وَالصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ أي المصائب وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ في أوقاتها وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ أي المؤدين حق الله فيما أوجب عليهم من أداء فرائض أي وينفقون ما آتاهم
الله من طيب الرزق على أهليهم وأقاربهم وفقرائهم ومحاويجهم ويحسنون إلى الخلق
وَالْبُدْنَ جمع: بدنة سميت به لعظم بدنها، وهذا الاسم في الشريعة يتناول الإبل والبقر جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ أي من أعلام الشريعة التي شرعها الله، وجعلها من شعائره هو أنه جعلها تهدى إلى بيته الحرام بل هي أفضل ما يهدى إليه لَكُمْ فِيها خَيْرٌ أي خير في الدنيا وأجر في العقبى فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها أي عند نحرها صَوافَّ أي قائمات قد صففن أيديهن وأرجلهن فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها أي إذا سقطت جنوبها على الأرض بعد نحرها، وسكنت حركتها فَكُلُوا مِنْها أي إن شئتم فالأمر للإباحة وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ أي السائل وَالْمُعْتَرَّ أي الذي يريك نفسه ويتعرض ولا يسأل، وقيل: القانع الراضي بما عنده، وبما يعطى من غير سؤال، والمعتر: المتعرض للسؤال كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ أي كما أمرناكم بنحرها سخرناها لكم، أي ذللناها لكم مع قوتها وعظم أجرامها لتتمكنوا من نحرها لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أي لتشكروا إنعام الله عليكم، أو المعنى: من أجل ما مر ذللناها لكم، وجعلناها منقادة لكم خاضعة، إن شئتم ركبتم، وإن شئتم جلستم، وإن شئتم ذبحتم؛ من أجل أن تشكروا الله على عنايته بكم
لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها أي لن يصيب رضا الله اللحوم المتصدق بها، ولا الدماء المراقة بالنحر وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ أي بالتقوى تنالون رضا الله والمعنى: لن يرضي المضحون والمقربون ربهم إلا بمراعاة النية والإخلاص ورعاية شروط التقوى كَذلِكَ أي من أجل ذلك سَخَّرَها لَكُمْ أي من أجل أن تتحققوا بالتقوى سخرها لكم، إذ تنتفعون بها كما شرع وتضحون بها كما أمر، وتلتزمون في شأنها بما أوصى لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ أي لتسموا الله عند الذبح، أو لتعظموا الله عَلى ما هَداكُمْ أي على ما أرشدكم إليه من دينه وشرعه، وما يحبه وما يرضاه، ونهاكم عن فعل ما يكرهه ويأباه وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ بالثواب، والمحسنون: هم الممتثلون أوامره، المراقبون له في كل حال، القائمون بحدوده، المتبعون ما شرع، المصدقون لرسوله ﷺ فيما أبلغهم، وجاءهم به من عند ربه ، وبهذا انتهت المجموعة الخامسة من المقطع الثاني.
стр. 3362
كلمة في السياق:
هذه المجموعة جسر بين المجموعة التي قبلها والتي بعدها، وهي في الوقت نفسه تحدد معالم كبيرة في موضوع التقوى والعبادة، ومن ثم فهي في محلها تؤدي دورين: دورا في خدمة السياق الخاص، ودورا في خدمة السياق القرآني العام، فلنر كيف كان ذلك:
رأينا أن المجموعة السابقة بدأت في الإنكار على من ييأس من نصر الله في الدنيا والآخرة، ثم استقرت على توضيح كيف ينصر الله أولياءه في الآخرة ولم تحدثنا صراحة عن موضوع نصر الله أولياءه في الدنيا، وسنرى أن موضوع نصرة الله أولياءه في الدنيا سيأتي في المجموعة اللاحقة، إذ يحدثنا الله عن دفاعه عن الذين آمنوا، وعن إذنه للمؤمنين بالقتال، وعن قدرته على نصرهم، وعن صفات الجماعة التي تستحق النصر، وعن وعده لها بالنصر، وفيما بين ذلك تأتي المجموعة التي مرت معنا فلماذا؟
إن المجموعة التي بين أيدينا تعطينا مبررات الإذن في القتال، فالذين كفروا يصدون عن سبيل الله وعن المسجد الحرام الذي أقامه إبراهيم ﵇ للتوحيد الخالص، فإذا بالمشركين يجعلونه للشرك، ويعطلون شعائر الله وشرائعه، ومن ثم فإنه عند ما يأتي الإذن بقتالهم، تكون المبررات أوضح، ومن ثم قلنا إن هذه المجموعة جسر بين ما قبلها وما بعدها.
والمجموعة بينت معالم في العبادة فذكرت: حج البيت الذي بناه إبراهيم ﵇ للطواف والقيام والركوع والسجود، وذكر الله وشكره على رزقه لهم بهيمة الأنعام، بالتضحية فيها هناك، والأكل منها، والإطعام منها، كما ذكرت عبادة الله في ترك بعض جوانب من التنعم، وقضاء ما على الإنسان من نذور، والطواف بالبيت، وتعظيم حرمات الله، والتوحيد، واجتناب الزور، والإخبات لله، والخوف منه، والصبر، والصلاة، والإنفاق وذكر اسم الله عند الذبح، وتعظيم الله، وغير ذلك، وهي كلها معان داخلة في التقوى، أو وسيلة إليها. وأبرزت الآيات معالم من التقوى، كما أبرزت أهمية التقوى ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ كما أبرزت الآيات بعض ما يتنافى مع التقوى: الكفر والصد عن سبيل الله، والصد عن المسجد الحرام، والشرك، وقول الزور، وغير ذلك. فإذا عرفنا أن محور السورة هو قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ وتأملنا في معاني
стр. 3363
المجموعة رأينا أن المجموعة فصلت لنا في شأن العبادة والتقوى جوانب كثيرة، وكلنا يعلم أن الحج هو الركن الخامس من أركان الإسلام، فهو جزء من التقوى، وهو وسيلة للتقوى، وقد أبرزت الآيات كثيرا من حكم أحكامه، وعللت للكثير مما افترض فيه، والمجموعة جسر لما بعدها مع ما قبلها، كما قلنا فالجميع في مقطع واحد.
الفوائد:
١ - استدل ابن كثير بقوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ على أن هذه الآية مدنية، والذي يبدو أن المجموعة كلها والمجموعة التي بعدها مدنيتان.
٢ - للمفسرين والفقهاء وقفات طويلة عند قوله تعالى الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ فقد فهم بعضهم من ذلك أن الناس كلهم متساوون في رباع مكة وسكناها، وأن دور مكة لاتباع ولا تشترى لأنها لكل المسلمين، وخالف آخرون في هذا الفهم فقالوا: إن المراد بالآية غير ذلك، وقد عرض ابن كثير هذه المسألة والخلاف فيها وأدلة كل.
قال: (وهذه المسألة هي التي اختلف فيها الشافعي وإسحاق بن راهويه بمسجد الخيف وأحمد بن حنبل حاضرا أيضا، فذهب الشافعي ﵀ إلى أن رباع مكة تملك
وتورث وتؤجر، واحتج بحديث الزهري عن علي بن الحسن عن عمرو بن عثمان عن أسامة بن زيد قال: قلت يا رسول: أننزل غدا في دارك بمكة؟ فقال «وهل ترك لنا عقيل من رباع» ثم قال «لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر» وهذا الحديث مخرج في الصحيحين، وبما ثبت أن عمر بن الخطاب ﵁ اشترى من صفوان ابن أمية دارا بمكة، فجعلها سجنا بأربعة آلاف درهم، وبه قال طاوس وعمرو بن دينار، وذهب إسحاق بن راهويه إلى أنها لا تورث، ولا تؤجر، وهو مذهب طائفة من السلف، ونص عليه مجاهد وعطاء واحتج إسحاق بن راهويه بما رواه ابن ماجه ......
عن علقمة بن فضلة قال: توفي رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر، وما تدعى رباع مكة إلا السوائب، من احتاج سكن، ومن استغنى أسكن. وروى عبد الرزاق عن عبد الله ابن عمرو أنه قال: لا يحل بيع دور مكة، ولا كراؤها. وقال أيضا عن ابن جريج:
كان عطاء ينهى عن الكراء في الحرم، وأخبرني أن عمر بن الخطاب كان ينهى عن تبويب
стр. 3364
دور مكة لأن ينزل الحاج في عرصاتها، فكان أول من بوب داره سهيل بن عمرو، فأرسل إليه عمر بن الخطاب في ذلك فقال: انظرني يا أمير المؤمنين إني كنت امرأ تاجرا، فأردت أن أتخذ بابين يحبسان لي ظهري، قال: فلك ذلك إذا. وروى عبد الرزاق عن مجاهد أن عمر بن الخطاب قال: يا أهل مكة لا تتخذوا لدوركم أبوابا لينزل البادي حيث يشاء، قال: وأخبرنا معمر عمن سمع عطاء يقول سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ قال: ينزلون حيث شاءوا، وروى الدارقطني من حديث ابن أبي نجيح عن عبد الله بن عمرو موقوفا «من أكل كراء بيوت مكة أكل نارا» وتوسط الإمام أحمد فقال: تملك وتورث ولا تؤجر جمعا بين الأدلة والله أعلم).
٣ - نقل ابن كثير كلاما كثيرا للمفسرين حول قوله تعالى وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ وكلها توضح جوانب مما يمكن أن يفعله الناس من إلحاد في الحرم، ومن كلامه قال: (وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: بظلم: بشرك، وقال مجاهد أن يعبد فيه غير الله، وكذا قال قتادة وغير واحد، وقال العوفي عن ابن عباس: بظلم: هو أن تستحل من الحرم ما حرم الله عليك من إساءة أو قتل فتظلم من لا يظلمك، وتقتل من لا يقتلك، فإذا فعل ذلك فقد وجب له العذاب الأليم، وقال مجاهد: بظلم: يعمل فيه عملا سيئا، وهذا من خصوصية الحرم أنه يعاقب البادئ فيه بالشر إذا كان عازما عليه وإن لم يوقعه، كما روى ابن أبي حاتم في تفسيره عن السدي أنه سمع مرة يحدث عن عبد الله- يعني ابن مسعود- في قوله تعالى وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ قال: لو أن رجلا أراد فيه بإلحاد بظلم وهو بعدن أبين لأذاقه الله من العذاب الأليم وقال الثوري ...... عن عبد الله قال: ما من رجل يهم بسيئة فتكتب عليه، ولو أن رجلا بعدن أبين هم أن يقتل رجلا بهذا البيت لأذاقه الله من العذاب الأليم، وكذا قال الضحاك بن مزاحم، وقال سفيان الثوري عن منصور عن مجاهد إلحاد فيه لا والله وبلى والله، وقال سعيد بن جبير: شتم الخادم ظلم فما فوقه، وقال سفيان الثوري ..... عن ابن عباس في قوله وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ قال: تجارة الأمير فيه، وقال حبيب بن أبي ثابت وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ قال: المحتكر بمكة، وكذا قال غير واحد. وروى ابن أبي حاتم عن يعلى بن أمية أن رسول الله ﷺ قال:
«احتكار الطعام بمكة إلحاد» وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قول الله وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ قال: نزلت في عبد الله بن أنيس أن رسول الله ﷺ بعثه مع رجلين أحدهما مهاجر والآخر من الأنصار، فافتخروا في الأنساب، فغضب عبد الله بن
стр. 3365
أنيس؛ فقتل الأنصاري، ثم ارتد عن الإسلام، ثم هرب إلى مكة فنزلت فيه وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ يعني من لجأ إلى الحرم، بإلحاد يعني: بميل عن الإسلام، وهذه الآثار- وإن دلت على أن هذه الأشياء من الإلحاد- ولكن هو أعم من ذلك، بل فيها تنبيه على ما هو أغلظ منها، ولهذا لما هم أصحاب الفيل على تخريب البيت، أرسل الله عليهم طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول، أي دمرهم وجعلهم عبرة ونكالا لكل من أراده بسوء، ولذلك ثبت في الحديث أن رسول الله ﷺ قال «يغزو هذا البيت جيش حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بأولهم وآخرهم» وروى الإمام أحمد أنه. أتى عبد الله بن عمر، عبد الله بن الزبير فقال: يا بن الزبير:
إياك والإلحاد في حرم الله، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول «إنه سيلحد فيه رجل من قريش لو توزن ذنوبه بذنوب الثقلين لرجحت» فانظر لا تكن هو، وروى أيضا في مسند عبد الله بن عمرو بن العاص ..... عن سعيد بن عمرو قال: أتى عبد الله بن عمر، عبد الله بن الزبير وهو جالس في الحجر فقال: يا ابن الزبير إياك والإلحاد في الحرم، فإني أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول «يحلها ويحل به رجل من قريش لو وزنت ذنوبه بذنوب الثقلين لوزنتها» قال: فانظر لا تكن هو، لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب من هذين الوجهين.
