← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.

стр. 3326

رعاية خاصة، نأخذ ذلك من الحديث «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله» إذ في رواية صحيحة عن معاذ «وهم في الشام» فليثق العاملون في هذه الأرض بربهم، وليضاعفوا جهودهم ج- من فهم النسفي للآية، ومن نصوص تصلح مؤكدة لهذا الفهم فإن الآية تبشر من اجتمعت له صفة الصلاح أن يرث الشام، وعلى هذا فمتى قامت جماعة لها هذه السمة فلها هذه البلاد ولنعد إلى أصل الموضوع. فبعد الآية السابقة جاء قوله تعالى إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ فهل اسم الإشارة (هذا) يعود على ما ورد في الآية السابقة من البشارة أو يعود على القرآن كله؟ اتجاهان. ونفهم من ذلك أن الاتصاف بالعبادة شرط للاكتفاء بكتاب الله، أو شرط تحقق البشارة فلن يرث المسلمون الأرض كلها، أو بلاد الشام منها، إلا بالعبادة، ولن يجد إنسان في القرآن كفاية له عن سواه إلا إذا كان عابدا. ١١ - مظاهر كون رسولنا عليه الصلاة السلام رحمة للعالمين كثيرة منها: أن الله رفع عذاب الاستئصال الكلي للكافرين بعده مع أن الكافرين أمة الدعوة له، ومنها أن الله جعل في دينه سعادة الدنيا لمن أقامه، لما في هذا الدين من سعة ويسر وحق وعدل وخلاص من المشكلات والقلق والحيرة والاضطراب، وجعل فيه سعادة الآخرة ومما ذكره ابن كثير عند هذه الآية: وقال مسلم في صحيحه ... عن أبي هريرة قال قيل يا رسول الله: ادع على المشركين قال «إني لم أبعث لعانا وإنما بعثت رحمة» وفي الحديث الآخر «وإنما أنا رحمة مهداة» .. وروى أبو القاسم الطبراني .. عن جبير بن مطعم عن أبيه قال: قال أبو جهل حين قدم مكة منصرفه عن خمرة يا معشر قريش إن محمدا نزل يثرب وأرسل طلائعه، وإنما يريد أن يصيب منكم شيئا، فاحذروا أن تمروا طريقه أو تقاربوه، فإنه كالأسد الضاري، إنه حنق عليكم لأنكم نفيتموه نفي القردان عن المناسم، والله إن له لسحرة ما رأيته قط ولا أحدا من أصحابه إلا رأيت معهم الشياطين، وإنكم قد عرفتم عداوة ابني قيلة- يعني الأوس والخزرج- فهو عدو استعان بعدو، فقال له مطعم بن عدي: يا أبا الحكم، والله ما رأيت أحدا أصدق لسانا، ولا أصدق موعدا، من أخيكم الذي طردتم، وإذ فعلتم الذي فعلتم فكونوا أكف الناس عنه، قال أبو سفيان بن الحارث:

стр. 3327

كونوا أشد ما كنتم عليه، إن ابني قيلة إن ظفروا بكم لم يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة، وإن أطمعتموني ألجأتموهم حير كنانة، أو تخرجوا محمدا من بين ظهرانيهم، فيكون وحيدا مطرودا، وأما ابنا قيلة فو الله ما هما وأهل دهلك في المذلة إلا سواء، وأكفيكم حدهم وقال: سأمنح جانبا مني غليظا ... على ما كان من قرب وبعد رجال الخزرجية أهل ذل ... إذا ما كان هزل بعد جد فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: «والذي نفسي بيده لأقتلنهم، ولأصلبنهم، ولأهدينهم وهم كارهون، إني رحمة، بعثني الله، ولا يتوفاني حتى يظهر الله دينه، لي خمسة أسماء، أنا محمد، وأحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب» وقال أحمد بن صالح: أرجو أن يكون الحديث صحيحا. وروى الإمام أحمد ... عن عمر بن أبي قرة الكندي قال: كان حذيفة بالمدائن فكان يذكر أشياء قالها رسول الله ﷺ ، فجاء حذيفة إلى سلمان، فقال سلمان: يا حذيفة إن رسول الله ﷺ خطب فقال: «أيما رجل سببته في غضبي أو لعنته لعنة، فإنما أنا رجل من ولد آدم، أغضب كما تغضبون، وإنما بعثني الله رحمة للعالمين، فاجعلها صلاة عليه يوم القيامة». ورواه أبو داود ... فإن قيل فأي رحمة حصلت لمن كفر به؟ فالجواب ما رواه أبو جعفر بن جرير ... عن ابن عباس في قوله: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ قال: من آمن بالله واليوم الآخر كتب له الرحمة في الدنيا والآخرة. ومن لم يؤمن بالله ورسوله عوفي مما أصاب الأمم من الخسف والقذف وهكذا رواه ابن أبي حاتم وقد رواه أبو القاسم الطبراني عن ابن عباس وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ قال: من تبعه كان له رحمة في الدنيا والآخرة، ومن لم يتبعه عوفي مما كان يبتلى به سائر الأمم من الخسف والمسخ والقذف. ١٢ - وبمناسبة قوله تعالى قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ قال قتادة: كانت الأنبياء ﵈ يقولون رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ وأمر رسول الله ﷺ أن يقول ذلك وعن مالك عن زيد ابن أسلم كان رسول الله ﷺ إذا شهد غزاة قال: رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ ....

стр. 3328

كلمة في سورة الأنبياء: رأينا أن محور سورة الأنبياء هو قوله تعالى من سورة البقرة: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ وهناك تساءلنا من هؤلاء الكافرون الذين هذا شأنهم؟ وسبب السؤال أن هناك كافرين أسلموا، وأجبنا هناك على هذا السؤال وتأتي هنا سورة الأنبياء لتبين لنا من هؤلاء الكافرون الذين هذا شأنهم: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ* ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ* لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ ... بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ إن من اجتمعت فيه هذه الصفات لا يمكن أن يؤمن، فإذا نقص واحد منها فربما، فلو كان عنده استعداد للسماع، أو لم يكن ممن يتآمر على الإسلام، أو كان ممن لا يجهر بالسوء في الرسول والقرآن كل هؤلاء يمكن أن يؤمنوا، وإذا كان اجتماع هذه المعاني غيبا فإن الإنذار لا بد منه، وإقامة الحجة لا بد منها، ومن ثم لاحظنا أن السورة ردت وأنذرت الإنذار الكافي؛ ليؤمن من كان في قلبه شئ من الخير، ومن ثم فإن ملاحظة ما ورد في السورة مهم جدا، في خطاب الكافرين عامة لاستخراج ما في قلوبهم من خير، أما النوع الآخر الذي لا فائدة منه بتاتا فهذا أدبنا فيه آيتان في السورة: قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ والسورة إذ فصلت هذا المقام فإنها فصلت كذلك كيف يكون عليه حال النذير بما قص الله من قوله، ومن خلال ذكر الأنبياء، كما ثبتت السورة قلب النذير بالكلمة والقصة والبشارة والعبرة وجنبته مزالق الطريق التي يمكن أن يقع فيها، كما حدث من يونس ﵇، وفي السورة لأهل الإيمان إنذار يحررهم من أخلاق الكفر وسلبياته، ويرفعهم إلى أخلاق الإيمان وإيجابياته وقد عرضنا السورة كما رأيت على أنها مقدمة ومجموعات

стр. 3329

وأهم ما نلفت النظر إليه في السورة أن قوله تعالى: بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ هو تلخيص لكل ما يقوله الكفار في كل الأعصار في هذا الدين وفي رسوله ﷺ وأن السورة ردت على هذه الأقوال كلها، وإنما لفتنا النظر إلى هذا واعتبرناه من أهم ما نلفت النظر إليه، لأنه لم يقل الكافرون في كل العصور كما قال الكافرون في عصرنا من زخرف قول عرضوه بملايين الصيغ والأشكال، في القصة والقصيدة والبحث والخطابة والمحاضرة والكتاب العلمي ولكن كل ما قالوه مرجعه إلى ما قاله الكافرون من قبل وهو ما قصه الله علينا في هذه السورة باختصار وبوضوح، لقد زعم هؤلاء أن قضية النبوة والرسالة تخيلات ومرائي منامية وأن محمدا ﷺ كاذب يفتري على الله ما لم يقله، وأن محمدا ﷺ إنسان بليغ شاعري العواطف، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا وعظم رسول الله ﷺ عما يقوله الجاحدون. إن في هذه السورة دروسا كبيرة لمن يقوم بعملية الإنذار في عصرنا، وفيها قوله تعالى رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ. ملاحظتان: ١ - إن الذي يقرأ هذا التفسير يلاحظ أننا نعتمد على علامات معينة في تحديد بدايات ونهايات المجموعات أو المقاطع أو الفقرات، فمثلا رأينا في سورة الأنبياء أن من علامات بداية المجموعة مجيء كلمة (ما) أو (وما) كما رأينا أن كلمة (ولقد) كانت علامة على بدايات بعض المجموعات، أو نهايتها، غير أنه في بعض الحالات تصلح أن تكون علامة أخرى في السورة، علما على بداية مجموعة أو نهايتها، ولو أننا اعتمدنا هذه العلامة فإن السياق في هذه الحالة يعطينا معاني جديدة، غير أننا أضربنا عن الاستقصاء في هذه الشئون لأن ذلك يمل الكثيرين من القراء، ويصعب على الكثيرين استيعابه، وقد ألزمنا أنفسنا- كأصل في هذا التفسير- ألا نخرج عن قراءة حفص، ولو أننا تتبعنا القراءات كلها، وذكرنا ما تعطينا إياه هذه القراءات من معان جديدة وما يؤثره ذكرها على عرض معان جديدة في السياق، لترتب على ذلك أن يكبر هذا التفسير جدا، وأن يغمض كذلك، ولذلك لم نتوسع هذه التوسعات، ولكن أحببنا أن نشير إلى ذلك إشارة ليعلم أن آفاق المعاني في هذا القرآن لا تتناهى، وأن مظاهر الإعجاز، وكثرة المعجزات فيه لا تتناهى.

