← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وجاءت في هذا القسم آية البر، وفيها تعريف مفصل للمتقين. ولذلك ختمت بقوله تعالى: وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ. ثم جاء بعدها آيات القصاص كطريق مساعد لإقامة التقوى في المجتمع. ثم جاءت آيات الوصية لتدل على حق على المتقين. ولذلك ختمت بقوله تعالى: حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ. ثم جاءت آيات الصيام لتدل على طريقين للتقوى. ثم تأتي آية فيها المنع عن الرشوة، وذلك من التقوى. ثم تأتي آية السؤال عن الأهلة، ودخول البيوت من غير أبوابها؛ وفيها: وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى .. وَاتَّقُوا اللَّهَ ... ثم آيات في القتال والإنفاق وفيها: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ثم تأتي آيات في الحج والعمرة وفيها: وَاتَّقُوا اللَّهَ. وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ. وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى وَاتَّقُوا اللَّهَ. ثم تأتي مجموعة الختام وفيها: وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ. إن القسم الثاني يكمل القسم الأول. ويكمل مقدمة سورة البقرة في الدلالة على التقوى أركانا وطريقا واستقامة. ومن خلال القسم الأول والثاني، نعرف محل أركان الإسلام الخمسة في قضية التقوى. فالملاحظ أن مقدمة سورة البقرة ذكرت من أركان الإسلام: الإيمان والصلاة والإنفاق. أي الشهادتين والصلاة والزكاة. وذكر القسم الثاني من أركان الإسلام: الصوم والحج. وكان الحج آخر ما ذكر في القسم الثاني من الأركان وبعد ذلك يأتي القسم الثالث الذي يأمر بالدخول في الإسلام كله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً أي في الإسلام جميعا وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ. وفي ذلك كله مظهر من مظاهر وحدة السورة وتكامل معانيها، وارتباط بعضها ببعض. ومظاهر الإعجاز في ذلك لا تخفى. والملاحظ أن بداية القسم الأول كان فيها أمر ونهي: اعْبُدُوا رَبَّكُمُ .. فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً. وأن بداية القسم الثاني فيها أمر ونهي: كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ. ومن ورود كلمة: يا أَيُّهَا النَّاسُ* مرتين فقط في سورة البقرة: ندرك أن الإسلام يخاطب الناس كل الناس بأوليات محددة. حتى إذا استجابوا خوطبوا بتفصيلات أخرى. من هذه الأوليات: العبادة، والتوحيد، وأكل الحلال، وعدم اتباع خطوات الشيطان وهذا

стр. 352

شئ نجد مظاهره في حياة رسول الله ﷺ . فمثلا عند ما أرسل معاذا إلى اليمن، أمره أن يدعوهم إلى التوحيد. فإن استجابوا، فليأمرهم بالصلاة. فإن استجابوا، فليأمرهم بالزكاة. وهذه قضية ينبغي أن يفطن لها الدعاة. والملاحظ أن هذا القسم بدأ بقوله تعالى: كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً .... وانتهى بمجموعة فيها: وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها ... فقد وردت كلمة الْأَرْضِ في البداية والنهاية. وسنرى صلة ذلك بقوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً. فالبشرية على هذه الأرض كافرة كلها إذا لم تدخل في الإسلام. وإذا دخلت في الإسلام، فما لم تخط الخطوة التالية في السير إلى التقوى والاستقامة. فإنها تكون مفرطة. وقد ختم القسم الثاني بمجموعة فيها حديث عن صنفين من الناس، وختم القسم الأول بحديث عن صنف من الناس، وختمت المقدمة بالحديث عن صنف من الناس، وكل ذلك باستعمال كلمتي: وَمِنَ النَّاسِ التي لا تأتي بعد ذلك في سورة البقرة مرة أخرى. وكأنه بذلك قد عرفنا أصناف الناس حقا وعدلا وحكما فصلا، ولنبدأ عرض مقاطع هذا القسم. المقطع الأول في القسم الثاني: يمتد هذا المقطع من الآية (١٦٨) إلى نهاية الآية (١٧٧) ويتألف من فقرتين وهذا هو: الفقرة الأولى [سورة البقرة (٢): الآيات ١٦٨ الى ١٧٣] يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (١٦٩) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ (١٧٠) وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ (١٧١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢) إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)

стр. 353

الفقرة الثانية

стр. 354

كلمة في هذا المقطع وسياقه: ١ - بدأ المقطع بالأمر بأكل الحلال وعدم اتباع خطوات الشيطان، ثم علل للنهي عن اتباع خطوات الشيطان، ثم عاب على من يتبع خطوات الآباء على ضلالهم وكفرهم، ثم مثل للكافرين فضرب لهم مثلا يعرف على حقيقة حالهم بما لا يصح معه اتباعهم. فاستقر بذلك أن الكتاب ينبغي أن يتبع، وأن الحلال الذي أحله الله هو الذي ينبغي أن يؤكل. وعندئذ يتوجه الخطاب إلى أهل الإيمان بأكل الطيبات والشكر، وبتبيان المحرمات من الأطعمة، وفي هذا السياق يذكر الله لنا نموذجين: نموذجا من الناس يكتم ما أنزل الله. ونموذجا استكمل صفات المتقين وخصائص التقوى. فكان مجئ ذكر هذين النموذجين هنا ارتقاء بالنفس إلى التسليم المطلق للحق وإعلانه والتحقق به. ٢ - جاء هذا المقطع بداية للقسم الثاني. وسبق بخاتمة القسم الأول. وقد قلنا عن خاتمة القسم الأول إنها كالمقدمة للقسم الثاني فنلاحظ الآن ما يلي: سبق هذا المقطع بشكل مباشر بالآيات: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ. وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ... إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا .... لاحظ قوله تعالى: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا إنه في هذا السياق يأتي المقطع وفي آيته الأولى نهي عن اتباع خطوات الشيطان، وفي آيته الثالثة: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا. فالصلة إذن على أشدها بين الآيات الأولى من المقطع وما سبقها مباشرة. وفي المقطع السابق على هذا المقطع ترد آية في موضوع كتمان الكتاب. وفي هذا المقطع ترد آيات في هذا الموضوع تفصل فيه. وفي المقطع السابق آيات الصبر. وتأتي في هذا المقطع آية البر التي فيها حديث عن الصبر: وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ فالصلة بين المقطع الأول من القسم الثاني والمقطع الأخير من القسم الأول واضحة جدا.

стр. 355

٣ - وفي نظرة متأملة لسورة البقرة، نجد كأن هذا المقطع يبني على المقاطع الثلاثة الأولى في القسم الأول، وعلى مقدمة سورة البقرة. وكأن ما جاء قبله بعد ذلك في السورة اقتضاه السياق، ثم عاد السياق مرة ثانية إلى مجرى معين. ولإدراك هذا المعنى نقول: أ- بدأت سورة البقرة بوصف المتقين والكافرين والمنافقين. وجاء مقطعهما الأول ليعمق الإدراك للطريق: طريق التقوى، وطريق الكفر والنفاق. وسار القسم الأول في السورة في هذا المجرى. ومن خلال ذلك كله عرفنا خصائص التقوى وصفات تفصيلية أكثر للمتقين. ومن ثم تأتي آية البر في نهاية هذا المقطع لتعرف لنا المتقين تعريفا يلخص كل ما قدمه لنا السياق من تفصيلات توضح التعريف الذي مر معنا في أول السورة. ب- في المقطع الأول من القسم الأول ورد قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ... ثم جاء مقطع آدم ﵇. وفيه عرفنا على عداء إبليس ومظاهر خطواته. وعرفنا كيف أن آدم ﵇ حرم عليه شئ فخالف، فعوقب. ويأتي هذا المقطع وكأنه يبني على ذلك كله: يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً. وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ .... يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ .. إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ .... وأوضح ما يظهر فيه البناء على المقطع الأول من القسم الأول: أن المقطع الأول من القسم الأول بدايته: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ... والآية التي سبقت آية التحريم هنا ختمت بقوله تعالى: وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ. وبعد قصة آدم في القسم الأول يأتي مدخل مقطع بني إسرائيل وفيه: وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ* وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ* وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ* أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ؟ وقد جاءت الفقرة الثانية في هذا المقطع وفيها: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ ....

стр. 356

لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ .... فالفقرة تعرف البر، وتبين عقوبة الكتمان وبيع الآخرة بالدنيا. وبذلك فإن مقطع بني إسرائيل يكون قد غطي تغطية كاملة في السورة، وجاءت التغطية النهائية بآية البر، وبذلك أقفل الحوار مع بني إسرائيل. إذ كانت آية البر فيها إشارة إلى قضية القبلة سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ. لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ. وهكذا نجد أن هذا المقطع قد بني على المقطع الأول والمقطع الثاني، وعلى مقطع بني إسرائيل خاصة. وفيه بناء قليل على ما جاء بعد ذلك. إنه من خلال هذه النظرة الشاملة إلى السورة، التي رأينا من خلالها نموذجا على ترابط معاني هذه السورة، نستطيع أن نسجل ملاحظة حول السياق القرآني. هذه الملاحظة هي: إنه بدون نظرة شاملة إلى الآيات في السورة وإلى مجموع القرآن، فإن الإنسان قد لا يفطن للصلات بين الآيات والسور. فكما أن الوحدة الكلية لهذا الكون تحتاج إلى نظرة شاملة حتى تدرك. فكذلك الوحدة القرآنية، والسياق القرآني. وهذا موضوع سيتضح لنا شيئا فشيئا. يتألف المقطع من فقرتين: الفقرة الأولى موضوعها الرئيسي أكل الحلال. والفقرة الثانية موضوعها كتمان ما أنزل الله، وتعريف البر. وإنما جعلنا آيات الكتمان وآية البر فقرة واحدة للصلة التي رأيناها بين ما ورد هنا وبين مقطع بني إسرائيل، حيث اجتمع هناك الكلام عن الكتمان مع الكلام عن البر. ولملحظ كنا ذكرناه من قبل، وهو أنه بعد الكلام عن أكل الحلال وتبيان المحرمات من الأطعمة يذكر الله نموذجين من الناس. وبالتالي فإن الكلام عن النموذجين يشكل كلا متكاملا ولذلك اعتبرنا الحديث عنهما فقرة واحدة. تفسير الفقرة الأولى: يقول صاحب الظلال: «لما بين الله- سبحانه- أنه الإله الواحد، وأنه الخالق الواحد- في الفقرات

стр. 357

السابقة- وأن الذين يتخذون من دون الله أندادا سينالهم ما ينالهم .. شرع يبين هنا أنه الرازق لعباده، وأنه هو الذي يشرع لهم الحلال والحرام .. وهذا فرع عن وحدانية الألوهية كما أسلفنا. فالجهة التي تخلق وترزق هي التي تشرع، فتحرم وتحلل. وهكذا يرتبط التشريع بالعقيدة بلا فكاك ... ». (وهذا الأمر بالإباحة والحل لما في الأرض- إلا المحظور القليل الذي ينص عليه القرآن نصا- يمثل طلاقة هذه العقيدة، وتجاوبها مع فطرة الكون، وفطرة الناس. فالله خلق ما في الأرض للإنسان، ومن ثم جعله له حلالا، لا يقيده إلا أمر خاص بالحظر، وإلا تجاوز دائرة الاعتداء والقصد. ولكن الأمر في عمومه أمر طلاقة واستمتاع بطيبات الحياة، واستجابة للفطرة بلا كزازة ولا حرج ولا تضييق .. كل أولئك بشرط واحد، هو أن يتلقى الناس ما يحل لهم وما يحرم من الجهة التي ترزقهم هذا الرزق. لا من إيحاء الشيطان الذي لا يوحي بخير لأنه عدو للناس بين العداوة. لا يأمرهم إلا بالسوء والفحشاء، وإلا بالتجديف على الله، والافتراء عليه، دون تثبت ولا يقين). يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً: الأمر هنا للإباحة، والحلال الطيب هو الطاهر من كل شبهة. ولم يحرم الله علينا إلا ما كان ضارا بالأبدان أو العقول أو الأنفس أو بها كلها، ومن ثم فالحلال وحده هو المستطاب. وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ أي: طرقه التي يدعوكم إليها. يقال: اتبع خطواته، إذا اقتدى به، واستن بسنته. وخطوات تزيين الحرام واتباع الشهوات ... إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ. أي ظاهر العداوة. لا خفاء في عداوته. ولكن الأمر ملبس على أولياء الشيطان، فإنه يريهم في الظاهر الموالاة، ويزين لهم أعمالهم، فيأتيهم من حيث يشتهون، وإنما يريد بذلك هلاكهم في الباطن. إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ أي بالقبيح، أو ما لا حد فيه من الذنوب وَالْفَحْشاءِ أي ما يتجاوز الحد في القبح من العظائم، أو ما فيه حد من الذنوب. وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ هو قولهم: هذا حلال وهذا حرام بغير علم، ويدخل فيه كل ما يضاف إلى الله تعالى مما لا يجوز عليه. فصار المعنى العام: إنما يأمركم عدوكم الشيطان بالأفعال السيئة، وبما هو أغلظ منها: الفاحشة، كالزنا ونحوه. وبما هو أغلظ من ذلك، وهو: القول على الله بلا علم. فيدخل في هذا كل كفر وكل ابتداع. وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ: الضمير للناس، والمقصود به بعضهم من أهل الكفر والشرك والنفاق. قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا. أي

