وبعد أن ذكر الله سنة من سننه فيما مضى يذكر هاهنا سنة أخرى من سننه فيقول: ذلِكَ أي الأمر ذلك وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ أي رد على الإساءة بمثلها ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ أي ثم ظلم بعد ذلك لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ أي من جازى بمثل ما فعل به من الظلم، ثم ظلم بعد ذلك، فحق على الله أن ينصره إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ يمحو آثار الذنوب غَفُورٌ لمن اجتهد فأخطأ، أو أذنب فتاب.
كلمة في السياق:
ما محل ذكر هذه السنة في السياق؟ وردت هذه السنة بعد ذكر الهجرة والقتال؛ مما يشير إلى أن حق المهاجرين في الانتقام قائم، وأنهم إذا انتقموا ثم اعتدي عليهم فإن الله ناصرهم، وذكر هذه الآية في هذا السياق يشير إلى أنه لا يتنافى مع التقوى أن يعاقب الإنسان بمثل ما عوقب به، كما لا يتنافى مع التقوى أن يرد إذا اعتدي عليه مرة ثانية، وختم الآية بذكر العفو والمغفرة إشارة إلى التجاوز عن المعاقب، إذا صحت نيته بالعدل ولو زاد، أو إشارة إلى قدرته على العقوبة، إذ لا يوصف بالعفو إلا القادر على ضده، والآن تأتي آيتان لتعليل سنة الله هذه، مما يشير إلى أهمية هذه السنة.
ذلِكَ أي ذلك النصر للمظلوم بسبب أنه قادر على ما يشاء ومن آيات قدرته بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ أي يزيد هذا في ذلك، ومن ذلك في هذا وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بأقوال عباده بَصِيرٌ بهم لا يخفى عليه منهم خافية، في أحوالهم وحركاتهم وسكناتهم، فلأن الله يولج الليل في النهار، ويولج النهار بالليل، ولأنه سميع بصير، فإنه ينصر من بغي عليه، إذا إنه إذا لم يفعل ذلك هو فمن يفعله؟؟
ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ ومن ثم فإنه ينصر الحق وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ من الأصنام والأنداد والأوثان وكل ما عبد من دونه هُوَ الْباطِلُ ومن ثم فإنه ينصر أولياءه، لأنهم يدعونه وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ فلا أعلى منه شأنا الْكَبِيرُ فلا أكبر منه سلطانا، ولعلوه وعظمته فإنه ينصر المظلومين، فمن أجدر منه بذلك؟ وهكذا عرض الله علينا سنتين في المجموعتين الأخيرتين، عرض علينا في المجموعة الأخيرة سنة من سننه في النصر، وعرض في المجموعة قبلها سنة من سننه في الهداية والإضلال، وفي ذكر هاتين السنتين بعد الأمر بالإنذار الذي ورد في المجموعة الأولى تعليم للنذير؛ ليعرف ما يمكن أن يلاقيه في السير، فما لم يعرف الداعية سنة الله
стр. 3397
عزّ وجل فإنه يفاجأ، أو لا يحسن التصرف، أو لا يعرف كيف يتخذ موقفا، وإذا اتخذ موقفا فقد لا يعرف عاقبته، إنه بعد معرفة السنة الأولى لم يعد النذير يفاجأ إذا رأى خللا في تصرفات بعض الأتباع، وبعد معرفة السنة الثانية أصبح النذير أكثر إقداما على العقوبة العادلة، والكلام عن العقوبة في السورة التي تأذن في القتال مفهوم الصلة.
إن سورة الحج تفصل في قضية العبادة والتقوى لأنها تفصل محورها من سورة البقرة وهو: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ وإذا كانت السورة تفصل هذا المقام فإن هذا المقطع يختص بتوجيه الداعية إلى عبادة الله وتقواه وهو رسول الله ﷺ ومن ثم نلاحظ أن المقطع بدأ بكلمة قُلْ وسيأتي معنا فيه أَلَمْ تَرَ ...... أَلَمْ تَرَ أَلَمْ تَعْلَمْ والخطاب- وإن كان لرسول الله ﷺ بشكل مباشر- فهو خطاب لوراثه خاصة وخطاب لأمته عامة، ولنمض في التفسير ملاحظين أن المقطع بدأ بقوله تعالى: قُلْ والآن يأتي قوله تعالى أَلَمْ تَرَ.
تفسير المجموعة الرابعة من المقطع الثالث
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ أي من السحاب السَّماءِ أي مطرا فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً بالنبات بعد ما كانت مسودة يابسة إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ أي واصل فضله إلى كل شئ خَبِيرٌ أي بمصالح الخلق ومنافعهم وذكر الله اللطيف في هذا السياق يفيد أنه المختص بدقيق التدبير، وذكر اسم الخبير في هذا السياق يفيد أنه المحيط بكل قليل وكثير
لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أي جميع الأشياء ملكه، وهو غني عما سواه، وكل شيء فقير إليه، عبد لديه، ومن ثم قال وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ أي المستغني عن كل شيء، وغيره فقير إليه الْحَمِيدُ أي المحمود
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ من معادن وتراب وهواء وعناصر ومركبات وأحياء وجمادات ونباتات وَالْفُلْكَ أي السفن تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ أي وسخر لكم الفلك تجري في البحر بتسخيره وتيسيره وَيُمْسِكُ السَّماءَ أي كل ما دون الأرض مما هو فوقها أَنْ تَقَعَ أي من أن تقع عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ أي بأمره ومشيئته، كما يأذن مثلا لبعض النيازك أن تصل إلى قشرة الأرض إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ بتسخير ما في الأرض رَحِيمٌ بإمساك السماء لئلا تقع على الأرض.
قال النسفي: عدد آلاءه مقرونة بأسمائه؛ ليشكروه على آلائه، ويذكروه بأسمائه
стр. 3398
وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ أي بعد أن كنتم ترابا ثُمَّ يُمِيتُكُمْ عند انقضاء آجالكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ لإيصال جزائكم إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ أي جحود قال النسفي في معناها: (إن الإنسان لجحود لما أفاض عليه من ضروب النعم، ودفع عنه من صنوف النقم، أو لا يعرف نعمة الإنشاء المبدئ للوجود، ولا الإفناء المقرب إلى الموعود، ولا الإحياء الموصل إلى المقصود)
كلمة في السياق:
عرفنا الله في هذه الآيات على عدد من آلائه وأسمائه، وكأن هذا التعريف في هذا السياق فيه تعليل للأمر بالإنذار، فإن مقتضى كون الله منعما أن يكلف عباده بواسطة رسوله، وأن يحذرهم عاقبة ترك التكليف، وأن يبشرهم بما لهم إن قاموا بحقه، والآيات عرفت على الله بما يستخرج العبادة والتقوى، إذ العبادة والتقوى أثر المعرفة لله وعرفت على الله بما يستجيش الشكر، والعبادة والتقوى بهما يكون الشكر.
يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ.
فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ولنتابع تفسير المجموعة الرابعة.
لِكُلِّ أُمَّةٍ أي لكل أهل دين، أي لكل أمة نبي جَعَلْنا مَنْسَكاً أي موضعا يحجون إليه ويذبحون عنده هُمْ ناسِكُوهُ أي هم معتادون على فعله، إذ أصل المنسك في كلام العرب: هو الموضع الذي يعتاده الإنسان ويتردد إليه، إما لخير أو شر، ولهذا سميت مناسك الحج بذلك؛ لترداد الناس وعكوفهم إليها فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ أي أمر الذبائح، أو الدين أي فلا يجادلنك، والمعنى: فلا تلتفت إلى قولهم، ولا تمكنهم من أن ينازعوك في هذا الموضوع وَادْعُ إِلى رَبِّكَ أي إلى دينه وشريعته، وعبادته وتقواه إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ أي طريق قويم
وَإِنْ جادَلُوكَ مراء وتعنتا كما يفعله السفهاء بعد اجتهادك ألا يكون بينك وبينهم تنازع وجدال فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ أي فلا تجادلهم وادفعهم بهذا القول: إن الله أعلم بأعمالكم كلها، ما تخفونه وما تظهرونه، وما تريدون بها وما تستحقون عليها من الجزاء، وهذا رد ووعيد وإنذار وتأديب يجاب به كل متعنت
اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ أي يفصل بينكم بالثواب والعقاب يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ هذا خطاب من الله للمؤمنين والكافرين،
ثم ختم الله هذه المجموعة بقوله أَلَمْ
стр. 3399
تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ أي يعلم الموجود فيهما إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ أي في اللوح المحفوظ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ أي علمه بجميع ذلك يسير.
نقل:
بمناسبة قوله تعالى لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ .... ننقل ما ذكره الأستاذ أبو الحسن الندوي في كتابة (الأركان الأربعة) عن بقايا ما هو موجود عند الأمم الأخرى من المناسك، قال:
«الحج والزيارة» في الديانات القديمة، سماتهما وفوارقهما:
لم تعرف أمة ولا ديانة من أمم البشر ودياناتهم، إلا وعندها أمكنة مقدسة تشد إليها الرحال، وتحث فيها المطي، ولها طرق وعادات وتقاليد، وآداب لهذا السفر الديني «والزيارة المقدسة» وذلك لأن هذا العمل إجابة لحاكم الطبيعة، وتلبية لنداء الضمير، فالإنسان كما قلنا لم يزل باحثا عن شئ يراه بعينه، ويوجه إليه أشواقه، ويقضي به حنينه، ويشبع به رغبته الملحة في التعظيم والدنو، ولم يزل باحثا كذلك عن عمل طويل شاق يكفر به عن ذنوبه الجسام، وسقطاته الفاضحة، ليتغلب به على وخز الضمير، وتأنيب الحس الديني ولائمة المجتمع، ولم يزل في حاجة إلى مشهد ديني عظيم، يلتقي فيه على الأخوة الدينية، والعاطفة الروحية، لذلك لم تخل أمة من الأمم، ولا دور من أدوار المدنية من أسفار دينية، ومناسك مشهورة، ومشاهد مقدسة يجتمع فيها الناس، ويذبحون الذبائح، ويقربون القرابين لله تعالى، أو لآلهتهم ومعبوداتهم، وقد قال الله تعالى: لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ، فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (الحج: ٣٤) وقال: لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ (الحج: ٦٧) وقد كشفت الآثار وعملية الحفر عن هذه المناسك والمشاهد في المدنيات البائدة، والمدن المطمورة، وتحدث التاريخ عن وجودها، وعن بعض أخبارها، ولكن الاهتداء إلى حقيقتها وتاريخها، والأحكام والآداب التي تتعلق بها صعب جدا، فقد لا يرجع الباحث في ذلك، إلا بقياسات وأخبار متقطعة مبتورة، لا يستطيع أن يكون بها فكرة كاملة، أو صورة واضحة:
стр. 3400
والديانة اليهودية، ثم المسيحية من أقرب الديانات إلينا، وقد عاشتا زمنا طويلا في عصر التاريخ والعلم، وعني بهما المؤرخون والمؤلفون ولا تزالان ديانتي أمتين كبيرتين نشيطتين في الثقافة والتأليف والسياسة، والبيت المقدس وما حوله من آثار ومشاهد ملتقى هاتين الديانتين، ومركزهما الروحي الأصيل، والحج إليه قديم وأصيل عندهما، ولكن لا يزال هذا الركن الديني الكبير يكتنفه الشئ الكثير من الغموض والاضطراب، وقلة المعلومات، (إذا قارنا ذلك بالحج الإسلامي، الذي تشغل مناسكه وأحكامه وتفاصيله مكتبة واسعة هائلة، وهو مدون تدوينا لا يجد فيه الباحث عناء). وهذه خلاصة ما جاء في «دائرة المعارف اليهودية» المجلد العاشر (١):
«إن الحج إلى بيت المقدس الذي كان يدعى بالزيارة (RE YIAH) يؤدى في زمن ثلاثة أعياد (وهي عيد الحصاد (٢) وعيد الفصح (اليهودي) وعيد المظال، وكان
الحج فريضة على جميع اليهود، باستثناء الصغار الذين لم يبلغوا الحلم، والإناث، والعميان، والعرج، والضعفاء المصابين بأمراض بدنية أو عقلية، وكانت الشريعة الموسوية توجب على كل حاج أو زائر) أن يأخذ معه (تقدمة للرب)، ولكنها لم تعين المقدار، وكان رغم إعفاء الإناث والصغار عن الزيارة، كان يؤمه عدد كبير منهم من الأزواج والآباء كما هو الشأن في الأسواق العامة، ولا تخلو الروايات التي وردت عن عدد الزائرين في أزمنة مختلفة من المبالغة (٣)، وكانت الخرفان تذبح في عدد كبير، وكانت جلود الذبائح تقدم إلى حراس الخانات الذين كانوا يقومون بخدمة الزوار وإيوائهم من غير مقابل.