стр. 3330

٢ - في كتابنا (الرسول) ﷺ عرضنا سورة الأنبياء على أنها مقدمة وسبع مقاطع، وهنا عرضناها على أنها مقدمة وتسع مجموعات، هناك عبرنا عن المجموعة باسم المقطع، ودمجنا ثلاث مجموعات مع بعضها: هي المجموعات السادسة، والسابعة والثامنة، على اعتبار أنها حديث عن الرسل وتعقيب، لكننا هنا فصلنا بين هذه المجموعات لسهولة العرض فالفارق في الاصطلاح فقط وليس في المضمون. ***

стр. 3331

سورة الحج وهي السورة الثانية والعشرون بحسب الرسم القرآني وهي السورة الثالثة من المجموعة الثالثة من قسم المئين، وآياتها ثمان وسبعون آية، وهي مكية إلا آيات منها

стр. 3332

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم

стр. 3333

قال الألوسي في تقديمه لسورة الحج: (أخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن الزبير- رضي الله تعالى عنهم- أنها نزلت بالمدينة، وهو قول الضحاك، وقيل كلها مكية. وأخرج أبو جعفر النحاس عن مجاهد عن ابن عباس أنها مكية سوى ثلاث آيات هذانِ خَصْمانِ إلى تمام الآيات الثلاث فإنها نزلت بالمدينة، وفي رواية عن ابن عباس إلا أربع آيات هذانِ خَصْمانِ إلى قوله تعالى: عَذابَ الْحَرِيقِ. وأخرج ابن المنذر عن قتادة أنها مدنية غير أربع آيات وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إلى عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ فإنها مكيات، والأصح القول بأنها مختلطة، فيها مدني ومكي، وإن اختلف في التعيين وهو قول الجمهور، وعدة آياتها ثمان وسبعون في الكوفي، وسبع وسبعون في المكي، وخمس وسبعون في البصري، وأربع وسبعون في الشامي. ووجه مناسبتها للسورة التي قبلها ظاهر، وجاء في فضلها ما أخرجه أحمد وأبو داود. والترمذي وابن مردويه والبيهقي في سننه عن عقبة بن عامر ﵁ قال: قلت: يا رسول الله أفضلت سورة الحج على سائر القرآن بسجدتين؟ قال: «نعم فمن لم يسجدهما فلا يقرأهما»، والروايات في أن فيها سجدتين متعددة مذكورة في الدر المنثور، نعم أخرج ابن أبي شيبة من طريق العريان المجاشعي عن ابن عباس قال: في الحج سجدة واحدة وهي الأولى كما جاء في رواية). وقال صاحب الظلال في تقديمه لسورة الحج: (هذه السورة مشتركة بين مكية ومدنية، كما يبدو من دلالة آياتها، وعلى الأخص آيات الإذن بالقتال. وآيات العقاب بالمثل. فهي مدنية قطعا. فالمسلمون لم يؤذن لهم في القتال والقصاص إلا بعد الهجرة. وبعد قيام الدولة الإسلامية في المدينة، أما قبل ذلك فقد قال رسول الله ﷺ حين بايعه أهل يثرب، وعرضوا عليه أن يميلوا على أهل منى من الكفار فيقتلوهم: «إني لم أومر بهذا» حتى إذا صارت المدينة دار إسلام شرع الله القتال لرد أذى المشركين عن المسلمين والدفاع عن حرية العقيدة، وحرية العبادة للمؤمنين).

стр. 3334

كلمة في سورة الحج ومحورها: سورة الحج تفصل قوله تعالى في سورة البقرة يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ فهي مثل سورة النساء، ومثل سورة هود، إلا أن سورة النساء حددت معالم التقوى، وسورة هود حددت معالم العبادة، وسورة الحج تهيج على التقوى وتبعث عليها: لاحظ بداية سورة النساء: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً. ولاحظ بداية سورة الحج: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ* يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ وكما تهيج سورة الحج على التقوى فإنها تدل على منعرجات الطريق ومزالقه، وعلى الصوارف، وأمثال ذلك مما سنراه. كما لاحظ أنه في القسم الأول الذي هو السبع الطوال لم يرد معنا إلا سورة واحدة مبدوءة ب يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ وهي سورة النساء. وأن في القسم الثاني الذي هو الثلث الثاني من القرآن بمجموعاته الثلاث لم ترد إلا هذه السورة مبدوءة بهذا الخطاب يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ومن ثم فإن التأمل الدقيق لمعاني هذه السورة مهم في موضوع بناء التقوى، كما أن التأمل الدقيق في سورة النساء في القسم الأول مهم في الموضوع نفسه. ... نلاحظ أن السورة تتكرر فيها يا أَيُّهَا النَّاسُ* أربع مرات: في الآية الأولى يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ وفي الآية الخامسة يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ... وفي الآية (٤٩) قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ وفي الآية (٧٣) يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ..

стр. 3335

ونلاحظ أن الآيتين الأخيرتين هما: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ* وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ ... لاحظ الصلة بين ذلك ومحور السورة: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ من خلال ورود الأمر بالعبادة في آية البقرة، وكلمة العبادة في الآيتين الأخيرتين من سورة الحج. ... ونحن في عرضنا لسورة الحج سنعتبر أن ورود كلمة (يا أيها الناس) هي العلامة على بداية المقطع، ومن ثم فعندنا في السورة أربعة مقاطع. ونلاحظ أن المقطع الثاني والثالث طويلان، ومن ثم فسنعرضهما كمجموعات، فلنبدأ: ***

стр. 3336

المقطع الأول وهو أربع آيات وهذا هو مع البسملة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [سورة الحج (٢٢): الآيات ١ الى ٤] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ (٣) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ (٤) التفسير: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ بالتزامكم بما يوصل إلى التقوى، وبالعمل بمقتضاها، وبالتحقق بمضمونها، فالتقوى ملكة في النفس تنبع عنها آثار، وهي أثر عن أعمال، والأمر بالتقوى أمر بذلك كله إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ الزلزلة في اللغة: شدة التحريك والإزعاج، واختلف المفسرون في زلزلة الساعة هذه، هل هي بعد قيام الناس من قبورهم يوم نشورهم إلى عرصات القيامة؟ أو ذلك عبارة عن زلزلة الأرض قبل قيام الناس من أجداثهم؟ أو غير ذلك؟ على أقوال سنراها في الفوائد، والعظة حاصلة في الآيات أي ذلك كان، إذ الآية أمرت بني آدم بالتقوى ثم عللت لضرورة إقامتها وللزوم ذلك بذكر الساعة، ووصفها بأهول صفة إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ وصف الله زلزلة الساعة هذا الوصف لينظروا إلى تلك الصفة ببصائرهم، ويتصورها

стр. 3337

بعقولهم، حتى يبقوا على أنفسهم ويرحموها من شدائد ذلك اليوم، بامتثال ما أمرهم به ربهم، من الأخذ بلباس التقوى، الذي يؤمنهم من تلك الأفزاع، إن الساعة أمر عظيم، وخطب جليل، وطارق مفظع، وحادث هائل، وكائن عجيب، بما يحصل للنفوس من الرعب والفزع، قال تعالى واصفا شدة أفزاعها: يَوْمَ تَرَوْنَها أي يوم ترون الزلزلة أو الساعة تَذْهَلُ أي تغفل من فظاعة الأمر، ومن شدة الدهشة كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ أي فتشتغل لهول ما ترى عن أحب الناس إليها، وعمن هي أشفق الناس عليه، ألا وهو رضيعها، إنها تدهش عنه في حال إرضاعها، وقوله تعالى مُرْضِعَةٍ يشير إلى أن ذلك الهول إذا حدث وقد ألقمت الرضيع ثديها نزعته عن فيه، لما يلحقها من الدهشة، فالمرضعة هي التي تمارس الإرضاع وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ أي كل حبلى حَمْلَها أي قبل تمامه لشدة الهول، قال الحسن البصري: تذهل المرضعة عن ولدها لغير فطام، وتضع الحامل ما في بطنها لغير تمام وَتَرَى أي الناظر النَّاسَ سُكارى أي من شدة الأمر الذي قد صاروا فيه، قد دهشت عقولهم، وغابت أذهانهم فمن رآهم حسب أنهم سكارى وَما هُمْ بِسُكارى على التحقيق وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ فخوف عذاب الله هو الذي أذهب عقولهم، وطير تمييزهم، وردهم في نحو حال من يذهب السكر بعقله وتمييزه، وبعد أن أمر الله بالتقوى، وعلل لهذا الأمر، وهيج عليه، يذكر الآن الصارف الرئيسي عنها وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ أي علم صحيح كحال أهل البدع والضلال، المعرضين عن الحق، المتبعين للباطل، يتركون ما أنزله الله على رسوله من الحق المبين، ويتبعون أقوال رءوس الضلالة، الدعاة إلى الكفر والبدع بالأهواء والآراء وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ أي عات مستمر في الشر كُتِبَ عَلَيْهِ أي قضي على الشيطان أَنَّهُ أي أن الأمر والشأن مَنْ تَوَلَّاهُ أي اتبعه وقلده فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ أي فإن الشيطان يضله عن سواء السبيل وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ أي إلى النار والمعنى: كتب على الشيطان إضلال من تولاه وهدايته إلى النار. والسعير: هو الحار المؤلم المقلق المزعج. كلمة في السياق: أمرت الآيات بالتقوى، وعللت لضرورة إقامتها، وذكرت ما يصرف الناس عنها، وهو الجهل في الله واتباع الشيطان، والذي دلنا على أن الجهل في الله هو الصارف هو قوله تعالى وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ دل ذلك على أن هذا المجادل جاهل في

