← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.

стр. 3466

البشرية جزءا من الناموس الكوني، تتولاه اليد التي تدبر الكون كله، وتنسق أجزاءه جميعا. والبشر جزء من هذا الكون، خاضع لناموسه الكبير، فأولى أن يشرع لهذا الجزء من يشرع للكون كله، ويدبره في تناسق عجيب. بذلك لا يخضع نظام البشر للأهواء فيفسد ويختل وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ. فوائد المجموعتين: ١ - عند قوله تعالى وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ يذكر ابن كثير الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن عائشة أنها قالت: يا رسول الله الَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ هو الذي يسرق ويزني ويشرب الخمر وهو يخاف الله ؟ قال: لا يا بنت الصديق: ولكنه الذي يصلي ويصوم ويتصدق وهو يخاف الله » وهكذا رواه الترمذي وابن أبي حاتم وقال «لا يا ابنة الصديق ولكنهم الذين يصلون ويصومون ويتصدقون وهم يخافون ألا يتقبل منهم». ٢ - رأينا أن بعض المفسرين فسروا قوله تعالى أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ فسروها بقولهم هم لأجلها سابقون، ويمكن أن يكون المعنى أن من اتصف بهذه الصفات يسبق الخيرات ويتقدم عليها بمعنى: أنه إذا مشى فالخير يمشي على أثره. ٣ - بمناسبة قوله تعالى بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ قال ابن كثير: (وقال قتادة: ذكر لنا أن نبي الله ﷺ لقي رجلا «فقال له: أسلم» فقال الرجل: إنك لتدعوني إلى أمر أنا له كاره فقال نبي الله ﷺ : «وإن كنت كارها» وذكر لنا أنه لقي رجلا فقال له «أسلم» فتصعده ذلك وكبر عليه، فقال له نبي الله ﷺ «أرأيت لو كنت في طريق وعر وعث، فلقيت رجلا تعرف وجهه، وتعرف نسبه، فدعاك إلى طريق واسع سهل، أكنت تتبعه؟ - قال نعم، وقال: فو الذي نفس محمد بيده إنك لفي أوعر من ذلك الطريق لو كنت عليه، وإني لأدعوك لأسهل من ذلك لو دعيت إليه، وذكر لنا أن نبي الله ﷺ لقي رجلا فقال له «أسلم» فتصعده ذلك فقال له نبي الله ﷺ «أرأيت لو كان لك فتيان أحدهما: إذا حدثك صدقك، وإذا ائتمنته أدى إليك. أهو أحب إليك أم فتاك الذي إذا حدثك كذبك، وإذا ائتمنته خانك؟» قال: بل فتاي الذي إذا حدثني صدقني، وإذا ائتمنه أدى إلي، فقال نبي

стр. 3467

الله ﷺ : «كذا كم أنتم عند ربكم». ٤ - بمناسبة قوله تعالى وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ذكر ابن كثير هذين الحديثين: أ- روى الإمام أحمد عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ أتاه فيما يرى النائم ملكان، قعد أحدهما عند رجليه والآخر عند رأسه، فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه: اضرب مثل هذا ومثل أمته، فقال: إن مثل هذا ومثل أمته، كمثل قوم سفر انتهوا إلى رأس مفازة، فلم يكن معهم من الزاد ما يقطعون به المفازة، ولا ما يرجعون به، فبينما هم كذلك إذ أتاهم رجل في حلة حبرة، فقال: أرأيتم إن أوردتكم رياضا معشبة، وحياضا رواء تتبعوني؟ فقالوا: نعم، قال: فانطلق بهم، وأوردهم رياضا معشبة وحياضا رواء، فأكلوا وشربوا وسمنوا، فقال لهم: ألم ألقكم على تلك الحال فجعلتم لي إن وردت بكم رياضا معشبة وحياضا رواء أن تتبعوني؟ قالوا: بلى، قال: فإن بين أيديكم رياضا أعشب من هذه، وحياضا هي أروى من هذه، فاتبعوني، قال: فقالت: طائفة: صدق والله لنتبعنه، وقالت طائفة: قد رضينا بهذا نقيم عليه». ب- وروى الحافظ أبو يعلى الموصلي عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله «إني ممسك بحجزكم هلم عن النار، هلم عن النار، وتغلبونني تتقاحمون فيها تقاحم الفراش والجنادب، فأوشك أن أرسل حجزكم، وأنا فرطكم على الحوض، فتردون علي جمعا وأشتاتا، أعرفكم بسيماكم وأسمائكم، كما يعرف الرجل الغريب من الإبل في إبله، فيذهب بكم ذات اليمين وذات الشمال، فأناشد فيكم رب العالمين، أي رب قومي أي رب أمتي فيقال يا محمد إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك إنهم كانوا يمشون بعدك القهقرى على أعقابهم، فلأعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل شاة لها ثغاء ينادي يا محمد، يا محمد فأقول: لا أملك لك من الله شيئا قد بلغت، ولأعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل بعيرا له رغاء ينادي يا محمد يا محمد فأقول لا أملك لك شيئا قد بلغت، ولأعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل فرسا لها حمحمة فينادي يا محمد يا محمد، فأقول لا أملك لك شيئا قد بلغت، ولأعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل سقاء من أدم ينادي يا محمد يا محمد، فأقول لا أملك لك شيئا قد بلغت».

