← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.

стр. 3431

يشبعنها عن طريق الفوضى القذرة في المخالطة الجنسية كما يقع في زماننا هذا مع أسيرات الحرب بعد معاهدات تحريم الرقيق- هذه الفوضى التي لا يحبها الإسلام! وذلك حتى يأذن الله فيرتفعن إلى مرتبة الحرية. والأمة تصل إلى مرتبة الحرة بوسائل كثيرة .. إذا ولدت لسيدها ومات عنها. وإذا أعتقها هو تطوعا أو في كفارة. وإذا طلبت أن تكاتبه على مبلغ من المال فافتدت به رقبتها. وإذا ضربها على وجهها فكفارتها عتقها ... الخ. وعلى أية حال فقد كان الاسترقاق في الحرب ضرورة وقتية، هي ضرورة المعاملة بالمثل في عالم كله يسترق الأسرى، ولم يكن جزءا من النظام الاجتماعي في الإسلام). أقول: كنا قلنا من قبل: إن الاسترقاق أحد خيارات موضوعة بيد الحكومة الإسلامية، فإذا أرادت أن تعيده لمصلحة إسلامية محققة فلا حرمة في ذلك، ولكنه من المستحسن في عصرنا ألا تفعل ذلك ما دام العالم قد تواضع على أمر هو مندوب في شريعتنا فلا ينبغي أن يسبقنا أحد في أمر هو من باب المكرمات. فوائد: ١ - في تفسير الخشوع في الصلاة كلام كثير للفقهاء قال النسفي: (وقيل الخشوع في الصلاة جمع الهمة لها، والإعراض عما سواها، وأن لا يجاوز بصره مصلاه، وأن لا يلتفت ولا يعبث، ولا يسدل ولا يفرقع أصابعه، ولا يقلب الحصى ونحو ذلك، وعن أبي الدرداء هو إخلاص المقال، وإعظام المقام واليقين التام، وجمع الاهتمام وأضيفت الصلاة إلى المصلين لا إلى المصلى له؛ لانتفاع المصلي بها وحده، وهي عدته وذخيرته، وأما المصلى له فغني عنها) وقال ابن كثير: قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس خاشِعُونَ خائفون ساكنون، وكذا روي عن مجاهد والحسن والزهري، وعن علي بن أبي طالب ﵁: الخشوع في القلب وكذا قال إبراهيم النخعي، وقال الحسن البصري كان خشوعهم في قلوبهم، فغضوا بذلك أبصارهم، وخفضوا الجناح، وقال محمد بن سيرين: كان أصحاب رسول الله ﷺ يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة، فلما نزلت هذه الآية قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ خفضوا أبصارهم إلى موضع سجودهم، قال محمد بن سيرين: وكانوا يقولون: لا يجاوز بصره مصلاه، فإن كان اعتاد النظر

стр. 3432

فليغمض، ...... وعن عطاء بن أبي رباح أيضا مرسلا أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك حتى نزلت هذه الآية، والخشوع في الصلاة إنما يحصل لمن فرغ قلبه لها، واشتغل بها عما عداها، وآثرها على غيرها، وحينئذ تكون راحة له وقرة عين، كما قال النبي ﷺ في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والنسائي عن أنس عن رسول الله ﷺ أنه قال «حبب إلي الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة» وروى الإمام أحمد عن رجل من أسلم أن رسول الله ﷺ قال: يا بلال «أرحنا بالصلاة» وروى الإمام أيضا أن محمد بن الحنفية قال: دخلت مع أبي على صهر لنا من الأنصار فحضرت الصلاة فقال يا جارية ائتني بوضوء لعلي أصلي فاستريح، فرآنا أنكرنا عليه ذلك، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قم يا بلال فأرحنا بالصلاة» أقول: ورد في الحديث «أول علم يرفع من الأرض الخشوع» فالخشوع في الحقيقة علم، إذ هو أثر عن صلاح القلب، وصلاح القلب علم عظيم جليل، وقد فصلنا ذلك في كتابنا (تربيتنا الروحية). ٢ - من الملاحظ أن هذه السورة مكية والزكاة المعروفة لدينا حاليا فرضت في المدينة قال ابن كثير في توضيح هذا (الأكثرون على أن المراد بالزكاة هاهنا زكاة الأموال، مع أن هذه الآية مكية، وإنما فرضت الزكاة بالمدينة في سنة اثنتين من الهجرة، والظاهر أن التي فرضت في المدينة إنما هي ذات النصب والمقادير الخاصة، وإلا فالظاهر أن أصل الزكاة كان واجبا بمكة قال تعالى في سورة الأنعام وهي مكية وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ وقد يحتمل أن يكون المراد بالزكاة هاهنا زكاة النفس من الشرك والدنس كقوله قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها وكقوله وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ على أحد القولين في تفسيرها، وقد يحتمل أن يكون كلا الأمرين مرادا وهو زكاة النفوس، وزكاة الأموال، فإنه من جملة زكاة النفوس، والمؤمن الكامل هو الذي يفعل هذا وهذا، والله أعلم). أقول: إن كون السورة مكية، وكونها ذكرت الزكاة في المحل الذي تذكر فيه دائما فذلك دليل على أن منزل هذا القرآن واحد، إذ ما كان القرآن ليكون على مثل هذه الوحدة مع نزوله مفرقا منجما خلال ثلاث وعشرين سنة لولا أنه من عند الله. ٣ - بمناسبة قوله تعالى وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ* إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ* فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ قال ابن كثير: (وقال ابن جرير ....... عن قتادة أن امرأة اتخذت مملوكها وقالت:

стр. 3433

تأولت آية من كتاب الله أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فأتى بها عمر بن الخطاب ﵁، وقال له ناس من أصحاب النبي ﷺ تأولت آية من كتاب الله على غير وجهها، قال فضرب العبد وجز رأسه، وقال (أي للمرأة): أنت بعده حرام على كل مسلم، وهذا أثر غريب منقطع ذكره ابن جرير في تفسير أول سورة المائدة وهو هاهنا أليق، وإنما حرمها على الرجال معاملة لها بنقيض قصدها والله أعلم). وقد استدل الشافعي ﵀ ومن وافقه على تحريم الاستمناء باليد بهذه الآية الكريمة وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ* إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ قال: فهذا الصنيع خارج عن هذين القسمين، وقد قال الله تعالى فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ وقد استأنسوا بحديث رواه الإمام الحسن بن عرفة في جزئه المشهور حيث روى عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال «سبعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا يجمعهم مع العالمين، ويدخلهم النار في أول الداخلين، إلا أن يتوبوا ومن تاب تاب الله عليه: الناكح يده، والفاعل والمفعول به، ومدمن الخمر، والضارب والديه حتى يستغيثا، والمؤذي جيرانه حتى يلعنوه، والناكح حليلة جاره» هذا حديث غريب وإسناده فيه من لا يعرف لجهالته والله أعلم. ٤ - بمناسبة قوله تعالى وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ يذكر ابن كثير الحديث: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان». ٥ - وبمناسبة قوله تعالى وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ قال ابن كثير: (كما قال ابن مسعود: سألت رسول الله ﷺ فقلت يا رسول الله أي العمل أحب إلى الله؟ قال «الصلاة على وقتها» قلت ثم أي؟ قال «بر الوالدين» قلت ثم أي؟ قال «الجهاد في سبيل الله» أخرجاه في الصحيحين، وفي مستدرك الحاكم قال «الصلاة في أول وقتها» وقال ابن مسعود ومسروق في قوله وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ يعني مواقيت الصلاة، وكذا قال أبو الضحى وعلقمة بن قيس، وسعيد ابن جبير، وعكرمة وقال قتادة: على مواقيتها وركوعها وسجودها وقد افتتح الله ذكر هذه الصفات الحميدة بالصلاة، فدل على أفضليتها كما قال رسول الله ﷺ «استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن».

стр. 3434

٦ - وبمناسبة قوله تعالى أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ قال ابن كثير: (وثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس؛ فإنه أعلى الجنة، وأوسط الجنة ومنه تفجر أنهار الجنة، وفوقه عرش الرحمن» وروى ابن أبي حاتم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «ما منكم من أحد إلا وله منزلان منزل: في الجنة ومنزل في النار، فأما المؤمن فيبني بيته في الجنة، ويهدم بيته الذي في النار، وأما الكافر فيهدم بيته في الجنة ويبني بيته الذي في النار» وروي عن سعيد بن جبير نحو ذلك، فالمؤمنون يرثون منازل الكفار لأنهم خلقوا لعبادة الله تعالى وحده لا شريك له، فلما قام هؤلاء المؤمنون بما وجب عليهم من العبادة، وترك أولئك ما أمروا به مما خلقوا له، أحرز هؤلاء نصيب أولئك لو كانوا أطاعوا ربهم ، بل أبلغ من هذا أيضا وهو ما ثبت في صحيح مسلم عن أبي بردة عن أبي موسى عن أبيه عن النبي ﷺ قال: «يجئ الناس يوم القيامة من المسلمين بذنوب أمثال الجبال، فيغفرها الله لهم، ويضعها على اليهود والنصارى» (أقول: هذا الحديث تفسره الرواية اللاحقة) وفي لفظ له قال رسول الله ﷺ : «إذا كان يوم القيامة دفع الله لكل مسلم يهوديا أو نصرانيا، فيقال: هذا فكاكك من النار، فاستحلف عمر بن عبد العزيز أبا بردة بالله الذي لا إله إلا هو ثلاث مرات أن أباه حدثه عن رسول الله ﷺ بذلك قال فحلف له، قلت: وهذه الآية كقوله تعالى تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا وكقوله وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وقد قال مجاهد وسعيد بن جبير: الجنة بالرومية هي الفردوس، وقال بعض السلف لا يسمى البستان الفردوس إلا إذا كان فيه عنب، فالله أعلم). ٧ - ولنختم هذه الفوائد بما بدأ به ابن كثير الكلام عن آيات هذه المجموعة قال: (روى الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن عبد القاري قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: كان إذا نزل على رسول الله ﷺ الوحي يسمع عند وجهه كدوي النحل، فلبثنا ساعة فاستقبل القبلة ورفع يديه وقال «اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنا واعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وارض عنا وأرضنا- ثم قال- لقد أنزل علي عشر آيات من أقامهن دخل الجنة» ثم قرأ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ حتى ختم العشر، ورواه الترمذي في تفسيره والنسائي في الصلاة من حديث عبد الرازق به، وقال الترمذي: منكر، لا نعرف أحدا رواه غير يونس بن سليم ويونس لا نعرفه، وروى

