Полный текст (6 440 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.
стр. 3256
للكافرين من خلال تقرير الحقيقة المخالفة لتصوراتهم، والدليل على أن الآيات الخمس السابقة عالجت تصورات فاسدة للكافرين هو ابتداء الآية اللاحقة من المجموعة الثانية بقوله تعالى: أَمِ في الآية أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ إن (أم) التي بمعني بل والهمزة، والتي تعطف نوع عطف ما بعدها على كلام سابق، تدل على أن الآيات الأولى من المجموعة الثانية كانت تسجل موقفا للكافرين من خلال العرض المقابل لأفكارهم، فلنستمر في عرض آيات المجموعة الثانية:
...
أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ أي بل اتخذوا آلهة من الأرض، فبسبب ذلك غفلوا عن اليوم الآخر وعن الحساب وأعرضوا عن الوحي وعن الذكر هُمْ يُنْشِرُونَ أي يحيون، أي هل هذه الآلهة تحيي وتعيد الحياة حتى عبدوها؟ أو هل هذه الآلهة الأرضية التي اتخذوها تحيي الموتى فهم مطمئنون إذا بعثتهم أنها لا تعذبهم؟، والمعنى: إن الله وحده هو الذي سيحييهم بعد مماتهم؛ فعليهم أن يعبدوه وحده ويتقوه
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ أي غير الله لَفَسَدَتا أي لخربتا والمعنى: لو كان يدبر أمر السماوات والأرض آلهة شتى غير الواحد الذي هو فاطرهما لفسدتا فَسُبْحانَ اللَّهِ أي تنزيها له رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ من أن له شريكا
لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ لأنه المالك على الحقيقة وَهُمْ يُسْئَلُونَ لأنهم مملوكون خطاءون فما أخلقهم بأن يقال لهم لم فعلتم عن كل شئ فعلوه؟ وإذن فالله وحده هو الإله الذي يحيي الموتى، وهو وحده الذي يدبر أمر السماء والأرض، وهو وحده الذي يسأل ولا يسأل، فإذا كان الأمر كذلك فكيف يغفل الغافلون، وكيف يعرض المعرضون، وكيف ينسى حسابه الناس أجمعون، وكيف إلى ذكره لا يستمعون واجفين؟
أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً من الأرض، أو من السماء؛ فبسبب ذلك هم غافلون عن حسابه، معرضون عن ذكره؟! قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ أي حجتكم على ذلك هذا أي القرآن ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ أي ذكر أمتي وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي يعني: ذكر أمم الأنبياء من قبلي، يعني هذا القرآن وهذه الكتب المتقدمة على خلاف ما تقولونه وتزعمونه فكل كتاب أنزل على كل نبي أرسل ناطق بأنه لا إله إلا الله، وإذا كان الأمر كذلك فلم يبق مبرر لإعراضكم سوى أنكم جاهلون، ومن ثم ختمت الآية بقوله تعالى بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ لأجل ذلك، أي لأجل جهلهم الحق مُعْرِضُونَ أي عن الحق.
стр. 3257
نقول:
بمناسبة قوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا قال صاحب الظلال (وهناك الدليل الكوني المستمد من واقع الوجود: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا ..
فالكون قائم على الناموس الواحد الذي يربط بين أجزائه جميعا؛ وينسق بين أجزائه جميعا، وبين حركات هذه الأجزاء وحركة المجموع المنظم .. هذا الناموس الواحد من صنع إرادة واحدة لإله واحد.
فلو تعددت الذوات لتعددت الإرادات. ولتعددت النواميس تبعا لها- فالإرادة مظهر الذات المريدة. والناموس مظهر الإرادة النافذة- ولانعدمت الوحدة. التي تنسق الجهاز الكوني كله، وتوحد منهجه واتجاهه وسلوكه، ولوقع الاضطراب والفساد تبعا لفقدان التناسق .. هذا التناسق الملحوظ الذي لا ينكره أشد الملحدين؛ لأنه واقع محسوس.
وإن الفطرة السليمة التي تتلقى إيقاع الناموس الواحد للوجود كله، لتشهد شهادة فطرية بوحدة هذا الناموس، ووحدة الإرادة التي أوجدته، ووحدة الخالق المدبر لهذا الكون المنظم المنسق، الذي لا فساد في تكوينه ولا خلل في سيره).
وبمناسبة قوله تعالى: لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ قال صاحب الظلال:
ومتى كان المسيطر على الوجود كله يسأل، ومن ذا الذي يسأله، وهو القاهر فوق عباده، وإرادته طليقة لا يحدها قيد من إرادة أخرى، ولا حتى من الناموس الذي ترتضيه هي وتتخذه حاكما لنظام الوجود. والسؤال والحساب إنما يكونان بناء على حدود ترسم، ومقياس يوضع والإرادة الطليقة هي التي تضع الحدود والمقاييس، ولا تتقيد بما تضع للكون من الحدود والمقاييس إلا كما تريد، والخلق مأخوذون بما تضع لهم من تلك الحدود فهم يسألون.
وإن الخلق ليستبد بهم الغرور أحيانا فيسأل سؤال المنكر المتعجب: ولماذا صنع الله هكذا.؟ وما الحكمة في هذا الصنيع؟ وكأنما يريدون ليقولوا: إنهم لا يجدون الحكمة في ذلك الصنيع.
وهم يتجاوزون في هذا حدود الأدب الواجب في حق المعبود، كما يتجاوزون حدود
стр. 3258
الإدراك الإنساني القاصر الذي لا يعرف العلل والأسباب والغايات، وهو محصور في حيزه المحدود.
إن الذي يعلم كل شئ، ويدبر كل شئ، ويسيطر على كل شئ، هو الذي يقدر ويدبر ويحكم. لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ
وبمناسبة الآية نفسها قال الألوسي:
(وهذا الحكم في حقه تعالى عام لجميع أفعاله سبحانه ويندرج فيه خلق الكفرة وإيجادهم، ووجه حل السؤال الناشئ مما تقدم بناء على ما يشير إليه هذا الجواب الإجمالي أنه تعالى خلق الكفرة- بل جميع المكلفين- على حسب ما علمهم عليه في أنفسهم لأن الخلق مسبوق بالإرادة والإرادة مسبوقة بالعلم، والعلم تابع للمعلوم، فيتعلق به على ما هو عليه في ثبوته الغير المجعول، بما يقتضيه استعداده الأزلي، وقد يشير إلى بعض ذلك قول الشافعي عليه الرحمة من أبيات:
خلقت العباد على ما علمت ... ففي العلم يجري الفتى والمسن
ثم بعد أن خلقهم على حسب ذلك كلفهم لاستخراج ما سبق به العلم التابع للمعلوم من الطوع والإباء اللذين في استعدادهم الأزلي وأرسل الرسل مبشرين ومنذرين لتتحرك الدواعي، ويهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة، ولا يكون للناس على الله تعالى حجة فلا يتوجه على الله تعالى اعتراض بخلق الكافر، وإنما يتوجه الاعتراض على الكافر بكفره، حيث إنه من توابع استعداده في ثبوته الغير المجعول، وقد يشير إلى ذلك قوله سبحانه وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ وقوله ﵊ «فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه» وهذا وإن كان مما فيه قيل وقال ونزاع وجدال إلا أنه مما ارتضاه كثير من المحققين والأجلة العارفين. (أقول: علم الله أزلا وأراد أزلا فذكر السبق للإفهام وللإلزام)
وأقول: إن قوله تعالى: لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ لا ينفي البحث عن الحكمة في تشريعه وأفعاله، إن المنهي عنه السؤال للاعتراض، قال الألوسي ناقلا عن ابن القيم ﵀، في موضوع وجود الحكمة في أفعاله وتشريعه: (وقال العلامة أبو عبد الله محمد بن أبي بكر الدمشقي الحنبلي المعروف بابن القيم في كتاب شفاء العليل: إن الله حكيم لا يفعل شيئا عبثا ولا لغير معنى ومصلحة وحكمة، بل أفعاله
стр. 3259
سبحانه صادرة عن حكمة بالغة لأجلها فعل، وقد دل كلامه تعالى وكلام رسوله ﷺ على هذا في مواضع لا تكاد تحصى، ولا سبيل إلى استيعاب أفرادها، فنذكر بعض أنواعها، وساق اثنين وعشرين نوعا في بضع عشرة ورقة ثم قال: لو ذهبنا نذكر ما يطلع عليه أمثالنا من حكمة الله تعالى في خلقه وأمره، لزاد ذلك على عشرة آلاف موضع، ثم قال: وهل إبطال الحكم والمناسبات، والأوصاف التي شرعت الأحكام لأجلها إلا إبطال الشرع جملة؟ وهل يمكن فقيها على وجه الأرض أن يتكلم في الفقه مع اعتقاده بطلان الحكمة والمناسبة والتعليل. وقصد الشارع بالأحكام مصالح العباد؟ ثم قال: والحق الذي لا يجوز غيره، هو أنه سبحانه يفعل بمشيئته وقدرته وإرادته، ويفعل ما يفعل بأسباب وحكم، وهذا قول جمهور أهل الإسلام، وأكثر طوائف النظار، وهو قول الفقهاء قاطبة) أهـ.
كلمة في السياق:
أحصت هذه المجموعة من الآيات مجموعة الأسباب التي تجعل هؤلاء يغفلون عن الحساب ويعرضون عن الحق، وفندتها كلها، وأبطلتها، وإذا كان الأمر كذلك فليس إلا الجهل هو سبب الغفلة والإعراض.
إن الصلة بين هذه المجموعة وسياق السورة الخاص من حيث إن السورة تعلل أسباب الغفلة والإعراض وتفندها، واضحة، وقد مر معنا ما فيه الكفاية في ذلك، والصلة بين هذه المجموعة، وبين محور السورة من سورة البقرة كذلك واضحة ففي سورة البقرة:
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ وهذه المجموعة تبين علة كفر هؤلاء، وهي الجهل الذي يترتب عليه إعراض، ومن اجتمع له الجهل والإعراض، فهو لا يسمع ولا يرغب أن يسمع، ومن ثم فالكلام معه وعدمه سواء.
فوائد:
١ - دل قوله تعالى أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ على أن من لا يملك النشر- أي إحياء الموتى- لا يصح أن يكون إلها وإذا كان الله تعالى وحده هو القادر على كل شئ، فهو وحده القادر على النشر، فهو وحده الإله، وفي ذلك تقريع لمن نسي الحساب، وتقريع لمن اتخذ معه إلها.