أقول: إن عبد الله بن الزبير ليس هو المعني بالحديث بيقين، بل هو الخليفة الشرعي للمسلمين مدة خلافته ﵁ وأرضاه.
٤ - ما الصلة بين الآية الأولى في المجموعة وهي قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ..... والآية الثانية وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ قال ابن كثير:
(هذا فيه تقريع وتوبيخ لمن عبد غير الله وأشرك به من قريش في البقعة التي أسست من أول يوم على توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له) وما الصلة بين الآية الأولى، وأمره تعالى لإبراهيم في الآية الثالثة وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ.
أقول: الصلة تكمن- والله أعلم- في أن إبراهيم دعا الخلق كلهم لإتيان المسجد الحرام، وقريش كانت تصد أولى الناس بإبراهيم عن المسجد الحرام.
стр. 3366
٥ - عند قوله تعالى وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ تحدث ابن كثير عن حكمة قرن الطواف بالركوع والسجود فقال: (فقرن الطواف بالصلاة لأنهما لا يشرعان إلا مختصين بالبيت، فالطواف عنده والصلاة إليه في غالب الأحوال، إلا ما استثني من الصلاة عند اشتباه القبلة، وفي الحرب، وفي النافلة في السفر).
٦ - لا نعلم كيف نفذ إبراهيم ﵇ أمر الله وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ إلا أن ابن عباس ومجاهدا وعكرمة وسعيد بن جبير وغير واحد من السلف قالوا ما مضمونه: (قال أي عند ما أمر: يا رب كيف أبلغ الناس وصوتي لا ينفذهم؟ فقال: ناد وعلينا البلاغ، فقام على مقامه- وقيل على الحجر وقيل على الصفا، وقيل على أبي قبيس- وقال: يا أيها الناس إن ربكم قد اتخذ بيتا فحجوه، فيقال إن الجبال تواضعت حتى بلغ الصوت أرجاء الأرض، وأسمع من في الأرحام والأصلاب، وأجابه كل شئ سمعه من حجر ومدر وشجر، ومن كتب الله أنه يحج إلى يوم القيامة لبيك اللهم لبيك) هذا مضمون ما ورد عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وغير واحد من السلف والله أعلم.
٧ - بمناسبة قوله تعالى وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ قال ابن كثير: (قد يستدل بهذه الآية من ذهب من العلماء إلى أن الحج ماشيا لمن قدر عليه أفضل من الحج راكبا، لأنه قدمهم في الذكر، فدل على الاهتمام بهم، وقوة هممهم، وشدة عزمهم، وروى وكيع عن ابن عباس قال ما آسى على شئ إلا أني وددت أني كنت حججت ماشيا، لأن الله يقول: يَأْتُوكَ رِجالًا والذي عليه الأكثرون أن الحج راكبا أفضل اقتداء برسول الله ﷺ فإنه حج راكبا مع كمال قوته ﵊.
٨ - بعد قوله تعالى يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ ذكر الله حكم فرضه الحج على الناس فقال:
لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ.
وقد قدم الله من هذه الحكم الخمسة شهود المنافع فقال: لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وللنسفي كلام جميل في هذا المقام قال: (نكرها لأنه أراد منافع مختصة
стр. 3367
بهذه العبادة دينية ودنيوية، لا توجد في غيرها من العبادة، وهذا لأن العبادة شرعت للابتلاء بالنفس، كالصلاة والصوم، أو بالمال كالزكاة، وقد اشتمل الحج عليهما، مع ما فيه من تحمل الأثقال، وركوب الأهوال، وخلع الأسباب، وقطيعة الأصحاب، وهجر البلاد والأوطان، وفرقة الأولاد والخلان، والتنبيه على ما يستمر عليه إذا انتقل من دار الفناء إلى دار البقاء، فالحاج إذا دخل البادية لا يتكل فيها إلا على عتاده، ولا يأكل إلا من زاده، فكذا المرء إذا خرج من شاطئ الحياة، وركب بحر الوفاة، لا ينفع وحدته إلا ما سعى في معاشه لمعاده، ولا يؤنس وحشته إلا ما كان يأنس به من أوراده، وغسل من يحرم وتأهبه ولبسه غير المخيط، وتطيبه مرآة لما سيأتي عليه من وضعه على سريره لغسله وتجهيزه مطيبا بالحنوط، ملففا في كفن غير مخيط، ثم المحرم يكون أشعث حيران، فكذا يوم الحشر، يخرج من القبر لهفان، ووقوف الحجيج بعرفات آملين رغبا ورهبا، سائلين خوفا وطعما، وهم من بين مقبول ومخذول، كموقف العرصات، لا تكلم نفس إلا بإذنه، فمنهم شقي وسعيد، والإفاضة إلى المزدلفة بالمساء هو السوق لفصل القضاء، ومنى هو موقف المنى للمذنبين إلى شفاعة الشافعين، وحلق الرأس والتنظيف كالخروج من السيئات بالرحمة والتخفيف، والبيت الحرام الذي من دخله كان آمنا، من الإيذاء والقتال، أنموذج لدار السلام التي هي من نزلها بقي سالما من الفناء والزوال، غير أن الجنة حفت بمكاره النفس العادية، كما أن الكعبة حفت بمتالف البادية، فمرحبا بمن جاوز مهالك البوادي شوقا إلى اللقاء يوم التنادي).
وقال صاحب الظلال في قوله تعالى: لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ: (والمنافع التي يشهدها الحجيج كثيرة فالحج موسم ومؤتمر. الحج موسم تجارة وموسم عبادة الحج مؤتمر اجتماع وتعارف ومؤتمر تنسيق وتعاون وهو الفريضة التي تلتقي فيها الدنيا والآخرة كما تلتقي فيها ذكريات العقيدة البعيدة والقريبة .. أصحاب السلع والتجارة يجدون في موسم الحج سوقا رائجة حيث تجبى إلى البلد الحرام ثمرات كل شئ من أطراف الأرض، ويقدم الحجيج من كل فج ومن كل قطر، ومعهم من خيرات بلادهم ما تفرق في أرجاء الأرض في شتى المواسم. يتجمع كله في البلد الحرام في موسم واحد. فهو موسم تجارة ومعرض نتاج، وسوق عالمية تقام في كل عام. وهو موسم عبادة تصفو فيه الأرواح. وهي تستشعر قربها من الله في بيته الحرام. وهي ترف حول هذا البيت وتستروح الذكريات التي تحوم عليه وترف كالأطياف من قريب ومن بعيد.
стр. 3368
طيف إبراهيم الخليل ﵇ وهو يودع البيت وبه فلذة كبده إسماعيل وأمه، ويتوجه بقلبه الخافق الواجف إلى ربه: رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ. فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ، وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ: وطيف هاجر، وهي تستروح الماء لنفسها ولطفلها الرضيع في تلك الحرة الملتهبة حول البيت، وهي تهرول بين الصفا والمروة وقد نهكها العطش. وهدها الجهد وأضناها الإشفاق على الطفل .. ثم ترجع في الجولة السابعة وقد حطمها اليأس لتجد النبع يتدفق بين يدي الرضيع الوضيء. وإذا هي زمزم ينبوع الرحمة في صحراء اليأس والجدب.
وطيف إبراهيم- ﵇ وهو يرى الرؤيا، فلا يتردد في التضحية بفلذة كبده، ويمضي في الطاعة المؤمنة إلى ذلك الأفق البعيد: قالَ: يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى؟ فتجيبه الطاعة الراضية في إسماعيل- ﵇ قالَ: يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ، سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ وإذا رحمة الله تتجلى في الفداء: وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ. وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ.
وطيف إبراهيم وإسماعيل- ﵉ يرفعان القواعد من البيت، في إنابة وخشوع: رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ، وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا، إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ.
وتظل هذه الأطياف وتلك الذكريات ترف وتتتابع، حتى يلوح طيف عبد المطلب، وهو ينذر دم ابنه العاشر إن رزقه الله عشرة أبناء، وإذا هو عبد الله وإذا عبد المطلب حريصا على الوفاء بالنذر. وإذا قومه من حوله يعرضون عليه فكرة الفداء وإذا هو يدير القداح حول الكعبة ويضاعف الفداء والقدح يخرج في كل مرة على عبد الله حتى يبلغ الفداء مائة ناقة بعد عشر هي الدية المعروفة فيقبل منه الفداء، فينحر المائة وينجو عبد الله، ينجو ليودع رحم آمنة أطهر نطفة وأكرم خلق الله على الله- محمد رسول الله ﷺ ثم يموت! فكأنما فداه الله من الذبح لهذا القصد الوحيد الكريم الكبير!.
стр. 3369
ثم تتواكب الأطياف والذكريات من محمد رسول الله- ﷺ وهو يدرج في طفولته وصباه فوق هذا الثرى، حول هذا البيت وهو يرفع الحجر الأسود بيديه الكريمتين فيضعه موضعه ليطفئ الفتنة التي كادت تنشب بين القبائل .. وهو يصلي ..
وهو يطوف .. وهو يخطب .. وهو يعتكف .. وإن خطواته- ﵊ لتنبض حية في الخاطر، وتتمثل شاخصة في الضمير. يكاد الحاج هناك يلمحها وهو مستغرق في تلك الذكريات .. وخطوات الحشد من صحابته الكرام وأطيافهم ترف وترف فوق هذا الثرى، حول ذلك البيت، تكاد تسمعها الأذن وتكاد تراها الأبصار!
والحج بعد ذلك كله مؤتمر جامع للمسلمين قاطبة مؤتمر يجدون فيه أصلهم العريق الضارب في أعماق الزمن منذ أبيهم إبراهيم الخليل: مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا .. ويجدون محورهم الذي يشدهم جميعا إليه: هذه القبلة التي يتوجهون إليها جميعا .. ويلتقون عليها جميعا ويجدون رايتهم التي يفيئون إليها راية العقيدة الواحدة التي تتوارى في ظلها فوارق الأجناس والألوان والأوطان .. ويجدون قوتهم التي قد ينسونها حينا .. قوة التجمع والتوحد والترابط الذي يضم الملايين.
الملايين التي لا يقف لها أحد لو فاءت إلى رايتها الواحدة التي لا تتعدد راية العقيدة والتوحيد.
وهو مؤتمر للتعارف والتشاور وتنسيق الخطط وتوحيد القوى وتبادل المنافع والسلع والمعارف والتجارب وتنظيم ذلك العالم الإسلامي الواحد الكامل المتكامل مرة في كل عام، في ظل الله، بالقرب من بيت الله، وفي ظلال الطاعات البعيدة والقريبة.
والذكريات الغائبة والحاضرة، في أنسب مكاف وأنسب جو، وأنسب زمان.
فذلك إذ يقول الله سبحانه: لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ كل جيل بحسب ظروفه وحاجاته وتجاربه ومقتضياته وذلك بعض ما أراده الله بالحج يوم أن فرضه على المسلمين، وأمر إبراهيم- ﵇ أن يؤذن به في الناس.).