стр. 3435

النسائي في تفسيره ...... قلنا لعائشة أم المؤمنين: كيف كان خلق رسول الله ﷺ ؟ قالت: كان خلق رسول الله ﷺ القرآن فقرأت قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ حتى انتهت إلى وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ قالت: هكذا كان خلق رسول الله ﷺ وقد روي عن كعب الأحبار ومجاهد وأبي العالية وغيرهم لما خلق الله جنة عدن وغرسها بيده نظر إليها وقال تكلمي فقالت قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ قال كعب الأحبار: لما أعد لهم من الكرامة فيها، وقال أبو العالية: فأنزل الله ذلك في كتابه. وقد روى ذلك عن أبي سعيد الخدري قال: خلق الله الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة وغرسها وقال لها تكلمي فقالت: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ فدخلتها الملائكة فقالت: طوبى لك منزل الملوك ثم قال وحدثنا بشر بن آدم عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: «خلق الله الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة، وملاطها المسك» وقال البزار ورأيت في موضع آخر في هذا الحديث «حائط الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة وملاطها المسك، فقال لها تكلمي فقالت: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ فقالت الملائكة: طوبى لك منزل الملوك» ثم قال البزار لا نعلم أحدا رفعه إلا عدي بن الفضل وهو شيخ متقدم الموت روى الحافظ أبو القاسم ...... عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ «لما خلق الله جنة عدن خلق فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ثم قال لها تكلمي فقالت: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ» وروى الطبراني عن ابن عباس يرفعه «لما خلق الله جنة عدن بيده، ودلى فيها ثمارها، وشق فيها أنهارها ثم نظر إليها قال: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ قال: وعزتي وجلالي لا يجاورني فيك بخيل» وروى أبو بكر بن أبي الدنيا ... عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «خلق الله جنة عدن بيده، لبنة من درة بيضاء، ولبنة من ياقوته حمراء ولبنة من زبرجدة خضراء، ملاطها المسك وحصباؤها اللؤلؤ وحشيشها الزعفران ثم قال لها انطقي قالت: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ فقال تعالى: وعزتي وجلالي لا يجاورني فيك بخيل» ثم تلا رسول الله ﷺ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.* كلمة في السياق: لاحظنا أن محور سورة (المؤمنون) من البقرة هو مجموع خمس آيات، إلا أننا نلاحظ أن هذه المجموعة التي مرت معنا تفصل الآيات الثلاث الأولى فقط، بينما نلاحظ أن المجموعة الثانية ستفصل الآيتين الأخيرتين فقط، وهو نوع من التفصيل رأينا نمطا منه

стр. 3436

من قبل في سورة الحجر: إن الآيات الثلاث الأولى من محور سورة المؤمنون هي: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ* إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ* الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ولقد رأينا أن المجموعة الأولى من سورة المؤمنون فصلت في ذلك كله: فلقد ذكرت أخلاق المؤمنين، ومن أخلاقهم العمل الصالح، وحددت أنواعا من العمل الصالح ومن ذلك العمل المقابل لأخلاق الفاسقين، فالفاسقون ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، والمؤمنون لعهدهم راعون، والفاسقون يقطعون ما أمر الله به أن يوصل، وهؤلاء يفون بالعهود، والفاسقون يفسدون في الأرض، وهؤلاء يحفظون فروجهم، ويؤدون أماناتهم، ولنلاحظ أن الآيات الثلاث بدأت بقوله تعالى وَبَشِّرِ وانتهت بقوله تعالى أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ. لاحظ الصلة بين هذه البداية والنهاية، وبين قوله تعالى قَدْ أَفْلَحَ فإن فيها بشارة، وإن الفلاح يقابل الخسارة، وبعد الآيات الثلاث في سورة البقرة يأتي قوله تعالى في الإنكار على من كفر، وفي التدليل على الإيمان كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ* هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وسنرى أن آيات المجموعة الثانية تفصل هاتين الآيتين، للتدليل على الإيمان واستخراج عواطفه، مع فارق هو أن الآيتين ردتا على الكفر من خلال الإنكار والتقرير وهنا دعت هذه المجموعة إلى الإيمان من خلال التقرير فلنر المجموعة الثانية. ***

стр. 3437

المجموعة الثانية من المقطع الأول وتمتد من الآية (١٢) إلى نهاية الآية (٢٢) وهذه هي: [سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ١٢ الى ٢٢] وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ (١٤) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦) وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ (١٧) وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ (١٨) فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ لَكُمْ فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (١٩) وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (٢٠) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِها وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٢١) وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢) كلمة في السياق: لاحظ الصلة بين آيتي المحور وآيات هذه المجموعة: ١ - وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ لاحظ صلة ذلك بقوله تعالى وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ..... ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ.

стр. 3438

٢ - ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ* لاحظ صلة ذلك بقوله تعالى هنا: ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ. ٣ - فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ لاحظ صلة ذلك بقوله تعالى هنا: وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ ... ٤ - هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً لاحظ صلة ذلك بقوله تعالى: وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً .... فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ ... وَشَجَرَةً .... وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً ... التفسير: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ أي آدم مِنْ سُلالَةٍ السلالة الخلاصة لأنها تسل من بين الكدر مِنْ طِينٍ قال النسفي: (وقيل إنما سمي التراب الذي خلق آدم منه سلالة لأنه سل من كل تربة) وقال ابن كثير: (وقال قتادة استل آدم من الطين وهذا أظهر في المعني وأقرب إلى السياق، فإن آدم ﵇ خلق من طين لازب وهو الصلصال من الحمأ المسنون وذلك مخلوق من التراب ..... ) ثُمَّ جَعَلْناهُ أي ثم جعلنا جنس الإنسان أي نسله نُطْفَةً فِي قَرارٍ أي في مستقر مَكِينٍ أي حصين وهو الرحم ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً أي صيرناها علقة أي على شكل العلقة مستطيلة فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً أي صيرنا العلقة لحما يشبه المضغة فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً مما قرره علماء الأجنة في عصرنا أن أول الخلايا تشكلا في هذه المرحلة هي الخلايا العظمية وهذه المعاني سنعود إليها في الفوائد فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ قال ابن كثير: (أي ثم نفخنا فيه الروح، فتحرك وصار خلقا آخر، ذا سمع وبصر، وإدراك وحركة واضطراب). وقال النسفي: (أي أنشأناه خلقا مباينا للخلق الأول، حيث جعله حيوانا وكان جمادا، وناطقا وسميعا وبصيرا، وكان بضد هذه الصفات) وفي الآية كلام كثير سنراه في الفوائد فَتَبارَكَ اللَّهُ أي فتعالى أمره في قدرته وعلمه أَحْسَنُ الْخالِقِينَ أي المقدرين ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ أي بعد ما ذكرنا من أمركم لَمَيِّتُونَ أي عند انقضاء آجالكم ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ أي تحيون للجزاء وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ قال النسفي: جمع طريقة وهي السموات لأنها طرق الملائكة، ومتقلباتهم. قال مجاهد في تفسير السبع الطرائق: يعني السموات

стр. 3439

السبع وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ قال ابن كثير: أي ويعلم ما يلج في الأرض، وما يخرج منها، وما ينزل من السماء وما يعرج فيها، وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير. وهو سبحانه لا يحجب عنه سماء سماء ولا أرض أرضا، ولا جبل إلا ويعلم ما في وعره ولا بحر إلا ويعلم ما في قعره، يعلم عدد ما في الجبال والتلال والرمال والبحار والقفار والأشجار، وفي ذكر عدم غفلته عن الخلق في هذا السياق تقرير لكونه يعلم ما يصلح الخلق وما يحفظه وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ أي من السحاب السَّماءِ أي مطرا بِقَدَرٍ أي بتقدير يسلمون معه من المضرة، ويصلون إلى المنفعة، أو بمقدار ما علمنا من حاجاتهم فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ قال ابن كثير: أي جعلنا الماء إذا نزل من السحاب يخلد في الأرض، وجعلنا في الأرض قابلية له، تشربه ويتغذى به ما فيها من الحب والنوى وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ أي بالماء لَقادِرُونَ أي كما قدرنا على إنزاله نقدر على إذهابه، فقيدوا هذه النعمة بالشكر، قال ابن كثير في تفسيرها: أى لو شئنا أن لا تمطر لفعلنا، ولو شئنا أذى لصرفناه عنكم إلى السباخ والبرارى والقفاز لفعلنا، ولو شئنا لجعلناه أجاجا لا ينتفع به لشرب ولا لسقي لفعلنا، ولو شئنا لجعلناه لا ينزل في الأرض بل ينجر على وجهها لفعلنا، ولو شئنا لجعلناه إذا نزل فيها يغور إلى مدى لا تصلون إليه ولا تنتفعون به لفعلنا، ولكن بلطفه ورحمته ينزل عليكم الماء من السحاب عذبا فراتا زلالا فيسكنه في الأرض، ويسلكه ينابيع في الأرض، فيفتح العيون والأنهار، ويسقي به الزروع والثمار، تشربون منه ودوابكم وأنعامكم وتغتسلون منه، وتتطهرون منه وتتنظفون فله الحمد والمنة فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ أي بالماء جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ لَكُمْ فِيها أي في الجنات فَواكِهُ كَثِيرَةٌ سوى النخيل والأعناب وَمِنْها تَأْكُلُونَ أي ومن الجنات أي من ثمارها تأكلون وَشَجَرَةً أي وأنشأنا لكم بالماء شجرة تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ قال ابن كثير: وهو الجبل الذي كلم الله عليه موسى بن عمران ﵇، وما حوله من الجبال التي فيها شجر الزيتون تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ أي تنبت ومعها الدهن، قال ابن كثير: فتقديره: تخرج بالدهن أو تأتي بالدهن وَصِبْغٍ أي أدم لِلْآكِلِينَ قال مقاتل: جعل الله تعالى في هذه إداما ودهنا فالإدام: الزيتون، والدهن: الزيت وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ وهي الإبل والبقر والغنم لَعِبْرَةً أي لعظة نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِها أي مما تخرج لكم من بطونها أي اللبن وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ سوى الألبان، وهي منافع الأصواف والأوبار والأشعار وَمِنْها أي ومن لحومها

стр. 3440

تَأْكُلُونَ ومع هذا وَعَلَيْها أي وعلى بعض الأنعام وهي الإبل في البر وَعَلَى الْفُلْكِ في البحر تُحْمَلُونَ في أسفاركم. كلمة في السياق: لقد رأينا أن محور هذه المجموعة هو قوله تعالى في سورة البقرة: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ والصلة واضحة تماما بين هذه المجموعة وهاتين الآيتين، إن في الآيتين استدلالا بظاهرتي الحياة والعناية على الله، فكذلك في هذه الآيات، مع زيادة تفصيل لما أجمل هناك بذكر معان هي وحدها معجزة، فأصبح في الآيات أنواع من الأدلة، ما كانت لتذكر لولا أن هذا القرآن من عند الله- كما سنرى في الفوائد- والصلة بين المجموعة الأولى وبين هذه المجموعة واضحة، فالمجموعة الأولى ذكرت أخلاق أهل الإيمان- وما أعد الله لهم، والمجموعة الثانية تحدثت عما يوصل إلى الإيمان وعما يهيج على العمل الصالح، وعما يبعث على الكف عن العمل السيئ: كلمة في السياق: نحب هنا أن نذكر بفكرة الحيز التي تحدثنا عنها أثناء الكلام عن سورة النحل، والسور بعدها، فههنا نجد أن سورة المؤمنون تفصل محورا هو الآيات الخمس التي رأيناها في سورة البقرة، ولكن الآيات الخمس آتية في حيز قوله تعالى يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ نقول هذا كي ندرك حكمة ورود بعض المعاني التي لها علاقة مباشرة بالحيز الذي وردت فيه آيات المحور، والذي فيه أمر بالعبادة والتوحيد والتقوى. نقل عند قوله تعالى: ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ .... قال صاحب الظلال: ( .. هذا هو الإنسان ذو الخصائص المتميزة. فجنين الإنسان يشبه جنين الحيوان في أطواره الجسدية. ولكن جنين الإنسان ينشأ خلقا آخر. ويتحول إلى تلك الخلقية المتميزة المستعدة للارتقاء. ويبقى جنين الحيوان في مرتبة الحيوان، مجردا من خصائص