ولم تنقطع عبادة الحج بعد تدمير (المعبد) أيضا، ولما فتح المسلمون بيت المقدس بقيادة صلاح الدين عام ١١٨٧ م، تسنى لليهود القاطنين في المنطقة الشرقية أن يزوروا بيت المقدس، وما عداه من الأمكنة المقدسة (بين دمشق، وبابل، ومصر) وقد اعتاد
стр. 3401
اليهود في الشرق، ولا سيما في بابل وكردستان من القرن الرابع عشر الميلادي، أن يؤدوا فريضة الحج مرة في السنة، على أقل تقدير، وكان عدد منهم يقوم بهذا الحج مشيا على الأقدام، وقد كانت الحروب الصليبية مشجعة لليهود في أوروبا على الحج والزيارة، وفي عام ١٤٩٢ م عند ما أجلي اليهود من أسبانيا، وهاجر عدد كبير منهم إلى مناطق المسلمين، تضاعف عدد اليهود الزوار، وربما كانوا يجتمعون على قبر النبي صموئيل في قرية الرامة (١)، حيث كانت تقوم أسواق عيدهم السنوي، وتقام التقاليد الدينية.
يعاتب اليهود إخوانهم القاطنين في بلدان أخرى، الذين ضعفت فيهم رغبة الحج والزيارة، وزهدوا فيهما، بينما ينتهز المسيحيون الفرص لزيارة الأرض المقدسة.
وللحج أيام معينة يسميها اليهود في الشرق وشمالي إفريقيا أيام الزيارة، وقد شاع فيهم أن يزوروا فيها قبور عظمائهم، ومنهم من اشتهر كملك، أو كنبي، أو كصالح وولي، وهم يحتفلون بهذه الأيام بالإكثار من الأدعية وإظهار الفرح والسرور، شأنهم في الأعياد العامة، ويجتمعون بين مساء اليوم السابع عشر من تموز إلى اليوم التاسع من (آب) ثلاثة وعشرين يوما متوالية، مقابل الجدار الغربي لهيكل (سليمان)، وتبتدئ هذه العبادة في اليوم التاسع من آب، من نصف الليل.
وهنالك مشاهد وضرائح وأمكنة محلية، يشد إليها الرحال في كل قطر وبلد (٢)).
أما الحج والزيارة عند المسيحيين، فهذه خلاصة لما جاء في (دائرة الأديان والأخلاق).
(الحج: اسم للرحلة التي يقوم بها الإنسان لزيارة المشاهد المقدسة، مثل مشاهد الحياة الدنيوية لسيدنا عيسى ﵇ في فلسطين، أو مراكز زعماء الدين المقدسة في (روما)، أو الأمكنة المقدسة التي تنسب إلى المقبولين من الزهاد والشهداء.
إن الجيل المسيحي الأول لم يشعر بضرورة زيارة مشاهد المسيح والتبرك بها، بالنسبة إلى المتأخرين الذين عنوا بذلك أكثر، ولكن انتشرت هذه الزيارة من القرن الثالث المسيحي، وقد شغف عدد كبير من المسيحيين بالبحث عن مشاهد المسيح وآثاره،
стр. 3402
الذين قد يبلغ عددهم- خصوصا في الأعياد والأسواق التي تقام بعد مجموعة من السنين- إلى ملايين من النفوس، رغم حرص الحكومة على إقامة النظام وقوانين الصحة، والوقاية من الأمراض، وتقترن بتقاليد جاهلية، وأعمال شركية، وأساطير الآلهة والإلهات القديمة، ومن إعجاز القرآن، أنه لما ذكر حج البيت الذي بناه إبراهيم وحث عليه، نعى على الشرك والوثنية والزور الذي تلوثت به المناسك، وأعمال الحج والزيارة في الديانات والأمم الأخرى، فقال: ذلِكَ، وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ* وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ، وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ، حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ (الحج: ٣٠، ٣١).
هذه صورة مجملة لأساليب الحج والزيارة، والرحلة الدينية في ديانات العالم الرئيسية، التي لا يزال لها أتباع ومؤمنون يعدون بالملايين، وملايين الملايين، وقد كان شيخ الإسلام أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي رحمة الله عليه، عميق النظر، واسع الاطلاع، غير مجانب للصواب والإنصاف، إذ قال في كتابه (حجة الله البالغة) وهو يتكلم في موضوع الحج:
(وأصل الحج موجود في كل أمة، لا بد لهم من موضع يتبركون به، لما رأوا من ظهور آيات الله فيه، ومن قرابين وهيآت مأثورة عن أسلافهم يلتزمونها، لأنها تذكر المقربين وما كانوا فيه.
وأحق ما يحج إليه بيت الله، وفيه آيات بينات، بناه إبراهيم صلوات الله عليه، المشهود له بالخير على ألسنة أكثر الأمم، بأمر الله ووحيه بعد أن كانت الأرض قفرا وعرا، إذ ليس غيره محجوج إلا وفيه إشراك أو اختراع ما لا أصل له).
ويستطيع القارئ في سهولة أن يقارن بينها وبين الحج الإسلامي، ويعرف مفارقات بينها وبين هذا الركن الرابع، ويقرأ قوله تعالى، ويحدث بنعمة ربه: لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ، فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ (الحج: ٦٧) اه كلام الندوي.
أقول: إن وجود الحج عند كل الأمم، كبقية باقية من هدي الأنبياء السابقين، يظهر لنا أن في قوله تعالى: لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً معجزة من معجزات هذا القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
стр. 3403
نقل:
عند قوله تعالى: وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ قال صاحب الظلال: (وهو الذي خلق الكون وفق هذا النظام الذي اختاره له، وحكم فيه تلك النواميس التي تظل بها النجوم والكواكب مرفوعة متباعدة، لا تسقط ولا يصدم بعضها بعضا. وكل تفسير فلكي للنظام الكوني ما يزيد على أنه محاولة لتفسير الناموس المعظم للوضع القائم الذي أنشأه خالق هذا النظام. وإن كان بعضهم ينسى هذه الحقيقة الواضحة، فيخيل إليه أنه حين يفسر النظام الكوني ينفي يد القدرة عن هذا الكون ويستبعد آثارها، وهذا وهم عجيب وانحراف في التفكير غريب فإن الاهتداء إلى تفسير القانون- على فرض صحته- والنظريات الفلكية ليست سوى فروض مدروسة لتفسير الظواهر الكونية تصح أو لا تصح، وتثبت اليوم وتبطل غدا بفرض جديد- لا ينفي وجود واضع القانون وأثره في إعمال هذا القانون والله سبحانه يُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ بفعل ذلك الناموس الذي يعمل فيها وهو من صنعه إِلَّا بِإِذْنِهِ وذلك يوم يعطل الناموس الذي يعمل بحكمة ويعطله كذلك لحكمة).
كلمة في السياق:
لإدراك محل الآيات الأخيرة في السياق فلنتذكر ما يلي: في عصرنا نجد كثيرا من المتحذلقين أو الجاهلين عند ما يحجون فيرون أن كثيرا مما يذبح من الهدي أثناء تأدية مناسك الحج يذهب هدرا يبدءون يقترحون الاقتراحات، أو يتساءلون عما إذا كان الأحسن عدم الذبح، أو يدعون إلى ترك الذبح، وقد يعللون ذلك بأن الرسول ﷺ عند ما سن الذبح لم يكن الوضع على ما هو عليه الآن، وقد ينظر بعضهم إلى الأمر نظرة اقتصادية- في زعمه- فلا يرى الذبح، فعند ما تأتي هذه الآيات مقررة أن الذبح شريعة الله المستمرة في كل العصور، وأن الذين يجادلون في ذلك ينبغي ألا يلتفت إليهم، وأن هذا صراط الله، وأن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض، وأنه سجل ذلك كله في كتاب، مما يدل على إحاطة علمه بكل شئ، حتى قبل وجوده، إن الله الذي يعلم هذا هو الذي شرع هذا، فليس الأمر كما يزعمون. إن ما يربي التقوى أغلى في ميزان الله من كل ماديات الدنيا، فمن نظر إلى المسألة بغير هذا المنظار، فهو منكوس القلب. إذا اتضح هذا فلنلاحظ: إن الكلام عن المناسك جاء بعد التذكير بالنعم،
стр. 3404
فكأن هذا يشير إلى أن الذبح هو جزء مما ينبغي أن يفعله العباد ليشكروا نعمة الله، وإذا كان هذا سينازع فيه فقد ذكر الله في هذا المقام ما يقطع النزاع، وذكره في سياق المقطع الذي يري فيه الداعية أن موضوع الذبح الذي مكانه في شريعة الله عظيم ومكانه في العبادة والتقوى عظيم يحتاج إلى عودة إليه، ومن ثم عاد السياق إليه بعد ما ذكر في المقطع السابق، هناك ذكرت مكانة الذبح في قضية التقوى، وهاهنا يذكر الله عنه أنه شريعته المستمرة، وكيف ينبغي أن يكون الموقف ممن ينازع فيه بشكل مباشر، فالآيات الأخيرة إذن وضعت الأمر في نصابه في قضية سينازع فيها، وهي مرتبطة في العبادة والتقوى.
ولنتابع تفسير المجموعة الرابعة: فمع كل الآيات، ومع كل النعم، ومع كل الحجج، فإن الكافرين يصرون على كفرهم وشركهم
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً أي حجة وبرهانا وَما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ بل هم يعبدونها بمحض الجهل، إنهم لم يتمسكوا في عبادتهم لها ببرهان سماوي من جهة الوحي، ولا حملهم عليها دليل عقلي، وهذا غاية الظلم أن يعبدوا غير الله بلا دليل من العقل ولا من النقل، ومن ثم توعدهم بقوله وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ أي وما للذين
ارتكبوا مثل هذا الظلم من أحد ينصرهم ويصوب مذهبهم
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا أي القرآن بَيِّناتٍ أي واضحات، وفيها الحجج والدلائل على توحيد الله ووجوب عبادته وتقواه تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ أي الإنكار بالعبوس والكراهة يَكادُونَ يَسْطُونَ أي يبطشون بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا أي بالرسول ﷺ وأصحابه، وذلك دأب الكافرين مع الدعاة في كل زمان ومكان قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ أي من غيظكم على التالين وسطوكم عليهم، أو مما أصابكم من الكراهة والضجر بسبب ما تلي عليكم النَّارُ كأن قائلا قال: ما هو؟ فجاء الجواب: هو النار وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا أي وعد الله النار أن يعطيها الكافرين وَبِئْسَ الْمَصِيرُ أي وبئس النار مقيلا ومنزلا ومرحبا وموئلا ومقاما، وبهذا انتهى المقطع.