٩ - في الآية التي حددت حكم الحج ورد قوله تعالى وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ وقد اختلف المفسرون والفقهاء في هذه الأيام المعلومات، فمن ربط بينها وبين الذبح رأى أنها يوم النحر، ويومان أو ثلاثة بعده، ومنهم من لم يربط بينها وبين ذلك، وقد لخص ابن
стр. 3370
كثير كل هذه الأقوال، وعدها أربعة، وكأنه يرجح القول الثالث من هذه الأقوال، وهذا كلامه: (قال شعبة .. عن ابن عباس ﵄: الأيام المعلومات الأيام العشر، وروى البخاري عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال «ما العمل في أيام أفضل منها في هذه» قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال «ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل يخرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء» وفي الباب عن أبي هريرة وابن عمر وعبد الله بن عمرو وجابر (قال ابن كثير): وقد تقصيت هذه الطرق وأفردت لها جزءا على حدة، فمن ذلك ما رواه أحمد عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ :
«ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن التهليل والتكبير والتحميد» وروي من وجه آخر عن مجاهد عن ابن عمر بنحوه، وقال البخاري: وكان ابن عمرو وأبو هريرة يخرجان إلى السوق في أيام العشر فيكبران ويكبر الناس بتكبيرهما وقد روى أحمد عن جابر مرفوعا أن هذا هو العشر الذي أقسم الله به في قوله وَالْفَجْرِ وَلَيالٍ عَشْرٍ وقال بعض السلف إنه المراد بقوله:
وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ وفي سنن أبي داود أن رسول الله ﷺ كان يصوم هذا العشر، وهذا العشر مشتمل على يوم عرفة الذي ثبت في صحيح مسلم عن أبي قتادة قال: سئل رسول الله ﷺ عن صيام يوم عرفة فقال «أحتسب على الله أن يكفر به السنة الماضية والآتية» ويشتمل على يوم النحر الذي هو يوم الحج الأكبر، وقد ورد في حديث «أنه أفضل الأيام عند الله» وبالجملة فهذا العشر قد قيل إنه أفضل أيام السنة، كما نطق به الحديث، وفضله كثير على عشر رمضان الأخير لأن هذا يشرع فيه ما يشرع في ذلك من صلاة وصيام وصدقة وغيره، ويمتاز هذا باختصاصه بأداء فرض الحج فيه، وقيل ذلك أفضل لاشتماله على ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر وتوسط آخرون فقالوا أيام هذا أفضل، وليالي ذاك أفضل، وبهذا يجتمع شمل الأدلة والله أعلم. (قول ثان) في الأيام المعلومات قال الحكم عن مقسم عن ابن عباس: الأيام المعلومات: يوم النحر وثلاثة أيام بعده، ويروى هذا عن ابن عمر وإبراهيم النخعي، وإليه ذهب أحمد بن حنبل في رواية عنه. (قول ثالث): قال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا على به المديني حدثنا يحيى ابن سعيد حدثنا ابن عجلان حدثني نافع أن ابن عمر كان يقول: الأيام المعلومات: يوم النحر ويومان بعده، والأيام المعدودات: ثلاثة أيام بعد يوم النحر، وهذا إسناد صحيح إليه، وقال السدي- وهو مذهب الإمام مالك بن أنس-: ويعضد هذا القول والذي قبله قوله تعالى عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ يعني ذكر الله
стр. 3371
عند ذبحها (قول رابع): إنها يوم عرفة، ويوم النحر، ويوم آخر بعده، وهو مذهب أبي حنيفة، وقال ابن وهب: حدثني ابن زيد بن أسلم عن أبيه أنه قال: المعلومات:
يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق.).
١٠ - بمناسبة قوله : فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ نحب أن نقول: إن الحج على ثلاثة أنواع: قران، وتمتع، وإفراد، وقد مر معنا ذلك في سورة البقرة، وتفصيله في كتب الفقه، ويجب على القارن أن يذبح، ويجب على المتمتع أن يذبح، ويسن للمفرد أن يذبح، وعند الحنفية يجوز لهؤلاء الثلاثة أن يأكلوا من ذبائحهم، أما الدم الذي على الحاج إذا جنى جناية تستوجب الدم فلا يجوز أن يأكل منها عند أحد من الفقهاء، ومتى يجوز الذبح هل يتعين له يوم النحر أو لا يتعين؟ قال في بداية المجتهد: (وأما متى ينحر فإن مالكا قال: إن ذبح هدي التمتع أو التطوع قبل يوم النحر لم يجزه، وجوزه أبو حنيفة في التطوع، وقال الشافعي: يجوز في كليهما قبل يوم النحر).
١١ - نلاحظ أن الآية التي حددت حكم الحج قالت لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ* ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ فقد ذكرت الذبح قبل قضاء التفث، وذكرت قضاء التفث قبل الطواف، فهل هذا يفيد ترتيبا ما؟ عند الحنفية يجب وجوبا أن يكون هناك ترتيب يوم النحر بين رمي جمرة العقبة والذبح إن كان على الإنسان دم واجب والحلق، ثم بعد ذلك يكون الطواف، ولا يرى آخرون أن الترتيب واجب، قال ابن كثير مبينا أن الترتيب فعله ﵊: «وهكذا صنع رسول الله ﷺ : فإنه لما رجع إلى منى يوم النحر بدأ برمي الجمرة فرماها بسبع حصيات، ثم نحر هديه، وحلق رأسه، ثم أفاض فطاف بالبيت) وإذن فهذا الترتيب المذكور بالآية هو الأفضل بيقين ولكن هل هو واجب أو سنة؟ قولان للفقهاء.
١٢ - بمناسبة قوله تعالى وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ نقول: إن الطواف المفروض هو الطواف الذي يسمى طواف الإفاضة أو الزيارة، وهو الذي يبدأ وقته بعد رمي جمرة العقبة يوم النحر، وهناك طواف واجب وهو طواف الوداع، ففي الصحيحين عن ابن عباس قال: (أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت الطواف، إلا أنه خفف عن المرأة الحائض) وهناك طواف مسنون هو طواف القدوم، وبمناسبة
стр. 3372
الآية وبمناسبة وصف البيت بالعتيق قال ابن كثير: (فيه مستدل لمن ذهب إلى أنه يجب الطواف من وراء الحجر، لأنه من أصل البيت الذي بناه إبراهيم ﵇، وإن كانت قريش قد أخرجوه من البيت حين قصرت بهم النفقة. ولهذا طاف رسول الله ﷺ من وراء الحجر، وأخبر أن الحجر من البيت، ولم يستلم الركنين الشاميين، لأنهما لم يتمما على قواعد إبراهيم العتيقة، وقال الترمذي ... عن عبد الله بن الزبير قال: قال رسول الله ﷺ «إنما سمي البيت العتيق لأنه لم يظهر عليه جبار» قال الترمذي هذا حديث حسن غريب) ...
١٣ - وبمناسبة قوله تعالى فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ قال ابن كثير: (وفي الصحيحين عن أبي بكرة أن رسول الله ﷺ قال: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟» قلنا: بلى يا رسول الله، قال: «الإشراك بالله، وعقوق الوالدين- وكان متكئا فجلس فقال- ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور» فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت، وروى الإمام أحمد عن أيمن بن خزيم قال: قام رسول الله ﷺ خطيبا فقال: «أيها الناس عدلت شهادة الزور إشراكا بالله، ثلاثا ثم قرأ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ).
١٤ - وبمناسبة قوله تعالى وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ ذكر ابن كثير الحديث الذي مر معنا في سورة إبراهيم: قال: ولهذا جاء في حديث البراء أن الكافر إذا توفته ملائكة الموت، وصعدوا بروحه إلى السماء، فلا تفتح له أبواب السماء، بل تطرح روحه طرحا من هناك، ثم قرأ هذه الآية وقد تقدم في سورة إبراهيم بحروفه وألفاظه وطرقه.
١٥ - مر معنا أن مما يدخل في قوله تعالى ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ استحسان الهدايا والبدن واستسمانها، واستعظامها للذبح في الحج، ويدخل في ذلك استحسان الأضحية، واستسمانها، واستعظامها وفي ذلك قال ابن كثير: (وقال أبو أمامة عن سهل: كنا نسمن الأضحية بالمدينة، وكان المسلمون يسمنون. وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال «دم عفراء أحب إلى الله من سوداوين» رواه أحمد وابن ماجه قالوا والعفراء: هي البيضاء بياضا ليس بناصع، فالبيضاء أفضل من غيرها، وغيرها تجزئ أيضا، لما ثبت في صحيح البخاري عن أنس أن رسول الله ﷺ ضحى بكبشين أملحين أقرنين موجوأين ......
стр. 3373
وعن علي ﵁ قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نستشرف العين والأذن، وأن لا نضحي بمقابلة ولا مدابرة، ولا شرقاء ولا خرقاء، رواه أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي، ولهم عنه قال: نهى رسول الله ﷺ أن نضحي بأعضب القرن والأذن، قال سعيد بن المسيب: العضب: النصف فأكثر، وقال بعض أهل اللغة: إن كسر قرنها الأعلى فهي قصماء، فأما العضب: فهو كسر الأسفل، وعضب الأذن قطع بعضها، وعند الشافعي أن الأضحية بذلك مجزئة لكن تكره، وقال أحمد: لا تجزئ الأضحية بأعضب القرن والأذن لهذا الحديث. وقال مالك: إن كان الدم يسيل من القرن لم يجزئ وإلا أجزأ والله أعلم. وأما المقابلة: فهي التي قطع مقدم أذنها، والمدابرة: من مؤخر أذنها، والشرقاء: هي التي قطعت أذنها طولا، قال الشافعي والأصمعي: وأما الخرقاء فهي التي خرقت السمة أذنها خرقا مدورا. والله أعلم، وعن البراء قال: قال رسول الله ﷺ : «أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ضلعها، والكسيرة التي لا تنقى» رواه أحمد وأهل السنن، وصححه الترمذي وهذه العيوب تنقص اللحم؛ لضعفها، وعجزها عن استكمال الرعي، لأن الشاء يسبقونها إلى المرعى، فلهذا لا تجزئ
التضحية بها عند الشافعي وغيره من الأئمة، كما هو ظاهر الحديث، واختلف قول الشافعي في المريضة مرضا يسيرا على قولين، وروى أبو داود عن عتبة بن عبد السلمي أن رسول الله ﷺ نهى عن المصفرة، والمستأصلة، والبخقاء، والمشيعة، والكسيرة» فالمصفرة قيل: الهزيلة، وقيل المستأصلة الأذن، والمستأصلة: مكسورة القرن، والبخقاء: هي العوراء، والمشيعة: هي التي لا تزال تشيع خلف الغنم، ولا تتبع لضعفها، والكسيرة:
العرجاء، فهذه العيوب كلها مانعة من الإجزاء. فأما إن طرأ العيب بعد تعيين الأضحية فإنه لا يضر عند الشافعي، خلافا لأبي حنيفة، وقد روى الإمام أحمد عن أبي سعيد قال: اشتريت كبشا أضحي به، فعدا الذئب فأخذ الألية، فسألت النبي ﷺ فقال:
«ضح به» ولهذا جاء في الحديث أمرنا: رسول الله ﷺ أن نستشرف العين والأذن، أي أن تكون الهدية والأضحية سمينة حسنة كما رواه الإمام أحمد وأبو داود عن عبد الله بن عمر قال: أهدى عمر نجيبا، فأعطى بها ثلاثمائة دينار، فأتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني أهديت نجيبا فأعطيت بها ثلاثمائة دينار أفأبيعها وأشتري بثمنها بدنا؟ قال: لا «انحرها إياها».
стр. 3374
وعند قوله تعالى ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ، لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى، ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ قال صاحب الظلال: (ويربط بين الهدي الذي ينحره الحاج وتقوى القلوب، إذ أن التقوى هي الغاية من مناسك الحج وشعائره، وهذه المناسك والشعائر إن هي إلا رموز تعبيرية عن التوجه إلى رب البيت وطاعته، وقد تحمل في طياتها ذكريات قديمة من عهد إبراهيم- ﵇ وما تلاه. وهي ذكريات الطاعة والإنابة، والتوجه إلى الله منذ نشأة هذه الأمة المسلمة.
فهي والدعاء والصلاة سواء. وهذه الأنعام التي تتخذ هديا ينحر في نهاية أيام الإحرام يجوز لصاحبها الانتفاع بها، إن كان في حاجة إليها يركبها، أو في حاجة إلى ألبانها يشربها، حتى تبلغ محلها- أي مكان حلها- وهو البيت العتيق، ثم تنحر هناك ليأكل منها ويطعم البائس الفقير. وقد كان المسلمون على عهد النبي ﷺ يغالون في الهدي، يختارونه سمينا غالي الثمن، يعلنون بها عن تعظيمهم لشعائر الله، مدفوعين بتقوى الله روى عبد الله بن عمر- ﵄ قال: أهدى عمر نجيبا فأعطى بها ثلاثمائة دينار، فأتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني أهديت نجيبا، فأعطيت بها ثلاثمائة دينار أفبيعها وأشتري بثمنها بدنا؟ قال: «لا. انحرها إياها». والناقة النجيب التي جاءت هدية لعمر- ﵁ وقومت بثلاثمائة دينار لم يكن عمر- ﵁ يريد أن يضن بقيمتها، بل كان يريد أن يبيعها فيشتري بها نوقا أو بقرا للذبح، فشاء رسول الله ﷺ أن يضحي بالنجيب ذاتها لنفاستها، وعظم قيمتها، ولا يستبدل بها نوقا كثيرة، قد تعطي لحما أكثر، ولكنها من ناحية القيمة الشعورية أقل، والقيمة الشعورية مقصودة فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ وهذا هو المعنى الذي لحظه رسول الله ﷺ وهو يقول لعمر- ﵁ «انحرها إياها» هي بذاتها لا سواها!).