стр. 3441

الارتقاء والكمال، التي يمتاز بها جنين الإنسان. إن الجنين الإنساني مزود بخصائص معينة هي التي تسلك به طريقه الإنساني فيما بعد. وهو ينشأ خَلْقاً آخَرَ في آخر أطواره الجنينية؛ بينما يقف الجنين الحيواني عند التطور الحيواني. لأنه غير مزود بتلك الخصائص. ومن ثم فإنه لا يمكن أن يتجاوز الحيوان مرتبته الحيوانية، فيتطور إلى مرتبة الإنسان تطورا آليا- كما تقول النظريات المادية- فهما نوعان مختلفان. اختلفا بتلك النفخة الإلهية التي بها صارت سلالة الطين إنسانا. واختلفا بعد ذلك بتلك الخصائص المعينة الناشئة من تلك النفخة والتي ينشأ بها الجنين الإنساني خَلْقاً آخَرَ. إنما الإنسان والحيوان يتشابهان في التكوين الحيواني؛ ثم يبقى الحيوان حيوانا في مكانه لا يتعداه. ويتحول الإنسان خلقا آخر قابلا لما هو مهيا من الكمال. بواسطة خصائص مميزة، وهبها له الله عن تدبير مقصود لا عن طريق تطور آلي من نوع الحيوان إلى نوع الإنسان (١) فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ .. وليس هنا من يخلق سوى الله. فأحسن هنا ليست للتفضيل، إنما هي للحسن المطلق في خلق الله.

стр. 3442

فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ .. الذي أودع فطرة الإنسان تلك القدرة على السير في هذه الأطوار، وفق السنة التي لا تتبدل ولا تنحرف ولا تتخلف، حتى تبلغ بالإنسان ما هو مقدر له من مراتب الكمال الإنساني، على أدق ما يكون النظام! فوائد: ١ - بمناسبة قوله تعالى تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ عن شجرة الزيتون ذكر ابن كثير: (روى الإمام أحمد عن مالك بن ربيعة الساعدي الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة» وروى عبد بن حميد في مسنده وتفسيره عن عمر أن رسول الله ﷺ قال «ائتدموا بالزيت وادهنوا به فإنه يخرج من شجرة مباركة» ........ روى أبو القاسم الطبراني عن الصعب بن حكيم بن شريك بن نميلة عن أبيه عن جده قال: ضفت عمر بن الخطاب ﵁ ليلة عاشوراء، فأطعمني من رأس بعير بارد وأطعمنا زيتا وقال هذا الزيت المبارك الذي قال الله لنبيه ﷺ . ٢ - وبمناسبة قوله تعالى وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ذكر ابن كثير الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وقال عنه حسن صحيح عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: «إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض جاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك والخبيث والطيب وبين ذلك». ٣ - موضوع انتقال الجنين من حال إلى حال موضوع يمر معنا كثيرا، ونحب هنا أن ننقل نقولا يتبين بها بعض أسرار الإعجاز: قال الدكتور/ خالص كنجو: في كتاب (الطب محراب للإيمان): بعد أن يتم تلقيح البيضة تضرب في محيطها الخارجي جدارا كتيما، بحيث إن جميع النطف التي تأتي بعد ذلك وتضرب برءوسها الجدار لا تستطيع اختراقها، وهكذا تموت بقية النطف. ثم لنتابع رحلة البيضة الملقحة حيث نجد أنها تبدأ بالانقسام بشكل سلسلة هندسية ٢، ٤، ٨، ١٦، ٣٢، ٦٤، ١٢٨، ٢٥٦، ٥١٢، وهذا ينتج عددا ضخما من الخلايا مع عدم زيادة حجم البيضة الأصلية أي أن الذي يحصل هو تقسم البيضة فقط، وأثناء هذا الانقسام تكون البيضة سائرة في نفق

стр. 3443

البوق، حيث تدفعها التيارات المصلية الموجودة في البوق، وتستغرق هذه الرحلة عبر هذا النفق البوقي قرابة عشرة أيام، حيث يكون الانقسام قد أخذ ذروته، وعلى ما يذكر البعض يحصل قرابة خمسين انقساما، وعند ما تصل إلى الرحم يكون الغشاء المخاطي الرحمي مهيأ لاستقبالها كما ذكرنا، وهنا يبدأ عمل عجيب ومهم، وهو دخول البيضة إلى داخل الجدار الرحمي والجدار مغلق أمامها. ثم لا نلبث أن نرى أن هذه البيضة التي أصبح لها شكل التوتة من كثرة ازدحامها بالخلايا، تمد أرجلا كأرجل الأخطبوط تعمل بقوة وعنف في فتح الجدار الرحمي أمام التوتة، وعند ما يتم لها ذلك تنطمر هذه البيضة التوتية في جدار الرحم، ويغلق الباب الذي فتح لها خلفها، ثم ماذا؟ إن هذه الأرجل الأخطبوطية تمتد على مدار التوتة وهي ما تعرف (بالزغابات) حيث تقوم بقضم محتويات الجدار مع العروق الدموية، فينسكب الدم الغزير بشكل برك تحيط بهذه العلقة!! لأنها علقت في جدار الرحم، وتنغمس الأرجل الأخطبوطية في برك الدم؛ لتمتص الغذاء للجنين. العلقة واللوحة المضغية: وهكذا نرى أن العلقة الإنسانية تصبح محاطة من كل الجوانب بالزغابات الكوريونية التي تمتص من الدم كل ما يلزم لتخلق الجنين من الماء والأملاح المعدنية والفيتامينات والسكريات والآحينات والدسم، فهل هناك أعجب من أن يكون المرء في غرفة، والمواد الغذائية من فواكه وخضروات ومآكل طيبة، ووجبات دسمة تقدم له من السقف والأرض والنوافذ، وجدران الغرفة، إن هذا هو ما يحصل بالضبط للعلقة الإنسانية حين تتغذى!! ..... لو دخلنا إلى داخل هذه العلقة لوجدنا أن بعض المناطق فيها لها شكل يختلف عن بقية المناطق، هذا المكان رقيق يشبه اللوحة أو القرص الصغير، سمي باللوحة المضغية، وهو أبعد الأماكن التي يتخيلها الذهن، والتي يمكن أن تكون مصدر الكيان الإنساني، وهكذا نرى أن أكداس الخلايا التي تكونت وشكلت ما يعرف بالتوتة، يختص قسم منها بالتكوين الخارجي للمضغة ويختص قسم صغير منها في تكوين الخريطة الأولى للمساحة الإنسانية، هذه اللوحة يسمونها بمجموع الوريقات التي ستتخلق منها الأعضاء، وهي تعرف بالوريقة الباطنة والظاهرة والمتوسطة، فلنر الآن كيف ستبدأ عملية التخلق ..... تظهر ميزابة في وسط المضغة والتي ستكون في المستقبل الدماغ والنخاع، كما تظهر بجانبها قطع عرفت بالقطع البدئية ومن هذه القطع تتولد الفقرات

стр. 3444

وامتدادها العظمي، وهي عظام الأطراف، ومنها العضلات حيث تمتد لتكون عضلات كل الجسم. والعجيب أن العظام تتكون بالأصل، ثم تأتي العضلات بعد ذلك لتكسوها، وصدق الله العظيم فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثم تبدأ العملية الجبارة في خلق أعضاء الجنين، فطائفة من الخلايا تختص بالحواس، وأخرى بالعظام، وثالثة بالعضلات، ورابعة بالأجهزة، وهكذا يتكون من الوريقة الباطنة الرغامي والقصبات، والرئتان، والبلعوم، والأنبوب الهضمي، والكبد، والمعثكلة، كما يتشكل من الوريقة المتوسطة الجمجمة، ونسيج الرأس الضام وعضلات الأطراف، وهيكل العظام، والجهاز التناسلي، وغشاء الجنب (غشاء الجنب يغلف الرئتين) والثامور (غشاء يغلف القلب) والصفاق (غشاء يغلف الأمعاء) والقلب والعروق، والبلغم والجملة البولية، كما يتكون من الوريقة الظاهرة بشرة الجلد، والعناصر الملحقة به من غدد وأشعار وأظافر وأعضاء الحواس، والجملة العصبية، فكيف خططت كل هذه الأجهزة وكيف سار البناء في نسق واحد، بحيث أن كل مجموعة خلوية تقوم ببناء جهاز خاص بل نسيج خاص وهي لا تعمل مستقلة، بل متعاونة مع غيرها، بحيث إن كل جهاز يأخذ مكانه الطبيعي، وأي خلل يعطي تشوهات خطيرة للمستقبل، كما يعرض الحياة للخطر، ولذا لم نجد أن العين نمت في البطن، أو أن اليد انبثقت من الرأس، أو أن الأذن نبتت على الساق، أو أن الشرج ركب في الظهر يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ، كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ. وعند ما ينمو الجنين أو بالأصح عند ما تنمو المضغة وجد أنها خلال الأسابيع الأولى تشبه كثيرا مضغة الزواحف والطيور، وحتى الخنازير!! ولكن ما إن يكتمل الشهر الثاني حتى يبدأ تخلق الإنسان، وينشأ إنشاء جديدا وصدق الله ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ. ٤ - رأينا مجموع ما فهم به المفسرون القدامى قوله تعالى وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ وهناك اتجاه جديد اتجه إليه بعض علماء الطبيعة وهو أن في الآية إشارة إلى الإنزال الأول، وذلك أن الأرض كانت كتلة نارية، وإذ ذاك لم يكن الأمر على ما هو عليه الآن، فلما بدأت تتبرد لم يكن على قشرتها شئ من الماء، وإنما كان الماء كله بخارا، ثم بدأ البخار ينعقد فيتشكل

