبو داود الطيالسي والإمام أحمد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام ما يقطعها وهي شجرة الخلد». ٢ - هناك اتجاه في تفسير العيش الضنك في قوله تعالى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً أنه عذاب القبر، وقد ورد فيه أكثر من حديث، وأحدها إسناده جيد رواه البزار ولا ينفي هذا ما ذكرناه من كون المعيشة الضنك في الدنيا؛ لأن عذاب القبر هو أثر العمل في الدنيا، ومن ثم فإن عامة المفسرين ذكروا ما اعتمدناه في صلب التفسير ونؤكد هنا على معنى وهو أن المعيشة الضنك مرتبطة بالشقاء النفسي. قال النسفي: (فمع الدين، التسليم والقناعة والتوكل، فتكون حياته طيبة، ومع الإعراض، الحرص والشح فعيشه ضنك، وحاله مظلمة، كما قال بعض المتصوفة: لا يعرض أحدكم عن ذكر ربه إلا أظلم عليه وقته وتشوش عليه رزقه). ٣ - بمناسبة قوله تعالى قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى. قال ابن كثير: (فأما نسيان لفظ القرآن، وفهم معناه، والقيام بمقتضاه، فليس داخلا في هذا الوعيد الخاص، وإن كان متوعدا عليه من جهة أخرى، فإنه قد وردت السنة بالنهي الأكيد والوعيد الشديد في ذلك). ٤ - بمناسبة قوله تعالى وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى يذكر ابن كثير الأحاديث التالية: في الصحيحين عن جرير بن عبد الله البجلي رضي

стр. 3233

الله عنه- قال: كنا جلوسا عند رسول الله ﷺ فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: «إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا» ثم قرأ هذه الآية، وروى الإمام أحمد ... عن عمارة بن رؤيبة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها» ورواه مسلم وفي المسند والسنن عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ إن «أدنى أهل الجنة منزلة من ينظر في ملكه مسيرة ألفي سنة، ينظر إلى أقصاه، وإن أعلاهم منزلة لمن ينظر إلى الله تعالى في اليوم مرتين» وفي الصحيح: يقول الله: «يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: ربنا وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك، فيقول: إني أعطيكم أفضل من ذلك، فيقولون وما أفضل من ذلك؟ فيقول:: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا» ٥ - بمناسبة قوله تعالى: وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى * وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى قال ابن كثير: في الصحيح أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه لما دخل على رسول الله في تلك المشربة التي كان قد اعتزل فيها نساءه حين آلى منهن فرآه متوسدا مضطجعا على رمال حصير وليس في البيت إلا صبرة من قرظ، وأهبة معلقة فابتدرت عينا عمر بالبكاء فقال له رسول الله ﷺ «ما يبكيك يا عمر؟» فقال: يا رسول الله إن كسرى وقيصر فيما هما فيه وأنت صفوة الله من خلقه فقال: «أوفي شك أنت يا ابن الخطاب؟! أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا» فكان ﷺ أزهد الناس في الدنيا مع القدرة عليها، إذا حصلت له ينفقها هكذا وهكذا في عباد الله ولم يدخر لنفسه شيئا لغد. روى ابن أبي حاتم ...... عن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ قال: «إن أخوف ما أخاف عليكم ما يفتح الله لكم من زهرة الدنيا» قالوا وما زهرة الحياة الدنيا يا رسول الله؟ قال: «الأرض» وقال قتادة والسدي: زهرة الحياة الدنيا يعني زينة الحياة الدنيا، وقال قتادة لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ لنبتليهم. وقوله وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها أي استنقذهم من عذاب الله بإقام الصلاة، واصبر أنت على فعلها، كما قال تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً.

стр. 3234

وروى ابن أبي حاتم .... عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر بن الخطاب كان يبيت عنده أنا ويرفأ، وكان له ساعة من الليل يصلي فيها، فربما لم يقم فنقول: لا يقوم الليلة كما كان يقوم، وكان إذا استيقظ أقام (يعني) أهله وقال وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها وقوله لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ يعني إذا أقمت الصلاة أتاك الرزق من حيث لا تحتسب كما قال تعالى وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وقال تعالى وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ إلى قوله إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ولهذا قال لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وقال الثوري: لا نسألك رزقا أي لا نكلفك الطلب، وروى ابن أبي حاتم عن هشام عن أبيه أنه كان إذا دخل على أهل الدنيا فرأى من دنياهم طرفا فإذا رجع إلى أهله فدخل الدار قرأ وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى قوله نَحْنُ نَرْزُقُكَ ثم يقول: الصلاة الصلاة رحمكم الله، وروى ابن أبي حاتم .... عن ثابت قال: كان النبي ﷺ إذا أصابه خصاصة نادى أهله يا أهلاه صلوا صلوا. قال ثابت: وكانت الأنبياء إذا نزل بهم أمر فزعوا إلى الصلاة، وقد روى الترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «يقول الله تعالى: يا بن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى، وأسد فقرك، وإن لم تفعل ملأت صدرك شغلا ولم أسد فقرك». وروى ابن ماجه .... عن ابن مسعود قال: سمعت نبيكم ﷺ يقول: «من جعل الهموم هما واحدا هم المعاد كفاه الله هم دنياه، ومن تشبعت به الهموم في أحوال الدنيا لم يبال الله في أي أوديته هلك» وروى أيضا من حديث شعبة ... عن زيد بن ثابت سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته جمع له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة» وقوله وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى أي وحسن العاقبة في الدنيا والآخرة- وهي الجنة- لمن اتقى الله، وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: «رأيت الليلة كأنا في دار عقبة بن رافع وأنا أتينا برطب من رطب ابن طاب فأولت ذلك أن العاقبة لنا في الدنيا والرفعة، وأن ديننا قد طاب» ٦ - وبمناسبة قوله تعالى أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى يذكر ابن كثير: حديث الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ما من نبي إلا وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة»

стр. 3235

كلمة في سورة طه رأينا أن سورة (طه) انصب تفصيلها على قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ ... من مقدمة سورة البقرة ولكنه تفصيل رباني عجيب، بدأت السورة بتعليل لم أنزل القرآن ثم بالتدليل على أن منزله الله، ثم قصت قصة موسى التي هي نموذج كامل على الإرسال والإنزال والإيمان وعاقبة الإيمان ومزالق الطريق وكيفية معالجتها وعن بعض خصائص القرآن، ثم قصت لنا قصة آدم وسنة الله الخالدة في موضوع إنزال الهدى، وعاقبة المهتدين والمعرضين، وكل ذلك يعمق موضوع الإيمان بهذا القرآن، ثم ناقشت الذين كفروا وأمرت ونهت أهل الإيمان، ثم ردت على اقتراح الكافرين آية بأن هذا القرآن كاف، وقد رأينا أثناء الكلام عن السورة ما لا نحتاج معه إلى أن نكرره، سواء حول السياق الخاص للسورة أو حول السياق القرآني العام، والمهم أن يكون واضحا لدينا أن ما في السورة من معان إنما هي دعوة للإيمان بهذا القرآن وتربية على مقتضياته تفصيلا لقوله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ ***

стр. 3236

سورة الأنبياء وهي السورة الحادية والعشرون بحسب الرسم القرآني وهي السورة الثانية من المجموعة الثالثة من قسم المئين، وآياتها مائة واثنتا عشرة آية وهي مكية