стр. 3468

٥ - بمناسبة قوله تعالى وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ قال ابن كثير: (وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه قال: جاء أبو سفيان إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد أنشدك الله والرحم فقد أكلنا العلهز- يعني الوبر والدم- فأنزل الله وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ فَمَا اسْتَكانُوا الآية، وكذا رواه النسائي، وأصله في الصحيحين، أن رسول الله ﷺ دعا على قريش حين استعصوا فقال «اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف» وروى ابن أبي حاتم عن وهب بن عمر ابن كيسان قال: حبس وهب بن منبه فقال له رجل من الأبناء: ألا أنشدك بيتا من شعر يا أبا عبد الله؟ فقال وهب: نحن في طرف من عذاب الله، والله يقول: وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ قال: وصام وهب ثلاثا متواصلة، فقيل له ما هذا الصوم يا أبا عبد الله؟ قال أحدث لنا فأحدثنا: يعني أحدث لنا الحبس فأحدثنا زيادة عبادة). كلمة في السياق: بعد المجموعة الأولى التي حددت صفات من يسارع إلى الخيرات، وبينت أن التكليف بحسب الطاقة وأن بعض القلوب في غمرة من مثل هذه الخصائص، وأعمال أصحابها سيئة، جاءت هذه المجموعة المبدوءة ب حَتَّى والمنتهية ب حَتَّى والتي ذكر فيها نوعان من المنبهات: حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ حَتَّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً ذا عَذابٍ شَدِيدٍ إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ الأولى افتتحت بها المجموعة. والثانية ختمت بها المجموعة. والذي أفهمه أن الله أشار في الآيتين إلى نوعين من العذاب: عذابا يخص به، وعذابا يعم به. وكنموذج على العذابين في زمن النبوة: ضربة بدر، إذ أصابت في الغالب المترفين، ثم تسليط القحط على قريش حتى أكلوا الوبر بالدم. وكنموذج على العذابين في بلاد الإسلام: أن سلط الله الأنظمة المتطرفة على المترفين أولا، ثم عم بعذاب هذه الأنظمة الأمة. ففي العذاب الأول لا نرى أحدا يتعظ، وفي العذاب الثاني ييأس الناس. وفي ذكر هذين النوعين من العذاب تخليص للمسلم المؤمن من الغمرة إن أصابته، وفيما بين العذابين ذكر الله الأدلة، ووجه النظر، وأقام الحجة على الإيمان لاستخراج العمل الصالح، والآن تأتي مجموعة تذكر بفعل الله للإنسان، وصلة ذلك بقضية اليوم الآخر، والرد على من أنكره، وفيها أوامر لرسول الله ﷺ ، وتختم المجموعة بكلمة حَتَّى كما ختمت المجموعة السابقة.

стр. 3469

المجموعة الثالثة وتمتد من الآية (٧٨) حتى نهاية الآية (١٠٠) وهذه هي: [سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٧٨ الى ١٠٠] وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (٧٨) وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٩) وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٨٠) بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ (٨١) قالُوا أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢) لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هذا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٨٣) قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩) بَلْ أَتَيْناهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (٩٠) مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٩٢) قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ (٩٣) رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٩٤) وَإِنَّا عَلى أَنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ لَقادِرُونَ (٩٥) ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ (٩٦) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨) حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠)

