← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.

стр. 3291

بَرْداً وَسَلاماً أي كوني ذات برد وسلام عَلى إِبْراهِيمَ أراد ابردي فيسلم منك إبراهيم وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً أرادوا أن يكيدوه بالإحراق فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ أي المغلوبين الأسفلين، لأنهم أرادوا بنبي الله كيدا فكادهم الله ونجاه من النار فغلبوا هنالك. وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً أي بعد أن سلمه الله من النار أخرجه من بين أظهرهم هو ولوط ابن أخيه إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ أي أرض الشام، قال النسفي: وبركتها أن أكثر الأنبياء منها، فانتشرت في العالمين آثارهم الدينية وهي أرض خصب يطيب فيها عيش الغني والفقير وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً أي عطية وهل إسحاق ويعقوب نافلة أو أن النافلة يعقوب؟ قولان للمفسرين: قال عبد الرحمن ابن زيد بن أسلم سأل واحدا فأعطاه إسحاق، وزاده يعقوب نافلة، قال النسفي: وأعطي يعقوب نافلة أي زيادة وفضلا من غير سؤال وَكُلًّا من يعقوب وإسحاق وإبراهيم جَعَلْنا صالِحِينَ أي الجميع أهل خير وصلاح وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً أي يقتدى بهم في الدين يَهْدُونَ بِأَمْرِنا أي يدعون إلى الله بإذنه وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وهي جميع الأفعال الصالحة وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ أي أمرناهم بها، ووفقناهم إليها وَكانُوا لَنا عابِدِينَ لا للأصنام وَلُوطاً آتَيْناهُ حُكْماً أي حكمة: وهي ما يجب فعله من العمل، أو فصلا بين الخصوم أو نبوة وَعِلْماً أي وفقها وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ وهي قرية سدوم، وقد عدد النسفي من الخبائث التي كانت تعملها: اللواطة، والضراط، وقذف المارة بالحصى إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ أي خارجين عن طاعة الله وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا أي في أهل رحمتنا أو في الجنة إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ دل ذلك على أن إدخاله في الرحمة، وإهلاك قومه، كان جزاء له على صلاحه وَنُوحاً أي واذكر نوحا ﵇ إِذْ نادى أي دعا مِنْ قَبْلُ أي من قبل هؤلاء المذكورين فَاسْتَجَبْنا لَهُ أي دعاءه فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أي المؤمنين من ولده وقومه مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ أي من الطوفان وتكذيب أهل الطغيان وَنَصَرْناهُ أي ومنعناه ونجيناه وخلصناه منتصرا مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ صغيرهم وكبيرهم ذكرهم وأنثاهم. فوائد: ١ - بمناسبة الكلام عن إبراهيم ﵇ في هذه السورة قال ابن كثير: (وما

стр. 3292

يذكر من الأخبار عنه في إدخال أبيه له في السرب وهو رضيع، وأنه خرج بعد أيام فنظر إلى الكواكب والمخلوقات فتبصر فيها وما قصه كثير من المفسرين وغيرهم، فعامتها أحاديث بني إسرائيل فما وافق منها الحق مما بأيدينا عن المعصوم قبلناه. لموافقته الصحيح، وما خالف شيئا من ذلك رددناه، وما ليس فيه موافقة ولا مخالفة لا نصدقه ولا نكذبه، بل نجعله وقفا وما كان من هذا الضرب منها فقد رخص كثير من السلف في روايته، وكثير من ذلك مما لا فائدة فيه ولا حاصل له مما ينتفع به في الدين). ٢ - بمناسبة قوله تعالى على لسان إبراهيم ﵇: ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ ذكر ابن كثير ما أخرجه ابن أبي حاتم ... عن الأصبع بن نباتة قال: (مر علي ﵁ على قوم يلعبون بالشطرنج فقال ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ؟ لأن يمس أحدكم جمرا حتى يطفأ خير له من أن يمسها) أقول: هذا مذهب علي ﵁ في الشطرنج، وهو الذي أخذ به الحنفية، ما عدا أبا يوسف إذ اعتبروا اللعب بالشطرنج كاللعب بالنرد، والكثيرون من الفقهاء يفرقون بين النرد والشطرنج، فيعتبرون اللعب بالشطرنج ما لم يكثر أو يله عن واجب لا بأس به إذا رافقته نية صالحة. ٣ - وبمناسبة قوله تعالى قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ ذكر ابن كثير ما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: ما بعث الله نبيا إلا شابا، ولا أوتي العلم عالم إلا وهو شاب، وتلا هذه الآية سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ ٤ - بمناسبة قوله تعالى على لسان إبراهيم ﵇ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا قال ابن كثير: (وفي الصحيحين .. عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إن إبراهيم ﵇ لم يكذب غير ثلاث: ثنتين في ذات الله قوله: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا، وقوله إِنِّي سَقِيمٌ قال: وبينما هو يسير في أرض جبار من الجبابرة، ومعه سارة إذ نزل منزلا، فأتى الجبار رجل فقال: إنه قد نزل هاهنا رجل بأرضك معه امرأة أحسن الناس، فأرسل إليه فجاء فقال: ما هذه المرأة منك؟ قال أختي. قال: فاذهب فأرسل بها إلي، فانطلق إلى سارة فقال: إن هذا الجبار قد سألني عنك فأخبرته أنك أختي، فلا تكذبيني عنده؛ فإنك أختي في الله، وأنه ليس في الأرض مسلم غيري وغيرك، فانطلق بها إبراهيم ﵇ ثم قام يصلي، فلما أن رآها أهوى إليها فتناولها فأخذ أخذا شديدا فقال: ادعي الله لي ولا أضرك، فدعت له فأرسل، فأهوى إليها

стр. 3293

فتناولها فأخذ بمثلها أو أشد ففعل ذلك الثالثة، فأخذ فذكر مثل المرتين الأوليين فقال: ادعي الله فلا أضرك، فدعت له فأرسل، ثم دعا أدنى حجابه فقال: إنك لم تأت بإنسان ولكنك أتيتني بشيطان، أخرجها وأعطها هاجر، فأخرجت وأعطيت هاجر، فأقبلت فلما أحس إبراهيم بمجيئها انفتل من صلاته وقال: مهيم؟ قالت: كفى الله كيد الكافر الفاجر وأخدمني هاجر). أقول: وقد أطال بعض المفسرين في التعليل لموقف إبراهيم ﵇ عند ما سأله قومه، ولا شك أن موقفه كان في معرض إقامة الحجة، ولكنه على كل حال هرب من الجواب المباشر، وفي ذلك فسحة لمن ابتلي بمثل موقفه ... ٥ - بمناسبة الكلام عن إنجاء الله إبراهيم من النار يذكر ابن كثير ما أخرجه البخاري عن ابن عباس، أنه قال: «حسبي الله ونعم الوكيل» قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد ﵊ حين قالوا إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ وذكر ابن كثير ما أخرجه أبو يعلى ... عن أبي هريرة: قال: قال رسول الله ﷺ «لما ألقي إبراهيم ﵇ في النار قال: اللهم إنك في السماء واحد، وأنا في الأرض واحد أعبدك». وذكر ابن كثير ما قاله ابن عباس وأبو العالية لولا أن الله قال: وسلاما لآذى إبراهيم بردها» كما ذكر ابن كثير ما أخرجه ابن أبي حاتم عن مولاة الفاكه بن المغيرة المخزومي قالت: دخلت على عائشة فرأيت في بيتها رمحا فقلت: يا أم المؤمنين ما تصنعين بهذا الرمح؟ فقالت: نقتل به هذه الأوزاغ. إن رسول الله ﷺ قال: «إن إبراهيم حين ألقي في النار لم يكن في الأرض دابة إلا تطفئ النار غير الوزغ، فإنه كان ينفخ على إبراهيم، فأمرنا رسول الله ﷺ بقتله» ٦ - وبمناسبة قوله تعالى وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ ذكر ابن كثير قول قتادة قال: (كان بأرض العراق فأنجاه إلى الشام، وكان يقال للشام أعقار دار الهجرة، وما نقص من الأرض زيد في الشام، وما نقص في الشام زيد في فلسطين). وذكر النسفي بهذه المناسبة حديثا قال: «وقال ﵊ إنها ستكون هجرة بعد هجرة فخيار الناس إلى مهاجر إبراهيم».

стр. 3294

كلمة في السياق: ١ - إن أول شئ يربط قصة إبراهيم وإسحاق ويعقوب ولوط ونوح ﵈ بسياق السورة هو كونهم بشرا رسلا، وهو الشئ الذي يحاول المشركون استبعاده، كما ذكر الله ذلك في أول السورة وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ. ٢ - في ذكر القصص الثلاث بيان لعاقبة مكر الكافرين، إذ فشل الله مكرهم في قصة إبراهيم، وعوقبوا بسببه في قصة لوط ونوح ﵉ وفي عقوبتي قوم لوط وقوم نوح تذكير بما قصة الله علينا في السورة عن حال المعرضين إذ ينزل بهم العقاب. ٣ - في ذكر قصة إبراهيم ﵇ مع قومه، وكسره الأصنام، وإقامة الحجة عليهم، تذكير للعرب الذين يقدسون إبراهيم ويعرفونه أبا لهم بالتوحيد، وتذكير لهم بأن ما هم عليه من الشرك لا تقوم به حجة، بل هو السفه والجهل الكاملان، إذ أننا رأينا أن من عوامل الإعراض عن الوحي الشرك. ٤ - إن قصة إبراهيم ولوط ونوح ﵈ تدل على أن العبرة بالخواتيم، فهذا إبراهيم ينجيه الله في أحلك لحظة، وهذا لوط ينجيه الله في ساعة الكربة، وهذا نوح ينجيه الله وينصره بعد الزمن الطويل، وفي ذلك إشارة إلى أن استعجال المعرضين عن الوحي يدلل على جهلهم بسنة الله. ومما مر ندرك أن هذه القصص تضيء على ما سبقها من السورة، بل هي تأتي كالأمثلة لما ذكر في السورة من قبل من قواعد وحجج وأدلة تدحض أقوال الكافرين بالوحي، والمعرضين عنه، إذا عرفنا صلة هذه الفقرة من المجموعة السابعة بسياق السورة، فما هي صلتها بالمحور العام للسورة من سورة البقرة؟ إن المحور العام هو: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ إن في القصص الثلاث نماذج على ثلاثة أقوام لم ينفعهم الإنذار، ولم تنفعهم الحجج كما أن في القصص الثلاث تثبيتا لقلب النذير، ودروسا هادية له، نراه يطبقها واحدا فواحدا فقد هاجر، وقد حطم بعض الأصنام مع علي، كما تذكر روايات حسنة السند قبل الهجرة وقال في محنته حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ وهكذا، وعلى هذا فالفقرة تخدم سياق السورة الخاص،

стр. 3295

ضمن محورها في السياق القرآني العام، وما غاب عنا من حكم في السياق الخاص والعام أكبر، نسأل الله أن يفتح علينا، وأن يتوفانا على كمال الإيمان اللهم آمين ولننتقل إلى الفقرة الثانية من المجموعة السابعة . *** الفقرة الثانية من المجموعة السابعة وتمتد من الآية (٧٨) إلى نهاية الآية (٩١) وهذه هي [سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٧٨ الى ٩١] وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلاًّ آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فاعِلِينَ (٧٩) وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ (٨٠) وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ (٨١) وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ (٨٢) وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ (٨٤) وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥) وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٦) وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨) وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ (٩٠) وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ (٩١)