كلمة في السياق:
لاحظ أن بداية المقطع هي قوله تعالى قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ وأن نهايته هي قوله تعالى: قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ
стр. 3405
كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ وما بين القولين كان المقطع: الذي فيه إنذار وتبشير، والذي فيه عرض لسنن، وإقامة حجة على شرائع، وإنكار على شرك، وكلها معان تخدم قضية العبادة والتقوى، والآيات الأخيرة حذرت من الشرك ودلت على خلق من أخلاق أهله إذا أنذروا، وفي ذلك تحذير للمسلمين العابدين المتقين أن يكون موقفهم ممن يذكرهم يشبه مثل هذا الموقف، إن المقطع فيه الإنذار الذي يبعث على التقوى، وفيه التبشير الذي يهيج على التقوى وفيه التعريف على الله، وهو تعريف يستجيش العواطف نحو عبادته تعالى، وفيه التذكير بنعم الله، وهو تذكير يستجيش مشاعر التقوى، وفيه التعريف على أخلاق للكافرين، ومواقف لهم تتعارض مع العبادة والتقوى، وفيه تربية للداعية وتوجيه له وتعليم، والملاحظ أن الآية قبل الأخيرة هي: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ...... ولذلك صلته بمحور السورة الذي هو قوله تعالى يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ لقد بين الله في هذا المقطع ما يلزم لإقامة العبادة والتقوى، ولكن مع هذا كله يوجد من يعبد غيره بلا دليل من العقل، ولا من النقل، ومع أنهم كذلك فإنهم يكادون يسطون بالذين يدعونهم إلى ما يقوم عليه دليل العقل والنقل. وفي المقطع شئ آخر له علاقة في السياق: عند ما قال الله في سورة البقرة يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أتبع ذلك بتعريفنا عليه فقال الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ وفي هذا المقطع ذكرنا الله بكل هذه الحقائق الواردة هناك:
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ* لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ* أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ. مما يدل على أن ذكر الآيات هنا يخدم سياق الأمر بالعبادة والتقوى، كما أن تلك الآيات تخدم ذلك، ومما يدل على أن هذا المقطع يصب على الشئ نفسه الذي تصب عليه السورة كلها (التقوى). وقد آن الأوان لنذكر بأخطر قضية نواجهها في عصرنا قضية منع الناس من الحج من قبل الحكومات الظالمة، فلقد رأينا في هذا المقطع أنه بعد الآيات التي لفتت النظر إلى نعم الله جاء قوله تعالى: لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ ....... وهذا أفاد ما أفاد مما
стр. 3406
ذكرناه من قبل، والآن نقول: إن أخطر ما يحاول الكافرون في عصرنا القضاء عليه هو الحج، وقد ذكرنا أدلة ذلك في مقدمة كتابنا (جند الله ثقافة وأخلاقا) لأن الحج هو الذي يثير كل مشاعر الوحدة عند المسلمين، ويزيل كل مشاعر الفرقة بينهم، وقد درجت حكومات في العالم الإسلامي وفي غيره أن تمنع المسلمين من الحج بكل وسيلة، وبكل حجة، ومنها الحجج الاقتصادية الباردة، فتجد هذه الحكومات الفاجرة تنفق قطعها النادر على التجسس على شعوبها، أو تبذره في كل طريق كافر، ومع ذلك تمنع المسلم إذا أراد أن يحج بحجة أنه سينفق مالا خارج قطره، وكأنه ينفق في أرض غريبة، وهذا يدخل في قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ ........ وقد آن الأوان أن ننقل ما نريد نقله من فوائد لها صلة بهذا المقطع:
الفوائد:
١ - عند قوله تعالى وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ يذكر المفسرون قصة الغرانيق، ثم يحاولون تعليلها أو توجيهها، مع أن المحدثين يردونها من أساسها، حتى ألف بعضهم رسائل مستقلة في إبطالها، ومن ثم فإننا لن نذكرها، ولن نتكلف للرد عليها ما دام أصلها غير ثابت، ولعلنا نتعرض لها في كتاب (الأساس في السنة) ولعل من جملة ما جعل للقصة رواجا هو عجز بعض المفسرين عن فهم الآيات، فرأوا في القصة توجيها سهلا للآيات فساروا عليه.
٢ - وبمناسبة قوله تعالى وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ قال النسفي: (هذا دليل بين على ثبوت التغاير بين الرسول والنبي بخلاف ما يقول البعض إنهما واحد وسئل النبي ﷺ عن الأنبياء فقال «مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا» فقيل: فكم الرسل منهم؟ فقال: «ثلاثمائة وثلاثة عشر» والفرق بينهما أن الرسول من- جمع إلى المعجزة- الكتاب المنزل عليه، والنبي من لم ينزل عليه كتاب، وإنما أمر أن يدعو إلى شريعة من قبله، وقيل الرسول واضع شرع والنبي حافظ شرع غيره).
٣ - نلاحظ من قوله تعالى: لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ أن إلقاء الشيطان ونفاذ أمره يحتاجان إلى مناخ ملائم، والمناخ الملائم لإلقاء الشيطان هو مرض القلب وقسوته، وقد حمل بعض المفسرين كلمة:
وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ على الكفار، وليس لهم دليل على ذلك لأن قسوة القلب مرض
стр. 3407
قد يصيب المؤمنين، والدرس الذي نستفيده من الآيات هو أن ما دام هناك قسوة قلب، ومرض قلب، فللشيطان سبيل إلى فتنة الإنسان، ومن ثم فإن أول ما ينبغي أن يعالجه المربون هو مرض القلب وقسوته، ومرض القلب النفاق، وقسوة القلب مرض غير النفاق، ولا يتخلص الإنسان من النفاق وقسوة القلب إلا ببذل جهد ذاتي لذلك، فمهما كان المربي قويا إذا لم تواته همة المريد فلا فائدة، ومن ثم فإن على المسلم أن يبتعد عن كل شئ يقسي القلب .. ككثرة الكلام الذي لا فائدة منه «لا تكثر الكلام بغير ذكر الله فإن الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب، وأبعد القلوب من الله القلب القاسي وككثرة الضحك فإنها تميت القلب، وكمجالسة أهل الدنيا بلا ضرورة، ولا بد للمسلم أن يبتعد عن كل أسباب النفاق من محبة الظالمين وموالاتهم، ومودتهم، وطاعتهم ..
٤ - بمناسبة قوله تعالى: وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ* لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ. قال ابن كثير: (فأما من قتل في سبيل الله من مهاجر أو غير مهاجر فإنه حي عند ربه يرزق كما قال تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (آل عمران: ١٦٩) والأحاديث في هذا كثيرة كما تقدم، وأما من توفي في سبيل الله من مهاجر أو غير مهاجر فقد تضمنت هذه الآية الكريمة مع الأحاديث الصحيحة إجراء الرزق وعظم إحسان الله إليه، روى ابن أبي حاتم عن شرحبيل بن السمط أنه قال: طال رباطنا وإقامتنا على حصن بأرض الروم، فمر بي سلمان- يعني الفارسي- ﵁، فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«من مات مرابطا أجرى الله عليه مثل ذلك الأجر، وأجرى عليه الرزق وأمن من الفتانين» واقرءوا إن شئتم وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ* لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ وروى أيضا عن همام أنه سمع أبا قبيل وربيعة بن سيف المعافري يقولان: كنا برودس ومعنا فضالة بن عبيد الأنصاري- صاحب رسول الله ﷺ فمر بجنازتين إحداهما قتيل والأخرى متوفى فمال الناس على القتيل فقال فضاله: ما لي أرى الناس مالوا على هذا وتركوا هذا؟ فقالوا: هذا القتيل في سبيل الله، فقال: والله ما أبالي من أي حفرتيهما بعثت اسمعوا كتاب الله وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا حتى بلغ آخر الآية).
стр. 3408
٥ - نلاحظ أن هناك ثمانية آيات من قوله تعالى وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا .... إلى قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ وفي سبع آيات منها ورد في كل منها اسمان من أسماء الله الحسنى، وقد نقل النسفي عن أبي حنيفة ﵀: أن اسم الله الأعظم في الآيات الثمانية لذلك يستجاب لقرائها.
٦ - عند قوله تعالى أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ قال ابن كثير: (يخبر تعالى عن كمال علمه بخلقه، وأنه محيط بما في السموات وما في الأرض فلا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، وأنه تعالى علم الكائنات كلها قبل وجودها، وكتب ذلك في كتابه اللوح المحفوظ، كما ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله ﷺ : «إن الله قدر مقادير الخلائق قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء» وفي السنن من حديث جماعة من الصحابة أن رسول الله ﷺ قال: «أول ما خلق الله القلم قال له اكتب، قال وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة».
أقول: إن قوله قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء يشير إلى أن العرش والماء كانا موجودين، ولا يفهمن فاهم أن هذا التقدير مستأنف، فالله علم أزلا وقضى وقدر ولكن الإبراز الأول إلى اللوح المحفوظ كان قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة ولنلاحظ أن الرقم (خمسين ألف سنة) هو يوم من أيام ربنا كما قال تعالى في سورة المعارج تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ فالله ذكر يوما عنده كألف مما نعد، وذكر يوما عنده مقداره خمسون ألف سنة، وكما قلنا من قبل فإن مثل هذه الأرقام في القرآن عن الأيام لا يدرك مدى الإعجاز في ذكرها إلا الإنسان المعاصر، الذي صار يقيس دورات المجرات بالسنين الضوئية، وأبعاد ما بين النجوم بمثل هذا، ويعرف أن أياما في غير هذه الأرض تزيد كثيرا على يوم الأرض.
٧ - ونحب قبل أن ننتقل عن هذا المقطع أن نؤكد على معنى هو أنه في هذا المقطع الذي هو أمر لرسول الله ﷺ بالإنذار قد عرض الله علينا سنتين: واحدة في قوله تعالى وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ ...... والثانية في قوله تعالى ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ
стр. 3409
عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ والذي أحب أن أؤكده هنا أن هاتين السنتين ينبغي أن يكونا على بال الداعية إلى الله في كل لحظة، وعليه أن يبقى ذاكرا ما يلي:
١ - أن الشيطان لن يترك المدعوين بلا إلقاء، وأن مظنة الاستجابة له مرضى القلوب وقساتها، وأن أهل العلم وحدهم بمنجاة من إلقاءاته فليحرص الداعية إذن على تطهير القلب وتعميم العلم.
٢ - أن عملية الإلقاء من الشيطان والاستجابة لها يترتب عليها موقف ضد الداعية، فإذا قابل الداعية الموقف بمثله فلا حرج عليه، وإن ظلم فإن الله ناصره، إن هاتين القاعدتين ما لم تكونا على ذكر دائم لدى الداعية فإنه يأسى كثيرا.