стр. 3338

الله، وأن من آثار هذا الجهل اتباع الشيطان في طرق الضلال، الموصلة إلى النار، فإذا تذكرنا محور السورة من البقرة وهو يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ عرفنا أنه لا تقوى إلا بعبادة، ولا عبادة إلا بمعرفة صحيحة لله، وعلم صحيح به ﷻ ، فمن لم يعرف أسماءه وصفاته وأفعاله ومن يعرف أن الأمر له، وأن له الحكم وأن له الطاعة، وأن شرعه واجب الاتباع، وأنه وحده الذي يخاف، ويستعان ويدعى، ويتوكل عليه، وغير ذلك مما هو من حقوقه ﷻ ، إن من لم يعرف الله حق المعرفة لا يعبده حق العبادة، وبالتالي فلا يتحقق بالتقوى، وبالتالي فإنه يكون متبعا للشيطان، وعلى هذا فما من نقص في التقوى إلا وسببه نقص في معرفة الله . الفوائد: - ما المراد بزلزلة الساعة؟ هل المراد بها زلزلة حسية أو زلزلة نفسية بسبب موقف من مواقف الهول؟ وهل هذا قبل يوم القيامة أو في مشهد من مشاهد يوم القيامة وإذا كان في مشهد من مشاهد يوم القيامة فهل يكون في ذلك الموقف نساء حوامل ومرضعات، أو التقدير أنه لو كان هناك حوامل ومرضعات لحدث مثل هذا لهول الموقف؟ الخلاف بين المفسرين في هذا المقام كثير، والذي تقوم عليه الأدلة ما رجحه ابن جرير، وقد عرضه ابن كثير، وهو الذي نختاره: قال ابن كثير: (وقال آخرون بل ذلك هول وفزع وزلزال وبلبال كائن يوم القيامة في العرصات بعد القيامة من القبور، واختار ذلك ابن جرير، واحتجوا بأحاديث: الحديث الأول: روى الإمام أحمد عن عمران بن حصين أن رسول الله ﷺ قال وهو في بعض أسفاره، وقد تقارب من أصحاب السير: رفع بهاتين الآيتين صوته يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ* يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ فلما سمع أصحابه بذلك حثوا المطي، وعرفوا أنه عند قول يقوله، فلما دنوا حوله قال: «أتدرون أي يوم ذاك؟ ذاك يوم ينادي آدم ﵇ فيناديه ربه فيقول يا آدم ابعث بعثك إلى النار، فيقول: يا رب وما بعث النار؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون في النار وواحد في الجنة» قال: فأبلس أصحابه حتى ما أوضحوا بضاحكة فلما رأى ذلك قال: «أبشروا واعملوا؛ فو الذي نفس محمد بيده إنكم

стр. 3339

لمع خليقتين ما كانتا مع شئ قط إلا كثرتاه: يأجوج ومأجوج، ومن هلك من بني آدم وبنى إبليس» قال: فسرى عنهم ثم قال: «اعملوا وأبشروا؛ فو الذي نفس محمد بيده، ما أنتم في الناس إلا كالشامة في جنب البعير، أو الرقمة في ذراع الدابة». الحديث الثاني: روى ابن أبي حاتم عن أنس قال: نزلت إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ وذكر يعني سياق الحسن عن عمران غير أنه قال: ومن هلك من كفرة الجن والإنس». الحديث الثالث: روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية فذكر نحوه، وقال فيه: «إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة» ثم قال: «إني لأرجو أن تكون شطر أهل الجنة، ففرحوا وزاد أيضا: «إنما أنتم جزء من ألف جزء». الحديث الرابع: ذكر البخاري عند تفسير هذه الآية: عن أبي سعيد قال: قال النبي ﷺ : «يقول الله تعالى يوم القيامة: يا آدم، فيقول: لبيك ربنا وسعديك- فينادى بصوت- إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار، قال: يا رب وما بعث النار؟ قال: من كل ألف- أراه قال:- تسعمائة وتسعة وتسعون، فحينئذ تضع الحامل حملها، ويشيب الوليد وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ فشق ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم قال النبي ﷺ : «من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعون، ومنكم واحد، أنتم في الناس كالشعرة السوداء في جنب الثور الأبيض، أو كالشعرة البيضاء في جنب الثور الأسود، إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة- فكبرنا ثم قال:- شطر أهل الجنة» فكبرنا. الحديث الخامس: روى الإمام أحمد عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله يبعث يوم القيامة مناديا: يا آدم إن الله يأمرك أن تبعث بعثا من ذريتك إلى النار، فيقول آدم: يا رب من هم؟ فيقال له: من كل مائة تسعة وتسعون» فقال رجل من القوم: من هذا الناجي منا بعد هذا يا رسول الله؟ قال: «هل تدرون؟ ما أنتم في الناس إلا كالشامة في صدر البعير» الحديث السادس: روى الإمام أحمد عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ «إنكم تحشرون إلى الله يوم القيامة حفاة عراة غرلا» قالت عائشة: يا رسول الله

стр. 3340

الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: يا عائشة إن الأمر أشد من أن يهمهم ذاك» أخرجاه في الصحيحين. الحديث السابع: روى الإمام أحمد عن عائشة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله هل يذكر الحبيب حبيبه يوم القيامة؟ قال: «يا عائشة أما عند ثلاث فلا؛ أما عند الميزان حتى يثقل أو يخف فلا، وأما عند تطاير الكتب إما يعطى بيمينه وإما يعطى بشماله فلا، وحين يخرج عنق من النار فيطوي عليهم ويتغيظ عليهم ويقول ذلك العنق: وكلت بثلاثة، وكلت بثلاثة، وكلت بثلاثة: وكلت بمن ادعى مع الله إلها آخر، ووكلت بمن لا يؤمن بيوم الحساب، ووكلت بكل جبار عنيد، قال: فينطوي عليهم ويرميهم في غمرات جهنم، ولجهنم جسر أرق من الشعر، وأحد من السيف، عليه كلاليب وحسك يأخذان من شاء الله، والناس عليه كالبرق، وكالطرف، وكالريح، وكأجاويد الخيل والركاب، والملائكة يقولون: يا رب سلم سلم فناج مسلم، ومخدوش مسلم، ومكور في النار على وجهه». من هذه النقول نستطيع أن نقول: ١ - إن قوله تعالى إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يمكن أن يراد به الزلزلة التي بها تقوم الساعة، ويمكن أن يراد به زلزلة أخرى لها صلة بالساعة؛ ولقد جاءت النصوص فحددت المعنى الثاني، وهو أن المراد بهذه الزلزلة ما يحدث للناس في موقف من مواقف الهول يوم القيامة. ٢ - إن قوله تعالى تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها يمكن أن يحمل على الظاهر، فهناك نساء يمتن وهن حوامل، ونساء يمتن هن وأولادهن الرضع في وقت واحد، فيحشر الجميع على ما ماتوا عليه، ويمكن أن يكون المعنى على الظاهر في حق الحامل، وأن كل مرضع تذهل عمن أرضعته في الماضي. ٣ - في سبب نزول قوله تعالى وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ قال ابن كثير: وقد قال السدي عن أبي مالك: نزلت هذه الآية في النضر بن الحارث وكذلك قال ابن جريج: روى ابن أبي حاتم عن أبي كعب المكي: قال: قال خبيث من خبثاء قريش: أخبرنا عن ربكم، من ذهب هو، أو من فضة هو، أو من نحاس هو؟ فتقعقعت السماء قعقعة- والقعقعة في كلام العرب الرعد- فإذا قحف رأسه

стр. 3341

ساقط بين يديه، وقال ليث بن سليم عن مجاهد: جاء يهودي فقال: يا محمد أخبرني عن ربك من أي شئ هو من در، أم من ياقوت؟ قال: فجاءت صاعقة فأخذته. أقول: وأيا كان سبب النزول فإن العبرة لعموم اللفظ، ولننتقل إلى المقطع الثاني . المقطع الثاني ويمتد من الآية (٥) إلى نهاية الآية (٤٨)، وقد اعتمدنا عرضه كمجموعات لطوله، ولذلك فسنذكر المجموعة وتفسيرها، ومحلها في السياق الخاص والعام، ثم ننتقل إلى غيرها حتى ينتهي المقطع. يتألف المقطع الثاني من سبع مجموعات وها نحن نبدأ بعرض المجموعة الأولى . المجموعة الأولى وتمتد من الآية (٥) إلى نهاية الآية (٧) وهذه هي: [سورة الحج (٢٢): الآيات ٥ الى ٧] يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧) التفسير: رأينا في المقطع الأول من السورة أن الصارف الرئيسي عن التقوى هو الجهل بالله

стр. 3342

الذي يستتبع اتباع الشيطان، ومن آثار الجهل بالله عدم الإيمان باليوم الآخر، أو الشك فيه، ومن ثم تأتي المجموعة الأولى في المقطع الثاني لتعالج الشك في اليوم الآخر، وهي إذ تعالج الشك فمن باب أولى أنها تعالج الكفر أصلا يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ أي شك مِنَ الْبَعْثِ وهو المعاد وقيام الأرواح والأجساد يوم القيامة فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ خلق الإنسان من تراب مرتين: المرة الأولى يوم خلق آدم، والمرة الثانية يوم أن أصبح نطفة وبويضة فإنه خلق من الغذاء، وكان الغذاء ترابا، وماء وهواء ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ أي من حيوان منوي ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ هذا ذكر للمرحلة الثانية من تطور النطفة ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ وهذا ذكر للمرحلة الثالثة من تطور الجنين، وهو موضوع سنفصله في الفوائد لِنُبَيِّنَ لَكُمْ بهذا التدريج كمال قدرتنا وحكمتنا، وأن من قدر على خلق البشر من تراب أولا، ثم من نطفة ثانيا ولا مناسبة بين التراب والماء، وقدر أن يجعل النطفة علقة ومضغة، والعلقة والمضغة عظاما قادر على إعادة ما بدأه، والمعنى العام: إن ارتبتم في البعث فمزيل ريبكم أن تنظروا في بدء خلقكم، فمن قدر على صنعكم أول مرة كما رأيتم قادر على إعادتكم وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ أي نحن نثبت في الأرحام ما نشاء ثبوته، وما لم نشأ ثبوته أسقطته الأرحام إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى أي وقت الولادة ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ من الرحم طِفْلًا ضعيفا في بدنه وسمعه وبصره وحواسه، وبطشه وعقله، ثم يعطيه الله القوة شيئا فشيئا، ويلطف به، ويحنن عليه والديه آناء الليل وأطراف النهار، ولهذا قال ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ أي ثم نربيكم لتبلغوا كمال عقلكم وقوتكم بتكامل القوى، والوصول إلى عنفوان الشباب وحسن المنظر وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى عند بلوغ الأشد أو قبله أو بعده وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ أي أخسه يعني الهرم والخرف. قال ابن كثير في تفسير أرذل العمر: وهو الشيخوخة والهرم، وضعف القوة والعقل، والفهم، وتناقص الأحوال من الخرف وضعف الفكر، ولهذا قال لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً أي لكيلا يعلم شيئا من بعد ما كان يعلمه، أو لكيلا يستفيد علما وينسى ما كان عالما به. هذا هو الدليل الأول على قدرة الله على البعث؛ فالله الذي قدر أن يخلق الإنسان من تراب، ثم ينقله من حال إلى حال، لا يعجزه أن يخلق الإنسان مرة ثانية بعد إذ صار ترابا. والآن يأتي الدليل الثاني: وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً أي ميتة يابسة فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ أي