٢ - من أعظم الأدلة التي ذكرها القرآن على التوحيد هو قوله تعالى لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا
стр. 3260
ويسمي العلماء هذا الدليل على الوحدانية ببرهان التمانع، وقد شغل هذا البحث عشرات الصفحات من كتب المصنفين في علم الكلام، وأنت تعجب عند ما تقرأ هذه المباحث الطويلة، كيف أن هذا التعبير القصير يدخل إلى القلب، وإلى العقل، بما لا مزيد عليه، ثم إنه يعجز البشر عن أن يستوعبوا حدود آفاقه، وبمناسبة هذا النص ذكر الألوسي كلاما كثيرا للعلماء فيما سمي- باصطلاح العلماء- ببرهان التمانع، ونحن ننقل لك هاهنا عنه بعض ما نقله عن الدواني: قال الدواني: (إن للتمانع عندهم معنيين: أحدهما إرادة أحد القادرين وجود المقدور، والآخر عدمه، وهو المراد بالتمانع في البرهان المشهور ببرهان التمانع، وثانيهما إرادة كل منهما إيجاده بالاستقلال من غير مدخلية قدرة الآخر فيه، وهو التمانع الذي اعتبروه في امتناع مقدور بين قادرين، وقولهم لو تعدد الإله لم يوجد شئ من الممكنات؛ لاستلزامه أحد المحالين، إما وقوع مقدور بين قادرين، وإما الترجيح بلا مرجح، وحاصل البرهان عليه: أنه لو وجد إلهان قادران على الكمال، لأمكن بينهما تمانع، واللازم باطل؛ إذ لو تمانعا وأراد كل منهما الإيجاد بالاستقلال يلزم: إما أن لا يقع مصنوع أصلا، أو يقع بقدرة كل منهما، أو بأحدهما. والكل باطل، ووقوعه بمجموع القدرتين مع هذه الإرادة يوجب عجزهما؛ لتخلف مراد كل منها عن إرادته، فلا يكونان إلهين قادرين على الكمال، وقد فرضا كذلك؛ ومن هنا ظهر أنه على تقدير التعدد لو وجد مصنوع لزم إمكان أحد المحالين، إما إمكان التوارد، وإما إمكان الرجحان من غير مرجح، والكل محال؛ وبهذا الاعتبار- مع حمل الفساد على الكون- قيل بقطعية الملازمة في الآية فهي دليل إقناعي من وجه، ودليل قطعي من وجه آخر والأول بالنسبة إلى العوام والثاني بالنسبة إلى الخواص.
٣ - عرفنا الله على ذاته تعريفا كاملا بالقدر الذي يحتاجه الإنسان، وتقوم به الحجة على الإنسان في التدليل على وجود الله، وعلى اتصافه بالصفات العليا، والأسماء الحسنى، وبالقدر الذي تقوم به الحجة على حكمة الله في أفعاله وأحكامه، وبالقدر الذي يحتاجه المكلف، وتقوم به الحجة على التكليف، وعلى الجزاء والعقاب،
أما ما فوق ذلك فقد أخبرنا الله عن ذاته بقوله: وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً إن كثيرين من الناس يوغلون في بعض المباحث إلى الحد الزائد عما تقوم به الحجة، وهاهنا يقعون في الخطأ لأن هذا مقامه لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ فمثلا: في الدعوة إلى الله علينا أن نبرهن على أن الله موجود، وعلى أنه أرسل رسولا، وعلى أنه
стр. 3261
أنزل وحيا، وعلينا أن نعرف على الله، وعلى أن الإنسان مسئول أمامه، وفي عملية التعريف على الله نذكر أن كل شئ بعلمه وإرادته وقدرته، وفي عملية التعريف على مسئولية الإنسان نثبت أن الإنسان مكلف مختار، ونبرهن على أن اختيار الإنسان لا يتنافى مع إحاطة العلم والإرادة والقدرة، لأن القدرة تعمل على وفق الإرادة، والإرادة تعمل على وفق العلم، والعلم كاشف لا مجبر، عند هذا الحد يقف الكلام، فلو جادلنا مجادل فقال: لم أراد الله ما أراد؟ نقول: الحكمة معروفة وموجودة، ولكن ما بعد ذلك لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ إن معرفة هذا الموضوع من أهم ما ينبغي أن يعرفه المسلم، ومن أعظم ما ينبغي أن يتذكره الإنسان في سيره العقلي إلى الله: لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ
لم خلق الله الشر؟ لم خلق الألم في هذه الدنيا؟ الجواب: لكل ذلك حكمة يمكن البحث عنها، ولكن في النهاية لا بد أن يكون واضحا أن أحدا ليس من حقه أن يسأل الله فالله هو الرب، وهو الذي من حقه أن يسأل، إن التسليم لله تعالى هو غاية العقل، وهو غاية الحكمة أما أنه هو غاية العقل فلأن بداهة الفطرة تقول: إن الله وحده له العلم المحيط، والحكمة البالغة؛ ومن ثم فلا يحيط بأسرار فعله إلا هو، فغاية العقل أن يعرف حدوده بالتسليم لله، وأما أن التسليم لله غاية الحكمة، فلأن الاعتراض دأب الجاهلين، ولم يكن جاهل في يوم ما حكيما، إن الإنسان مقامه العبودية لله، والمسئولية أمامه، فإذا قلب الإنسان الآية فإنه يكون من الجاهلين بجلال الله لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ
٤ - نلاحظ أنه قد ذكر موضوع اتخاذهم الآلهة مرتين في هذه المجموعة: الأولى أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ والثانية أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً.
فما حكمة ذلك؟
يلاحظ أنه قيدت الإلهية المتخذة في الآية الأولى بالأرض، بينما لم تقيد في الآية الثانية، فكأن الآية الثانية تتحدث عن اتخاذهم آلهة من الأرض وغيرها، وللنسفي تعليل آخر قال: (الإعادة لزيادة الإفادة، فالأول للإنكار من حيث العقل، والثاني من حيث النقل، أي وصفتم الله تعالى بأن يكون له شريك، فقيل لمحمد: قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي هذا نقلي وذاك عقلي اهـ) عن النسفي بتصرف.
٥ - فسرنا قوله تعالى: هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي أن المراد بذكر
стр. 3262
من معي القرآن الذي هو ذكر هذه الأمة، وأن المراد بذكر من قبلي: الكتب السابقة، ولكننا نحتمل أن يكون المراد القرآن في المرتين، فالقرآن فيه ذكر هذه الأمة، وفيه الذكر الذي أنزل على كل الأمم السابقة، وعلى القول الأول فقد دل قوله تعالى هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي على أن الكتب السماوية كلها قد دعت إلى التوحيد الخالص، وهذا شئ بديهي فيها، ومع أنها الآن محرفة ومبدلة- كما أثبتنا ذلك أكثر من مرة- فإنه بقي فيها حتى الآن ما يدل على أن التوحيد الخالص هو دعوة الأنبياء جميعا، وقد حاول سيف الله أحمد فاضل في تعقيباته على إنجيل برنابا أن ينقل طرفا من ذلك فاستوعبت نظرته كتب العهد القديم والجديد، قال: وقد وردت لا إله إلا الله في أسفار العهد القديم والجديد (الكتب التي يؤمن بها اليهود والمسيحيون حاليا) وأبين بعضها فيما يلي: (لا تصنعوا لكم أوثانا ولا تقيموا لكم تمثالا أو نصبا ولا تجعلوا في أرضكم حجرا مصورا لتسجدوا له؛ لأني أنا الرب إلهكم) (سفر اللاويين ٢٦: ١) أي أن كل حجر مصور لا يمكن أن يكون إلها بل هو وثن.
(الرب هو الإله ليس آخر سواه) (سفر التثنية ٤: ٣٥) (اسمع يا إسرائيل الرب إلهنا رب واحد. فتحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل قوتك) (سفر التثنية ٦: ٤، ٥) أي لا تحب إلا الرب بكل ما أعطيت (فاعلم أن الرب إلهك هو الله الإله الأمين الحافظ العهد والإحسان للذين يحبونه). (سفر التثنية ٧: ٩) (فالآن يا إسرائيل ماذا يطلب منك الرب إلهك إلا أن تتقي الرب إلهك لتسلك في كل طرقه وتحبه وتعبد الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك) (سفر التثنية ١٠: ١٢) (الرب إلهك تتقي إياه تعبد) أي تعبده لا تعبد غيره (وباسمه تحلف) (سفر التثنية ١٠: ١٢) أي إذا حلفت فاحلف باسم الله- وفي سفر التثنية ١٣: ٤ (وراء الرب إلهكم تسيرون وإياه تتقون ووصاياه تحفظون وإياه تعبدون).
(انظروا الرب إلهكم تسيرون وإياه تتقون ووصاياه تحفظون» .. (وإياه تعبدون).
انظروا الآن. أنا أنا هو وليس إله معي. أنا أميت وأحيي. سحقت وإني أشفي وليس من يدي مخلص). (سفر التثنية ٣٢: ٣٩) - وتعني ليس من يدي مخلص: أي أنه لا شفيع ولا وكيل من دونه (ليس قدوس مثل الرب لأنه ليس غيرك) (سفر صموئيل الأول ٢: ٢)، (ولا تحيدوا عن الرب بل اعبدوا الرب بكل قلوبكم. ولا تحيدوا.
لأن ذلك وراء الأباطيل التي لا تفيد ولا تنقذ لأنها باطلة). (سفر صموئيل الأول:
١٢: ٢٠، ٢١). (لذلك قد عظمت أيها الرب الإله لأنه ليس مثلك وليس إله
стр. 3263
غيرك). (سفر صموئيل الثاني ٧: ٢٢): (أيها الرب إله إسرائيل ليس إله مثلك). (سفر الملوك الأول ٨: ٣٣) «ليعلم كل شعوب الأرض أن الرب هو الله وليس آخر). (سفر الملوك الأول: ٨: ٦٠) (الرب هو الله الرب هو الله) (سفر الملوك الأول ١٨: ٣٩) (أصنام الأمم فضة وذهب عمل أيدي الناس. لها أفواه لا تتكلم. لها أعين لا تبصر. لها آذان ولا تسمع. كذلك ليس في أفواهها نفس. مثلها يكون صانعوها وكل من يتكل عليها. يا بيت إسرائيل باركوا الرب ... ) (من مزمور ١٣٥: ١٥: ٢٠) (اتق الله واحفظ وصاياه لأن هذا هو الإنسان كله) (سفر الجامعة ١٢: ١٣) (أنا الرب هذا اسمي لا أعطيه لآخر) (سفر أشعياء ٤٢: ٨) (إني أنا هو. قبلي لم يصور إله وبعدي لا يكون. أنا أنا الرب وليس
غيري مخلص) (سفر أشعياء ٤٣: ١٠، ١١) (أنا الأول والآخر ولا إله غيرى) .. (وما أعلمتك منذ القدم وأخبرتك فأنتم شهودي. هل يوجد إله غيري) (سفر أشعياء ٤٤: ٨) (أنا الرب وليس آخر. لا إله سواي. نطقتك وأنت لم تعرفني لكي يعلموا من مشرق الشمس ومن مغربها أن ليس غيري. أنا الرب وليس آخر) (سفر أشعياء ٤٥: ٥، ٦) (أنا الرب وليس آخر) (سفر أشعياء ٤٥: ١٨) (أليس أنا الرب ولا إله غيري، إله بار ومخلص ليس سواي التفتوا إلي وأخلصوا يا جميع أقاصي الأرض لأني أنا الله وليس آخر) سفر أشعياء ٤٥: ٢١) (اذكروا الأوليات من القديم لأني أنا الله وليس آخر الإله وليس مثلي) سفر أشعياء ٤٦: ٩ «وإني أنا الرب إلهكم وليس غيري) سفر يوئيل ٢: ٧٢).
وفي إنجيل مرقص يقول المسيح ﵇: (إن أول كل الوصايا: هي اسمع يا إسرائيل الرب إلهنا رب واحد وتحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك ومن كل قدرتك هذه هي الوصية الأولى) (إنجيل مرقص ١٢: ٢٩، ٣٠) فقال له الكاتب (وهو نيقوديموس على ما بينه إنجيل برنابا) (بالحق قلت لأن الله واحد وليس آخر سواه) (إنجيل مرقس ١٢: ٣٢) فأعجب المسيح ﵇ برده وقال له: (لست بعيدا عن ملكوت الله .. (إنجيل مرقص ١٢: ٣٤).