١٦ - وفي قوله تعالى لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ اتجاهان: الاتجاه الأول أن المنفعة فيها قبل أن تعين للإهداء، فإذا تعينت لم يبق لصاحبها حق الانتفاع. والاتجاه الثاني: أن لصاحبها أن ينتفع بها وإن كانت هديا إذا احتاج إلى ذلك، وقد رجحنا هذا القول في التفسير، وفي ذلك قال ابن كثير: (كما ثبت في الصحيحين عن أنس أن رسول الله ﷺ رأى رجلا يسوق بدنة قال «اركبها» قال: إنها بدنة، قال: «اركبها ويحك» في الثانية أو الثالثة، وفي رواية عن جابر عن رسول الله ﷺ أنه قال «اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها» وروى شعبة عن علي أنه رأى رجلا يسوق بدنة ومعها ولدها فقال: لا تشرب من لبنها إلا ما فضل عن ولدها،
стр. 3375
فإذا كان يوم النحر فاذبحها وولدها).
١٧ - وبمناسبة قوله تعالى وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ قال ابن كثير: (يخبر تعالى أنه لم يزل ذبح المناسك وإراقة الدماء على اسم الله مشروعا في جميع الملل وبمناسبة الآية قال ابن كثير: (ثبت في الصحيحين عن أنس قال: أتى رسول الله ﷺ بكبشين أملحين أقرنين، فسمى وكبر، ووضع رجله على صفاحهما).
١٨ - وبمناسبة قوله تعالى وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ بذكر ابن كثير مسألة عن كم تجزئ البدنة بقرة كانت أو ناقة؟ قال: (ثم جمهور العلماء على أنه يجزئ البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة كما ثبت في الحديث عند مسلم من رواية جابر بن عبد الله قال أمرنا رسول الله ﷺ أن نشترك في الأضحى البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة، وقال إسحاق بن راهويه وغيره: بل تجزئ البقرة والبعير عن عشرة، وقد ورد به حديث في مسند الإمام أحمد وسنن النسائي وغيرهما والله أعلم.
١٩ - وبمناسبة قوله تعالى لَكُمْ فِيها خَيْرٌ من آية وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيها خَيْرٌ قال ابن كثير: (أي ثواب في الدار الآخرة. وعن سليمان ابن يزيد الكعبي ...... عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال «ما عمل ابن آدم يوم النحر عملا أحب إلى الله من إهراق دم، وإنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأظلافها وأشعارها، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع على الأرض، فطيبوا بها نفسا).
٢٠ - وبمناسبة قوله تعالى فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ قال ابن كثير:
وعن المطلب بن عبد الله عن جابر بن عبد الله قال: صليت مع رسول الله ﷺ عيد الأضحى فلما انصرف أتى بكبش فذبحه فقال «بسم الله والله أكبر، اللهم
هذا عني وعمن من لم يضح من أمتي» وقال محمد بن إسحاق ... عن جابر قال: ضحى رسول الله ﷺ بكبشين في يوم عيد فقال حين وجههما «وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين، اللهم منك ولك عن محمد وأمته» ثم سمى الله وكبر وذبح. وعن علي بن الحسين عن أبي رافع أن رسول الله ﷺ إذا ضحى
стр. 3376
اشترى كبشين سمينين أقرنين أملحين، فإذا صلى وخطب الناس أتى بأحدهما فذبحه بنفسه بالمدية ثم يقول: «اللهم هذا عن أمتي جميعها من شهد لك بالتوحيد وشهد لي بالبلاغ» ثم يؤتى بالآخر فيذبحه بنفسه ثم يقول «هذا عن محمد وآل محمد» فيعطيهما جميعا للمساكين ويأكل هو وأهله منهما).
٢١ - وبمناسبة قوله تعالى فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها بعد قوله تعالى فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ قال ابن كثير: (وقال العوفي عن ابن عباس فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها يعني نحرت، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها يعني: ماتت، وهذا القول هو مراد ابن عباس ومجاهد؛ فإنه لا يجوز الأكل من البدنة إذا نحرت حتى تموت وتبرد حركتها).
٢٢ - وبمناسبة قوله تعالى فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ قال ابن كثير:
(قال بعض السلف: قوله فَكُلُوا مِنْها أمر إباحة، وقال مالك: يستحب ذلك، وقال غيره: يجب وهو وجه لبعض الشافعية ... ) وقال ابن كثير: وقد احتج بهذه الآية من ذهب من العلماء إلى أن الأضحية تجزأ ثلاثة أجزاء: فثلث لصاحبها يأكله، وثلث يهديه لأصحابه، وثلث يتصدق به على الفقراء؛ لأنه تعالى قال فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ وفي الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال للناس «إني كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فكلوا وادخروا ما بدا لكم» وفي رواية «فكلوا وادخروا وتصدقوا» وفي رواية «فكلوا وأطعموا وتصدقوا» والقول الثاني:
أن المضحي يأكل النصف، ويتصدق بالنصف، لقوله في الآية المتقدمة فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ ولقوله في الحديث «فكلوا وأطعموا وتصدقوا» فإن أكل الكل فقيل لا يضمن شيئا، وبه قال ابن سريج من الشافعية، وقال بعضهم: يضمنها كلها بمثلها أو قيمتها، وقيل يضمن نصفها وقيل ثلثها، وقيل أدنى جزء منها وهو المشهور من مذهب الشافعية، وأما الجلود ففي مسند أحمد عن قتادة بن النعمان في حديث الأضاحي «فكلوا وتصدقوا واستمتعوا بجلودها ولا تبيعوها» ومن العلماء من رخص في بيعها، ومنهم من قال يقاسم الفقراء فيها والله أعلم.
مسألة: عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله ﷺ «إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي، ثم نرجع فننحر، فمن فعل فقد أصاب سنتنا ومن ذبح قبل الصلاة فإنما هو لحم قدمه لأهله، ليس من النسك في شئ» فلهذا قال الشافعي وجماعة من
стр. 3377
العلماء: إن أول وقت ذبح الأضاحي إذا طلعت الشمس يوم النحر ومضى قدر صلاة العيد والخطبتين، زاد أحمد وأن يذبح الإمام بعد ذلك، لما جاء في صحيح مسلم «وأن لا تذبحوا حتى يذبح الإمام» وقال أبو حنيفة: أما أهل السواد من القرى ونحوها فلهم أن يذبحوا بعد طلوع الفجر إذ لا صلاة عيد تشرع عنده لهم، وأما أهل الأمصار فلا يذبحوا حتى يصلي الإمام والله أعلم).
٢٣ - وفي قوله تعالى لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ قال ابن كثير: (يقول تعالى: إنما شرع لكم نحر هذه الهدايا والضحايا لتذكروه عند ذبحها فإنه الخالق الرازق، لا يناله شئ من لحومها ولا دمائها، فإنه تعالى هو الغني عما سواه وقد كانوا في جاهليتهم إذا ذبحوها لآلهتهم وضعوا عليها من لحوم قرابينهم ونضحوا عليها من دمائها فقال تعالى لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وروى ابن أبي حاتم عن ابن جريج قال: كان أهل الجاهلية ينضحون البيت بلحوم الإبل ودمائها فقال أصحاب رسول الله ﷺ فنحن أحق أن ننضح فأنزل الله لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ أي يتقبل ذلك، ويجزي عليه، كما جاء في الصحيح «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى ألوانكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» وجاء في الحديث «إن الصدقة تقع في يد الرحمن قبل أن تقع في يد السائل، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع إلى الأرض» .... فمعناه أنه سيق لتحقيق القبول من الله لمن أخلص في عمله، وليس له معنى يتبادر عند العلماء المحققين سوى هذا والله أعلم. وقال وكيع عن يحيى بن مسلم بن الضحاك سألت عامرا الشعبي عن جلود الأضاحي فقال لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها إن شئت فبع، وإن شئت فأمسك، وإن شئت فتصدق).
٢٤ - لاحظنا مما مضى أن هناك ارتباطا بين الأضاحي والهدايا في الحج، وذلك لأن الموضوع واحد، والحكمة واحدة والسبب واحد واليوم واحد، ومن ثم يختم ابن كثير الكلام عن المجموعة السابقة بمسألة قال:
مسألة: وقد ذهب أبو حنيفة ومالك والثوري إلى القول بوجوب الأضحية على من ملك نصابا، وزاد أبو حنيفة اشتراط الإقامة أيضا، واحتج لهم بما رواه أحمد وابن ماجه بإسناد رجاله كلهم ثقات عن أبي هريرة مرفوعا «من وجد سعة فلم يضح فلا يقربن مصلانا» على أن فيه غرابة واستنكره أحمد بن حنبل وقال ابن عمر: أقام رسول
стр. 3378
الله ﷺ عشر سنين يضحي رواه الترمذي وقال الشافعي وأحمد: لا تجب الأضحية بل هي مستحبة لما جاء في الحديث «ليس في المال حق سوى الزكاة» وقد تقدم أنه ﵊ ضحى عن أمته فأسقط ذلك وجوبها عنهم، وقال أبو شريحة: كنت جارا لأبي بكر وعمر فكانا لا يضحيان خشية أن يقتدي الناس بهما، وقال بعض الناس: الأضحية سنة كفاية إذا قام بها واحد من أهل دار أو محلة أو بيت سقطت عن الباقين؛ لأن المقصود إظهار الشعار.
وقد روى الإمام أحمد وأهل السنن وحسنه الترمذي عن مخنف بن سليم أنه سمع رسول ﷺ يقول بعرفات: «على كل أهل بيت في كل عام أضحاة وعتيرة، هل تدرون ما العتيرة؟ هي التي تدعونها الرجيبة» وقد تكلم في إسناده، وقال أبو أيوب:
كان الرجل في عهد رسول الله ﷺ يضحي بالشاة الواحدة عنه وعن أهل بيته، فيأكلون، ويطعمون، حتى تباهى الناس فصار كما ترى رواه الترمذي وصححه وابن ماجه. وكان عبد الله بن هشام يضحي بالشاة الواحدة عن جميع أهله، رواه البخاري، وأما مقدار سن الأضحية فقد روى مسلم عن جابر أن رسول الله ﷺ قال:
«لا تذبحوا إلا مسنة إلا إن تعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن» ومن هنا ذهب الزهري إلى أن الجذع لا يجزئ وقابله الأوزاعي فذهب إلى أن الجذع يجزئ من كل جنس وهما غريبان. والذي عليه الجمهور إنما يجزي الثني من الإبل والبقر والماعز، أو الجذع من الضأن. فأما الثني من الإبل: فهو الذي له خمس سنين، ودخل في السادسة، ومن البقر: ما له سنتان ودخل في الثالثة، وقيل: ما له ثلاث ودخل في الرابعة، ومن المعز: ما له سنتان، وأما الجذع من الضأن فقيل: ما له سنة، وقيل عشرة أشهر، وقيل ثمانية، وقيل ستة أشهر، وهو أقل ما قيل في سنه وما دونه فهو حمل، والفرق بينهما أن الحمل شعر ظهره قائم والجذع شعر ظهره نائم، وقد انفرق صدغين، والله أعلم).
كلمة في السياق:
رأينا أن محور سورة الحج هو قوله تعالى يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ وكانت مقدمة سورة البقرة قد عرفت المتقين بقوله تعالى: ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ وقد جاءت هذه المجموعة لتحرر من قضايا تتنافى مع
стр. 3379
التقوى، ولتبين قضايا من التقوى ومن جملة ما قالت وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ فتأمل الصلة بين هذه المعاني وبين تعريف التقوى في سورة البقرة، لترى كيف أن السورة ماضية في سياقها الخاص والعام على ما ذكرنا.
وإذا تقرر في كل ما مر محل هذه المجموعة فلنتذكر ما ذكرناه من قبل من أن هذه المجموعة جسر بين ما قبلها وما بعدها من مجموعة نواح: جاءت هذه المجموعة قبل الإذن في القتال لترينا مبررات ذلك الإذن: صد الكافرين عن سبيل الله وعن المسجد الحرام، تغيير معالم دين إبراهيم، تحقيق حكم الله في النسك والحج، كل ذلك يقتضي قتال قريش؛ ومن ثم يأتي الإذن بالقتال، ويكون الإذن في القتال في سياق تبيان أن الله ينصر عباده في الدنيا، وفي ذلك استكمال للرد على يأس اليائسين من النصر، ومطالبة لهم أن يرتقوا إلى الخصائص التي يستحقون بها النصر، فلنر إذن المجموعة السادسة.