стр. 3296

ملاحظات حول السياق: ١ - هذه الفقرة امتداد للتي قبلها، في أنها تعرض علينا قصص أنبياء، مؤكدة بشرية الرسل عليهم الصلاة والسلام، ومؤكدة عناية الله بهم ورعايته لهم، ولذلك صلاته بقوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ* ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ نَشاءُ ٢ - مر معنا في سورة الأنبياء قوله تعالى: وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ* كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً والملاحظة أنه تعرض علينا في هذه الفقرة قصص أنبياء ابتلوا بالخير، وقصص أنبياء ابتلوا بالشر، وكيف تم للرسل في المقامين الشكر والصبر، ليكونوا قدوة الخلق في كل حال. ٣ - والفقرة تأخذ محلها في موضوع إقامة الحجة على كل تصور كافر في شأن الرسل والوحي والإنذار ومن هنا تأخذ محلها في صلتها بمحور السورة من سورة البقرة. التفسير: وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ أي واذكر داود وسليمان ﵉ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ أي في الزرع أو في الكرم إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ أي دخلت فيه ليلا فأفسدته وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ أي لحكم داود وسليمان والمتحاكمين إليهما شاهِدِينَ أي كان ذلك بعلمنا ومرأى منا فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ أي ففهمنا

стр. 3297

الحكومة أو الفتوى سليمان وَكُلًّا أي من داود وسليمان آتَيْنا حُكْماً أي نبوة وَعِلْماً أي معرفة بموجب الحكم وَسَخَّرْنا أي وذللنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ بتسبيحه وَالطَّيْرَ أي يسبحن بتسبيحه كذلك، وقدمت الجبال على الطير لأن تسخيرها وتسبيحها أعجب وأغرب وأدخل في الإعجاز لأنها جماد وَكُنَّا فاعِلِينَ أي وكنا فاعلين بالأنبياء مثل ذلك وإن كان عجبا عندكم، أو وكنا خالقين ذلك وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ أي عمل اللبوس والدروع، واللبوس: اللباس، والمراد به هنا الدرع لِتُحْصِنَكُمْ الدروع مِنْ بَأْسِكُمْ أي في القتال فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ استفهام بمعنى الأمر أي فاشكروا الله على ذلك وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ أي وسخرنا لسليمان الريح عاصِفَةً أي شديدة الهبوب، وصفت في موضع آخر بالرخاء لأنها تجري باختياره، فكانت في وقت رخاء، وفي وقت عاصفة، لهبوبها على حكم إرادته تَجْرِي بِأَمْرِهِ أي بأمر سليمان إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها بكثرة الأنهار والأشجار والثمار، والمراد بها أرض الشام وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ أي وقد أحاط علمنا بكل شئ فتجري الأشياء كلها على ما يقتضيه علمنا وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ أي وسخرنا له من الشياطين من يغوصون له في البحار بأمره، لاستخراج الدر وما يكون فيها وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذلِكَ أي دون الغوص، وهو بناء المحاريب، والتماثيل، والقصور، والقدور والجفان وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ أي أن يزيغوا عن أمره أو يبدلوا أو يوجد منهم فساد فيما هم فيه وَأَيُّوبَ أي واذكر أيوب إِذْ نادى رَبَّهُ دعا ربه أَنِّي أي بأني مَسَّنِيَ الضُّرُّ أي أصابني الضر. قال النسفي: الضر بالفتح الضرر في كل شئ، وبالضم الضرر في النفس من مرض أو هزال. وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ قال النسفي: ألطف في السؤال، حيث ذكر نفسه بما يوجب الرحمة، وذكر ربه بغاية الرحمة، ولم يصرح بالمطلوب، فكأنه قال: أنت أهل أن ترحم، وأيوب أهل أن يرحم فارحمه، واكشف عنه الضر الذي فيه فَاسْتَجَبْنا لَهُ أي أجبنا دعاءه فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ أي فكشفنا ضره إنعاما عليه وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ في تفسير هذا النص اتجاهان للمفسرين: الاتجاه الأول: أن الله أحيا له ولده بأعيانهم، ورزقه مثلهم معهم. الاتجاه الثاني: أن إعطاءهم له: إعطاءه أجرهم في الآخرة، وتعويضه مثلهم في الدنيا

стр. 3298

رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ يعني رحمة لأيوب، وتذكرة لغيره من العابدين ليصبروا كصبره فيثابوا كثوابه وَإِسْماعِيلَ ابن إبراهيم وَإِدْرِيسَ وهو المسمى في الكتب السابقة أخنوخ، وهو بين آدم ونوح ﵉ وَذَا الْكِفْلِ وهو إما إلياس، أو زكريا، أو يوشع بن نون، وسمي به بمعنى أنه ذو الحظ من الله، إذ الكفل الحظ أي واذكر اسماعيل وإدريس وذا الكفل كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ أي هؤلاء المذكورون كلهم موصوفون بالصبر وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا أي نبوتنا أو النعمة في الآخرة إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ أي ممن لا يشوب صلاحهم كدر الفساد وَذَا النُّونِ أي واذكر صاحب الحوت، إذ النون الحوت، والمراد به يونس إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً أي مراغما لقومه ومعنى مغاضبته لقومه: أنه أغضبهم بمفارقته لخوفهم حلول العقاب عليهم عندها، ويظهر أنه برم بقومه لطول ما ذكرهم فلم يتعظوا، وأقاموا على كفرهم فراغمهم، وظن أن ذلك يسوغ حيث لم يفعله إلا غضبا لله، وبغضا للكفر وأهله، وكان عليه أن يصابر، وينتظر الإذن من الله تعالى في المهاجرة عنهم فابتلي ببطن الحوت فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ أي لن نضيق عليه فَنادى فِي الظُّلُماتِ ظلمة الليل، والبحر وبطن الحوت أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ أي لنفسي في خروجي من قومي قبل أن تأذن لي فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ غم الزلة والوحشة والوحدة وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ إذا دعونا واستغاثوا بنا وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ أي دعا ربه رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً أي وحيدا. سأل الله أن يرزقه ولدا يرثه في مقام النبوة، ثم رد أمره إلى الله مستسلما فقال وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ أي فإن لم ترزقني من يرثني فلا أبالي، فإنك خير وارث أي باق فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى ولدا وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ أي جعلناها صالحة للولادة بعد العقار إِنَّهُمْ أي الأنبياء المذكورين كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ أي إنهم استحقوا الإجابة إلى طلباتهم لمبادرتهم أبواب الخير، ومسارعتهم في تحصيلها وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً أي طمعا وخوفا، أو للرغبة فينا والرهبة منا وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ أي متواضعين خائفين وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها أي حفظته من الحلال والحرام وهي مريم ﵉، أي واذكر مريم التي هذا شأنها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا.

стр. 3299

قال النسفي: أي أجرينا فيها روح المسيح، أو أمرنا جبريل فنفخ في جيب درعها، فأحدثنا بذلك النفخ عيسى في بطنها، وإضافة الروح إليه تعالى لتشريف عيسى ﵇. وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً أي دلالة على أن الله على كل شئ قدير، وأنه يخلق ما يشاء، وإنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون لِلْعالَمِينَ أي للجن والإنس. نقول: بمناسبة قوله تعالى عن داود ﵇: وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ قال صاحب الظلال: (تلك هي صنعة الدروع حلقا متداخلة، بعد أن كانت تصنع صفيحة واحدة جامدة، والزرد المتدخل أيسر استعمالا وأكثر مرونة، ويبدو أن داود هو الذي ابتدع هذا النوع من الدروع بتعليم الله. والله يمن على الناس أن علم داود هذه الصناعة لوقايتهم في الحرب: لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ وهو يسألهم سؤال توجيه وتحضيض: فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ؟ .. والحضارة البشرية سارت في طريقها خطوة خطوة وراء الكشوف. ولم تجئ طفرة، لأن خلافة الأرض تركت لهذا الإنسان، ولمداركه التي زوده الله بها ليخطو في كل يوم خطوة، ويعيد تنسيق حياته وفق هذه الخطوة. وإعادة تنسيق الحياة وفق نظام جديد ليست سهلة على النفس البشرية، فهي تهز أعماقها وتغير عاداتها ومألوفها، وتقتضي فترة من الزمان لإعادة الاستقرار الذي تطمئن فيه إلى العمل والإنتاج. ومن ثم شاءت حكمة الله أن تكون هناك فترة استقرار تطول أو تقصر بعد كل تنسيق جديد. والقلق الذي يستولي على أعصاب العالم اليوم منشؤه الأول سرعة توالي الهزات العلمية والاجتماعية التي لا تدع للبشرية فترة استقرار، ولا تدع للنفس فرصة التكيف والتذوق للوضع الجديد). وبمناسبة الكلام عن سليمان ﵇ في السورة يقول صاحب الظلال: (وتدور حول سليمان روايات وتصورات وأقاويل، معظمها مستمد من الإسرائيليات والتخيلات والأوهام. ولكي لا نضل في هذا التيه. فإننا نقف عند حدود النصوص القرآنية وليس وراءها أثر مستيقن في قصة سليمان بالذات. والنص القرآني هنا يقرر تسخير الريح- وهي عاصفة- لسليمان تجري بأمره إلى

стр. 3300

الأرض التي باركنا فيها. وهي في الغالب الشام لسبق الإشارة إليها بهذه الصفة في قصة إبراهيم. فكيف كان هذا التسخير؟. هنالك قصة بساط الريح الذي قيل: إن سليمان كان يجلس عليه هو وحاشيته فيطير بهم إلى الشام في فترة وجيزة. وهي مسافة كانت تقطع في شهر على الجمال. ثم يعود كذلك .. وتستند هذه الرواية إلى ما ورد في سورة سبأ من قوله تعالى: وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ ولكن القرآن لم يذكر شيئا عن بساط الريح ذلك؟ ولم يرد ذكره كذلك في أي أثر مستيقن. فليس لنا ما نستند عليه لنقرر مسألة البساط، والأسلم إذن أن نفسر تسخير الريح بتوجيهها- بأمر الله- إلى الأرض المباركة في دورة تستغرق شهرا طردا وعكسا كيف؟ لقد قلنا: إن القدرة الإلهية الطليقة لا تسأل كيف؟ فخلق النواميس وتوجيهها هو من اختصاص تلك القدرة الطليقة. والمعلوم للبشر من نواميس الوجود قليل. ولا يمتنع أن تكون هناك نواميس أخرى خفية على البشر تعمل وتظهر آثارها عند ما يؤذن لها بالظهور: وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ ... العالم المطلق لا كعلم البشر المحدود وكذلك تسخير الجن لسليمان- ﵇ ليغوصوا في أعماق البحر وأعماق اليابسة. ويستخرجوا كنوزها المخبوءة لسليمان، أو ليعملوا له أعمالا غير هذا وذاك .. فالجن كل ما خفي وقد قررت النصوص القرآنية أن هناك خلقا يسمون الجن خافين علينا، فمن هؤلاء سخر الله لسليمان من يغوصون له ويعملون عملا دون ذلك. وحفظهم فلا يهربون ولا يفسدون ولا يخرجون على طاعة عبده. وهو القاهر فوق عباده يسخرهم حين يشاء كيف يشاء) وبمناسبة الكلام عن إدريس وذي الكفل في السورة يقول صاحب الظلال: (وأما إدريس فقد سبق إن زمانه مجهول وكذلك مكانه، وإن هنالك قولا بأنه أوزوريس الذي عبده المصريون بعد موته، وصاغوا حوله الأساطير. بوصفه المعلم الأول للبشر، الذي علمهم الزراعة والصناعة: ولكننا لا نملك على هذا دليلا. فلنعلم أنه كان من الصابرين على نحو من أنحاء الصبر الذي يستحق التسجيل في كتاب الله الباقي. وأما ذو الكفل فهو كذلك مجهول لا نملك تحديد زمانه ولا مكانه. والأرجح أنه من أنبياء بني إسرائيل. وقيل: إنه من صالحيهم، وأنه تكفل لأحد أنبيائه قبل موت هذا النبي. بأن يخلفه في بني إسرائيل على أن يتكفل بثلاث: أن يقوم الليل، ويصوم النهار ولا يغضب في القضاء. فوفى بما تكفل به، وسمي ذا الكفل لذاك، ولكن هذه ليست