стр. 3445

مطرا، ثم يتبخر، وتكرر ذلك فترة طويلة من الزمان حتى استقر كله على الأرض، وبدأت دورته تنتظم من الأرض يكون التبخر، ثم يكون المطر، وهذا مظهر من مظاهر كون القرآن يسع الزمان والمكان. إن الحديث عن دورة الماء في هذا الكون لدليل على أن هذا القرآن من عند الله، وقد لفت هذا الموضوع نظر باحث فرنسي اسمه (موزيس بوكاي) فجعله أحد مواضيعه التي أثبت بها ربانية القرآن في كتابه (دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة) وها نحن أولاء ننقل لك هذا البحث مع ملاحظات لنا على بعض تعبيراته قال: - دورة الماء: في عصرنا، عند ما نقرأ، المرة بعد الأخرى، الآيات القرآنية الخاصة بدور المياه في حياة الإنسان، فإنها تبدو لنا معبرة عن أفكار واضحة تماما. والسبب في ذلك بسيط: ففي عصرنا نعرف كلنا- بدقة قد تقل أو قد تكثر- كيف تتم دورة الماء في الطبيعة. أما إذا أخذنا في اعتبارنا ما كان عليه مختلف المفاهيم القديمة في هذا الموضوع، فإننا ندرك أن المعطيات القرآنية لا تحتوي على عناصر نابعة من المفاهيم الأسطورية التي كانت سائدة في ذلك العصر، والتي كان للتفكير النظري فيها دور أكبر من معطيات الملاحظة، وإذا كان الناس قد نجحوا بالتجربة في اكتساب معارف عملية مفيدة على مستوى محدود لتحسين ري الأراضي، فعلى العكس فإن مفاهيمهم عن دورة الماء عموما غير مقبولة في عصرنا، وقد كان يمكن تخيل أن المياه الجوفية تأتي من تسرب مياه الأمطار داخل الأرض، ولكن ذلك لم يحدث، والمذكور- كاستثناء في تلك العصور القديمة- هو مفهوم رجل يدعى فيتروف أيد هذه الفكرة في روما في القرن الأول قبل الميلاد. وعلى هذا وطيلة قرون طويلة، يقع بينها عصر تنزيل القرآن، كان للناس مفاهيم مغلوطة تماما عن جريان المياه في الطبيعة. وفي مقال الهيدرولوجيا بدائرة معارف أو نيفرساليس: ج. كاستاني وب. بلافو وهما كاتبان متخصصان في هذه المسائل، يقدمان عن هذه المسألة اللمحة التاريخية المعبرة التالية: عند تاليس دي ميلات وكان ذلك في القرن السابع قبل الميلاد، كانت النظرية هي اندفاع مياه المحيطات بتأثير الرياح إلى داخل القارات، ثم سقوطه على الأرض، ثم ولوجه إلى التربة. وكان أفلاطون يقاسم هذه الأفكار، ويعتقد أن عودة المياه إلى المحيط تتم بواسطة هوة سحيقة اسمها تاتار. وقد كان لهذه النظرية أتباع عديدون حتى القرن الثامن عشر، ومنهم ديكارت، أما أرسطو فقد افترض أن بخار ماء التربة يتكاثف في التجاويف الباردة

стр. 3446

للجبال وتشكل بحيرات تحت الأرض تغذي الينابيع وقد تبعه سنيكا (القرن الأول الميلادي) في ذلك الرأي وكان له أتباع كثيرون حتى عام ١٨٧٧ ومنهم: أ. فولجر ويعود أول مفهوم صحيح عن دورة الماء إلى برنارد باليس عام ١٥٨٠، الذي أكد أن المياه الجوفية تأتي من تسرب ماء المطر في التربة، وقد صادق أ. ماريوت وب. بيرو في القرن السابع عشر هذا الرأي. أما المفاهيم غير الصحيحة السائدة في عصر محمد ﷺ فإننا لا نجد لها أي صدى في عبارات القرآن، ولا في أي موضع آخر. سورة ق ٥٠ - الآيات من ٩ إلى ١١: وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ* وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ* رِزْقاً لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ الْخُرُوجُ سورة المؤمنون ٢٣ - الآيتان ١٨ و ١٩: وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ* فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ لَكُمْ فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ. سورة الحجر ١٥ - الآية ٢٢: وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ بالنسبة لهذه الآية الأخيرة فهناك إمكانيتان للتفسير: يمكن اعتبار الرياح مخصبة للنباتات بواسطة نقل اللقاح، ولكن قد يكون المقصود هو صورة تعبيرية تذكر قياسا دور الريح الذي يجعل من سحابة لا تعطي مطرا سحابة تفك المطرة الفجائية، وكثيرا ما يذكر هذا الدور مثلما نرى في الآيات التالية: سورة فاطر ٣٥ - الآية: ٩: وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ ويلاحظ أن الأسلوب في الجزء الأول من الآية هو أسلوب القصة، ويليه دون تمهيد تصريح من الله. وهذه التعديلات الفجائية في شكل الخطاب تتردد كثيرا في القرآن. سورة الروم ٣٠ - الآية ٤٨: اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذا أَصابَ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ

стр. 3447

سورة الأعراف ٧ - الآية ٥٧: وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ سورة الفرقان ٢٥ - الآيتان ٤٨ و ٤٩: وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً. سورة الجاثية ٤٥ - الآية ٥: .... وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ. والرزق المقصود في الآية الأخيرة هو الماء الذي ينزل من السماء، كما يشير السياق إلى ذلك، ثم إن نبرة الآية تؤكد على تغير الرياح، فهي التي تعدل نظام سقوط الأمطار. سورة الرعد ١٣ - الآية ١٧: أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً ..... سورة الملك ٦٧ - الآية ٣٠: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ سورة الزمر ٣٩ - الآية ٢١: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ ...... سورة يس ٣٦ - الآية ٣٤: وَجَعَلْنا فِيها جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ. تؤكد الآيات الثلاث الأخيرة على أهمية العيون المائية، وتموينها بماء المطر الذي يتجه إليها ويستحق الأمر وقفة لنذكر بتسلط بعض المفاهيم في القرون الوسطى كمفهوم أرسطو الذي كان يرى أن الينابيع المائية تتمون بواسطة بحيرات جوفية، ويصف ر. أمينيراس الأستاذ بالمدرسة الوطنية للهندسة الزراعية والمياه والغابات في مقاله الهيدرولوجيا بدائرة معارف أونيفرساليس، يصف المراحل الرئيسية في علم المياه ويستشهد بأعمال الري القديمة الرائعة، وخاصة تلك التي أنجزت في الشرق الأوسط، وهو يلاحظ أن المعرفة العلمية قد سادت كل هذه الإنجازات، على حين كانت الأفكار صادرة عن مفاهيم مغلوطة ويردف المؤلف قائلا: (ويجب أن ننتظر حتى عصر النهضة

стр. 3448

(ما بين ١٤٠٠ و ١٦٠٠) تقريبا حتى تخلي المفاهيم الفلسفية الصرف المكان لأبحاث تعتمد على الملاحظة الموضوعية للظاهرات الهيدرولوجية. فقد ثار ليونارد دافنشي (١٤٥٢ - ١٥١٩) على دعاوى أرسطو. ويعطي برنارد باليس في بحث له بعنوان (خطاب في روعة طبيعة المياه والعيون الطبيعية منها والصناعية) (باريس ١٥٧٠) يعطي تفسيرا صحيحا عن دور الماء وخاصة عن تمريره الأمطار للينابيع ... أليست هذه بالتحديد هي الإشارة التي نجدها في الآية ٢١ من سورة الزمر التي تذكر اتجاه مياه الأمطار نحو الينابيع في الأرض. إن المطر والبرد موضوعا الآية: ٤٣ من سورة النور: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ وتستحق العبارة التالية تعليقا (سورة الواقعة الآيات من: ٦٨ إلى ٧٠): أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ* أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ* لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ. الاستشهاد بأن الله كان يستطيع أن يجعل الماء الطيب بطبيعته مالحا شديد الملوحة. هو طريقة في التعبير عن القدرة الإلهية أو طريقة أخرى في التعبير عن هذه المقدرة نفسها: تحدي الإنسان أن ينزل الماء من السحاب. ولكن، إذا كانت الطريقة الأولى مجرد قول بديهي، أفلا تكون الثانية كذلك في العصر الحديث حيث سمحت التكنولوجيا بإطلاق المطر صناعيا ... ؟ أيمكن معارضة دعوى القرآن بطاقة البشر على إنتاج المطر ... ؟ ليس الأمر كذلك، إذ يبدو أنه لا بد من الأخذ في الاعتبار بحدود إمكانيات الإنسان في هذا الميدان. وقد كتب م. ا. فاسى. مهندس عام الأرصاد الجوية الوطنية في مقاله «الهواطل» بدائرة معارف أو نيفرث ساليس ما يلي: لن يمكن أبدا إسقاط المطر من سحابة لا تحتوي على سمات السحابة القابلة للهطول أو من سحابة لم تصل إلى درجة مناسبة من التطور (أو النضج). وبالتالي فإن الإنسان لا يستطيع إلا أن يعجل بعملية الهطول مستعينا في ذلك بالوسائل التقنية الملائمة على شرط أن تكون الظروف الطبيعية لذلك جاهزة سلفا. ولو كان الأمر غير ذلك لما كان الجفاف عمليا، وهذا غير حادث، كما هو واضح التحكم في المطر والطقس الجميل ما زال حتى اليوم حلما. لا يستطيع الإنسان أن يقطع كيفما يشاء الدورة الثابتة التي تضمن حركة المياه في الطبيعة، وعلى حسب تعليمات

стр. 3449

الهيدرولوجيا الحديثة فيمكن تلخيص هذه الدورة كما يلي:- يثير الإشعاع الحراري للشمس تبخر الماء في المحيطات وكل السطوح الأرضية المغطاة أو المشبعة بالماء يتصاعد بخار الماء بهذا الشكل نحو الجو، ويشكل سحبا عن طريق تكاثفه. عندئذ تدخل الرياح لتؤدي دورها في نقل السحب بعد تشكلها إلى مسافات متنوعة. وقد تختفي السحب دون أن تعطي مطرا. كما يمكن أن تلتقي كتل السحاب مع كتل أخرى لتعطي بذلك سحبا ذات كثافة كبرى، وقد تتجزأ لتعطي مطرا في مرحلة من تطورها. وسرعان ما تتم الدورة بوصول المطر إلى البحار (التي تشكل ٧٠% من سطح الكرة الأرضية). أما المطر الذي يصل إلى الأرض فقد يمتص جزئيا بواسطة النباتات، مساهما في نموها وهذه بدورها تقوم من خلال ترشيحها بإعطاء جزء من الماء إلى الجو. أما الجزء الآخر فإنه يتسلل بمقدار قد يقل أو يكثر إلى التربة ليتجه نحو المحيطات عبر مجاري الماء، أو قد يتسرب في التربة ليعود نحو الشبكة السطحية عن طريق الينابيع أو الأماكن الأخرى، التي يخرج منها الماء إلى السطح. ولنقارن معطيات علم الهيدرولوجيا الحديث بتلك التي نجدها في كثير من الآيات القرآنية المذكورة في هذه الفقرة، سنلاحظ وجود توافق رائع بين الاثنين ***