***
стр. 3264
المجموعة الثالثة
وهي تمتد من الآية (٢٥) إلى نهاية الآية (٣٣) وهذه هي
[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٢٥ الى ٣٣]
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥) وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩)
أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ (٣٠) وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنا فِيها فِجاجاً سُبُلاً لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣١) وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ (٣٢) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٣٣)
التفسير:
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ أي وحدوني، فكل نبي بعثه الله يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له والفطرة شاهدة بذلك أيضا، والمشركون لا برهان لهم وحجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد، وعن لا إله إلا الله التي بعث بها الرسل ينبثق كل خير، وكل فضل.
стр. 3265
قال الألوسي: (في مفتاح السعادة لابن القيم أنه لولا النبوات لم يكن في العالم علم نافع البتة، ولا عمل صالح، ولا صلاح في معيشة، ولا قوام لمملكة، ولكان الناس بمنزلة البهائم والسباع العادية، والكلاب الضارية التي يعدو بعضها على بعض، وكل خير في العالم فمن آثار النبوة، وكل شر وقع في العالم أو سيقع فبسبب خفاء آثار النبوة ودروسها، فالعالم جسد روحه النبوة، ولا قيام للجسد بدون روحه، ولهذا إذا انكسفت شمس النبوة من العالم، ولم يبق في الأرض شئ من آثارها البتة، انشقت سماؤه، وانتثرت كواكبه، وكورت شمسه، وخسف قمره، ونسفت جباله، وزلزلت أرضه، وأهلك من عليها، فلا قيام للعالم إلا بآثار النبوة).
كلمة في السياق:
ما الصلة بين هذه الآية وما سبقها؟ نلاحظ أنه ورد قبل هذه الآية قوله تعالى أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً كما ورد قبل ذلك قوله تعالى أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ ومن ثم فبعد أن رد أكثر من رد على اتخاذ الإنسان مع الله إلها، جاءت هذه الآية لتؤكد أن كل رسول بعث بالتوحيد فحجة الله قائمة على البشر.
أما الصلة بين هذه الآية وسياق السورة الخاص فتجده إذا تذكرت قول الكافرين كما قصه الله علينا بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ فهذه الآية تقول إن الأولين قد أرسلوا بالتوحيد، وهذا محمد ﷺ أرسل بالتوحيد ورسالته مؤكدة لرسالات الرسل من قبله، فلماذا يطالبون بالآيات، ويرفضون المضمون، وهو مضمون كل رسالة لله، ولماذا يسمون هذه الرسالة هذه الأسماء وينعتونها هذه النعوت؟ وهي استمرار لرسالات الله.
وبعد أن يصل السياق إلى هذه الآية يعرض لنا السياق قولا جديدا من أقوال الكافرين بعد كان قولهم الأول: هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ وقولهم الثاني: بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ وقولهم الجديد الذي سنعرضه الآن هو: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً قائل هذا القول بعض قبائل العرب، كخزاعة التي كانت تزعم أن الملائكة بنات الله، كما أنه قول النصارى في المسيح، وقول طائفة من اليهود في عزير، وقول الكثير من البشر في أنبيائهم على مر العصور، وقد ذكر الله هذا القول
стр. 3266
بعد أن بين أن كل الرسل بعثوا بالتوحيد وبعبادة الله وحده وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ نزه الله ذاته عن ذلك بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ أي بل هم عباد مكرمون
مشرفون مقربون، فهو إذا اتخذ يتخذ عبادا ويكرمهم، ولا يتخذ أولادا فالعبودية تنافي الولادة
لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ أي لا يسبقونه بقولهم، فهم في غاية الأدب، ويدخل في ذلك الملائكة والأنبياء، إذ المعنى: أنهم يتبعون قوله، فلا يسبق قولهم قوله، ولا يتقدمون قوله بقولهم وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ فهم في غاية الطاعة، فكما أن قولهم تابع لقوله فعملهم أيضا مبني على أمره، لا يعملون عملا لم يؤمروا به، فهم في غاية الأدب وهم في غاية الطاعة
يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ أي ما قدموا وأخروا من أعمالهم وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى أي لمن ﵁، وقال لا إله إلا الله وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ أي خائفون
وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ أي من ادعى منهم أنه إله من دون الله، أي مع الله فَذلِكَ القائل نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ وهذا على سبيل الفرض والتمثيل لتحقق عصمتهم كَذلِكَ أي مثل ذلك الجزاء نَجْزِي الظَّالِمِينَ أي الكافرين الذين وضعوا الإلهية في غير موضعها.
كلمة في السياق:
الصلة بين هذه الآيات الأربع من المجموعة الثالثة وما قبلها، من حيث إن جعل الملائكة أولادا يتنافى مع التوحيد، فلا يتفق مع توحيد الله أن يكون له ولد؛ إذ للولد أحكام الأب، وبالتالي يكون هناك لله شريك، والله منزه عن الشريك، فالآيات ذكرت اتجاها شركيا للكافرين، وردت عليه في سياق التأكيد على التوحيد.
والصلة بين هذه الآيات الأربع وسياق السورة: أنها قصت لنا قولا جديدا من أقوال أهل الشرك والكفر، وردت عليه، لتأتي بعد ذلك أربع آيات تنفي كل ما مر من أقوالهم ومواقفهم، فلنر بقية آيات المجموعة الثالثة.
...
أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً أي كانتا شيئا واحدا، أو كانت السماء لا تمطر والأرض لا تنبت فَفَتَقْناهُما أي ففصلنا السماء عن الأرض، على القول الأول. أو تشققت الأرض بالنبات، وجعلنا السماء تمطر على
стр. 3267
القول الثاني، وفي هذه الآية ثلاث معجزات كما سنرى في الفوائد وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أي خلقنا من الماء كل حيوان، ويمكن أن تفهم الآية على أن فيها تشبيها تقديره: كأنما خلقنا كل شئ من الماء لفرط احتياجه إليه وحبه له، وقلة صبره عنه أَفَلا يُؤْمِنُونَ مع رؤيتهم هذا الذي يدل على وجود الله بشكل قطعي
وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أي جبالا أرسى الله الأرض بها وثقلها أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ أي لئلا تضطرب بكم وَجَعَلْنا فِيها فِجاجاً سُبُلًا أي طرقا واسعة لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ بها إلى البلاد المقصودة
وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً أي بالشهب عن الشياطين وَهُمْ أي الكفار عَنْ آياتِها أي عن الأدلة التي فيها، كالشمس والقمر والنجوم وغير ذلك مُعْرِضُونَ أي غير متفكرين فيها فيؤمنون
وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ نفسيهما أو المراد مكانهما وهو الأرض، وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ أي كلهم أي الأرض والشمس والقمر، أو الليل والنهار والشمس والقمر فِي فَلَكٍ أي في سماء قال ابن عباس: الفلك هو السماء يَسْبَحُونَ سائرين.
ملاحظة في السياق:
لاحظ قوله تعالى في هذه الآيات أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا .. وقوله تعالى أَفَلا يُؤْمِنُونَ وصلة ذلك بمحور السورة إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ولاحظ قوله تعالى: وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ وصلة ذلك بقوله تعالى في أول السورة: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ ولنا عودة على السياق
نقل:
بمناسبة قوله تعالى أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً قال صاحب الظلال: (وتقريره أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقتا، مسألة جديرة بالتأمل تقدمت النظريات الفلكية في محاولة تفسير الظواهر الكونية، فحامت حول هذه الحقيقة التي أوردها القرآن الكريم منذ أكثر من ثلاث مائة وألف عام. فالنظرية القائمة اليوم هي أن المجموعات النجمية- كالمجموعة الشمسية المؤلفة من الشمس وتوابعها ومنها الأرض والقمر- كانت سديما. ثم انفصلت وأخذت أشكالها الكروية. وأن الأرض كانت قطعة من الشمس ثم انفصلت عنها وبردت.
стр. 3268
ولكن هذه ليست سوى نظرية فلكية. تقوم اليوم وقد تنقض غدا. وتقوم نظرية أخرى تصلح لتفسير الظواهر الكونية بفرض آخر يتحول إلى نظرية. ونحن أصحاب هذه العقيدة- لا نحاول أن نحمل النص القرآني المستيقن على نظرية غير مستيقنة تقبل اليوم وترفض غدا. لذلك لا نحاول في هذه الظلال أن نوفق بين النصوص القرآنية والنظريات التي تسمى علمية. وهي شئ آخر غير الحقائق العلمية الثابتة القابلة للتجربة كتمدد المعادن بالحرارة، وتحول الماء بخارا وتجمده بالبرودة .. إلى آخر هذا النوع من الحقائق العلمية. وهي شئ آخر غير النظريات العلمية- كما بينا من قبل في الظلال.
إن القرآن ليس كتاب نظريات علمية ولم يجئ ليكون علما تجريبيا كذلك. إنما هو منهج للحياة كلها. منهج لتقديم العقل ليعمل وينطلق في حدوده ولتقويم المجتمع
ليسمح للعقل بالعمل والانطلاق. دون أن يدخل في جزئيات وتفصيليات علمية بحتة.
فهذا متروك للعقل بعد تقويمه وإطلاق سراحه.
وقد يشير القرآن أحيانا إلى حقائق كونية كهذه التي يقررها هنا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما ونحن نستيقن هذه الحقيقة لمجرد ورودها في القرآن. وإن كنا لا نعرف منه كيف كان فتق السموات والأرض. أو فتق السموات عن الأرض.
ونتقبل النظريات الفلكية التي لا تخالف هذه الحقيقة المجملة التي قررها القرآن. ولكننا لا نجري بالنص القرآني وراء أية نظرية فلكية. ولا نطلب تصديقا للقرآن في نظريات البشر وهو حقيقة مستيقنة، وقصارى ما يقال: إن النظرية الفلكية القائمة اليوم لا تعارض المفهوم الإجمالي لهذا النص القرآني السابق عليها بأجيال).
نقل:
بمناسبة قوله تعالى: وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً قال صاحب الظلال:
(والسماء كل ما علا، ونحن نرى فوقنا ما يشبه السقف. والقرآن يقرر أن السماء سقف محفوظ. محفوظ من الخلل بالنظام الكوني الدقيق، ومحفوظ من الدنس باعتباره رمزا للعلو الذي تنزل منه آيات الله .. )
فوائد:
١ - في تفسير قوله تعالى رَتْقاً في قوله تعالى أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً اتجاهان رئيسيان ذكرهما ابن كثير مع غيرهما.
стр. 3269
الأول: قاله ابن عباس وهذا هو: (كانت السموات رتقا لا تمطر وكانت الأرض رتقا لا تنبت فلما خلق للأرض أهلا فتق هذه بالمطر وفتق هذه بالنبات) وهذا الاتجاه في التفسير يتفق مع ما يقوله علماء الكون. فعلماء الكون يقولون: إن الأرض كانت كتلة نارية ولهم أدلة في ذلك تكاد تجعل المسألة من باب القطعيات، فإذا كان الأمر كذلك فإن الأرض كانت أيام ذلك لا تنبت وكانت سماؤها لا تمطر.