стр. 3343

تحركت بالنبات وحييت بعد موتها وَرَبَتْ أي ارتفعت وهذه إحدى ملاحظات علماء القشرة الأرضية المعاصرين: أن الأرض بعد المطر ترتفع وتربو، وهو موضوع سنراه في الفوائد وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ أي صنف بَهِيجٍ أي حسن سار للناظرين إليه، لفت النظر إلى الأرض إذ أنبتت ما فيها من الألوان والفنون، من ثمار وزروع وأشتات النبات في اختلاف ألوانها وطعومها وروائحها وأشكالها، ومنافعها من كل صنف حسن المنظر، يحدث بهجة في النفس ذلِكَ أي الذي ذكرناه من خلق بني آدم من تراب، وإحياء الأرض بعد موتها، مع ما في تضاعيف ذلك من أصناف الحكم بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ أي ذلك حاصل بسبب أن الله هو الحق، أي الثابت الوجود وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أي ما كان شئ من ذلك يحدث لولا أن الله حق، وأنه متصف بصفة إحياء الموتى، وأنه قادر على كل شئ، وإذا ثبت من خلال ما مر هذا كله فإن مقتضى اتصاف الله بهذا أن يبعثكم مرة ثانية، فهو قادر، وهو يحيي الموتى، وهو حق، ومن مقتضى كونه حقا ألا يخلق عبثا، وألا يترك سدى وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها أي إن خلقكم من تراب وإحياء الأرض من بعد موتها حكمته أن الساعة آتية لا ريب فيها، أي لولا أنه قدر الساعة ما خلقكم، ولا خلق ما في الأرض لكم وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ أي وإن خلقكم من تراب وإحياء الأرض بعد موتها حكمته أن الله يبعث من في القبور، أي لولا الساعة، ولولا البعث، ما خلق الله الذي خلق، وإذن فمن لم يؤمن بالساعة وبالبعث، فإنه لم يعرف الله ، ولم يعرف حكمته في خلق الإنسان، وأصناف المخلوقات. ***

стр. 3344

كلمة في السياق: إن التقوى لها طريق هو عبادة الله، وعبادة الله مرتكزها معرفته الصحيحة، ومعرفته الصحيحة تقتضي معرفة حكمته في خلق الأشياء، وذلك يوصلنا إلى الإيمان باليوم الآخر، وهذه المجموعة دللت على اليوم الآخر، ولفتت نظر الإنسان إلى شيئين يذكران به: خلق الإنسان، وإحياء الأرض الميتة، وعرفتنا بذلك على الله، ومما عرفتنا به على الله، أن الله ما كان ليخلق الخلق لولا الساعة والبعث، مما يدل على أن الساعة والبعث تقتضيهما الحكمة، ومن ظن أنه لا ساعة ولا بعث فإنه لا يكون قد عرف لله الحكمة، وهكذا نرى أن سياق السورة يخدم محور السورة يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. الفوائد: ١ - بمناسبة قوله تعالى وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى ذكر ابن كثير: ما رواه الإمام أحمد عن وكيع بن عدي عن عمه أبي رزين العقيلي- واسمه لقيط بن عامر- أنه قال: يا رسول الله أكلنا يرى ربه يوم القيامة؟ وما آية ذلك في خلقه؟ فقال رسول الله ﷺ : «أليس كلكم ينظر إلى القمر مخليا به؟» قلنا: بلى، قال «فالله أعظم» قال: قلت: يا رسول الله كيف يحيي الموتى؟ وما آية ذلك في خلقه؟ قال: «أما مررت بوادي أهلك ممحلا؟ قال: بلى، قال: «ثم مررت به يهتز خضرا» قال: بلى، قال: «فكذلك يحيي الله الموتى، وذلك آيته في خلقه»). ٢ - وبمناسبة قوله تعالى فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ ذكر ابن كثير حديث الصحيحين عن ابن مسعود قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق «إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين ليلة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه الملك، فيؤمر بأربع كلمات، فيكتب رزقه، وعمله، وأجله، وشقي، أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح».

стр. 3345

المجموعة الثانية وتمتد من الآية (٨) إلى نهاية الآية (١٠) وهذه هي: [سورة الحج (٢٢): الآيات ٨ الى ١٠] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ (٨) ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ (٩) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (١٠) التفسير: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ أي في وجوده، أو في أسمائه أو في صفاته بغير وصفه بِغَيْرِ عِلْمٍ ضروري أو مكتسب وَلا هُدىً أي ولا هداية خاصة من الله، كأثر عن مجاهدة صحيحة وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ من الله، أي ومن الناس من يجادل في الله بلا عقل صحيح، ولا هدى إلهام صريح، ولا نقل صريح، بل بمجرد الهوى ثانِيَ عِطْفِهِ العطف: الرقبة، والمعنى: لاويا عنقه عن طاعة الله كبرا وخيلاء، يعني: يعرض عما يدعى إليه من الحق، ويثني رقبته استنكارا واستكبارا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ هذا تعليل للمجادلة في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، أي يجادل ليضل عن دين الله لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ أي إهانة وذل لما استكبر عن آيات الله لقاه الله المذلة في الدنيا وعاقبه فيها قبل الآخرة لأنها أكبر همه ومبلغ علمه وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ أي جمع له عذاب الدارين ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ أي السبب في عذاب الدارين هو ما قدمت نفسه من الكفر والكبر والتكذيب، وذكر اليد لأن اليد آلة الكسب وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ أي فلا يأخذ أحدا بغير ذنب، ولا يأخذ أحدا بذنب غيره، وذكر الظلام بصيغة المبالغة لاقترانه بلفظ الجمع، وهو العبيد، ولأن قليل الظلم منه مع إحاطة علمه واستغنائه كالكثير منا، وهذا الكلام يقال لهم تقريعا وتوبيخا.

стр. 3346

كلمة في السياق: ذكرت هذه المجموعة الطريق لمعرفة الله: العلم والهداية والكتاب، فالعلم الضروري والمكتسب يدلنا على الله وصفاته وأسمائه، كما برهنا على ذلك في كتابنا (الله ﷻ في بحث دلالات الظواهر، والهداية الخاصة التي هي أثر عن المجاهدة تدلنا على الله، قال تعالى وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا (فالمجاهدة توصل إلى المعرفة الصحيحة بالله، والقرآن وكل كتاب سماوي صحيح النسبة لله يدلنا على الله دلالة صحيحة، فالعلم الصحيح، والهدى الخالص، والكتاب المنير، كل منهم يوصل إلى معرفة الله التي هي أساس العبادة، التي هي طريق التقوى. قد ذكرت هذه المجموعة نموذجا من الناس يحاول أن يصرف الناس عن طريق الله، وعن معرفته وعن دينه، والحامل له على ذلك الكبر، وذكرت جزاء هذا الصنف من الناس، وفي ذلك تحذير للناس أن يكونوا كهذا الصنف، وتحذير للمؤمنين أن يصرفهم هذا الصنف من الناس عن طريق التقوى، والصلة بين المجموعة وبين سياق السورة واضح، وكذلك الصلة بينها وبين محور السورة من قوله تعالى في سورة البقرة يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ إذ المجموعة دلتنا بشكل غير مباشر على ما يوصلنا إلى معرفة الله، ودلتنا بشكل مباشر على نوع من الناس، يصرف عن معرفة الله وعبادته وشريعته، وحذرتنا أن نكون من هذا الصنف، إذ بذلك لا نكون عابدين ولا متقين. إن السورة بدأت بالأمر بالتقوى، وذكرت بالساعة؛ لتهيجنا على سلوك طريق التقوى، ودلتنا على صنف من الناس جاهل بالله، ومتبع للشيطان، ثم دعت السورة إلى الإيمان باليوم الآخر، ثم ذكرتنا بصنف من الناس جاهل بالله، فالمعاني متكاملة، كل منها يكمل الآخر. فوائد: ١ - بمناسبة قوله تعالى وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ ذكر ابن كثير ما أخرجه ابن أبي حاتم بسنده إلى الحسن البصري قال: بلغني أن أحدهم يحرق في اليوم سبعين ألف مرة. ٢ - دلتنا المجموعة على أن الكبر علة الضلال، ولا يصل الإنسان إلى حقيقة الإسلام

стр. 3347

وفي قلبه مثقال ذرة من كبر، فليحرر المسلم نفسه من الكبر بعرضه نفسه على الميزان الذي حدده رسول الله ﷺ «الكبر غمط الناس وبطر الحق». المجموعة الثالثة وتمتد من الآية (١١) إلى نهاية الآية (١٤) وهذه هي: [سورة الحج (٢٢): الآيات ١١ الى ١٤] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ (١١) يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (١٢) يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (١٣) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (١٤) التفسير: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ أي على طرف من الدين لا في وسطه وقلبه، وهذا مثل لكونهم على قلق واضطراب في دينهم، لا على سكون وطمأنينة، والمعنى: أنه يعبد الله مضطربا فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ أي فإن أصابه صحة في جسمه، وسعة في معيشته، سكن واستقر بالخير الذي أصابه، أو بالدين فعبد الله وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ أي ارتد ورجع إلى الكفر، خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ أما خسرانه الدنيا فإن أهل الإيمان يعادونه، وأهل الكفر لا يثقون به، وأما خسرانه الآخرة فبخلوده في النار ذلِكَ أي خسران الدارين هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ أي الظاهر الذي لا يخفى على أحد يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ من الأصنام والأنداد ما لا يَضُرُّهُ إن لم يعبده وَما لا يَنْفَعُهُ إن عبده، فهو يستغيث بها ويستنصرها ويسترزقها، وهي لا تنفعه ولا تضره ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ من