стр. 3450

المجموعة الثالثة من المقطع الأول وتمتد من الآية (٢٣) إلى نهاية الآية (٥٦) وهذه هي: [سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٢٣ الى ٥٦] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٢٣) فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ (٢٤) إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (٢٥) قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ (٢٦) فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا فَإِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٢٧) فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٨) وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلاً مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٢٩) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (٣٠) ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ (٣١) فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٣٢) وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ما هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ (٣٤) أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥) هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ (٣٦) إِنْ هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٧) إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (٣٨) قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ (٣٩) قالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ (٤٠) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤١) ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ (٤٢) ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ (٤٣) ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (٤٤) ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٤٥) إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً عالِينَ (٤٦) فَقالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ (٤٧) فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (٤٨) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٤٩) وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ (٥٠) يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١) وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤) أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ (٥٦)

стр. 3451

التفسير: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ أي وحدوه ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ أي من معبود غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ أي أفلا تخافون عقوبة الله الذي هو ربكم وخالقكم إذا عبدتم غيره مما ليس من استحقاق العبادة في شئ فَقالَ الْمَلَأُ أي السادة والأشراف الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ قالوا للعامة ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ أي يأكل ويشرب ويطلب بدعواه الفضل عليكم والترؤس يعنون: يتفضل عليكم ويترفع بدعوى النبوة وهو بشر مثلكم، فكيف أوحي إليه دونكم وَلَوْ شاءَ اللَّهُ إرسال رسول لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهذا أي ببعثة البشر فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ يعنون بهذا أسلافهم وأجدادهم في الدهور الماضية قال النسفي: والعجب منهم أنهم رضوا بالألوهية للحجر ولم يرضوا بالنبوة للبشر إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ أي جنون أي فيما يزعمه من أن الله أرسله إليكم، واختصه من بينكم بالوحي، وهو ككلام ملاحدة العصر، إذ يعللون ظاهرة النبوة بأنها نوع صرع فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ أي فانتظروا واصبروا عليه إلى زمان حتى ينجلي أمره، فإن أفاق من جنونه وإلا قتلتموه قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ لما أيس من إيمانهم دعا الله بالانتقام منهم، والمعنى: يا رب أهلكهم بسبب تكذيبهم إياي، إذ في نصرته إهلاكهم، والمعنى: أبدلني من غم تكذيبهم سلوة النصر عليهم فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أي أجبنا دعاءه أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ أي السفينة بِأَعْيُنِنا قال النسفي: أي تصنعه وأنت واثق بحفظ الله لك ورؤيته إياك، أو بحفظنا وكلاءتنا كأن معك من الله حفاظا يكلئونك بعيونهم لئلا يتعرض لك ولا يفسد عليك مفسد عملك وَوَحْيِنا أي أمرنا وتعليمنا إياك صنعتها فَإِذا جاءَ أَمْرُنا أي عذابنا بأمرنا وَفارَ التَّنُّورُ أي فار الماء من تنور الخبز قال النسفي: أخرج سبب الغرق من موضع الحرق؛ ليكون أبلغ في الإنذار والاعتبار فَاسْلُكْ فِيها أي فأدخل

стр. 3452

في السفينة مِنْ كُلٍّ أي من كل صنف من أصناف المخلوقات زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ قال ابن كثير: أي ذكرا وأنثى من كل صنف من الحيوانات والنباتات والثمار وغير ذلك وَأَهْلَكَ أي وأدخل فيها أولادك ومن معك من المؤمنين والمؤمنات إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ من الله بإهلاكهم مِنْهُمْ وهم الذين لم يؤمنوا به من أهله، كابنه وزوجته وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا أي ولا تسألني نجاة الذين كفروا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ أي قد قضيت أنهم مغرقون على ما هم عليه من الكفر والطغيان، هذا نهي له أن تأخذه رأفة بقومه، وشفقة عليهم، وطمع في تأخيرهم لعلهم يؤمنون، وذلك عند معاينة إنزال المطر العظيم فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ أي فإذا تمكنتم عليها راكبين فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ أمر بالحمد على هلاكهم والنجاة منهم قال النسفي: ولم يقل: فقولوا وإن كان فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ في معنى إذا استويتم لأنه نبيهم وإمامهم، فكان قوله قولهم مع ما فيه من الإشعار بفضل النبوة وَقُلْ حين ركبت على السفينة أو حين خرجت منها رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا أي إنزالا مُبارَكاً قال النسفي: البركة في السفينة النجاة فيها وبعد الخروج منها كثرة النسل وتتابع الخيرات وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ فاختر لنا إِنَّ فِي ذلِكَ أي في هذا الصنيع وهو إنجاء المؤمنين وإهلاك الكافرين لَآياتٍ أي لعبرا ومواعظ وحججا ودلالات واضحات على صدق ما الأنبياء جاءوا به عن الله تعالى، وأنه تعالى فاعل لما يشاء، قادر على كل شئ عليم بكل شئ وَإِنْ أي وإن الشأن والقصة كُنَّا لَمُبْتَلِينَ أي لمختبرين للعباد بإرسال المرسلين، أو مختبرين بهذه الآيات عبادنا لننظر من يعتبر ويتذكر ثُمَّ أَنْشَأْنا أي خلقنا مِنْ بَعْدِهِمْ أى بعد قوم نوح قَرْناً آخَرِينَ قيل المراد بهم عاد فإنهم كانوا مستخلفين بعدهم، وقيل المراد بهؤلاء ثمود، ورجح النسفي أنهم عاد قوم هود قال: ويشهد له قول هود وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ ومجيء قصة هود على أثر قصة نوح في الأعراف وهود والشعراء فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أي من القوم أنفسهم، وليس من غيرهم أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ فماذا كان موقف الكفر وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ أي بلقاء ما فيها من الحساب والثواب والعقاب وغير ذلك وَأَتْرَفْناهُمْ أي ونعمناهم فِي الْحَياةِ الدُّنْيا بكثرة الأولاد والأموال قال هؤلاء ما هذا أي النبي إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ

стр. 3453

يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ أي منه أي من أين يدعي رسالة الله من بينكم وهو مثلكم وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ أي فيما يأمركم به وينهاكم عنه إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ بالانقياد لمثلكم، قال النسفي: ومن حمقهم أنهم أبوا اتباع مثلهم وعبدوا أعجز منهم أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ أي مبعوثون للسؤال والحساب والثواب والعقاب هَيْهاتَ هَيْهاتَ أي بعد بعد لِما تُوعَدُونَ من العذاب أو من البعث إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا أي لا حياة إلا هذه الحياة التي نحن فيها ودنت منا نَمُوتُ وَنَحْيا أي يموت بعض ويولد بعض، ينقرض قرن فيأتي قرن آخر وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ أي بعد الموت إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أي ما هو إلا مفتر على الله فيما يدعيه من استنبائه له، وفيما يعدنا من البعث وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ أي بمصدقين قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ استفتح عليهم الرسول، واستنصر ربه عليهم فأجاب دعاءه قالَ عَمَّا قَلِيلٍ أي عن قليل لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ إذا عاينوا ما يحل بهم فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ قال النسفي: أي صيحة جبريل صاح عليهم فدمرهم بِالْحَقِّ أي بالعدل من الله أي كانوا يستحقون ذلك من الله بكفرهم وطغيانهم فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً شبههم في دمارهم بالغثاء: وهو حميل السيل مما بلي واسود من الورق والعيدان فَبُعْداً أي هلاكا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ أي الكافرين ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ أي أمما وخلائق، كقوم صالح ولوط وشعيب وغيرهم ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أي ما تسبق أمة أَجَلَها المكتوب لها، والوقت الذي حد لهلاكها وكتب وَما يَسْتَأْخِرُونَ أي لا يتأخرون عنه يعني: بل يؤخذون على حسب ما قدر لهم الله تعالى في كتابه المحفوظ ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا أي متتابعين واحدا بعد واحد قال ابن عباس: يتبع بعضهم بعضا كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها المرسل إليها كَذَّبُوهُ أي جمهورهم وأكثرهم فَأَتْبَعْنا الأمم والقرون بَعْضَهُمْ بَعْضاً في الهلاك وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ أي أخبارا وأحاديث للناس قال النسفي: أخبارا يسمع بها ويتعجب منها، والأحاديث تكون اسم جمع للحديث، ومنه أحاديث النبي ﷺ ، وتكون جمعا للأحدوثة وهو ما يتحدث به الناس تلهيا وتعجبا وهو المراد هنا فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ أي فهلاكا لقوم كافرين ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا التسع وَسُلْطانٍ مُبِينٍ أي وحجة ظاهرة إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَاسْتَكْبَرُوا أي امتنعوا عن قبول الإيمان ترفعا وتكبرا

стр. 3454

وَكانُوا قَوْماً عالِينَ أي متكبرين مترفعين فَقالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما أي بنو إسرائيل لَنا عابِدُونَ أي خاضعون مطيعون وكل من دان لملك فهو عابد له عند العرب فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ بالغرق وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ أي التوراة لَعَلَّهُمْ أي لعل قومه يَهْتَدُونَ أي يعملون بشرائعها ومواعظها وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً تدل على قدرتنا على ما نشاء لأنه خلق من غير نطفة وكان هو وأمه آية لأن الأعجوبة فيهما واحدة وَآوَيْناهُما أي جعلنا مأواهما أي منزلهما إِلى رَبْوَةٍ أي إلى أرض مرتفعة ذاتِ قَرارٍ أي مستقر من أرض مستوية منبسطة، أو ذات ثمار وماء، لأنه لأجل الثمار يستقر فيها ساكنوها وَمَعِينٍ أي وماء ظاهر جار على وجه الأرض قال النسفي: وهي بيت المقدس أو دمشق أو الرملة أو مصر. وقال ابن كثير: وأقرب الأقوال في ذلك ما رواه العوفي عن ابن عباس في قوله: وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ قال: المعين: الماء الجاري وهو النهر الذي قال الله تعالى قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا. يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ أي الحلال وَاعْمَلُوا صالِحاً أي موافقا للشريعة قال ابن كثير: فدل هذا على أن الحلال عون على العمل الصالح، وقال النسفي (هذا الخطاب والنداء ليسا على ظاهرهما؛ لأنهم أرسلوا متفرقين في أزمنة مختلفة، وإنما المعنى الإعلام بأن كل رسول في زمانه نودي بذلك ووصي به، ليعتقد السامع أن أمرا نودي به جميع الرسل ووصوا به حقيق أن يؤخذ به، ويعمل عليه أو خطاب لمحمد ﵊ لفضله ومقامه مقام الكل في زمانه، وكان يأكل من الغنائم، أو لعيسى ﵇ لاتصال الآية بذكره، وكان يأكل من غزل أمه، وهو أطيب الطيبات، والمراد بالطيبات ما حل والأمر للتكليف، أو ما يستطاب يستلذ والأمر للترفيه والإباحة) إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ فأجازيكم على أعمالكم وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ يا معشر الأنبياء والرسل أُمَّةً واحِدَةً ملة واحدة، وشريعة واحدة، ودينا واحدا وَأَنَا رَبُّكُمْ وحدي فَاتَّقُونِ أي فخافوا عقابي في مخالفتكم أمري فَتَقَطَّعُوا أي قطعت الأمم أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً أي قطعا يعني: جعلوا دينهم أديانا، يعني قطعت الأمم أمر الأنبياء قطعا، وأخذت كل طائفة قطعة، وأمرهم واحد، وعن الحسن: قطعوا كتاب الله قطعا، وحرفوه كُلُّ حِزْبٍ أي كل فرقة من فرق هؤلاء المختلفين المتقطعين دينهم بِما لَدَيْهِمْ من الهوى والرأي فَرِحُونَ مسرورون معتقدون أنهم على الحق، ولهذا قال: متوعدا فَذَرْهُمْ أي فدعهم فِي غَمْرَتِهِمْ أي في