ولننتقل إلى المقطع الرابع ولنقدم له بكلمة حول السياق:
محور سورة الحج هو قوله تعالى يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ وقد بدأت سورة الحج بالامر بالتقوى، وربت عليها، وذكرت
الصوارف عنها، ثم أمرت الرسول ﷺ بالإنذار في المقطع الثالث الذي ورد في خواتيمه قوله تعالى وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وها هو المقطع الأخير يأتي مفندا عبادة غير الله، آمرا بعبادة الله، مفصلا في ذلك، أن نقطة البداية في التقوى عبادة الله، ومن ثم يأتي هذا المقطع ليهدم في الآية الأولى منه عبادة غير الله، ولما كان المستفيدون الوحيدون من الخطاب هم المؤمنين من الناس، فإن المقطع في نهايته يتوجه إلى المؤمنين آمرا إياهم بصنوف من العبادة توصل إلى التقوى، إن الآية التي هي محور سورة الحج من سورة البقرة أمرت بالعبادة للوصول إلى التقوى، وسورة الحج ابتدأت بالأمر بالتقوى، وختمت بالأوامر بالعبادة؛ إذ هي الطريق العملي لتحقيق التقوى، فكانت آخر ما يقرؤه الإنسان في السورة.
***
стр. 3410
المقطع الرابع
ويمتد من الآية (٧٣) إلى نهاية الآية (٧٨) أي إلى نهاية السورة وهذا هو:
[سورة الحج (٢٢): الآيات ٧٣ الى ٧٨]
يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٧٤) اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٧٦) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)
وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)
التفسير:
يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ أي لهذا المثل أي فأنصتوا له وتفهموه قال النسفي: لما كانت دعواهم بأن لله تعالى شريكا جارية في الغرابة والشهرة مجرى الأمثال المسيرة قال الله تعالى يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ بين فَاسْتَمِعُوا لَهُ أي
стр. 3411
لضرب هذا المثل إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ آلهة باطلة لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ أي لخلق الذباب، دل على أن خلق الذباب منهم مستحيل، وتخصيص الذباب بالذكر لمهانته وضعفه واستقذاره، أي لو اجتمع جميع ما تعبدون من الأصنام والأنداد على أن يقدروا على خلق ذبابة واحدة ما قدروا على ذلك وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ أي هذا الخلق الأذل لو اختطف منهم شيئا فاجتمعوا على أن يستخلصوه منه لم يقدروا، وبهذا تم المثل، فهم عاجزون عن خلق ذبابة واحدة، بل أبلغ من ذلك إن هذه الآلهة عاجزة عن مقاومة الذباب، والانتصار منه، حتى لو سلبها الذباب شيئا مما عليها ثم أرادت أن تستنقذه منه لما قدرت على ذلك هذا والذباب من أضعف مخلوقات الله وأحقرها ضَعُفَ الطَّالِبُ أي الصنم أو الإله المزعوم يطلب ما سلب منه وَالْمَطْلُوبُ أي الذباب بما سلب، وهذا كالتسوية بينهم وبين الذباب في الضعف، ولو حققت وجدت الطالب أضعف وأضعف، فإن الذباب غالب، وذاك مغلوب، فكيف يعبد من هذا شأنه، ولنا عودة على هذا الموضوع في الفوائد
ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ أي ما عرفوه حق معرفته، حيث جعلوا هذا الصنم الضعيف أو غيره من الآلهة المزعومة شريكا له قال ابن كثير: أي ما عرفوا قدرة الله وعظمته، حين عبدوا معه غيره من هذه التي لا تقاوم الذباب لضعفها وعجزها إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ أي إن الله قادر وغالب، فكيف يتخذ العاجز المغلوب شبيها به. أو لقوي ينصر أولياءه، عزيز ينتقم من أعدائه، أو هو القوي الذي بقدرته وقوته خلق كل شئ، العزيز الذي قد عز كل شئ فقهره وغلبه، فلا يمانع ولا يغالب لعظمته وسلطانه، وهو الواحد القهار،
وبعد أن أبطل الله ألوهية غيره وأبطل عبادة غيره قال تعالى اللَّهُ يَصْطَفِي أي يختار مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا كجبريل وميكائيل وإسرافيل وغيرهم وَمِنَ النَّاسِ أي يصطفي رسلا كإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لقولهم بَصِيرٌ بمن يختاره لرسالته، أو سميع لأقوال الرسل فيما تقبله العقول، بصير بأحوال الأمم في الرد والقبول
يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ أي ما أمام الرسل وَما خَلْفَهُمْ أي ما وراءهم أو ما عملوه وما سيعملونه وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ إليه مرجع الأمور كلها، دنيوية وأخروية، إن ذكر اصطفاء الله الرسل بعد أن أبطل ألوهية غيره وعبادة غيره فيه إشارة إلى أن الطريق الوحيد لمعرفته وعبادته وتقواه هو اتباع الرسل، ومن ثم فبعد أن قرر اصطفاءه الرسل توجه بالنداء إلى أهل الإيمان الذين آمنوا بالله ورسله،
стр. 3412
ليأمرهم بعبادة الله وحده، مطالبا إياهم بأنواع من العبادة، وقبل أن نستعرض هذه الأوامر نحب أن نلفت النظر إلى قضية في السياق تكاد تكون معجزة:
كلمة مهمة حول السياق القرآني العام:
في سورة البقرة يأتي قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ* الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ
السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ* وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ* وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ.
ثم بعد ذلك جاء قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها هذا المثل الذي أشار الله إليه هناك هو المثل الذي ضربه الله في أواخر سورة الحج، فما الحكمة في الإشارة المتقدمة إليه وتأخير ذكره إلى سورة الحج؟ أقول في تعليل ذلك- وأستغفر الله- إن سورة الحج كلها مستكنة في قوله تعالى يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ لأن سورة الحج كلها تفصيل لها فعند ما يأتي في سورة البقرة إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ... بعد قوله يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ... فما ذلك إلا لاستكنان سورة الحج قبل ذلك، ومن ثم فكأن سورة الحج سابقة حكما للآية إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا إن منزل هذا القرآن المحيط بكل شئ جعل في كتابه من أسرار الإعجاز ومن تشابك الصلات بين سوره وآياته ما به يعرف أن هذا لا يمكن أن يكون إلا إذا كان منزل هذا القرآن هو الله رب العالمين، الذي أحاط بكل شئ علما.
بين يدي خاتمة السورة:
رأينا أن محور سورة الحج هو قوله تعالى يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ وقد سارت السورة مفصلة نوع تفصيل لمعاني
стр. 3413
العبادة والتقوى، والمقطع الذي بين أيدينا أبطل عبادة غير الله، وها هو السياق الآن يتوجه إلى المؤمنين ليطالبهم بأنواع من العبادة، كلها ضروري للتحقق بالتقوى فلنر ذلك.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا أي في صلاتكم وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ بطاعته في كل ما أمر وَافْعَلُوا الْخَيْرَ كله قال النسفي: (قيل: لما كان للذكر مزية على غيره من الطاعات، دعا المؤمنين أولا إلى الصلاة التي هي ذكر خالص، لقوله تعالى وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي (طه: ١٤) ثم إلى العبادة بغير الصلاة كالصوم والحج وغيرهما، ثم عم بالحث على سائر الخيرات، وقيل أريد به (أي بالخير) صلة الأرحام ومكارم الأخلاق) لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ أي كي تفوزوا أو افعلوا هذا كله وأنتم راجون للفلاح، غير مستيقنين، ولا تتكلوا على أعمالكم
وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ أي وجاهدوا في ذات الله، ومن أجله، حق جهاده قال ابن كثير:
أي بأموالكم وألسنتكم وأنفسكم. وقال النسفي في تفسير الجهاد حق الجهاد:
(وهو ألا يخاف في الله لومة لائم) هُوَ اجْتَباكُمْ أي اختاركم لدينه ونصرته قال ابن كثير: (أي يا هذه الأمة الله اصطفاكم واختاركم على سائر الأمم وفضلكم وشرفكم وخصكم بأكرم رسول وأكمل شرع) وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ أي من ضيق بل رخص لكم في جميع ما كلفكم، من الطهارة والصلاة والحج والصوم، بالتيمم وبالإيماء، وبالقصر، والإفطار لعذر السفر، والمرض، وعدم الزاد والراحلة مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ أي اتبعوا ملة أبيكم إبراهيم، أو أعني بالدين ملة إبراهيم ﵇. قال النسفي: (وسماه أبا- وإن لم يكن أبا للأمة كلها- لأنه أبو رسول الله ﷺ ، فكان أبا لأمته، لأن أمة الرسول في حكم أولاده قال ﵊:
«إنما أنا لكم مثل الوالد») هُوَ أي الله سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ في الكتب المتقدمة وَفِي هذا أي في القرآن أي فضلكم على سائر الأمم وسماكم بهذا الاسم الأكرم لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ أنه قد بلغكم رسالة ربكم وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ بتبليغ الرسل رسالات الله إليهم والمعنى: إنما جعلناكم هكذا أمة وسطا عدولا خيارا مشهودا بعدالتكم عند جميع الأمم؛ لتكونوا يوم القيامة شهداء على الناس، لأن جميع الأمم معترفة يومئذ بسيادتكم وفضلكم على كل أمة سواكم، فلهذا تقبل شهادتكم عليهم يوم القيامة، في أن الرسل بلغتهم رسالة ربهم، والرسول صلى الله عليه وسلم
стр. 3414
يشهد عليكم أنه بلغكم ذلك فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ بواجباتها وَآتُوا الزَّكاةَ بشرائطها أي إذ خصكم بهذه الكرامة، والأثرة فصلوا وزكوا قال ابن كثير: (أي قابلوا هذه النعمة العظيمة بالقيام بشكرها، فأدوا حق الله عليكم في أداء ما افترض، وطاعة ما أوجب، وترك ما حرم، ومن أهم ذلك إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وهو الإحسان إلى خلق الله بما أوجب للفقير على الغني، من إخراج جزء نزر من ماله في السنة للضعفاء والمحاويج ... ) وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ قال ابن كثير: (أي اعتضدوا بالله واستعينوا به وتوكلوا عليه، وتأيدوا به). وقال النسفي: (وثقوا بالله وتوكلوا عليه لا بالصلاة والزكاة) هُوَ مَوْلاكُمْ أي مالككم وناصركم، ومتولي أموركم وحافظكم، ومظفركم على أعدائكم فَنِعْمَ الْمَوْلى أي نعم الولي وَنِعْمَ النَّصِيرُ أي ونعم الناصر من الأعداء، وقد أفلح من كان الله مولاه وناصره.
كلمة في السياق:
في هاتين الآيتين الأخيرتين ذكر الله مجموعة أوامر كلها تعتبر أجزاء في التقوى، الركوع، والسجود، والعبادة، وفعل الخير، والجهاد والصلاة، والزكاة، والاعتصام بالله، والدليل على أنها من التقوى قوله تعالى وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إن الله قال في أول سورة البقرة بعد أن وصف المتقين أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وفي نهاية الآيات قال تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ وفي هذه الخاتمة ما يشير إلى أن العبادة والتقوى ليست خسارة كما يزعم الكافرون والمنافقون والفاسقون، بل هي الربح كله؛ لأن الله ﷻ سيتولى وينصر.