стр. 3348

الصواب يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ ضرره في الدنيا قبل الآخرة أقرب من نفعه فيها، وأما الآخرة فضرره محقق متيقن لَبِئْسَ الْمَوْلى إلهه المزعوم، أي لبئس الناصر الصاحب وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ أي ولبئس الصاحب والمخالط والمعاشر، وبعد أن ذكر الله هذا النموذج الذي يعبد الله على حرف، ذكر من يعبد الله بكل حال، وبعد أن ذكر جزاء الأولين، ذكر جزاء الآخرين إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ قال ابن كثير: (لما ذكر أهل الضلالة الأشقياء، عطف بذكر الأبرار السعداء، من الذين آمنوا بقلوبهم، وصدقوا إيمانهم بأفعالهم، فعملوا الصالحات، من جميع أنواع القربات، وتركوا المنكرات، فأورثهم ذلك سكن الدرجات العاليات في روضات الجنات) ولما ذكر تعالى أنه أضل أولئك وهدى هؤلاء قال إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ. كلمة في السياق: ١ - لما كان الطريق إلى التقوى هو العبادة، ولما كان من مزالق الطريق ترك العبادة بسبب عوارض الطريق وقواطعه، فقد نبه الله على هذا المزلق الخطر، والمنعطف القذر، فأنذر هؤلاء الذين يتركون عبادته إذا ما تعرضوا لابتلاء وامتحان، ثم بشر المؤمنين الصادقين بما أعده لهم، والصلة واضحة، بين السياق وهذه المجموعة، فإذ دعانا الله لتقواه، فقد بين لنا ما يقطع عن طريق تقواه، ولقد أنذرت المجموعة لتهيج على الثبات على الطريق، وبشرت لتحض على السير في الطريق. ٢ - لنتذكر الآن محور سورة الحج من سورة البقرة: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ .. لاحظ صلة ذلك بقوله تعالى هنا وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ ثم لاحظ أن الآية الثانية بعد آية يا أَيُّهَا النَّاسُ في سورة البقرة موجودة فيها فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ثم تأمل قوله تعالى في هذه المجموعة يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لتجد الصلة قائمة، ثم لاحظ أن الآية الرابعة بعد آية يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا في سورة البقرة هي وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وتذكر أن آخر آية في هذه المجموعة هي إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ لتجد الصلة قائمة بين المحور وامتداداته من سورة البقرة، وبين هذه المجموعة.

стр. 3349

الفوائد: ١ - بمناسبة قوله تعالى وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ قال ابن كثير: (أي دخل في الدين على طرف، فإن وجد ما يحبه استقر، وإلا انشمر. روى البخاري عن ابن عباس وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ قال: كان الرجل يقدم المدينة فإن ولدت امرأته غلاما ونتجت خيله قال: هذا دين صالح. وإن لم تلد امرأته، ولم تنتج خيله قال هذا دين سوء. وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان ناس من الأعراب يأتون النبي ﷺ فيسلمون، فإذا رجعوا إلى بلادهم فإن وجدوا عام غيث، وعام خصب، وعام ولاد حسن، قالوا: إن ديننا هذا لصالح، فتمسكوا به، وإن وجدوا عام جدوبة، وعام ولاد سوء، وعام قحط، قالوا: ما في ديننا هذا خير. فأنزل الله على نبيه وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ الآية، وقال العوفي عن ابن عباس: كان أحدهم إذا قدم المدينة وهم أرض دونه، فإن صح بها جسمه، ونتجت فرسه مهرا حسنا، وولدت امرأته غلاما، رضي به واطمأن إليه؛ وقال: ما أصبت منذ كنت على ديني هذا إلا خيرا وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ والفتنة: البلاء، أي وإن أصابه وجع المدينة، وولدت امرأته جارية، وتأخرت عنه الصدقة، أتاه الشيطان فقال: والله ما أصبت منذ كنت على دينك إلا شرا، وذلك الفتنة، وهكذا ذكر قتادة والضحاك وابن جريج وغير واحد من السلف في تفسير هذه الآية، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هو المنافق، إن صلحت له دنياه أقام على العبادة، وإن فسدت عليه دنياه، وتغيرت انقلب، فلا يقيم على العبادة إلا لما صلح من دنياه، فإن أصابته فتنة أو شدة أو اختبار، أو ضيق، ترك دينه ورجع إلى الكفر، وقال مجاهد في قوله انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ أي ارتد كافرا وقوله خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ فلا هو حصل من الدنيا على شئ، وأما الآخرة فقد كفر بالله العظيم، فهو فيه في غاية الشقاء والإهانة، ولهذا قال تعالى ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ أي هذه هي الخسارة العظيمة، والصفقة الخاسرة). ٢ - قوله تعالى عن آلهة المشركين لَبِئْسَ الْمَوْلى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ يدل على أن بين المرتد وبين ما ارتد إليه نوع سيادة وصحبة، فهو قد أعطى آلهته الجديدة العبودية، وأعطاها الصحبة وهذا يجعلنا نفهم أن الآلهة التي ينقلب إليها هذا النوع من الناس أوسع من أن تكون صنما.

стр. 3350

المجموعة الرابعة وتمتد من الآية (١٥) إلى نهاية الآية (٢٤) وهذه هي: [سورة الحج (٢٢): الآيات ١٥ الى ٢٤] مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ (١٥) وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (١٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١٧) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (١٨) هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (٢٢) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ (٢٣) وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ (٢٤)

стр. 3351

التفسير: مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ هل الضمير في (ينصره) يعود إلى الظان نفسه أم إلى محمد ﷺ وإذا كان الضمير يعود إلى الظان نفسه فإن الحديث يكون عمن وصل إلى درجة القنوط من النصر، وإن كان الضمير لمحمد ﷺ يكون المعنى: من كان يظن ألن ينصر الله محمدا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ أي فليمدد بحبل إلى سقف بيته هكذا فسرها ابن كثير وغيره، لأن كل ما علاك في اللغة فهو سماء ثُمَّ لْيَقْطَعْ قال ابن كثير: أي ثم ليختنق به، قال النسفي: أي ثم ليختنق به، وسمي الاختناق قطعا لأن المختنق يقطع نفسه بحبس مجاريه فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ أي في قتل نفسه ما يَغِيظُ أي الذي يغيظه من أوضاع. قال النسفي: وسمي فعله كيدا على سبيل الاستهزاء، لأنه لم يكد به محسوده إنما كاد به نفسه، والمراد ليس في يده إلا ما ليس بمذهب لما يغيظ، أقول: وفي هذا المقام تختلف عبارات المفسرين، وما ذكرناه في تفسير الآية هو الذي نرجحه، والمعنى: من ظن أنه لا نصر للإسلام والمسلمين فليتصور أنه شنق نفسه، فهل يترتب على ذلك شئ؟ والمعنى: أنه لا يجوز للمسلم أن يشك في نصر الله، وأن عليه أن يصبر في كل الظروف لأمر الله تعالى وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ أي القرآن آياتٍ بَيِّناتٍ أي واضحات في لفظها ومعناها، حجة من الله على الناس وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ أي يضل من يشاء ويهدي من يشاء، وله الحكمة التامة والحجة القاطعة، والمعنى: ومثل ذلك الإنزال أنزل القرآن كله آيات بينات واضحات، والحكمة في ذلك هداية من علم الله أنهم يؤمنون، ولذلك أنزل على ما هو عليه. كلمة في السياق: بعد المجموعة التي وصف الله فيها حال من يعبد الله على حرف ذكر آية مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ والصلة واضحة لأن كثيرين يتركون دعوة الله لاستبطائهم النصر لها، أو يأسهم منها، ومجيء الآية الثانية وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ للإشارة إلى أنه ما من حالة إلا وفي القرآن تفصيلها الواضح، أما صلة الآيتين بمحور السورة فواضح؛ إذ إن استبطاء النصر، أو اليأس من النصر صارفان عن التقوى، والسير إليها، والتحقق فيها، ولنعد إلى التفسير. ...

стр. 3352

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ مر معنا تعريف الصابئين في سورة البقرة وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ أي عباد النار وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا مع الله غيره كائنا من كانوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أي يحكم بينهم إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ أي عالم به، حافظ له، فلينظر كل امرئ معتقده، وقوله وفعله، وهو أبلغ وعيد. كلمة في السياق: ما محل هذه الآية في السياق؟ إنه بعد أن ذكر الله قضية اليأس من نصر الله في الدنيا والآخرة، قرر هنا مؤكدا أنه سيفصل ويحكم يوم القيامة بين أهل العقائد المختلفة، أي أن أهل الإيمان منتصرون حتما في الآخرة، وهذا هو النصر الكبير، ولنعد إلى التفسير: أَلَمْ تَرَ أي ألم تعلم علما يقوم مقام العيان أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ يخبر تعالى أنه المستحق للعبادة وحده لا شريك له، فإنه يسجد لعظمته كل شئ طوعا وكرها، وسجود كل شئ مما يختص به، وهل هو سجود حقيقي فيكون لكل سجوده الخاص وإن كنا لا نقف عليه، أو أن في ذلك كناية عن مطاوعة غير المكلف له فيما يحدث فيه من أفعاله وتسخيره له، فهذا سجوده له تشبيها لمطاوعته بسجود المكلف الذي كل خضوع دونه؟ اتجاهان في التفسير ذكرهما النسفي وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ أي ويسجد له كثير من الناس سجود طاعة وعبادة وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ أي وكثير منهم حق عليه العذاب بكفره وإبائه السجود الاختيارى وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ أي ومن يهنه الله بالشقاوة فما له من مكرم بالسعادة إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ من الإكرام والإهانة وغير ذلك. كلمة في السياق: يأتي هذا الخطاب الذي يقرر خضوع خلق الله جميعا لله في سياق الإنكار على من ييأس من نصر الله، وفي سياق الإنكار على من يعبد الله على حرف؛ ليبين أن الأمر أمره، والملك ملكه، وكل شئ خاضع له، وأن من يفر من عبادته أمامه ما أمامه، وأن الذي ييأس من نصره لا يعرف حقيقة الأمر من كون كل شئ خاضعا له خضوع