стр. 3455

جهالتهم وغفلتهم حَتَّى حِينٍ أي إلى أن يقتلوا أو يموتوا أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ أي أيظن هؤلاء المغرورون أن ما نعطيهم من الأموال والأولاد لكرامتهم علينا، ومعزتهم عندنا! كلا ليس الأمر كما يزعمون، لقد أخطئوا في ذلك، وخاب رجاؤهم، بل إنما نفعل ذلك استدراجا وإنظارا وإملاء بَلْ لا يَشْعُرُونَ أنه استدراج لهم؛ لأنهم لا يتأملون ليدركوا أنهم لا يستأهلون، فيعرفوا أنهم مستدرجون والمعنى: أن هذا الإمداد ليس إلا استدراجا لهم إلى المعاصي، وهم يحسبونه مسارعة لهم في الخيرات، ومعالجة بالثواب، جزاء على حسن صنيعهم. فوائد: ١ - بمناسبة قوله تعالى يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ قال ابن كثير: قال الحسن البصري في قوله تعالى يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ قال: أما والله ما أمركم بأصفركم ولا أحمركم ولا حلوكم ولا حامضكم، ولكن قال انتهوا إلى الحلال منه، وقال سعيد بن جبير والضحاك كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ يعني: الحلال، وقال أبو إسحاق السبيعي ...... كان عيسى ابن مريم يأكل من غزل أمه. وفي الصحيح «وما من نبي إلا رعى الغنم» قالوا: وأنت يا رسول الله؟ - قال «نعم وأنا كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة» وفي الصحيح «أن داود ﵇ كان يأكل من كسب يده» وفي الصحيحين «إن أحب الصيام إلى الله صيام داود كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، وكان يصوم يوما ويفطر يوما، ولا يفر إذا لاقى» وروى ابن أبي حاتم عن ضمرة بن حبيب أن أم عبد الله بنت شداد بن أوس قالت: بعثت إلى النبي ﷺ بقدح لبن عند فطره وهو صائم، وذلك في أول النهار، وشدة الحر، فرد إليها رسولها أنى كانت لك الشاة؟ فقالت: اشتريتها من مالي، فشرب منه، فلما كان من الغد أتته أم عبد الله بنت شداد فقالت: يا رسول الله بعثت إليك بلبن مرثية لك من طول النهار وشدة الحر فرددت إلى الرسول فيه فقال لها: «بذلك أمرت الرسل أن لا تأكل إلا طيبا ولا تعمل إلا صالحا» وقد ثبت في صحيح مسلم وجامع الترمذي ومسند الإمام أحمد واللفظ له من حديث فضيل بن مرزوق عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «يا أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ

стр. 3456

وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ وقال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، ومطعمه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام يمد يديه إلى السماء يا رب فأنى يستجاب لذلك، وقال الترمذي: حسن غريب. ٢ - بمناسبة قوله تعالى أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ ذكر ابن كثير الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا لمن أحب، فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه، والذي نفس محمد بيده لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه ولسانه، ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه قالوا: وما بوائقه يا رسول الله؟ قال غشمه وظلمه، ولا يكسب عبد مالا من حرام فينفق منه فيبارك له فيه، ولا يتصدق به فيقبل منه، ولا يتركه خلف ظهره، إلا كان زاده إلى النار، إن الله لا يمحو السيئ بالسيئ ولكن يمحو السيئ بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث». كلمة في السياق: لاحظنا أن المجموعة الأولى من السورة حددت صفات المؤمنين وبشرتهم، وأن المجموعة الثانية ذكرت ما يعمق الإيمان وما يقويه وما يبعث عليه، وجاءت المجموعة الثالثة وبها تم المقطع، لتذكر من خلال قصة قوم نوح ومن بعده بجزاء الكافرين فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ، ولتذكر بعناية الله بالمؤمنين، ولتصحح مفاهيم وأغاليط كافرة، ثم لتنتهي بدعوة الرسل، ومن باب أولى الخلق كلهم إلى أكل الحلال والعمل الصالح، لتصل إلى وحدة الأمة الإسلامية، وبالتالي وحدة مواقفها، ثم لتحدد ما ينبغي فعله في مقابل الكفر، وتصحح مفهوما خاطئا، هو أن الخير الدنيوي ليس مقياس الحق والرضا من الله، فالسورة إذن تتعانق مجموعاتها لتخدم قضية الإيمان والعمل الصالح، ومن ثم نلاحظ أن المجموعة الثالثة بعد أن قصت علينا شيئا من سير الأنبياء، وصلت إلى القول يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً وقد ذكرنا من قبل الصلة بين العمل الصالح، وأكل الحلال، وواضح أن العمل الصالح يخدم قضية الإيمان ويعمقها، فلنر محل هذه المجموعة بالنسبة للسياق القرآني العام:

стр. 3457

١ - ذكرنا أن محور سورة المؤمنون وهو الآيات الخمس من سورة البقرة المبدوءة بقوله تعالى وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ...... والآتية في حيز قوله تعالى يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ وكما أن الآيات الخمس في سورة البقرة تخدم هذا الأمر، فإننا نلاحظ أن السورة التي تفصل هذه الآيات الخمس تخدم هذا الأمر، ومن ثم نلاحظ في المجموعة التي بين أيدينا مجيء قوله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ* فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ وكما أننا فهمنا من الآيات الخمس الآتية في حيز هذا الأمر في سورة البقرة: أنه وجد كفر وكافرون، وفساد ومفسدون، فإن سياق المجموعة دلنا على أنه وجد كفر وكافرون في كل زمان ومكان كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ .... وإذن فكما أن للآيات الخمس في سورة البقرة صلة في الأمر يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا ..... فلهذه المجموعة ولسورة المؤمنين كلها صلة بهذا الحيز. ٢ - الآية الأولى من الآيات الخمس هي وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ..... هذه الآية خدمتها هذه المجموعة، من حيث عرضت لنا نموذجا للمؤمنين الكاملين، المتمثلين بالرسل عليهم الصلاة والصلام والسلام، بدليل أنها ذكرت بعد ما ذكرت الرسل يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ* فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً .... إن تقرير وحدة الرسالات والإنكار على من فرق أمر الرسل، وذكر اشتراك الرسل بالإيمان والعمل الصالح، وفي فعل الله للرسل وبهم من نصر وهداية ورعاية كل ذلك نمط من التبشير لأهل الإيمان. ٣ - نهاية الآية الثانية من الآيات الخمس والآية الثالثة منها وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ* الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ وفي ذكر ما فعل الأقوام برسلهم وما قالوه، وما حل بهم، نماذج على هذه الأخلاق، ونماذج على الخسارة، وفي ذكر إيتاء موسى الكتاب لعلهم يهتدون، نموذج على سنة الله في إنزاله الكتب. ٤ - الآية الرابعة من الآيات الخمس في سورة البقرة هي قوله تعالى كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ .... وفي هذه الآية تدليل على الإيمان، وإنكار

стр. 3458

على الكفر، وفي ذكر قصة عيسى وأمه وكونهما آية، إشارة إلى نوع من خلق الحياة هو وحده دليل على وجود الله. ٥ - الآية الخامسة من الآيات الخمس هي: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ هذه الآية خدمها في المجموعة قوله تعالى يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ إذ أباحت وطالبت، فإباحة ما في الأرض يقتضي عملا صالحا، وفي قوله تعالى بعد ذلك وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ما يشير إلى أن أدب الأمة الإسلامية في كل العصور، أكل الطيبات والعمل الصالح، ثم يأتي قوله تعالى: فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ مشيرا إلى أن الحجة على الكفر قائمة، وإذا كان عند الكافرين تصور خاطئ هو ارتباط فكرة الرخاء عندهم بفكرة رضى الله فقد صحح الله لهم هذا المفهوم أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ وإذن فالمجموعة الثالثة- كسابقتها- قد خدمت محور السورة؛ ففصلت نوع تفصيل الآيات الخمس في سورة البقرة مع خدمة حيز هذه الآيات في سورة البقرة. ... وفي نهاية هذه الكلمة أذكر هذه الملاحظة: في سورة البقرة ورد قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وردت هذه الآية هناك، ولم يرد مباشرة ماذا يترتب على ذلك، وفي سورة المؤمنون يرد قوله تعالى: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ لاحظ أن آية سورة البقرة مختومة بقوله تعالى وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وأن آية سورة المؤمنون مختومة بقوله تعالى إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ وأن الأمر: كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ هو مقتضى الإباحة في قوله تعالى هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وأن الأمر وَاعْمَلُوا صالِحاً هو مقتضى الشكر على الإباحة، اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً أفلا ترى أن مجيء هذه الآية بعد ذكر المجموعة الثانية التي فصلت بعض آثار قدرة الله، وذكرت أمهات نعمه، ألا ترى أن ذلك كله مفهوم الاتصال، مفهوم الروابط!!. ...