فوائد حول المقطع الرابع:
١ - إن المثل الذي ضربه الله على عجز الآلهة المزعومة ينطبق على أصنام قريش وغيرها، كما ينطبق على أي نوع من أنواع الآلهة المزعومة، كما ينطبق على الطبيعة ككل، وهي الإله المزعوم في هذا العصر، إذ يعطيها الملحدون كل خصائص الألوهية، فكأن العقل البشري المشرك لم يخرج من الوثنية إلا في حدود، فالمشرك الأول كان يعبد جزءا من مظاهر الطبيعة، والمشرك المثقف صار يعبد الطبيعة كلها، وسواء كان الإله المزعوم صنما، أو طبيعة، فإنه عند ما يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذونه منه، لأنه في
стр. 3415
اللحظة التي يأخذ الذباب منهم شيئا يحدث تغير كلي لهذا الشئ يخرجه عن مادته الأساسية، ولذلك فإنه يستحيل بأي طريقة أن يسترجع عين الشئ الذي أخذه الذباب، وهم إذا كانوا عاجزين عن استنقاذ شئ سلبه الذباب، فمن باب أولى أن يكونوا عاجزين عن خلق ذباب، بل عن خلق أقل من ذباب، وفي كتابنا (الله ﷻ تحدثنا في ظاهرة الحياة عن تجارب البشرية في حقل صنع ذرة حياة، وعن عجزها عن ذلك، وكيف أن ظاهرة الحياة تدلنا من وجوه عديدة على الله، بما لا يقبل جدلا، وهذا المثل في القرآن الكريم هو الحجة الكاملة على أنه لا إله إلا الله.
٢ - هل في آخر سورة الحج عند قوله تعالى ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا سجدة أو لا؟ قال ابن كثير: (اختلف الأئمة ﵏ في هذه السجدة الثانية من سورة الحج، هل هو مشروع السجود فيها أم لا؟ على قولين وقد قدمنا عند الأولى حديث عقبة بن عامر عن النبي ﷺ «فضلت سورة الحج بسجدتين فمن لم يسجدهما فلا يقرأهما»).
٣ - عند قوله تعالى وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ قال ابن كثير:
(أي ما كلفكم ما لا تطيقون، وما ألزمكم بشيء يشق عليكم إلا جعل الله لكم فرجا ومخرجا، فالصلاة التي هي أكبر أركان الإسلام- بعد الشهادتين- تجب في الحضر أربعا، وفي السفر تقصر إلى اثنتين، وفي الخوف يصليها بعض الأئمة ركعة، كما ورد به الحديث وتصلى رجالا وركبانا، مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، وكذا في النافلة في السفر إلى القبلة وغيرها. والقيام فيها يسقط لعذر المرض، فيصليها المريض جالسا، فإن لم يستطيع فعلى جنبه، إلى غير ذلك من الرخص والتخفيفات في سائر الفرائض والواجبات، ولهذا قال ﵊ «بعثت بالحنيفية السمحة» وقال لمعاذ وأبي موسى حين بعثهما أميرين إلى اليمن «بشرا ولا تنفرا ويسرا ولا تعسرا»).
٤ - يظن بعضهم أن المراد بالضمير في قوله تعالى هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ إبراهيم ﵇ قال ابن جرير: وهذا لا وجه له؛ لأنه من المعلوم أن إبراهيم لم يسم هذه الأمة في القرآن مسلمين. وقال ابن كثير: وهذا هو الصواب لأنه تعالى قال هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ وبمناسبة هذا القول قال ابن كثير: ثم ذكر منته تعالى على هذه الأمة بما نوه به من ذكرها، والثناء عليها في سالف الدهر، وقديم الزمان في كتب الأنبياء، يتلى على الأحبار والرهبان فقال هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ
стр. 3416
مِنْ قَبْلُ أي من قبل القرآن وَفِي هذا روى النسائي عن الحارث الأشعري عن رسول الله ﷺ قال: «من دعا بدعوى الجاهلية فإنه من جثي جهنم» قال رجل يا رسول الله وإن صام وصلى؟ قال: نعم وإن صام وصلى، فادعوا بدعوة الله التي سماكم بها، المسلمين المؤمنين عباد الله».
كلمة في سورة الحج:
جاء أول تعريف للمتقين في أول سورة البقرة الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ* وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ* أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ* وبعد هذا التعريف في سورة البقرة تأتي آيتان في الكافرين، وثلاث عشرة آية في المنافقين، ثم يأتي النداء للناس جميعا كي يكونوا من المتقين: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ وسورة الحج تفصل هذه الآية، فهي تخدم قضية سير الإنسان نحو التقوى، إن بتبيان ضرورتها، أو بإبعاد الصوارف عنها، أو بتبيان عوارض الطريق، أو بالدلالة على معان في التقوى، أو بتحديد قضايا تساعد على الوصول إلى التقوى، وكل ذلك قد رأيناه، ومن تعريف المتقين الموجود في أول سورة البقرة نرى أن أركان التقوى هي:
الإيمان بالغيب، وإقامة الصلاة، والإنفاق، وأن علامتها الاهتداء بكتاب الله، ونحن نعلم أن أركان الإسلام خمسة، منها الصوم والحج، وفي سورة البقرة حديث عن الصوم، وعن الحج، والحديث عن الصوم في سورة البقرة يبدأ بقوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ فالحديث في سورة البقرة عن الصوم يحدد أن الصوم وسيلة للتقوى، ونرى في البقرة أمرا بالحج، وحديثا عنه وعن بعض شعائره وحكمه، ولكنا لا نجد تفصيلا واسعا حول دور الحج وشعائره في موضوع التقوى، وهذا الذي نراه في سورة الحج.
وقد رأينا في سورة الأنبياء تعريفا للمتقين هو: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (الآيتان ٤٨، ٤٩) وهو في الحقيقة يشبه تعريف سورة البقرة، إلا أنه يبرز معنى مستكنا في قوله تعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ فالإيمان بالغيب يقتضي خشية من الله، وإشفاقا من الساعة، ومن ثم نلاحظ أن سورة الحج فصلت في مثل
стр. 3417
هذه المعاني الكثيرة فهي دلت على طريق التقوى، وفصلت في ماهية التقوى وعلاماتها وآثارها.
وفي عملية تفصيل قضية التقوى، وتحديد مشاعر المتقين، وبعض شعائرهم، عرضت السورة لقضية مهمة وهي وحدة المتقين، ووحدة هدفهم، وضرورة سيرهم في طريق الصراع مع الكفر، فالنصر الرباني موعود به المتقون؛ إذا تحققوا بمواصفات خاصة، هذه المواصفات ضرورية كيلا تفسد الأرض، فمن طلب النصر الرباني بدون تحقيق الشروط في نفسه من المسلمين، أو عجب من عدم نزول النصر دون بذل وعطاء، وتحقق وفداء، وعمل مشترك مستقيم، فإنما هو من الجاهلين، ومن ارتد استبطاء للنصر فإنه من الكافرين، وهذا كله عرض في السورة.
ولما كانت نقطة البداية في السير نحو التقوى هي عبادة الله، ولما كانت نقطة الانحراف الكبرى هي عبادة غير الله، فقد ختمت السورة في تفنيد عبادة غير الله، كما ختمت بتحديد مجموعة الأمور التي هي من التقوى، أو من الطريق الموصل إليها، أو من المعاني التي تبعث على السير، إن شعور المسلم بالاعتزاز- إذ يصطفيه الله، وإذ يعطيه اسمه- يبعث على السير والأمر بالركوع والسجود والعبادة، وفعل الخير والجهاد الشامل المخلص، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والاعتصام بالله، كلها قضايا من التقوى، وهي وسائل إليها كذلك، وأجزاء منها في كل حال.
وهاهنا نحب أن نسجل شيئا: إن آية يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ قد فصلتها سورة النساء بشكل، وفصلت قسما منها سورة هود بشكل، وفصلتها سورة الحج بشكل، وسنرى أن سورا كثيرة قادمة ستفصلها بشكل وبآخر؛ مما يدل على أن محل هذه المعاني من الضخامة في الإسلام إلى الحد الذي لا يستقصى، وسنرى أن بعض آيات في سورة البقرة تفصل باستمرار، وبكل قسم تقريبا، مما يشير إلى أهمية التذكير المستمر بهذه المعاني بالنسبة لدين الله وبالنسبة لنفس الإنسان.
ولا يخطرن ببال أحد أن المعنى إذا لم يتكرر فإنه يكون فاقد الأهمية، أو قليلها، فهذا كفر، إن المسألة على الشكل التالي: إن هناك معنى تحتاج النفس البشرية أن تذكر فيه ليل نهار، وأن يعرض عليها بأشكال شتى فمثل هذا تجده يتكرر بشكل ثم بآخر،
стр. 3418
وبجرس ثم بجرس، وبحجم ثم بحجم، وبطريقة ثم بطريقة عرض أخرى، ثم وثم مما لا ينقضي العجب فيه.
ونحب هنا أن نلاحظ أنه في سورة البقرة كان الأمر بالعبادة للوصول إلى التقوى مرفقا بالتعريف على الله: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ* الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ونلاحظ أن سورة الحج كان فيها تفصيل لهذه المعاني فلقد ركزت سورة الحج على معرفة الله كثيرا وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ ... وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ... أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً ......
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ .............
***
стр. 3419
سورة المؤمنون
وهي السورة الثالثة والعشرون بحسب الرسم القرآني وهي السورة الرابعة من المجموعة الثالثة من قسم المئين، وآياتها مائة وثماني عشرة آية وهي مكية
стр. 3420
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم
стр. 3421
[قال الألوسي في تقديمه لسورة المؤمنون]
قال الألوسي في تقديمه لسورة المؤمنون (مكية كما أخرج ابن مردويه عن ابن عباس ﵄، وفي البحر هي مكية بلا خلاف، واستثنى منها- كما في الإتقان- قوله تعالى حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ إلى قوله سبحانه مُبْلِسُونَ واستشكل الحكم على ما عداه بكونه مكيا لما فيه من ذكر الزكاة، وهي إنما فرضت بالمدينة، وأجيب بأنه بعد تسليم أن ما ذكر فيه يدل على فرضيتها يقال: إن الزكاة كانت واجبة بمكة، والمفروض بالمدينة ذات النصب، وستسمع تمام الكلام في ذلك إن شاء الله تعالى، وهي كما في (كتاب العدد) للداني (ومجمع البيان) للطبرسي مائة وثمان عشرة آية في الكوفي، ومائة وسبع عشرة آية في الباقي، وقد مدح النبي ﷺ العشر الأول منها، فقد أخرج أحمد، والترمذي، والنسائي، والحاكم وصححه، والضياء في المختارة وغيرهم عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: (كان إذا نزل على رسول الله ﷺ الوحي نسمع عند وجهه كدوي النحل، فأنزل عليه يوما، فمكثنا ساعة، فسرى عنه، فاستقبل القبلة، فرفع يديه فقال: «اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنا، واعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وارض عنا وأرضنا» ثم قال: «لقد أنزلت علي عشر آيات من أقامهن دخل الجنة ثم قرأ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ حتى ختم العشر) ومناسبتها لآخر السور قبلها ظاهرة لأنه تعالى خاطب المؤمنين بقوله سبحانه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا الآية وفيها لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ فناسب أن يحقق ذلك فقال عز قائلا: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ.