стр. 3470

التفسير: وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ أي العقول التي يعتبرون بواسطتها بما في الكون من الآيات الدالة على وحدانية الله، وأنه الفاعل المختار، وقد خص الله هذه الأشياء الثلاثة بالذكر لما يتعلق بها من المنافع الدينية والدنيوية، مما لا يتعلق بغيرها قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ أي ما أقل شكركم لله على ما أنعم به عليكم أي تشكرون شكرا قليلا. والمعنى: أنكم لم تعرفوا عظم هذه النعم، ووضعتموها في غير مواضعها، فلم تعملوا أبصاركم وأسماعكم في آيات الله وأفعاله، ولم تستدلوا بقلوبكم فتعرفوا المنعم ولم تشكروا له وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ أي خلقكم، وبثكم بالتناسل وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ أي تجمعون يوم القيامة بعد تفرقكم وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ أي يحيي النسم بالإنشاء ويميتها بالإفناء وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ المراد مجيء أحدهما عقيب الآخر، أو اختلافهما في الظلمة والنور، أو في الزيادة والنقصان، واختلافهما مختص به وحده، ولا يقدر على تصريفهما غيره أَفَلا تَعْقِلُونَ أي أفليس لكم عقول تعرفون بها قدرتنا على البعث، أو تستدلون بواسطتها بالصنع على الصانع فتؤمنون بَلْ قالُوا أي الكافرون والمشركون مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ أي الكفار قبلهم، ثم بين ما قالوا قالُوا أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هذا أي بالبعث مِنْ قَبْلُ أي من قبل بعثة محمد ﷺ إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ أي اختلافات الأولين، فالأساطير: جمع أسطورة، والأسطورة هي الشئ المختلق.

стр. 3471

كلمة في السياق: إن سورة المؤمنون محورها الآيات الخمس التي آخرها قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ والملاحظ أن هذه الآية جاءت بعد قوله تعالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ومن ثم فإن في آية هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً تدليلا على وجود الله، وتدليلا على اليوم الآخر. وقد لاحظنا أن المقطع الأول انتهى بالتذكير بما ينبغي أن يكون عليه الناس من شكر المنعم، والآن يعود السياق إلى ذكر النعم أي إلى تفصيل قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ......... وعقب على ذلك بذكر إنكارهم لليوم الآخر، ولو تذكرنا محور السورة لأدركنا الصلة بين الموضوعين، فلنر كيف ردت المجموعة على إنكارهم لليوم الآخر: ... قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أي من مالكها الذي خلقها ومن فيها من الحيوانات والنباتات والثمرات وسائر صنوف المخلوقات، إن كان عندكم علم؟ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ لأنهم يقرون بأنه الخالق، فإذا أقروا بذلك قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ فتعلموا أن من فطر الأرض ومن فيها، كان قادرا على إعادة الخلق وكان حقيقا بألا يشرك به بعض خلقه في الربوبية قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أي من هو خالق العالم العلوي سماواته وعرشه!؟ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ. وإذا اعترفوا بمالكية الله له فقد اعترفوا بربوبيته وإذا اعترفوا: قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ أي أفلا تخافون فلا تشركون به، أو أفلا تتقون في جحودكم قدرته على البعث، مع اعترافكم بقدرته على خلق الأشياء قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ أي بيده الملك وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ يعني وهو يغيث من يشاء ممن يشاء، ولا يغيث أحد منه أحدا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ أي سيعرفون أن السيد العظيم الذي يجير ولا يجار عليه هو الله وحده لا شريك له قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ أي فكيف تذهب عقولكم في عبادتكم معه غيره، مع اعترافكم وعلمكم بذلك، وكيف تذهب عقولكم فلا تؤمنون باليوم الآخر. قال النسفي في تفسير تسحرون: تخدعون عن الحق، أو عن

стр. 3472

توحيده وطاعته والخادع هو الشيطان والهوى بَلْ أَتَيْناهُمْ بِالْحَقِّ في أمر العبادة والتقوى والتصورات والعقائد والشعائر والمشاعر وكل شئ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ في دعواهم الإيمان بالله، وفي إنكارهم اليوم الآخر، وفي كل موقف خالف الإسلام. كلمة في السياق: نلاحظ أن الأسئلة التي وجهت في هذه الفقرة لها صلة بقوله تعالى هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ كما أنها كانت ردا شاملا لإنكارهم اليوم الآخر، مع تركيزها على الإيمان الصحيح بالله، ومن ثم تأتي الآن آيتان تنفيان اتخاذ الله ولدا وتنفيان الشرك. ... مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ لأنه منزه عن النوع والجنس، وولد الرجل من جنسه وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ أي وليس معه شريك في الألوهية إذ لو كان إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ أي لانفرد كل واحد من الآلهة بالذي خلقه فاستبد به، ولتميز ملك كل واحد منهم عن الآخر وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ أي ولغلب بعضهم بعضا، وإذ لم تروا أثرا لتمايز الممالك، وللتغالب، فاعلموا أنه إله واحد بيده ملكوت كل شئ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ من الأنداد والأولاد عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أي يعلم ما يغيب عن المخلوقات وما يشاهدونه فَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ تقدس وتنزه، وتعالى عما يقول الظالمون والجاحدون، وإذ قامت الحجة على الكفر والشرك يتوجه الخطاب إلى رسول الله ﷺ وهو خطاب لكل مسلم: قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ أي إن كان لا بد أن تريني ما تعدهم في الدنيا أو في الآخرة فلا تجعلني قرينا لهم ولا تعذبني بعذابهم وَإِنَّا عَلى أَنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ لَقادِرُونَ قال ابن كثير: (أي لو شئنا لأريناك ما نحل بهم من النقم والبلاء والمحنة). وقال النسفي: (كانوا ينكرون الموعد بالعذاب، ويضحكون منه، فقيل لهم إن الله قادر على إنجاز ما وعد إن تأملتم فما وجه هذا الإنكار). قال ابن كثير: (ثم قال تعالى مرشدا له إلى الترياق النافع في مخالطة الناس وهو الإحسان إلى من يسئ إليه، ليستجلب خاطره، فتعود عداوته صداقة وبغضه محبة فقال تعالى ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ ادفع بالخصلة التي هي أحسن السيئة). قال النسفي: وهو أبلغ من أن يقال بالحسنة السيئة، لما فيه من التفضيل، كأنه قال ادفع بالحسنى السيئة، والمعنى:

стр. 3473

اصفح عن إساءتهم وقابلها بالإحسان، وقال ابن عباس ﵄ مفسرا الحسنى بأنها: شهادة أن لا إله إلا الله والسيئة: بأنها الشرك، وهناك اتجاهات كثيرة في تفسير الحسنة والسيئة، قال بعضهم مفسرا الآية: ادفع الفحش بالسلام، والمنكر بالموعظة، وذهب بعضهم في الآية إلى أنها منسوخة، وقال آخرون: إنها محكمة إذ المداراة محثوث عليها ما لم تؤد إلى ثلم دين. نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ من الشرك والأذى وغير ذلك فنجازيهم عليه وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ أي من وساوسهم ونخساتهم. وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ أمر بالتعوذ من نخساتهم بلفظ المبتهل إلى ربه المكرر لندائه، وبالتعوذ من أن يحضروه أصلا، أو عند تلاوة قرآن أو عند النزع. كلمة في السياق: أمر الله رسوله ﷺ في الآيتين الأخيرتين: أن يدعو دعوتين، وأمره قبل ذلك أن يدفع السيئة بالحسنة، ومن ذلك نفهم أن دفع السيئة بالحسنة يحتاج إلى استعاذة بالله من الشيطان، إذ النفس يصعب عليها هذا المقام، والشيطان يستغل هذه الصعوبة، ومجيء أمر الدفع بالحسنة بعد الدعاء بألا يصيب رسول الله ﷺ ما يصيب الظالمين، يشير إلى الحالة الشعورية التي ينبغي أن يكون عليها المسلم، حتى وهو يحسن ويصفح، ومجيء هذه المعاني في سياق الأمر بالإيمان والعمل الصالح يذكرنا بأن هذه الأمور من الأعمال الصالحة، ومن مقتضيات الإيمان، والآن تأتي آخر آية في المجموعة وهي تحذر من ترك الإيمان والعمل الصالح. ... حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ أي لا يزالون يكفرون ويعملون السيئات إلى هذا الوقت قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ أي ردوني إلى الدنيا لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ أي في الموضع الذي تركت، وهو الدنيا لأنه ترك الدنيا وصار إلى العقبى، قال قتادة: ما تمنى أن يرجع إلى أهل، ولا إلى عشيرة، ولكن ليتدارك ما فرط كَلَّا حرف ردع وزجر، أي لا نجيبه إلى ما طلب ولا نقبل منه إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها أي لا محالة لا يخليها ولا يسكت عنها لاستيلاء الحسرة والندم عليه، قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أي لا بد أن يقولها لا محالة كل محتضر ظالم وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ أي حائل بينهم وبين الرجوع إلى الدنيا إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ لم يرد أنهم يرجعون يوم البعث وإنما هو إقناط كلي، لما علم أن لا رجوع بعد البعث إلا إلى