стр. 3459

وبعد، فإن المجموعات الثلاث التي مرت معنا في سورة المؤمنون تشكل المقطع الأول من هذه السورة، وقبل أن نبدأ عرض المقطع الثاني والأخير من السورة فلنذكر كلمة حول المقطع الأول. كلمة في المقطع الأول: بشر المقطع الأول أهل الإيمان والعمل الصالح بالجنة، وعرض خلال ذلك مجموعة الأخلاق والأعمال التي بها استحقوا ذلك، ثم عرض علينا مظاهر من أفعاله ﷻ ، تقتضي منا إيمانا وعملا وشكرا، ثم قص علينا من قصص الأنبياء ما فيه موعظة وتذكير وتحذير، ثم خاطب الرسل مطالبا إياهم بالعمل الصالح في مقابل أكل الطيبات، ثم بين لنا أن أمتنا واحدة، ومن ثم فإن كل مسلم مطالب بالعمل الصالح وأكل الحلال، ثم أنكر على من تقطع أمر الأنبياء، ثم بين أن مجرد السعة في الرزق لا تعني رضا الله؛ إذ رضا الله مرتبط- كما مر معنا من قبل- بالإيمان والعمل الصالح، وسار المقطع، كما رأينا من قبل- مفصلا لخمس آيات من سورة البقرة، حتى وصل السياق إلى ما وصل إليه، وهو أنه لا بد من العمل الصالح، وإن من يتوهم أن رضوان الله علامته السعة في الدنيا فهو خاطئ، إن رضوان الله علامته التوفيق إلى العمل الصالح الذي يستحق أهله البشارة، والذي هو الشكر العملي على إباحة الله للإنسان الطيبات، وبعد أن تستقر هذه المعاني يأتي المقطع الثاني: المقطع الثاني ويمتد من الآية (٥٧) إلى نهاية الآية (١١٨) أي إلى نهاية السورة. نلاحظ أن المقطع الثاني يتألف من أربع مجموعات، أو مقدمة ومجموعتين وخاتمة، المقدمة تتحدث عن الخصائص التي إذا وجدت وجد العمل الصالح، كما تتحدث عن كون التكليف بالعمل الصالح إنما هو بقدر الطاقة، ثم تتحدث عن الكافرين وحالهم في الرخاء وأعمالهم، ثم تأتي مجموعتان، ثم يختتم المقطع بخاتمة. ومن هذه الكلمة المختصرة عن المقطع ندرك أن المقطع الثاني على صلة كاملة بالمقطع الأول، فهو يربي على العمل الصالح، ويبين مرتكزاته النفسية، ويعالج موانعه، وينذر الكافرين الذين لا يؤمنون فيعملون. ونحن سنعرض المقطع على أنه مجموعات أربع، ونبين خلال العرض صلة آياته بسياق السورة الخاص والعام.

стр. 3460

المجموعة الأولى وهي مقدمة المقطع الثاني وتمتد من الآية (٥٧) إلى نهاية الآية (٦٣) وهذه هي: [سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٥٧ الى ٦٣] إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ (٦٠) أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ (٦١) وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٦٢) بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ (٦٣) التفسير: إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ أي: خائفون، قال ابن كثير، أي: هم مع إحسانهم وإيمانهم وعملهم الصالح مشفقون من الله، خائفون منه وجلون من مكره بهم، كما قال الحسن البصري: إن المؤمن جمع إحسانا وشفقة، وإن المنافق جمع إساءة وأمنا وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ أي: يؤمنون بآياته الكونية والشرعية، ومن ذلك كتبه، فلا يفرقون بين كتبه ولا بين معنى ومعنى في كتاب، كالذين تقطعوا أمرهم بينهم، كأهل الكتاب وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ أي: لا يعبدون معه غيره، بل يوحدونه ويعلمون أنه لا إله إلا الله الأحد الصمد، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا وأنه لا نظير له ولا كفء له وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا أي: يعطون ما أعطوا من الزكاة والصدقات وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أي: خائفة ألا تقبل منهم بتقصيرهم. قال ابن كثير: أي يعطون العطاء وهم خائفون وجلون ألا يتقبل منهم

стр. 3461

لخوفهم أن يكونوا قد قصروا في القيام بشروط الإعطاء، وهذا من باب الإشفاق والاحتياط أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ أي: لأنهم إلى ربهم راجعون أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ أي يرغبون في الطاعات فيبادرونها وَهُمْ لَها سابِقُونَ أي: وهم لأجل الخيرات سابقون إلى الجنان، أو لأجلها سبقوا الناس. كلمة في السياق: بينت الآيات أن من اجتمعت له هذه الخصائص الأربع وهي الخشية، والإيمان، والتوحيد، وتقديم العطاء، مع الوجل من عدم القبول، هو الذي يسارع في العمل الصالح، وعلى هذا فبعد أن بشرت السورة المؤمنين الذين يعملون الصالحات، وأوصلت إلى ضرورة ذلك بينت هذه الآيات ما هي الخصائص التي ينبع عنها العمل الصالح، ولنعد إلى التفسير: وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها أي: طاقتها يعني أن الذي وصف به الصالحون وطولب به الإنسان من العمل الصالح، غير خارج عن حد الوسع والطاقة وَلَدَيْنا كِتابٌ هو اللوح، أو صحيفة الأعمال يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ أي لا يقرءون منه يوم القيامة إلا ما هو صدق وعدل لا زيادة فيه ولا نقصان، ولا يظلم منهم أحدا بزيادة عقاب أو نقصان ثواب، أو بتكليف ما لا وسع له به بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا بل قلوب الكفرة في غفلة غامرة لها مما عليه هؤلاء الموصوفون من المؤمنين وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ أي ولهم أعمال خبيثة متجاوزة متخطية لذلك، أي: لما وصف به المؤمنون هُمْ لَها عامِلُونَ وعليها مقيمون لا يفطمون عنها حتى يأخذهم الله بالعذاب. ... كلمة في السياق: بعد أن بينت السورة ضرورة العمل الصالح، ومن هم أهله، بينت أن التكليف بحسب الوسع، ثم بينت أن الكافرين غافلون عن العمل الصالح، وغارقون في العمل السيئ دل ذلك على أن العمل الصالح أثر عن حال معينة للقلب وأن العمل السيئ أثر عن

стр. 3462

حال معينة للقلب. والآن نلاحظ أن كلمة (حتى) تتكرر ثلاث مرات بعد قوله تعالى بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ ١ - حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ الآية ٦٤. ٢ - حَتَّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً ذا عَذابٍ شَدِيدٍ إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ الآية ٧٧. ٣ - حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ* لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ الآية ٩٩، ١٠٠. ومن الآيات السابقة ندرك الآن سير السورة، فالكافرون قلوبهم في غمرة، وقد أنذرهم الله ثلاثة أشياء ليخرجهم من هذه الغمرة، ثم يأتي الإنذار الأخير في السورة فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ ... فهو إنذار رابع للكافرين الذين يعملون السيئات، إن السورة تبشر الذين يعملون الصالحات، وتنذر الذين يعملون السيئات، والسورة تبين ماهية العمل الصالح، وما هي مرتكزاته وأسبابه ودوافعه. وتبين العمل السيئ وأسبابه ودوافعه ومرتكزاته. وها نحن سنعرض عليك المجموعة الثانية في المقطع الثاني بعد أن ذكرنا بعض مفاتيح السياق. ***

стр. 3463

المجموعة الثانية من المقطع الثاني وتمتد من الآية (٦٤) إلى نهاية الآية (٧٧) وهذه هي: [سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٦٤ الى ٧٧] حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ (٦٤) لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ (٦٥) قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِراً تَهْجُرُونَ (٦٧) أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٦٩) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ (٧٠) وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (٧١) أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٧٢) وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٣) وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ (٧٤) وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٥) وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ (٧٦) حَتَّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً ذا عَذابٍ شَدِيدٍ إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٧) ***

стр. 3464

التفسير: حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ أي متنعميهم بِالْعَذابِ في الدنيا إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ أي يصرخون استغاثة إذ الجؤار: هو الصراخ باستغاثة فيقال لهم: لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ فإن الجؤار غير نافع لكم إِنَّكُمْ مِنَّا أي: من جهتنا لا تُنْصَرُونَ لا يلحقكم نصر أو معونة، قال ابن كثير: أي: لا يجيركم أحد مما حل بكم، سواء جأرتم أو سكتم، لا محيد ولا مناص ولا وزر، لزم الأمر، ووجب العذاب، ثم ذكر أكبر ذنوبهم فقال: قَدْ كانَتْ آياتِي أي: القرآن تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ أي: ترجعون القهقرى، النكوص: هو أن يرجع الإنسان القهقرى، وهي أبشع مشية لأنه لا يرى ما وراءه، والمعنى: إذا دعيتم أبيتم، وإذا طلبتم امتنعتم مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ أي متكبرين بالبيت أو بالحرم عن قبول الحق، كأنكم أهل الحرم أكبر من أن تكلفوا، أو مستكبرين بالقرآن، ومعنى استكبارهم به: تكذيبهم به استكبارا سامِراً تَهْجُرُونَ الهجر: الهذيان من القول، والفحش فيه، والسمر معروف، والمعنى: تسمرون بذكر القرآن وبالطعن فيه، وكانوا يجتمعون حول البيت يسمرون، وكان عامة سمرهم ذكر القرآن، وتسميته شعرا وسحرا، وقال النسفي: والسامر نحو الحاضر في الإطلاق على الجمع أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أي أفلم يتدبروا القرآن ليعلموا أنه الحق المبين، فيصدقوا به وبمن جاء به أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ أي بل أجاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين، فلذلك أنكروه واستبعدوه أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ محمدا بالصدق والأمانة ووفور العقل وصحة النسب وحسن الأخلاق؟ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ بغيا وحسدا، فقد عرفوه بصفاته وأنكروه أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ أي جنون وليس كذلك لأنهم يعلمون أنه أرجحهم عقلا، وأثقبهم ذهنا بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ الأبلج والصراط المستقيم، وبما خالف شهواتهم وأهواءهم، وهو التوحيد والإسلام، ولم يجدوا له مردا، ولا مدفعا، فلذلك نسبوه إلى الجنون وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ الأكثرون منهم يعرفون الحق ولا يؤمنون كراهة له، وبعضهم- وهم الأقل- لم يكونوا كارهين للحق- بل كانوا تاركين للإيمان به أنفة واستنكافا من توبيخ أقوامهم، وأن يقولوا صبئوا وتركوا دين آبائهم، كأبي طالب وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أي الله أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ قال ابن كثير: والمراد لو أجابهم الله إلى ما في أنفسهم من الهوى، وشرع الأمور على وفق ذلك، لفسدت السموات والأرض ومن فيهن، أي لفساد أهوائهم

стр. 3465

واختلافها بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ أي الكتاب الذي هو ذكرهم، أي وعظهم أو شرفهم؛ لأن الرسول ﷺ منهم والقرآن بلغتهم فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ أي بسوء اختيارهم أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً أي أجرا فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ أي أفضل المعطين، أي أنت لا تسألهم أجرة ولا جعلا ولا شيئا على دعوتك إياهم إلى الهدى، بل أنت في ذلك تحتسب عند الله جزيل ثوابه وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وهو دين الإسلام فحقيق أن يستجيبوا لك وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ. أي لعادلون عن هذا الصراط المذكور وهو الصراط المستقيم وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ مما يجأرون إلى الله بإزالته لَلَجُّوا أي لتمادوا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ أي يترددون يعني: لعادوا إلى ما كانوا عليه من الاستكبار وعداوة رسول الله ﷺ والمؤمنين. وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ أي ابتليناهم بالمصائب والشدائد فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ أي فما خضعوا ولا خشعوا وَما يَتَضَرَّعُونَ أي وما يدعون الله حَتَّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً ذا عَذابٍ شَدِيدٍ يعمهم جميعا إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ أي متحيرون آيسون من كل خير. نقل: عند قوله تعالى: وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ ... قال صاحب الظلال: (فالحق واحد ثابت، والأهواء كثيرة متقلبة. وبالحق الواحد يدبر الكون كله، فلا ينحرف ناموسه لهوى عارض، ولا تتخلف سننه لرغبة طارئة. ولو خضع الكون للأهواء العارضة، والرغبات الطارئة لفسد كله، ولفسد الناس معه، ولفسدت القيم والأوضاع، واختلت الموازين والمقاييس؛ وتأرجحت كلها بين الغضب والرضى، والكره والبغض، والرغبة والرهبة، والنشاط والخمول، وسائر ما يعرض من الأهواء والمواجد، والانفعالات والتأثيرات .. وبناء الكون المادي واتجاهه إلى غايته كلاهما في حاجة إلى الثبات والاستقرار والاطراد، على قاعدة ثابتة، ونهج مرسوم، لا يتخلف ولا يتأرجح ولا يحيد. ومن هذه القاعدة الكبرى في بناء الكون وتدبيره، جعل الإسلام التشريع للحياة