стр. 3301

سوى أقوال لا دليل عليها. والنص القرآني يكفي في هذا الموضع لتسجيل صفة الصبر لذي الكفل). كلمة في السياق: ١ - في الفقرة الأولى من هذه المجموعة ذكر الله لنا موسى وهارون وإبراهيم وإسحاق ويعقوب ولوطا ونوحا ﵈ وفي هذه الفقرة ذكر لنا داود وسليمان وأيوب وإسماعيل وإدريس وذا الكفل ويونس وزكريا وعيسى ﵈، وكل منهم رسول، وكل منهم بشر، وهذا أول مظهر من مظاهر ارتباط ذكرهم ﵈ في سياق السورة. ٢ - هؤلاء الرسل منهم الملك الذي أعطي كل شئ كداود وسليمان ﵉ ومنهم من ابتلي حتى فقد كل شئ كأيوب ومنهم ومنهم وكلهم يجمعهم وصف إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ يجمعهم وصف العبودية لله، وهم أكمل خلق الله فأحرى بالناس أن يقتدوا بهم في أحوالهم وعبوديتهم، بدلا من أن يعرضوا، وهذا مظهر من مظاهر ارتباط هذه الفقرة بالسياق. ٣ - في ذكر العطاء الكبير الذي أعطاه الله داود وسليمان ﵉ ثم في ذكر قصة أيوب بعد ذلك مباشرة ما يشير إلى أن الرسول يمكن أن يكون كذلك، ويمكن أن يكون كذلك، فعطاء الله قد يتفاوت بين الأب والابن، سواء كان العطاء الدنيوي، أو العطاء الديني، ولا هذا يطعن في كون هذا رسولا، ولا هذا يطعن في كون هذا رسولا، فالتصورات الخاطئة في موضوع الرسالة ينبغي أن تعدل. وهذا مظهر آخر من مظاهر ارتباط هذه المجموعة في السياق. ٤ - إن صفة الصبر والصلاح صفتان مشتركتان عند كل رسول، وفي هذا درس للنذير ودرس للاقتداء. ٥ - في ذكر قصة يونس ﵇ في هذا المقام ما يشير إلى أن الرسول يحاسب هذا الحساب الدقيق، مع كل إقباله على الله وخوفه منه، فما بال المعرضين عن الله في غفلتهم، وهذا مظهر من مظاهر الصلة في السياق. ٦ - وفي ذكر قصة مريم وابنها ﵉ إشارة إلى عبودية المسيح عليه

стр. 3302

السلام، وكونه مخلوقا وآية، فليس هو إلا كذلك، رسول من رسل الله، وفي ذلك مظهر من مظاهر الارتباط في السياق؛ لأنه مر معنا من قبل قوله تعالى: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ ... وإذن فذكر الأنبياء في سياق السورة يخدم كل القضايا التي سبق وذكرت في السورة، وفي ذكر كل رسول من الرسل إقامة حجة جديدة على الكافرين الذين يرفضون التسليم بنبوة محمد ﷺ ويرفضون التسليم للوحي. وقد آن الأوان أن نلفت نظرك إلى أهم رابط يربط بين ذكر هؤلاء الأنبياء وسياق السورة فانتبه إليه. بدأت السورة بمقدمة: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ* ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ* لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ*. ثم جاء بعد هذا مباشرة قوله تعالى قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وهذا النص يأتي هنا بمثابة رد على كلامهم، فلما قال الرسول هذا الكلام، ثارت ثائرتهم فقالوا بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ فجاء الجواب على افترائهم الأخير وكلامهم الأول مع الأخير ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ .. وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ* وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ ... وإذ تأتي الردود على منطقهم فتدحضه، يبقى أن تأتي الأدلة على قول الرسول قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وفي ذكر قصص هؤلاء الأنبياء يأتي تقرير ذلك، ومن ثم نلاحظ تكرار كلمة: إِذْ نادى * فَاسْتَجَبْنا* وَنُوحاً إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ ... فَاسْتَجَبْنا لَهُ ... وَذَا النُّونِ ... فَنادى فِي الظُّلُماتِ .. فَاسْتَجَبْنا لَهُ ... وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ ... فَاسْتَجَبْنا لَهُ .... فالله يسمع النداء في كل حال ويستجيب، وفي ذكر قصة إبراهيم ولوط، وفي ذكر قصة سليمان وداود وقصة مريم، وقصة إسماعيل وإدريس وذي الكفل عليهم

стр. 3303

السلام ما نرى به مظاهر علم الله: وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ في قصة إبراهيم وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ في قصة داود وسليمان فذكر قصص الأنبياء في السياق يخدم مقدمات السورة كلها، إنك ترى أن كل ما ورد بعد الآيات الخمس الأولى في السورة إنما هو خدمة لمضامين هذه الآيات الخمس فإذا أدركت صلة الآيات الخمس الأولى بمحور السورة من سورة البقرة أدركت صلة بقية السورة بهذا المحور فإذا اتضحت صلة الفقرة الثانية من المجموعة السابعة بسياق السورة الخاص والعام فلنر بعض الفوائد المتعلقة بها الفوائد: ١ - لخص النسفي قصة نفش الغنم في الحرث، وحكم كل من سليمان وداود ﵉ ومكان هذا الحكم في شريعتنا بما يلي قال: (وقصته أن الغنم رعت الحرث وأفسدته بلا راع ليلا فتحاكما إلى داود، فحكم بالغنم لأهل الحرث، وقد استوت قيمتاهما أي قيمة الغنم كانت على قدر النقصان من الحرث، فقال سليمان- وهو ابن إحدى عشرة سنة:- غير هذا أرفق بالفريقين فعزم عليه ليحكمن، فقال: أرى أن تدفع الغنم إلى أهل الحرث ينتفعون بألبانها وأولادها وأصوافها، والحرث إلى رب الغنم حتى يصلح الحرث، ويعود كهيئته يوم أفسد، ثم يترادان، فقال: القضاء ما قضيت، وأمضى الحكم بذلك، وكان ذلك باجتهاد منهما، وكان ذلك في شريعتهم، فأما في شريعتنا فلا ضمان عند أبي حنيفة وأصحابه ﵃ بالليل أو بالنهار، إلا أن يكون مع البهيمة سائق أو قائد، وعند الشافعي رحمه الله تعالى يجب الضمان بالليل، وقال الجصاص: إنما ضمنوا لأنهم أرسلوها، ونسخ الضمان بقوله ﵇ «العجماء جبار» وقال مجاهد: كان هذا صلحا، وما فعله داود كان حكما والصلح خير). ٢ - بمناسبة قوله تعالى فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً ذكر ابن كثير ما يلي: قال: (روى ابن أبي حاتم ... عن حميد أن إياس بن معاوية لما استقضي أتاه الحسن فبكى، قال: ما يبكيك؟ قال: يا أبا سعيد بلغني أن القضاة رجل اجتهد فأخطأ فهو في النار، ورجل مال به الهوى فهو في النار، ورجل اجتهد فأصاب فهو في الجنة، فقال الحسن البصري: إن فيما قص الله من نبأ داود وسليمان ﵉ والأنبياء، حكما يرد هؤلاء الناس عن قولهم، قال الله تعالى وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ

стр. 3304

يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ فأثنى الله على سليمان، ولم يذم داود ثم قال (يعني الحسن) إن الله اتخذ على الحكام ثلاثا: لا يشتروا به ثمنا قليلا، ولا يتبعوا فيه الهوى ولا يخشوا فيه أحدا، ثم تلا يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وقال فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وقال: وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا* قلت:- القائل ابن كثير- أما الأنبياء ﵈ فكلهم معصومون مؤيدون من الله ، وهذا مما لا خلاف فيه بين العلماء المحققين، من السلف والخلف، وأما من سواهم فقد ثبت في صحيح البخاري عن عمرو بن العاص أنه قال: قال رسول الله ﷺ «إذ اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد وأخطأ فله أجر» فهذا الحديث يرد نصا ما توهمه إياس من أن القاضي إذ اجتهد فأخطأ فهو في النار- والله أعلم-. وفي السنن: القضاة ثلاثة: قاضي في الجنة وقاضيان في النار، رجل علم الحق وقضى به فهو في الجنة، ورجل حكم بين الناس على جهل فهو في النار، ورجل علم الحق فقضى خلافه فهو في النار» وقريب من قصة داود وسليمان في القرآن ما رواه الإمام أحمد في مسنده حيث قال عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله ﷺ : بينما امرأتان معهما ابنان لهما إذ جاء الذئب فأخذ أحد الابنين فتحاكما إلى داود فقضى به للكبرى فخرجتا فدعاهما سليمان فقال هاتوا السكين أشقه بينكما فقالت الصغرى: يرحمك الله هو ابنها لا تشقه، فقضى به للصغرى» وأخرجه البخاري ومسلم في صحيحهما وبوب عليه النسائي في كتاب القضاء (باب الحاكم يوهم خلاف الحكم ليستعلم الحق) وهكذا القصة التي أوردها الحافظ أبو القاسم بن عساكر في ترجمة سليمان ﵇ من تاريخه عن ابن عباس فذكر قصة مطولة ملخصها: أن امرأة حسناء في زمان بني إسرائيل راودها عن نفسها أربعة من رؤسائهم فامتنعت على كل منهم، فاتفقوا فيما بينهم عليها فشهدوا عليها عند داود ﵇، أنها مكنت من نفسها كلبا لها قد عودته ذلك، فأمر برجمها فلما كان عشية ذلك اليوم جلس سليمان واجتمع معه ولدان مثله، فانتصب حاكما، وتزيا أربعة منهم بزي أولئك، وآخر بزي المرأة، وشهدوا عليها بأنها مكنت من نفسها كلبا، فقال سليمان: فرقوا بينهم فسألوا أولهم ما كان لون الكلب فقال أسود فعزله، واستدعى الآخر فسأله عن لونه فقال: أحمر وقال الآخر أغبش وقال الآخر أبيض فأمر