стр. 3474

الآخرة. كلمة في السياق: في قوله تعالى: لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ مفتاح من مفاتيح السياق، فالعمل الصالح أحد مواضيع السورة الرئيسية الموجودة في المحور، وهذه الآية التي استقر عليها سياق المجموعة التي بين أيدينا، تدل على ذلك، ثم إن هذه الآية تشكل التهديد الثالث في هذا السياق للذين قلوبهم في غمرة عن الحق، ويعملون السيئات. فوائد: ١ - بمناسبة قوله تعالى مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ينقل ابن كثير نقولا حول العرش قال: (كما جاء في الحديث الذي رواه أبو داود عن رسول الله ﷺ أنه قال: «شأن الله أعظم من ذلك إن عرشه على سماواته هكذا» وأشار بيده مثل القبة، وفي الحديث الآخر: «ما السماوات السبع والأرضون السبع وما بينهن وما فيهن في الكرسي إلا كحلقة ملقاة في أرض فلاة، وإن الكرسي بما فيه بالنسبة إلى العرش كتلك الحلقة في تلك الفلاة» ولهذا قال بعض السلف: إن مسافة ما بين قطري العرش من جانب إلى جانب مسيرة خمسين ألف سنة، وارتفاعه عن الأرض السابعة مسيرة خمسين ألف سنة. وقال الضحاك عن ابن عباس: إنما سمي عرشا لارتفاعه، وقال الأعمش عن كعب الأحبار: إن السماوات والأرض في العرش كالقنديل المعلق بين السماء والأرض. وقال مجاهد: ما السماوات والأرض في العرش إلا كحلقة في أرض فلاة. وقال ابن أبي حاتم: عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: العرش لا يقدر قدره أحد، وفي رواية إلا الله . ٢ - وبمناسبة قوله تعالى مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ذكر ابن كثير دليل التمانع الذي يتحدث عنه المتكلمون قال: (وعبروا عنه بدليل التمانع وهو أنه لو فرض صانعان فصاعدا، فأراد واحد تحريك جسم، والآخر أراد سكونه، فإن لم يحصل مراد كل واحد منهما كانا عاجزين، والواجب لا يكون عاجزا، ويمتنع اجتماع مراديهما للتضاد، وما جاء هذا المحال إلا من فرض التعدد فيكون محالا، فأما إن حصل مراد أحدهما دون الآخر كان الغالب هو الواجب، والآخر المغلوب ممكنا، لأنه لا يليق

стр. 3475

بصفة الواجب أن يكون مقهورا ولهذا قال تعالى: وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ أي عما يقول الظالمون المعتدون في دعواهم الولد، أو الشريك علوا كبيرا عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أي ما يغيب عن المخلوقات وما يشاهدونه فَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ أي تقدس وتنزه وتعالى وعزّ وجل عما يقول الظالمون والجاحدون). ٣ - وعند قوله تعالى وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ قال ابن كثير: (أمره الله أن يستعيذ من الشياطين لأنهم لا تنفع معهم الحيل، ولا ينقادون بالمعروف، وقد قدمنا عند الاستعاذة أن رسول الله ﷺ كان يقول: «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه» وقوله تعالى: وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ أي في شئ من أمري، ولهذا أمر بذلك الله في ابتداء الأمور، وذلك لطرد الشيطان عند الأكل، والجماع، والذبح، وغير ذلك من الأمور، ولهذا روى أبو داود أن رسول الله ﷺ كان يقول: «اللهم إني أعوذ بك من الهرم وأعوذ بك من الهدم ومن الغرق وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت» وروى الإمام أحمد: عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا كلمات يقولهن عند النوم من الفزع: «بسم الله أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه ومن شر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون» قال فكان عبد الله بن عمرو يعلمها من بلغ من ولده أن يقولها عند نومه ومن كان منهم صغيرا لا يعقل أن يحفظها كتبها له فعلقها في عنقه. ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث محمد بن إسحاق وقال الترمذي حسن غريب. ٤ - بمناسبة قوله تعالى: حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قال ابن كثير: (وقال قتادة في قوله تعالى حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قال: كان العلاء ابن زياد يقول: لينزلن أحدكم نفسه أنه قد حضره الموت فاستقال ربه فأقاله، فليعمل بطاعة الله تعالى. وقال قتادة والله ما تمنى إلا أن يرجع فيعمل في طاعة الله، فانظروا أمنية الكافر المفرط فاعملوا بها ولا قوة إلا بالله، وعن محمد بن كعب القرظي نحوه، وروى محمد بن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: إذا وضع- يعني الكافر- في قبره فيرى مقعده من النار قال فيقول: رب ارجعون أتوب وأعمل