стр. 3353

اختيار، أو اضطرار وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وأما صلتها في السياق العام من محور السورة فإن محور السورة يأمر بالعبادة كطريق للتقوى، وتأتي هذه الآية لتقرر أن السجود الذي هو أرقى درجات العبادة هو سمة الكون كله بما فيه ومن فيه، وأن الذين لا يسجدون من البشر معذبون، وأن الذين يسجدون منسجمون مع سجود الخلق كلهم، وبعد هذه الآية التي مرت معنا فإن المجموعة تعرض لنا مشهدا من مشاهد يوم القيامة، تذكر لنا فيه كيف ينصر الله أولياءه في الآخرة ويخذل أعداءه. ... هذانِ خَصْمانِ أي هذان فريقان مختصمان اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ هذا مصدق، وهذا مكذب، هذا مؤمن وهذا كافر، والاختصام قد يكون اختصام حجة، وقد يكون اختصام قتال فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ أي فصلت لهم مقطعات من النار. قال سعيد بن جبير: من نحاس، قال ابن كثير: وهو أشد الأشياء حرارة إذا حمي، قال النسفي: كأن الله يقدر لهم نيرانا على مقادير جثثهم، تشتعل عليهم، كما تقطع الثياب الملبوسة، واختير لفظ الماضى لأنه كائن لا محالة، فهو كالثابت المتحقق يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ أي الماء الحار الذي هو في غاية الحرارة، وقال سعيد بن جبير: هو النحاس المذاب يُصْهَرُ بِهِ أي يذاب به، أي بالحميم ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ أي يذيب أمعاءهم وأحشاءهم، كما يذيب جلودهم، فيؤثر في الظاهر والباطن وَلَهُمْ مَقامِعُ أي سياط مختصة بهم مِنْ حَدِيدٍ يضربون بها كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أي من النار مِنْ غَمٍّ أي من أجل غم أُعِيدُوا فِيها أي أعيدوا إلى عظم النار، لأنهم لا ينفصلون عنها أبدا وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ أي وقيل لهم ذوقوا العذاب ليهانوا قولا وفعلا، هذا جزاء الخصم الكافر، وأما خصمه المؤمن فهذا جزاؤه: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ قال ابن كثير: أي تتحرك في أكنافها، وأرجائها وجوانبها، وتحت أشجارها وقصورها، يجرونها حيث شاءوا وأين أرادوا يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً أي يلبسون الحلي من الذهب واللؤلؤ في أيديهم وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ في مقابلة ثياب أهل النار التي فصلت لهم وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ أي إلى الطريق المستقيم في الدنيا،

стр. 3354

والحميد: هو الله المحمود بكل لسان، ويحتمل أن يكون المعنى: وهدوا في الآخرة إلى القول الطيب، حتى لا يقولوا إثما، ولا يقولوا إلا ذكرا وسلاما، وهدوا إلى المكان الذي يحمدون فيه ربهم على ما أحسن إليهم وأنعم به وأسداه إليهم. كلمة في السياق: دلت هذه الآيات على ما أعد الله للخصوم فيه، فعرفنا بذلك أن نصرة الله في الآخرة لأوليائه ما بعدها نصرة، وأن خذلان الله لأوليائه ما بعده خذلان، فلنتذكر كيف سارت المجموعة: أنكرت على من ييأس من النصر، ثم بينت أن النصر الحقيقي يوم القيامة، ثم بينت أن كل شئ خاضع لله، ثم بينت عاقبة المتخاصمين فيه في الآخرة، وهكذا عرفتنا أن النصر الحقيقي هو النصر في الآخرة، وسنرى أنه بعد المجموعة اللاحقة ستأتي بشارة الله بالنصر لمن يستحق النصر فالسياق الخاص للسورة يتسلسل- كما نرى- بشكله العجيب الفريد. والصلة بين هذه المجموعة كلها، وبين محور السورة من البقرة واضح، فقد استقرت المجموعة على ذكر عاقبة المتقين، وعاقبة الكافرين بما لا يبقى معه ذو عقل إلا ويختار طريق التقوى، كيف والكلام كلام الله، والوعد والوعيد وعده ووعيده، وقد رأينا أن من امتدادت آية المحور في سورة البقرة قوله تعالى: فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ ... فوائد: ١ - بمناسبة قوله تعالى أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ .. يروي ابن كثير حديث الصحيحين عن أبي ذر ﵁، قال: قال لي رسول الله ﷺ : «أتدري أين تذهب هذه الشمس؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنها تذهب فتسجد تحت العرش، ثم تستأمر فيوشك أن يقال لها ارجعي من حيث جئت» وانظر ما كتبناه عن هذا الموضوع في أواخر سورة الأنعام، وقد ساقه ابن كثير للتدليل على سجود الأشياء لله، وبمناسبة كون هذه الآية آية سجدة قال ابن كثير: وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قرأ ابن آدم السجدة اعتزل الشيطان يبكي، يقول يا ويله أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار».

стр. 3355

٢ - وبمناسبة قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ أخرج ابن أبي حاتم أنه قيل لعلي: إن هاهنا رجلا يتكلم في المشيئة، فقال له علي: يا عبد الله، خلقك الله كما يشاء أو كما شئت؟ قال: بل كما شاء، قال: فيمرضك إذا شاء أو إذا شئت؟ قال: بل إذا شاء، قال: فيشفيك إذا شاء أو إذا شئت؟ قال: بل إذا شاء، قال: فيدخلك حيث شئت أو حيث شاء؟ قال: بل حيث يشاء، قال: والله لو قلت غير ذلك لضربت الذي فيه عيناك بالسيف». ٣ - بمناسبة قوله تعالى: هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ عرض ابن كثير مجموعة من الأقوال في الآية، ورجح ما أثبتناه في صلب التفسير، وهذا كلامه: (ثبت في الصحيحين من حديث أبي مجلز عن قيس بن عباد عن أبي ذر أنه كان يقسم قسما أن هذه الآية هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ نزلت في حمزة وصاحبيه، وعتبة وصاحبيه يوم برزوا في بدر- لفظ البخاري عند تفسيرها- ثم روى البخاري عن علي بن أبي طالب أنه قال: أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة، قال قيس: وفيهم نزلت هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ قال: هم الذين بارزوا يوم بدر: علي وحمزة وعبيده وشيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة. وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في قوله تعالى: هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ قال: اختصم المسلمون، وأهل الكتاب، فقال أهل الكتاب: نبينا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم؛ فنحن أولى منكم، وقال المسلمون: كتابنا يقضي على الكتب كلها، ونبينا خاتم الأنبياء، فنحن أولى بالله منكم، فأفلج الله الإسلام على من ناوأه وأنزل هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ وقال شعبة عن قتادة في قوله هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ قال: مصدق ومكذب، وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد في هذه الآية: مثل الكافر والمؤمن اختصما في البعث، وقال في رواية هو وعطاء في هذه الآية: مثل الكافر والمؤمن اختصما في البعث، وقال في رواية هو وعطاء في هذه الآية: هم المؤمنون والكافرون. وقال عكرمة هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ قال. هي الجنة والنار، قالت النار: اجعلني للعقوبة، وقالت الجنة: اجعلني للرحمة. وقال مجاهد وعطاء: إن المراد بهذه الكافرون والمؤمنون، يشمل الأقوال كلها وينتظم فيه قصة يوم بدر وغيرها، فإن المؤمنين يريدون نصرة دين الله ، والكافرون يريدون إطفاء نور الإيمان، وخذلان الحق، وظهور الباطل، وهذا اختيار ابن جرير وهو حسن).

стр. 3356

٤ - بمناسبة قوله تعالى يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ* يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ* وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ* كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ قال ابن كثير: (روى ابن جرير .. عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن الحميم ليصب على رءوسهم، فينفذ الجمجمة، حتى يخلص إلى جوفه، فيسلت ما في جوفه حتى يبلغ قدميه، وهو الصهر. ثم يعاد كما كان» وعن ابن أبي حاتم .. عن أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت عبد الله بن السري قال: يأتيه الملك يحمل الإناء بكلبتين من حرارته، فإذا أدناه من وجهه تكرهه قال: فيرفع مقمعة معه فيضرب بها رأسه، فيفرغ دماغه ثم يفرغ الإناء من دماغه، فيصل إلى جوفه من دماغه، فذلك قوله يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ وقوله وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ روى الإمام أحمد .. عن أبي سعيد عن رسول الله ﷺ قال: «لو أن مقمعا من حديد وضع في الأرض فاجتمع له الثقلان، ما أقلوه من الأرض. وأخرج الإمام أحمد في مسنده عن رسول الله ﷺ : «لو ضرب الجبل بمقمع من حديد لتفتت ثم عاد كما كان، ولو أن دلوا من غساق يهراق في الدنيا لأنتن أهل الدنيا» وقال ابن عباس في قوله تعالى وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ قال: يضربون بها فيقع كل عضو على حياله فيدعون بالثبور، وقوله كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها روى الأعمش .. عن سلمان قال: النار سوداء مظلمة، لا يضيء لهبها، ولا جمرها ثم قرأ كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها قال: بلغني أن أهل النار في النار لا يتنفسون، وقال الفضيل بن عياض: والله ما طمعوا في الخروج، إن الأرجل لمقيدة، وإن الأيدي لموثقة، ولكن يرفعهم لهبها وتردهم مقامعها، وقوله وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ كقوله وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ومعنى الكلام أنهم يهانون بالعذاب قولا وفعلا. ٥ - بمناسبة قوله تعالى يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً ذكر ابن كثير الحديث المتفق عليه «تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء». ٦ - وبمناسبة قوله تعالى وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ قال ابن كثير: كما جاء في الحديث الصحيح «إنهم يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس». ***

стр. 3357

المجموعة الخامسة من المقطع الثاني وتمتد من الآية (٢٥) إلى نهاية الآية (٣٧) وهذه هي: [سورة الحج (٢٢): الآيات ٢٥ الى ٣٧] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٢٥) وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالاً وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩) ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلاَّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ (٣١) ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢) لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٣٣) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥) وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيها خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦) لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (٣٧)