الاتجاه الثاني قاله سعيد بن جبير وهذا هو كما نقله ابن كثير: (بل .. كانت السماء والأرض ملتزقتين فلما رفع السماء وأبرز منها الأرض كان ذلك فتقهما الذي ذكر الله في كتابه) وهذا الكلام نفسه يتفق مع أدق النظريات العلمية في عصرنا، فالملاحظات العامة في هذا الكون أن بعض المجرات تنطلق بسرعة هائلة خارجة عن مركز الكون، مما يدل على أن هذا الكون كان ملتزقا، وكان كتلة واحدة، ويؤكد ذلك أنه من خلال طيف الإشعاعات تأكد أن مادة الكون واحدة وهناك نظرية أخرى لا تتحدث عن الكون كله وإنما عن المجموعة الشمسية أنها كانت كتلة واحدة وكل من هاتين النظريتين العلميتين تتفق مع قول سعيد بن جبير في الآية.
فعلى تفسير ابن عباس أو تفسير سعيد بن جبير فإن الآية أشارت إلى شئ لم يعرفه الإنسان إلا متأخرا. والملاحظ أن الذين طرحوا كلا من النظريتين الكافرون، فكأنه في قوله تعالى أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا إشارة إلى أن الكافرين سيكتشفون هذه الحقائق ويبرهنون عليها، وفي ذلك كله مظاهر من إعجاز هذا القرآن، الذي لا تتناهى عجائبه، وهنا يثور سؤال يثيره النسفي ويرد عليه. قال النسفي: فإن قيل متى رأوهما رتقا حتى جاء تقريرهم بذلك؟ حتى ألزمهم الله بحجيتها عليهم (قلنا- القول للنسفي- إنه وارد في القرآن الذي هو معجزة فقام مقام المرئي المشاهد). أقول:
فكم في هذه الآية من حجة وكم فيها من معجزة؟!
٢ - فهم بعضهم من قوله تعالى وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ أن الميدان هو الدوران. ففهم من الآية أن الأرض لا تدور، وهذا فهم خاطئ فإن الجبال تمنع الميدان وهو الاضطراب، ولا تتحدث عن الدوران، وهذا الذي ذكره القرآن، هو الذي دلل العلم الحديث عليه بوسائله المتوفرة، إذ من المعلوم علميا أنه لولا الجبال لكانت القشرة الأرضية في حالة تشققات دائمة، بسبب تزحلق القشرة الأرضية على طبقة السيما وهي الطبقة الثانية في الأرض وبالتالى فإن الزلازل تكون دائمة والبراكين
стр. 3270
مستمرة ففيما ذكره القرآن معجزة علمية من معجزاته الكثيرة.
٣ - وفي قوله تعالى وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ إشارة إلى دوران الأرض إذ لما قال كُلٌّ والتي تشير إلى الجمع دل على أن السابحين أكثر من اثنين والليل والنهار ليسا جرمين، بل الأرض هي الجرم السابح الذى يشبه الشمس والقمر، فالسابحون في الآية ثلاثة: الشمس، والقمر والثالث محل الليل والنهار وهو الأرض، وبالتالي فالآية تشير إلى الدوران قبل أن تطرح نظرية الدوران طرحها العالمي المعروف، وفي ذلك معجزة أخرى من معجزات القرآن.
٤ - بمناسبة قوله تعالى: وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ يذكر ابن كثير ما أخرجه ابن أبي حاتم عن أبي هريرة أنه قال: يا نبي الله إذا رأيتك قرت عيني وطابت نفسي فأخبرنا عن كل شئ قال: «كل شئ خلق من ماء».
وذكر ابن كثير ما أخرجه الإمام أحمد .... عن أبي هريرة قال: قلت يا رسول الله اذا رأيتك طابت نفسي، وقرت عيني فأنبئني عن كل شئ قال: «كل شيء خلق من الماء» قال: قلت أنبئني عن أمر إذا عملت به دخلت الجنة قال: «أفش السلام وأطعم الطعام وصل الأرحام وقم بالليل والناس نيام ثم ادخل الجنة بسلام»
أقول: الذى ذكره الحديثان شئ آخر ليس له علاقة بموضوعنا؛ فالحدثان يشيران إلى قوله تعالى وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ وقد ذكرنا في سورة هود بعض معلومات عصرنا، إن الفارق بين العناصر المكونة لهذا الكون إنما هو في عدد البروتونات والألكترونات، وأبسط العناصر على الإطلاق هو عنصر الهدروجين الذي تتألف ذرته من اليكترون واحد وبروتون واحد، ومن المعلوم أن الهدروجين هو العنصر الأصيل في الماء، فلا تعجب أن يكون أصل هذا الكون هو الماء.
كلمة في السياق:
لفت الله نظر الكفار في الآيات الأربع الأخيرة إلى أصل السموات والأرض وأصل الحياة، وإلى ظاهرة العناية في خلق الجبال، وخلق الفجاج وإلى حفظ السماء من الشياطين، وإلى ظاهرة العناية في خلق الليل والنهار، وسباحة الشمس والقمر والأرض في هذا الفلك الكبير، وفي لفت النظر إلى هذا ما يخرجهم من الكفر إلى الإيمان لو عقلوا، ومن ثم قال في الآية الأولى أَفَلا يُؤْمِنُونَ كما أن في هذا ما يخرجهم من
стр. 3271
الإعراض إلى الإقبال لو تفكروا، ومن ثم قال في الآية الثالثة وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ فالآيات هذه تعالج الإعراض، وتعالج الكفر، وفي ذلك مظهر من مظاهر صلة هذه الآيات بالسياق، وفي لفت النظر إلى هذا تعريف على الله وكمال قدرته وعظمته وفي ذلك رد لما زعموه في حق الله من الولد وتقرير لوجوب توحيده وعبادته، وهذا مظهر من مظاهر الصلة في السياق ومثقف هذا العصر يدرك أن ذكر هذه الآيات في هذا السياق هو أعظم رد على قولهم عن القرآن بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ إن كتابا يتحدث عن السماوات والأرض كما رأينا في الآيات الأربع لا يمكن أن يكون كما وصفوه، بل لا يمكن أن يكون إلا من عند الله، وإذن فهذه الآيات إذ تعرض مظهرا من مظاهر عظمة الله، ترد على من زعم أن لله ولدا وتذكر بوحدانيته وضرورة عبادته، وترد على ما زعمه الكافرون عن هذا القرآن، وتؤكد علم الله المحيط كما أنها توقظ من الغفلة، وتخرج من الإعراض، ولذلك صلة بما سبق من السورة.
وإذا تأملنا المجموعة الثالثة وهي التي استقرت على الآيات الأربع، وبحثنا عن صلتها بمحور سورة الأنبياء من سورة البقرة إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ فإننا نلاحظ أن أول آية في الآيات الأربع ختمت بقوله تعالى أَفَلا يُؤْمِنُونَ والآية الثالثة منها ختمت بقوله تعالى وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ فالآيات تقرر أن الكافرين في وضع من قيام الحجة عليهم لا يبقى معه مبرر لكفرهم، ومع ذلك فهم في وضع نفسي يبعدهم عن الإيمان لإعراضهم عن الآية وما تشير إليه وما تدل عليه.
***
стр. 3272
المجموعة الرابعة
وتمتد من الآية (٣٤) إلى الآية (٤٠) وهذه هي:
[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٣٤ الى ٤٠]
وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ (٣٤) كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ (٣٥) وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ (٣٦) خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ (٣٧) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٨)
لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٣٩) بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٤٠)
التفسير:
وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أي البقاء الدائم في الدنيا أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ كانوا يؤملون أن يموت ويعيشوا بعده، فنفى الله عنه الشماتة بهذا، وبين أنهم إلى الفناء، والمعنى: قضى ألا يخلد في الدنيا بشر، أفإن مت أنت أيبقى هؤلاء؟
ثم قال تعالى كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ فذلك مقتضى قهره تعالى وَنَبْلُوكُمْ أي ونختبركم بِالشَّرِّ كالفقر والضر وَالْخَيْرِ الغنى والنفع فِتْنَةً أي اختبارا وابتلاء والله تعالى عالم بما سيكون من أعمال العاملين قبل وجودهم وإنما أسماه اختبارا لأنه فيما يظهر في صورة الاختبار وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ فنجازيكم على حسب ما يوجد منكم من الصبر والشكر. والمعنى: نختبركم بالمصائب تارة وبالنعم أخرى. بالشدة تارة وبالرخاء
стр. 3273
أخرى، بالصحة تارة وبالسقم أخرى فننظر من يشكر ومن يكفر ومن يصبر ومن يقنط، ومن يفز ومن يخسر، والله أعلم بما هم فاعلون قبل أن يفعلوا، ولكنه يحاسبهم على فعلهم لتقوم عليهم الحجة.
نقل:
بمناسبة قوله تعالى وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً قال صاحب الظلال:
(والابتلاء بالشر مفهوم أمره. ليتكشف مدى احتمال المبتلى، ومدى صبره على الضر ومدى ثقته في ربه، ورجائه في رحمته .. فأما الابتلاء بالخير فهو في حاجة إلى بيان .. إن الابتلاء بالخير أشد وطأة، وإن خيل للناس أنه دون الابتلاء بالشر، إن كثيرين يصمدون للابتلاء بالشر، ولكن القلة القليلة هي التي تصمد للابتلاء بالخير ..
كثيرون يصبرون على الابتلاء بالمرض والضعف. ولكن قليلين هم الذين يصبرون على الابتلاء بالصحة والقدرة. ويكبحون جماح القوة الهائجة في كيانهم، الجامحة في أوصالهم.
كثيرون يصبرون على الفقر والحرمان فلا تتهاوى نفوسهم ولا تذل، ولكن قليلين هم الذين يصبرون على الثراء والوجدان، وما يغريان به من متاع، وما يثيرانه من شهوات وأطماع
كثيرون يصبرون على التعذيب والإيذاء فلا يخيفهم، ويصبرون على التهديد والوعيد فلا يرهبهم. ولكن قليلين هم الذين يصبرون على الإغراء بالرغائب والمناصب والمتاع والثراء.
كثيرون يصبرون على الكفاح والجراح، ولكن قليلين هم الذين يصبرون على الدعة والمراح، ثم لا يصابون بالحرص الذي يذل أعناق الرجال وبالاسترخاء الذي يقعد الهمم ويذلل الأرواح.
إن الابتلاء بالشدة قد يثير الكبرياء. ويستحث المقاومة ويجند الأعصاب فتكون القوى كلها معبأة لاستقبال الشدة والصمود لها. أما الرخاء فيرخي الأعصاب وينيمها ويفقدها القدرة على اليقظة والمقاومة.
لذلك يجتاز الكثيرون مرحلة الشدة بنجاح، حتى إذا جاءهم الرخاء سقطوا في
стр. 3274
الابتلاء: وذلك شأن البشر .. إلا من عصم الله فكانوا ممن قال فيهم رسول الله ﷺ :
«عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن. إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له» وهم قليل.