المجموعة السادسة من المقطع الثاني
وتمتد من الآية (٣٨) إلى نهاية الآية (٤١) وهذه هي:
[سورة الحج (٢٢): الآيات ٣٨ الى ٤١]
إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (٣٨) أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)
стр. 3380
بين يدي هذه الآيات:
في الربط بين هذه الآيات وبين ما ورد قبلها من كلام حول الشعائر والمناسك قال صاحب الظلال: (تلك الشعائر والعبادات لا بد لها من حماية تدفع عنها الذين يصدون عن سبيل الله وتمنعهم من الاعتداء على حرية العقيدة وحرية العبادة، وعلى قداسة المعابد وحرية الشعائر. وتمكن المؤمنين العابدين العاملين من تحقيق منهاج الحياة القائم على العقيدة، المتصل بالله، الكفيل بتحقيق الخير للبشرية في الدنيا والآخرة: ومن ثم أذن الله للمسلمين بعد الهجرة في قتال المشركين ليدفعوا عن أنفسهم وعن عقيدتهم اعتداء المعتدين، بعد أن بلغ أقصاه، وليحققوا لأنفسهم ولغيرهم حرية العقيدة وحرية العبادة في ظل دين الله ووعدهم النصر والتمكين على شرط أن ينهضوا بتكاليف عقيدتهم التي بينها لهم.).
...
وفي أجواء هذه الآيات قال صاحب الظلال:
(ولا بد من وقفة أمام هذه النصوص القليلة الكلمات العميقة الدلالة، وما وراءها من أسرار في عالم النفس وعالم الحياة.
إن الله يبدأ الإذن بالقتال للذين قاتلهم المشركون، واعتدى عليهم المبطلون، بأن الله يدافع عن الذين آمنوا، وأنه يكره المعتدين عليهم من الكفار الخائنين: إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ فقد ضمن للمؤمنين إذن أنه هو تعالى يدافع عنهم ومن يدافع الله عنه فهو ممنوع حتما من عدوه وظاهر حتما على عدوه، ففيم إذن يأذن لهم بالقتال؟ وفيم إذن يكتب عليهم الجهاد؟ وفيم إذن يقاتلون فيصيبهم القتل والجرح والجهد والمشقة، والتضحية والآلام ... والعاقبة معروفة، والله قادر على تحقيق العاقبة لهم بلا جهد ولا مشقة ولا تضحية ولا ألم ولا قتل ولا قتال؟
والجواب أن حكمة الله في هذا هي العليا، وأن لله الحجة البالغة .. والذي ندركه نحن البشر من تلك الحكمة ويظهر لعقولنا ومداركنا من تجاربنا ومعارفنا أن الله سبحانه لم يرد أن يكون حملة دعوته وحماتها من «التنابلة» الكسالى، الذين يجلسون في استرخاء، ثم يتنزل عليهم نصره سهلا هينا بلا عناء، لمجرد أنهم يقيمون الصلاة ويرتلون القرآن ويتوجهون إلى الله بالدعاء، كلما مسهم الأذى ووقع عليهم الاعتداء! نعم إنهم ينبغي
стр. 3381
أن يقيموا الصلاة، وأن يرتلوا القرآن، وأن يتوجهوا إلى الله بالدعاء في السراء والضراء. ولكن هذه العبادة وحدها لا تؤهلهم لحمل دعوة الله وحمايتها، إنما هي الزاد الذي يزودونه للمعركة، والذخيرة التي يدخرونها للموقعة، والسلاح الذي يطمئنون إليه وهم يواجهون الباطل بمثل سلاحه ويزيدون عنه سلاح التقوى والإيمان والاتصال بالله. لقد شاء الله تعالى أن يجعل دفاعه عن الذين آمنوا يتم عن طريقهم هم أنفسهم كي يتم نضجهم هم في أثناء المعركة فالبنية الإنسانية لا تستيقظ كل الطاقات المذخورة فيها كما تستيقظ وهي تواجه الخطر، وهي تدفع وتدافع، وهي تستجمع كل قوتها لتواجه القوة المهاجمة ... عندئذ تتحفز كل خلية بكل ما أودع فيها من استعداد لتؤدي دورها، ولتتساند الخلايا الأخرى في العمليات المشتركة، ولتؤتي أقصى ما تملكه، وتبذل آخر ما تنطوي عليه، وتصل إلى أكمل ما هو مقدور لها وما هي مهيأة له من الكمال.
والأمة التي تقوم على دعوة الله في حاجة إلى استيقاظ كل خلاياها، واحتشاد كل قواها، وتوافر كل استعدادها، وتجمع كل طاقاتها، كي يتم نموها، ويكمل نضجها، وتتهيأ بذلك لحمل الأمانة الضخمة والقيام عليها. والنصر السريع الذي لا يكلف عناء، والذي يتنزل هينا لينا على القاعدين المستريحين يعطل تلك الطاقات عن الظهور، لأنه لا يحفزها ولا يدعوها .. وذلك فوق أن النصر السريع الهين اللين سهل فقدانه وضياعه أولا: لأنه رخيص الثمن لم تبذل فيه تضحيات عزيزة، وثانيا: لأن الذين نالوه لم تدرب قواهم على الاحتفاظ به ولم تشحذ طاقاتهم وتحشد لكسبه. فهي لا تتحفز ولا تحتشد للدفاع عنه، وهناك التربية الوجدانية والدربة العملية تلك التي تنشأ من النصر والهزيمة، والكر والفر، والقوة والضعف والتقدم والتقهقر ومن المشاعر المصاحبة لها .. من الأمل والألم ومن الفرح والغم، ومن الاطمئنان والقلق ومن الشعور بالضعف والشعور بالقوة .. ومعها التجمع والفناء في العقيدة والجماعة والتنسيق بين الاتجاهات في ثنايا المعركة وقبلها وبعدها وكشف نقط الضعف ونقط القوة، وتدبير الأمور في جميع الحالات .. وكلها ضرورية للأمة التي تحمل الدعوة وتقوم عليها وعلى الناس. من أجل هذا كله ومن أجل غيره مما يعلمه الله، جعل الله دفاعه عن الذين آمنوا يتم عن طريقهم هم أنفسهم، ولم يجعله لقية تهبط عليهم من السماء بلا عناء، والنصر قد يبطئ على الذين ظلموا وأخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا: ربنا الله. فيكون هذا الإبطاء لحكمة يريدها الله؛ قد يبطئ النصر لأن بنية الأمة المؤمنة لم تنضج بعد نضجها، ولم يتم بعد تمامها، ولم تحشد بعد طاقاتها، ولم تتحفز كل خلية وتتجمع
стр. 3382
لتعرف أقصى المذخور فيها من قوى واستعدادات، فلو نالت النصر حينئذ لفقدته وشيكا لعدم قدرتها على حمايته طويلا. وقد يبطئ النصر حتى تبذل الأمة المؤمنة آخر ما في طوقها من قوة، وآخر ما تملكه من رصيد، فلا تستبقي عزيزا ولا غاليا، لا تبذله هينا رخيصا في سبيل الله. وقد يبطئ النصر حتى تجرب الأمة المؤمنة آخر قواها، فتدرك أن هذه القوى وحدها بدون سند من الله لا تكفل النصر، إنما يتنزل النصر من عند الله عند ما تبذل آخر ما في طوقها ثم تكل الأمر بعدها إلى الله. وقد يبطئ النصر لتزيد الأمة المؤمنة صلتها بالله، وهي تعاني وتتألم وتبذل، ولا تجد لها سندا إلا الله، ولا متوجها إلا إليه وحده في الضراء، وهذه الصلة هي الضمانة الأولى لاستقامتها على النهج بعد النصر عند ما يتأذن به الله، فلا تطغى ولا تنحرف عن الحق والعدل والخير الذي نصرها به الله، وقد يبطئ النصر لأن الأمة المؤمنة لم تتجرد بعد في كفاحها وبذلها وتضحياتها لله ولدعوته فهي تقاتل لمغنم تحققه، أو تقاتل حمية لذاتها، أو تقاتل شجاعة أمام أعدائها.
والله يريد أن يكون الجهاد له وحده وفي سبيله، بريئا من المشاعر الأخرى التي تلابسه. وقد سئل رسول الله ﷺ الرجل يقاتل حمية، والرجل يقاتل شجاعة، والرجل يقاتل ليرى، فأيها في سبيل الله؟ فقال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» رواه الشيخان. كما قد يبطئ النصر لأن في الشر الذي تكافحه الأمة المؤمنة بقية من خير، يريد الله أن يجرد الشر منها ليتمحض خالصا، ويذهب وحده هالكا، لا تتلبس به ذرة من خير تذهب في الغمار. وقد يبطئ النصر لأن الباطل الذي تحاربه الأمة المؤمنة لم ينكشف زيفه للناس تماما فلو غلبه المؤمنون حينئذ فقد يجد له أنصارا من المخدوعين فيه، لم يقتنعوا بعد بفساده وضرورة زواله، فتظل له جذور في نفوس الأبرياء الذين لم تنكشف لهم الحقيقة، فيشاء الله أن يبقى الباطل حتى يتكشف عاريا للناس، ويذهب غير مأسوف عليه من ذي بقية. وقد يبطئ النصر لأن البيئة لا تصلح بعد لاستقبال الحق والخير والعدل الذي تمثله الأمة المؤمنة فلو انتصرت حينئذ للقيت معارضة من البيئة لا يستقر لها معها قرار فيظل الصراع قائما حتى تتهيأ النفوس من حوله لاستقبال الحق الظافر، ولاستبقائه.
من أجل هذا كله ومن أجل غيره مما يعلمه الله، قد يبطئ النصر فتتضاعف التضحيات، وتتضاعف الآلام. مع دفاع الله عن الذين آمنوا وتحقيق النصر لهم في النهاية.
стр. 3383
وللنصر تكاليفه وأعباؤه حين يتأذن الله به بعد استيفاء أسبابه وأداء ثمنه، وتهيؤ الجو حوله لاستقباله واستبقائه.)
التفسير:
إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا يخبر تعالى أنه يدفع عن عباده الذين توكلوا عليه، وأنابوا إليه شر الأشرار، وكيد الفجار، ويحفظهم ويكلؤهم وينصرهم إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ في أمانة كَفُورٍ لنعمة الله، أي لا يحب من عباده من اتصف بالخيانة في العهود والمواثيق والأمانات، ومن اتصف بالجحود للنعم، والآية قسمها الأخير
تعليل لقسمها الأول والمعنى: إن الله يدافع عن الذين آمنوا لأنه لا يحب أضدادهم وهم الخونة الكفرة الذين يخونون الله والرسول، ويخونون أماناتهم، ويكفرون نعم الله، ويغمطونها وهذه الآية مقدمة للإذن في القتال، فهي وعد من الله أن يدافع عن المؤمنين؛ فليقاتلوا وفي قوله: لا يحب كل خوان كفور تعليل للأمر بالقتال، وتطمين للمؤمنين في أن الله معهم، وفي الآية تحذير من الكفر والخيانة وصيغة يُدافِعُ تعني الغاية في الدفاع عنهم مما يجعل المسلم في أعلى درجات الاطمئنان وبعد هذه المقدمة يأتي الإذن بالقتال
أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ أي أذن لهم في القتال وحذف المأذون فيه لدلالة يُقاتَلُونَ عليه بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا أي بسبب كونهم مظلومين وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ أي على نصر المؤمنين لَقَدِيرٌ أي لقادر وهو بشارة للمؤمنين بالنصرة، قال ابن كثير فيها: أي هو قادر على نصر عباده المؤمنين من غير قتال ولكن هو يريد من عباده أن يبذلوا جهدهم في طاعته ...... وإنما شرع الله تعالى الجهاد في الوقت الأليق به؛ لأنهم لما كانوا بمكة كان المشركون أكثر عددا، فلو أمر المسلمون- وهم أقل من العشر- بقتال الباقين لشق عليهم، ولهذا لما بايع أهل يثرب ليلة العقبة رسول الله ﷺ وكانوا نيفا وثمانين قالوا: يا رسول الله ألا نميل على أهل الوادي- يعنون أهل منى ليالي منى فنقتلهم؟ فقال رسول الله ﷺ : «إني لم أومر بهذا» فلما بغى المشركون وأخرجوا النبي ﷺ من بين أظهرهم، وهموا بقتله، وشردوا أصحابه شذر مذر، فذهب منهم طائفة إلى الحبشة، وآخرون إلى المدينة، فلما استقروا بالمدينة وافاهم رسول الله ﷺ ، واجتمعوا عليه، وقاموا بنصره، وصارت لهم دار إسلام، ومعقلا يلجئون إليه، شرع الله جهاد الأعداء، فكانت هذه الآية أول ما نزل في ذلك فقال تعالى أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ
стр. 3384
لَقَدِيرٌ
الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ قال العوفي عن ابن عباس: أخرجوا من مكة إلى المدينة بغير حق يعني محمدا وأصحابه إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ أي ما كان لهم إلى قومهم إساءة ولا كان لهم ذنب إلا أنهم وحدوا الله وعبدوه لا شريك له، وهذا استثناء منقطع بالنسبة إلى ما في نفس الأمر، وأما عند المشركين فإنه أكبر الذنوب كما قال تعالى يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ وقال تعالى في قصة أصحاب الأخدود وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ولهذا لما كان المسلمون يرتجزون في بناء الخندق ويقولون:
اللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا
إن الألى قد بغوا علينا ... وإن أرادوا فتنة أبينا
فيوافقهم رسول الله ﷺ ويقول معهم آخر كل قافية فإذا قالوا: إذا أرادوا فتنة أبينا، يقول: أبينا، يمد بها صوته).