стр. 358

ما وجدنا عليه آباءنا. أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ الذين يتبعونهم ويقتدون بهم ويقتفون أثرهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً أي ليس لهم فهم وَلا يَهْتَدُونَ أي ليس لهم هداية إلى صواب. وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا فيما هم فيه من الغي والضلال والجهل كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ أي: يصيح بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً هي الدواب السارحة التي لا تفقه ما يقال لها. بل إذا نعق بها راعيها؛ أي دعاها، لا تفقه ما يقول، ولا تفهم محتواه، بل إنما تسمع صوته فقط: والنداء ما يسمع. والدعاء قد يسمع وقد لا يسمع. شبه الكافرين بالبهائم من حيث إن الكافر إذا دعي للإيمان لا يسمع من الدعاء إلا جرس النغمة ودوي الصوت من غير إلقاء أذهان ولا استبصار. وكذلك الحيوانات لا تسمع إلا دعاء الناعق ونداءه. ولا تفقه شيئا آخر صُمٌّ عن سماع الحق بُكْمٌ لا يتفوهون به عُمْيٌ عن رؤية طرقه ومسالكه فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ أي لا يفهمون موعظة فيعقلونها. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ أي من مستلذاته المشروعة، أو حلالاته وَاشْكُرُوا لِلَّهِ الذي رزقكموها إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ إن صح إنكم تختصونه بالعبادة، وتقرون أنه معطي النعم. ثم بين المحرم فقال: إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وهي كل ما فارق الروح من غير ذكاة شرعية مما يذبح. وقد خصصت الأحاديث من ذلك: السمك والجراد. وَالدَّمَ يعني السائل لقوله تعالى في موضع آخر: أَوْ دَماً مَسْفُوحاً (سورة الأنعام) وخصصت الأحاديث من الدم: الكبد والطحال. واستثنى الفقهاء ما يبقى في العروق بعد الذبح للضرورة. وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ يعني الخنزير بجميع أجزائه، وخص اللحم لأنه المقصود بالأكل، ولأن الشحم وغيره يدخل مع اللحم تغليبا. وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ أصل الإهلال رفع الصوت، والمراد به هنا ما ذبح على غير اسم الله، أي رفع به الصوت للأصنام وغيرها من الآلهة المزعومة أو الأشياء المعظمة. فَمَنِ اضْطُرَّ أي فمن ألجئ فأكل غَيْرَ باغٍ أي غير ظالم بأن لم يأكل للذة وشهوة وَلا عادٍ: أي غير متعد مقدار الحاجة: أي غير متجاوز الحد المباح له، وهو قدر ما يقع به القوام وتبقى معه الحياة دون ما فيه حصول الشبع، لأن الإباحة للاضطرار. فتقدر بمقدار ما تندفع به الضرورة. فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ أي في الأكل. إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ للذنوب الكبائر، فأنى يؤاخذ بتناول الميتة عند الاضطرار رَحِيمٌ ومن رحمته أنه رخص. فوائد: ١ - عند قوله تعالى: كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً يقول الألوسي: (والأمر

стр. 359

للوجوب فيما إذا كان الأكل لقوام البنية. وللندب كما إذا كان لمؤانسة الضيف. وللإباحة فيما عدا ذلك). قال القرطبي: (وسمي الحلال حلالا، لانحلال عقدة الحظر عنه. قال سهل بن عبد الله: النجاة في ثلاثة: أكل الحلال، وأداء الفرائض، والاقتداء بالنبي ﷺ . وقال أبو عبد الله الساجي- واسمه سعيد بن يزيد-: (خمس خصال بها تمام العلم، وهي: معرفة الله ، ومعرفة الحق، وإخلاص العمل لله، والعمل على السنة، وأكل الحلال. فإن فقدت واحدة لم يرفع العمل. قال سهل: ولا يصح أكل الحلال إلا بالعلم، ولا يكون المال حلالا حتى يصفو من ست خصال: الربا، والحرام، والسحت، والغلول، والمكروه، والشبهة). ٢ - ذكرنا في المثل الذي ضربه الله للكافرين الاتجاه الذي يقول: إن المراد به أن هؤلاء الكافرين إذا دعوا إلى الحق لا يفهمون ولا يستجيبون، لأنهم كالأنعام لا تسمع إلا صيحة الراعي، ولا تفهم معناها. وهناك اتجاه آخر في تفسير المثل نقل فيه القرطبي من جملة ما نقل كلام ابن زيد في شرحه فقال: (وقال ابن زيد: المعنى: مثل الذين كفروا في دعائهم الآلهة الجماد كمثل الصائح في جوف الليل. فيجيبه الصدى، فهو يصيح بما لا يسمع، ويجيبه ما لا حقيقة فيه ولا منتفع). ٣ - إنما: في اللغة العربية تفيد الحصر. فعند ما ذكر الله المحرمات الثلاثة: الميتة والخنزير وما أهل به لغير الله بعد (إنما) فهم بعضهم من ذلك أن المحرمات من المأكولات هذه الثلاثة حصرا، وقد ناقش بعضهم في الحصر وهو موضوع سيأتي فيما بعد. وإنما ذكرنا هذا هنا للإشارة إلى أن الأمر محل بحث عند العلماء. ٤ - ذكرنا أثناء التفسير أن معنى قوله تعالى: وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ أي ما ذبح على غير اسم الله، وعلى هذا الاتجاه فإن ما ذبح على اسم المسيح مثلا، لا يجوز أكله ولو كان الذابح نصرانيا. وهناك اتجاه في تفسير الآية أن المراد بها ما ذبح لغير الله، من صنم وغيره. ويبنون على ذلك أن ما ذبح على غير اسم الله إذا كان ذابحه نصرانيا يجوز أكله. من هؤلاء: عطاء ومكحول، والشعبي، والحسن، وسعيد بن المسيب. قال الألوسي عن هؤلاء: (وأباحوا ذبيحة النصراني إذا سمى عليها باسم المسيح) (وهذا خلاف ما اتفق عليه الأئمة من التحريم). أقول: هذا إذا تأكدنا أن الذابح ذكر اسم المسيح، وعلى كل الأحوال فالأمر ليس محل اتفاق كما رأينا.

стр. 360

٥ - في قصة آدم رأينا أن الخطوة الأولى للشيطان كانت معصية الأمر في السجود لآدم وكان سبب ذلك: الكبر. ورأينا أن أبانا آدم نهي عن أكل الشجرة، فأكل هو وزوجته ﵉، فعوقبا. وكان ما وقعا فيه أثرا عن وسوسة الشيطان. فخطوات الشيطان مخالفة للأمر، أو دعوة لمخالفة نهى. وبداية البدايات في اتباع خطوات الشيطان هي: الكبر. والكبر فسره رسول الله ﷺ بأنه «غمط الناس وبطر الحق». ومجئ ذكر المحرمات من الأطعمة في سياق النهي عن اتباع خطوات الشيطان فيه تذكير لنا بألا نقع في مخالفة النهي. فإن أبانا آدم قد عوقب على ذلك. ٦ - في غير شريعتنا عوقبت بعض الأمم بتحريم بعض الطيبات عليها. قال تعالى (في سورة النساء): فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ أما في شريعتنا فقد أحلت لنا الطيبات كلها. قال تعالى عن رسولنا ﷺ فى سورة الأعراف: وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ ومن هنا ندرك أنه لم يحرم على هذه الأمة شئ إلا وهو من باب الخبائث التي تستقذرها النفس المستقيمة الفطرة. إنه كما أن البول والغائط نجسان ومستقذران وتستخبثهما كل نفس، فكذلك الخمر والخنزير والميتة والدم المسفوح. ولو أن نفسا لم تستقذر البول والغائط وأقبلت عليهما في الأحوال العادية فإنها لا تدلل إلا على فساد فطرتها. فكذلك من يقبل على أكل الخنزير أو الدم المسفوح أو الميتة، إنما يدلل على فساد فطرته، فضلا عن مجاوزته حدود الله الذي له حق التحريم والتحليل، لأنه المالك. فإذا حرم مع كثرة العطاء، فما على الإنسان إلا أن يلتزم. ٧ - الحكمة الأولى فى تحريم الدم المسفوح أو الميتة أو ما أهل به لغير الله. أو الخنزير هي النجاسة. أولا: فقد حكم الله على هذه الأشياء بالنجاسة. وأمر النجاسة والطهارة في الأصل أمر تعبدي. تعبدنا به الله خالقنا ورازقنا ومالك كل شئ. وما علينا إلا التسليم. - ولا مانع بعد التسليم أن يفتش الإنسان عن حكمة التحليل والتحريم. فإن فعل الله وتشريعه لا ينفكان عن الحكمة، فالله تعالى حكيم. وعلينا أن لا نفهم الحكمة على أنها الضرر الجسمي وحده. فإنه من حيث الظاهر لا فارق بين ذبيحة المجوسي أو الملحد، وبين ذبيحة المسلم، فالحكمة ينبغي أن ينظر إليها بمنظار أوسع. فمثلا: قد يكون السر في تحريم الخنزير أن من يأكله يصبح تركيبه النفسي غير مستقيم مع الفطرة. فمن

стр. 361

المعروف أن للتغذية تأثيرها على تركيب نفس الإنسان. فهذا دواء يجعل الإنسان مستريح الأعصاب. وهذا دواء يجعل عند الإنسان استعدادا للغضب، ومن المشهور أن أكل لحم الخنزير يوجد عند صاحبه بلادة في شأن العرض، ولذلك فإن البلدان التي يكثر أهلها من أكل لحم الخنزير لا تهتم كثيرا بقضية الأعراض. - إن تحريم بعض الأمور قد تكون الحكمة فيه إبقاء التركيب الفطري للإنسان على سلامته. إن الحيوان يشترك مع الإنسان في أن له حياة، فلماذا يزهق الإنسان روح الحيوان؟. إن الله الذي خلق الحياة أجاز للإنسان أن يذبح بعض الحيوانات وأن يأكلها. وشرط لذلك شروطا. من جملتها أن يكون الذبح على اسمه، وأن يكون الذابح ذا اعتقاد خاص. وأن يكون الذبح على طريقة معينة. فإذا لم تتوفر مثل هذه الشروط فإن الله الذي خلق الحياة لا يبيح لك أن تأكل، فإذا أكلت أكلت بدون إذن صاحب الحق. وتأثير ذلك على التركيب النفسي للإنسان واضح. وإذن فمن خلال نظرة شاملة يتم البحث عن الحكمة. فقد تكون حكمة التحريم الضرر الجسمي فقط كتحريم السم الضار، وقد تكون حكمة التحريم الضرر الجسمي والعقلي والنفسي، كما هو الشأن في الخمر، فعلينا أن نتنبه لذلك. - في موضوع الميتة والدم واضح أن هناك ضررا جسميا زيادة على أنهما نجسان ومستقذران لدى النفس المستقيمة، وفي موضوع الخنزير: تذكر الدودة الشريطية. وهي تختلف عن الدودة نفسها في البقر بأكثر من عشرة فروق تجعلها أكثر خطرا، وتذكر أنواع من الديدان أخرى تسبب إصابات للإنسان كنت ذكرتها في الفصل الرابع من كتاب (الإسلام)، ولكن السر في التحريم أوسع من مثل هذا. إنه يكمن في نجاسة الخنزير، وقذارته. ويكمن في تأثيرات لحمه على التركيب الكلي للإنسان. وللبحث تتمة. وإن الإنسان لا زال يكتشف. وفي كل ما كشفه الإنسان حجة لهذا الإسلام. ٨ - يجئ قوله تعالى: إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ ... بعد قوله تعالى: وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ بيانا لوجوب الانتهاء عن اتباعه، ولظهور عدواته. فكأنه تعالى قال: لا تتبعوا خطوات الشيطان لأنه يأمركم بالسوء والفحشاء، وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون. قال قتادة والسدي في قوله تعالى: وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ: (كل