فاليقظة للنفس في الابتلاء بالخير أولى من اليقظة لها في الابتلاء بالشر والصلة بالله في الحالين هي وحدها الضمان ... )
كلمة في السياق:
مر معنا من قبل قوله تعالى وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ في أول رد على من يتصور أن الرسول لا ينبغي أن يكون بشرا، وهاهنا يكمل الله الرد، فهناك يقول وَما كانُوا خالِدِينَ وهاهنا يبين الله أن سنته في البشرية كلها الموت، وأنه جعل الحياة وما فيها اختبارا وابتلاء للإنسان، فالعبرة في النجاح في الامتحان، ومن ثم فانتظار الكافرين موت الرسول شماتة خطأ في التصور، وتصورهم أن المفروض بالرسول ألا يموت خطأ في التصور، لأنهم بذلك لا يعرفون سنة الله في خلقه، وقد دلت الآيتان على أن الكافرين كانوا يستعجلون موت الرسول ﷺ ويتمنون وبعد أن سجل الله هذا الموقف لهم من خلال الرد عليهم، يذكر الآن موقفا آخر:
...
وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أي ما يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أي يستهزءون بك وينتقصونك يقولون: أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ يعنون أهذا الذي يسب آلهتكم ويسفه أحلامكم وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ أي بذكر الله، وما يجب أن يذكر به من الوحدانية، أو بذكر الرحمن الذي هو القرآن هُمْ كافِرُونَ أي جاحدون أي لا يصدقون أصلا به أي فهم أحق أن يتخذوا هزوا، وهم على حال هي أصل الهزء والسخرية، وهي الكفر بالله تعالى
خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ أي خلق عجلا سَأُرِيكُمْ آياتِي أي نعمي وحكمي واقتداري على من عصاني فَلا تَسْتَعْجِلُونِ أي بالإتيان بها.
قال صاحب الظلال بمناسبة قوله تعالى: خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ (فالعجلة في
стр. 3275
طبعه وتكوينه. وهو يمد ببصره دائما إلى ما وراء اللحظة الحاضرة، يريد ليتناوله بيده، ويريد ليحقق كل ما يخطر له بمجرد أن يخطر بباله، ويريد أن يستحضر كل ما يوعد به ولو كان في ذلك ضرره وإيذاؤه .. ذلك إلا أن يتصل بالله فيثبت ويطمئن، ويكل الأمر له فلا يتعجل قضاءه. والإيمان ثقة وصبر واطمئنان).
وقال ابن كثير: (والحكمة في ذكر عجلة الإنسان هاهنا أنه لما ذكر المستهزئين بالرسول ﷺ وقع في النفوس سرعة الانتقام منهم واستعجلت ذلك فقال الله تعالى له خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ لأنه تعالى يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته يؤجل ثم يعجل وينظر ثم لا يؤخر
وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أي إتيان العذاب يقولون هذا تكذيبا وجحودا وكفرا وعنادا واستبعادا والجواب
لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ أي لو يعلمون الوقت الذي يستعجلونه بقولهم متى هذا الوعد؟! وهو وقت تحيط بهم فيه النار من وراء وقدام، فلا يقدرون على دفعها ومنعها من أنفسهم، ولا يجدون ناصرا ينصرهم لما كانوا بتلك الصفة من الكفر والاستهزاء والاستعجال، ولكن جهلهم به هو الذي هونه عندهم
بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً أى بل تأتيهم الساعة فجأة، أو بل تأتيهم النار فجأة فَتَبْهَتُهُمْ أي فتحيرهم وتذعرهم فيستسلمون لها حائرين لا يدرون ما يصنعون فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها أي ليس لهم حيلة في ذلك أي فلا يقدرون على دفعها وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ أي ولا هم يمهلون أي لا يؤخر عنهم ذلك ساعة واحدة.
كلمة في السياق:
١ - مرت معنا حتى الآن مقدمة السورة وأربع مجموعات: المجموعة الأولى بدأت بقوله تعالى ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ
والمجموعة الثانية بدأت بقوله تعالى: وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ
والمجموعة الثالثة بدأت بقوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ.
والمجموعة الرابعة بدأت بقوله تعالى: وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ.
فالملاحظ أن كلمة (ما) أو (وما) هي بداية المجموعات الأربع، وسنرى أن آخر
стр. 3276
مجموعة في السورة تبدأ بكلمة (وما) وهي المجموعة التي بدايتها الآية وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ وفيما بين المجموعة الرابعة، والمجموعة الأخيرة، سنجد أربع مجموعات، كل منها علامته كلمة (ولقد) المجموعات الثلاث الأولى منها تبدأ الآيات الأولى منها بكلمة (ولقد) والمجموعة الرابعة تنتهي آياتها بآية مبدوءة بكلمة (ولقد) وتكاد تكون المجموعات التي علامتها كلمة (ولقد) استمرار للمجموعة الرابعة التي مرت معنا.
٢ - سجلت المجموعة الرابعة موقفين للكافرين: تمني موت رسول الله ﷺ ، والاستهزاء به وبأقواله، وعالجت كلا من الموقفين، مفندة له محذرة أهله، ومنذرة لهم وواصفة لهم ما الذي أمامهم. والآن تأتي مجموعة هي استمرار لهذه المجموعة إذ تبين أن استهزاء هؤلاء ليس جديدا في تاريخ البشرية مع الرسل.
المجموعة الخامسة
وتمتد من الآية (٤١) إلى نهاية الآية (٤٧) وهذه هي:
[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٤١ الى ٤٧]
وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٤١) قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ (٤٣) بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَفَهُمُ الْغالِبُونَ (٤٤) قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ (٤٥)
وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (٤٦) وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ (٤٧)
стр. 3277
ملاحظات حول السياق:
١ - نلاحظ أنه يوجد في هذه المجموعة قوله تعالى: بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ وهذا يذكرنا بالآية الأولى من هذه السورة اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ وهذا يبين صلة المجموعة بسياق السورة الخاص.
٢ - نلاحظ أنه يوجد في هذه المجموعة قوله تعالى قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ وهذا يذكرنا بمحور السورة من سورة البقرة:
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ لاحظ معنى الختم على الأسماع في المحور ولاحظ كلمة الصُّمُّ في المجموعة.
التفسير:
وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ هذه تسلية لرسول الله ﷺ عن استهزائهم، بأن له بالأنبياء أسوة حسنة وأن ما يفعلونه به سيحيق بهم عقابه كما حاق بالمستهزئين بالأنبياء ما فعلوا، ومن ثم قال فَحاقَ أي حل ونزل بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ يعني من العذاب الذي كانوا يستبعدون وقوعه،
وبعد أن سلى الله رسوله ﷺ ، وبين له أن عاقبة هؤلاء كعاقبة أولئك، إن استمروا على استهزائهم. أمره أن يقول: قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ أي يحفظكم بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ أي ليلا ونهارا مِنَ الرَّحْمنِ أي من عذابه؟ والجواب: لا أحد، ولكن لما كانوا من الغفلة والإعراض والتصامم بحيث ليس عندهم استعداد حتى للسماع فضلا عن الفهم، فضلا عن الإجابة الصحيحة، قال تعالى بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ
ثم قرر الله أنه وحده هو الكافي، وبالتالي فهو القادر على إنزال العذاب متى شاء، قرر ذلك من خلال هذا السؤال الإنكاري التقريعي التوبيخي أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا أي ألهم آلهة
стр. 3278
تمنعهم وتكلؤهم غيرنا؟ ليس الأمر كما توهموا ما زعموا، ولهذا قال: لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ أي هذه الآلهة التي استندوا إليها من دون الله لا تستطيع نصر أنفسها وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ أي ولا هؤلاء الآلهة المزعومة يعانون ويوفقون من الله، وما ليس بقادر على نصر نفسه ومنعها ولا بمصحور من الله بالنصر والتأييد كيف يمنع غيره وينصره؟
ثم قال تعالى: بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أي إن ما الكافرون فيه من الحفظ والكلاءة إنما هو من الله، لا من مانع يمنعهم وما كلأهم الله وآباءهم الماضين إلا تمتيعا لهم بالحياة الدنيا، وإمهالا كما متعنا غيرهم من الكفار وأمهلناهم، حتى طال عليهم الأمد فقست قلوبهم وظنوا أنهم دائمون على ذلك، وهو أمل كاذب أَفَلا يَرَوْنَ أي كدليل على أن الأمر أمر الله، وأن أحدا لا يمنع منه أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ لدولة ما نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها فنقلص سلطانهم عليها، إدالة عليهم لدولة أخرى أَفَهُمُ الْغالِبُونَ الذين يغلبون جند الله ورسله؟ لا. بل الله ورسوله وجندهم الغالبون، ولنا عودة على تفسير هذه الآية،
ثم أمر الله رسوله أن يقول لهم: قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ إنما أخوفكم من العذاب بالقرآن الذي هو وحي الله إلي، فليس ما أنذركم به من عندي وليس كلاما كبقية الكلام، بل هو كلام الله المحيط علما، القادر القهار، إلا أن الله أفهم رسوله ﷺ بعد أن أمره أن يقول ذلك لتقوم على الكافرين الحجة: أن هذا الكلام لا يجدي مع من أعمى الله بصيرته، وختم على سمعه وقلبه. ولهذا قال: وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ أي هؤلاء صم ولا يسمعون ما تدعوهم إليه إِذا ما يُنْذَرُونَ أي إذا ما يخوفون، فعندهم صمم عن الإنذار،
ثم بين أن هؤلاء على هذه المنهجية والكبر إذا مسهم أدنى عذاب غيروا واعترفوا فالحماقة والجهل والكبر تجعلهم يستمرون على ما هم عليه: وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ أي دفعة يسيرة، أي أدنى شئ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ معترفين يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ أي ولئن مسهم من هذا الذي ينذرون به أدنى شئ لذلوا ودعوا بالويل على أنفسهم، وأقروا حين تصاموا وأعرضوا، فاثبت على ما أنت عليه، وانتظر فيهم ما وعدناك، وها هو يوم القيامة آت
وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ أي العدل لِيَوْمِ الْقِيامَةِ
قال ابن كثير: الأكثر على أنه إنما هو ميزان واحد، وإنما جمع باعتبار تعدد الأعمال الموزونة فيه، وقال النسفي: وإنما جمع لتعظيم شأنها فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً ولو قليلا.
فلا ظلم هناك وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها أي أحضرناها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ أي عالمين حافظين.
стр. 3279
نقل:
بمناسبة قوله تعالى: بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها؟ أَفَهُمُ الْغالِبُونَ قال صاحب الظلال: (فهو المتاع الطويل الموروث الذي أفسد فطرتهم، والمتاع ترف، والترف يفسد القلب ويبلد الحس، وينتهي إلى ضعف الحساسية بالله، وانطماس البصيرة دون تأمل آياته وهذا هو الابتلاء بالنعمة حين لا يستيقظ الإنسان لنفسه ويراقبها، ويصلها دائما بالله، فلا تنساه.
ومن ثم يلمس السياق وجدانهم بعرض المشهد الذي يقع كل يوم في جانب من جنبات الأرض حيث تطوى رقعة الدولة المتغلبة وتنحسر وتتقلص. فإذ هي دويلات صغيرة وكانت إمبراطوريات. وإذ هي مغلوبة على أمرها وكانت غالبة. وإذ هي قليلة وكانت كثيرة. وإذ هي قليلة الخيرات وكانت فائضة الخيرات.
والتعبير يرسم يد القدرة وهي تطوي الرقعة وتنقص الأطراف وتزوي الأبعاد. فإذا هو مشهد ساحر فيه الحركة اللطيفة وفيه الرهبة المخيفة! أَفَهُمُ الْغالِبُونَ؟ فلا يجري عليهم ما يجري على الآخرين).