[قال صاحب الظلال في تقديمه لسورة (المؤمنون)]
وقال صاحب الظلال في تقديمه لسورة (المؤمنون):
(هذه سورة «المؤمنون» ... اسمها يدل عليها. ويحدد موضوعها .. فهي تبدأ بصفة المؤمنين، ثم يستطرد السياق فيها إلى دلائل الإيمان في الأنفس والآفاق. ثم إلى حقيقة الإيمان كما عرضها رسل الله- صلوات الله عليهم- من لدن نوح- ﵇ إلى محمد خاتم الرسل والنبيين؛ وشبهات المكذبين حول هذه الحقيقة واعتراضاتهم عليها، ووقوفهم في وجهها، حتى يستنصر الرسل بربهم، فيهلك المكذبين، وينجي المؤمنين ...... ثم يستطرد إلى اختلاف الناس- بعد الرسل- في تلك الحقيقة الواحدة التي لا تتعدد .. ومن هنا يتحدث عن موقف المشركين من الرسول- ﷺ ويستنكر هذا الموقف الذي ليس له مبرر .. وتنتهي السورة بمشهد من مشاهدة القيامة يلقون فيه عاقبة التكذيب، ويؤنبون على ذلك الموقف المريب، يختم
стр. 3422
بتعقيب يقرر التوحيد المطلق والتوجه إلى الله بطلب الرحمة والغفران، فهي سورة «المؤمنون» أو هي سورة الإيمان، بكل قضاياه ودلائله وصفاته. وهو موضوع السورة ومحورها الأصيل.
جو السورة كلها هو جو البيان والتقرير، وجو الجدل الهادئ، والمنطق الوجداني، واللمسات الموحية للفكر والضمير. والظل الذي يغلب عليها هو الظل الذي يلقيه موضوعها .. الإيمان ... ففي مطلعها مشهد الخشوع في الصلاة: الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ. وفي صفات المؤمنين في وسطها: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ .. وفي اللمسات الوجدانية: وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ وكلها مظللة بذلك الظل الإيماني اللطيف).
كلمة في سورة المؤمنون ومحورها:
عند ما تقرأ بداية سورة المؤمنون قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ* الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ ..... وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ ... وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ. تجد أن بين ذلك صلة وبين قوله تعالى في سورة البقرة وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ* إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ* الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ وعند ما تقرأ الآيات من سورة المؤمنون: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ* ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ* ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ* وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ* وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ .... وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً .... وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ إذا قرأنا هذه الآيات نجد أن بينها صلة وبين قوله تعالى في سورة البقرة كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ* هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ
стр. 3423
بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فمجموع هذه الآيات من سورة البقرة هي محور سورة المؤمنون مع ملاحظة أن هذه الآيات آتية في حيز قوله تعالى يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ولذلك فإنك تجد آثار ذلك في السورة:
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ... فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ... فالسورة تفصل في محورها الآتي ضمن حيز محدد، وكما تفصل في المحور فإنها تفصل في امتداداته، لتكون مع ما قبلها مقدمة لسورة النور، التي تفصل محورا في أعماق سورة البقرة.
سنرى أن سورة النور ستتحدث عن أحكام تطالب بها الأمة المسلمة، وستتحدث عن أحكام لها صلة بالنظام الاجتماعي للأمة المسلمة، ولذلك ولغيره فإننا نجد أن سورتي الأنبياء والمؤمنون تحدثتا عن وحدة الأمة الإسلامية خلال العصور: إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ* وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ* فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً إن السورتين تتحدثان عن وحدة الأمة الإسلامية خلال العصور وتنكران موضوع تقطيع أمر الأنبياء والأخذ ببعضه وترك بعضه، كمقدمة لسورة النور التي تفصل في قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً أي في الإسلام جميعا.
*** جاءت سورة طه فتحدثت في سياقها الرئيسي عن الإيمان بالقرآن كجزء من التقوى وجاءت سورة الأنبياء فحذرت من موقف الكافرين من القرآن، مما يتنافى مع التقوى، وجاءت سورة الحج لتحمل بصيغة الإنذار على الطريق إلى التقوى، والآن تأتي سورة المؤمنون لتبشر وتستخرج عواطف الشكر، وتذكر لتؤدي دورها في التحرير من طرق الضلال بالتذكير والتعليم والتربية والتوضيح والتنوير، وكل ذلك مقدمة للمطالبة بكثير من الأحكام الإسلامية التي يقتضي القيام بها الدخول في الإسلام كله كما سنرى في سورة النور إن شاء الله.
***
стр. 3424
[المقطع الاول]
المجموعة الأولى من المقطع الأول
وتمتد من الآية (١) إلى نهاية الآية (١١) وهذه هي مع البسملة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ١ الى ١١]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ (٤)
وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٥) إِلاَّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ (٩)
أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١١)
التفسير:
قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الفلاح: الظفر بالمطلوب، والنجاة من المرهوب قال النسفي: (والإيمان في اللغة: التصديق، والمؤمن المصدق لغة، وفي الشرع: كل من نطق بالشهادتين مواطئا قلبه لسانه فهو مؤمن، والمعنى: أن هؤلاء المؤمنين المتصفين بهذه الصفات قد فازوا بما طلبوا، ونجوا مما هربوا) قال ابن كثير: أي فازوا وسعدوا وحصلوا على الفلاح وهم المؤمنون المتصفون بهذه الأوصاف
الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ أي خائفون في القلب ساكنون في الجوارح
وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ قال ابن كثير: (أي عن الباطل، وهو يشمل الشرك كما قال بعضهم،
стр. 3425
والمعاصي كما قاله آخرون، وما لا فائدة فيه من الأقوال والأفعال) وقال النسفي: اللغو كل كلام ساقط حقه أن يلغى، كالكذب والشتم والهزل، يعني أن لهم من الجد ما شغلهم عن الهزل، ولما وصفهم بالخشوع في الصلاة أتبعه الوصف بالإعراض عن اللغو ليجمع لهم الفعل والترك الشاقين على الأنفس، اللذين هما قاعدتا بناء التكليف، وقال قتادة في اللغو: أتاهم والله من أمر الله ما وقفهم عن ذلك
وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ أي مؤدون قال النسفي: ولفظ (فاعلون) يدل على المداومة بخلاف مؤدون
وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ قال النسفي: الفرج يشمل سوأة الرجل والمرأة
إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ أي إنهم لفروجهم حافظون في جميع الأحوال، إلا في حال تزوجهم، أو تسريهم فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ أي لا لوم عليهم إن لم يحفظوا فروجهم عن نسائهم وإمائهم
فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ. أي فمن طلب قضاء شهوة من غير الأزواج والإماء فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ أي الكاملون في العدوان، والمعنى: والذين قد حفظوا فروجهم من الحرام، فلا يقعون فيما نهاهم الله عنه، من زنا ولواط، لا يقربون سوى أزواجهم التي أحلها الله لهم، أو ما ملكت أيمانهم من السرارى، ومن تعاطى ما أحله الله له، فلا لوم عليه ولا حرج، وأما من طلب وراء ذلك فإنه هو المعتدي
وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ إذا ائتمنوا وَعَهْدِهِمْ إذا عاهدوا أو عاقدوا راعُونَ أي حافظون، إذ الراعي: هو القائم على الشئ بحفظ وإصلاح، كراعي الغنم، والمراد أنهم حافظون لكل ما ائتمنوا عليه، وعوهدوا من جهة الله ، ومن جهة الخلق
وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ أي يداومون عليها في أوقاتها، قال النسفي: (وإعادة ذكر الصلاة لأنها أهم، ولأن الخشوع فيها غير المحافظة عليها، أو لأنها وحدت أولا ليفاد الخشوع في جنس الصلاة، أية صلاة كانت، وجمعت آخرا ليفاد المحافظة على أنواعها من الفرائض والواجبات والسنن والنوافل)
أُولئِكَ أي الجامعون لهذه الأوصاف هُمُ الْوارِثُونَ أي الأحقاء بأن يسموا وراثا دون من عداهم،
ثم ترجم الوارثين بقوله الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هو أعلى الجنان هُمْ فِيها أي في جنة الفردوس خالِدُونَ لا يموتون ولا يتحولون.
стр. 3426
كلمة في السياق:
بدأت هذه السورة وهذه المجموعة بقوله تعالى قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ قال النسفي:
(وقد نقيضة لما، هي (أي قد) تثبت المتوقع، ولما تنفيه، وكان المؤمنون يتوقعون مثل هذه البشارة وهي الإخبار بثبات الفلاح لهم، فخوطبوا بما دل على ثبات ما توقعوه) انظر كلام النسفي هذا الذي فهمه من مطلق اللغة، لترى أن ما فهمناه نحن من خلال السياق صحيح من أن محور هذه الآيات هو قوله تعالى من سورة البقرة:
وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ فالمجموعة فصلت، وبشرت، فصلت أخلاق الإيمان، وبينت أمهات الأعمال الصالحة، وبشرت لمن اجتمع له ذلك بالفردوس، لاحظ صلة قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ بقوله تعالى من المحور وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا* ولاحظ صلة قوله تعالى هُمْ فِيها خالِدُونَ بقوله تعالى هناك وَهُمْ فِيها خالِدُونَ ولاحظ صلة قوله تعالى وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ بقوله تعالى: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ* ولاحظ صلة قوله تعالى عن المؤمنين وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ بقوله تعالى عن الفاسقين: وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ... * ولاحظ صلة قوله تعالى وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ بقوله تعالى عن الكافرين في المحور ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا* ولاحظ صلة الصلاة والزكاة بموضوع الإيمان والعمل الصالح، إن هذه المجموعة من سورة المؤمنون تفصل في ثلاث آيات من محور
السورة في البقرة، وسنرى أن المجموعة اللاحقة تفصل في الآيتين الأخيرتين من المحور، فمحور سورة المؤمنون- كما ذكرنا- هو الآيات الخمس من سورة البقرة المبدوءة بقوله تعالى وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ....
نقول:
قال الألوسي عند قوله تعالى الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ (والخشوع:
التذلل مع خوف، وسكون للجوارح. ولذا قال ابن عباس فيما رواه عنه ابن جرير وغيره (خاشعون): خائفون ساكنون. وعن مجاهد أنه هنا غض البصر، وخفض الجناح، وقال مسلم بن يسار وقتادة: تنكيس الرأس، وعن علي كرم الله تعالى
стр. 3427
وجهه: ترك الالتفات. وقال الضحاك: وضع اليمين على الشمال. وعن أبي الدرداء:
إعظام المقام، وإخلاص المقال، واليقين التام، وجمع الاهتمام، ويتبع ذلك ترك الالتفات، وهو من الشيطان، فقد روى البخاري وأبو داود والنسائي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الالتفات في الصلاة فقال: «هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد». وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة أنه قال في مرضه: أقعدوني أقعدوني، فإن عندي وديعة، أودعنيها رسول الله ﷺ قال:
«لا يلتفت أحدكم في صلاته، فإن كان لا بد فاعلا ففي غير ما افترض الله تعالى عليه».