стр. 3305

عند ذلك بقتلهم فحكي ذلك لداود ﵇ فاستدعى من فوره أولئك الأربعة، فسألهم متفرقين عن لون ذلك الكلب، فاختلفوا عليه فأمر بقتلهم» ٣ - بمناسبة قوله تعالى: وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ قال ابن كثير: وذلك لطيب صوته بتلاوة كتابه الزبور، وكان إذا ترنم به تقف الطير في الهواء فتجاوبه وترد عليه الجبال تأويبا، ولهذا لما مر ﷺ على أبي موسى الأشعري وهو يتلو القرآن من الليل- وكان له صوت طيب جدا- فوقف واستمع لقراءته وقال: «لقد أوتي هذا مزمارا من مزامير آل داود» قال: يا رسول الله لو علمت أنك تستمع لحبرته لك تحبيرا. وقال أبو عثمان النهدي: ما سمعت صوت صنج ولا بربط ولا مزمارا مثل صوت أبي موسى ﵁ ومع هذا قال ﵊: «لقد أوتي مزمارا من مزامير آل داود» ٤ - لم أجد لقوله تعالى وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ تفسيرا أطمئن إليه، فالآية تحتمل أن الريح تتحرك بأمره. بحيث تسير السفن في البحر كما يحب، وتحتمل أن الريح تأتي بالمطر والخصب كما يشاء بأمره، وتحتمل أن الريح مسخرة له لشئون أخرى، فما هي هذه الشئون؟ هل هي حمله وجنده من مكان إلى مكان، أو حمله منفردا؟ يذكر المفسرون شيئا من ذلك ولكنه لا يصلح نصا في الموضوع، لأنه ليس تفسيرا نبويا، ولا توصل إليه اللغة، فهو إذن في الغالب من الروايات الإسرائيلية التي لا تصلح معتمدا لفهم النصوص، وعلم تفصيل ذلك لا يترتب عليه شئ، ومن ثم لم يفصله لنا الله ولا رسوله، والعبرة حاصلة كيف كان هذا التسخير. ٥ - عند قصة أيوب يذكر المفسرون العجائب مما ليس له أصل في الكتاب، أو في السنة وبعضه لا يجوز اعتماده أبدا كما نص على ذلك علماء التوحيد، كذكرهم أن الدود أكله إلا قلبه ولسانه، وأنه ألقي على مزبلة، إن مثل هذا الكلام لا تصح روايته، ولا اعتماده، ولا أصل له إلا كلام أهل الكتاب، وكلامهم مليء بالسفه في حق الأنبياء، فكيف يعتمد، والسفر الذي يذكر في كتب العهد القديم ويسمى سفر أيوب فيه من أبشع ما يمكن أن ينسب إلى الأنبياء وظاهر من قراءته أنه من خيال بعض كتاب اليهود؛ إذ فيه حوار بين أيوب وصاحبين له. يظهر فيه بمظهر المعترض على الله في ابتلائه له- وحاشاه- والشئ الذي نحب أن نقرره أنه ليس عندنا في قصة أيوب ما نستطيع اعتماده إلا ما يفهمنا إياه النص القرآني، وما صح عن الرسول ﷺ في هذا الأمر- وهو

стр. 3306

قليل- سنراه في سورة (ص) إن شاء الله. ٦ - ما ذكرناه في التفسير من أن ذا الكفل هو إما إلياس وإما زكريا وإما يوشع بن نون هو ما ذكره النسفي، أما ابن كثير فيذكر مجموعة روايات عن المفسرين كلها تشير إلى أن ذا الكفل ليس برسول، بل هو خليفة رسول، أو قاض من قضاة بني إسرائيل وينبه إلى أن الحديث الوارد في قصة الكفل ليس له علاقة في موضوع ذي الكفل، وقد ذكر ابن كثير روايات عن المفسرين في هذا الشأن إلا أنه قدم لها بقوله: (وأما ذو الكفل فالظاهر من السياق أنه ما قرن مع الأنبياء إلا وهو نبي، وقال آخرون إنما كان رجلا وكان ملكا عادلا مقسطا وتوقف ابن جرير في ذلك) ولأن الأمر كما ذكره ابن كثير فقد أضربنا عن ذكر ما نقله .. والذي استقر عليه التأليف في العقائد أن ذا الكفل أحد الخمسة والعشرين رسولا الذين نص عليهم القرآن. ٧ - قصة يونس ﵇ مذكورة في سورة الأنبياء، وفي سورة الصافات، وفي سورة (ن)، وهناك إشارة إليها في سورة يونس، والدرس الأول الذي نأخذه منها هو أن الرسل لا يعملون ولا يتصرفون إلا بإذن، فهذا يونس ﵇ عند ما خرج من بين ظهراني قومه بدون إذن عاقبه الله، والدرس الثاني وهو محل القدوة لنا هو دعاؤه، قال ابن كثير: فقد جاء الترغيب في الدعاء به عن سيد الأنبياء ﷺ . روى الإمام أحمد ..... عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: مررت بعثمان بن عفان ﵁ في المسجد، فسلمت عليه، فملأ عينيه مني، ثم لم يرد علي السلام، فأتيت عمر بن الخطاب فقلت: يا أمير المؤمنين هل حدث في الإسلام شئ؟ مرتين قال لا، وما ذاك؟ قلت: لا إلا أني مررت بعثمان آنفا في المسجد فسلمت عليه فملأ عينيه مني فلم يرد علي السلام، قال فأرسل عمر إلى عثمان فدعاه فقال: ما منعك أن لا تكون رددت على أخيك السلام؟ قال: ما فعلت، قال: سعد قلت بلى حتى حلف وحلفت قال ثم إن عثمان ذكر فقال بلى، وأستغفر الله وأتوب إليه، إنك مررت بي آنفا وأنا أحدث نفسي بكلمة سمعتها من رسول الله ﷺ ، لا والله ما ذكرتها قط إلا تغشى بصري وقلبي غشاوة، قال سعد: فأنا أنبئك بها: أن رسول الله ﷺ ذكر لنا أول دعوة، ثم جاء أعرابي فشغله حتى قام رسول الله ﷺ فاتبعته، فلما أشفقت أن يسبقني إلى منزله، ضربت بقدمي الأرض، فالتفت إلي رسول الله ﷺ «من هذا أبو إسحاق» قال: قلت نعم يا رسول الله قال: «فمه» قلت: لا والله إلا أنك ذكرت لنا

стр. 3307

أول دعوة، ثم جاء هذا الأعرابي فشغلك، قال «نعم دعوة ذي النون إذ هو في بطن الحوت لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فإنه لم يدع بها مسلم ربه في شئ قط إلا استجاب له» ٨ - بمناسبة قوله تعالى عن يونس فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ يذكر النسفي هذه القصة عن ابن عباس ﵁ أنه دخل يوما على معاوية فقال: لقد ضربتني أمواج القرآن البارحة فغرقت فيها، فلم أجد لنفسي خلاصا إلا بك، قال: وما هي يا معاوية؟ فقرأ الآية فقال أو يظن نبي الله أن لا يقدر عليه قال: هذا من القدر لا من القدرة. ٩ - وبمناسبة الكلام عن ابتلاع الحوت ليونس ﵇ نذكر أن حوت العنبر يصل طوله إلى أن يكون تسعين مترا، وهو يستطيع أن يزدرد سمكة القرش الهائلة ويهضمها على مهل. ١٠ - الضمير في قوله تعالى إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ يعود على مجموعة الأنبياء المذكورين من قبل ممن استجاب الله لهم، فدل ذلك على أن الحال الكاملة التي يستجيب بها ربنا الدعاء هي هذه الحال، التي يجتمع فيها لأصحابها المسارعة إلى الخيرات، والدعاء رغبا ورهبا، والخشوع، ولا يعني هذا أن الله لا يستجيب إلا لمن هذا شأنه، فحضرة ربنا حضرة كرم، ولكن الله قص علينا هذا ليرفع هممنا إليه. المجموعة الثامنة وتمتد من الآية (٩٢) إلى نهاية الآية (١٠٦) وهذه هي [سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٩٢ الى ١٠٦] إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢) وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ (٩٣) فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كاتِبُونَ (٩٤) وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ (٩٥) حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يا وَيْلَنا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ (٩٧) إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ (٩٨) لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ (٩٩) لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ (١٠٠) إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ (١٠١) لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ (١٠٢) لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣) يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ (١٠٤) وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥) إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ (١٠٦)

стр. 3308

ملاحظات حول السياق: ١ - لاحظ أن الآية الأولى في هذه المجموعة منتهية بقوله تعالى: وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ وأن آخر آية في المجموعة منتهية بقوله تعالى: إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ فهذا مما يشير إلى وحدة المجموعة. ٢ - لاحظنا أن المجموعات الخامسة والسادسة والسابعة كل منها قد بدئ بكلمة (ولقد) ولكن هذه المجموعة تنتهي بكلمة (ولقد) وذلك في قوله تعالى: وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ وقد رأينا مثل هذا من قبل، حيث نرى علامة المقطع قد تأتي في أوله،

стр. 3309

أو في آخره كما رأينا ذلك في سورة النساء بشكل واضح. ٣ - مما يؤكد أن المجموعة تنتهي بما ذكرنا مجيء آية بعدها مبدوءة ب وَما وهي قوله تعالى وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ وقد رأينا أن مجيء كلمة وَما علامة على بداية مجموعة. ٤ - إن الصلة واضحة بين هذه المجموعة وما قبلها، ومن مظاهر الوضوح أن يأتي قوله تعالى وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً بعد أن قص الله علينا قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. ٥ - من مظاهر ارتباط هذه المجموعة بسياق السورة قوله تعالى: وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ لاحظ صلة ذلك بأول آية من السورة اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ ٦ - من مظاهر ارتباط المجموعة بمحور السورة من سورة البقرة قوله تعالى: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ لاحظ صلة ذلك بقوله تعالى من محور السورة وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ* ولنا عودة على السياق. التفسير: إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً أي أن هذه الأمة المتمثلة بجماعة الأنبياء هي أمتكم التي إليها تنتسبون وبها تعتزون وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ أي أنا الذي ربيتكم اختيارا فاعبدوني شكرا وافتخارا، أمتكم هي الأمة الإسلامية المتمثلة بالرسل ﵈ من لدن آدم إلى محمد ﷺ ، والرب هو الله وَتَقَطَّعُوا أي وتقطع الناس أَمْرَهُمْ أي أمر الأنبياء بَيْنَهُمْ فكل أخذ بجزء وقطعة إلا هذه الأمة المسلمة فقد أخذت أمر الأنبياء كله أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ ثم قال تعالى مهددا كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ أي هؤلاء الذين جهلوا أمر دينهم وساروا فرقا وأحزابا، والآخرون الذين أخذوا أمر الأنبياء كله وهو الإسلام الكامل، هؤلاء جميعا راجعون إلينا فنجازيهم على أعمالهم إن خيرا فخير وإن شرا فشر ولهذا قال فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ شيئا وَهُوَ مُؤْمِنٌ أي مصدق بما يجب الإيمان به فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ أي فإن سعيه مشكور مقبول وَإِنَّا لَهُ كاتِبُونَ أي يكتب جميع عمله فلا يضيع عليه شئ، والكاتبون هم الحفظة بأمر الله، والمكتوب هو السعي، والمكتوب فيه صحائف الأعمال.