كلمة في سياق المجموعة الخامسة:
هذه المجموعة تبين ما هو الموقف المكافئ لموقف الكافرين الذي سجلته المجموعة السابقة، وهو أن الكافرين يستهزءون بالرسول ودعوته، ووعيده لهم وإنذاره، وهاهنا يبين الله الموقف المكافئ لذلك، وهو: أن يعلم الرسول ثم من بعده من أمته. أن الاستهزاء بالرسل دأب الكافرين في كل زمان، وأن الله سينتقم، وأن الله سيحاسب، وأن هؤلاء مغرورون، فهم ضعفاء جبارون، وأن سبب غرورهم هو إمداد الله لهم وقد أمر الله رسوله ﷺ أن يقيم عليهم الحجة بأكثر من معنى: في عجز آلهتهم وفي انتصارات المسلمين في المآل وفي قوة الوحي وأحقية القرآن.
كلمة في سياق السورة:
نلاحظ أن السورة ابتدأت بقوله تعالى: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ ونلاحظ أن كلمة الإعراض تكررت أكثر من مرة في السورة قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ بَلْ هُمْ عَنْ
стр. 3280
ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ
إن مجموعة صور للإعراض يذكرها السياق: إعراضهم عن السماع، إعراضهم عن التدبر، إعراضهم عن الإجابة على السؤال المذكر لهم بالله.
وكل ذلك يقرر عدم استفادتهم من الإنذار بسبب منهم.
هذا الإعراض سببه تصوراتهم الفاسدة عن موضوع الرسالة والرسول، أو آرائهم الفاسدة عن موضوع الالهية وقد رد الله عليهم ذلك كله، وأعلم الحق فيه لتقوم الحجة عليهم كاملة.
وكل ذلك بلغة التذكير، فالسورة نموذج على كون هذا القرآن ذكرا.
كلمة في سياق السورة وارتباطه بمحورها:
إن محور السورة إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ.
ومن بداية السورة حتى آخر ما وصلنا إليه نلاحظ أن هناك تأكيدا لموضوع عدم استفادة الكافرين من الإنذار؛ مع كون السورة تنذر وتأمر الرسول ﷺ بالإنذار. ومن بداية السورة حتى آخر ما وصلنا إليه منها تجد صورا من العذاب العظيم المعد لهؤلاء الكافرين.
ومن بداية السورة حتى آخر ما وصلنا إليه منها تجد صورا من الإنذار وإقامة الحجة تدلل على أن العلة في رفض الهدى هي: أنفس هؤلاء الكافرين ومواقفهم؛ ومن ثم
فإذا ختم الله على قلوبهم فلذنوبهم ولاستحقاقهم ذلك.
وإذن فالسورة مع كونها تفصل في موضوع العذاب الذي يستحقه الكافرون، وتؤكد عدم استفادتهم من الإنذار بسبب مرضهم، إلا أنها لا تبقي حجة ولا شبهة ولا كلمة ولا موقفا لهؤلاء إلا وتعالجه. وقبل أن نعرض المجموعة السادسة ومحلها من السورة وكيف وصل السياق إليها فلنذكر بعض الفوائد التي لها صلة بالمجموعتين الرابعة والخامسة.
стр. 3281
الفوائد:
١ - استدل بعض العلماء بقوله تعالى وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ على أن الخضر ﵇ مات وليس بحي لأنه بشر سواء كان وليا أو نبيا أو رسولا، وهو موضوع كثر الأخذ والرد فيه بين طوائف من الناس، وأكثر الفقهاء على هذا الرأي
٢ - وصف الله الإنسان بأنه خلق من عجل، وقد ورد هذا في معرض ذم الاستعجال فكيف نوفق بين كون الإنسان خلق من عجل، وبين ذم الاستعجال؟
قال النسفي (وإنما منع عن الاستعجال وهو مطبوع عليه كما أمره بقمع الشهوة وقد ركبها فيه؛ لأنه أعطاه القوة التي يستطيع بها قمع الشهوة وترك العجلة)
وبمناسبة قوله تعالى خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ قال ابن كثير: (قال مجاهد خلق الله آدم بعد كل شئ من آخر النهار من يوم خلق الخلائق، فلما أحيا الروح عينيه ولسانه ورأسه ولم يبلغ أسفله قال: يا رب استعجل بخلقي قبل غروب الشمس»
٣ - قال ابن كثير في قوله تعالى أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها: (اختلف المفسرون في معناه وقد أسلفناه في سورة الرعد وأحسن ما فسر بقوله تعالى: وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى وَصَرَّفْنَا الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ وقال الحسن البصري يعني بذلك ظهور الإسلام على الكفر، والمعنى: أفلا يعتبرون بنصر الله لأوليائه على أعدائه، وإهلاكه الأمم المكذبة والقرى الظالمة، وإنجائه لعباده المؤمنين، ولهذا قال أَفَهُمُ الْغالِبُونَ يعني: بل هم المغلوبون الأسفلون الأخسرون الأرذلون)
٤ - وبمناسبة ذكر الميزان في قوله تعالى وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ يذكر ابن كثير أحاديث ننقل منها ما يلي:
أ- في الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم»
ب- وروى الإمام أحمد .... عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ «إن الله يستخلص رجلا من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة،
стр. 3282
فينشر عليه تسعة وتسعين سجلا مد البصر، ثم يقول: أتنكر من هذا شيئا؟ أظلمتك كتبتي الحافظون؟ قال: لا يا رب، قال أفلك عذر أو حسنة؟ قال فبهت الرجل فيقول: لا يا رب، فيقول بلى إن لك عندنا حسنة واحدة لا ظلم عليك اليوم، فتخرج له بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فيقول أحضروه فيقول:
يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول: إنك لا تظلم، قال: فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، قال: فطاشت السجلات وثقلت البطاقة وقال ولا يثقل شئ مع بسم الله الرحمن الرحيم». ورواه الترمذي وابن ماجه من حديث الليث ابن سعد وقال الترمذي: حسن غريب
ج- روي الإمام أحمد .... أن رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ جلس بين يديه فقال: يا رسول الله إن لي مملوكين يكذبونني ويخونونني، وأضربهم وأشتمهم فكيف أنا منهم؟ فقال له رسول الله ﷺ : «يحسب ما خانوك وعصوك، وكذبوك، وعقابك إياهم، فإن كان عقابك إياهم بقدر ذنوبهم، كان كفافا لا لك ولا عليك، وإن كان عقابك إياهم دون ذنوبهم كان فضلا لك، وإن كان عقابك إياهم فوق ذنوبهم اقتص لهم منك الفضل الذي بقي قبلك» فجعل الرجل يبكي بين يدي رسول الله ﷺ ويهتف، فقال رسول الله ﷺ «ما له لا يقرأ كتاب الله وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً* وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ فقال الرجل: يا رسول الله ما أجد شيئا خيرا من فراق هؤلاء- يعني عبيده- إني أشهدك أنهم أحرار كلهم.
ولنعد إلى سياق السورة:
بدأت السورة بقوله تعالى: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ* ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ* لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ.
ثم جاء قول على لسان الرسول ﷺ ، ثم جاء قول للكافرين: بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ وجاءت الردود عليهم تترى: ما ووَ ما
ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ* وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا
стр. 3283
نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ* وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ ....
وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ....
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ....
وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ ....
ثم رأينا آخر مجموعة ابتدأت بقوله تعالى: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ
والآن نجد المجموعة السادسة تبدأ بقوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ .... والمجموعة السابعة تبدأ بقوله تعالى وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ .... ثم يكون حديث بعد قصة إبراهيم عن لوط ونوح وداود وسليمان وأيوب وإسماعيل وإدريس وذي الكفل وذي النون وزكريا ومريم وابنها عليهم الصلاة والسلام ثم يأتي كلام ... ثم يأتي قوله تعالى: وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ.
ثم تأتي مجموعة مبدوءة ب وَما كما كانت المجموعات الأولى في السورة تبدأ فيأتي قوله تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ
...
فالسورة إذن تتألف من مقدمة وتسع مجموعات، خمس من هذه المجموعات مبدوءة بكلمة ما* أو وَما*، وأربع مجموعات في الوسط علامتها كلمة وَلَقَدِ
...
مرت معنا منذ قليل المجموعة الخامسة وهي من المجموعات التي بدأت بكلمة وَلَقَدِ، وتأتي الآن المجموعة السادسة وهي مجموعة قصيرة تتحدث عن موسى وهارون ﵉، وهي مبدوءة بكلمة وَلَقَدِ، ثم تأتي المجموعة السابعة وهي مجموعة طويلة تتحدث عن إبراهيم ولوط ونوح وداود وسليمان وأيوب وإسماعيل وإدريس وذي الكفل وذي النون وزكريا ومريم وابنها ﵈، ثم تأتي المجموعة الثامنة لتبين أن هؤلاء الرسل جميعا مع رسولنا ﷺ وأن أمم هؤلاء جميعا مع أمتنا، كلنا
стр. 3284
أمة واحدة، ثم يسير السياق فما محل هاتين المجموعتين في سياق السورة؟ وما صلتهما بمحور السورة من سورة البقرة؟ كل ذلك سنراه تفصيلا، وابتداء نقول: إن المجموعتين تؤكدان على أن الأنبياء بشر، وعلى أنهم ليسوا خالدين، وعلى أنهم ابتلوا بالخير والشر، وأن القرآن ليس إلا وحيا من الله، أوحاه الله إلى محمد كما أوحى إلى غيره من الرسل، ولذلك صلاته بما مر من السورة: هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ* وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ولذلك كذلك صلاته بالنذير والإنذار ولذلك ارتباطاته بمحور السورة، وسنرى ذلك تفصيلا إن شاء الله فلنبدأ عرض المجموعة السادسة .
*** المجموعة السادسة
وتمتد من الآية (٤٨) إلى نهاية الآية (٥٠) وهذه هي:
[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٤٨ الى ٥٠]
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (٤٩) وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٠)
التفسير:
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ أي التوراة فهي فرقان بين الحق والباطل وَضِياءً يستضاء به ويتوصل به إلى سبيل النجاة وَذِكْراً أي شرفا أو وعظا وتنبيها، أو ذكرا لما يحتاج إليه في مصالح دينهم لِلْمُتَّقِينَ فهم المنتفعون بوحي الله، وصف الله التوراة بأنها فرقان وضياء وذكر، وبين أنها كذلك للمتقين،
ثم وصف الله المتقين بقوله الَّذِينَ يَخْشَوْنَ أي يخافون رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ أي في خلوتهم عن العباد، أو مع كونه غيبا بالنسبة لهم وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ أي من القيامة وأهوالها مُشْفِقُونَ أي خائفون، وصف الله المتقين بصفتين جامعتين: الخشية من الله، والإشفاق من اليوم الآخر فهؤلاء هم الذين تكون التوراة في حقهم فرقانا أي
стр. 3285
تفرقة بين الحق والباطل، والهدى والضلال والغي والرشاد والحلال والحرام. وهي في حقهم نور لما يحصل من تطبيقها من نور في القلوب، وهداية، وهي في حقهم ذكر لما تحدثه في القلوب من خوف وإنابة وخشية، وإذا كانت التوراة كذلك فمن باب أولى هذا القرآن
وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أي كثير الخير غزير النفع أَنْزَلْناهُ على محمد ﷺ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ أي جاحدون مع أن فيه خصائص التوراة وزيادة، أفتنكرونه وهو في غاية الجلاء والظهور على أنه من عند الله.