стр. 362

معصية لله فهي من خطوات الشيطان). وقال عكرمة: (هي نزعات الشيطان). وفي صحيح مسلم عن رسول الله ﷺ أنه قال: (يقول الله تعالى إن كل مال منحته عبادي فهو لهم حلال .. وإني خلقت عبادي حنفاء. فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم. وحرمت عليهم ما أحللت لهم). دل الحديث على أن من مظاهر الضلال الكبيرة؛ تحريم الحلال وتحليل الحرام. وذلك كفر وهو من خطوات الشيطان وعن ابن عباس ﵄ قال: (تليت هذه الآية عند النبي ﷺ يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً. فقام سعد بن أبي وقاص فقال: يا رسول الله: ادع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة. فقال: يا سعد. أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة. والذي نفس محمد بيده إن الرجل ليقذف اللقمة الحرام في جوفه ما يتقبل الله منه أربعين يوما. وأيما عبد نبت لحمه من السحت والربا فالنار أولى به). - قال الشعبي: (نذر رجل أن ينحر ابنه. فأفتاه مسروق بذبح كبش وقال: هذا- أي نذره- من خطوات الشيطان). - (وأتي عبد الله بن مسعود بضرع وملح. فجعل يأكل. فاعتزل رجل من القوم. فقال ابن مسعود ناولوا صاحبكم. فقال: لا أريده. فقال أصائم أنت؟ قال: لا، قال: فما شأنك؟ قال: حرمت أن آكل ضرعا أبدا. فقال ابن مسعود: هذا من خطوات الشيطان. فأطعم وكفر عن يمينك). وعن أبي رافع قال: (غضبت يوما علي امرأتي. فقالت هي يوما يهودية ويوما نصرانية وكل مملوك لها حر إن لم تطلق امرأتك، فأتيت عبد الله بن عمر فقال: إنما هذه من خطوات الشيطان). (وكذلك قالت زينب بنت أم سلمة. وهي يومئذ أفقه امرأة في المدينة. وأتيت عاصما وابن عمر فقالا مثل ذلك). وعن ابن عباس قال: (ما كان من يمين أو نذر في غضب فهو من خطوات الشيطان، وكفارته كفارة يمين). ٩ - العقلية المؤمنة عقلية متبعة للهدي المنزل، أما العقلية الكافرة فعقلية مقلدة. العقلية المؤمنة تزن الرجال بالحق. والعقلية الكافرة تزن ما تؤمن به بالرجال ولو كانوا على غير علم وعقل وفهم. فشتان بين العقليتين. ١٠ - روى الشافعي وأحمد وابن ماجه والدارقطني عن رسول الله ﷺ : «أحل

стр. 363

لنا ميتتان ودمان: السمك والجراد، والكبد والطحال». ١١ - سئل الحسن البصري عن امرأة عملت عرسا للعبها فنحرت جزورا. فقال: (لا تؤكل لأنها ذبحت لصنم). أورد القرطبي عن عائشة: أنها سئلت عما يذبحه العجم لأعيادهم فيهدون منه للمسلمين؟ فقالت: (ما ذبح لذلك اليوم فلا تأكلوا منه وكلوا من أشجارهم). ١٢ - ذكر ابن كثير مسألة قال: (إذا وجد المضطر ميتة، وطعام الغير بحيث لا قطع فيه ولا أذى فإنه لا يحل له أكل الميتة، بل يأكل طعام الغير بغير خلاف، وإذا أكله، والحالة هذه- هل يضمنه أم لا؟ فيه قولان هما روايتان عن مالك). ١٣ - عن مسروق أنه قال: (من اضطر فلم يأكل ولم يشرب ثم مات دخل النار). وهذا يقتضي أن أكل الميتة للمضطر عزيمة لا رخصة كالإفطار للمريض. ١٤ - قال الحنفية: يرخص شرب الخمر للعطشان، وأكل الميتة في الجماعة إذا تحقق الهلاك. ١٥ - قال الحنفية: ويحرم الذبح لمخلوق ولو ذكر اسم الله تعالى، لأنه أهل به لغير الله تعالى، أما لو نوى إكرامه فإنه يحل، ويظهر ذلك فيما لو ضافه أمير مثلا فذبح عند قدومه شاة فإن قصد التعظيم فلا تحل- وإن أضافه بها. وإن قصد الإكرام فتحل. اه. (الهداية العلائية ٣٢٦). ١٦ - قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ. دلت هذه الآية على أن أكل الحلال وشكر الله أثر من آثار العبادة. ومن هنا نعلم لماذا تأخر هذا الأمر في السورة هذا التأخر، ولماذا استغرق موضوع تعميق معنى العبادة القسم الأول كله. فإذا عرفنا أن الله لا يقبل العبادة إذا لم يرافقها أكل جلال، أدركنا الارتباط الكامل بين ما وصلنا إليه وبين ما سبق. والدليل على ارتباط قبول العبادة بأكل الحلال؛ الحديث الذي رواه أحمد ومسلم والترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا. وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ وقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ .. ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب

стр. 364

يا رب. ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام. فأنى يستجاب لذلك».؟ فإذا تذكرنا أن الدعاء مخ العبادة. وتذكرنا الحديث الذي ذكرناه قريبا أنه لا يقبل العمل أربعين يوما بسبب لقمة حرام، أدركنا الصلة بين العبادة وأكل الحلال. وإنما ذكرنا هذا الموضوع مع الفوائد مع أن له صلة بالسياق من أجل الفائدة التي تضمنها الحديث فصول شتى: فصل في التقليد: يثار بمناسبة قوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا موضوع التقليد للغير بدون معرفة دليله. هل يجوز ذلك أو لا يجوز؟. وهذه نقول توضح حدود هذه المسألة: عند قوله تعالى: وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ يقول الألوسي: (وظاهر الآية المنع من اتباع الظن رأسا؛ لأن الظن مقابل للعلم لغة وعرفا. ويشكل عليه أن المجتهد يعمل بمقتضى ظنه الحاصل عنده من النصوص، فكيف يسوغ اتباعه للمقلد؟. وأجيب بأن الحكم المظنون للمجتهد يجب العمل به للدليل القاطع وهو الإجماع. وكل حكم يجب العمل به قطعا علم بأنه حكم الله تعالى فهو معلوم قطعا. فالحكم المظنون للمجتهد معلوم قطعا. وخلاصته أن الظن كاف في طريق تحصيله، ثم بواسطة الإجماع على وجوب العمل صار المظنون معلوما، وانقلب الظن علما. فتقليد المجتهد ليس من اتباع الظن في شئ). وقال القرطبي بمناسبة قوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ... (تعلق قوم بهذه الآية في ذم التقليد لذم الله تعالى الكفار باتباعهم لآبائهم في الباطل واقتدائهم بهم في الكفر والمعصية، وهذا في الباطل صحيح. أما التقليد في الحق فأصل من أصول الدين، وعصمة من عصم المسلمين، يلجأ إليها الجاهل المقصر عن درك النظر. واختلف العلماء في جوازه في مسائل الأصول على ما يأتي. وأما جوازه في مسائل الفروع فصحيح). ثم بعد كلام قال القرطبي:

стр. 365

(فرض على العامي الذي لا يشتغل باستنباط الأحكام من أصولها لعدم أهليته، فيما لا يعلمه من أمر دينه ويحتاج إليه، أن يقصد أعلم من في زمانه وبلده فيسأله عن نازلته فيمتثل فيها فتواه. لقوله تعالى فى سورة النحل: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ. وعليه الاجتهاد في أعلم أهل وقته بالبحث عنه حتى يقع عليه الاتفاق من أكثر الناس. وعلى العالم أيضا فرض أن يقلد عالما مثله في نازلة خفي عليه فيها وجه الدليل والنظر، أو أراد أن يجدد الفكر فيها والنظر حتى يقف على المطلوب، فضاق الوقت عن ذلك، وخاف على العبادة أن تفوت، أو على الحكم أن يذهب، سواء كان ذلك المجتهد الآخر صحابيا أو غيره. وإليه ذهب القاضي أبو بكر وجماعة من المحققين). أقول: هذا في التقليد في الفروع. أما في الأصول فقد قال ابن عطية: أجمعت الأمة على إبطال التقليد في العقائد. وقد نازعه في ادعاء الإجماع علماء، خاصة إذا كان التقليد للمعصوم أو كان التقليد في حق، وكان صاحبه جازما به. حتى لو رجع الأول لبقي الثاني متمسكا بالحق. ولكن حتى من نازعوا في الإجماع فإنهم لا يخالفون في أنه: من يستطيع أن ينظر في الدليل المؤدي للأصل ثم لا ينظر فإنه آثم. فالإجماع منعقد على إثم المقلد في الأصول إذا كان قادرا على النظر، ومع حملة الشيخ القرطبي على أنواع من المتكلمين فإنه يختم كلامه بالدفاع عن المتكلمين الذين يدرسون ما يستطيعون به أن يقيموا الحجة على أعداء الله من خلال اللغة التي يفهمونها فيقول: (ومن نظر الآن في اصطلاح المتكلمين حتى يناضل بذلك عن الدين فمنزلته قريبة من النبيين؟!. فأما من يهجن من غلاة المتكلمين طريق من أخذ بالأثر من المؤمنين، ويحض على درس كتب الكلام، وأنه لا يعرف الحق إلا من جهتها بتلك الاصطلاحات فصاروا مذمومين لنقضهم طريق المتقدمين من الأئمة الماضين، والله أعلم. وأما المخاصمة والجدل بالدليل والبرهان فذلك بين في القرآن). وقد قال الألوسي في قضية التقليد: (وفي الآية دليل على المنع من التقليد لمن قدر على النظر، وأما اتباع الغير في الدين بعد التعلم بدليل فإنه محض اتباع في الحقيقة لما أنزل الله تعالى، وليس من التقليد المذموم في شئ، وقد قال سبحانه: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ سورة الأنبياء. فصل: في نقول لها صلة بآية المحرمات من الأطعمة:

стр. 366

قال القرطبي: (واختلف العلماء هل يجوز أن ينتفع بالميتة أو بشيء من النجاسات؟ واختلف عن مالك في ذلك أيضا .. ). (فأما الناقة إذا نحرت، أو البقرة أو الشاة إذا ذبحت، وكان في بطنها جنين ميت فجائز أكله من غير تذكية له نفسه، إلا أن يخرج حيا فيذكى، ويكون له حكم نفسه) أقول: لا يجيز فقهاء الحنفية أكل الجنين إلا إذا خرج حيا وذبح ذبحا شرعيا) (واختلفت الرواية عن مالك في جلد الميتة، هل يطهر بالدباغ أم لا؟ فروي عنه أنه لا يطهر وهو ظاهر مذهبه. وروي عنه أنه يطهر لقوله ﵊ (أيما إهاب دبغ فقد طهر) وأما شعر الميتة وصوفها فطاهر. اتفق العلماء على أن الدم حرام نجس لا يؤكل ولا ينتفع به. قال ابن خويزمنداد: (وأما الدم فمحرم ما لم تعم به البلوى، ومعفو عما تعم به البلوى. والذي تعم به البلوي هو الدم في اللحم وعروقه، ويسيره في البدن والثوب يصلى فيه ... «وقد روت عائشة ﵂ قالت: كنا نطبخ البرمة على عهد رسول الله ﷺ ، تعلوها الصفرة من الدم فنأكل ولا ننكره». لأن التحفظ من هذا إصر وفيه مشقة والإصر والمشقة في الدين موضوع). (ولا خلاف أن جملة الخنزير محرمة إلا الشعر. فإنه يجوز الخزازة به). أقول لأنه لا ينوب غيره منابه. فإباحة استعماله ضرورة للخرازين. (ولا خلاف بين العلماء أن ما ذبحه المجوسي لناره، والوثني لوثنه لا يؤكل ولا تؤكل ذبيحتهما عند مالك والشافعي وغيرهما؛ وإن لم يذبحا لناره ووثنه كذلك وأجازهما ابن المسيب وأبو ثور إذا ذبحا لمسلم بأمره). أقول: بعض الفقهاء يعتبرون فعل المأمور بأمر الآمر فعلا للآمر ومن ثم أجازوا أن يستلم وزارة التنفيذ ذمي. لأن أمره على المسلم هو أمر الخليفة وليس أمرا له على الحقيقة. فصل في الاضطرار المبيح: قال القرطبي: (الاضطرار لا يخلو أن يكون بإكراه من ظالم، أو بجوع في مخمصة، والذي عليه الجمهور من الفقهاء والعلماء في معنى الآية هو من صيره العدم والغرث، (وهو الجوع) إلى ذلك؛ وهو الصحيح. وقيل: معناه أكره وغلب على أكل هذه

стр. 367

المحرمات. قال مجاهد: يعني أكره عليه. كالرجل يأخذه العدو فيكرهونه على أكل لحم الخنزير، وغيره من معصية الله تعالى. ألا إن الإكراه يبيح ذلك إلى آخر الإكراه). (وأما المخصمة فلا يخلو أن تكون دائمة أو لا، فإن كانت دائمة فلا خلاف في جواز الشبع من الميتة، إلا أنه لا يحل له أكلها وهو يجد مال مسلم لا يخاف فيه قطعا، كالتمر المعلق وحريسة (١) الجبل، ونحو ذلك مما لا قطع فيه ولا أذى. وهذا مما لا اختلاف فيه). وذلك لأن حفظ مهجة المسلم واجب إسلامي عام يلزم من استطاعه:- قال القرطبي: (قال أبو عمر: وجملة القول في ذلك أن المسلم إذا تعين عليه رد رمق مهجة المسلم، وتوجه الفرض في ذلك بألا يكون هناك غيره، قضي عليه بترميق تلك المهجة الآدمية. وكان الممنوع منه له في ذلك محاربة من منعه ومقاتلته، وإن أتى ذلك على نفسه، وذلك عند أهل العلم إذا لم يكن هناك إلا واحد لا غير، فحينئذ يتعين عليه الفرض. فإن كانوا كثيرا، أو جماعة، أو عددا، كان ذلك عليهم فرضا على الكفاية. والماء في ذلك وغيره مما يرد نفس المسلم ويمسكها سواء. إلا أنهم اختلفوا في وجوب قيمة ذلك الشئ على الذي ردت به مهجته ورمق به نفسه، فأوجبها موجبون، وأباها آخرون. وفي مذهبنا القولان جميعا. ولا خلاف بين أهل العلم متأخريهم ومتقدميهم في وجوب رد مهجة المسلم عند خوف الذهاب والتلف بالشئ اليسير الذي لا مضرة فيه على صاحبه، وفيه البلغة). (وإن كان الثاني- أي المخمصة العارضة- وهو النادر في وقت من الأوقات، فاختلف العلماء فيها على قولين: أحدهما- أنه يأكل حتى يشبع ويتضلع، ويتزود إذا خشي الضرورة فيما بين يديه من مفازة وقفر، وإذا وجد عنها غنى طرحها، قال معناه مالك في موطئه وبه قال الشافعي وكثير من العلماء). (وقالت طائفة: يأكل بقدر سد الرمق، وبه قال ابن الماجشون وابن حبيب. وفرق أصحاب الشافعي بين حالة المقيم والمسافر، فقالوا: المقيم يأكل بقدر ما يسد رمقه، والمسافر يتضلع ويتزود، فإذا وجد غنى عنها طرحها، وإن وجد مضطرا أعطاه إياها ولا يأخذ منه عوضا، فإن الميتة لا يجوز بيعها). (فإن اضطر إلى خمر، فإن كان بإكراه شرب بلا خلاف. وإن كان بجوع أو عطش فلا يشرب، وبه قال مالك في العتبية. قال: ولا يزيده الخمر إلا عطشا، وهو قول

стр. 368

الشافعي: فإن الله تعالى حرم الخمر تحريما مطلقا، وحرم الميتة بشرط عدم الضرورة. وقال الأبهري: إن ردت الخمر عنه جوعا أو عطشا شربها، لأن الله تعالى قال في الخنزير فَإِنَّهُ رِجْسٌ ثم أباحه للضرورة. وقال تعالى في الخمر إنها رِجْسٌ فتدخل في إباحة الخنزير للضرورة بالمعنى الجلي الذي هو أقوى من القياس، ولا بد أن تروي ولو ساعة. وترد الجوع ولو مدة). (فإن غص بلقمة فهل يسيغها بخمر أو لا؟. فقيل: لا، مخافة أن يدعى ذلك. وأجاز ذلك ابن حبيب، لأنها حالة ضرورة) قال ابن العربي: (أما الغاص بلقمة، فإنه يجوز له فيما بينه وبين الله تعالى، وأما فيما بيننا فإن شاهدناه فلا يخفى علينا بقرائن الحال صورة الغصة من غيرها؛ فيصدق إذا ظن ذلك، وإن لم يظهر حددناه ظاهرا وسلم من العقوبة عند الله تعالى باطنا). (سئل مالك عن المضطر إلى أكل الميتة وهو يجد مال الغير تمرا أو زرعا أو غنما؟. فقال: إن أمن الضرر على بدنه بحيث لا يعد سارقا ويصدق في قوله؟ يأكل من أي ذلك وجد، ما يرد جوعه، ولا يحمل منه شيئا؛ وذلك أحب إلي من أن يأكل الميتة. وقد تقدم هذا المعنى مستوفى. وإن هو خشي ألا يصدقوه وأن يعدوه سارقا فإن أكل الميتة أجوز عندي، وله في أكل الميتة على هذه المنزلة سعة). (قال أبو الحسن الطبري المعروف بالكيا: وليس أكل الميتة عند الضرورة رخصة، بل هو عزيمة واجبة ولو امتنع من أكل الميتة كان عاصيا. وليس تناول الميتة من رخص السفر، أو متعلقا بالسفر. بل هو من نتائج الضرورة، سفرا كان أو حضرا). أقول: وفي هذا الأخير خلاف. فمن الفقهاء من لم يعتبر أن سفر المعصية يصلح رخصة للمضطر قبل توبته. كلمة في الفقرة: ١ - جاءت هذه الفقرة بعد آيات عن الشرك والمشركين، وعن اتباع القادة بالباطل: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً .... إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا. وجاءت هذه الآيات وفيها مناقشة للمتبعين غيرهم على الباطل. وفيها دعوة إلى أكل الحلال وترك اتباع خطوات الشيطان. وفيها تبيان للمحرمات من الأطعمة. ومجئ هذا بعد الكلام عن الشرك يشعر بأن ذلك كله: من استحلال أكل الحرام، واتباع خطوات الشيطان، ومتابعة الآباء في الباطل، من

стр. 369

مظاهر الشرك. ٢ - ابتدأت الفقرة بدعوة الناس جميعا إلى الحلال وترك اتباع خطوات الشيطان. وإذ كانت هناك أفكار متراكمة خلال العصور حول موضوع الحلال، فقد ناقشت الفقرة اتباع الآباء على عمى. ثم بينت حال الكافرين أصلا، الذين يتابعون على الباطل: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ. وإذ كان المستجيبون لدعوة القرآن هم الذين يستفيدون من الخطاب، توجه الخطاب إلى أهل الإيمان للأكل من الطيبات، ثم طولبوا بالشكر على ذلك، ثم بينت لهم المحرمات ليجتنبوها فلا يتابعون خطوات الشيطان إذ أمر فرفض الأمر. ٣ - يأتي بعد هذه الفقرة مباشرة قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ .... وتباشر هذه الآية آية المحرمات من الأطعمة. والحالات الاستثنائية في ذلك. وفيه ما يشعرنا بأهمية البيان في هذه الشئون فلننتقل إلى الفقرة الثانية في المقطع: تفسير الفقرة الثانية: مقدمة: تتألف هذه الفقرة من آيات الكتمان وآية البر. فلتكن هذه المقدمة حديثا عن كل من هذه وهذه، لنعرض بعد ذلك تفسير الفقرة عرضا واحدا. ١ - قبل ثلاث عشرة آية من آيات الكتمان هنا جاءت آيتان في الموضوع نفسه؛ هناك تذكر الآيتان أن في هذا الكتاب معجزات وهدى، ومن كتم هذه المعجزات والهدى استحق اللعنة، إلا إذا تاب وأصلح وبين. أما هذه الآيات فإنها تذكر أن من كتم الكتاب واشترى به ثمنا قليلا فجزاؤه النار، والبعد والإبعاد والذم. ومن عقوبتهم الدنيوية الشقاق والاختلاف، فالآيات هنا فيها زيادات وتوكيد وتلك من حكمة التكرار، ويمكن أن نفهم من خلال أسلوب القرآن أن ما بين آيتي الكتمان هناك وآيات الكتمان هنا معان يمكن أن يقع فيها الكتمان. ومجمل هذه المعاني التي وقعت بين النصين: الكفر والتوحيد، والعلم الكوني الذي يخدم العقيدة، وقضايا الشرك، والاتباع على باطل وبباطل، وموضوع الحلال والحرام. وتتبع الآن مواضع الفتنة في الفتوى والتأليف. فإنك تجد أن هذه أمهاتها خذ مثلا قضية الاتباع على الباطل. كم من العلماء يجرؤ أن يضع النقاط على الحروف

стр. 370

فيها؟ وما أضر بقلب الإنسان المعاصر شئ كالتأليف المجرد عن الإيمان في العلوم الكونية .. !! (وقد ذهب بعض المفسرين أن آيات الكتمان الأولى فيها خطاب لأمتنا، وأن هذه الآيات خطاب لبني إسرائيل أخذا من أن الخطاب في أول آية البر متوجه لبني إسرائيل، والخطاب عام في كلتا الآيتين. ويدخل فيه الجميع. ولعل الكاتمين من هذه الأمة أكثر إثما، لأن حجة قرآننا علينا، وعلى الناس أظهر.) وقد جاءت آية الكتمان في هذا المقطع بعد الفقرة الأولى التي تحدثت عن أكل الحلال، وعدم اتباع خطوات الشيطان، ووجوب اتباع ما أنزل الله؛ والتحذير عن متابعة الآباء؛ فضلا عن غيرهم، ثم تبيان حقيقة الكفر، والأمر بأكل الطيبات والشكر، وبيان المحرمات؛ وهذه كلها يجتمع فيها شيئان: أن لها تفصيلات دقيقة. وأنه يقع فيها تهيب. ومهمة العلماء أن يفصلوا، وألا يتهيبوا بأن يبينوا. وعلماء بني إسرائيل هم الشهود الكاتمون. فناسب أن يذكر هنا خطر الكتمان، خاصة والسياق قارب أن يغلق الحوار معهم في هذه السورة فاستوعبت آيات الكتمان الحديث عن كتمان أهل الكتاب، وكتمان أهل القرآن. وبعد آيات الكتمان جاءت آية البر. ٢ - فكانت تلخيصا لكل ما مر مما له علاقة في قضية التقوى ليكون ذلك كالمقدمة لكلام جديد تذكر فيه طرائق جديدة لتحقيق التقوى في نفس الإنسان أو في المجتمع الإنساني. إن آية البر تلخيص لما مر معنا في شأن التقوى، وهي في الوقت نفسه تفصيل لبعض ما مر، لقد تحددت معنا فيما مضى قضية التقوى، والطريق إليها، وما يتنافى معها، وما يساعد عليها. فالتقوى إيمان بغيب وصلاة وإنفاق واتباع كتاب. والطريق إليها العبادة. ومما ينافيها نقض العهود: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ .... ومما يساعد عليها الصبر والصلاة. وجماع ذلك طاعة الله دون قيد أو شرط في أي شئ؛ في القبلة وغيرها. وإنك لترى مجموع هذه المعاني في هذه الآية. فمن أخذها وفهمها وعمل بها فكأنه أخذ بالأمر كله. وهذا معنى قولنا إنها تلخيص لما مر. وأما أنها توضيح لبعض ما مر فذلك لأنه مر معنا الإيمان مجملا: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ومر معنا الإنفاق مجملا: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ. ومر معنا الصبر مجملا: اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ* فجاءت هذه الآية لتوضح المجمل فتذكر في تفصيل الإيمان: مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ

стр. 371

وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ. وتذكر محال الصدقات: وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ. وتذكر مواطن الصبر: وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ. فكانت هذه الآية تلخيصا لما مر في شأن التقوى. وتوضيحا لبعض ما مر لينطلق السياق- كما قلنا- موضحا طرائق أخرى للتقوى، ومبينا حقائق أخرى تدخل في التقوى. ولنبدأ عرض تفسير الفقرة مع ذكر شئ من الفوائد ولنا عودة على السياق: ١ - آيات الكتمان: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ: المراد به إما كل كتاب لله، أو التوراة أو القرآن، والأرجح الأول. وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا: الثمن القليل هو الدنيا كلها إذا قيست بقيمة الحق أو بالآخرة. فصار المعنى: ويشترون بهذا الكتمان، الدنيا أو جزءا منها. أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ: أي إنما يأكلون ما يأكلونه في مقابلة كتمان الحق نارا تأجج في بطونهم يوم القيامة. لأنه إذا أكل ما يتلبس بالنار لكونها عقوبة عليه، فكأنه أكل النار. وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كلاما يسرهم ولكن بنحو قوله تعالى في سورة (المؤمنون): اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ. وَلا يُزَكِّيهِمْ: أي لا يطهرهم من دنس ذنوبهم، أو لا يثني عليهم. وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أي شديد مؤلم وذلك لأنهم كتموا، وقد علموا فاستحقوا الغضب. أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى أي: اعتاضوا عن الهدى بالضلالة بهذا الكتمان فأصبحوا ضلالا. وكان بوسعهم أن يكونوا مهتدين. وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ أي اعتاضوا عن المغفرة بالعذاب بتعاطيهم أسباب العذاب. وكان بوسعهم أن يتعاطوا أسباب المغفرة بإظهار الحق عملا وسلوكا. فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ، يخبر تعالى أنهم في عذاب شديد عظيم هائل. يتعجب من رآهم فيها من صبرهم على ذلك مع شدة ما هم فيه من العذاب والنكال والأغلال عياذا بالله من ذلك. أو المعنى: فأي شئ أصبرهم على عمل يؤدي إلى النار. وعلى هذا، فالاستفهام توبيخي. ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ: أي إنما استحقوا هذا العذاب الشديد لأن الله تعالى أنزل على رسوله محمد ﷺ وعلى الأنبياء قبله كتبه بتحقيق الحق وإبطال الباطل. وهؤلاء اتخذوا آيات الله هزوا فكتابهم يأمرهم بإظهار العلم ونشره. فخالفوه وكذبوه. فأي شهود هؤلاء؟. وأي شهادة ضيعوها؟. وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ فقالوا في بعض كتب الله إنها حق، وفي بعضها إنها باطل. أو

стр. 372

قالوا عن بعض الكتاب إنه حق وعن بعضه إنه باطل. أو اختلفوا في فهمه، فكتموا الفهم الصحيح حسدا وبغيا. وأظهروا الفهوم الباطلة، جزاء هؤلاء لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ: أي لفي اختلاف بعيد عن الحق والهدى. فوائد: ١ - لقد اختلفت أمتنا اليوم في الكتاب: فمن كافر به، ومن مؤمن ببعضه وكافر ببعض سلوكا وعملا إن لم يكن اعتقادا. فكان من آثار ذلك ما نراه مما أخبر عنه القرآن من الشقاق البعيد المتمثل في الحروب الداخلية والفتن والاختلافات في الآراء والأهواء. نسأل الله أن نكون من الفئة الظاهرة على الحق الناجية التي لا يضرها من خذلها أو خالفها. ٢ - عند ما نظهر الحق قد نخسر في الظاهر قليلا، والدنيا كلها قليل. ولكن هذه الخسارة الظاهرة ربح في الدنيا والآخرة. فهؤلاء اليهود في عصر النبوة أول من تنطبق عليهم الآيات وأول من انطبقت عليهم. كتموا صفة محمد ﷺ في كتبهم التي بأيديهم مما تشهد له بالرسالة والنبوة، فكتموا ذلك لئلا تذهب رياستهم وما كانوا يأخذونه من الهدايا والتحف على تعظيمهم آباءهم. فخشوا- لعنهم الله- إن أظهروا ذلك أن يتبعه الناس ويتركوهم، فكتموا ذلك إبقاء على ما يحصل لهم من ذلك وهو نزر يسير. فباعوا أنفسهم بذلك، واعتاضوا عن الهدى واتباع الحق وتصديق الرسول والإيمان بما جاء عن الله بذلك النزر اليسير، فخابوا وخسروا في الدنيا والآخرة. أما في الدنيا: فإن الله أظهر لعباده صدق رسوله بما نصبه وجعل معه من الآيات الظاهرات والدلائل القاطعات. فصدقه الذين كانوا يخافون عليهم أن يتبعوه، وصاروا عونا له على قتالهم وباءوا بغضب على غضب، وفي الآخرة رأينا ما هو عذابهم بما خالفوا هذا الرسول الخاتم وكذبوه، وجحدوا وكتموا صفته. ٣ - أخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة حديثا يذكر فيه رسول الله ﷺ ناسا آخرين يستحقون عذاب هؤلاء الكاتمين. يقول ﵊: «ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر». وفي الصحيح حديث يذكر كذلك عذاب نوع من الناس يشبه عذاب هؤلاء

стр. 373

الكاتمين هو «إن الذي يأكل أو يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم». ٤ - يلاحظ أن الكلام في آية الكتمان الأولى قد انصب على كتمان البينات والهدى في الكتاب. وفي آية الكتمان الثانية انصب على كتمان كتاب كله. نفهم من ذلك أن نشر المعجزات الموجودة في الكتاب مقصد من مقاصد الشارع. كما أن نشر الهدى الموجود في الكتاب وهو أحكام الله في كل شأن مقصد آخر من مقاصد الشارع. وكما أن كتمان حكم الله حرام، فكتمان المعجزات والدلائل حرام. ويدخل في ذلك الكثير. ففي هذا القرآن معجزات يعرفها علماء الفلك، أو علماء الحياة. فمن كتم حيث ينبغي أن يوضح فذلك يدخله في هذا الوعيد. وفي هذا القرآن هدى لكل جوانب الحياة الإنسانية. في السياسة بفروعها جميعا من الولاء، إلى التجمع، إلى مواضيع الأمة والقوم والإنسانية، إلى قضايا الشورى، إلى قضايا الرئاسة المتمثلة بالخلافة إلى غير ذلك وفى الاقتصاد من التملك إلى غيره. وفي السلم والحرب. من الجهاد إلى الإعداد. وفي الاجتماع من قضايا الأسرة إلى غيرها. وفي الأخلاق والتعليم وغير ذلك. وقد دأب الكثير على المخاتلة وعدم البيان مراعاة للسلطان وغيره، رغبة في الجاه أو رهبة من موقف الحق. وكل ذلك داخل في الوعيد، إلا إذا كان للإنسان رخصة شرعية فذلك مستثنى. وللخروج من الكتمان لا بد من إشاعة حلقات العلم والفقه والتلاوة والتفسير وغيرها. ٢ - آية البر: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ: لما أمر الله المؤمنين أولا بالتوجه إلى بيت المقدس ثم حولهم إلى الكعبة. كثر خوض المسلمين وأهل الكتاب في هذا الأمر. فأنزل الله تعالى بيان حكمته في ذلك، وهو: أن المراد إنما هو طاعة الله وامتثال أوامره والتوجه حيثما وجه، واتباع ما شرع. فهذا هو البر والتقوى والإيمان الكامل، وليس في لزوم التوجه إلى جهة من المشرق أو المغرب بر ولا طاعة إن لم يكن عن أمر الله وشرعه. وَلكِنَّ الْبِرَّ هو ما سيأتي في الآية. «قال الثوري بعد ما تلا الآية: هذه أنواع البر كلها» قال ابن كثير- وصدق ﵀: فإن من اتصف بهذه الآية فقد دخل في عرى الإسلام كلها، وأخذ بمجامع الخير كله. وذلك أن البر اسم لكل فعل مرضي، ولا بر إلا بما ذكر الله في هذه الآية مَنْ آمَنَ

стр. 374

بِاللَّهِ بوجوده، وصفاته، وأسمائه، وتوحيده، وربوبيته، وألوهيته وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أي يوم البعث. وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ أي: جنس الملائكة، وجنس كتب الله أو القرآن، وَالنَّبِيِّينَ جميعا بلا استثناء. فهذا أول البر وأساسه. وبدونه لا يكون بر. إذ من لم يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، فإن البر لا يصدر منه وإذا صدر فإنه لا يكون دائما. ويكون معلولا بعلة ينتهي البر بانتهائها. وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ أي: أخرجه وهو محب له راغب فيه. ذَوِي الْقُرْبى أي: الأقرباء. وَالْيَتامى: هم الذين لا كاسب لهم، وقد مات آباؤهم وهم ضعفاء صغار دون البلوغ والقدرة على التكسب. وَالْمَساكِينَ: هم الذين لا يجدون ما يكفيهم في قوتهم وكسوتهم وسكناهم، فيعطون ما تسد به حاجاتهم وخلتهم. وإنما سمي مسكينا لأنه دائم السكون إلى الناس، لأنه لا شئ له. وَابْنَ السَّبِيلِ. وهو المسافر المجتاز الذي قد فرغت نفقته. قال ابن كثير: (وكذا الذي يريد سفرا في طاعة. فيعطى ما يكفيه في ذهابه وإيابه. ويدخل في ذلك الضيف) ثم روي عن ابن عباس أنه قال: (ابن السبيل هو الضيف الذي ينزل بالمسلمين). وَالسَّائِلِينَ: هم الذين يتعرضون للطلب، فيعطون من الزكوات والصدقات. أو هم المستطعمون. وَفِي الرِّقابِ هم المكاتبون. يعانون حتى يفكوا رقابهم. أو هم الأسارى. يعانون لفك رقابهم أو الرقيق مطلقا يعتق ويحرر وَأَقامَ الصَّلاةَ المكتوبة فأتم أفعالها في أوقاتها بركوعها وسجودها وطمأنينتها وخشوعها على الوجه الشرعي المرضي. وَآتَى الزَّكاةَ المفروضة. وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا الله أو الناس فهم لا ينكثون مع الله أو مع الناس. وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ: في حال الفقر والشدة وَالضَّرَّاءِ أي: في حال المرض والأسقام والزمانة. وَحِينَ الْبَأْسِ: أي في حال القتال والتقاء الأعداء. أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا أي: هؤلاء الذين اتصفوا بهذه الصفات هم الذين صدقوا في إيمانهم. لأنهم حققوا الإيمان القلبي بالأقوال والأفعال. فهؤلاء هم الذين صدقوا. وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ لأنهم حققوا التقوى حالا وعملا وسلوكا، فاتقوا المحارم، وفعلوا الطاعات. إن هذا هو البر، لا ما يتمسك به أهل الأديان من عصبيات نسخها الله، أو لم ينزل بها سلطانا في الأصل.