стр. 3237

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم

стр. 3238

قال الألوسي في تقديمه لسورة الأنبياء: (نزلت بمكة كما أخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن الزبير- رضي الله تعالى عنهم- وفي البحر وأنها مكية بلا خلاف، وأطلق ذلك فيها، واستثنى منها في الإتقان قوله تعالى أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ الآية. وهي مائة واثنتا عشرة آية في عد الكوفي، وإحدى عشرة في عد الباقين، كما قاله الطبرسي والداني، ووجه اتصالها بما قبلها غني عن البيان، وهي سورة عظيمة فيها موعظة فخيمة، فقد أخرج ابن مردويه وأبو نعيم في الحلية. وابن عساكر عن عامر بن ربيعة أنه نزل رجل من العرب فأكرم عامر مثواه وكلم فيه رسول الله ﷺ فجاءه الرجل فقال: إني استقطعت رسول ﷺ واديا ما في العرب واد أفضل منه، وقد أردت أن أقطع لك منه قطعة تكون لك ولعقبك من بعدك فقال عامر: لا حاجة لي في قطيعك، نزلت اليوم سورة أذهلتنا عن الدنيا اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ إلى آخره. وروى البخاري عن عبد الله بن مسعود قوله: بنو إسرائيل والكهف ومريم وطه والأنبياء هن من العتاق الأول وهن من تلادي دل هذا الأثر على أن سورة الأنبياء من السور التي نزلت قديما، وذكرها في هذا الترتيب الموافق للرسم القرآني فيه دليل على أن ترتيب القرآن كما هو مرسوم كان معلوما للصحابة رضوان الله عليهم، فالأثر يصلح أن يكون من جملة الأدلة على أن ترتيب هذا القرآن توقيفي) كلمة في سورة الأنبياء: قلنا من قبل: إن محور سورة الأنبياء هو قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ تأمل هاتين الآيتين، ثم انظر الآيات الثلاث الأولى من سورة الأنبياء، تجد مصداق ما قلناه: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ* ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ* لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ ثم بعد هذه الآيات تأتي آية هي: قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ

стр. 3239

السَّمِيعُ الْعَلِيمُ هذا ما قاله الرسول ﷺ فهل عليه اعتراض؟ إنهم يعترضون: بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ ويأتي الرد القرآني عليهم ويستغرق السورة كلها بدليل أن السورة تختم بآية على لسان الرسول ﷺ تبدأ بكلمة (قال) كالآية التي جاءت بعد الآيات الثلاث: قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ وما بين هذه الآية وبين مقدمة السورة نجد مجموعات السورة تضرب على نسق واحد كل مجموعة منها مبدوءة بكلمة (ما) أو (وما) ................ .... ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ* وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ* وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ... إن هناك إنذارا ومنذرا ومنذرين ما هو مضمون الإنذار؟ وما هي حال المنذرين؟ وماذا يقول النذير؟ وماذا يقول المنذرون وما هو الرد عليهم؟ معان تطرقها السورة، وكلها نوع تفصيل لقوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ كما سنراه أثناء عرض السورة تفصيلا ... ومما يؤكد ما ذهبنا إليه من أن هذه السورة تفصل الآية المذكورة من سورة البقرة هي أنه لم يرد في القرآن إلا سورتان مبدوءتان بكلمة مشتقة من الاقتراب هذه السورة اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ وسورة القمر المبدوءة بقوله تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ .... فهذه البداية المشتركة توحي بالموضوع المشترك، والمحور المشترك، وأنت عند ما تدرس سورة القمر فإنك تجد بوضوح أنها تفصل في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ

стр. 3240

تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ لاحظ بدايتها: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ* وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ* وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ* وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ* حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ لاحظ كلمة فَما تُغْنِ النُّذُرُ وصلتها بقوله تعالى أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ثم لاحظ قوله تعالى فيها: كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ ثم لاحظ قوله تعالى فيها فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ* وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ تجد الصلة واضحة بقوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ ... وسورة القمر ستأتي معنا بإذن الله ونرى ما ذكرناه هنا بالتفصيل، ولكنا أسرعنا في هذه الإشارة للتأكيد على أن محور تلك السورة هو محور هذه السورة؛ بدليل الموضوع المشترك، واللفظة المشتركة، التي بدأت بها السورة، مع ملاحظة أن لكل سورة سياقها الخاص بها، وطريقتها الخاصة بها في التفصيل. فسورة الأنبياء إذن تتألف من آيات ثلاث، ثم قول للرسول ﷺ قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ثم مواقف للكافرين من هذا القول، ورد عليها، ثم تختم السورة بآية مبدوءة بلفظة (قال) على لسان الرسول ﷺ : قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ فالكافرون يرفضون البلاغ مع قيام الحجة، والرسول ﷺ بعد إقامة الحجة يعلن استسلامه لله، ويدعو الله أن يحكم بينه وبين هؤلاء الكافرين، ويطلب العون من الله على أقوال هؤلاء الكافرين. فلنبدأ عرض السورة لنرى تفصيل ما ذكرناه. ***

стр. 3241

مقدمة السورة وتتألف من خمس آيات بعد البسملة وهذه هي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [سورة الأنبياء (٢١): الآيات ١ الى ٥] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١) ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢) لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٣) قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٤) بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥) التفسير: اقْتَرَبَ أي دنا لِلنَّاسِ أي للكافرين بدليل السياق كما ذكر النسفي حِسابُهُمْ أي وقت محاسبة الله إياهم، ومجازاته على أعمالهم، وصفه بالاقتراب لقلة ما بقي، بالإضافة إلى ما مضى، ولأن كل آت قريب وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ على حسابهم وعما يفعل بهم هناك مُعْرِضُونَ أي عن التأهب لذلك اليوم ما يَأْتِيهِمْ أي هؤلاء الكافرين مِنْ ذِكْرٍ أي من شئ من القرآن مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ أي جديد إنزاله إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وحالهم عند السماع وَهُمْ يَلْعَبُونَ ومع كونهم أثناء السماع لاعبين فإن قلوبهم لاهية، ومن ثم وصف حال قلوبهم عند السماع لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ فأجسامهم في لعب، وقلوبهم في لهو وغفلة، فكيف يعقلون عن الله وحيه؟ ثم وصف الله حالهم بأنهم زيادة على لعب الجسم ولهو القلب فإنهم يتآمرون وَأَسَرُّوا النَّجْوَى أي وبالغوا في إخفاء تناجيهم الَّذِينَ ظَلَمُوا الكلام كله عن الموسومين بالظلم، فهم الذين يستمعون الذكر والجسم لاعب والقلب لاه، ويتناجون سرا متآمرين هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أي قائلين

стр. 3242

فيما بينهم خفية هذا الكلام، يعنون رسول الله ﷺ يستبعدون كونه نبيا أنه بشر مثلهم فكيف اختص بالوحي دونهم، ولهذا قالوا كما ذكر الله على لسانهم أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ أي أفتتبعونه فتكونوا كمن يأتي السحر وهو يعلم أنه سحر. والمعنى: أنهم اعتقدوا أن الرسول لا يكون إلا ملكا، وأن كل من أدعى الرسالة من البشر، وجاء بالمعجزة فهو ساحر، ومعجزته سحر، فلذلك قالوا على سبيل الإنكار: أفتحضرون السحر وأنتم تشاهدون وتعاينون أنه سحر. كلمة في السياق: وهكذا وصف الله حال هؤلاء الكافرين أنهم غافلون ومعرضون ولا يستمعون الوحي إلا والجسم لاعب، والقلب لاه، وقد بنوا الأمر على أن محمدا ﷺ بشر وساحر، وليس من التعقل حضور مجلسه، فناس هذا شأنهم كيف يصلحهم الإنذار، أو ينفعهم إن صلة ذلك بقوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ واضحة، فهذه الآيات عللت لنا لم لا ينفع الإنذار بهؤلاء؟ إنهم غافلون معرضون، لاعبون، لا هو القلب، يتآمرون على الرسالة، ظالمون، تصوراتهم خاطئة، فالعلة فيهم ومنهم، ومن ثم ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم، وجعل على بصرهم غشاوة، ولهم عذاب عظيم. نقل: بمناسبة مقدمة السورة قال صاحب الظلال: (هؤلاء الذين يصفهم القرآن الكريم كانوا يواجهون ما ينزل من القرآن ليكون دستورا للحياة، ومنهاجا للعمل، وقانونا للتعامل .. باللعب. ويواجهون اقتراب الحساب بالغفلة. وأمثال هؤلاء موجودون في كل زمان. فحيثما خلت الروح من الجد والاحتفال والقداسة صارت إلى هذه الصورة المريضة الشائهة التي يرسمها القرآن. والتي تحيل الحياة كلها إلى هزل فارغ، لا هدف له ولا قوام! ذلك بينما كان المؤمنون يتلقون هذه السورة بالاهتمام الذي يذهل القلوب عن الدنيا وما فيها: جاء في ترجمة الآمدي لعامر بن ربيعة أنه كان قد نزل به رجل من العرب فأكرم مثواه .. ثم جاءه هذا الرجل وقد أصاب أرضا فقال له: إني استقطعت من رسول الله