والمعنى: ما أخرجوهم من ديارهم إلا بسبب قولهم رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ قال ابن كثير: (أي لولا أنه يدفع بقوم عن قوم، ويكف شرور أناس عن غيرهم بما يخلقه ويقدره من الأسباب لفسدت الأرض، ولأهلك القوي الضعيف) وقال النسفي: أي لولا إظهاره وتسليطه المسلمين على الكافرين بالمجاهدة، لاستولى المشركون على أهل الملل المختلفة في أزمنتهم، وعلى متعبداتهم فهدموها، ولم يتركوا للنصارى بيعا، ولا لرهبانهم صوامع، ولا لليهود صلوات أي كنائس، ولا للمسلمين مساجد. أو لغلب المشركون في أمة محمد ﷺ على المسلمين، وعلى أهل الكتاب الذين في ذمتهم، وهدموا متعبدات الفريقين، وقدم غير المساجد عليها لتقدمها وجودا، أو لقربها من التهديم، والصوامع:
هي المعابد المرتفعة الصغار للرهبان، والبيع: هي كنائس النصارى، والصلوات: هي كنائس اليهود، والمساجد للمسلمين يُذْكَرُ فِيهَا أى في المساجد أو في جميع ما تقدم اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً بدأ بذكر الصوامع وختم في المساجد وفي ذلك ترق من الأقل إلى الأكثر، إلى أن انتهى إلى المساجد وهي أكثر عمارا وأكثر عبادا، وهم ذوو القصد الصحيح وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ أي ينصر دينه وأولياءه إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ على نصر أوليائه عَزِيزٌ على الانتقام من أعدائه، وصف نفسه بالقوة والعزة، فبقوته خلق كل شئ فقدره تقديرا، وبعزته لا يقهره قاهر، ولا يغلبه غالب، بل كل شئ
стр. 3385
ذليل لديه، فقير إليه، ومن كان القوي العزيز ناصره فهو المنصور وعدوه هو المقهور،
ثم وصف من يستحقون نصره وهم في الوقت نفسه الذين ينصرونه الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ هذه سمات الجماعة الربانية وعلامات دولتها وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ أي مرجع الأمور إلى حكمه وتقديره، وفيه تأكيد لما وعده من إظهار أوليائه، وإعلاء كلمته، وبهذا انتهت المجموعة السادسة من المقطع الثاني.
كلمة في السياق:
بهذه المجموعة استكمل السياق الرد على من ييأس من نصر الله، ولعله من المناسب أن نذكر بسياق المقطع كله: بدأ المقطع بتطهير النفوس من الريب في شأن اليوم الآخر، لأن الإيمان باليوم الآخر هو الطريق إلى التقوى، ثم عرض نموذجا من الناس يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، ثم عرض نموذجا آخر لمن يعبد الله على حرف، ثم عرض نموذجا آخر لمن ييأس من نصر الله؛ فيترك دين الله، وقد استغرق الرد التفصيلي ومعالجة النموذج الأخير معظم المقطع كما رأينا، فتم
بالمجموعة السادسة تقرير كيف ينصر الله عباده في الدنيا والآخرة، ولعلك لاحظت كيف أن النصر الرباني له شروطه، وكيف أن لأهل النصر مواصفاتهم الخاصة، والسياق وإن صب في سياقه الرئيسي في موضوع معالجة ثلاثة أمراض رئيسية في قضية العبادة والتقوى، إلا أنه تحدث عن أشياء كثيرة أخرى لها علاقة بالتقوى والتحرر مما يعارضها أو يناقضها، ولم يبق عندنا إلا المجموعة الأخيرة من المقطع الثاني سنعرضها بعد الفوائد: .
الفوائد:
١ - في سبب نزول قوله تعالى أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا قال ابن كثير: (قال العوفي عن ابن عباس نزلت في محمد ﷺ وأصحابه حين أخرجوا من مكة، وقال مجاهد والضحاك وغير واحد من السلف كابن عباس ومجاهد وعروة بن الزبير وزيد بن أسلم ومقاتل بن حيان وقتادة وغيرهم: هذه أول آية نزلت في الجهاد واستدل بهذه الآية بعضهم على أن السورة مدنية، وقال ابن جرير .... عن ابن عباس قال: لما أخرج النبي ﷺ من مكة قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم إنا لله وإنا إليه راجعون ليهلكن، قال ابن عباس فأنزل الله أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ
стр. 3386
عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: فعرفت أنه سيكون قتال ورواه الإمام أحمد .... وزاد قال ابن عباس: وهي أول آية نزلت في القتال. رواه الترمذي والنسائي في التفسير من سننيهما وابن أبي حاتم من حديث إسحاق بن يوسف زاد الترمذي ووكيع كلاهما عن سفيان الثوري به وقال الترمذي حديث حسن وقد رواه غير واحد عن الثوري وليس فيه ابن عباس).
٢ - وبمناسبة قوله تعالى: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ قال ابن كثير: (روى ابن أبي حاتم قال عثمان بن عفان: فينا نزلت الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ فأخرجنا من ديارنا بغير حق إلا أن قلنا ربنا الله، ثم مكنا في الأرض؛ فأقمنا الصلاة، وآتينا الزكاة، وأمرنا بالمعروف، ونهينا عن المنكر، ولله عاقبة الأمور فهي لي ولأصحابي. وقال أبو العالية:
هم أصحاب محمد ﷺ أقول: وهي لكل المسلمين في كل العصور إذا حققوا الشروط.
٣ - حددت المجموعة التي مرت معنا من يستحقون نصر الله الخاص الذي ينزله الله على أوليائه، وهم الذين إذا كان لهم السلطان أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ ومن ثم فإن على المسلمين أن يكونوا هذه الجماعة التي تحققت بهذه السمات، وهذا لا يكون إلا إذا وجد علم ووعي وعمل يومي وخصائص معينة.
***
стр. 3387
المجموعة السابعة من المقطع الثاني
وتمتد من الآية (٤٢) إلى نهاية الآية (٤٨) وهذه هي:
[سورة الحج (٢٢): الآيات ٤٢ الى ٤٨]
وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْراهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسى فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (٤٤) فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨)
التفسير:
وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ يا محمد فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ نوحا ﵇ وَعادٌ هودا ﵇ وَثَمُودُ صالحا ﵇
وَقَوْمُ إِبْراهِيمَ إبراهيم ﵇ وَقَوْمُ لُوطٍ لوطا ﵇
وَأَصْحابُ مَدْيَنَ شعيبا ﵇ وَكُذِّبَ مُوسى أي كذبه فرعون وملأه، ولم يقل وقوم موسى، لأن موسى ما كذبه قومه بنو إسرائيل وإنما كذبه غير قومه، أو كأنه قيل بعد ما ذكر تكذيب كل قوم رسولهم وكذب موسى أيضا مع وضوح آياته وظهور معجزاته، وإذن فلست بأوحدي في التكذيب فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ أي أنظرتهم وأمهلتهم وأخرت عقوبتهم
стр. 3388
ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ أي عاقبتهم على كفرهم فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ أي فكيف كان إنكاري عليهم ومعاقبتي لهم، وتغييري بهم، حيث أبدلتهم بالنعم نقما، وبالحياة هلاكا وبالعمارة خرابا
فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أي كم من قرية أهلكناها وَهِيَ ظالِمَةٌ أي والحال أنها ظالمة، أي أهلها مشركون مكذبون للرسل فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها أي فهي ساقطة على سقوفها، أي قد خربت منازلها حتى إن السقوف ساقطة، والجدران سقطت بعد على هذه السقوف لهلاك الجميع، قال النسفي: أي خرت سقوفها على الأرض، ثم تهدمت
حيطانها فسقطت فوق السقوف وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ أي متروكة لفقد دلوها ورشائها، وفقد تفقدها، أو هي عامرة فيها الماء، وعندها آلات الاستقاء، إلا أنها عطلت، أي تركت لا يستقى منها لهلاك أهلها وَقَصْرٍ مَشِيدٍ أي منيف، مرتفع منيع حصين مزخرف، والمعنى: كم من قرية أهلكناها، وكم من بئر عطلناها عن سقاتها، وقصر مشيد أخليناه عن ساكنيه، أي أهلكنا البادية والحاضرة جميعا، فخلت القصور عن أربابها، والآبار عن ورادها، بسبب التكذيب والظلم فليحذر المكذبون.
كلمة في السياق:
ما الصلة بين هاتين الآيتين وما قبلهما؟ إن هاتين الآيتين تتحدثان عن نوع آخر من النصر الذي ينصر الله به رسله، وهو الأخذ المباشر من الله ، فإذا كان الله ينصر رسله وأولياءه في الآخرة، وإذا كان ينصرهم في الدنيا إذا قاتلوا، فإنه ينصرهم كذلك بأن يعذب أعداءهم بعذاب منه تعالى، وإذ يقرر الله هذا النوع من النصر يلفت نظر الكافرين إليه:.
...
أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ قال ابن كثير: أي بأبدانهم وبفكرهم أيضا وقال النسفي: هذا حث على السفر، ليروا مصارع من أهلكهم الله بكفرهم، ويشاهدوا آثارهم فيعتبروا فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أي يعقلون ما يجب أن يعقل من أسباب ما حل بالأمم المكذبة من النقم والنكال؛ فيعرفون أن سبب ذلك التكذيب والشرك أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها حقائق الوقائع فيعتبرون فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ أي ليس العمى عمى البصر، وإنما العمى عمى البصيرة، فإنه وإن كانت القوة الباصرة سليمة، فإنها لا تنفذ إلى العبر، ولا تدري
стр. 3389
ما الخبر إذا كان القلب أعمى قال النسفي: (أي فما عميت أبصارهم عن الإبصار بل قلوبهم عن الاعتبار ...... وذكر الصدور لبيان أن محل العلم القلب ولئلا يقال إن القلب يعني به غير هذا العضو) أقول: القلب الذي هو محل الإيمان في الصدر، وبينه وبين القلب الحسي صلة، وقد دلتنا الآية على وجوب التفكر والتدبر، ولكن الكافر بدلا من أن يفكر فيعتبر فيؤمن ويتابع، يكذب ويعلن عن تكذيبه بالاستهزاء في مظهر استعجال العذاب، وقد صور الله هذا بقوله
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ تكذيبا به واستهزاء بك واستبعادا له وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ أي: الذي وعده من إقامة الساعة، والانتقام من أعدائه، والإكرام لأوليائه وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ. قال ابن كثير في الآية: (أي هو تعالى لا يعجل فإن مقدار ألف سنة عند خلقه كيوم واحد عنده بالنسبة إلى حكمه، لعلمه بأنه على الانتقام قادر، وأنه لا يفوته شئ وإن أجل وانظر وأملى، ولهذا قال بعد هذا
وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ أي وكم من أهل قرية كانوا مثلكم ظالمين قد أنظرتهم حينا .... ثم أخذتهم بالعذاب وإلي المرجع فلا يفوتني شئ، وبهذا انتهت المجموعة السابعة وانتهى المقطع الثاني.
كلمة في السياق:
صلة هذه المجموعة الأخيرة بما قبلها واضحة من حيث إنها تحذر من عاقبة التكذيب الذي نهايته الهلاك في الدنيا، وفي إهلاك المكذبين نصر للرسل ﵈، فلنتذكر الآن كيف سار المقطع:.
عالج المقطع قضية الشك في اليوم الآخر وهي العقبة الأولى في طريق العبادة والتقوى، ثم عرض لصنف من الناس جاهل في الله، والجهل بالله من أعظم الصوارف عن التقوى لأهله وللناس، ثم عرض لصنف من الناس يعبد الله على حرف، فعالج شأنه إذ هذا الشأن من أعظم القواطع عن الاستمرار في الطريق الموصلة إلى التقوى، ثم عرض لموضوع اليأس من النصر، وهو موضوع خطير ينقطع بسببه الكثير عن السير إلى الله فعالجه معالجة طويلة، مبينا أن الله ينصر أهل الإيمان والتقوى ثلاثة أنواع من النصر: في الآخرة، وفي الدنيا إذا قاتلوا، وفي الدنيا بإهلاك أعدائهم، ولما كان علم الله محيطا، وقد علم ﷻ أن موضوع القتال في الإسلام ستكثر عليه الحملات، فقد عرض النصر الذي هو أثر عن القتال بعد أن بين مبررات القتال من خلال الواقع العملي لقريش
стр. 3390
زمن رسول الله ﷺ ، ومواقفها، ومن خلال عرض قصة البيت الحرام، وظلم قريش فيه، وانحرافها، واعوجاجها عن منهج إبراهيم ﵇، وإذن فقد عالج الله في هذا المقطع الصوارف عن العبادة وعن التقوى، وهما موضوعا السورة اللذان ذكرهما محورها من سورة البقرة: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ وقبل الانتقال إلى المقطع الثالث فلنر فوائد المجموعة الأخيرة:.