стр. 3358

التفسير: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي: ويمنعون الناس عن الدخول في الإسلام وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ أي: ويصدون عن المسجد الحرام من أراده من المؤمنين الذين هم أحق الناس به في نفس الأمر، والمعنى: إن الذين كفروا والذين هم مع كفرهم يصدون عن سبيل الله، والمسجد الحرام، والتركيب يفيد أن الصدود منهم دائم مستمر الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ مطلقا من غير فرق بين حاضر وباد سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ أي: جعلناه مستويا المقيم فيه وغير المقيم، فالكافرون يمنعون الناس عن الوصول إلى المسجد الحرام، وقد جعله الله شرعا سواء للناس، لا فرق فيه بين المقيم فيه والنائي عنه، البعيد الدار منه وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ أي: في المسجد الحرام بِإِلْحادٍ أي: إلحادا، والإلحاد: العدول عن القصد، أي: ومن يرد فيه مرادا ما منحرفا عن القصد بِظُلْمٍ أي: ظالما، أي: ومن يهم فيه بأمر فظيع من المعاصي والكبائر ظالما عامدا قاصدا ليس بمتأول نُذِقْهُ في الآخرة مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ تقدير المعنى في الآية: إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام نذيقهم من عذاب أليم، وكل من ارتكب فيه ذنبا فهو كذلك وَإِذْ أي: واذكر إذ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ

стр. 3359

الْبَيْتِ أي أرشده إليه وسلمه له، وأذن له في بنائه أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً أي: قائلين له لا تشرك بي شيئا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ من الأصنام والأقذار لِلطَّائِفِينَ أي: لمن يطوف به وَالْقائِمِينَ أي والمقيمين بمكة وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ أي والمصلين وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ أي ناد فيهم بالحج، والحج في اللغة: هو القصد البليغ إلى مقصد منيع يَأْتُوكَ رِجالًا أي مشاة وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ الضامر: هو البعير المهزول، أي يأتوك مشاة وركبانا. قال النسفي: وقدم الرجال على الركبان إظهارا لفضيلة المشاة يَأْتِينَ أي تأتي هذه الضوامر مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ أي من كل طريق بعيد لِيَشْهَدُوا أي ليحضروا مَنافِعَ لَهُمْ قال ابن عباس: منافع الدنيا والآخرة، أما منافع الآخرة فرضوان الله تعالى، وأما منافع الدنيا فما يصيبون من منافع البدن، والذبائح، والتجارات وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ قال ابن عباس: الأيام المعلومات أيام العشر، أي من ذي الحجة، وهو مذهب أبي حنيفة وآخرها يوم النحر، وعليه أكثر المفسرين، وعند أبي يوسف ومحمد: هي أيام النحر، وهو قول ابن عمر ﵄ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ بهيمة الأنعام: هي الإبل والبقر والضأن والمعز، وقوله تعالى: ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام أي على ذبحه فَكُلُوا مِنْها أي من لحومها، والأمر للإباحة، وعند الحنيفة يجوز الأكل من هدي التطوع والمتعة، والقرآن؛ لأنه دم نسك، فأشبه الأضحية، ولا يجوز الأكل من بقية الهدايا وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ أي الذي أصابه بؤس أي شدة الْفَقِيرَ أي الذي أضعفه الإعسار ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ أي ثم ليزيلوا عنهم أدرانهم والتفث: الوسخ، وقضاء التفث على الكمال قص الشارب والأظافر، ونتف الإبط والاستحداد وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ أي مواجب حجهم، أو ما ينذرونه من أعمال البر في حجهم وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ أي طواف الزيارة الذي هو ركن الحج، ويقع به تمام التحلل، والبيت العتيق: هو الكعبة، والعتيق: القديم، أو الكريم، أو سمي بذلك لأنه أعتق من أيدي الجبابرة ذلِكَ أي الأمر ذلك وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ الحرمة: ما لا يحل هتكه، وجميع ما كلف الله به عباده هو من هذا القبيل، سواء في ذلك مناسك الحج وغيرها، واللفظ يحتمل أن يكون عاما في جميع تكاليفه، ويحتمل أن يكون خاصا بما يتعلق بالحج، وقيل حرمات الله: البيت الحرام، والمشعر الحرام، والشهر الحرام، والبلد الحرام، والمسجد الحرام فَهُوَ أي التعظيم خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ ومعنى التعظيم: العلم بأنها واجبة المراعاة، والحفظ

стр. 3360

والقيام بمراعاتها وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ أي في القرآن، مما ورد في سور: البقرة، والمائدة، والأنعام، والنحل، والمعنى: أن الله تعالى أحل لكم الأنعام كلها، إلا ما حرمه عليكم في كتابه، فحافظوا على حدوده، ولا تحرموا شيئا مما أحل الله، كتحريم البعض البحيرة ونحوها، ولا تحلوا مما حرم الله، كإحلالهم أكل الموقوذة، والميتة وغيرها فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ الذي هو الأوثان مِنَ الْأَوْثانِ هذا بيان للرجس، وسمى الأوثان رجسا على طريقة التشبيه، يعني أنكم تنفرون بطباعكم عن الرجس، فعليكم أن تنفروا عنها وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ أي الكذب والبهتان، أو شهادة الزور، لما حث على تعظيم حرماته، أتبعه الأمر باجتناب الأوثان، وقول الزور، وجمع بين الشرك وقول الزور؛ لأن الشرك من باب الزور؛ إذ المشرك زاعم أن الوثن يحق له العبادة حُنَفاءَ لِلَّهِ أي مخلصين له الدين، منحرفين عن الباطل، قصدا إلى الحق، ولهذا قال: غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ أي سقط مِنَ السَّماءِ إلى الأرض فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أي تسلبه بسرعة، أي تقطعه الطيور في الهواء أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ أي تسقطه فِي مَكانٍ سَحِيقٍ أي بعيد مهلك لمن هوى فيه ذلِكَ أي الأمر ذلك وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ أي أوامره فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ أي فإن تعظيمها من أفعال ذوي تقوى القلوب، وإنما ذكرت القلوب لأنها مراكز التقوى، ومن شعائر الله الهدايا لأنها من معالم الحج، وتعظيمها: أن يختارها عظام الأحرام، حسانا سمانا غالية الأثمان لَكُمْ فِيها مَنافِعُ من الركوب عند الحاجة، وشرب ألبانها عند الضرورة إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى أي إلى أن تنحر ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ أي محل الهدي وانتهاؤه إلى البيت العتيق: وهو الكعبة، والمعنى الدقيق لها: أي إلى وقت وجوب نحرها منتهية إلى البيت العتيق، والمراد نحرها في الحرم الذي هو في حكم البيت إذ الحرم حريم البيت وَلِكُلِّ أُمَّةٍ من الأمم قبلكم أرسل الله لها رسولا، وطالبها بشريعة جَعَلْنا مَنْسَكاً أي إراقة دماء وذبح قرابين لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ دون غيره عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ أي عند نحرها وذبحها فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ أي معبودكم واحد، وإن تنوعت شرائع الأنبياء، ونسخ بعضها بعضا، فالجميع يدعون إلى عبادة الله وحده لا شريك له فَلَهُ أَسْلِمُوا أي أخلصوا واستسلموا لحكمه وطاعته وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ أي المطمئنين بذكر الله، أو المتواضعين الخاشعين، ثم وصفهم الله تعالى فقال الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ أي خافت منه قلوبهم

стр. 3361

وَالصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ أي المصائب وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ في أوقاتها وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ أي المؤدين حق الله فيما أوجب عليهم من أداء فرائض أي وينفقون ما آتاهم الله من طيب الرزق على أهليهم وأقاربهم وفقرائهم ومحاويجهم ويحسنون إلى الخلق وَالْبُدْنَ جمع: بدنة سميت به لعظم بدنها، وهذا الاسم في الشريعة يتناول الإبل والبقر جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ أي من أعلام الشريعة التي شرعها الله، وجعلها من شعائره هو أنه جعلها تهدى إلى بيته الحرام بل هي أفضل ما يهدى إليه لَكُمْ فِيها خَيْرٌ أي خير في الدنيا وأجر في العقبى فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها أي عند نحرها صَوافَّ أي قائمات قد صففن أيديهن وأرجلهن فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها أي إذا سقطت جنوبها على الأرض بعد نحرها، وسكنت حركتها فَكُلُوا مِنْها أي إن شئتم فالأمر للإباحة وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ أي السائل وَالْمُعْتَرَّ أي الذي يريك نفسه ويتعرض ولا يسأل، وقيل: القانع الراضي بما عنده، وبما يعطى من غير سؤال، والمعتر: المتعرض للسؤال كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ أي كما أمرناكم بنحرها سخرناها لكم، أي ذللناها لكم مع قوتها وعظم أجرامها لتتمكنوا من نحرها لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أي لتشكروا إنعام الله عليكم، أو المعنى: من أجل ما مر ذللناها لكم، وجعلناها منقادة لكم خاضعة، إن شئتم ركبتم، وإن شئتم جلستم، وإن شئتم ذبحتم؛ من أجل أن تشكروا الله على عنايته بكم لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها أي لن يصيب رضا الله اللحوم المتصدق بها، ولا الدماء المراقة بالنحر وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ أي بالتقوى تنالون رضا الله والمعنى: لن يرضي المضحون والمقربون ربهم إلا بمراعاة النية والإخلاص ورعاية شروط التقوى كَذلِكَ أي من أجل ذلك سَخَّرَها لَكُمْ أي من أجل أن تتحققوا بالتقوى سخرها لكم، إذ تنتفعون بها كما شرع وتضحون بها كما أمر، وتلتزمون في شأنها بما أوصى لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ أي لتسموا الله عند الذبح، أو لتعظموا الله عَلى ما هَداكُمْ أي على ما أرشدكم إليه من دينه وشرعه، وما يحبه وما يرضاه، ونهاكم عن فعل ما يكرهه ويأباه وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ بالثواب، والمحسنون: هم الممتثلون أوامره، المراقبون له في كل حال، القائمون بحدوده، المتبعون ما شرع، المصدقون لرسوله ﷺ فيما أبلغهم، وجاءهم به من عند ربه ، وبهذا انتهت المجموعة الخامسة من المقطع الثاني.