стр. 3476

صالحا، قال فيقال قد عمرت ما كنت معمرا، قال فيضيق عليه قبره ويلتئم، فهو كالمنهوش ينام ويفزع، تهوي إليه هوام الأرض وحياتها وعقاربها، وروى أيضا عن عائشة ﵂ أنها قالت: ويل لأهل المعاصي من أهل القبور، تدخل عليهم في قبورهم حيات سود أودهم، حية عند رأسه، وحية عند رجليه، يقرصانه حتى يلتقيان في وسطه، فذلك العذاب في البرزخ الذي قال الله تعالى وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ. وقال أبو صالح وغيره في قوله تعالى وَمِنْ وَرائِهِمْ يعني أمامهم. وقال مجاهد: البرزخ: الحاجز ما بين الدنيا والآخرة. وقال محمد بن كعب: البرزخ ما بين الدنيا والآخرة، ليسوا مع أهل الدنيا يأكلون ويشربون، ولا مع أهل الآخرة يجازون بأعمالهم. وقال أبو صخر البرزخ: المقابر لا هم في الدنيا ولا هم في الآخرة، فهم مقيمون إلى يوم يبعثون، وفي قوله تعالى وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ تهديد لهؤلاء المحتضرين من الظلمة بعذاب البرزخ كما قال تعالى مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ وقال تعالى وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ وقوله تعالى إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ أي يستمر به العذاب إلى يوم البعث كما جاء في الحديث «فلا يزال معذبا فيها» أي في الأرض). المجموعة الرابعة وهي خاتمة السورة وتمتد من الآية (١٠١) حتى نهاية السورة أي إلى نهاية الآية (١١٨) وهذه هي: [سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ١٠١ الى ١١٨] فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ (١٠١) فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ (١٠٣) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيها كالِحُونَ (١٠٤) أَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (١٠٥) قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنَّا قَوْماً ضالِّينَ (١٠٦) رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ (١٠٧) قالَ اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ (١٠٨) إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ (١١١) قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ (١١٣) قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١٤) أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦) وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ (١١٧) وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١١٨)

стр. 3477

كلمة بين يدي المجموعة الرابعة: لقد تدرج الإنذار في هذا المقطع، أنذرهم أولا بأخذ المترفين، ثم أنذرهم بأخذ الجميع، ثم أنذرهم بالموت، وها هي المجموعة الرابعة تنذرهم باليوم الآخر. ... التفسير: فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نفخة النشور وهي النفخة الثانية فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ يعني في ذلك اليوم يقع التقاطع بينهم، حيث يتفرقون مثابين ومعاقبين، فيومئذ لا يكون التواصل بينهم بالأنساب، وإنما بالأعمال وَلا يَتَساءَلُونَ أي سؤال

стр. 3478

تواصل كما كانوا في الدنيا، لأن كلا مشغول عن سؤال صاحبه بحاله والجمع بين هذا وبين قوله وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ*، أن للقيامة مواطن ففي موطن يشتد عليهم الخوف فلا يتساءلون وفي موطن يفيقون فيتساءلون فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ قال النسفي: جمع موزون وهي الموزونات من الأعمال الصالحة التي لها وزن، وقدر عند الله تعالى فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. كلمة في السياق: لاحظ بداية السورة: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ولاحظ قوله تعالى هنا فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ثم لاحظ الآية اللاحقة فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ تجد أن السورة كلها تصب مصبا واحدا، الفلاح للمؤمنين، الخسار للكافرين، وتذكر بعد ذلك محور السورة وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ..... وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ .... أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ بالسيئات والمراد بهم في هذا المقام الكفار فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ أي غبنوها فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ أي ماكثون فيها، دائمون مقيمون فلا يظعنون تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ أي تحرقها وَهُمْ فِيها كالِحُونَ أي عابسون فيقال لهم تقريعا وتوبيخا لأهل النار على ما ارتكبوه من الكفر والمآثم والمحارم والعظائم التي أوبقتهم أَلَمْ تَكُنْ آياتِي أي القرآن تُتْلى عَلَيْكُمْ في الدنيا فَكُنْتُمْ بِها بألفاظها ومعانيها تُكَذِّبُونَ وتزعمون أنها ليست من الله تعالى قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا أي ملكتنا شقوتنا أي شقينا بأعمالنا السيئة التي عملناها وَكُنَّا قَوْماً ضالِّينَ أي ضائعين عن الحق والصواب رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها أي من النار فَإِنْ عُدْنا إلى الكفر والتكذيب والعمل السيئ فَإِنَّا ظالِمُونَ أي لأنفسنا قالَ اخْسَؤُا فِيها أي اسكتوا سكوت ذلة وهوان وَلا تُكَلِّمُونِ في رفع العذاب عنكم، فإنه لا يرفع ولا يخفف، قال النسفي: قيل هو آخر كلام يتكلمون به، ثم لا كلام بعد ذلك إلا الشهيق والزفير إِنَّهُ أي إن الأمر والشأن كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا أي اتخذتموهم هزؤا وتشاغلتم بهم ساخرين حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي أي حتى أنسوكم بتشاغلكم بهم عن ذكري فتركتموه، أي كان التشاغل بهم سببا لنسيانكم معاملتي فلا ذكر ولا اتباع للذكر وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ استهزاء