كلمة في السياق:
١ - تأتي هذه الآيات لتقرر أن موسى وهارون ﵉ وهما بشران لم يكونا خالدين، قد أنزل الله عليهما التوراة، فاستغراب الناس أن ينزل الله القرآن على بشر هو محمد ﷺ في غير محله، وهذه أول خدمة تخدمها هذه المجموعة لسياق السورة.
٢ - تحدثت السورة عن موقف الكافرين من الوحي، وهو الإعراض والغفلة والرفض والتشويه، وتأتي هذه المجموعة لتقرر من من الناس يستفيدون من الوحي، ثم تبين أن هؤلاء هم الذين يكون الوحي في حقهم فرقانا وضياء وذكرا.
٣ - وبعد أن ذكرت الآيتان الأوليان في المجموعة التوراة عقبت بذكر القرآن ووصفه بأنه ذكر مبارك، وأنكرت على من ينكره ووبخته، لأن إنكاره في غير محله.
٤ - هذه المجموعة إذن دليل جديد، وحجة جديدة على صدق الرسالة وصحة الوحي، ونقض جديد لأقوال الكافرين، ومن هذا يظهر لك انسجامها مع سياق السورة الخاص.
٥ - رأينا أن محور السورة هو قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ ... وهاتان الآيتان في حيز قوله تعالى في سورة البقرة الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ... وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ .. وقد أشارت المجموعة- على قصرها- إلى هذا كله، وأنكرت على الكافرين الذين ينكرون هذا القرآن ولا يؤمنون به.
٦ - بعد أن حدثتنا المجموعة السادسة عن موسى وهارون ﵉، وعن التوراة والقرآن، وعن المهتدين والمنكرين- أي عن المتقين والكافرين- تأتي المجموعة
стр. 3286
السابعة وهي معطوفة على المجموعة السادسة، ولذلك فإنها تبدأ بكلمة وَلَقَدْ التي بدأت بها المجموعة السادسة.
[المجموعة السابعة]
والمجموعة السابعة تبدأ بالحديث عن إبراهيم ﵇، ثم تعطف بالحديث عن لوط ﵇، ثم تعطف بالحديث عن نوح ﵇، ثم تعطف بالحديث عن داود وسليمان ﵉ ثم تعطف بالحديث عن أيوب ﵇، ثم تعطف بالحديث عن إسماعيل وإدريس وذي الكفل ﵈ ثم تعطف بالحديث عن يونس ثم تعطف بالحديث عن زكريا ﵇ ثم تعطف بالحديث عن عيسى وأمه ﵉ لتصل إلى المجموعة الثامنة التي بدايتها: إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ولذلك صلته بقوله تعالى في السورة: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ولنا كلام على سياق هذه المجموعات الثلاث سيأتي
٧ - ولطول المجموعة السابعة فإننا سنعرضها على فقرتين:
الفقرة الأولى من المجموعة السابعة
وتمتد من الآية (٥١) إلى نهاية الآية (٧٧) وهذه هي:
[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٥١ الى ٥٨]
وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ (٥١) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ (٥٢) قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ (٥٣) قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٥٤) قالُوا أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللاَّعِبِينَ (٥٥)
قالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٥٦) وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧) فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً إِلاَّ كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (٥٨)
стр. 3287
[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٥٩ الى ٧٧]
قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٥٩) قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ (٦٠) قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (٦١) قالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ (٦٢) قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣)
فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (٦٤) ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥) قالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٧) قالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (٦٨)
قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ (٦٩) وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠) وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ (٧١) وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً وَكُلاًّ جَعَلْنا صالِحِينَ (٧٢) وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ (٧٣)
وَلُوطاً آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ (٧٤) وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) وَنُوحاً إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ (٧٧)
стр. 3288
ملاحظات حول السياق:
١ - مر معنا في أول السورة قوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ ... ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ نَشاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ وفي هذه الفقرة يذكر الله من هؤلاء الرسل إبراهيم وإسحاق ويعقوب ولوطا ونوحا ويذكر ﷻ كيف نجى إبراهيم ولوطا ونوحا ﵈ وكيف أهلك المسرفين، فقال عن إبراهيم ولوط ﵉: وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً وقال عن لوط ﵇ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ وقال عن نوح ﵇ فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ.
٢ - مر معنا في أوائل السورة قوله تعالى: وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وفي هذه الفقرة حديث عن إهلاك قوم لوط وقوم نوح.
٣ - ومر معنا في هذه السورة قوله تعالى: أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ وهاهنا يقص الله علينا ماذا فعل إبراهيم بالآلهة الأرضية، وماذا قال عنها، وإلى ماذا دعا أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ .. وحدثتنا الفقرة عن إبراهيم وإسحاق ويعقوب ﵈ فقالت وَكانُوا لَنا عابِدِينَ فالفقرة إذن تضرب الأمثلة لتوضح ولتعمق معاني قد ذكرت من قبل في السورة.
التفسير:
وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ أي هداه مِنْ قَبْلُ أي من قبل موسى وهارون ﵉ أو من قبل محمد ﷺ وَكُنَّا بِهِ أي بإبراهيم ﵇ عالِمِينَ أنه أهل لذلك، أي علمنا أنه أهل لما آتيناه فآتيناه إياه
إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ أي الأصنام المصورة على صور شتى الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ أي أنتم لأجل عبادتها مقيمون أي معتكفون على عبادتها، وفي سؤاله هذا تجاهل لفعلهم؛ ليحقر آلهتهم
стр. 3289
مع علمه بتعظيمهم لها، وفي كلامه هذا نموذج على الرشد الذي أوتيه من صغره،
ولما كان في سؤاله معنى الإنكار عليهم، وفيه طلب معرفة الدليل على عبادتهم، كان جوابهم قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ أي فقلدناهم، عجزوا أن يحتجوا على شركهم إلا بصنيع الآباء،
ولذلك كان جوابه: قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ أراد أن المقلدين والمقلدين منخرطون في سلك ضلال ظاهر، لا يخفى على عاقل، أي أنتم وهم في غير طريق مستقيم، فلما سفه أحلامهم، وضلل آباءهم، واحتقر آلهتهم
قالُوا أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أي بالجد أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ أي أجاد أنت فيما تقول أم لاعب؟ استعظاما منهم إنكاره عليهم، واستبعادا لأن يكون ما هم عليه ضلالا، فعندئذ أقبل عليهم مخبرا بأنه جاد فيما قال، غير لاعب، مثبتا لربوبية الملك العلام، وحدوث الأصنام
قالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ أي خلق السموات والأرض، أو خلق التماثيل فأنى يعبد المخلوق ويترك الخالق وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ المذكور من التوحيد مِنَ الشَّاهِدِينَ أي وأنا أشهد أنه لا إله غيره، ولا رب سواه
وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ أي لأكسرنها بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ أي بعد ذهابكم
فَجَعَلَهُمْ أي فجعل الأصنام جُذاذاً أي قطعا جمع جذاذة إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ أي للأصنام، أو للكفار لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ أي لعلهم إلى الكبير يرجعون فيسألونه عن كاسرها، فيتبين لهم عجزه، أو لعلهم يرجعون إلى إبراهيم ليحتج عليهم، أو لعلهم يرجعون إلى الله لما رأوا عجز آلهتهم
قالُوا أي حين رجعوا وشاهدوا ما فعله الخليل في أصنامهم من الإهانة والإذلال الدال على عدم إلهيتها، وعلى سخافة عقول عابديها مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ أي في صنيعه هذا أي إن من فعل هذا الكسر لشديد الظلم لجراءته على الآلهة الجديرة- عندهم- بالتوقير والتعظيم
قالُوا أي قال من سمعه يحلف أنه سيكيد أصنامهم سَمِعْنا فَتًى أي شابا يَذْكُرُهُمْ أي يعيبهم يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ أي اسمه إبراهيم
قالُوا أي من بيدهم الأمر فَأْتُوا بِهِ أي أحضروه عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ أي على رءوس الأشهاد في الملأ الأكبر، يحضره الناس كلهم لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ أي عليه بما سمع منه، أو بما فعله كأنهم كرهوا عقابه بلا بينة ويمكن أن يكون المعنى: لعلهم يحضرون
стр. 3290
عقوبتنا له لنريهم كيف ننتقم للآلهة.
قال ابن كثير: وكان هذا هو المقصود الأكبر لإبراهيم ﵇ أن يبين في هذا المحفل العظيم كثرة جهلهم وقلة عقلهم في عبادة هذه الأصنام، التي لا تدفع عن نفسها ضرا، ولا تملك لهم نصرا فكيف يطلب منها شئ من ذلك؟
قالُوا بعد أن أحضروه أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا يعني الذي تركه لم يكسره فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ.
قال ابن كثير: وإنما أراد بهذا أن يبادروه من تلقاء أنفسهم فيعترفوا أنهم لا ينطقون، وأن هذا لا يصدر عن هذا الصنم لأنه جماد
فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ أي فرجعوا إلى عقولهم وتفكروا بقلوبهم لما أخذ بخناقهم فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ أي على الحقيقة بعبادة ما لا ينطق، وليس الظالم من كسرها، فإن من لا يدفع عن رأسه الفأس، كيف يدفع عن عابديه البأس
ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ أجرى الله الحق على لسانهم في القول الأول، ثم أدركتهم الشقاوة أي ردوا إلى الكفر بعد أن أقروا على أنفسهم بالظلم، استقاموا حين رجعوا إلى أنفسهم، وجاءوا بالفكرة الصالحة ثم انقلبوا عن تلك الحالة فأخذوا في المجادلة بالباطل والمكابرة، ارتقوا ابتداء وعادوا إلى الحضيض انتهاء وقالوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ فكيف تأمرنا بسؤالهم؟! والمعنى:
لقد علمت عجزهم عن النطق فكيف نسألهم؟
فقال لهم إبراهيم لما اعترفوا بذلك محتجا عليهم: قالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً إن عبدتموه وَلا يَضُرُّكُمْ إن لم تعبدوه
أُفٍّ لَكُمْ أف: صوت إذا صوت به علم أن صاحبه متضجر، ضجر مما رأى من ثباتهم على عبادتها بعد انقطاع عذرهم، وبعد وضوح الحق فتأفف بهم وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي أف لكم ولآلهتكم أَفَلا تَعْقِلُونَ أي أفلا تتدبرون ما أنتم فيه من الضلال والكفر الغليظ، الذي لا يروج إلا على جاهل ظالم فاجر، أفلا تعقلون أن من هذا وصفه لا يجوز أن يكون إلها،
فلما لزمتهم الحجة، وعجزوا عن الجواب، وظهر الحق، واندفع الباطل، عدلوا إلى منطق البغي والظلم والإرهاب، دأب الظالمين في كل زمان ومكان قالُوا حَرِّقُوهُ أي بالنار؛ لأنها أهول ما يعاقب به وأفظع وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ بالانتقام منه إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ أي إن كنتم ناصرين آلهتكم نصرا مؤزرا فاختاروا له أهول المعاقبات وهو الإحراق بالنار، وإلا فرطتم في نصرتها
قُلْنا أي حين فعلوا ما قالوه يا نارُ كُونِي
стр. 3291
بَرْداً وَسَلاماً أي كوني ذات برد وسلام عَلى إِبْراهِيمَ أراد ابردي فيسلم منك إبراهيم
وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً أرادوا أن يكيدوه بالإحراق فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ أي المغلوبين الأسفلين، لأنهم أرادوا بنبي الله كيدا فكادهم الله ونجاه من النار فغلبوا هنالك.
وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً أي بعد أن سلمه الله من النار أخرجه من بين أظهرهم هو ولوط ابن أخيه إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ أي أرض الشام، قال النسفي: وبركتها أن أكثر الأنبياء منها، فانتشرت في العالمين آثارهم الدينية وهي أرض خصب يطيب فيها عيش الغني والفقير
وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً أي عطية وهل إسحاق ويعقوب نافلة أو أن النافلة يعقوب؟ قولان للمفسرين: قال عبد الرحمن ابن زيد بن أسلم سأل واحدا فأعطاه إسحاق، وزاده يعقوب نافلة، قال النسفي:
وأعطي يعقوب نافلة أي زيادة وفضلا من غير سؤال وَكُلًّا من يعقوب وإسحاق وإبراهيم جَعَلْنا صالِحِينَ أي الجميع أهل خير وصلاح
وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً أي يقتدى بهم في الدين يَهْدُونَ بِأَمْرِنا أي يدعون إلى الله بإذنه وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وهي جميع الأفعال الصالحة وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ أي أمرناهم بها، ووفقناهم إليها وَكانُوا لَنا عابِدِينَ لا للأصنام
وَلُوطاً آتَيْناهُ حُكْماً أي حكمة: وهي ما يجب فعله من العمل، أو فصلا بين الخصوم أو نبوة وَعِلْماً أي وفقها وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ وهي قرية سدوم، وقد عدد النسفي من الخبائث التي كانت تعملها: اللواطة، والضراط، وقذف المارة بالحصى إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ أي خارجين عن طاعة الله
وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا أي في أهل رحمتنا أو في الجنة إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ دل ذلك على أن إدخاله في الرحمة، وإهلاك قومه، كان جزاء له على صلاحه
وَنُوحاً أي واذكر نوحا ﵇ إِذْ نادى أي دعا مِنْ قَبْلُ أي من قبل هؤلاء المذكورين فَاسْتَجَبْنا لَهُ أي دعاءه فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أي المؤمنين من ولده وقومه مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ أي من الطوفان وتكذيب أهل الطغيان
وَنَصَرْناهُ أي ومنعناه ونجيناه وخلصناه منتصرا مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ صغيرهم وكبيرهم ذكرهم وأنثاهم.
فوائد:
١ - بمناسبة الكلام عن إبراهيم ﵇ في هذه السورة قال ابن كثير: (وما
стр. 3292
يذكر من الأخبار عنه في إدخال أبيه له في السرب وهو رضيع، وأنه خرج بعد أيام فنظر إلى الكواكب والمخلوقات فتبصر فيها وما قصه كثير من المفسرين وغيرهم، فعامتها أحاديث بني إسرائيل فما وافق منها الحق مما بأيدينا عن المعصوم قبلناه. لموافقته الصحيح، وما خالف شيئا من ذلك رددناه، وما ليس فيه موافقة ولا مخالفة لا نصدقه ولا نكذبه، بل نجعله وقفا وما كان من هذا الضرب منها فقد رخص كثير من السلف في روايته، وكثير من ذلك مما لا فائدة فيه ولا حاصل له مما ينتفع به في الدين).
٢ - بمناسبة قوله تعالى على لسان إبراهيم ﵇: ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ ذكر ابن كثير ما أخرجه ابن أبي حاتم ... عن الأصبع بن نباتة قال:
(مر علي ﵁ على قوم يلعبون بالشطرنج فقال ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ؟ لأن يمس أحدكم جمرا حتى يطفأ خير له من أن يمسها) أقول: هذا مذهب علي ﵁ في الشطرنج، وهو الذي أخذ به الحنفية، ما عدا أبا يوسف إذ اعتبروا اللعب بالشطرنج كاللعب بالنرد، والكثيرون من الفقهاء يفرقون بين النرد والشطرنج، فيعتبرون اللعب بالشطرنج ما لم يكثر أو يله عن واجب لا بأس به إذا رافقته نية صالحة.
٣ - وبمناسبة قوله تعالى قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ ذكر ابن كثير ما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: ما بعث الله نبيا إلا شابا، ولا أوتي العلم عالم إلا وهو شاب، وتلا هذه الآية سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ
٤ - بمناسبة قوله تعالى على لسان إبراهيم ﵇ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا قال ابن كثير: (وفي الصحيحين .. عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إن إبراهيم ﵇ لم يكذب غير ثلاث: ثنتين في ذات الله قوله: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا، وقوله إِنِّي سَقِيمٌ قال: وبينما هو يسير في أرض جبار من الجبابرة، ومعه سارة إذ
نزل منزلا، فأتى الجبار رجل فقال: إنه قد نزل هاهنا رجل بأرضك معه امرأة أحسن الناس، فأرسل إليه فجاء فقال: ما هذه المرأة منك؟ قال أختي. قال: فاذهب فأرسل بها إلي، فانطلق إلى سارة فقال: إن هذا الجبار قد سألني عنك فأخبرته أنك أختي، فلا تكذبيني عنده؛ فإنك أختي في الله، وأنه ليس في الأرض مسلم غيري وغيرك، فانطلق بها إبراهيم ﵇ ثم قام يصلي، فلما أن رآها أهوى إليها فتناولها فأخذ أخذا شديدا فقال: ادعي الله لي ولا أضرك، فدعت له فأرسل، فأهوى إليها
стр. 3293
فتناولها فأخذ بمثلها أو أشد ففعل ذلك الثالثة، فأخذ فذكر مثل المرتين الأوليين فقال:
ادعي الله فلا أضرك، فدعت له فأرسل، ثم دعا أدنى حجابه فقال: إنك لم تأت بإنسان ولكنك أتيتني بشيطان، أخرجها وأعطها هاجر، فأخرجت وأعطيت هاجر، فأقبلت فلما أحس إبراهيم بمجيئها انفتل من صلاته وقال: مهيم؟ قالت: كفى الله كيد الكافر الفاجر وأخدمني هاجر).
أقول: وقد أطال بعض المفسرين في التعليل لموقف إبراهيم ﵇ عند ما سأله قومه، ولا شك أن موقفه كان في معرض إقامة الحجة، ولكنه على كل حال هرب من الجواب المباشر، وفي ذلك فسحة لمن ابتلي بمثل موقفه ...
٥ - بمناسبة الكلام عن إنجاء الله إبراهيم من النار يذكر ابن كثير ما أخرجه البخاري عن ابن عباس، أنه قال: «حسبي الله ونعم الوكيل» قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد ﵊ حين قالوا إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ وذكر ابن كثير ما أخرجه أبو يعلى ...
عن أبي هريرة: قال: قال رسول الله ﷺ «لما ألقي إبراهيم ﵇ في النار قال:
اللهم إنك في السماء واحد، وأنا في الأرض واحد أعبدك».
وذكر ابن كثير ما قاله ابن عباس وأبو العالية لولا أن الله قال: وسلاما لآذى إبراهيم بردها» كما ذكر ابن كثير ما أخرجه ابن أبي حاتم عن مولاة الفاكه بن المغيرة المخزومي قالت: دخلت على عائشة فرأيت في بيتها رمحا فقلت: يا أم المؤمنين ما تصنعين بهذا الرمح؟ فقالت: نقتل به هذه الأوزاغ. إن رسول الله ﷺ قال: «إن إبراهيم حين ألقي في النار لم يكن في الأرض دابة إلا تطفئ النار غير الوزغ، فإنه كان ينفخ على إبراهيم، فأمرنا رسول الله ﷺ بقتله»
٦ - وبمناسبة قوله تعالى وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ ذكر ابن كثير قول قتادة قال: (كان بأرض العراق فأنجاه إلى الشام، وكان يقال للشام أعقار دار الهجرة، وما نقص من الأرض زيد في الشام، وما نقص في الشام زيد في فلسطين).
وذكر النسفي بهذه المناسبة حديثا قال: «وقال ﵊ إنها ستكون هجرة بعد هجرة فخيار الناس إلى مهاجر إبراهيم».
стр. 3294
كلمة في السياق:
١ - إن أول شئ يربط قصة إبراهيم وإسحاق ويعقوب ولوط ونوح ﵈ بسياق السورة هو كونهم بشرا رسلا، وهو الشئ الذي يحاول المشركون استبعاده، كما ذكر الله ذلك في أول السورة وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ.
٢ - في ذكر القصص الثلاث بيان لعاقبة مكر الكافرين، إذ فشل الله مكرهم في قصة إبراهيم، وعوقبوا بسببه في قصة لوط ونوح ﵉ وفي عقوبتي قوم لوط وقوم نوح تذكير بما قصة الله علينا في السورة عن حال المعرضين إذ ينزل بهم العقاب.
٣ - في ذكر قصة إبراهيم ﵇ مع قومه، وكسره الأصنام، وإقامة الحجة عليهم، تذكير للعرب الذين يقدسون إبراهيم ويعرفونه أبا لهم بالتوحيد، وتذكير لهم بأن ما هم عليه من الشرك لا تقوم به حجة، بل هو السفه والجهل الكاملان، إذ أننا رأينا أن من عوامل الإعراض عن الوحي الشرك.
٤ - إن قصة إبراهيم ولوط ونوح ﵈ تدل على أن العبرة بالخواتيم، فهذا إبراهيم ينجيه الله في أحلك لحظة، وهذا لوط ينجيه الله في ساعة الكربة، وهذا نوح ينجيه الله وينصره بعد الزمن الطويل، وفي ذلك إشارة إلى أن استعجال المعرضين عن الوحي يدلل على جهلهم بسنة الله.
ومما مر ندرك أن هذه القصص تضيء على ما سبقها من السورة، بل هي تأتي كالأمثلة لما ذكر في السورة من قبل من قواعد وحجج وأدلة تدحض أقوال الكافرين بالوحي، والمعرضين عنه، إذا عرفنا صلة هذه الفقرة من المجموعة السابعة بسياق السورة، فما هي صلتها بالمحور العام للسورة من سورة البقرة؟ إن المحور العام هو:
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ إن في القصص الثلاث نماذج على ثلاثة أقوام لم ينفعهم الإنذار، ولم تنفعهم الحجج كما أن في القصص الثلاث تثبيتا لقلب النذير، ودروسا هادية له، نراه يطبقها واحدا فواحدا فقد هاجر، وقد حطم بعض الأصنام مع علي، كما تذكر روايات حسنة السند قبل الهجرة وقال في محنته حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ وهكذا، وعلى هذا فالفقرة تخدم سياق السورة الخاص،
стр. 3295
ضمن محورها في السياق القرآني العام، وما غاب عنا من حكم في السياق الخاص والعام أكبر، نسأل الله أن يفتح علينا، وأن يتوفانا على كمال الإيمان اللهم آمين ولننتقل إلى الفقرة الثانية من المجموعة السابعة .
*** الفقرة الثانية من المجموعة السابعة
وتمتد من الآية (٧٨) إلى نهاية الآية (٩١) وهذه هي
[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٧٨ الى ٩١]
وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلاًّ آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فاعِلِينَ (٧٩) وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ (٨٠) وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ (٨١) وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ (٨٢)
وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ (٨٤) وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥) وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٦) وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧)
فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨) وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ (٩٠) وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ (٩١)
следующие страницы →