стр. 375

فوائد: ١ - تبين من الآية أن البر: ١ - إيمان ٢ - وإنفاق مما يحب ٣ - وإقام صلاة ٤ - وإيتاء زكاة ٥ - ووفاء عهد ٦ - وصبر على كل حال وفي كل حال. فمن اجتمعت له هذه الأمور فقد حصل البر والصدق والتقوى والإيمان. ومن أخل بشيء من هذا فهو إخلال بالبر والتقوى والصدق والإيمان. ٢ - روى مجاهد عن أبي ذر- مع أنه لم يدركه فالحديث منقطع- (أنه سأل رسول الله ﷺ ما الإيمان؟. فتلا عليه: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ .. الآية. قال: ثم سأله أيضا. فتلاها عليه. ثم سأله؟ فقال: إذا عملت حسنة أحبها قلبك، وإذا عملت سيئة أبغضها قلبك). فالآية إذن ميزان للإيمان، كما أنها ميزان للبر والتقوى والصدق. وأعطانا رسول الله ﷺ في هذا الحديث ميزانا دقيقا نعرف به إيمان قلوبنا من خلال محبتنا للطاعة، وكراهيتنا للمعصية. ٣ - في الصحيحين عن رسول الله ﷺ قال: «أفضل الصدقة أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تأمل الغنى، وتخشى الفقر» نذكر هذا بمناسبة قوله تعالى: وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ فإذا رأيت نفسك شحت بشيء حبا له، من لقمة، إلى طعام، إلى مال، إلى غير ذلك، واستطعت أن تحملها على الإنفاق، فأنت من أهل هذا المقام. ومن عصته نفسه بالكثير فليحملها على القليل. ٤ - أخرج عبد الرزاق عن علي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا يتم بعد حلم». فاليتيم هو من لم يبلغ. ٥ - في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «ليس المسكين بهذا الطواف الذي ترده التمرة والتمرتان، واللقمة واللقمتان. لكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه». في هذا الحديث يلفت رسول الله ﷺ نظرنا إلى أنواع من الناس، ينبغي أن نتذكرهم. ٦ - روى الإمام أحمد عن رسول الله ﷺ أنه قال: للسائل حق ولو جاء على فرس». في هذا الحديث أدب عال. هو أن نعامل الإنسان كما يحاول أن يظهر لنا، على شرط هو: أنني لو عاملته بذلك لا يضرني، ولا يضر المسلمين. بل ينفعني عند الله كما في هذه الصورة التي أمامنا. قال عمر رضي الله

стр. 376

عنه: (لست بالخب، ولا الخب يخدعني). ٧ - أخرج الترمذي وابن ماجه عن رسول الله ﷺ قوله: «في المال حق سوى الزكاة». ثم قرأ ﵊: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ .... ٨ - في الحديث الصحيح: «الصدقة على المساكين صدقة. وعلى ذوي الرحم اثنتان: صدقة وصلة. فهم أولى الناس ببرك وإعطائك». - يلاحظ أن قوله تعالى: وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ. قد جاء بعد قوله تعالى: وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ. فلم كانت الصابرين منصوبة، وما قبلها مرفوع؟ وما العامل في النصب؟. يقول النحويون: إن العامل في النصب هو الاختصاص. وحكمة ذلك الإشعار بمدح الصبر وأهله في هذه الأحوال لشدته وصعوبته، ولإظهار فضل الصبر في الشدائد ومواطن القتال على سائر الأعمال. ٩ - يلاحظ أن الرسول ﷺ عند ما حدد أركان الإيمان في الحديث الصحيح، ذكر ستة «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر». بينما الآية هنا ذكرت خمسا: مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ. فما السبب؟. السبب والله والله أعلم أن الإيمان بالقدر هو فرع الإيمان بالله. فالقدر: هو علم الله بالأشياء أزلا، وإرادة ما شاء أن يكون، وإبراز ذلك بقدرته. فمن عرف علم الله، وإرادته، وقدرته، آمن بالقدر. ومن ثم لم يذكر هنا- والله أعلم- ولكنه ذكر في مكان آخر بشكل مستقل. وإنما ذكره رسول الله ﷺ في الحديث تبيانا لأهميته، وتأكيدا لضرورته. ١٠ - بمناسبة قوله تعالى: وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا. قال الألوسي بعد كلام: (وعلى هذا، فالمراد بالعهد ما لا يحلل حراما، ولا يحرم حلالا من العهود الجارية بين الناس. والظاهر حمل العهد على ما يشمل حقوق الحق، وحقوق الخلق). أقول: تستغل قضية الوفاء بالعهود عند المسلم في عصرنا استغلالا سيئا. فبعض الناس يأخذون العهود والمواثيق على الناس لأشخاصهم. ويعتبرون ذلك ملزما لمعطي العهد، وكأنه أعطاه للخليفة الشرعي للمسلمين في وجوب الطاعة والالتزام لهذا الشخص. وذلك لا أصل له. ولا ترتب عليه أي أحكام. وأحيانا يكون العهد مرتبطا بطاعة شرعية، فهذا قد

стр. 377

يكون له أحكام النذر أو اليمين. وأحيانا تكون العهود بين حكومة ودولة كافرة، فإذا لم تكن المعاهدة ابتداء فيها مصلحة للمسلمين فإنها لا تسري عليهم. ١١ - قلنا إن الفقرة الثانية في المقطع الأول من القسم الثاني قد ذكرت نموذجين من الناس. نموذج الكاتمين، ونموذج الأبرار. وفي الكلام عن الكاتمين قال تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى. وإذن فكتمان ما أنزل الله جزء من صراط الضالين. والكلام عن الأبرار جزء من صراط الذين أنعم الله عليهم. ولعل هذا يذكر بما ندعو الله به كل صلاة: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ* صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ولعله يذكرنا بالمسرى العام لسورة البقرة، وصلته بما قبله من سورة الفاتحة، ولعله يوجد من يلومنا على هذه الاستقصاءات. ونظنه مخطئا. وسيتضح له خطؤه كلما سار في هذا التفسير، فرأى من الصلات والروابط ما تندفع به أوهام كثيرة لا بد من دفعها. كلمة أخيرة في المقطع الأول من القسم الثاني: ١ - لعل القارئ لاحظ من خلال عرضنا لهذا المقطع تشابك الصلات بينه وبين المقطع الذي قبله مباشرة، وبينه وبين كل ما سبق من السورة. وهذا يري كيف أن كل آية لاحقة تكمل ما قبلها، وتوصل إلى ما بعدها في خطاب مستوعب للنفس البشرية من أين ينبغي أن يبدأ معها؟ وإلى أين ينبغي أن يسار فيها؟ ولقد رأينا كيف أن المقطع استقر على آية ختم بها الحوار مع بني إسرائيل، ولخصت قضية التقوى ليكون ذلك مقدمة للكلام عن مجموعة أمور تحمي التقوى، أو تحقق بها، أو تعمقها، أو هي جزء منها. وذلك كله مما تضمنته بقية القسم الثاني. وإذا كان ما بقي من القسم الثاني يشكل جولة جديدة في قضية التقوى، فقد يكون من المناسب أن نقدم لذلك بتلخيص لما مر معنا ليكون ذلك بمثابة مقدمة أولى للكلام عن الثلاثين آية القادمة. والتي هي تتمة القسم الثاني: مر معنا من قبل: مقدمة سورة البقرة: وفيها حديث عن المتقين، والكافرين، والمنافقين. ثم جاء القسم الأول وفيه مقاطع، وكله في توضيح معالم الطريق إلى التقوى سلبا أو إيجابا: المقطع الأول في تبيان الطريق إلى التقوى، والطريق إلى الضلال.

стр. 378

ثم جاء مقطع آدم. فعمق في الطريقين. ثم جاء مقطعا بني إسرائيل وإبراهيم كنموذجين على انحراف عن أمر الله، وإقامة لأمر الله. ثم جاء مقطع القبلة، ومحلها في العبادة- التي هي طريق- التقوى، لا يخفى. ثم جاء مقطع الصبر والذكر والشكر. ومحل ذلك في التقوى طريقا، وفي العبادة لا يخفى. وهكذا جاء القسم الأول ليبين الطريق إلى التقوى، ويحرر من الطريق إلى الكفر والنفاق والفسوق. ثم جاء القسم الثاني: يأمر بالأكل من الحلال الذي هو شرط قبول العبادة، وليحرر من السبب الأول في الانحراف عن أمر الله: وهو كتمان ما أنزل الله. وجاءت آية البر لتلخص ما مر معنا من حقيقة التقوى. والآن يأتي مقطع جديد يتحدث عن القصاص، وعن الوصية: القصاص كطريق يحقق التقوى الاجتماعية، والوصية كحق من حقوق التقوى. ثم يأتي كلام عن الصوم. وهو عبادة وطريق يحقق التقوى الفردية والاجتماعية. ثم يسير السياق. كلمة في الثلاثين آية القادمة: في الثلاثين آية القادمة من الآية (١٧٧) إلى الآية (٢٠٧) مجموعة من الأحكام والأوامر، والنواهي، والتقريرات، وغير ذلك. وقد سبقت كما رأينا بآية البر التي تشبه الآيات الأولى في مقدمة سورة البقرة. إذ في كل تعريف للمتقين. فلنتذكر الآن أن من صفات المتقين أن القرآن فيه هداهم: ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ. ولنتذكر أن المقطع الأول من القسم الثاني ورد فيه: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا. وورد فيه: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ .. ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ.

стр. 379

ثم جاءت آية البر لتذكر الصادقين المتقين: أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا، وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ. ثم تأتي هذه الآيات الثلاثون لتعرض علينا جزءا من هداية الله للمتقين في كتابه. وهكذا فإن فى الثلاثين آية القادمة تفصيلا في الركن الرابع للتقوى: وهو الاهتداء بكتاب الله، وهكذا. يأتي دور عرض بعض القضايا العملية، بعد تمهيدات طويلة توجد استعدادا للأخذ والتلقي والطاعة. ولذلك نجد كلمة كُتِبَ التى تعني فرض، تتكرر في هذه الثلاثين آية. كما تتكرر صيغ الأمر والنهي. وكل ذلك يأتي بعد المقطع الأول من القسم الثاني الذي هو التمهيد المباشر لذلك. تشكل الثلاثون آية مقطعين، مقطعا قصيرا، ومقطعا طويلا. وكل من المقطعين يبدأ بنداء يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا .... وكل من المقطعين يبدأ بذكر طريق من الطرق الموصلة إلى تحقيق التقوى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. فلأول مرة بعد قوله تعالى في بداية القسم الأول: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ تحدثنا سورة البقرة بشكل مباشر عما يوصل إلى التقوى بمثل هذه الصيغة لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. وإذا كان القسم الأول دلنا على طريق تقوى الفرد. فإن هذا القسم يحدثنا عما تتحقق به تقوى الفرد والمجتمع، وإن كان كل من الأمرين لا ينفصل عن الآخر. ولكن الكلام عما هو أظهر. وإذا كانت الثلاثون آية القادمة تتألف من مقطعين. وقد مر معنا مقطع من القسم الثاني، فإن القسم الثاني على هذا يتألف من ثلاثة مقاطع. يشكل المقطع القادم؛ المقطع الثاني فيه. كنا من قبل تحدثنا كيف أن القسم الأول من السورة قد وطأ للقسم الثاني؛ فوطأ مقطع الطريقين، ومقطع آدم، والمدخل لمقطع بني إسرائيل، للمقطع الأول في القسم الثاني. وفي مقطع بني إسرائيل يأتي كلام عن قتل رجل، وعن أكل أموال الناس، وعن ظلم الذين يمنعون مساجد الله أن يذكر فيها اسمه. ويذكر أن هؤلاء ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ. ثم ....

стр. 380

وفي هذه الجولة يأتي كلام عن القصاص، ثم عن الصيام كطريقين للتقوى. ثم عن القتال الذي به يخاف أعداء الله، ثم عن الحج والعمرة إلى كعبة إبراهيم. وقد جاءت آية البر قبل هذه الجولة وفيها حض على الصبر، والصوم مران على الصبر. وفيها حض على الصبر حين البأس، أي في القتال، وفي الجولة كلام عن القتال وفي آية البر كلام عن الإنفاق. وفي الجولة كلام عن الإنفاق. وإذن فقد سبقت هذه الجولة في مقطعيها بكل المقدمات الضرورية لها. فلنبدأ عرض مقطعها الأول الذي هو المقطع الثاني في القسم الثاني.