стр. 3479

من صنيعهم وعبادتهم وأشخاصهم إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا أي بصبرهم على أذاكم لهم، واستهزائكم بهم أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ أي جعلتهم هم الفائزين بالسعادة والسلامة والجنة والنجاة من النار قالَ الله أو المأمور بسؤالهم من الملائكة كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ أي كم كانت إقامتكم في الدنيا قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ استقصروا مدة لبثهم في الدنيا بالإضافة إلى خلودهم في النار، لما هم فيه من عذابها، لأن الممتحن يستطيل أيام محنته، ويستقصر ما مر عليه من أيام الدعة فَسْئَلِ الْعادِّينَ أي المؤرخين، أو الملائكة الذين يعدون أعمار العباد وأعمالهم قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا أي ما لبثتم إلا قليلا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ صدقهم الله تعالى في تقالهم لسني لبثهم في الدنيا، ووبخهم على غفلتهم التي كانوا عليها أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً أي عابثين أي أظننتم أنكم مخلوقون عبثا بلا قصد ولا إرادة ولا حكمة وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ أي لا تعودون في الدار الآخرة أي بل خلقناكم للتكليف، ثم للرجوع من دار التكليف إلى دار الجزاء فنثيب المحسن ونعاقب المسيء فَتَعالَى اللَّهُ أي عن أن يخلق عبثا الْمَلِكُ الْحَقُّ ومن كان الملك الحق فإنه لا يتصرف تصرفا عابثا لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ وصف العرش بالكرم لأن الرحمة تتنزل منه، أو لنسبته لأكرم الأكرمين وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ أي لا حجة له به، وليس إلا الله تقوم الحجة على ألوهيته فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ. أي جزاؤه عند ربه، أي فهو يجازيه لا محالة إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ أي لديه يوم القيامة إنه لا فلاح لهم ولا نجاة، قال النسفي: (جعل فاتحة السورة قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ وخاتمتها إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ فشتان بين الفاتحة والخاتمة، ثم علمنا سؤال المغفرة والرحمة بقوله وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ ثم قال وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ لأن رحمته إذا أدركت أحدا أغنته عن رحمة غيره، ورحمة غيره لا تغنيه عن رحمته). كلمة في السياق: أنذرت هذه المجموعة باليوم الآخر، مبينة عاقبة المؤمنين الذين يعملون الصالحات، وعاقبة الكافرين الذين يعملون السيئات، ثم أقامت الحجة على الكافرين يوم القيامة، وختمت ببيان عاقبة المشركين، وأمرت بطلب المغفرة من الله، ولذلك صلاته بسياق السورة الخاص وبمحورها.

стр. 3480

فوائد: ١ - بمناسبة قوله تعالى فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ قال ابن كثير: (وقال ابن مسعود: إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين ثم نادى مناد: ألا من كان له مظلمة فليجئ فليأخذ حقه، قال فيفرح المرء أن يكون له الحق على والده أو ولده أو زوجته، وإن كان صغيرا، ومصداق ذلك في كتاب الله قال الله تعالى فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ رواه ابن أبي حاتم، وروى الإمام أحمد عن المسور- هو ابن مخرمة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : فاطمة بضعة مني، يغيظني ما يغيظها وينشطني ما ينشطها، وإن الأنساب تنقطع يوم القيامة إلا نسبي وصهري» وهذا الحديث له أصل في الصحيحين عن المسور بن مخرمة أن رسول الله ﷺ قال «فاطمة بضعة مني يريبني ما يريبها، ويؤذيني ما آذاها» وروى الإمام أحمد عن حمزة بن أبي سعيد الخدري عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول على هذا المنبر «ما بال رجال يقولون إن رحم رسول الله ﷺ لا تنفع قومه؟ بلى والله إن رحمي موصولة في الدنيا والآخرة، وإني أيها الناس فرط لكم إذا جئتم، قال رجل يا رسول الله أنا ابن فلان، فأقول لهم: أما النسب فقد عرفت، ولكنكم أحدثتم بعدي وارتددتم القهقرى» وقد ذكرنا في مسند أمير المؤمنين عمر بن الخطاب من طرق متعددة عنه ﵁ أنه لما تزوج أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب ﵄ قال: أما والله ما بي إلا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول «كل سبب ونسب فإنه منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي» رواه الطبراني والبزار والهيثم بن كليب والبيهقي والحافظ الضياء في المختارة وذكر أنه أصدقها أربعين ألفا إعظاما وإكراما ﵁، فقد رواه الحافظ ابن عساكر في ترجمة أبي العاص بن الربيع زوج زينب بنت رسول الله ﷺ .... عن محمد ابن عباد بن جعفر سمعت ابن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ «كل نسب وصهر ينقطع يوم القيامة إلا نسبي وصهري» وروي عن أبيه عن عبد الله بن عمرو مرفوعا «سألت ربي أن لا أتزوج إلى أحد من أمتي، ولا يتزوج إلى أحد منهم إلا كان معي في الجنة فأعطاني ذلك». ٢ - بمناسبة قوله تعالى تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيها كالِحُونَ نقل ابن كثير: ما رواه الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: وَهُمْ فِيها