стр. 3310

كلمة في السياق: ١ - بهذه الآيات الثلاث انتهى الكلام عن الأنبياء ﵈، فهم أمة واحدة ومحمد ﷺ واحد منهم، والله هو الرب، وانقسام الناس أثر عن الإيمان والكفر، ونجاة المؤمنين الصالحين بسبب سلوكهم طريق النجاة، ولقد جاء الكلام عن الأنبياء بعد المجموعة التي بدأت بقوله تعالى: وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ. ومن ثم فإن ذكر مجموعة الأنبياء في هذا السياق فيه إقامة حجة على من تصور أن محمدا ﷺ ليس رسولا لأنه بشر، ومجيء الآيات الثلاث بعد ذكر مجموعة الأنبياء يشير إلى أن الدخول في أمة الأنبياء إنما هو في الدخول في دين محمد ﷺ . ٢ - نلاحظ أنه قد ورد في المجموعة التي بدايتها قوله تعالى: وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ ورد قوله تعالى وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ وقد مر معنا في قصص الأنبياء كيف أهلك الله قوم لوط وقوم نوح، والآن يأتي قوله تعالى: وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ يعني أوجب الله وقدر أن أهل كل قرية أهلكوا أنهم لا يرجعون إلى الدنيا قبل يوم القيامة، أي انتهى أمرهم؛ فسارعوا أيها الناس إلى الدخول في الإسلام، ويمكن أن يكون المعنى: وممتنع على مهلك ألا يرجع إلى الله بالبعث، أي إن مصير كل قرية أهلكناها البعث، فليدخل الناس بالإيمان، وليعملوا عملا صالحا لأنهم مبعوثون، ويمكن أن يكون المعنى: وحرام على قرية قدرنا إهلاك أهلها، أو حكمنا بإهلاكهم أن يرجعوا من الكفر إلى الإسلام، فليحذر الناس أن يستحقوا سخط لله هذا فيهلكوا لا محالة، فالآية فيها تحذير على كل حال، ودعوة إلى الدخول في الإسلام والعمل الصالح. كلمة في السياق: نلاحظ من الآية السابقة كيف أن الارتباط بين ما ورد قبل ذكر قصص الأنبياء، وبين آيات هذه المجموعة واضح، والآن لنلاحظ أنه قبل قصص الأنبياء في السورة ورد قوله تعالى: قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ وَلَئِنْ

стр. 3311

مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ* وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ والآن يأتى قوله تعالى: حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ على الناس وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ أي نشر من الأرض، أي ارتفاع يَنْسِلُونَ يسرعون في المشي إلى الفساد وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ أي يوم القيامة، فإنه إذ تفتح يأجوج ومأجوج يكون قد شارف فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا أي مرتفعة الأجفان، لا تكاد تطرف من هول ما هم فيه، وذلك إذا قامت القيامة يا وَيْلَنا أي يقولون يا ويلنا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا في الدنيا بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ بوضعنا العبادة في غير محلها. ملاحظة: إذا مستهم نفحة العذاب في الدنيا قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ وإذا جاء يوم القيامة قالوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ ألا ترى الصلة واضحة بين ما ورد قبل قصص الأنبياء، وبين ما نحن فيه الآن، وبين بداية السورة، وبين ما نحن فيه الآن: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ في أول السورة، وهاهنا يذكر الله موضوع اقتراب يوم القيامة، وقول الكافرين إذا جاء قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ فهم يعترفون بتقصيرهم حيث لا ينفع التقصير. وإذ أرجعنا السياق إلى أول السورة فالآن يأتي التهديد للذين ذكر حالهم أول السورة، وهم المعرضون الغافلون والذين زادتهم السورة توضيحا بأنهم مشركون فيقول: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني الأصنام وإبليس وأعوانه، لأنهم بطاعتهم لهم واتباعهم خطواتهم في حكم عبدتهم حَصَبُ جَهَنَّمَ أي حطبها ووقودها أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ أي فيها داخلون لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً أي كما زعمتم ما وَرَدُوها أي ما دخلوا النار وَكُلٌّ من العابد والمعبود فِيها أي في النار خالِدُونَ لا يخرجون منها أبدا لَهُمْ أي الكفار فِيها زَفِيرٌ أي أنين وبكاء وعويل وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ شيئا ما؛ لأنهم صاروا صما، وفي السماع نوع أنس لهم فلم يعطوه. هذا حال أهل الشقاوة، فكيف حال أهل السعادة؟ إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أي الخصلة المفضلة وهي السعادة، أو البشرى بالثواب أو التوفيق للطاعة أُولئِكَ عَنْها أي عن جهنم مُبْعَدُونَ لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها أي صوتها الذي

стр. 3312

يحس أو حركة تلهبها، أي لا يقربونها حتى لا يسمعوا صوتها وصوت ما يجري فيها وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ ومن النعيم خالِدُونَ أي مقيمون والشهوة طلب النفس اللذة لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ أي النفحة الأخيرة وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ أي تستقبلهم الملائكة مهنئين على أبواب الجنة يقولون هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ أي هذا ثوابكم الذي وعدكم الله به في الدنيا يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ أي نجمعها كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ أي للمكتوبات فيه قال الألوسي: ثم إن الظاهر من الأخبار الصحيحة أن العرش لا يطوى كما تطوى السماء كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ أي كما أوجدنا أول خلق خلقناه نعيد الخلق مرة ثانية وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ أي وعدا منا كائنا لا محالة إنا كنا فاعلين ذلك أي محققين هذا الوعد فاستعدوا له، وقدموا صالح الأعمال للخلاص من هذه الأهوال. هذا ما أعد الله لأهل الإيمان في الآخرة ووعدهم إياه. وأما ما وعدهم به في الدنيا: وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ أي كتاب داود مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أي بعد التوراة أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ أي من آمن وعمل صالحا إِنَّ فِي هذا أي القرآن، أو في هذه السورة من الأخبار والوعد والوعيد والمواعظ لَبَلاغاً أي لكفاية ومنفعة لِقَوْمٍ عابِدِينَ أي موحدين. قال ابن كثير (وهم الذين عبدوا الله بما شرعه، وأحبه ورضيه، وآثروا طاعة الله على طاعة الشيطان، وشهوات أنفسهم) هذا جزاء أهل الإيمان والعمل الصالح والعبادة في الدنيا: الاستخلاف. قال صاحب الظلال في قوله تعالى: أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ (فما هي هذه الوراثة؟ من هم عباد الله الصالحون؟ لقد استخلف الله آدم في الأرض لعمارتها وإصلاحها، وتنميتها وتحريرها واستخدام الكنوز والطاقات المرصودة فيها، واستغلال الثروات الظاهرة والمخبوءة، والبلوغ بها إلى الكمال المقدر لها في علم الله. ولقد وضع الله للبشر منهجا كاملا متكاملا للعمل على وفقه في هذه الأرض، منهجا يقوم على الإيمان والعمل الصالح. وفي الرسالة الأخيرة للبشر فصل هذا المنهج، وشرع له القوانين التي تقيمه وتحرسه، وتكفل التناسق والتوازن بين خطواته. في هذا المنهج ليست عمارة الأرض واستغلال ثرواتها والانتفاع بطاقاتها وهو حده

стр. 3313

المقصود. ولكن المقصود هو هذا مع العناية بضمير الإنسان؛ ليبلغ الإنسان كماله المقدر له في هذه الحياة. فلا ينتكس حيوانا في وسط الحضارة المادية الزاهرة، ولا يهبط إلى الدرك بإنسانيته وهو يرتفع إلى الأوج في استغلال موارد الثروة الظاهرة والمخبوءة. وفي الطريق لبلوغ ذلك التوازن والتناسق تشيل كفة وترجح كفة. وقد يغلب على الأرض جبارون وظلمة وطغاة. وقد يغلب عليها همج ومتبربرون وغزاة وقد يغلب عليها كفار فجار يحسنون استغلال قوى الأرض وطاقاتها استغلالا ماديا .. ولكن هذه ليست سوى تجارب الطريق. والوراثة الأخيرة هي للعباد الصالحين، الذين يجمعون بين الإيمان والعمل الصالح. فلا يفترق في كيانهم هذان العنصران ولا في حياتهم. وحيثما اجتمع إيمان القلب ونشاط العمل في أمة فهي الوارثة للأرض في أية فترة من فترات التاريخ. ولكن حين يفترق هذان العنصران فالميزان يتأرجح. وقد تقع الغلبة للآخذين بالوسائل المادية حين يهمل الأخذ بها من يتظاهرون بالإيمان وحين تفرغ قلوب المؤمنين من الإيمان الصحيح الدافع إلى العمل الصالح، وإلى عمارة الأرض والقيام بتكاليف الخلافة التي وكلها الله إلى هذا الإنسان. وما على أصحاب الإيمان إلا أن يحققوا مدلول إيمانهم، وهو العمل الصالح، والنهوض بتبعات الخلافة ليتحقق وعد الله، وتجري سنته: أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ ... فالمؤمنون العاملون هم العباد الصالحون ... ) كلمة في السياق: إن الصلة بين هذه المجموعة وبين محور السورة من سورة البقرة وهو قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ واضحة، فقد رأينا صورة عن العذاب المعد لهؤلاء ورأينا أن من سبقت له العناية لا يدخل تحت هذا الوعيد: والآن تأتي المجموعة التاسعة وهي مبدوءة ب وَما وهي تكمل الرد على ما زعموه في قولهم هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ... بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ ... لتبين لهم أن محمدا ﷺ لا كما تصوروا وتوهموا. وسنبدأ عرض المجموعة التاسعة مؤخرين ذكر فوائد المجموعة الثامنة إلى ما بعد عرض المجموعة التاسعة.

стр. 3314

المجموعة التاسعة وتمتد من الآية (١٠٧) إلى نهاية الآية (١١٢) وهذه هي [سورة الأنبياء (٢١): الآيات ١٠٧ الى ١١٢] وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ (١٠٧) قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ (١٠٩) إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ (١١٠) وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (١١١) قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ (١١٢) التفسير: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ لأنه جاء بما يسعدهم إن اتبعوه، ومن لم يتبع فإنما أوتي من عند نفسه حيث ضيع نصيبه منها. قال النسفي (وقيل هو رحمة للمؤمنين في الدارين وللكافرين في الدنيا بتأخير الاستئصال والمسخ والخسف). كلمة في السياق: نلاحظ أن المجموعات الثمانية ردت على قول الكافرين كل واحدة منها بشكل يكمل الآخر. هم قالوا هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ .. بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ فجاء الجواب ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ* وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ* وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ

стр. 3315

وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ وإذ قامت الحجة عليهم ببطلان ما تصوروه ورد ما زعموه فإن السياق الآن يأمر رسول الله ﷺ أن يقول: قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ أي متبعون على ذلك مستسلمون منقادون له، أي أسلموا، حصر الوحي كله بالتوحيد ووجوب الاستسلام للوحي فَإِنْ تَوَلَّوْا أي فإن تركوا ما دعوتهم إليه، أي فإن أعرضوا عن الإسلام فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ أي أعلمتكم ما أمرت به مستوين في الإعلام به ولم أخصص بعضكم. قال النسفي: وفيه دليل بطلان مذهب الباطنية. ويمكن أن يكون المعنى: فقل أعلمتكم أني حرب لكم كما أنكم حرب لي، بريء منكم كما أنتم برآء مني، أي أعلمتكم ببراءتي وبراءتكم مني لعلمي بذلك وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ أي ولا أدري متى يكون يوم القيامة، لأن الله يطلعني عليه ولكني أعلم بأنه كائن لا محالة، أو لا أدري متى يحل بكم العذاب إن لم تؤمنوا إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ في صدوركم من الأحقاد للمسلمين، وهو يجازيكم عليه وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ أي امتحان وَمَتاعٌ أي تمتيع إِلى حِينٍ أي إلى الموت أي وما أدري لعل تأخير العذاب عنكم في الدنيا امتحان لكم؛ لينظر كيف تعملون وتمتيع لكم إلى الموت؛ ليكون ذلك حجة عليكم، وهكذا أمرت هذه المجموعة الرسول ﷺ أن ينذر الإنذار الأخير، وأن يرد الرد النهائي الحاسم. كلمة في السياق: قلنا إن محور سورة الأنبياء من سورة البقرة هو قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ وقد رأينا في المجموعة الأخيرة كيف أمر الله رسوله ﷺ أن ينذر، فدل ذلك على أن استواء الإنذار وعدمه في حق الكافرين شئ، ووجب التبليغ واتخاذ المواقف شئ آخر. ولم يبق عندنا في المجموعة إلا آية واحدة هي خاتمة هذه السورة وهي قوله تعالى: قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ قالَ أي الرسول ﷺ رَبِّ أي يا رب احْكُمْ بِالْحَقِّ أي اقض بيننا وبين الكافرين بالعدل وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ أي العاطف على خلقه الْمُسْتَعانُ أي