стр. 381

المقطع الثاني من القسم الثاني: مقطع القصاص والوصية . يمتد هذا المقطع من الآية (١٧٨) إلى نهاية الآية (١٨٢). وهذا هو. الفقرة الأولى: [سورة البقرة (٢): الآيات ١٧٨ الى ١٧٩] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٨) وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩) الفقرة الثانية: [سورة البقرة (٢): الآيات ١٨٠ الى ١٨٢] كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠) فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١) فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨٢) كلمة في هذا المقطع وسياقه: ١ - يتضمن هذا المقطع فقرتين: الفقرة الأولى في شأن القصاص، والفقرة الثانية في الوصية. القصاص كطريق مساعد لتحقيق التقوى في المجتمع الإسلامي وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. والوصية كحق من الحقوق على المتقين: كُتِبَ عَلَيْكُمْ .. الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ .. حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ. فالمقطع إذن يأخذ في بناء التقوى على مستوى الفرد والأمة. ٢ - والملاحظ أن كلا من الفقرتين صدرت بقوله تعالى: كُتِبَ* يا أَيُّهَا

стр. 382

الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ. كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ ... ففي المقطع إذن فريضتان من فرائض الله على هذه الأمة. فبعد أن تحددت صفات المتقين التي من جملتها الإيمان، والصلاة، والإنفاق، والصبر، والوفاء بالعهود، والاهتداء بالقرآن. يأتي هذا المقطع ليبين فريضتين من فرائض الله، فهما إذن داخلتان في السياق الكبير في باب الاهتداء بكتاب الله. ٣ - قلنا إن القسم الأول من سورة البقرة وطأ لمعاني القسم الثاني. ولو أنك رجعت إلى ما بعد قصة آدم ومقدمة مقطع بني إسرائيل. لوجدت من جملة ما تجد في نهاية الفصل الأول قصة البقرة، وقتل النفس. وهاهنا تجد كلاما عن القصاص في الفقرة الأولى ، ثم إنك تجد في بداية الفصل الثاني تأنيبا لبني إسرائيل على تحريفهم كتاب الله. وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ وفي الفقرة الثانية فرض الوصية والتهديد لمن يبدل فيها: فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ. والصلة بين المعنيين غير مباشرة ولكنها صلة. الفقرة الأولى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ* وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. المعنى العام: يقول تعالى: كتب عليكم العدل في القصاص أيها المؤمنون، حركم بحركم، وعبدكم بعبدكم، وأنثاكم. بأنثاكم، وفي شرع القصاص لكم- وهو قتل القاتل- حكمة عظيمة، وهي بقاء المهج وصونها. لأنه إذا علم القاتل أنه يقتل انكف عن صنيعه، فكان في ذلك حياة للنفوس. ولا يسقط القصاص في القتل العمد إلا في حالة العفو وقبول الدية. فإذا حدث العفو فلا يحل للقاتل أن يماطل في الدية. ولا يحل لأهل القتيل أن يثأروا.

стр. 383

المعنى الحرفي: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ: أي فرض. والقصاص عبارة عن المساواة. وأصله: من قص أثره، إذا تبعه. ومنه القاص، لأنه يتتبع الآثار والأخبار. فِي الْقَتْلى: جمع قتيل. فصار المعنى: فرض عليكم المماثلة والمساواة بين القتلى. الْحُرُّ بِالْحُرِّ أي: الحر مأخوذ بالحر، أو مقتول بالحر. وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ أي: والعبد مقتول بالعبد وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى. أي: والأنثى مقتولة بالأنثى. والكلام كله في القتل العمد. فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ أي: فمن ترك له من أخيه. وذلك بالعفو عن القتل، وقبول الدية، ف (من) ترجع إلى القاتل. والأخ هنا، ولي المقتول. والعفو ضد العقوبة. وعبر بكلمة شئ ليفيد سقوط القتل، وقبول الدية. وذكر الأخوة في هذا المقام بعث لأهل القتيل على العطف على القاتل لما بينهما من الجنسية والإسلام. فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ أي: فليتبع الطالب القاتل بالمعروف، بأن يطالبه مطالبة جميلة. وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ أي: وليؤد القاتل بدل الدم، أداء بإحسان، بألا يمطله ولا يبخسه. فالولي إذا أعطي له شئ من مال أخيه- يعني القاتل- بطريقة الصلح، فليأخذه بمعروف من غير تعنيف. وليؤده القاتل إليه من دون تسويف. ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ أي: هذا المذكور، من العفو وأخذ الدية، تخفيف من الله ورحمة عليكم، ورحمة بكم. فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ أي: من قتل، وثأر، بعد أخذ الدية أو قبولها. فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ أي: موجع شديد في الآخرة. وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ أي: ولكم في هذا الجنس من الحكم الذي هو القصاص، حياة عظيمة، وأي حياة؟. وذلك مما يؤدي إليه- القصاص بالقتل- من الردع عن القتل. فكم من رجل يريد أن يقتل فتمنعه مخافة أن يقتل من القتل. فكان في شرع القصاص سبب حياة النفسين على الأقل. فإذا أضفنا قضايا الثأر غير المعقول من قتل غير القاتل ثأرا كما هي عادتهم في الجاهلية عرفناكم في القصاص من حياة يا أُولِي الْأَلْبابِ أي: يا أولي العقول والأفهام. دل ذلك على أن غير أولي العقول هم الذين لا يرون القصاص، وتالله إنهم لكذلك، وما أكثرهم في عصرنا، وما أكثرهم في بلادنا. لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ: أي: لعلكم تنزجرون وتتركون محارم الله ومآثمه، ومنها القتل. قال القرطبي: (والمراد هنا- أي بقوله تعالى: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ- القتل، فتسلمون من القصاص. ثم يكون ذلك داعية لأنواع التقوى في غير ذلك. فإن الله يثيب بالطاعة على الطاعة).

стр. 384

أقول: في الآية إشارة إلى أن القصاص يحقق تقوى الأفراد، ويحقق تقوى الأمة. فوائد: ١ - قال القرطبي: (روى البخاري والنسائي والدارقطني عن ابن عباس قال: «كان في بني إسرائيل القصاص، ولم تكن فيهم الدية. فقال الله لهذه الأمة: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى. الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى. فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ. فالعفو أن يقبل الدية في العمد. فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ. يتبع بالمعروف ويؤدي بإحسان. ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ. مما كتب على من كان قبلكم. فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ: قتل بعد قبول الدية». هذا لفظ البخاري .. وقال الشعبي في قوله تعالى: الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى. قال: «أنزلت في قبيلتين من قبائل العرب اقتتلتا. فقالوا: نقتل بعبدنا فلان ابن فلان، وبأمتنا فلانة بنت فلان» ونحوه عن قتادة .. أقول: وخصوص السبب لا يمنع عموم اللفظ، فعلى هذا فالآيات تحرم قتل غير القاتل وتوجب القصاص إلا إذا كان صلح فالدية هي البديل. ٢ - دلت هذه الآيات على أن مرتكب الكبيرة- حتى ولو كانت القتل العمد- مؤمن، للوصف بالإيمان بعد وجود القتل، ولبقاء الأخوة الثابتة بالإيمان، ولاستحقاق التخفيف والرحمة. وفي القتل ثلاثة حقوق: حق الله الذي انتهك بالاعتداء على خلقه، وحق القتيل الذي اعتدي على حياته، وحق أهل القتيل الذين فجعوا بقتيلهم. والدية أو القتل إنما هما في مقابل حق أهل القتيل، ويبقى حق الله، وحق القتيل. فمن تاب توبة نصوحا فإن الله مرجو أن يعفو عنه، وأن يرضي عنه قاتله، ويدخله الجنة. ٣ - في قوله تعالى: فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ إن أرجعنا ذلِكَ إلى العفو وقبول الدية، كان المعنى ما ذكرنا. ولكن إذا أرجعناه إلى ما قبل ذلك كله، أصبح معنى العدوان أوسع. فدخل في ذلك من قتل غير القاتل. إذن الحكم قتل القاتل، أو العفو عنه، فمن تجاوز هذا وهذا فقد اعتدى. ٤ - في تعريف القصاص، وتنكير الحياة، بلاغة بينة. وأعظم من عبر عن بلاغة هذا المقام، مصطفى صادق الرافعي في كتابه الرائع: (تحت راية القرآن) إذ بين أن في هذا المقام من البلاغة ما يفوق أبلغ كلمة قالتها العرب في هذا الباب. وهي قولهم: «القتل

стр. 385

أنفى للقتل». من وجوه عدة، ذكرها فليراجع. فما أعظم هذا القرآن الذي لا يحيط بعظمته إلا من أنزله. ٥ - نلاحظ أن القصاص مفروض إقامته على المسلمين. ولما كان القصاص لا تستطيعه إلا دولة وحكومة، فقد وجب على المسلمين إذن إقامة الحكومة الإسلامية التي تؤمن بالإسلام وتحكم به. إذ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وهذا الواجب من أهم الواجبات الإسلامية التي غفل عنها المسلمون في عصرنا، فتعطلت أحكام الله وتعطلت شريعته. ٦ - دلت آية: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ على أن التقوى لا تتم إلا بسلطان وحكم وعقوبة. ومن ثم قال عثمان ﵁: «إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن» فلا تقوى على الكمال والتمام إلا بوجود الحكومة الإسلامية، التي تطبق أحكام الله ٧ - روى الإمام أحمد عن أبي شريح الخزاعي أن النبي ﷺ قال: «من أصيب بقتل أخيه، فإنه يختار إحدى ثلاث: إما أن يقتص، وإما أن يعفو، وإما أن يأخذ الدية. فإن أراد الرابعة، فخذوا على يديه. ومن اعتدى بعد ذلك فله نار جهنم خالدا فيها». وعن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لا أعافي رجلا قتل بعد أخذ الدية». قال ابن كثير في تفسيره: (يعني لا أقبل منه الدية بل أقتله). ٨ - هناك اتجاه عالمي في منع القصاص بالقتل. يحاول كثير من الكتاب أن يثيروا الشفقة على القاتل. ويدعوا إلى رفع عقوبة الإعدام، ومن الآية نفهم أن أمثال هؤلاء لا عقول لهم، ولو كان لهم عقول، لرأوا من خلال التجربة كيف أن أكثر البلاد أجهزة أمن؛ كأمريكا، هي أكثرها جريمة؟! لعدم وجود العقوبات العادلة. وكيف أن أقل البلاد أجهزة أمن عند ما تقام بها شريعة الإسلام هي أقلها جريمة؟! مسائل . ١ - فرضت الآيات القصاص وذكرت أن الحر يقتل بالحر، والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى. وهنا تثور أسئلة: هل يقتل الحر بالعبد؟ هل يقتل الرجل بالمرأة؟ هل يقتل المسلم بالكافر؟. ذهب أبو حنيفة: إلى أن الحر يقتل بالعبد، والرجل بالمرأة، والمسلم بالذمي لعموم آية المائدة: أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ.