الفوائد:
١ - من القضايا التي ثار فيها جدل كبير بين أهل السنة والجماعة والمعتزلة قضية الوعد والوعيد، وهي إحدى المسائل الخمس التي تعتبر علما على مذهب المعتزلة؛ فالمعتزلة يرون أنه لا يليق بجلال الله أن يخلف وعده أو وعيده ومن ثم فإن ما أوعد الله به العصاة واقع بهم لا محالة، وأهل السنة قالوا: إن الله لا يخلف الوعد أما الوعيد فإن كان للكافرين فإنه لا يخلفه، وأما في حق العصاة من أمة محمد ﷺ فإنه قد يوقعه وقد يعفو كرما، وابن كثير يذكر هذه المسألة ويقرر مذهب أهل السنة والجماعة فيها من خلال قصة دون التعريج على اختلافات الفرق، يذكر ذلك عند قوله تعالى وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ قال: قال الأصمعي: كنت عند أبي عمرو بن العلاء فجاء عمرو بن عبيد فقال: يا أبا عمرو هل يخلف الله الميعاد؟ فقال: لا، فذكر آية وعيد، فقال له: أمن العجم أنت؟ إن العرب تعد الرجوع عن الوعد لؤما، وعن الإيعاد كرما، أما سمعت قول الشاعر:
ليرهب ابن العم والجار سطوتي ... ولا أنثني عن سطوة المتهدد
فإني وإن أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
٢ - بمناسبة قوله تعالى وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ يذكر ابن كثير ما يلي: قال ابن أبي حاتم حدثنا الحسن بن عرفة حدثني عبدة بن سليمان عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال «يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم، خمسمائة عام» ورواه الترمذي والنسائي من حديث الثوري عن محمد بن عمرو به وقال الترمذي حسن صحيح، وقد رواه ابن جرير عن أبي هريرة موقوفا فقال: حدثني يعقوب ثنا ابن علية ثنا سعيد الحريري عن أبي نضرة عن سمير بن نهار قال: قال أبو هريرة يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بمقدار نصف يوم قلت: وما مقدار نصف يوم؟ قال أو ما تقرأ القرآن، قلت بلى؟
стр. 3391
قال: وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ وقال أبو داود في آخر كتاب الملاحم من سننه: حدثنا عمر بن عثمان حدثنا أبو المغيرة حدثنا صفوان عن شريح بن عبيد عن سعد بن أبي وقاص عن النبي ﷺ أنه قال: «إني لأرجو أن لا تعجز أمتي ربها أن يؤخرهم نصف يوم» قيل لسعد: وما نصف يوم؟ قال: خمسمائة سنة. وقال ابن أبي حاتم حدثنا أحمد بن سنان حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ قال: من الأيام التي خلق الله فيها السموات والأرض. ورواه ابن جرير عن ابن يسار عن ابن مهدي، وبه قال مجاهد وعكرمة ونص عليه أحمد بن حنبل في كتاب الرد على الجهمية).
٣ - وبمناسبة قوله تعالى وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ.
أقول: إن الناس في عصرنا أصبحت لديهم تصورات واسعة حول الكون وعمره، وحول الزمن كأثر من تطور مئات العلوم، ومن ثم تجدهم يتحدثون عن كوكب، أو عن نجم بأن يومه كذا، ويقصدون بيومه الزمن، الذي تستغرقه دورته حول نفسه، وتجدهم يتحدثون عن يوم من أيام نجم أو كوكب بالأيام أو بالشهور أو بالسنين بالنسبة ليوم الكرة الأرضية، فعند ما نجد في القرآن مثل هذا النص الذي يقول وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ندرك مباشرة أن مثل هذا النص ما كان ليوجد في كتاب قبل أربعة عشر قرنا، وفي جزيرة العرب لولا أنه من عند الله المحيط علما بكل شئ والخالق لكل شئ والمنزل هذا القرآن بعلمه قال تعالى أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ ومن ثم فإنك تجد فيه آثار علم الله المحيط فالحمد لله على نعمة القرآن والإسلام.
ولننتقل إلى المقطع الثالث وهو يتكون من أربع مجموعات.
***
تفسير المجموعة الأولى من المقطع الثالث
قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أي: واضح النذارة
فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أي آمنت قلوبهم وصدقوا إيمانهم بأعمالهم لَهُمْ مَغْفِرَةٌ أي لما سلف من سيئاتهم وَرِزْقٌ كَرِيمٌ أي ومجازاة حسنة على القليل من حسناتهم
وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أي سعوا في إبطال معناها بالفساد، طاعنين فيها حيث سموها سحرا وشعرا وأساطير السابقين في زعمهم، وتقديرهم؛ طامعين أن كيدهم للإسلام يتم لهم، ظانين أنهم يعجزون ربهم أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ أي النار، والجحيم هي النار الحارة، الموجعة الشديدة عذابها، ونكالها أجارنا الله منها.
كلمة في السياق:
الصلة بين هذه الآيات الثلاث وما قبلها واضحة لأن ما قبلها ذكر فيه استعجال الذين كفروا للعذاب، فجاءت هذه الآيات آمرة الرسول ﷺ أن يقول: إنما أرسلني الله إليكم نذيرا لكم بين يدي عذاب شديد، وليس إلي من حسابكم من شئ، أمركم إلى الله إن شاء عجل لكم العذاب وإن شاء أخره لكم، ومضمون نذارتي أن من آمن وعمل صالحا فله المغفرة والجنة، ومن عاند وجحد وسعى في محاربة الإسلام فله النار.
وأما الصلة بين هذه الآيات والمحور، فمن حيث إنها تنذر من لم يعبد ويتق ولم يستجب، وتبشر من عبد واتقى واستجاب. ولنتابع التفسير:
بين أيدينا الآن مجموعة آيات هي من أكثر الآيات التي دارت حولها معارك بين المفسرين، ونحن سنعرضها كما سنفهمها، ثم نتحدث في الفوائد عن قضية الخلاف حولها.
***
стр. 3394
تفسير المجموعة الثانية من المقطع الثالث
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أمنية لها علاقة في هداية أمته أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ أي في محل أمنيته وهي أتباعه فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ أي يذهب به ويبطله من قلوب المخلصين ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ أي في قلوب الأتباع المخلصين، فيثبتها ويحفظها وَاللَّهُ عَلِيمٌ بما يلقي الشيطان وبغيره حَكِيمٌ في وضع كل شئ في محله، وهو يثبت ما يثبت في القلوب، وينسخ ما ينسخ منها على مقتضى حكمته
لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً أي محنة وابتلاء لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أي شك ونفاق وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ بسبب من أعمالهم وَإِنَّ الظَّالِمِينَ أي المنافقين والمشركين والفاسقين لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ أي لفي خلاف بعيد عن الحق والصواب
وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ بالله وبدينه وبالآيات أَنَّهُ الْحَقُّ أي أن القرآن حق مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ أي بالقرآن فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ أي فتطمئن وَإِنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ في كل شئ قال النسفي فيها: فيتأولون ما يتشابه في الدين، بالتأويلات الصحيحة، ويطلبون لما أشكل منه المحمل الذي تقتضيه الأصول المحكمة حتى لا تلحقهم حيرة ولا تعتريهم شبهة
وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ أي في شك مِنْهُ أي من القرآن أو الصراط المستقيم حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أي فجأة أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ عن أن يكون للكافرين فيه فرج وراحة يقال: ريح عقيم إذا لم تنشئ مطرا ولم تلقح شجرا، أو شديد لا رحمة فيه، أو لا مثل له في عظم أمره
الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ أي يوم القيامة أو يوم يؤمنون، أو يوم تزول مريتهم لِلَّهِ لا منازع له فيه يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ أي يقضي بينهم ثم بين ما سيحكم به فقال فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أي كفرت قلوبهم بالحق وحجته وكذبوا به، وخالفوا الرسل، واستكبروا عن اتباعهم فَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ أي مذل في مقابلة استكبارهم وإبائهم عن الحق.
كلمة في السياق:
بعد أن أمر الله رسوله ﷺ في المجموعة الأولى أن يعلن للناس أنه نذير مبين، بين في هذه المجموعة سنة من سننه، أن هناك رغبة موجودة عند كل نبي ورسول، فكل نبي ورسول يتمنى أماني ضخمة في هداية أمته، والارتقاء بها إلى الله،
стр. 3395
ولكن الشيطان يلقي في قلب كل فرد من أفراد الأمة إلقاءه، وفي هذا المقام فإن لله سنة هي: أن إلقاء الشيطان يؤثر في مرضى القلوب، وفي أصحاب القلوب القاسية، ولكن إلقاء الشيطان لا يترتب عليه شئ في صدور الذين أوتوا العلم، بل يتأكد عندهم بذلك أن وحي الله حق فيزدادون إيمانا وخشوعا تحقيقا لوعد الله ، أن يهدي أهل الإيمان. هذا الذي قررناه هنا هو فهمنا لموضوع إحكام الله آياته، ونسخ ما يلقي الشيطان في الآيات التي مرت معنا فالله في محكم آياته وعد أن لا يجعل للشيطان على عباده المخلصين سلطانا، أما غيرهم فللشيطان عليهم سلطان، ومن ثم ينسخ إلقاء الشيطان في قلوب أوليائه، ويحكم آياته بذلك، أي يثبتها عملا بعد أن أثبتها في كتابه، ثم قرر أن أهل الكفر لا يزالون في شك من القرآن، فما علاقة هذه المعاني في السياق؟
إن هذه المعاني تبين للنذير سنة الله في أمر الناس، لكي لا يفاجأ إذا تعثرت الأماني، أو تعذرت، ثم الصلة بين هذه المعاني ومحور السورة واضح، فإن الدعوة عامة، ولكن السائرين قليلون، والمستجيبين قليلون، والسير على طريق العبادة والتقوى يحول دونه قسوة القلب ومرضه، والظلم والكفر والجهل، ولنا عودة في الفوائد فلنمض في التفسير: بعد أن ذكر الله في نهاية المجموعة السابقة ما سيحكم به لأهل الإيمان، وما سيحكم به على أهل الكفر، خص قوما بالذكر
لفضيلتهم، هم المهاجرون، وبذلك بدأت المجموعة الثالثة من هذا المقطع:
تفسير المجموعة الثالثة من المقطع الثالث
وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ابتغاء مرضاته وطلبا لما عنده فتركوا الأوطان والأهلين، والخلان، وفارقوا البلاد في الله ورسوله، ونصرة الإسلام ثُمَّ قُتِلُوا أي في الجهاد أَوْ ماتُوا أي حتف أنفهم من غير قتال على فرشهم، فقد حصلوا على الأجر الجزيل، ومن ثم قال لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً أي ليجرين عليهم من فضله ورزقه من الجنة ما تقر به أعينهم وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ قال النسفي: لأنه المخترع للخلق بلا مثال، المتكفل للرزق بلا ملال
لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا هو الجنة يَرْضَوْنَهُ لأن فيها ما تشتهي الأنفس، وتلذ الأعين وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ بأحوال من قضى نحبه مجاهدا، وآمال من مات وهو ينتظر أن يقتل في سبيل الله حَلِيمٌ أي يحلم ويصفح ويغفر لهم الذنوب ويكفرها عنهم، بهجرتهم إليه، وتوكلهم عليه، أو حليم بإمهال من قاتل أولياءه معاندا.
стр. 3396
وبعد أن ذكر الله سنة من سننه فيما مضى يذكر هاهنا سنة أخرى من سننه فيقول: ذلِكَ أي الأمر ذلك وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ أي رد على الإساءة بمثلها ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ أي ثم ظلم بعد ذلك لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ أي من جازى بمثل ما فعل به من الظلم، ثم ظلم بعد ذلك، فحق على الله أن ينصره إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ يمحو آثار الذنوب غَفُورٌ لمن اجتهد فأخطأ، أو أذنب فتاب.