стр. 3316

المطلوب منه المعونة عَلى ما تَصِفُونَ أي على ما تقولون وتفترون من الكذب. قال صاحب الظلال: عند هذه الآية (يتوجه الرسول ﷺ إلى ربه، وقد أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، وآذنهم على سواء، وحذرهم بغتة البلاء .. يتوجه إلى ربه الرحمن يطلب حكمه الحق بينه وبين المستهزئين الغافلين، ويستعينه على كيدهم وتكذيبهم، وهو وحده المستعان. قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ وصفة الرحمة الكبيرة هنا ذات مدلول. فهو الذي أرسله رحمة للعالمين فكذب به المكذبون واستهزأ به المستهزءون وهو الكفيل بأن يرحم رسوله ويعينه على ما يصفون. كلمة في السياق: بدأت السورة بقوله تعالى: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ* ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ* لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ وبعد ذلك جاء قوله تعالى على لسان الرسول ﷺ : قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ثم لم ترد كلمة (قال) إلا في الآية الأخيرة: قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ وما بين ذلك عرض لتتمة أقوالهم ورد لها لتقوم عليهم الحجة فماذا نفهم من ذلك كله؟ إن محور السورة هو قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ جاءت مقدمة السورة لتبين حال هؤلاء عند الإنذار مما يدل على أنهم لا يستفيدون منه. ثم جاءت الآية المبدوءة بقوله تعالى: قالَ ثم سار السياق حتى آخر آية وهي مبدوءة بقوله تعالى: قالَ مما يشير إلى: أنه مع هذا النوع من الكافرين علينا أن نقول شيئين: رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ هذا هو الموقف المكافئ لوضع هذا النوع من الكافرين. ولكن ما بين القولين رد وإقامة حجة، مما يدل على أنه حتى مع الذين علمنا يقينا

стр. 3317

أنه لا فائدة من إنذارهم لا بد من إقامة الحجة عليهم، وتحطيم كل شبهة يطرحونها وتبليغهم والآن لاحظ أنه قد جاء في أول السورة قوله تعالى: قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وها نحن نجد قبل الآية الأخيرة بآية قوله تعالى: إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ .... فالصلة بين ما ورد في أوائل السورة وبين آخرها صلة واضحة، فالإنذار الأخير المبدوء بقوله تعالى قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ فَإِنْ تَوَلَّوْا ... إن هذا الإنذار هو الحصيلة النهائية التي تأتي كنتيجة لكل ما سبق. ملاحظة: رأينا أن كلمة قالَ الواردة على لسان الرسول ﷺ تكررت مرتين والذي نحب أن نذكر به أنها كذلك على قراءة حفص التي مدار هذا التفسير عليها، إلا أنها في قراءات أخرى آتية بلفظ قل فلوا أننا ألزمنا أنفسنا بتفسير تلك القراءات لكان للسياق توجيهاته الأخرى، وعندئذ فالأمر لا يتناهى منه العجب، ولنا عودة على هذا الموضوع فوائد حول آيات المجموعتين الثامنة والتاسعة: ١ - بمناسبة قوله تعالى إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً يذكر ابن كثير الحديث «نحن معاشر الأنبياء أولاد علات أمهاتنا شتى وديننا واحد» وفي مقدمة كتاب الإسلام من سلسلة الأصول الثلاثة بينا كيف أن كل رسول بعث بالإسلام، وأن رسالات الرسل كلها تتفق في الأصول، وتختلف أحيانا في بعض الفروع، وفي الفصل الثالث من كتاب (الإسلام) تحدثنا عن كون الأمة الإسلامية أمة واحدة في كل شئ ومن ذلك تاريخها إذ أن كل رسول لله هو من هذه الأمة وإليه تنتسب هذه الأمة. ٢ - ذكرنا ماذا تعني آية وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ وأنها تعني: أن الكافرين تقطعوا أمر الأنبياء فيما بينهم بينما أمر الأنبياء واحد، وقد تجمع أمر الأنبياء كله في محمد ﷺ قال تعالى أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ وتجمع كل هدي الأنبياء في القرآن. قال تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ وكان رسول الله ﷺ خلقه القرآن، فما لم يأخذ الإنسان القرآن كله، وما يقتد اقتداء كاملا برسول الله فإنه لا يكون قد أخذ أمر الأنبياء كله.

стр. 3318

٣ - رأينا أن السورة بدأت بقوله تعالى اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ وقبيل نهاية السورة جاء قوله تعالى حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ* وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يا وَيْلَنا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ وإذن ففي أواخر السورة كان حديث عن علامة من علامات الساعة، وهي خروج يأجوج ومأجوج، والذي نحب أن نذكره هنا بهذه المناسبة: أ- خروج يأجوج ومأجوج الذي هو علامة على قيام الساعة وهو خروجهم زمن نزول المسيح ﵇، ومجيئهم إلى بلاد الشام وقتذاك، وإنزال الله بهم عذاب الاستئصال في هذه البلاد. ب- فهم الكثير أن قوله تعالى حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ أن المراد بكلمة فُتِحَتْ الانهدام الحسي للسد الذي بناه ذو القرنين واللفظ القرآني يحتمل هذا المعنى ويحتمل غيره، وإذ رأينا في عصرنا أنه لا يحول بين الناس الذين هم مظنة أن يكونوا يأجوج ومأجوج سد، تعين أن نحمل كلمة فُتِحَتْ على معناها الآخر، وهي انفتاح هؤلاء الناس على العالم، واجتياحهم له، وخاصة أرض الشام، حيث يكون هلاكهم، والذي يرجح هذا المعنى أنه ليس في كل الأحاديث التي رويت في شأنهم ما يشير إلى أن خروجهم ذلك مرتبط بانهدام السد الحسي فمثلا خذ مجموعة الأحاديث التي ذكرها ابن كثير في هذا المقام والتي سننقلها لك تجد التعابير الآتية: «تفتح يأجوج ومأجوج فيخرجون على الناس فأوحى الله إلى عيسى ابن مريم ﵇ أني أخرجت عبادا من عبادي لا يدان لأحد بقتالهم» «فعند ذلك يخرج يأجوج ومأجوج ... » فأنت ترى أن هذه الألفاظ لا تفيد أن خروجهم له علاقة بانهدام سد حسي، إن يأجوج ومأجوج كما قال ابن كثير: (من سلالة آدم ﵇، بل هم من نسل نوح أيضا من أولاد يافث أي أبي الترك، والترك شرذمة منهم تركوا من وراء السد الذي بناه ذو القرنين) وفي حديث رواه الإمام أحمد سننقله في الفائدة المقبلة يصفهم ﵊ «عراض الوجوه، صغار العيون، صهب الشعاف، من كل حدب ينسلون كأن وجوههم المجان المطرقة».

стр. 3319

إن هذه الصفات لا يخطئ أحد صفات أصحابها من شرق آسيا، وليس شرق آسيا محجوبا عن غربها بسد حسي حاليا، وإذن فقوله تعالى حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ يحتمل فتحهم على العالم، أو يحتمل حالة أخرى تسبق خروجهم، وهي علامة عليه، وهي أن يسيطر المسلمون عليهم، وتفتح بلادهم للمسلمين، عندئذ تكون الساعة قد قربت، فإذا أعقب ذلك ردة فعل عندهم، يخرجون بها على المسلمين، ويدمرون بلادهم حتى يصلوا إلى الشام، حيث يفنيهم الله، فإن الساعة وقتذاك تكون دانية جدا، وعلى كل الأحوال فإن التحديد الكامل لمعنى حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ يكاد يكون متعذرا في عصرنا، ومن ثم فلنعتبر هذا الموضوع في بعض جوانبه قضية غيبية (الله أعلم بها) نؤمن بكل ما ورد فيها ونترك التعيين والتحديد، ونحب هنا أن نشير إلى أن الشئ الوحيد الذي ذكره ابن كثير مما يفهم منه أن الآية مرتبطة بالفتح الحسي لسد مادي هو كلام مروي عن كعب الأحبار، خلط به كعب بين ما هو من كلام رسولنا ﵊ وبين غيره، ومع أن ابن كثير يثني على كلامه هذا فإننا لا نعطيه إلا ما نعطي بقية كلامه إذا لم يكن له أصل من كتاب أو سنة، فقد دخل بسبب الثقة بكلام كعب- ولا اعتراض لنا على الثقة بشخصه- لقد دخل بسبب كلامه على كتبنا الطامات. ٤ - قال الشيخ عبد الفتاح أبو غدة حفظة الله ورعاه: (ويأجوج ومأجوج كل واحد من هذين اللفظين اسم لقبيل، وأمة من الناس، مسكنهم في أقصى الشرق .. قال العلامة جمال الدين القاسمي ﵀ في تفسيره (محاسن التأويل) عند ذكرهم في سورة الكهف ١١: ٤١١٦: قال بعض المحققين: كان يوجد من وراء جبل من جبال القوقاز المعروف عند العرب بجبل قاف في إقليم داغستان: قبيلتان تسمى إحداهما: (آقوق) والثانية (ماقوق) فعربها العرب باسم يأجوج ومأجوج، وهما معروفان عند كثير من الأمم، وورد ذكرهما في كتب أهل الكتاب، ومنهما تناسل كثير من أمم الشمال والشرق في روسيا وآسيا. أقول: مما ذكر في كتب أهل الكتاب عن يأجوج ومأجوج ما ورد في كتاب حزقيال في الإصحاح الثامن والثلاثين والإصحاح التاسع والثلاثين ومن ذلك (لذلك تنبأ يا ابن آدم وقل لجوج ... ) (وأتي بك على أرضي لكي تعرفني الأمم حين أتقدس فيك

стр. 3320

أمام أعينهم يأجوج ... ويكون في ذلك اليوم يوم مجيء جوج على أرض إسرائيل ... ها أنا ذا عليك يأجوج رئيس روش ماشك وتوبال) وفى هذا السفر كلام واضح عن مجيء يأجوج ومأجوج إلى فلسطين وما يحدث لهم من إقامة. ٥ - بمناسبة ذكر يأجوج ومأجوج في هذه السورة يذكر ابن كثير خمسة أحاديث هذه هي: أ- روى الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تفتح يأجوج ومأجوج فيخرجون على الناس كما قال الله وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ فيغشون الناس، وينحاز المسلمون عنهم إلى مدائنهم وحصونهم، ويضمون إليهم مواشيهم، ويشربون مياه الأرض، حتى إن بعضهم ليمر بالنهر فيشربون ما فيه حتى يتركوه يابسا، حتى إن من بعدهم ليمر بذلك النهر فيقول: قد كان هاهنا ماء مرة، حتى إذا لم يبق من الناس أحد إلا في حصن أو مدينة، قال قائلهم: هؤلاء أهل الأرض قد فرغنا منهم بقي أهل السماء، قال ثم يهز أحدهم حربته ثم يرمي بها إلى السماء فترجع إليه مخضبة دما للبلاء والفتنة، فبينما هم على ذلك بعث الله دودا في أعناقهم كنغف الجراد الذي يخرج في أعناقه، فيصبحون موتى لا يسمع لهم حس، فيقول المسلمون ألا رجل يشري لنا نفسه فينظر ما فعل هذا العدو، قال: فينحدر رجل منهم محتسبا نفسه قد أوطنها على أنه مقتول، فينزل فيجدهم موتى بعضهم على بعض، فينادي يا معشر المسلمين ألا أبشروا إن الله قد كفاكم عدوكم، فيخرجون من مدائنهم وحصونهم، ويسرحون مواشيهم، فما يكون رعى إلا لحومهم فتشكر عنهم كأحسن ما شكرت عن شئ من النبات أصابته قط». ب- روى الإمام أحمد ... عن النواس بن سمعان الكلابي قال ذكر رسول الله ﷺ الدجال ذات غداة، فخفض فيه ورفع حتى ظنناه في ناحية النخل، فقال: «غير الدجال أخوفني عليكم، فإن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فكل امرئ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم، وإنه شاب جعد قطط عينه طافية، وإنه يخرج خلة بين الشام والعراق، فعاث يمينا وشمالا، يا عباد الله اثبتوا، قلنا: يا رسول الله ما لبثه في الأرض؟ - قال «أربعون يوما يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم» قلنا: يا رسول الله فذاك اليوم الذي كسنة