стр. 3362

كلمة في السياق: هذه المجموعة جسر بين المجموعة التي قبلها والتي بعدها، وهي في الوقت نفسه تحدد معالم كبيرة في موضوع التقوى والعبادة، ومن ثم فهي في محلها تؤدي دورين: دورا في خدمة السياق الخاص، ودورا في خدمة السياق القرآني العام، فلنر كيف كان ذلك: رأينا أن المجموعة السابقة بدأت في الإنكار على من ييأس من نصر الله في الدنيا والآخرة، ثم استقرت على توضيح كيف ينصر الله أولياءه في الآخرة ولم تحدثنا صراحة عن موضوع نصر الله أولياءه في الدنيا، وسنرى أن موضوع نصرة الله أولياءه في الدنيا سيأتي في المجموعة اللاحقة، إذ يحدثنا الله عن دفاعه عن الذين آمنوا، وعن إذنه للمؤمنين بالقتال، وعن قدرته على نصرهم، وعن صفات الجماعة التي تستحق النصر، وعن وعده لها بالنصر، وفيما بين ذلك تأتي المجموعة التي مرت معنا فلماذا؟ إن المجموعة التي بين أيدينا تعطينا مبررات الإذن في القتال، فالذين كفروا يصدون عن سبيل الله وعن المسجد الحرام الذي أقامه إبراهيم ﵇ للتوحيد الخالص، فإذا بالمشركين يجعلونه للشرك، ويعطلون شعائر الله وشرائعه، ومن ثم فإنه عند ما يأتي الإذن بقتالهم، تكون المبررات أوضح، ومن ثم قلنا إن هذه المجموعة جسر بين ما قبلها وما بعدها. والمجموعة بينت معالم في العبادة فذكرت: حج البيت الذي بناه إبراهيم ﵇ للطواف والقيام والركوع والسجود، وذكر الله وشكره على رزقه لهم بهيمة الأنعام، بالتضحية فيها هناك، والأكل منها، والإطعام منها، كما ذكرت عبادة الله في ترك بعض جوانب من التنعم، وقضاء ما على الإنسان من نذور، والطواف بالبيت، وتعظيم حرمات الله، والتوحيد، واجتناب الزور، والإخبات لله، والخوف منه، والصبر، والصلاة، والإنفاق وذكر اسم الله عند الذبح، وتعظيم الله، وغير ذلك، وهي كلها معان داخلة في التقوى، أو وسيلة إليها. وأبرزت الآيات معالم من التقوى، كما أبرزت أهمية التقوى ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ كما أبرزت الآيات بعض ما يتنافى مع التقوى: الكفر والصد عن سبيل الله، والصد عن المسجد الحرام، والشرك، وقول الزور، وغير ذلك. فإذا عرفنا أن محور السورة هو قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ وتأملنا في معاني

стр. 3363

المجموعة رأينا أن المجموعة فصلت لنا في شأن العبادة والتقوى جوانب كثيرة، وكلنا يعلم أن الحج هو الركن الخامس من أركان الإسلام، فهو جزء من التقوى، وهو وسيلة للتقوى، وقد أبرزت الآيات كثيرا من حكم أحكامه، وعللت للكثير مما افترض فيه، والمجموعة جسر لما بعدها مع ما قبلها، كما قلنا فالجميع في مقطع واحد. الفوائد: ١ - استدل ابن كثير بقوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ على أن هذه الآية مدنية، والذي يبدو أن المجموعة كلها والمجموعة التي بعدها مدنيتان. ٢ - للمفسرين والفقهاء وقفات طويلة عند قوله تعالى الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ فقد فهم بعضهم من ذلك أن الناس كلهم متساوون في رباع مكة وسكناها، وأن دور مكة لاتباع ولا تشترى لأنها لكل المسلمين، وخالف آخرون في هذا الفهم فقالوا: إن المراد بالآية غير ذلك، وقد عرض ابن كثير هذه المسألة والخلاف فيها وأدلة كل. قال: (وهذه المسألة هي التي اختلف فيها الشافعي وإسحاق بن راهويه بمسجد الخيف وأحمد بن حنبل حاضرا أيضا، فذهب الشافعي ﵀ إلى أن رباع مكة تملك وتورث وتؤجر، واحتج بحديث الزهري عن علي بن الحسن عن عمرو بن عثمان عن أسامة بن زيد قال: قلت يا رسول: أننزل غدا في دارك بمكة؟ فقال «وهل ترك لنا عقيل من رباع» ثم قال «لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر» وهذا الحديث مخرج في الصحيحين، وبما ثبت أن عمر بن الخطاب ﵁ اشترى من صفوان ابن أمية دارا بمكة، فجعلها سجنا بأربعة آلاف درهم، وبه قال طاوس وعمرو بن دينار، وذهب إسحاق بن راهويه إلى أنها لا تورث، ولا تؤجر، وهو مذهب طائفة من السلف، ونص عليه مجاهد وعطاء واحتج إسحاق بن راهويه بما رواه ابن ماجه ...... عن علقمة بن فضلة قال: توفي رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر، وما تدعى رباع مكة إلا السوائب، من احتاج سكن، ومن استغنى أسكن. وروى عبد الرزاق عن عبد الله ابن عمرو أنه قال: لا يحل بيع دور مكة، ولا كراؤها. وقال أيضا عن ابن جريج: كان عطاء ينهى عن الكراء في الحرم، وأخبرني أن عمر بن الخطاب كان ينهى عن تبويب

стр. 3364

دور مكة لأن ينزل الحاج في عرصاتها، فكان أول من بوب داره سهيل بن عمرو، فأرسل إليه عمر بن الخطاب في ذلك فقال: انظرني يا أمير المؤمنين إني كنت امرأ تاجرا، فأردت أن أتخذ بابين يحبسان لي ظهري، قال: فلك ذلك إذا. وروى عبد الرزاق عن مجاهد أن عمر بن الخطاب قال: يا أهل مكة لا تتخذوا لدوركم أبوابا لينزل البادي حيث يشاء، قال: وأخبرنا معمر عمن سمع عطاء يقول سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ قال: ينزلون حيث شاءوا، وروى الدارقطني من حديث ابن أبي نجيح عن عبد الله بن عمرو موقوفا «من أكل كراء بيوت مكة أكل نارا» وتوسط الإمام أحمد فقال: تملك وتورث ولا تؤجر جمعا بين الأدلة والله أعلم). ٣ - نقل ابن كثير كلاما كثيرا للمفسرين حول قوله تعالى وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ وكلها توضح جوانب مما يمكن أن يفعله الناس من إلحاد في الحرم، ومن كلامه قال: (وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: بظلم: بشرك، وقال مجاهد أن يعبد فيه غير الله، وكذا قال قتادة وغير واحد، وقال العوفي عن ابن عباس: بظلم: هو أن تستحل من الحرم ما حرم الله عليك من إساءة أو قتل فتظلم من لا يظلمك، وتقتل من لا يقتلك، فإذا فعل ذلك فقد وجب له العذاب الأليم، وقال مجاهد: بظلم: يعمل فيه عملا سيئا، وهذا من خصوصية الحرم أنه يعاقب البادئ فيه بالشر إذا كان عازما عليه وإن لم يوقعه، كما روى ابن أبي حاتم في تفسيره عن السدي أنه سمع مرة يحدث عن عبد الله- يعني ابن مسعود- في قوله تعالى وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ قال: لو أن رجلا أراد فيه بإلحاد بظلم وهو بعدن أبين لأذاقه الله من العذاب الأليم وقال الثوري ...... عن عبد الله قال: ما من رجل يهم بسيئة فتكتب عليه، ولو أن رجلا بعدن أبين هم أن يقتل رجلا بهذا البيت لأذاقه الله من العذاب الأليم، وكذا قال الضحاك بن مزاحم، وقال سفيان الثوري عن منصور عن مجاهد إلحاد فيه لا والله وبلى والله، وقال سعيد بن جبير: شتم الخادم ظلم فما فوقه، وقال سفيان الثوري ..... عن ابن عباس في قوله وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ قال: تجارة الأمير فيه، وقال حبيب بن أبي ثابت وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ قال: المحتكر بمكة، وكذا قال غير واحد. وروى ابن أبي حاتم عن يعلى بن أمية أن رسول الله ﷺ قال: «احتكار الطعام بمكة إلحاد» وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قول الله وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ قال: نزلت في عبد الله بن أنيس أن رسول الله ﷺ بعثه مع رجلين أحدهما مهاجر والآخر من الأنصار، فافتخروا في الأنساب، فغضب عبد الله بن

стр. 3365

أنيس؛ فقتل الأنصاري، ثم ارتد عن الإسلام، ثم هرب إلى مكة فنزلت فيه وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ يعني من لجأ إلى الحرم، بإلحاد يعني: بميل عن الإسلام، وهذه الآثار- وإن دلت على أن هذه الأشياء من الإلحاد- ولكن هو أعم من ذلك، بل فيها تنبيه على ما هو أغلظ منها، ولهذا لما هم أصحاب الفيل على تخريب البيت، أرسل الله عليهم طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول، أي دمرهم وجعلهم عبرة ونكالا لكل من أراده بسوء، ولذلك ثبت في الحديث أن رسول الله ﷺ قال «يغزو هذا البيت جيش حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بأولهم وآخرهم» وروى الإمام أحمد أنه. أتى عبد الله بن عمر، عبد الله بن الزبير فقال: يا بن الزبير: إياك والإلحاد في حرم الله، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول «إنه سيلحد فيه رجل من قريش لو توزن ذنوبه بذنوب الثقلين لرجحت» فانظر لا تكن هو، وروى أيضا في مسند عبد الله بن عمرو بن العاص ..... عن سعيد بن عمرو قال: أتى عبد الله بن عمر، عبد الله بن الزبير وهو جالس في الحجر فقال: يا ابن الزبير إياك والإلحاد في الحرم، فإني أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول «يحلها ويحل به رجل من قريش لو وزنت ذنوبه بذنوب الثقلين لوزنتها» قال: فانظر لا تكن هو، لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب من هذين الوجهين. أقول: إن عبد الله بن الزبير ليس هو المعني بالحديث بيقين، بل هو الخليفة الشرعي للمسلمين مدة خلافته ﵁ وأرضاه. ٤ - ما الصلة بين الآية الأولى في المجموعة وهي قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ..... والآية الثانية وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ قال ابن كثير: (هذا فيه تقريع وتوبيخ لمن عبد غير الله وأشرك به من قريش في البقعة التي أسست من أول يوم على توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له) وما الصلة بين الآية الأولى، وأمره تعالى لإبراهيم في الآية الثالثة وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ. أقول: الصلة تكمن- والله أعلم- في أن إبراهيم دعا الخلق كلهم لإتيان المسجد الحرام، وقريش كانت تصد أولى الناس بإبراهيم عن المسجد الحرام.
следующие страницы →