стр. 3243

صلى الله عليه وسلم واديا في العرب، وقد أردت أن أقطع لك منه قطعة تكون لك ولعقبك من بعدك، فقال عامر: لا حاجة لي في قطيعتك. نزلت اليوم سورة أذهلتنا عن الدنيا: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ وهذا هو فرق ما بين القلوب الحية المتلقية المتأثرة، والقلوب الميتة المغلفة الخامدة. التي تكفن ميتتها باللهو، وتواري خمودها بالاستهتار، ولا تتأثر بالذكر لأنها خاوية من مقومات الحياة) فوائد: ١ - كثير من أخلاق الكافرين يمكن أن يبتلى بها المؤمنون، ومن ثم فإن على المسلم أن يلاحظ نفسه وقلبه، وإذا مر على خلق للكافرين فتش في نفسه وسلوكه أن يكون متخلقا به وهو لا يشعر، إن هذه الصورة- صورة استماع الوحي والجسم يلعب والقلب لاه- صورة نراها كثيرا في المقاهي والنوادي والمجالس، يشترك فيها الكافرون والمؤمنون، ومن ثم قال النسفي: بمناسبة قوله تعالى: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (فالاقتراب عام، والغفلة والإعراض يتفاوتان بتفاوت المكلفين، فرب غافل عن حسابه لاستغراقه في دنياه، وإعراضه عن مولاه، ورب غافل عن حسابه لاستهلاكه في مولاه وإعراضه عن دنياه، فهو لا يفيق إلا برؤية المولى والأول إنما يفيق في عسكر الموتى، فالواجب عليك أن تحاسب نفسك قبل أن تحاسب، وتتنبه للعرض قبل أن تنبه، وتعرض عن الغافلين، وتشتغل بذكر خالق الخلق أجمعين؛ لتفوز بلقاء رب العالمين). ٢ - مما استدل به المعتزلة على حدوث القرآن قوله تعالى ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ .... ولا يصح لهم هذا الاستدلال؛ لأن المراد بالمحدث أنه محدث إتيانه قريب عهده باستماعهم، مبتدأة تلاوته. ٣ - بمناسبة قوله تعالى لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ ذكر النسفي ما قاله أبو بكر الوراق في تفسير القلب اللاهي: المشغول بزينة الحياة وزهرتها الغافل عن الآخرة وأهوالها. ٤ - بمناسبة قوله تعالى ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ ذكر ابن كثير ما قاله ابن عباس (ما لكم تسألون أهل الكتب عما بأيديهم وقد حرفوه وبدلوه، وزادوا فيه ونقصوا منه، وكتابكم أحدث الكتب بالله، تقرءونه محضا لم يشب) قال ابن كثير رواه البخاري بنحوه. ولنعد إلى السياق ...

стр. 3244

هذا الموقف للكافرين، الذي رأيناه، والذي يوصل إلى أنه لا فائدة من إنذارهم، يكافئه أن يعلن الرسول هذا الإعلان: قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ إن الموقف المكافئ لموقف الكافرين فيما افتروه واختلقوه من الكذب أن يقول الرسول ﷺ هذا قالَ أي محمد رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ أي يعلم قول كل قائل، في السماء أو في الأرض سرا كان أو جهرا وَهُوَ السَّمِيعُ لأقوالكم الْعَلِيمُ بأحوالكم، إن إعلان الرسول عن هذا هو الذي يمثل الموقف الجدي من موقفهم الهازل الهازئ، إن الإعلان الرصين ليس موجها لهم مباشرة لأنهم لا ينتفعون به، إلا أن مثل هذا الموقف يثيرهم أكثر وأكثر ومن ثم ينتقلون من موقف التناجي السري والتآمر الخفي إلى الإعلان السافر والاتهام القذر: بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ أي تخاليط أحلام أي تخاليط منامات بَلِ افْتَراهُ أي بل اختلقه بَلْ هُوَ شاعِرٌ أي أديب نسج هذا القرآن على هذه الشاكلة، أو المراد أنه شاعري العواطف والتعبير، ومن ثم يقول هذا الكلام، ويعبر الكافرون في عصرنا عن ذلك: إنه عاطفي وليس موضوعيا فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ أي بمعجزة كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ أي كما أرسل من قبله باليد البيضاء، والعصا وإبراء الأكمه، وإحياء الموتى، وصفوا القرآن أولا بأنه سحر، ثم أضربوا عن قولهم هو سحر إلى أنه تخاليط أحلام، رآها في نومه فتوهمها وحيا من الله إليه، ثم إلى أنه كلام مفترى من عنده، ثم إلى أنه قول شاعر، وهكذا فالباطل لا يستقر على قول، والمبطل متناقض لا يثبت على قول واحد قال ابن كثير في الآية: (هذا إخبار عن تعنت الكفار، وإلحادهم واختلافهم فيما يصفون به القرآن، وحيرتهم فيه، وضلالهم عنه، فتارة يجعلونه سحرا، وتارة يجعلونه مفترى). كلمة في السياق: من خلال هذه الآيات الخمس التي مرت معنا ندرك حقيقة الحالة الكفرية للإنسان الذي لا ينفع معه الإنذار، إنه الإنسان الذي يعتبر الوحي أضغاث أحلام، وأنه مكذوب، وأن الرسول إنسان عاطفي غير موضوعي، إن هذا النوع من الكفار هم الذين يطلبون الآيات متعنتين، وهم مستغرقون في الغفلة والإعراض واللعب وسهو القلب، والتآمر على الرسالة والرسول، هذه هي أعراض الكفر الكامل الذي لا ينفع معه إنذار، وبعد أن عرضت السورة علينا هذا الواقع للكفر، فإن مجموعاتها اللاحقة تقيم الحجة على الكافرين مرة بعد مرة.