стр. 3321

أيكفينا فيه صلاة يوم وليلة قال: «لا، أقدروا له قدره قلنا: يا رسول الله فما إسراعه في الأرض؟ قال: كالغيث استدبرته الريح، قال فيمر بالحي فيدعوهم فيستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت، وتروح عليهم سارحتهم وهي أطول ما كانت ذري وأمده خواصر وأسبغه ضروعا، ويمر بالحي فيدعوهم فيردون عليه قوله، فتتبعه أموالهم فيصبحون ممحلين ليس لهم من أموالهم شئ، ويمر بالخربة فيقول لها: أخرجي كنوزك فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل- قال- ويأمر برجل فيقتل فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين رمية الغرض، ثم يدعوه فيقبل إليه، فبينما هم على ذلك إذ بعث الله المسيح ابن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين واضعا يديه على أجنحة ملكين فيتبعه فيدركه فيقتله عند باب لد الشرقي- قال- فبينما هم كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى ابن مريم ﵇: أني قد أخرجت عبادا من عبادي لا يدان لك بقتالهم فحرز عبادي إلى الطور، فيبعث الله يأجوج ومأجوج، كما قال تعالى وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ فيرغب وأصحابه إلى الله فيرسل عليهم نغفا في رقابهم فيصبحون موتى كموت نفس واحدة فيهبط عيسى وأصحابه فلا يجدون في الأرض بيتا إلا قد ملأه زهمهم ونتنهم فيرغب عيسى وأصحابه إلى الله ، فيرسل الله عليهم طيرا كأعناق البخت، فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله. ج- روى الإمام أحمد ... عن ابن حرملة عن خالته قالت: خطب رسول الله ﷺ وهو عاصب إصبعه من لدغة عقرب فقال «إنكم تقولون لا عدو لكم، وإنكم لا تزالون تقاتلون عدوا حتى يأتي يأجوج ومأجوج عراض الوجوه صغار العيون، صهب الشعاف من كل حدب ينسلون كأن وجوههم المجان المطرقة». د- روى الإمام احمد ... عن ابن مسعود ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «لقيت ليلة أسري بي إبراهيم وموسى وعيسى ﵈ قال- فتذاكروا أمر الساعة، فردوا أمرهم إلى إبراهيم، فقال: لا علم لي بها، فردوا أمرهم إلى موسى فقال؛ لا علم لي بها، فردوا أمرهم إلى عيسى فقال: أما وجبتها فلا يعلم بها أحد إلا الله، وفيما عهد إلي ربي أن الدجال خارج، ومعي قضيبان فإذا رآني ذاب كما يذوب الرصاص، قال فيهلكه الله، إذا رآني حتى إن الحجر والشجر يقول: يا مسلم إن تحتي كافرا فتعال فاقتله، قال فيهلكهم الله، ثم يرجع الناس إلى بلادهم وأوطانهم، قال فعند ذلك يخرج يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون، فيطئون بلادهم، ولا يأتون

стр. 3322

على شئ إلا أهلكوه، ولا يمرون على ماء إلا شربوه، قال ثم يرجع الناس إلى أوطانهم يشكونهم فأدعو الله عليهم فيهلكهم ويميتهم حتى تجوى الأرض من نتن ريحهم، وينزل الله المطر فيجترف أجسادهم حتى يقذفهم في البحر، ففيما عهد إلي ربي أن ذلك إذا كان كذلك أن الساعة كالحامل المتم لا يدري أهلها متى تفجؤهم بولدها ليلا أو نهارا» هـ- أخرج الإمام أحمد والبخاري عن أبي سعيد قال «قال رسول الله ﷺ ليحجن هذا البيت وليعتمرن بعد خروج يأجوج ومأجوج» ٦ - هناك اتجاهان في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ الاتجاه الأول: أنها في أمثال المسيح وعزير ممن عبد من دون الله وهو لا يرضى بذلك. والاتجاه الثاني: أنها في كل مؤمن والمسيح وعزير من أسياد المؤمنين، ويشهد لذلك قول علي «أنا منهم وعمر منهم ... » - كما سنرى- والذي أقوله: إن الآية عامة ويدخل فيها من باب أولى المسيح وعزير، فليس بين القولين تعارض بحيث يلغي أحد القولين الآخر. أخرج ابن أبي حاتم ... عن النعمان بن بشير قال وسمر مع علي ذات ليلة فقرا إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ قال: أنا منهم وعمر منهم، وعثمان منهم، والزبير منهم وطلحة منهم وعبد الرحمن منهم، أو قال سعد منهم، قال وأقيمت الصلاة، فقام وأظنه يجر ثوبه وهو يقول لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها. قال ابن كثير: وذكر بعضهم قصة ابن الزبعرى ومناظرة المشركين قال أبو بكر بن مردويه ... عن ابن عباس قال: جاء عبد الله بن الزبعرى إلى النبي ﷺ فقال: تزعم أن الله أنزل عليك هذه الآية إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ فقال ابن الزبعرى: قد عبدت الشمس، والقمر، والملائكة، وعزير، وعيسى ابن مريم، كل هؤلاء في النار مع آلهتنا؟ فنزلت وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ* وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ثم نزلت إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ. ٧ - بمناسبة قوله تعالى: يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ أقول: أ- يروي بعضهم حديثا موضوعا يزعم فيه أن السجل اسم لكاتب كان يكتب

стр. 3323

لرسول الله ﷺ ، قال ابن كثير (وقد صرح جماعة من الحفاظ بوضعه، وإن كان في سنن أبي داود). ب- اختلفت عبارات المفسرين في تفسير السجل، وظاهر اللفظ أن السجل شئ يوضع فيه كتب، ثم يطوى عليها فتنطوى به وهذا من أوضح الواضحات من السياق. ٨ - قوله تعالى: كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ يعطينا معنى، وكونه آتيا بعد قوله تعالى يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ يعطينا معنى أوسع. أ- فمما يعطينا قوله تعالى كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ منفصلا، هو ما علمنا إياه رسول الله ﷺ في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأخرجاه في الصحيحين وهو إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة غرلا كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ ب- وأما ما يعطينا إياه هذا القول، من حيث كونه آتيا بعد قوله تعالى: يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ فهو أن هذه السموات والأرض كانتا في الأصل شيئا واحدا، ثم حدث الفصل كما قال تعالى في نفس السورة أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وفي هذه الآية يذكر الله أنه سيعيد السموات والأرض شيئا واحدا كما كانتا قبل الفصل، وقد ذكر ابن كثير عن هذه الآية ما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: (يطوي الله السموات السبع بما فيها من الخليقة، والأرضين السبع بما فيها من الخليقة، يطوي ذلك كله بيمينه، يكون ذلك كله في يده بمنزلة الخردلة) وبهذه المناسبة نشير إلى مظهر من مظاهر الإعجاز في القرآن نذكره بفائدة مستقلة هي الآتية ٩ - وصف الله كتابه بقوله تعالى أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً من هذا النص نفهم أن القرآن يصدق بعضه بعضا، ولا يتناقض، وهذا شئ واضح لكل من تأمل كتاب الله وفهمه ولكن في هذا القرآن من الدقائق ما لو تأملها الإنسان لكفته وحدها لإدراك أن هذا القرآن من عند الله. خذ مثلا ما نحن بصدده:

стр. 3324

جاء في سورة الأنبياء قوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وجاء فيها يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وفي سورة الزمر وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ إنك عند ما تتأمل هذه الآيات الثلاث، وكيف أنها تخدم بعضها، لتؤدي معنى معينا في قضية لا تخطر ببال البشر أصلا، لا من حيث الابتداء، ولا من الانتهاء، تدرك هذا المظهر من مظاهر الإعجاز. وخذ مثلا آخر: في هذه السورة ورد قوله تعالى عن يونس فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ ... وفي سورة الصافات فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ عند ما تتأمل النصين، وهما في سورتين متباعدتين، وكيف أن أحدهما يخدم الآخر، والآخر يبني عليه، فإنك تدرك أن مثل هذه الدقة لا يمكن أن تكون إلا إذا كان هذا الكتاب أثر علم الله المحيط، فيا أرحم الراحمين زدنا إيمانا ويقينا وتصديقا، وأمتنا على الإسلام واحشرنا عليه وأدخلنا الجنة مع السابقين ١٠ - هناك خلاف بين المفسرين حول المراد (بالزبور) في قوله تعالى وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ وهناك خلاف حول المراد بالذكر في الآية نفسها وقد ذكرنا في صلب التفسير ما نعتمده في هذه القضايا وهاهنا نفصل: - اعتمدنا في تفسير الزبور والذكر ما نسبه ابن كثير لابن عباس والشعبي والحسن وقتادة وغير واحد وهو: الزبور الذي أنزل على داود، والذكر التوراة، فيكون المعنى: ولقد كتبنا في الزبور الذي أنزل على داود من بعد التوراة أن الأرض يرثها عبادي الصالحون، وهل التقدير: ولقد كتبنا هذا قبل ذلك في التوراة، فيكون المعنى ولقد كتبنا في الزبور من بعد ما كتبنا في التوراة، أن الأرض يرثها عبادي الصالحون، أو التقدير: ولقد كتبنا في الزبور المنزل بعد التوراة أن الأرض يرثها عبادي الصالحون؟ فعلى هذا لا يكون مكتوبا في التوراة هذه البشارة، الراجح عندي أن هذه البشارة

стр. 3325

مكتوبة في التوراة والزبور. قال ابن كثير: (وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أخبر الله في التوراة والزبور وسابق علمه قبل أن تكون السموات والأرض، أن يورث أمة محمد ﷺ الأرض ويدخلهم الجنة وهم الصالحون) ولقد رجعت إلى ما يسمونه (المزامير) فوجدت: في المزمور السابع والثلاثين لداود (والذين ينتظرون الرب هم يرثون الأرض ... أما الدعاة فيرثون الأرض ويتلذذون في كثرة السلامة) (لأن المباركين منه يرثون الأرض) (الصديقون يرثون الأرض ويسكنونها إلى الأبد) والظاهر من كلام ابن عباس أن المراد بالأرض أرضنا، وأن هذه عدة من الله وبشارة لهذه الأمة، وعلى هذا تكون الآية مبشرة لهذه الأمة بإرث العالم كله وهو شئ سيأتي إن شاء الله، وتكون الآية تشبه قوله تعالى هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ* واقرأ ما ذكرناه عن هذه الآية، واقرأ ما كتبناه في كتابنا (جند الله ثقافة وأخلاقا) حول هذا الموضوع وهو يفيد أن في الآية والأحاديث التي تفصلها أن دولة الإسلام العالمية لا بد قائمة وأن ذلك سيكون قبل نزول المسيح، لا كما يفهم بعضهم، وعند تحقق ذلك يكون زمن الإرث. وللنسفي اتجاه في تفسير (الأرض) في الآية وأن المراد بها أرض الشام وكأنه أخذها من كون التوراة بشرت بني إسرائيل بالشام عند ما يكونون صالحين، والزبور خطاب لبني إسرائيل في أرض الشام، وكون الرسول ﵊ تحدث كثيرا عن الشام، وأنها أرض الإسلام إلى قيام الساعة، وذلك وجه قوي، ويكون في الآية بشارة لمسلمي الشام في كل العصور أنهم إذا كانوا صالحين فالأرض لهم، وإن فسدوا سلط عليهم، والمراد بالشام هنا الشام الكبيرة، أي سوريا وفلسطين ولبنان والأردن في تقسيمات يومنا هذا وبناء على هذا القول نقول: أ- إن ميزان الخيرية في المسلمين في العالم هو الشام لقوله ﵊ في الحديث الصحيح «إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم» ومن ثم فالعمل للإسلام في بلاد الشام خدمة للمسلمين والإسلام في الأرض كلها. ب- لله تعالى في أهل الشام سنة وهي أن من حمل دينه فيه بصدق فإن الله يرعاه