وترك العبث بثيابه أو شئ من جسده، وإنكار منافاته للخشوع مكابرة، وقد أخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول- لكن بسند ضعيف- عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه رأى رجلا يعبث بلحيته في صلاته فقال: «لو خشع قلب هذا خشعت جوارحه»، وترك رفع البصر إلى السماء وإن كان المصلي أعمى، وقد جاء النهي عنه، فقد أخرج مسلم وأبو داود وابن ماجه عن جابر بن سمرة قال: «قال النبي ﷺ :
لينتهين أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة أو لا ترجع إليهم» وكان قبل نزول الآية غير منهي عنه فقد أخرج الحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن محمد ابن سيرين عن أبي هريرة أن النبي ﷺ كان إذا صلى رفع بصره إلى السماء فنزلت الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ فطأطأ رأسه، وترك الاختصار: وهو وضع اليد على الخاصرة، وقد ذكروا أنه مكروه. وجاء عنه ﷺ : «الاختصار في الصلاة راحة أهل النار» أي إن ذلك فعل اليهود في صلاتهم استراحة، وهم أهل النار لا أن لهم فيها راحة، كيف وقد قال تعالى: لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ومن أفعالهم أيضا فيها التميل وقد جاء النهي عنه. أخرج الحكيم الترمذي من طريق القاسم بن محمد عن أسماء بنت أبي بكر عن أم رومان والدة عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: رآني أبو بكر رضي الله تعالى عنه أتميل في صلاتي، فزجرني زجرة كدت أنصرف عن صلاتي ثم قال:
سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا قام أحدكم في الصلاة فليسكن أطرافه لا يتميل تميل اليهود، فإن سكون الأطراف في الصلاة من تمام الصلاة» وقال في الكشاف من الخشوع أن يستعمل الآداب، وذكر من ذلك توقي كف الثوب، والتمطي والتثاؤب، والتغميض، وتغطية الفم، والسدل والفرقعة، والتشبيك، وتقليب الحصي. وفي البحر نقلا عن التحرير أنه اختلف في الخشوع هل هو من فرائض الصلاة أو من فضائلها ومكملاتها على قولين والصحيح الأول، ومحله القلب. اه، والصحيح عندنا خلافه،
стр. 3428
نعم الحق أنه شرط القبول لا الإجزاء. وفي المنهاج وشرحه لابن حجر ويسن الخشوع في كل صلاته بقلبه، بأن لا يحضر فيه غير ما هو فيه، وإن تعلق بالآخرة وبجوارحه، بأن لا يعبث بأحدها، وظاهر أن هذا مراد النووي من الخشوع لأنه سيذكر الأول بقوله: ويسن دخول الصلاة بنشاط وفراغ قلب، إلا أن يجعل ذلك سببا له، ولذا خصه بحالة الدخول، وفي الآية المراد كل منهما كما هو ظاهر أيضا، وكان سنة لثناء الله تعالى في كتابه العزيز على فاعليه، ولانتفاء ثواب الصلاة بانتفائه كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة، ولأن لنا وجها اختاره جمع أنه شرط للصحة، لكن في البعض فيكره الاسترسال مع حديث النفس، والعبث كتسوية ردائه، أو عمامته لغير ضرورة من تحصيل سنة، أو دفع مضرة، وقيل يحرم. اه، وللإمام في هذا المقام كلام طويل من أراده فليرجع إليه. وتقديم الظرف قيل لرعاية الفواصل. وقيل ليقرب ذكر الصلاة من ذكر الإيمان، فإنهما إخوان وقد جاء إطلاق الإيمان عليها في قوله تعالى وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ وقيل للحصر على معنى: الذين هم في جميع صلاتهم دون بعضها خاشعون، وفي تقديم وصفهم بالخشوع في الصلاة على سائر ما يذكر بعد ما لا يخفى من التنويه بشأن الخشوع، وجاء أن الخشوع أول ما يرفع من الناس، ففي خبر رواه الحاكم وصححه أن عبادة بن الصامت قال: يوشك أن تدخل المسجد فلا ترى فيه رجلا خاشعا. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد والحاكم وصححه عن حذيفة قال:
«أول ما تفقدون من دينكم الخشوع، وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة، وتنتقض عرى الإسلام عروة عروة» الخبر).
وقال صاحب الظلال عند قوله تعالى وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (لغو القول، ولغو الفعل، ولغو الاهتمام والشعور. إن للقلب المؤمن ما يشغله عن اللغو واللهو والهذر .. له ما يشغله من ذكر الله، وتصور جلاله وتدبر آياته في الأنفس والآفاق. وكل مشهد من مشاهد الكون يستغرق اللب، ويشغل الفكر، ويحرك الوجدان ... وله ما يشغله من تكاليف العقيدة: تكاليفها في تطهير القلب، وتزكية النفس وتنقية الضمير. وتكاليفها في السلوك، ومحاولة الثبات على المرتقى العالي الذي يتطلبه الإيمان. وتكاليفها في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وصيانة حياة الجماعة من الفساد والانحراف. وتكاليفها في الجهاد لحمايتها ونصرتها وعزتها، والسهر عليها من كيد الأعداء ... وهي تكاليف لا تنتهي، ولا يغفل عنها المؤمن، ولا يعفى نفسه منها، وهي مفروضة عليه فرض عين أو فرض كفاية. وفيها الكفاية لاستغراق الجهد
البشري
стр. 3429
والعمر البشري. والطاقة البشرية محدودة. وهي إما أن تنفق في هذا الذي يصلح الحياة وينميها ويرقيها؛ وإما أن تنفق في الهذر واللغو واللهو. والمؤمن مدفوع بحكم عقيدته إلى إنفاقها في البناء والتعمير والإصلاح. ولا ينفي هذا أن يروح المؤمن عن نفسه في الحين بعد الحين. ولكن هذا شئ آخر غير الهذر واللغو والفراغ .... )
وقال الألوسي عند قوله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ* إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ: (وصف لهم بالعفة وهو إن استدعاه وصفهم بالإعراض عن اللغو إلا أنه جيء به اعتناء بشأنه، ويجوز أن يقال: إن ما تقدم وإن استدعى وصفهم بأصل العفة لكن جيء بهذا لما فيه من الإيذان أن قوتهم الشهوية داعية لهم إلى ما لا يخفى، وأنهم حافظون لها عن استيفاء مقتضاها، وبذلك يتحقق كمال العفة ..... والمراد مما ملكت أيمانهم: السريات، والتخصيص بذلك للإجماع على عدم حل وطء المملوك الذكر ..... والآية خاصة بالرجال، فإن التسري للنساء لا يجوز بالإجماع، وعن قتادة: قال تسرت امرأة غلاما فذكرت لعمر رضي الله تعالى عنه، فسألها ما حملك على هذا؟ فقالت: كنت أرى أنه يحل لي ما يحل للرجال من ملك اليمين، فاستشار عمر فيها أصحاب النبي ﷺ فقالوا: تأولت كتاب الله تعالى على غير تأويله.
فقال رضي الله تعالى عنه: لا جرم لا أحلك لحر بعده أبدا، كأنه عاقبها بذلك، ودرأ الحد عنها، وأمر العبد أن لا يقربها ..... ويدخل فيما وراء ذلك: الزنا، ومواقعة البهائم واللواط وهذا مما لا خلاف فيه .... واختلف في استمناء الرجل بيده ويسمى الخضخضة، وجلد عميرة. فجمهور الأئمة على تحريمه، وهو عندهم داخل فيما وراء ذلك، وكان الإمام أحمد بن حنبل يجيزه، لأن المني فضلة في البدن؛ فجاز إخراجها عند الحاجة كالفصد والحجامة، وقال ابن الهمام: يحرم فإن غلبته الشهوة ففعل إرادة تسكينها به فالرجاء أن لا يعاقب).
وقال صاحب الظلال عند الآية نفسها: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ.
وهذه طهارة الروح والبيت والجماعة. ووقاية النفس والأسرة والمجتمع. بحفظ الفروج من دنس المباشرة في غير حلال، وحفظ القلوب من التطلع إلى غير حلال؛ وحفظ الجماعة من انطلاق الشهوات فيها بغير حساب، ومن فساد البيوت فيها والأنساب.
والجماعة التي تنطلق فيها الشهوات بغير حساب جماعة معرضة للخلل والفساد. لأنه
стр. 3430
لا أمن فيها للبيت، ولا حرمة فيها للأسرة. والبيت هو الوحدة الأولى في بناء الجماعة، إذ هو المحضن الذي تنشأ فيه الطفولة وتدرج؛ ولا بد له من الأمن والاستقرار والطهارة، ليصلح محضنا ومدرجا، وليعيش فيه الوالدان مطمئنا كلاهما للآخر، وهما يرعيان ذلك المحضن. ومن فيه من فراخ!
والجماعة التي تنطلق فيها الشهوات بغير حساب جماعة قذرة هابطة في سلم البشرية، فالمقياس الذي لا يخطئ للارتقاء البشري هو تحكم الإرادة الإنسانية وغلبتها.
وتنظيم الدوافع الفطرية في صورة مثمرة نظيفة، لا يخجل الأطفال معها من الطريقة التي جاءوا بها إلى هذا العالم، لأنها طريقة نظيفة معروفة، يعرف فيها كل طفل أباه.
لا كالحيوان الهابط الذي تلقى الأنثى فيه الذكر وبدافع اللقاح، ثم لا يعرف الفصيل كيف جاء ولا من أين جاء!
والقرآن هنا يحدد المواضع النظيفة التي يحل للرجل أن يودعها بذور الحياة:
إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ .. ومسألة الأزواج لا تثير شبهة ولا تستدعي جدلا. فهي النظام المشروع المعروف. أما مسألة ملك اليمين فقد تستدعي شيئا من البيان، ولقد فصلت القول في مسألة الرق في الجزء الثاني من الظلال، وبينت هناك أن الإسلام قد جاء والرق نظام عالمي. واسترقاق أسرى الحرب نظام دولي، فما كان يمكن- والإسلام مشتبك في حروب مع أعدائه الواقفين بالقوة المادية في طريقه- أن يلغي هذا النظام من جانب واحد، فيصبح أسارى المسلمين رقيقا عند أعدائه، بينما هو يحرر أسارى الأعداء .. فجفف الإسلام كل منابع الرق- عدا أسرى الحرب- إلى أن يتاح للبشرية وضع نظام دولي للتعامل بالمثل في مسألة الأسرى.
ومن هنا كان يجئ إلى المعسكر الإسلامي أسيرات، تقضي قاعدة التعامل بالمثل باسترقاقهن.
ومن مقتضيات هذا الاسترقاق ألا يرتفعن إلى مستوى الزوجات بالنكاح. فأباح الإسلام حينئذ الاستمتاع بهن بالتسري لمن يملكهن خاصة إلا أن يتحررن لسبب من الأسباب الكثيرة التي جعلها الإسلام سبلا لتحرير الرقيق.
لعل هذا الاستمتاع ملحوظ فيه تلبية الحاجة الفطرية للأسيرات أنفسهن، كيلا
стр. 3431
يشبعنها عن طريق الفوضى القذرة في المخالطة الجنسية كما يقع في زماننا هذا مع أسيرات الحرب بعد معاهدات تحريم الرقيق- هذه الفوضى التي لا يحبها الإسلام! وذلك حتى يأذن الله فيرتفعن إلى مرتبة الحرية. والأمة تصل إلى مرتبة الحرة بوسائل كثيرة .. إذا ولدت لسيدها ومات عنها. وإذا أعتقها هو تطوعا أو في كفارة. وإذا طلبت أن تكاتبه على مبلغ من المال فافتدت به رقبتها. وإذا ضربها على وجهها فكفارتها عتقها ... الخ.
وعلى أية حال فقد كان الاسترقاق في الحرب ضرورة وقتية، هي ضرورة المعاملة بالمثل في عالم كله يسترق الأسرى، ولم يكن جزءا من النظام الاجتماعي في الإسلام).
أقول: كنا قلنا من قبل: إن الاسترقاق أحد خيارات موضوعة بيد الحكومة الإسلامية، فإذا أرادت أن تعيده لمصلحة إسلامية محققة فلا حرمة في ذلك، ولكنه من المستحسن
في عصرنا ألا تفعل ذلك ما دام العالم قد تواضع على أمر هو مندوب في شريعتنا فلا ينبغي أن يسبقنا أحد في أمر هو من باب المكرمات.