стр. 3245

المجموعة الأولى وتمتد من الآية (٦) إلى نهاية الآية (١٥) وهذه هي: [سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٦ الى ١٥] ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (٦) وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٧) وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ (٨) ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ نَشاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (٩) لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٠) وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرِينَ (١١) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ (١٢) لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ (١٣) قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (١٤) فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ (١٥) التفسير: ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أي ما آتينا أهل قرية من القرى الذين بعث فيهم الرسل آية على يدي نبيهم فآمنوا بها، بل كذبوا فأهلكناهم بذلك، أفهؤلاء يؤمنون بالآيات لو رأوها؟؟ أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ أي أولئك لم يؤمنوا بالآيات لما أتتهم أفيؤمن هؤلاء المقترحون لو آتيناهم بما اقترحوا، مع أنهم أعتى منهم؟ والمعنى: أن أهل القرى اقترحوا على أنبيائهم الآيات، وعاهدوا أنهم يؤمنون عندها، فلما جاءتهم نكثوا وخالفوا، فأهلكهم الله، فلو أعطينا هؤلاء ما يقترحون لنكثوا أيضا، هذا رد لقولهم فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ إن الله إذا أرسل رسولا فإنه يجعل على

стр. 3246

يديه ما تقوم به الحجة على الخلق، أما إذا اقترح الناس الآيات مما يزيد على ما تحتاجه إقامة الحجة، فإن الله إذا أجابهم إلى ذلك ثم لم يؤمنوا فإن سنته أن يهلكهم، ولقد أعطى الله رسولنا ﷺ من الآيات الباهرات، والحجج القاطعات، والدلائل البينات، ما هو أظهر وأجلى وأبهر وأقطع وأقهر مما أعطيه أي رسول آخر، ومع ذلك لم يؤمنوا بل يقترحون الآيات، وما هم بمؤمنين لو جاءت، ولو جاءت ولم يؤمنوا لأهلكوا، فمن إكرام الله لرسوله ﷺ أنه لم يستجب لهم في اقتراحهم، وسنلاحظ أنه في نهاية هذه السورة سيأتي قوله تعالى وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ومن مظاهر كونه رحمة للعالمين هذا الإمهال لمن خالفه، وعدم الاستئصال. كلمة في السياق: لاحظنا أن الكافرين لا يؤثر فيهم الإنذار، ولا تؤثر فيهم الحجج، ورأينا أن هذا المعنى له صلة بمحور السورة من سورة البقرة إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ولاحظنا في الآيات الأولى من السورة كيف أن الكافرين يفرون من الحجج إلى اقتراح الآيات، وقد بدأت الآية الأولى من هذه المجموعة بتبيان أنه حتى ولو جاءهم ما اقترحوا فإنهم لا يؤمنون سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ فليس بالإنذار يؤمنون، وليس بالآيات يؤمنون، وبعد أن ترد الآية الأولى في هذه المجموعة على آخر ما قالوه وهو اقتراحهم الآيات، فإن الآيات التالية ترد على كلامهم الأول الذي عرضه الله علينا من قبل وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ فلنعد إلى التفسير لنرى ذلك: وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا فتلك سنة الله الدائمة إذن، فلماذا يستنكرون أن يكون محمد ﷺ رسولا بشرا نُوحِي إِلَيْهِمْ فهم بشر كبقية البشر، إلا أنهم يمتازون عن البشر بالوحي فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ أي أهل الكتاب إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ذلك أي اسألوا أهل العلم من الأمم كاليهود والنصارى وسائر الطوائف، هل كان الرسل الذين أتوهم بشرا أو ملائكة، إن كنتم لا تعلمون شيئا عن شأنهم، فسيجيبونكم أنهم بشر، وذلك من تمام نعمة الله على خلقه؛ إذ بعث فيهم رسلا منهم يتمكنون من تناول البلاغ منهم، والأخذ عنهم، ولما كان قولهم هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يتضمن أنهم يتصورون أن الرسول ينبغي أن يكون من غير جنس البشر أو إذا كان من البشر فينبغي أن يكون له وضع خاص، كأن لا يأكل، ولا يشرب، ولا

стр. 3247

يموت، فمن ثم جاءت الآية التالية تقول: وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ أي وما جعلنا الأنبياء قبله ذوي جسد غير طاعمين، بل كانوا بشرا من البشر، أجسادا يأكلون الطعام، ويشربون مثل الناس، ويدخلون الأسواق للكسب والتجارة، وليس ذلك بضار لهم، ولا ناقص منهم شيئا كما توهمه المشركون وَما كانُوا خالِدِينَ أي في الدنيا، بل كانوا يعيشون ثم يموتون ومحمد ﷺ واحد منهم، فلم تستغربون أن يكون رسولا؟ وبهاتين الآيتين رد الله على زعمهم أن الله لا يبعث بشرا رسولا ولما كان قد ذكر في الرد الأول، على موضوع اقتراح الآيات، إهلاكه القرى، عاد السياق هنا ليذكر بعد أن رد كلامهم الأول، إلى تبيان أن هذا الإهلاك كان تصديقا للوعد الذي وعده الرسل وهو قوله تعالى في سورة إبراهيم لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ وهؤلاء كانوا ظالمين بقولهم، كما ذكر الله وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ومن ثم فإن الآية الثالثة تقول: ثُمَّ صَدَقْناهُمُ أي صدقنا الرسل الْوَعْدَ وهو إهلاك الظالمين وإنجاء الرسل فَأَنْجَيْناهُمْ أي مما حل بقومهم وَمَنْ نَشاءُ أي المؤمنين، فهم الذين يشاء الله إنجاءهم بدليل ما بعده وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ أي المجاوزين الحد بكفرهم، وهم المكذبون بما جاءت به الرسل. نقل: بمناسبة قوله تعالى وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ ... قال صاحب الظلال: (لقد كان الرسل من البشر ليعيشوا حياة البشر، فتكون حياتهم الواقعية مصداق شريعتهم. وسلوكهم العملي نموذجا حيا لما يدعون إليه الناس. فالكلمة الحية الواقعية هي التي تؤثر وتهدي، لأن الناس يرونها ممثلة في شخص مترجمة إلى حياة. ولو كان الرسل من غير البشر لا يأكلون الطعام، ولا يمشون في الأسواق، ولا يعاشرون النساء، ولا تعتلج في صدورهم عواطف البشر وانفعالاتهم لما كانت هناك وشيجة بينهم وبين الناس. فلا هم يحسون دوافع البشر التي تحركهم، ولا البشر يتأسون بهم ويقتدون. وأيما داعية لا يحس مشاعر الذين يدعوهم ولا يحسون مشاعره، فإنه يقف على هامش حياتهم، لا يتجاوب ولا يتجاوبون معه. ومهما سمعوا من قوله فلم يحركهم للعمل بما يقول لما بينه وبينهم من قطيعة في الحس والشعور.

стр. 3248

وأيما داعية لا يصدق فعله قوله. فإن كلماته تقف على أبواب الآذان لا تتعداها إلى القلوب. مهما تكن كلماته بارعة وعباراته بليغة. فالكلمة البسيطة التي يصاحبها الانفعال ويؤيدها العمل. هي الكلمة المثمرة التي تحرك الآخرين إلى العمل. والذين كانوا يقترحون أن يكون الرسول من الملائكة، كالذين يقترحون اليوم أن يكون الرسول منزها عن انفعالات البشر .. كلهم يتعنتون ويغفلون عن هذه الحقيقة وهي أن الملائكة لا يحيون حياة البشر بحكم تكوينهم ولا يمكن أن يحيوها .. لا يمكن أن يحسوا بدوافع الجسد ومقتضياته، ولا بمشاعر هذا المخلوق الآدمي ذي التكوين الخاص. وأن الرسول يجب أن يحس بهذه الدوافع والمشاعر. وأن يزاولها في حياته الواقعية ليرسم بحياته دستور الحياة العملي لمتبعيه من الناس. وهنالك اعتبار آخر، وهو أن شعور الناس بأن الرسول ملك لا يثير في نفوسهم الرغبة في تقليده في جزئيات حياته، لأنه من جنس غير جنسهم، وطبيعة غير طبيعتهم، فلا مطمع لهم في تقليد منهجه في حياته اليومية. وحياة الرسل أسوة دافعة لغيرهم من الناس. وهذا وذلك فوق ما في ذلك الاقتراح من غفلة عن تكريم الله للجنس البشري كله، باختيار الرسل منه. ليتصلوا بالملإ الأعلى ويتلقوا عنه، لذلك كله اقتضت سنة الله الجارية اختيار الرسل من البشر، وأجرت عليهم كل ما يجري على البشر من ولادة وموت، ومن عواطف وانفعالات، ومن آلام وآمال، ومن أكل للطعام ومعاشرة للنساء، وجعلت أكبر الرسل وأكملهم وخاتمهم وصاحب الرسالة الباقية فيهم ... أكمل نموذج لحياة الإنسان على الأرض بكل ما فيها من دوافع وتجارب وعمل وحياة) كلمة في السياق: رأينا أن محور سورة الأنبياء هو قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ونلاحظ في الآية الأخيرة أن قوله تعالى ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ نَشاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ فيه إنذار لهم أن يصيبهم ما أصاب الأولين، دل ذلك على أن كون النتيجة أن هؤلاء الكافرين لا يؤمنون لا يعني هذا أنهم لا ينذرون، بل الإنذار لا بد منه لإقامة الحجة عليهم، ومن ثم أمر الله رسوله أن ينذر وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ

стр. 3249

لَدَى الْحَناجِرِ وهكذا نلاحظ أن ما مر معنا من هذه المجموعة حتى الآن قد رد على كلمة للكافرين، ورد على اقتراح، وبعد الرد حذر وأنذر، والآن يأتي الرد على قولهم إن القرآن أضغاث أحلام وكذب وشعر، ثم يعقب ذلك إنذار آخر، وتحذير وتذكير لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ يا معشر قريش، أو يا معشر العرب الذين تقولون عن هذا القرآن ما تقولون كِتاباً هو القرآن فِيهِ ذِكْرُكُمْ أي فيه شرفكم، هكذا فسرها ابن عباس أَفَلا تَعْقِلُونَ أي ما فضلناكم به على غيركم فتؤمنوا، أي أفلا تعقلون هذه النعمة وتتلونها بالقبول بدلا من أن تصفوها بما تصفونها به؟ ولنا على الآية عودة، إذ تحتمل أن يكون المراد بالذكر الموعظة، فكتاب فيه مثل هذا التذكير كيف تصفونه بما تصفونه به؟ وبعد أن رد مزاعمهم في شأن هذا القرآن عاد إلى التحذير والإنذار والتذكير وَكَمْ قَصَمْنا أي أهلكنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً أي كثير من القرى الكافرة أهلكنا أهلها، والتعبير بالقصم فيه إشارة إلى شدة الإهلاك، لأن القصم أفظع الكسر وَأَنْشَأْنا أي وخلقنا بَعْدَها قَوْماً آخَرِينَ أي أمة أخرى سكنت مساكن الأولين فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا أي فلما أحس المهلكون عذابنا، أي علموا علم حس ومشاهدة تيقنوا أن العذاب واقع بهم لا محالة، كما وعدهم نبيهم إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ أي يفرون هاربين، فقيل لهم، والقائل بعض الملائكة لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ أي إلى ما نعمتم فيه من الدنيا، ولين العيش، أي إلى نعيمكم وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ وإنما يقال هذا لهم كما قال قتادة استهزاء بهم، والمعنى: لعلكم تسألون غدا عما جرى عليكم ونزل بأموالكم فتجيبوا السائل، عن علم ومشاهدة، بلسان الحال، أو لعلكم تسألون عما كنتم فيه من أداء شكر النعم في دار النعم قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ اعترفوا بذنوبهم حين لا ينفعهم ذلك فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ أي دعاءهم وهو اعترافهم بظلمهم، دل ذلك على أن الاعتراف بالخطيئة دعاء لله، ولكن الدعاء في هذا المقام لا ينفع حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً أي مثل الحصيد أي مثل الزرع المحصود خامِدِينَ أي ميتين، شبههم بالنار إذا خمدت، أي جعلناهم جامعين لمماثلة الحصد والخمود، أي ما زالت تلك المقالة- وهي الاعتراف بالظلم- حتى حصدناهم حصدا، وخمدت حركاتهم وأصواتهم خمودا، وهكذا حذر الله هؤلاء الكافرين وأنذرهم وذكرهم لو كان ينفعهم تحذير.

стр. 3250

نقل: بمناسبة قوله تعالى: لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ؟ قال صاحب الظلال: (إن معجزة القرآن معجزة مفتوحة للأجيال وليست كالخوارق المادية التي تنقضي في جيل واحد، ولا يتأثر بها إلا الذين يرونها من ذلك الجيل. ولقد كان به ذكر العرب ومجدهم حين حملوا رسالته فشرقوا بها وغربوا، فلم يكن لهم قبله ذكر، ولم يكن معهم ما يعطونه للبشرية فتعرفه لهم وتذكرهم به. ولقد ظلت البشرية تذكرهم وترفعهم طالما استمسكوا بهذا الكتاب، وقادوا به البشرية قرونا طويلة، فسعدوا وسعدت بما معهم من ذلك الكتاب. حتى إذا تخلوا عنه تخلت عنهم البشرية، وانحط فيها ذكرهم، وصاروا ذيلا للقافلة يتخطفهم الناس، وكانوا بكتابهم يتخطف الناس من حولهم. وهم آمنون. وما يملك العرب من زاد يقدمونه للبشرية سوى هذا الزاد ... فإن تقدموا للبشرية بكتابهم ذاك عرفتهم وذكرتهم ورفعتهم، لأنها تجد عندهم ما تنتفع به. فأما إذا تقدموا إليها عربا فحسب بجنسية العرب، فما هم؟ وما ذاك؟ وما قيمة هذا النسب بغير هذا الكتاب؟ إن البشرية لم تعرفهم إلا بكتابهم وعقيدتهم وسلوكهم المستمد من ذلك الكتاب. وهذه العقيدة .. لم تعرفهم لأنهم عرب فحسب. فذلك لا يساوي شيئا في تاريخ البشرية، ولا مدلول له في معجم الحضارة! إنما عرفتهم لأنهم يحملون حضارة الإسلام ومثله وفكرته. وهذا أمر له مدلوله في تاريخ البشرية ومعجم الحضارة! وذلك ما كان يشير إليه القرآن الكريم، وهو يقول للمشركين، الذين كانوا يواجهون كل جديد يأتيهم منه باللهو والإعراض والغفلة والتكذيب: لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ). كلمة في السياق: رد الله في هذه المجموعة على أقوال الكافرين واقتراحاتهم ووعظهم وذكرهم، بتسلسل واضح رأيناه أثناء العرض والتفسير، وقد رأينا فيما مر معنا نموذجا على كون هذا القرآن (ذكرا) وهو المعنى الذي ورد في الآية الثانية من السورة ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ فالقرآن ذكر يذكر بالله قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ والقرآن ذكر يذكر الإنسان ويعظه وَكَمْ

стр. 3251

قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرِينَ والقرآن ذكر إذ يقوم باطل الإنسان بالحجة القاطعة، ومع كون القرآن هذا كله، فإن الكافرين يستمعون إليه وهم يلعبون لاهية قلوبهم .. ومن تأمل هذا لا يغيب عنه ارتباط الآيات بمحور السورة: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ. فائدة: ذكرنا أن لنا عودة على قوله تعالى: لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ لقد فسر ابن عباس الذكر فيها بأنه الشرف، وفسره آخرون بأنه الموعظة، وفسره آخرون بأنه الدين، وسواء فسر بالشرف أو بالموعظة أو بالدين فإنه رد على ما زعموه فيه أنه أضغاث أحلام وأكاذيب أو شعر، وعلى القول الأقوى وهو أن المراد به الشرف يكون خطابا للعرب، إذ يذكرهم الله بنعمته عليهم إذ شرفهم بهذا القرآن، بل التعبير يفيد أنه شرفهم الوحيد إذ تقديم (فيه) وهو جار ومجرور على المبتدأ يفيد الاختصاص، ولو أنك تأملت شيئا يشرف به العرب في هذا العالم لم تجد شيئا غير هذا القرآن؛ فما من شئ قدمه العرب للعالم إلا وهم فيه عالة على غيرهم، أو يشاركهم فيه غيرهم إلا هذا القرآن الذي أنزله الله عليهم، فإنه الشرف الذي لا ينازعهم فيه غيرهم، وعند ما يرفض العرب هذا القرآن يكونون قد رفضوا شرفهم، ويدللون بذلك على عدم عقلهم، ولكن الكافر لا تفيده حجة سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ولذلك تجد كفار عصرنا من العرب مصرين على ألا يبقى لهذا القرآن دور في الحياة، ونراهم مصرين على إنكاره والاستهزاء به، دأب كفار العرب الأولين، مع أن العرب المحدثين رأوا من آيات الله في هذه الأمة- ببركة هذا القرآن- ما لم يره الأولون، ومع ذلك يصرون على أن يكونوا بلا شرف، وأن يجردوا أمتهم من أسباب شرفها، وما ذلك بضار هذا القرآن شيئا قال تعالى: وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ وقد أعطى الله راية الإسلام أكثر من مرة لغير العرب، فهل يعقل العرب في عصرنا فيعودوا إلى استلام الراية من جديد. ولننتقل إلى المجموعة الثانية بعد المقدمة.