стр. 3466

البشرية جزءا من الناموس الكوني، تتولاه اليد التي تدبر الكون كله، وتنسق أجزاءه جميعا. والبشر جزء من هذا الكون، خاضع لناموسه الكبير، فأولى أن يشرع لهذا الجزء من يشرع للكون كله، ويدبره في تناسق عجيب. بذلك لا يخضع نظام البشر للأهواء فيفسد ويختل وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ. فوائد المجموعتين: ١ - عند قوله تعالى وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ يذكر ابن كثير الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن عائشة أنها قالت: يا رسول الله الَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ هو الذي يسرق ويزني ويشرب الخمر وهو يخاف الله ؟ قال: لا يا بنت الصديق: ولكنه الذي يصلي ويصوم ويتصدق وهو يخاف الله » وهكذا رواه الترمذي وابن أبي حاتم وقال «لا يا ابنة الصديق ولكنهم الذين يصلون ويصومون ويتصدقون وهم يخافون ألا يتقبل منهم». ٢ - رأينا أن بعض المفسرين فسروا قوله تعالى أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ فسروها بقولهم هم لأجلها سابقون، ويمكن أن يكون المعنى أن من اتصف بهذه الصفات يسبق الخيرات ويتقدم عليها بمعنى: أنه إذا مشى فالخير يمشي على أثره. ٣ - بمناسبة قوله تعالى بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ قال ابن كثير: (وقال قتادة: ذكر لنا أن نبي الله ﷺ لقي رجلا «فقال له: أسلم» فقال الرجل: إنك لتدعوني إلى أمر أنا له كاره فقال نبي الله ﷺ : «وإن كنت كارها» وذكر لنا أنه لقي رجلا فقال له «أسلم» فتصعده ذلك وكبر عليه، فقال له نبي الله ﷺ «أرأيت لو كنت في طريق وعر وعث، فلقيت رجلا تعرف وجهه، وتعرف نسبه، فدعاك إلى طريق واسع سهل، أكنت تتبعه؟ - قال نعم، وقال: فو الذي نفس محمد بيده إنك لفي أوعر من ذلك الطريق لو كنت عليه، وإني لأدعوك لأسهل من ذلك لو دعيت إليه، وذكر لنا أن نبي الله ﷺ لقي رجلا فقال له «أسلم» فتصعده ذلك فقال له نبي الله ﷺ «أرأيت لو كان لك فتيان أحدهما: إذا حدثك صدقك، وإذا ائتمنته أدى إليك. أهو أحب إليك أم فتاك الذي إذا حدثك كذبك، وإذا ائتمنته خانك؟» قال: بل فتاي الذي إذا حدثني صدقني، وإذا ائتمنه أدى إلي، فقال نبي

стр. 3467

الله ﷺ : «كذا كم أنتم عند ربكم». ٤ - بمناسبة قوله تعالى وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ذكر ابن كثير هذين الحديثين: أ- روى الإمام أحمد عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ أتاه فيما يرى النائم ملكان، قعد أحدهما عند رجليه والآخر عند رأسه، فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه: اضرب مثل هذا ومثل أمته، فقال: إن مثل هذا ومثل أمته، كمثل قوم سفر انتهوا إلى رأس مفازة، فلم يكن معهم من الزاد ما يقطعون به المفازة، ولا ما يرجعون به، فبينما هم كذلك إذ أتاهم رجل في حلة حبرة، فقال: أرأيتم إن أوردتكم رياضا معشبة، وحياضا رواء تتبعوني؟ فقالوا: نعم، قال: فانطلق بهم، وأوردهم رياضا معشبة وحياضا رواء، فأكلوا وشربوا وسمنوا، فقال لهم: ألم ألقكم على تلك الحال فجعلتم لي إن وردت بكم رياضا معشبة وحياضا رواء أن تتبعوني؟ قالوا: بلى، قال: فإن بين أيديكم رياضا أعشب من هذه، وحياضا هي أروى من هذه، فاتبعوني، قال: فقالت: طائفة: صدق والله لنتبعنه، وقالت طائفة: قد رضينا بهذا نقيم عليه». ب- وروى الحافظ أبو يعلى الموصلي عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله «إني ممسك بحجزكم هلم عن النار، هلم عن النار، وتغلبونني تتقاحمون فيها تقاحم الفراش والجنادب، فأوشك أن أرسل حجزكم، وأنا فرطكم على الحوض، فتردون علي جمعا وأشتاتا، أعرفكم بسيماكم وأسمائكم، كما يعرف الرجل الغريب من الإبل في إبله، فيذهب بكم ذات اليمين وذات الشمال، فأناشد فيكم رب العالمين، أي رب قومي أي رب أمتي فيقال يا محمد إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك إنهم كانوا يمشون بعدك القهقرى على أعقابهم، فلأعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل شاة لها ثغاء ينادي يا محمد، يا محمد فأقول: لا أملك لك من الله شيئا قد بلغت، ولأعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل بعيرا له رغاء ينادي يا محمد يا محمد فأقول لا أملك لك شيئا قد بلغت، ولأعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل فرسا لها حمحمة فينادي يا محمد يا محمد، فأقول لا أملك لك شيئا قد بلغت، ولأعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل سقاء من أدم ينادي يا محمد يا محمد، فأقول لا أملك لك شيئا قد بلغت».

стр. 3468

٥ - بمناسبة قوله تعالى وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ قال ابن كثير: (وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه قال: جاء أبو سفيان إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد أنشدك الله والرحم فقد أكلنا العلهز- يعني الوبر والدم- فأنزل الله وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ فَمَا اسْتَكانُوا الآية، وكذا رواه النسائي، وأصله في الصحيحين، أن رسول الله ﷺ دعا على قريش حين استعصوا فقال «اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف» وروى ابن أبي حاتم عن وهب بن عمر ابن كيسان قال: حبس وهب بن منبه فقال له رجل من الأبناء: ألا أنشدك بيتا من شعر يا أبا عبد الله؟ فقال وهب: نحن في طرف من عذاب الله، والله يقول: وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ قال: وصام وهب ثلاثا متواصلة، فقيل له ما هذا الصوم يا أبا عبد الله؟ قال أحدث لنا فأحدثنا: يعني أحدث لنا الحبس فأحدثنا زيادة عبادة). كلمة في السياق: بعد المجموعة الأولى التي حددت صفات من يسارع إلى الخيرات، وبينت أن التكليف بحسب الطاقة وأن بعض القلوب في غمرة من مثل هذه الخصائص، وأعمال أصحابها سيئة، جاءت هذه المجموعة المبدوءة ب حَتَّى والمنتهية ب حَتَّى والتي ذكر فيها نوعان من المنبهات: حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ حَتَّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً ذا عَذابٍ شَدِيدٍ إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ الأولى افتتحت بها المجموعة. والثانية ختمت بها المجموعة. والذي أفهمه أن الله أشار في الآيتين إلى نوعين من العذاب: عذابا يخص به، وعذابا يعم به. وكنموذج على العذابين في زمن النبوة: ضربة بدر، إذ أصابت في الغالب المترفين، ثم تسليط القحط على قريش حتى أكلوا الوبر بالدم. وكنموذج على العذابين في بلاد الإسلام: أن سلط الله الأنظمة المتطرفة على المترفين أولا، ثم عم بعذاب هذه الأنظمة الأمة. ففي العذاب الأول لا نرى أحدا يتعظ، وفي العذاب الثاني ييأس الناس. وفي ذكر هذين النوعين من العذاب تخليص للمسلم المؤمن من الغمرة إن أصابته، وفيما بين العذابين ذكر الله الأدلة، ووجه النظر، وأقام الحجة على الإيمان لاستخراج العمل الصالح، والآن تأتي مجموعة تذكر بفعل الله للإنسان، وصلة ذلك بقضية اليوم الآخر، والرد على من أنكره، وفيها أوامر لرسول الله ﷺ ، وتختم المجموعة بكلمة حَتَّى كما ختمت المجموعة السابقة.

стр. 3469

المجموعة الثالثة وتمتد من الآية (٧٨) حتى نهاية الآية (١٠٠) وهذه هي: [سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٧٨ الى ١٠٠] وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (٧٨) وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٩) وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٨٠) بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ (٨١) قالُوا أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢) لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هذا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٨٣) قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩) بَلْ أَتَيْناهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (٩٠) مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٩٢) قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ (٩٣) رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٩٤) وَإِنَّا عَلى أَنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ لَقادِرُونَ (٩٥) ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ (٩٦) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨) حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠)

стр. 3470

التفسير: وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ أي العقول التي يعتبرون بواسطتها بما في الكون من الآيات الدالة على وحدانية الله، وأنه الفاعل المختار، وقد خص الله هذه الأشياء الثلاثة بالذكر لما يتعلق بها من المنافع الدينية والدنيوية، مما لا يتعلق بغيرها قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ أي ما أقل شكركم لله على ما أنعم به عليكم أي تشكرون شكرا قليلا. والمعنى: أنكم لم تعرفوا عظم هذه النعم، ووضعتموها في غير مواضعها، فلم تعملوا أبصاركم وأسماعكم في آيات الله وأفعاله، ولم تستدلوا بقلوبكم فتعرفوا المنعم ولم تشكروا له وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ أي خلقكم، وبثكم بالتناسل وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ أي تجمعون يوم القيامة بعد تفرقكم وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ أي يحيي النسم بالإنشاء ويميتها بالإفناء وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ المراد مجيء أحدهما عقيب الآخر، أو اختلافهما في الظلمة والنور، أو في الزيادة والنقصان، واختلافهما مختص به وحده، ولا يقدر على تصريفهما غيره أَفَلا تَعْقِلُونَ أي أفليس لكم عقول تعرفون بها قدرتنا على البعث، أو تستدلون بواسطتها بالصنع على الصانع فتؤمنون بَلْ قالُوا أي الكافرون والمشركون مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ أي الكفار قبلهم، ثم بين ما قالوا قالُوا أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هذا أي بالبعث مِنْ قَبْلُ أي من قبل بعثة محمد ﷺ إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ أي اختلافات الأولين، فالأساطير: جمع أسطورة، والأسطورة هي الشئ المختلق.
следующие страницы →