فوائد:
١ - في تفسير الخشوع في الصلاة كلام كثير للفقهاء قال النسفي: (وقيل الخشوع في الصلاة جمع الهمة لها، والإعراض عما سواها، وأن لا يجاوز بصره مصلاه، وأن لا يلتفت ولا يعبث، ولا يسدل ولا يفرقع أصابعه، ولا يقلب الحصى ونحو ذلك، وعن أبي الدرداء هو إخلاص المقال، وإعظام المقام واليقين التام، وجمع الاهتمام وأضيفت الصلاة إلى المصلين لا إلى المصلى له؛ لانتفاع المصلي بها وحده، وهي عدته وذخيرته، وأما المصلى له فغني عنها) وقال ابن كثير: قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس خاشِعُونَ خائفون ساكنون، وكذا روي عن مجاهد والحسن والزهري، وعن علي بن أبي طالب ﵁: الخشوع في القلب وكذا قال إبراهيم النخعي، وقال الحسن البصري كان خشوعهم في قلوبهم، فغضوا بذلك أبصارهم، وخفضوا الجناح، وقال محمد بن سيرين: كان أصحاب رسول الله ﷺ يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة، فلما نزلت هذه الآية قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ خفضوا أبصارهم إلى موضع سجودهم، قال محمد بن سيرين: وكانوا يقولون: لا يجاوز بصره مصلاه، فإن كان اعتاد النظر
стр. 3432
فليغمض، ...... وعن عطاء بن أبي رباح أيضا مرسلا أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك حتى نزلت هذه الآية، والخشوع في الصلاة إنما يحصل لمن فرغ قلبه لها، واشتغل بها عما عداها، وآثرها على غيرها، وحينئذ تكون راحة له وقرة عين، كما قال النبي ﷺ في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والنسائي عن أنس عن رسول الله ﷺ أنه قال «حبب إلي الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة» وروى الإمام أحمد عن رجل من أسلم أن رسول الله ﷺ قال: يا بلال «أرحنا بالصلاة» وروى الإمام أيضا أن محمد بن الحنفية قال: دخلت مع أبي على صهر لنا من الأنصار فحضرت الصلاة فقال يا جارية ائتني بوضوء لعلي أصلي فاستريح، فرآنا أنكرنا عليه ذلك، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قم يا بلال فأرحنا بالصلاة» أقول: ورد في الحديث «أول علم يرفع من الأرض الخشوع» فالخشوع في الحقيقة علم، إذ هو أثر عن صلاح القلب، وصلاح القلب علم عظيم جليل، وقد فصلنا ذلك في كتابنا (تربيتنا الروحية).
٢ - من الملاحظ أن هذه السورة مكية والزكاة المعروفة لدينا حاليا فرضت في المدينة قال ابن كثير في توضيح هذا (الأكثرون على أن المراد بالزكاة هاهنا زكاة الأموال، مع أن هذه الآية مكية، وإنما فرضت الزكاة بالمدينة في سنة اثنتين من الهجرة، والظاهر أن التي فرضت في المدينة إنما هي ذات النصب والمقادير الخاصة، وإلا فالظاهر أن أصل الزكاة كان واجبا بمكة قال تعالى في سورة الأنعام وهي مكية وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ وقد يحتمل أن يكون المراد بالزكاة هاهنا زكاة النفس من الشرك والدنس كقوله قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها وكقوله وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ على أحد القولين في تفسيرها، وقد يحتمل أن يكون كلا الأمرين مرادا وهو زكاة النفوس، وزكاة الأموال، فإنه من جملة زكاة النفوس، والمؤمن الكامل هو الذي يفعل هذا وهذا، والله أعلم).
أقول: إن كون السورة مكية، وكونها ذكرت الزكاة في المحل الذي تذكر فيه دائما فذلك دليل على أن منزل هذا القرآن واحد، إذ ما كان القرآن ليكون على مثل هذه الوحدة مع نزوله مفرقا منجما خلال ثلاث وعشرين سنة لولا أنه من عند الله.
٣ - بمناسبة قوله تعالى وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ* إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ* فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ قال ابن كثير: (وقال ابن جرير ....... عن قتادة أن امرأة اتخذت مملوكها وقالت:
стр. 3433
تأولت آية من كتاب الله أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فأتى بها عمر بن الخطاب ﵁، وقال له ناس من أصحاب النبي ﷺ تأولت آية من كتاب الله على غير وجهها، قال فضرب العبد وجز رأسه، وقال (أي للمرأة): أنت بعده حرام على كل مسلم، وهذا أثر غريب منقطع ذكره ابن جرير في تفسير أول سورة المائدة وهو هاهنا أليق، وإنما حرمها على الرجال معاملة لها بنقيض قصدها والله أعلم). وقد استدل الشافعي ﵀ ومن وافقه على تحريم الاستمناء باليد بهذه الآية الكريمة وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ* إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ قال: فهذا الصنيع خارج عن هذين القسمين، وقد قال الله تعالى فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ وقد استأنسوا بحديث رواه الإمام الحسن بن عرفة في جزئه المشهور حيث روى عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال «سبعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا يجمعهم مع العالمين، ويدخلهم النار في أول الداخلين، إلا أن يتوبوا ومن تاب تاب الله عليه: الناكح يده، والفاعل والمفعول به، ومدمن الخمر، والضارب والديه حتى يستغيثا، والمؤذي جيرانه حتى يلعنوه، والناكح حليلة جاره» هذا حديث غريب وإسناده فيه من لا يعرف لجهالته والله أعلم.
٤ - بمناسبة قوله تعالى وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ يذكر ابن كثير الحديث: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان».
٥ - وبمناسبة قوله تعالى وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ قال ابن كثير:
(كما قال ابن مسعود: سألت رسول الله ﷺ فقلت يا رسول الله أي العمل أحب إلى الله؟ قال «الصلاة على وقتها» قلت ثم أي؟ قال «بر الوالدين» قلت ثم أي؟ قال «الجهاد في سبيل الله» أخرجاه في الصحيحين، وفي مستدرك الحاكم قال «الصلاة في أول وقتها» وقال ابن مسعود ومسروق في قوله وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ يعني مواقيت الصلاة، وكذا قال أبو الضحى وعلقمة بن قيس، وسعيد ابن جبير، وعكرمة وقال قتادة: على مواقيتها وركوعها وسجودها وقد افتتح الله ذكر هذه الصفات الحميدة بالصلاة، فدل على أفضليتها كما قال رسول الله ﷺ «استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على
الوضوء إلا مؤمن».
стр. 3434
٦ - وبمناسبة قوله تعالى أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ قال ابن كثير: (وثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس؛ فإنه أعلى الجنة، وأوسط الجنة ومنه تفجر أنهار الجنة، وفوقه عرش الرحمن» وروى ابن أبي حاتم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «ما منكم من أحد إلا وله منزلان منزل: في الجنة ومنزل في النار، فأما المؤمن فيبني بيته في الجنة، ويهدم بيته الذي في النار، وأما الكافر فيهدم بيته في الجنة ويبني بيته الذي في النار» وروي عن سعيد بن جبير نحو ذلك، فالمؤمنون يرثون منازل الكفار لأنهم خلقوا لعبادة الله تعالى وحده لا شريك له، فلما قام هؤلاء المؤمنون بما وجب عليهم من العبادة، وترك أولئك ما أمروا به مما خلقوا له، أحرز هؤلاء نصيب أولئك لو كانوا أطاعوا ربهم ، بل أبلغ من هذا أيضا وهو ما ثبت في صحيح مسلم عن أبي بردة عن أبي موسى عن أبيه عن النبي ﷺ قال: «يجئ الناس يوم القيامة من المسلمين بذنوب أمثال الجبال، فيغفرها الله لهم، ويضعها على اليهود والنصارى» (أقول: هذا الحديث تفسره الرواية اللاحقة) وفي لفظ له قال رسول الله ﷺ : «إذا كان يوم القيامة دفع الله لكل مسلم يهوديا أو نصرانيا، فيقال: هذا فكاكك من النار، فاستحلف عمر بن عبد العزيز أبا بردة بالله الذي لا إله إلا هو ثلاث مرات أن أباه حدثه عن رسول الله ﷺ بذلك قال فحلف له، قلت: وهذه الآية كقوله تعالى تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا وكقوله وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وقد قال مجاهد وسعيد بن جبير: الجنة بالرومية هي الفردوس، وقال بعض السلف لا يسمى البستان الفردوس إلا إذا كان فيه عنب، فالله أعلم).
٧ - ولنختم هذه الفوائد بما بدأ به ابن كثير الكلام عن آيات هذه المجموعة قال:
(روى الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن عبد القاري قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: كان إذا نزل على رسول الله ﷺ الوحي يسمع عند وجهه كدوي النحل، فلبثنا ساعة فاستقبل القبلة ورفع يديه وقال «اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنا واعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وارض عنا وأرضنا- ثم قال- لقد أنزل علي عشر آيات من أقامهن دخل الجنة» ثم قرأ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ حتى ختم العشر، ورواه الترمذي في تفسيره والنسائي في الصلاة من حديث عبد الرازق به، وقال الترمذي: منكر، لا نعرف أحدا رواه غير يونس بن سليم ويونس لا نعرفه، وروى
стр. 3435
النسائي في تفسيره ...... قلنا لعائشة أم المؤمنين: كيف كان خلق رسول الله ﷺ ؟
قالت: كان خلق رسول الله ﷺ القرآن فقرأت قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ حتى انتهت إلى وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ قالت: هكذا كان خلق رسول الله ﷺ وقد روي عن كعب الأحبار ومجاهد وأبي العالية وغيرهم لما خلق الله جنة عدن وغرسها بيده نظر إليها وقال تكلمي فقالت قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ قال كعب الأحبار: لما أعد لهم من الكرامة فيها، وقال أبو العالية: فأنزل الله ذلك في كتابه. وقد روى ذلك عن أبي سعيد الخدري قال: خلق الله الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة وغرسها وقال لها تكلمي فقالت: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ فدخلتها الملائكة فقالت:
طوبى لك منزل الملوك ثم قال وحدثنا بشر بن آدم عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال:
«خلق الله الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة، وملاطها المسك» وقال البزار ورأيت في موضع آخر في هذا الحديث «حائط الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة وملاطها المسك، فقال لها تكلمي فقالت: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ فقالت الملائكة: طوبى لك منزل الملوك» ثم قال البزار لا نعلم أحدا رفعه إلا عدي بن الفضل وهو شيخ متقدم الموت روى الحافظ أبو القاسم ...... عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ «لما خلق الله جنة عدن خلق فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ثم قال لها تكلمي فقالت: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ» وروى الطبراني عن ابن عباس يرفعه «لما خلق الله جنة عدن بيده، ودلى فيها ثمارها، وشق فيها أنهارها ثم نظر إليها قال: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ قال: وعزتي وجلالي لا يجاورني فيك بخيل» وروى أبو بكر بن أبي الدنيا ... عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «خلق الله جنة عدن بيده، لبنة من درة بيضاء، ولبنة من ياقوته حمراء ولبنة من زبرجدة خضراء، ملاطها المسك وحصباؤها اللؤلؤ وحشيشها الزعفران ثم قال لها انطقي قالت: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ فقال تعالى: وعزتي وجلالي لا يجاورني فيك بخيل» ثم تلا رسول الله ﷺ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.*
كلمة في السياق:
لاحظنا أن محور سورة (المؤمنون) من البقرة هو مجموع خمس آيات، إلا أننا نلاحظ أن هذه المجموعة التي مرت معنا تفصل الآيات الثلاث الأولى فقط، بينما نلاحظ أن المجموعة الثانية ستفصل الآيتين الأخيرتين فقط، وهو نوع من التفصيل رأينا نمطا منه