стр. 3252

المجموعة الثانية تمتد من الآية (١٦) إلى نهاية الآية (٢٤) وهذه هي [سورة الأنبياء (٢١): الآيات ١٦ الى ٢٤] وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (١٦) لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ (١٧) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (١٨) وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ (٢٠) أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١) لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢) لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ (٢٣) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٤) كلمة في السياق: لاحظ أن بداية السورة كانت اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ لاحظ كلمة مُعْرِضُونَ ثم لاحظ أن هذه المجموعة انتهت بقوله تعالى: بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ فهذه المجموعة تستقر في النهاية على علة الإعراض، وهو جهل الكافرين بالحق، الذي عرضت أحواله هذه المجموعة، وإذ عرفنا صلة هذه المجموعة بسياق السورة من هذه الملاحظة السريعة، فإننا نعلم كذلك صلتها بالمحور من الملاحظة نفسها؛ إذ علة

стр. 3253

الإعراض هي علة عدم الإيمان، وعلة استواء الإنذار وعدمه سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ فلنر تفسير المجموعة ولنا على السياق كلام آخر. التفسير: وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما من أصناف الخلق لاعِبِينَ أي ما خلقناهما للهو واللعب، وإنما سويناهما ليستدل بهما على قدرة مدبرهما، ولنجازي المحسن والمسيء على مقتضى حكمتنا، فلم نخلق الخلق إذن عبثا ولا لعبا لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا أي من عندنا دون أن نخلق الخلق إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ أي إن كنا مما يفعل ذلك، ولسنا ممن يفعله لاستحالته في حقنا، أو المعنى: ما كنا فاعلين بَلْ شأننا بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ لا أن نتخذ لهوا، والمعنى: بل من سنتنا أن نرمي ونسلط بالحق على الباطل فَيَدْمَغُهُ أي فيكسره ويدحض الحق الباطل فَإِذا هُوَ أي الباطل زاهِقٌ أي هالك ذاهب وَلَكُمُ الْوَيْلُ أيها الواصفون الله بغير صفاته مِمَّا تَصِفُونَ أي عما تقولونه وتقدمونه وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ خلقا وملكا وَمَنْ عِنْدَهُ يعني الملائكة لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ أي لا يستنكفون عن عبادته وَلا يَسْتَحْسِرُونَ أي لا يتعبون ولا يملون يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ أي تسبيحهم دائم متصل في جميع أوقاتهم لا تتخلله فترة بفراغ أو بشغل آخر، فتسبيحهم جار مجرى التنفس من الإنسان، فهم دائبون في العمل ليلا ونهارا، مطيعون قصدا وعملا قادرون عليه. نقل: بمناسبة قوله تعالى: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ قال صاحب الظلال: (و «بل» للإضراب عن الحديث في موضوع اللهو، والعدول عنه إلى الحديث في الواقع المقرر الذي تجري به السنة ويقتضيه الناموس. وهو غلبة الحق وزهوق الباطل. والتعبير يرسم هذه السنة في صورة حسية حية متحركة. فكأنما الحق قذيفة في يد القدرة تقذف به على الباطل، فيشق دماغه! فإذا هو زاهق هالك ذاهب، هذه هي السنة المقررة. فالحق أصيل في طبيعة الكون، عميق في تكوين الوجود. والباطل منفي عن خلقة هذا الكون أصلا. طارئ لا أصالة فيه، ولا سلطان له،

стр. 3254

يطارده الله، ويقذف عليه بالحق فيدمغه. ولا بقاء لشئ. يطارده الله، ولا حياة لشئ تقذفه يد الله فتدمغه. ولقد يخيل للناس- أحيانا- أن واقع الحياة يخالف هذه الحقيقة التي يقررها العليم الخبير. وذلك في الفترات التي يبدو فيها الباطل منتفشا كأنه غالب. ويبدو فيها الحق منزويا كأنه مغلوب. وإن هي إلا فترة من الزمان، يمد الله فيها ما يشاء، للفتنة والابتلاء. ثم تجري السنة الأزلية الباقية التي قام عليها بناء السماء والأرض، وقامت عليها العقائد والدعوات سواء بسواء. والمؤمنون بالله لا يخالجهم الشك في صدق وعده، وفي أصالة الحق في بناء الوجود ونظامه، وفي نصرة الحق الذي يقذف به على الباطل فيدمغه .. فإذا ابتلاهم الله بغلبة الباطل حينا من الدهر عرفوا أنها الفتنة، وأدركوا أنه الابتلاء، وأحسوا أن ربهم يربيهم، لأن فيهم ضعفا أو نقصا، وهو يريد أن يعدهم لاستقبال الحق المنتصر، وأن يجعلهم ستار القدرة، فيدعهم يختارون فترة البلاء يستكملون فيها النقص ويعالجون فيها الضعف .. وكلما سارعوا إلى العلاج قصر الله عليهم فترة الابتلاء، وحقق على أيديهم ما يشاء .. أما العاقبة فهي مقررة: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ. كلمة في السياق: إن علة إعراض الكافرين وغفلتهم هي جهلهم بالله وفساد تصوراتهم عن حكمة خلقه السموات والأرض، إنهم يجهلون أن الله لا يلهو ولا يعبث، ويجهلون جلاله وعظمته، ويجهلون أن من شأنه وسنته أن يبطل الباطل ويهلكه، وأن من شأنه أن يعبد ويقدس، ولو أنهم عقلوا هذه المعاني ما أعرضوا ولا غفلوا، ولا أنكروا إرساله الرسل، ولا أنكروا إنزاله الكتب والوحي، فلنتأمل صلة هذه الآيات ومعانيها بمقدمة السورة: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ لم يغفلون ويعرضون؟ إنهم غافلون معرضون؛ لتصورهم أن هذه السموات والأرض خلقت عبثا، ولولا هذا لأدركوا أنهم محاسبون فلم الإعراض، ولم الغفلة؟!، ثم لو أدركوا أن من شأن الله أن يقذف بالحق على الباطل، ما أعرضوا ولا غفلوا ولما استمعوا الذكر وهم يلعبون وقلوبهم لاهية، ولو عرفوا أن كل من في السموات والأرض ملكه، ولو عرفوا عبادة