стр. 3326

رعاية خاصة، نأخذ ذلك من الحديث «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله» إذ في رواية صحيحة عن معاذ «وهم في الشام» فليثق العاملون في هذه الأرض بربهم، وليضاعفوا جهودهم ج- من فهم النسفي للآية، ومن نصوص تصلح مؤكدة لهذا الفهم فإن الآية تبشر من اجتمعت له صفة الصلاح أن يرث الشام، وعلى هذا فمتى قامت جماعة لها هذه السمة فلها هذه البلاد ولنعد إلى أصل الموضوع. فبعد الآية السابقة جاء قوله تعالى إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ فهل اسم الإشارة (هذا) يعود على ما ورد في الآية السابقة من البشارة أو يعود على القرآن كله؟ اتجاهان. ونفهم من ذلك أن الاتصاف بالعبادة شرط للاكتفاء بكتاب الله، أو شرط تحقق البشارة فلن يرث المسلمون الأرض كلها، أو بلاد الشام منها، إلا بالعبادة، ولن يجد إنسان في القرآن كفاية له عن سواه إلا إذا كان عابدا. ١١ - مظاهر كون رسولنا عليه الصلاة السلام رحمة للعالمين كثيرة منها: أن الله رفع عذاب الاستئصال الكلي للكافرين بعده مع أن الكافرين أمة الدعوة له، ومنها أن الله جعل في دينه سعادة الدنيا لمن أقامه، لما في هذا الدين من سعة ويسر وحق وعدل وخلاص من المشكلات والقلق والحيرة والاضطراب، وجعل فيه سعادة الآخرة ومما ذكره ابن كثير عند هذه الآية: وقال مسلم في صحيحه ... عن أبي هريرة قال قيل يا رسول الله: ادع على المشركين قال «إني لم أبعث لعانا وإنما بعثت رحمة» وفي الحديث الآخر «وإنما أنا رحمة مهداة» .. وروى أبو القاسم الطبراني .. عن جبير بن مطعم عن أبيه قال: قال أبو جهل حين قدم مكة منصرفه عن خمرة يا معشر قريش إن محمدا نزل يثرب وأرسل طلائعه، وإنما يريد أن يصيب منكم شيئا، فاحذروا أن تمروا طريقه أو تقاربوه، فإنه كالأسد الضاري، إنه حنق عليكم لأنكم نفيتموه نفي القردان عن المناسم، والله إن له لسحرة ما رأيته قط ولا أحدا من أصحابه إلا رأيت معهم الشياطين، وإنكم قد عرفتم عداوة ابني قيلة- يعني الأوس والخزرج- فهو عدو استعان بعدو، فقال له مطعم بن عدي: يا أبا الحكم، والله ما رأيت أحدا أصدق لسانا، ولا أصدق موعدا، من أخيكم الذي طردتم، وإذ فعلتم الذي فعلتم فكونوا أكف الناس عنه، قال أبو سفيان بن الحارث:

стр. 3327

كونوا أشد ما كنتم عليه، إن ابني قيلة إن ظفروا بكم لم يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة، وإن أطمعتموني ألجأتموهم حير كنانة، أو تخرجوا محمدا من بين ظهرانيهم، فيكون وحيدا مطرودا، وأما ابنا قيلة فو الله ما هما وأهل دهلك في المذلة إلا سواء، وأكفيكم حدهم وقال: سأمنح جانبا مني غليظا ... على ما كان من قرب وبعد رجال الخزرجية أهل ذل ... إذا ما كان هزل بعد جد فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: «والذي نفسي بيده لأقتلنهم، ولأصلبنهم، ولأهدينهم وهم كارهون، إني رحمة، بعثني الله، ولا يتوفاني حتى يظهر الله دينه، لي خمسة أسماء، أنا محمد، وأحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب» وقال أحمد بن صالح: أرجو أن يكون الحديث صحيحا. وروى الإمام أحمد ... عن عمر بن أبي قرة الكندي قال: كان حذيفة بالمدائن فكان يذكر أشياء قالها رسول الله ﷺ ، فجاء حذيفة إلى سلمان، فقال سلمان: يا حذيفة إن رسول الله ﷺ خطب فقال: «أيما رجل سببته في غضبي أو لعنته لعنة، فإنما أنا رجل من ولد آدم، أغضب كما تغضبون، وإنما بعثني الله رحمة للعالمين، فاجعلها صلاة عليه يوم القيامة». ورواه أبو داود ... فإن قيل فأي رحمة حصلت لمن كفر به؟ فالجواب ما رواه أبو جعفر بن جرير ... عن ابن عباس في قوله: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ قال: من آمن بالله واليوم الآخر كتب له الرحمة في الدنيا والآخرة. ومن لم يؤمن بالله ورسوله عوفي مما أصاب الأمم من الخسف والقذف وهكذا رواه ابن أبي حاتم وقد رواه أبو القاسم الطبراني عن ابن عباس وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ قال: من تبعه كان له رحمة في الدنيا والآخرة، ومن لم يتبعه عوفي مما كان يبتلى به سائر الأمم من الخسف والمسخ والقذف. ١٢ - وبمناسبة قوله تعالى قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ قال قتادة: كانت الأنبياء ﵈ يقولون رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ وأمر رسول الله ﷺ أن يقول ذلك وعن مالك عن زيد ابن أسلم كان رسول الله ﷺ إذا شهد غزاة قال: رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ ....

стр. 3328

كلمة في سورة الأنبياء: رأينا أن محور سورة الأنبياء هو قوله تعالى من سورة البقرة: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ وهناك تساءلنا من هؤلاء الكافرون الذين هذا شأنهم؟ وسبب السؤال أن هناك كافرين أسلموا، وأجبنا هناك على هذا السؤال وتأتي هنا سورة الأنبياء لتبين لنا من هؤلاء الكافرون الذين هذا شأنهم: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ* ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ* لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ ... بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ إن من اجتمعت فيه هذه الصفات لا يمكن أن يؤمن، فإذا نقص واحد منها فربما، فلو كان عنده استعداد للسماع، أو لم يكن ممن يتآمر على الإسلام، أو كان ممن لا يجهر بالسوء في الرسول والقرآن كل هؤلاء يمكن أن يؤمنوا، وإذا كان اجتماع هذه المعاني غيبا فإن الإنذار لا بد منه، وإقامة الحجة لا بد منها، ومن ثم لاحظنا أن السورة ردت وأنذرت الإنذار الكافي؛ ليؤمن من كان في قلبه شئ من الخير، ومن ثم فإن ملاحظة ما ورد في السورة مهم جدا، في خطاب الكافرين عامة لاستخراج ما في قلوبهم من خير، أما النوع الآخر الذي لا فائدة منه بتاتا فهذا أدبنا فيه آيتان في السورة: قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ والسورة إذ فصلت هذا المقام فإنها فصلت كذلك كيف يكون عليه حال النذير بما قص الله من قوله، ومن خلال ذكر الأنبياء، كما ثبتت السورة قلب النذير بالكلمة والقصة والبشارة والعبرة وجنبته مزالق الطريق التي يمكن أن يقع فيها، كما حدث من يونس ﵇، وفي السورة لأهل الإيمان إنذار يحررهم من أخلاق الكفر وسلبياته، ويرفعهم إلى أخلاق الإيمان وإيجابياته وقد عرضنا السورة كما رأيت على أنها مقدمة ومجموعات

стр. 3329

وأهم ما نلفت النظر إليه في السورة أن قوله تعالى: بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ هو تلخيص لكل ما يقوله الكفار في كل الأعصار في هذا الدين وفي رسوله ﷺ وأن السورة ردت على هذه الأقوال كلها، وإنما لفتنا النظر إلى هذا واعتبرناه من أهم ما نلفت النظر إليه، لأنه لم يقل الكافرون في كل العصور كما قال الكافرون في عصرنا من زخرف قول عرضوه بملايين الصيغ والأشكال، في القصة والقصيدة والبحث والخطابة والمحاضرة والكتاب العلمي ولكن كل ما قالوه مرجعه إلى ما قاله الكافرون من قبل وهو ما قصه الله علينا في هذه السورة باختصار وبوضوح، لقد زعم هؤلاء أن قضية النبوة والرسالة تخيلات ومرائي منامية وأن محمدا ﷺ كاذب يفتري على الله ما لم يقله، وأن محمدا ﷺ إنسان بليغ شاعري العواطف، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا وعظم رسول الله ﷺ عما يقوله الجاحدون. إن في هذه السورة دروسا كبيرة لمن يقوم بعملية الإنذار في عصرنا، وفيها قوله تعالى رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ. ملاحظتان: ١ - إن الذي يقرأ هذا التفسير يلاحظ أننا نعتمد على علامات معينة في تحديد بدايات ونهايات المجموعات أو المقاطع أو الفقرات، فمثلا رأينا في سورة الأنبياء أن من علامات بداية المجموعة مجيء كلمة (ما) أو (وما) كما رأينا أن كلمة (ولقد) كانت علامة على بدايات بعض المجموعات، أو نهايتها، غير أنه في بعض الحالات تصلح أن تكون علامة أخرى في السورة، علما على بداية مجموعة أو نهايتها، ولو أننا اعتمدنا هذه العلامة فإن السياق في هذه الحالة يعطينا معاني جديدة، غير أننا أضربنا عن الاستقصاء في هذه الشئون لأن ذلك يمل الكثيرين من القراء، ويصعب على الكثيرين استيعابه، وقد ألزمنا أنفسنا- كأصل في هذا التفسير- ألا نخرج عن قراءة حفص، ولو أننا تتبعنا القراءات كلها، وذكرنا ما تعطينا إياه هذه القراءات من معان جديدة وما يؤثره ذكرها على عرض معان جديدة في السياق، لترتب على ذلك أن يكبر هذا التفسير جدا، وأن يغمض كذلك، ولذلك لم نتوسع هذه التوسعات، ولكن أحببنا أن نشير إلى ذلك إشارة ليعلم أن آفاق المعاني في هذا القرآن لا تتناهى، وأن مظاهر الإعجاز، وكثرة المعجزات فيه لا تتناهى.

стр. 3330

٢ - في كتابنا (الرسول) ﷺ عرضنا سورة الأنبياء على أنها مقدمة وسبع مقاطع، وهنا عرضناها على أنها مقدمة وتسع مجموعات، هناك عبرنا عن المجموعة باسم المقطع، ودمجنا ثلاث مجموعات مع بعضها: هي المجموعات السادسة، والسابعة والثامنة، على اعتبار أنها حديث عن الرسل وتعقيب، لكننا هنا فصلنا بين هذه المجموعات لسهولة العرض فالفارق في الاصطلاح فقط وليس في المضمون. ***
следующие страницы →