стр. 386

وذهب جمهور العلماء إلى أن الحر لا يقتل بالعبد، وأن المسلم لا يقتل بالكافر لقوله ﵊ في حديث البخاري: «لا يقتل مسلم بكافر». وقد حمل الحنفية هذا النص على الكافر الحربي. فإنه لا يقتل به مسلم ولا ذمي. وقال الحسن وعطاء: (لا يقتل الرجل بالمرأة لهذه الآية). وخالفهم الجمهور لآية المائدة، ولقوله ﵊: «المسلمون تتكافأ دماؤهم». وقال الليث: (إذا قتل الرجل امرأته، لا يقتل بها خاصة). وقد خولف في ذلك. ٢ - قال مالك في المشهور عنه، وأبو حنيفة وأصحابه، والشافعي، وأحمد في أحد قوليه: ليس لولي الدم أن يعفو على الدية إلا برضا القاتل. وقال الباقون: له أن يعفو عليها، وإن لم يرض القاتل، وعليه الدية. ٣ - مذهب الأئمة الأربعة، والجمهور أن الجماعة يقتلون بالواحد. قال عمر في غلام قتله سبعة فقتلهم: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم. ولا يعرف له في زمانه مخالف من الصحابة، وذلك كالإجماع. وحكي عن الإمام أحمد رواية أن الجماعة لا يقتلون بالواحد، ولا يقتل بالنفس إلا نفس واحدة. وحكاه ابن المنذر عن معاذ، وابن الزبير، وعبد الملك بن مروان، والزهري، وابن سيرين، وحبيب بن أبي ثابت. ثم قال ابن المنذر: (وهذا أصح. ولا حجة لمن أباح قتل الجماعة. وقد ثبت عن ابن الزبير ما ذكرناه. وإذا اختلف الصحابة، فسبيله النظر). ٤ - عند ما يكون للقتيل أولياء، فإن أيا ممن له الولاية المباشرة يحق له أن يعفو. وبالتالي يسقط القصاص، وتجب الدية وذهب طائفة من السلف إلى أنه ليس للنساء عفو. منهم الحسن، وقتادة، والزهري، وابن شبرمة، والليث، والأوزاعي. وخالفهم الباقون. ٥ - مما يشهد لمن ذهب أن الحر يقتل بالعبد، ولو كان سيدا له. الحديث: «من قتل عبده قتلناه، ومن جدع عبده جدعناه، ومن خصاه خصيناه». ٦ - هل تعتبر آية كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ .. من باب المنسوخ، نسختها آية: النَّفْسَ بِالنَّفْسِ؟. ذهب إلى ذلك طائفة من العلماء. والموضوع متعلق بتعريف النسخ، وما يدخل ضمنه، إذ إن آية المائدة لم تلغ ما دخل في هذه الآية بل وضحته، أو زادت عليه. فهذه الآية خصصت الحكم بنوع، وتخصيصها

стр. 387

بنوع لا ينفيه عن نوع آخر. بل يبقى الحكم موقوفا على ورود دليل آخر. وقد جاء الدليل في سورة المائدة. شبهة: يحاول بعض الخبثاء؛ وبعض الجاهلين أن ينسفوا التشريع الإسلامي بحجة كثرة الأقوال والمذاهب في بعض المسائل. والجواب: ١ - ما اختلف فيه لا يكون علة لنسف ما لم يختلف فيه. فمثلا في مسألتنا لم يختلف في قتل المسلم بالمسلم، أو في قتل الكافر بالمسلم. فالاختلاف في شئ لا يعني الاختلاف في كل شئ. فإذا كانوا صادقين بأنهم مؤمنون مسلمون، فليسلموا بما لا خلاف فيه، وليطبقوه. على أن ما اختلف فيه، سبيله النظر، الترجيح بطرق الترجيح التي يعتمدها أهل الحل والعقد في هذه الأمة. ٢ - إن ما اختلف فيه لا ينبغي أن يكون سببا لترك الشريعة. إذ هو حجة للشريعة إذ إن الأقوال الكثيرة في المسألة الواحدة، تجعلنا أمام خيار واسع، نختار منها ما يصلح لزماننا، وقطرنا، وحالنا. على شرط أن يكون الاختيار من أهله، ومراعى فيه الدليل، ومتحققة فيه المصلحة. ٣ - في الشريعة الإسلامية أعطي الإمام أو نائبه حق الترجيح والاختيار لما اختلف فيه من آراء. وفي ذلك ضمان لوحدة التشريع والقانون. فالاختلافات المذهبية إذن لا تعني عدم وحدة القانون المطبق على الأمة، أو على قطر من أقطارها. فكم من ميزة لهذا الإسلام ينكرونها ليجعلوها مأخذا. محل هذه الفقرة من السياق: رأينا أن سورة البقرة بدأت بوصف المتقين في مقدمتها. ثم جاء السياق ب يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ليدعو الناس أن يكونوا من المتقين بسلوك طريق ذلك. وطريق ذلك: العبادة لله وحده بمفهومها الواسع الذي بينه السياق حتى نهاية آية البر. ثم جاء هذا المقطع ليذكر لنا طريقا مساعدا للتقوى، وهو القصاص وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ.

стр. 388

فلا تقوى إلا بقصاص، ولا قصاص إلا بدولة وحكومة، ولا نكون من المتقين المهتدين بهدي كتاب الله- وهي الصفة الأولى من صفات المتقين- حتى نقيم القصاص بإقامة الدولة التي تقيمه، ورقابتها، ومحاسبتها. فليعلم ذلك الذين يظنون أن التقوى مجرد صلاة، وليعلم ذلك الذين لا يبذلون أدنى جهد صحيح لإقامة حكم الله في الأرض. فالسياق إذن ماض على نسق واحد هو الدعوة إلى التقوى، بتبيانها، وتبيان طريقها، وتعميق مفاهيمها. توضيح هام: التقوى: هي تنفيد ما يطالب به كل إنسان من كتاب الله، وسنة رسوله. والمحاسبة تكون على التقصير ضمن الوسع. فمثلا أنا كمسلم لا أستطيع أن أطبق حكم القصاص بمفردي. ولكي أبرئ ذمتي عند الله علي أن أبذل جهدا من أجل الوصول إلى تطبيق حكم القصاص والعمل ضمن وسعي، إما بالسعي نحو إقامة الحكومة الإسلامية حال فقدها، أو بتذكيرها حال وجودها، أو بالسعي نحو العفو في كل حال. الفقرة الثانية: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ* فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ* فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. اتجاهات المفسرين في هذه الفقرة: هل الآية الأولى في هذه الفقرة منسوخة بآية المواريث الموجودة في سورة النساء؟ أو أن آية المواريث مفسرة لها؟ أو أن آية المواريث إنما رفعت حكم بعض أفراد ما دل عليه عموم آية الوصية؟. ثلاثة أقوال في الآية، الذي عليه عامة الفقهاء هو الأول. والذي نقله الرازي عن أبي مسلم الأصفهاني هو الثاني ثم قال أي الرازي: (وهو قول أكثر المفسرين، والمعتبرين من الفقهاء). والقول الثالث ذهب إليه الكثير، منهم ابن عباس، والحسن، ومسروق، وطاوس، والضحاك، ومسلم بن يسار، والعلاء بن زياد، وغيرهم. وسنرى أنه من الناحية العملية لا يترتب على هذا الخلاف كبير أمر في موضوع التطبيق. وإنما الموضوع مرتبط بذوقية تذوق القرآن، وبانسجام الفهم للنص مع مجموعة النصوص. وسنشرح الآية شرحا حرفيا وكليا على ضوء القول الأول، ثم الثاني، ثم الثالث.

стр. 389

شرح الآية على القول الأول: اشتملت هذه الآية الكريمة على الأمر بالوصية للوالدين والأقربين. وقد كان ذلك واجبا قبل نزول آية المواريث. فلما نزلت آية الفرائض نسخت هذه وصارت المواريث المقدرة فريضة من الله، يأخذها أهلوها حتما من غير وصية ولا تحمل منة الموصي. فإذا اتضح هذا، صار المعنى الحرفي: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ: أي فرض عليكم إذا دنا الموت من أحدكم فظهرت عليه أماراته. إِنْ تَرَكَ خَيْراً: أي ترك ما لا كثيرا. وحدده ابن عباس بستين دينارا فما فوق الْوَصِيَّةُ أي فرضت الوصية قضاء لحق القرابة والوالدين. لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ أي بالرفق والإحسان. حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ: أي واجبا على الذين يتقون الله. فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ أي فمن بدل الوصية وحرفها، فغير حكمها، وزاد فيها، أو نقص- ويدخل في ذلك الكتمان لها بطريق الأولى- فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ: أي إثم التبديل على المبدل دون غيره من الموصي والموصى له. لأنهما بريئان من الحيف. وللميت الأجر. إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ: أي قد اطلع على ما أوصى به الميت، وهو عليم بذلك، وبما بدله المبدلون. فهو سميع لقول الموصي، عليم بجور المبدل فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ: أي من علم منه. جَنَفاً أَوْ إِثْماً. الجنف: هو الميل عن الحق بالخطإ، والإثم: هو الميل المتعمد عن الحق هنا. فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ: أي بين الموصى لهم وهم الوالدان والأقربون، بأن يعدل عن الذي أوصى به الميت إلى ما هو أقرب الأشياء وأشبهها بالحق والعدل. فهذا الإصلاح والتوفيق ليسا من التبديل في شئ. فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ: في هذا التبديل. لأن تبديله تبديل باطل إلى حق. وقيل هذا في حال حياة الموصي. أي فمن حضر وصيته فرآه على خلاف الشرع فنهاه عن ذلك وحمله على الصلاح، فلا إثم على هذا الموصي بما قال أولا. أو فلا إثم على هذا الناصح. إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ: يغفر لمن أصلح ويرحمه. أو يغفر لمن وقع في الخطأ ثم تراجع عنه، ويرحمه. هذا شرح الآيتين على القول بأنهما منسوختان. نسختهما آيات المواريث. وأما شرح الآيتين على القول الثاني فهو: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ: أي فرض عليكم

стр. 390

أيها المسلمون إذا مات أحدكم وترك مالا أن تنفذوا ما وصاكم الله به في صلة الوالدين والأقربين. والتي حددها الله في هذه الحالة بآيات الميراث فيما بعد. بِالْمَعْرُوفِ: أي بالعدل وذلك بإعطاء كل ذي حق حقه، كما حدده الله تعالى. قال ﵊ بعد أن أنزلت آيات الميراث: «إن الله قد أعطى لكل ذي حق حقه. فلا وصية لوارث». حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ: إن تطبيق هذه الوصية وإعطاء الوارثين حقوقهم أمر واجب على المتقين. فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ: فمن بدل حكم الله في قضايا الإرث بعد ما سمعه فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ: فإنما إثم التبديل على من فعله. إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً: أي فمن خاف من مورث أوصى جنفا: أي خطأ بأن زاد وارثا بواسطة أو وسيلة كما لو أوصى ببيعه الشئ الفلاني محاباة، أو أوصى لابن بنته ليزيدها، أو نحو ذلك من الوسائل. إما مخطئا غير عامد، بل بطبعه وقوة شفقته من غير تبصر أو متعمدا آثما. فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ: بأن أرجع الأمور إلى نصابها في تطبيق حكم الله في قضايا الإرث. فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ، بل هو مأجور لإقامة أمر الله. إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وعلى هذا الاتجاه فهذه الفقرة مقدمة لآيات الميراث وبإطلاقها تطبق على مرحلة ما قبل نزول آيات الميراث، فهي تمهيد لما بعدها وحل مؤقت لبعض الأمور. شرح الفقرة على القول الثالث: القول الثالث: أن هذه الآية ثابتة فيمن لا يرث، منسوخة فيمن يرث. فالأقربون أعم ممن يرث أو من لا يرث. فرفع حكم من يرث بما عين له. وبقي الآخر على ما دلت عليه الآية الأولى. وهذا الاتجاه لا يصح إلا إذا اعتبرنا أن الوصية في الأصل كانت ندبا، وبقيت مندوبة. وعلى هذا ف كُتِبَ في الآية، المراد بها على رأي هؤلاء، ندب. وهذا يخالف ظاهر الآية وسياقها. إلا إذا اعتبرنا قوله تعالى: حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ في الآية تخصيصا. بمعنى أن هذا على من اتقى كالفريضة. إذ التقي يأخذ بالعزيمة من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين. فعلى هذا فإن في آية الميراث في سورة النساء حكما مستقلا، لأهل الفروض والعصبات رفع به حكم هذه الآية بالنسبة لهم بالكلية. وبقي الأقارب الذين لا ميراث لهم. يستحب للمسلم أن يوصي لهم من الثلث استئناسا بآية الوصية، وشمولها. وللأحاديث الواردة في ذلك. فلنذكرها أولا. ثم نشرح الآية على ضوء ذلك.
следующие страницы →