стр. 3255

الملائكة لله لمعرفتهم بعظمته وجلاله ما أعرضوا ولا غفلوا، ولما استمعوا لذكره على هذه الطريقة، ولكنهم جاهلون بهذا كله، ومن ثم كفروا، ومن ثم لم يؤمنوا، ومن ثم سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ومن ثم وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ به الله مما يتعالى عنه. فالصلة بين هذه الآيات ومقدمة السورة واضحة فلا يغفل إنسان عن اليوم الآخر إلا لجهله بالله. فوائد: ١ - بمناسبة قوله تعالى: إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ ينقل ابن كثير عن مجاهد أن كل أَنْ في القرآن فهو إنكار أي نفي ٢ - في تفسير اللهو في قوله تعالى لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا أكثر من قول، وقد اعتمدنا ما قاله مجاهد، وهو الذي يتفق مع السياق قال: يعني من عندنا وما خلقنا جنة ولا نارا ولا موتا ولا بعثا ولا حسابا. ٣ - أخرج ابن أبي حاتم عن حكيم بن حزام قال: بينا رسول الله ﷺ بين أصحابه إذ قال لهم «هل تسمعون ما أسمع؟» قالوا: ما نسمع من شئ. فقال رسول الله ﷺ «إني لأسمع أطيط السماء، وما تلام أن تئط، وما فيها موضع شبر إلا وعليه ملك ساجد أو قائم» ذكره ابن كثير بمناسبة قوله تعالى عن الملائكة يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ وقال عن هذا الحديث غريب، ولم يخرجوه، ثم ذكر أن ابن أبي حاتم أخرجه عن قتادة مرسلا. ٤ - ذكر ابن كثير عن ابن إسحاق أن عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: جلست إلى كعب الأحبار وأنا غلام فقلت له: أرأيت قول الله تعالى للملائكة يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ أما يشغلهم عن التسبيح الكلام والرسالة والعمل. فقال: من هذا الغلام؟ فقالوا من بني عبد المطلب، قال: فقبل رأسي ثم قال: يا بني إنه جعل لهم التسبيح كما جعل لكم النفس، أليس تتكلم وأنت تتنفس وتمشي وأنت تتنفس؟. ولنعد إلى السياق: فقد ذكرت الآيات التي مرت معنا من المجموعة الثانية بعض التصورات الفاسدة

стр. 3256

للكافرين من خلال تقرير الحقيقة المخالفة لتصوراتهم، والدليل على أن الآيات الخمس السابقة عالجت تصورات فاسدة للكافرين هو ابتداء الآية اللاحقة من المجموعة الثانية بقوله تعالى: أَمِ في الآية أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ إن (أم) التي بمعني بل والهمزة، والتي تعطف نوع عطف ما بعدها على كلام سابق، تدل على أن الآيات الأولى من المجموعة الثانية كانت تسجل موقفا للكافرين من خلال العرض المقابل لأفكارهم، فلنستمر في عرض آيات المجموعة الثانية: ... أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ أي بل اتخذوا آلهة من الأرض، فبسبب ذلك غفلوا عن اليوم الآخر وعن الحساب وأعرضوا عن الوحي وعن الذكر هُمْ يُنْشِرُونَ أي يحيون، أي هل هذه الآلهة تحيي وتعيد الحياة حتى عبدوها؟ أو هل هذه الآلهة الأرضية التي اتخذوها تحيي الموتى فهم مطمئنون إذا بعثتهم أنها لا تعذبهم؟، والمعنى: إن الله وحده هو الذي سيحييهم بعد مماتهم؛ فعليهم أن يعبدوه وحده ويتقوه لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ أي غير الله لَفَسَدَتا أي لخربتا والمعنى: لو كان يدبر أمر السماوات والأرض آلهة شتى غير الواحد الذي هو فاطرهما لفسدتا فَسُبْحانَ اللَّهِ أي تنزيها له رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ من أن له شريكا لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ لأنه المالك على الحقيقة وَهُمْ يُسْئَلُونَ لأنهم مملوكون خطاءون فما أخلقهم بأن يقال لهم لم فعلتم عن كل شئ فعلوه؟ وإذن فالله وحده هو الإله الذي يحيي الموتى، وهو وحده الذي يدبر أمر السماء والأرض، وهو وحده الذي يسأل ولا يسأل، فإذا كان الأمر كذلك فكيف يغفل الغافلون، وكيف يعرض المعرضون، وكيف ينسى حسابه الناس أجمعون، وكيف إلى ذكره لا يستمعون واجفين؟ أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً من الأرض، أو من السماء؛ فبسبب ذلك هم غافلون عن حسابه، معرضون عن ذكره؟! قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ أي حجتكم على ذلك هذا أي القرآن ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ أي ذكر أمتي وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي يعني: ذكر أمم الأنبياء من قبلي، يعني هذا القرآن وهذه الكتب المتقدمة على خلاف ما تقولونه وتزعمونه فكل كتاب أنزل على كل نبي أرسل ناطق بأنه لا إله إلا الله، وإذا كان الأمر كذلك فلم يبق مبرر لإعراضكم سوى أنكم جاهلون، ومن ثم ختمت الآية بقوله تعالى بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ لأجل ذلك، أي لأجل جهلهم الحق مُعْرِضُونَ أي عن الحق.

стр. 3257

نقول: بمناسبة قوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا قال صاحب الظلال (وهناك الدليل الكوني المستمد من واقع الوجود: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا .. فالكون قائم على الناموس الواحد الذي يربط بين أجزائه جميعا؛ وينسق بين أجزائه جميعا، وبين حركات هذه الأجزاء وحركة المجموع المنظم .. هذا الناموس الواحد من صنع إرادة واحدة لإله واحد. فلو تعددت الذوات لتعددت الإرادات. ولتعددت النواميس تبعا لها- فالإرادة مظهر الذات المريدة. والناموس مظهر الإرادة النافذة- ولانعدمت الوحدة. التي تنسق الجهاز الكوني كله، وتوحد منهجه واتجاهه وسلوكه، ولوقع الاضطراب والفساد تبعا لفقدان التناسق .. هذا التناسق الملحوظ الذي لا ينكره أشد الملحدين؛ لأنه واقع محسوس. وإن الفطرة السليمة التي تتلقى إيقاع الناموس الواحد للوجود كله، لتشهد شهادة فطرية بوحدة هذا الناموس، ووحدة الإرادة التي أوجدته، ووحدة الخالق المدبر لهذا الكون المنظم المنسق، الذي لا فساد في تكوينه ولا خلل في سيره). وبمناسبة قوله تعالى: لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ قال صاحب الظلال: ومتى كان المسيطر على الوجود كله يسأل، ومن ذا الذي يسأله، وهو القاهر فوق عباده، وإرادته طليقة لا يحدها قيد من إرادة أخرى، ولا حتى من الناموس الذي ترتضيه هي وتتخذه حاكما لنظام الوجود. والسؤال والحساب إنما يكونان بناء على حدود ترسم، ومقياس يوضع والإرادة الطليقة هي التي تضع الحدود والمقاييس، ولا تتقيد بما تضع للكون من الحدود والمقاييس إلا كما تريد، والخلق مأخوذون بما تضع لهم من تلك الحدود فهم يسألون. وإن الخلق ليستبد بهم الغرور أحيانا فيسأل سؤال المنكر المتعجب: ولماذا صنع الله هكذا.؟ وما الحكمة في هذا الصنيع؟ وكأنما يريدون ليقولوا: إنهم لا يجدون الحكمة في ذلك الصنيع. وهم يتجاوزون في هذا حدود الأدب الواجب في حق المعبود، كما يتجاوزون حدود