كلمة في السياق:
ما محل ذكر هذه السنة في السياق؟ وردت هذه السنة بعد ذكر الهجرة والقتال؛ مما يشير إلى أن حق المهاجرين في الانتقام قائم، وأنهم إذا انتقموا ثم اعتدي عليهم فإن الله ناصرهم، وذكر هذه الآية في هذا السياق يشير إلى أنه لا يتنافى مع التقوى أن يعاقب الإنسان بمثل ما عوقب به، كما لا يتنافى مع التقوى أن يرد إذا اعتدي عليه مرة ثانية، وختم الآية بذكر العفو والمغفرة إشارة إلى التجاوز عن المعاقب، إذا صحت نيته بالعدل ولو زاد، أو إشارة إلى قدرته على العقوبة، إذ لا يوصف بالعفو إلا القادر على ضده، والآن تأتي آيتان لتعليل سنة الله هذه، مما يشير إلى أهمية هذه السنة.
ذلِكَ أي ذلك النصر للمظلوم بسبب أنه قادر على ما يشاء ومن آيات قدرته بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ أي يزيد هذا في ذلك، ومن ذلك في هذا وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بأقوال عباده بَصِيرٌ بهم لا يخفى عليه منهم خافية، في أحوالهم وحركاتهم وسكناتهم، فلأن الله يولج الليل في النهار، ويولج النهار بالليل، ولأنه سميع بصير، فإنه ينصر من بغي عليه، إذا إنه إذا لم يفعل ذلك هو فمن يفعله؟؟
ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ ومن ثم فإنه ينصر الحق وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ من الأصنام والأنداد والأوثان وكل ما عبد من دونه هُوَ الْباطِلُ ومن ثم فإنه ينصر أولياءه، لأنهم يدعونه وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ فلا أعلى منه شأنا الْكَبِيرُ فلا أكبر منه سلطانا، ولعلوه وعظمته فإنه ينصر المظلومين، فمن أجدر منه بذلك؟ وهكذا عرض الله علينا سنتين في المجموعتين الأخيرتين، عرض علينا في المجموعة الأخيرة سنة من سننه في النصر، وعرض في المجموعة قبلها سنة من سننه في الهداية والإضلال، وفي ذكر هاتين السنتين بعد الأمر بالإنذار الذي ورد في المجموعة الأولى تعليم للنذير؛ ليعرف ما يمكن أن يلاقيه في السير، فما لم يعرف الداعية سنة الله
стр. 3397
عزّ وجل فإنه يفاجأ، أو لا يحسن التصرف، أو لا يعرف كيف يتخذ موقفا، وإذا اتخذ موقفا فقد لا يعرف عاقبته، إنه بعد معرفة السنة الأولى لم يعد النذير يفاجأ إذا رأى خللا في تصرفات بعض الأتباع، وبعد معرفة السنة الثانية أصبح النذير أكثر إقداما على العقوبة العادلة، والكلام عن العقوبة في السورة التي تأذن في القتال مفهوم الصلة.
إن سورة الحج تفصل في قضية العبادة والتقوى لأنها تفصل محورها من سورة البقرة وهو: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ وإذا كانت السورة تفصل هذا المقام فإن هذا المقطع يختص بتوجيه الداعية إلى عبادة الله وتقواه وهو رسول الله ﷺ ومن ثم نلاحظ أن المقطع بدأ بكلمة قُلْ وسيأتي معنا فيه أَلَمْ تَرَ ...... أَلَمْ تَرَ أَلَمْ تَعْلَمْ والخطاب- وإن كان لرسول الله ﷺ بشكل مباشر- فهو خطاب لوراثه خاصة وخطاب لأمته عامة، ولنمض في التفسير ملاحظين أن المقطع بدأ بقوله تعالى: قُلْ والآن يأتي قوله تعالى أَلَمْ تَرَ.
تفسير المجموعة الرابعة من المقطع الثالث
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ أي من السحاب السَّماءِ أي مطرا فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً بالنبات بعد ما كانت مسودة يابسة إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ أي واصل فضله إلى كل شئ خَبِيرٌ أي بمصالح الخلق ومنافعهم وذكر الله اللطيف في هذا السياق يفيد أنه المختص بدقيق التدبير، وذكر اسم الخبير في هذا السياق يفيد أنه المحيط بكل قليل وكثير
لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أي جميع الأشياء ملكه، وهو غني عما سواه، وكل شيء فقير إليه، عبد لديه، ومن ثم قال وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ أي المستغني عن كل شيء، وغيره فقير إليه الْحَمِيدُ أي المحمود
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ من معادن وتراب وهواء وعناصر ومركبات وأحياء وجمادات ونباتات وَالْفُلْكَ أي السفن تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ أي وسخر لكم الفلك تجري في البحر بتسخيره وتيسيره وَيُمْسِكُ السَّماءَ أي كل ما دون الأرض مما هو فوقها أَنْ تَقَعَ أي من أن تقع عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ أي بأمره ومشيئته، كما يأذن مثلا لبعض النيازك أن تصل إلى قشرة الأرض إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ بتسخير ما في الأرض رَحِيمٌ بإمساك السماء لئلا تقع على الأرض.
قال النسفي: عدد آلاءه مقرونة بأسمائه؛ ليشكروه على آلائه، ويذكروه بأسمائه
стр. 3398
وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ أي بعد أن كنتم ترابا ثُمَّ يُمِيتُكُمْ عند انقضاء آجالكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ لإيصال جزائكم إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ أي جحود قال النسفي في معناها: (إن الإنسان لجحود لما أفاض عليه من ضروب النعم، ودفع عنه من صنوف النقم، أو لا يعرف نعمة الإنشاء المبدئ للوجود، ولا الإفناء المقرب إلى الموعود، ولا الإحياء الموصل إلى المقصود)
كلمة في السياق:
عرفنا الله في هذه الآيات على عدد من آلائه وأسمائه، وكأن هذا التعريف في هذا السياق فيه تعليل للأمر بالإنذار، فإن مقتضى كون الله منعما أن يكلف عباده بواسطة رسوله، وأن يحذرهم عاقبة ترك التكليف، وأن يبشرهم بما لهم إن قاموا بحقه، والآيات عرفت على الله بما يستخرج العبادة والتقوى، إذ العبادة والتقوى أثر المعرفة لله وعرفت على الله بما يستجيش الشكر، والعبادة والتقوى بهما يكون الشكر.
يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ.
فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ولنتابع تفسير المجموعة الرابعة.
لِكُلِّ أُمَّةٍ أي لكل أهل دين، أي لكل أمة نبي جَعَلْنا مَنْسَكاً أي موضعا يحجون إليه ويذبحون عنده هُمْ ناسِكُوهُ أي هم معتادون على فعله، إذ أصل المنسك في كلام العرب: هو الموضع الذي يعتاده الإنسان ويتردد إليه، إما لخير أو شر، ولهذا سميت مناسك الحج بذلك؛ لترداد الناس وعكوفهم إليها فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ أي أمر الذبائح، أو الدين أي فلا يجادلنك، والمعنى: فلا تلتفت إلى قولهم، ولا تمكنهم من أن ينازعوك في هذا الموضوع وَادْعُ إِلى رَبِّكَ أي إلى دينه وشريعته، وعبادته وتقواه إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ أي طريق قويم
وَإِنْ جادَلُوكَ مراء وتعنتا كما يفعله السفهاء بعد اجتهادك ألا يكون بينك وبينهم تنازع وجدال فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ أي فلا تجادلهم وادفعهم بهذا القول: إن الله أعلم بأعمالكم كلها، ما تخفونه وما تظهرونه، وما تريدون بها وما تستحقون عليها من الجزاء، وهذا رد ووعيد وإنذار وتأديب يجاب به كل متعنت
اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ أي يفصل بينكم بالثواب والعقاب يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ هذا خطاب من الله للمؤمنين والكافرين،
ثم ختم الله هذه المجموعة بقوله أَلَمْ
стр. 3399
تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ أي يعلم الموجود فيهما إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ أي في اللوح المحفوظ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ أي علمه بجميع ذلك يسير.
نقل:
بمناسبة قوله تعالى لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ .... ننقل ما ذكره الأستاذ أبو الحسن الندوي في كتابة (الأركان الأربعة) عن بقايا ما هو موجود عند الأمم الأخرى من المناسك، قال:
«الحج والزيارة» في الديانات القديمة، سماتهما وفوارقهما:
لم تعرف أمة ولا ديانة من أمم البشر ودياناتهم، إلا وعندها أمكنة مقدسة تشد إليها الرحال، وتحث فيها المطي، ولها طرق وعادات وتقاليد، وآداب لهذا السفر الديني «والزيارة المقدسة» وذلك لأن هذا العمل إجابة لحاكم الطبيعة، وتلبية لنداء الضمير، فالإنسان كما قلنا لم يزل باحثا عن شئ يراه بعينه، ويوجه إليه أشواقه، ويقضي به حنينه، ويشبع به رغبته الملحة في التعظيم والدنو، ولم يزل باحثا كذلك عن عمل طويل شاق يكفر به عن ذنوبه الجسام، وسقطاته الفاضحة، ليتغلب به على وخز الضمير، وتأنيب الحس الديني ولائمة المجتمع، ولم يزل في حاجة إلى مشهد ديني عظيم، يلتقي فيه على الأخوة الدينية، والعاطفة الروحية، لذلك لم تخل أمة من الأمم، ولا دور من أدوار المدنية من أسفار دينية، ومناسك مشهورة، ومشاهد مقدسة يجتمع فيها الناس، ويذبحون الذبائح، ويقربون القرابين لله تعالى، أو لآلهتهم ومعبوداتهم، وقد قال الله تعالى: لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ، فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (الحج: ٣٤) وقال: لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ (الحج: ٦٧) وقد كشفت الآثار وعملية الحفر عن هذه المناسك والمشاهد في المدنيات البائدة، والمدن المطمورة، وتحدث التاريخ عن وجودها، وعن بعض أخبارها، ولكن الاهتداء إلى حقيقتها وتاريخها، والأحكام والآداب التي تتعلق بها صعب جدا، فقد لا يرجع الباحث في ذلك، إلا بقياسات وأخبار متقطعة مبتورة، لا يستطيع أن يكون بها فكرة كاملة، أو صورة واضحة:
стр. 3400
والديانة اليهودية، ثم المسيحية من أقرب الديانات إلينا، وقد عاشتا زمنا طويلا في عصر التاريخ والعلم، وعني بهما المؤرخون والمؤلفون ولا تزالان ديانتي أمتين كبيرتين نشيطتين في الثقافة والتأليف والسياسة، والبيت المقدس وما حوله من آثار ومشاهد ملتقى هاتين الديانتين، ومركزهما الروحي الأصيل، والحج إليه قديم وأصيل عندهما، ولكن لا يزال هذا الركن الديني الكبير يكتنفه الشئ الكثير من الغموض والاضطراب، وقلة المعلومات، (إذا قارنا ذلك بالحج الإسلامي، الذي تشغل مناسكه وأحكامه وتفاصيله مكتبة واسعة هائلة، وهو مدون تدوينا لا يجد فيه الباحث عناء). وهذه خلاصة ما جاء في «دائرة المعارف اليهودية» المجلد العاشر (١):
«إن الحج إلى بيت المقدس الذي كان يدعى بالزيارة (RE YIAH) يؤدى في زمن ثلاثة أعياد (وهي عيد الحصاد (٢) وعيد الفصح (اليهودي) وعيد المظال، وكان
الحج فريضة على جميع اليهود، باستثناء الصغار الذين لم يبلغوا الحلم، والإناث، والعميان، والعرج، والضعفاء المصابين بأمراض بدنية أو عقلية، وكانت الشريعة الموسوية توجب على كل حاج أو زائر) أن يأخذ معه (تقدمة للرب)، ولكنها لم تعين المقدار، وكان رغم إعفاء الإناث والصغار عن الزيارة، كان يؤمه عدد كبير منهم من الأزواج والآباء كما هو الشأن في الأسواق العامة، ولا تخلو الروايات التي وردت عن عدد الزائرين في أزمنة مختلفة من المبالغة (٣)، وكانت الخرفان تذبح في عدد كبير، وكانت جلود الذبائح تقدم إلى حراس الخانات الذين كانوا يقومون بخدمة الزوار وإيوائهم من غير مقابل.
ولم تنقطع عبادة الحج بعد تدمير (المعبد) أيضا، ولما فتح المسلمون بيت المقدس بقيادة صلاح الدين عام ١١٨٧ م، تسنى لليهود القاطنين في المنطقة الشرقية أن يزوروا بيت المقدس، وما عداه من الأمكنة المقدسة (بين دمشق، وبابل، ومصر) وقد اعتاد