стр. 3258

الإدراك الإنساني القاصر الذي لا يعرف العلل والأسباب والغايات، وهو محصور في حيزه المحدود. إن الذي يعلم كل شئ، ويدبر كل شئ، ويسيطر على كل شئ، هو الذي يقدر ويدبر ويحكم. لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ وبمناسبة الآية نفسها قال الألوسي: (وهذا الحكم في حقه تعالى عام لجميع أفعاله سبحانه ويندرج فيه خلق الكفرة وإيجادهم، ووجه حل السؤال الناشئ مما تقدم بناء على ما يشير إليه هذا الجواب الإجمالي أنه تعالى خلق الكفرة- بل جميع المكلفين- على حسب ما علمهم عليه في أنفسهم لأن الخلق مسبوق بالإرادة والإرادة مسبوقة بالعلم، والعلم تابع للمعلوم، فيتعلق به على ما هو عليه في ثبوته الغير المجعول، بما يقتضيه استعداده الأزلي، وقد يشير إلى بعض ذلك قول الشافعي عليه الرحمة من أبيات: خلقت العباد على ما علمت ... ففي العلم يجري الفتى والمسن ثم بعد أن خلقهم على حسب ذلك كلفهم لاستخراج ما سبق به العلم التابع للمعلوم من الطوع والإباء اللذين في استعدادهم الأزلي وأرسل الرسل مبشرين ومنذرين لتتحرك الدواعي، ويهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة، ولا يكون للناس على الله تعالى حجة فلا يتوجه على الله تعالى اعتراض بخلق الكافر، وإنما يتوجه الاعتراض على الكافر بكفره، حيث إنه من توابع استعداده في ثبوته الغير المجعول، وقد يشير إلى ذلك قوله سبحانه وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ وقوله ﵊ «فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه» وهذا وإن كان مما فيه قيل وقال ونزاع وجدال إلا أنه مما ارتضاه كثير من المحققين والأجلة العارفين. (أقول: علم الله أزلا وأراد أزلا فذكر السبق للإفهام وللإلزام) وأقول: إن قوله تعالى: لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ لا ينفي البحث عن الحكمة في تشريعه وأفعاله، إن المنهي عنه السؤال للاعتراض، قال الألوسي ناقلا عن ابن القيم ﵀، في موضوع وجود الحكمة في أفعاله وتشريعه: (وقال العلامة أبو عبد الله محمد بن أبي بكر الدمشقي الحنبلي المعروف بابن القيم في كتاب شفاء العليل: إن الله حكيم لا يفعل شيئا عبثا ولا لغير معنى ومصلحة وحكمة، بل أفعاله

стр. 3259

سبحانه صادرة عن حكمة بالغة لأجلها فعل، وقد دل كلامه تعالى وكلام رسوله ﷺ على هذا في مواضع لا تكاد تحصى، ولا سبيل إلى استيعاب أفرادها، فنذكر بعض أنواعها، وساق اثنين وعشرين نوعا في بضع عشرة ورقة ثم قال: لو ذهبنا نذكر ما يطلع عليه أمثالنا من حكمة الله تعالى في خلقه وأمره، لزاد ذلك على عشرة آلاف موضع، ثم قال: وهل إبطال الحكم والمناسبات، والأوصاف التي شرعت الأحكام لأجلها إلا إبطال الشرع جملة؟ وهل يمكن فقيها على وجه الأرض أن يتكلم في الفقه مع اعتقاده بطلان الحكمة والمناسبة والتعليل. وقصد الشارع بالأحكام مصالح العباد؟ ثم قال: والحق الذي لا يجوز غيره، هو أنه سبحانه يفعل بمشيئته وقدرته وإرادته، ويفعل ما يفعل بأسباب وحكم، وهذا قول جمهور أهل الإسلام، وأكثر طوائف النظار، وهو قول الفقهاء قاطبة) أهـ. كلمة في السياق: أحصت هذه المجموعة من الآيات مجموعة الأسباب التي تجعل هؤلاء يغفلون عن الحساب ويعرضون عن الحق، وفندتها كلها، وأبطلتها، وإذا كان الأمر كذلك فليس إلا الجهل هو سبب الغفلة والإعراض. إن الصلة بين هذه المجموعة وسياق السورة الخاص من حيث إن السورة تعلل أسباب الغفلة والإعراض وتفندها، واضحة، وقد مر معنا ما فيه الكفاية في ذلك، والصلة بين هذه المجموعة، وبين محور السورة من سورة البقرة كذلك واضحة ففي سورة البقرة: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ وهذه المجموعة تبين علة كفر هؤلاء، وهي الجهل الذي يترتب عليه إعراض، ومن اجتمع له الجهل والإعراض، فهو لا يسمع ولا يرغب أن يسمع، ومن ثم فالكلام معه وعدمه سواء. فوائد: ١ - دل قوله تعالى أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ على أن من لا يملك النشر- أي إحياء الموتى- لا يصح أن يكون إلها وإذا كان الله تعالى وحده هو القادر على كل شئ، فهو وحده القادر على النشر، فهو وحده الإله، وفي ذلك تقريع لمن نسي الحساب، وتقريع لمن اتخذ معه إلها. ٢ - من أعظم الأدلة التي ذكرها القرآن على التوحيد هو قوله تعالى لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا

стр. 3260

ويسمي العلماء هذا الدليل على الوحدانية ببرهان التمانع، وقد شغل هذا البحث عشرات الصفحات من كتب المصنفين في علم الكلام، وأنت تعجب عند ما تقرأ هذه المباحث الطويلة، كيف أن هذا التعبير القصير يدخل إلى القلب، وإلى العقل، بما لا مزيد عليه، ثم إنه يعجز البشر عن أن يستوعبوا حدود آفاقه، وبمناسبة هذا النص ذكر الألوسي كلاما كثيرا للعلماء فيما سمي- باصطلاح العلماء- ببرهان التمانع، ونحن ننقل لك هاهنا عنه بعض ما نقله عن الدواني: قال الدواني: (إن للتمانع عندهم معنيين: أحدهما إرادة أحد القادرين وجود المقدور، والآخر عدمه، وهو المراد بالتمانع في البرهان المشهور ببرهان التمانع، وثانيهما إرادة كل منهما إيجاده بالاستقلال من غير مدخلية قدرة الآخر فيه، وهو التمانع الذي اعتبروه في امتناع مقدور بين قادرين، وقولهم لو تعدد الإله لم يوجد شئ من الممكنات؛ لاستلزامه أحد المحالين، إما وقوع مقدور بين قادرين، وإما الترجيح بلا مرجح، وحاصل البرهان عليه: أنه لو وجد إلهان قادران على الكمال، لأمكن بينهما تمانع، واللازم باطل؛ إذ لو تمانعا وأراد كل منهما الإيجاد بالاستقلال يلزم: إما أن لا يقع مصنوع أصلا، أو يقع بقدرة كل منهما، أو بأحدهما. والكل باطل، ووقوعه بمجموع القدرتين مع هذه الإرادة يوجب عجزهما؛ لتخلف مراد كل منها عن إرادته، فلا يكونان إلهين قادرين على الكمال، وقد فرضا كذلك؛ ومن هنا ظهر أنه على تقدير التعدد لو وجد مصنوع لزم إمكان أحد المحالين، إما إمكان التوارد، وإما إمكان الرجحان من غير مرجح، والكل محال؛ وبهذا الاعتبار- مع حمل الفساد على الكون- قيل بقطعية الملازمة في الآية فهي دليل إقناعي من وجه، ودليل قطعي من وجه آخر والأول بالنسبة إلى العوام والثاني بالنسبة إلى الخواص. ٣ - عرفنا الله على ذاته تعريفا كاملا بالقدر الذي يحتاجه الإنسان، وتقوم به الحجة على الإنسان في التدليل على وجود الله، وعلى اتصافه بالصفات العليا، والأسماء الحسنى، وبالقدر الذي تقوم به الحجة على حكمة الله في أفعاله وأحكامه، وبالقدر الذي يحتاجه المكلف، وتقوم به الحجة على التكليف، وعلى الجزاء والعقاب، أما ما فوق ذلك فقد أخبرنا الله عن ذاته بقوله: وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً إن كثيرين من الناس يوغلون في بعض المباحث إلى الحد الزائد عما تقوم به الحجة، وهاهنا يقعون في الخطأ لأن هذا مقامه لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ فمثلا: في الدعوة إلى الله علينا أن نبرهن على أن الله موجود، وعلى أنه أرسل رسولا، وعلى أنه
следующие страницы →