стр. 3481

كالِحُونَ قال: تشويه النار فتتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه وتسترخي شفته السفلى حتى تبلغ سرته» ورواه الترمذي وقال حسن غريب. ٣ - بمناسبة قوله تعالى: اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ قال ابن كثير: (وقال ابن أبي حاتم: عن عبد الله بن عمرو قال «إن أهل النار يدعون مالكا فلا يجيبهم أربعين عاما ثم يرد عليهم» إِنَّكُمْ ماكِثُونَ قال هانت دعوتهم والله على مالك ورب مالك، ثم يدعون ربهم فيقولون رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنَّا قَوْماً ضالِّينَ. رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ قال فيسكت عنهم قدر الدنيا مرتين ثم يرد عليهم اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ قال فو الله ما نبس القوم بعد بكلمة واحدة، وما هو إلا الشهيق والزفير في نار جهنم، قال فشبهت أصواتهم بأصوات الحمير، أولها شهيق وآخرها زفير، وقال ابن أبي حاتم أيضا قال عبد الله بن مسعود: إذا أراد الله تعالى أن لا يخرج منهم أحدا أي من جهنم غير وجوههم وألوانهم، فيجئ الرجل من المؤمنين فيشفع فيقول يا رب فيقول الله: من عرف أحدا فليخرجه، فيجئ الرجل من المؤمنين، فينظر فلا يعرف أحدا، فيناديه الرجل يا فلان أنا فلان فيقول: ما أعرفك قال: فعند ذلك يقول رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ فعند ذلك يقول الله تعالى اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ فإذا قال ذلك أطبقت عليهم النار فلا يخرج منهم أحد). ٤ - بمناسبة قوله تعالى: قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ قال ابن كثير: قال ابن أبي حاتم عن أيفع بن عبد الكلاعي أنه يسمعه يخطب الناس فقال: قال رسول الله ﷺ «إن الله إذا أدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار قال: يا أهل الجنة كم لبثتم في الأرض عدد سنين؟ قالوا: لبثنا يوما أو بعض يوم، قال لنعم ما اتجرتم في يوم أو بعض يوم، رحمتي ورضواني وجنتي امكثوا فيها خالدين مخلدين، ثم قال: يا أهل النار كم لبثتم في الأرض عدد سنين؟ قالوا: لبثنا يوما أو بعض يوم فيقول: بئس ما اتجرتم في يوم أو بعض يوم، ناري وسخطي امكثوا فيها خالدين مخلدين». ٥ - بمناسبة قوله تعالى: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً قال ابن كثير: (قال ابن أبي حاتم: عن رجل من آل سعيد بن العاص قال: كان آخر خطبة خطبها عمر بن عبد العزيز: بعد أن حمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد أيها الناس إنكم لم تخلقوا عبثا، ولن تتركوا سدى، وإن لكم معادا ينزل الله فيه للحكم بينكم، والفصل

стр. 3482

بينكم، فخاب وخسر وشقي عبد أخرجه الله من رحمته، وحرم جنة عرضها السماوات والأرض، ألم تعلموا أنه لا يأمن غدا إلا من حذر هذا اليوم وخافه، وباع نافدا بباق، وقليلا بكثير، وخوفا بأمان، ألا ترون أنكم من أصلاب الهالكين، وسيكون من بعدكم الباقين، حتى تردون إلى خير الوارثين؟ ثم إنكم في كل يوم تشيعون غاديا ورائحا إلى الله ، قد قضى نحبه وانقضى أجله، حتى يغيبوه في صدع من الأرض، في بطن صدع غير ممهد ولا موسد، قد فارق الأحباب وباشر التراب وواجه الحساب، مرتهن بعمله غني عما ترك، فقير إلى ما قدم، فاتقوا الله قبل انقضاء مواثيقه ونزول الموت بكم، ثم جعل طرف ردائه على وجهه فبكى وأبكى من حوله. وقال ابن أبي حاتم إن رجلا مصابا مر به على عبد الله بن مسعود فقرأ في أذنه هذه الآية أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ. فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ .... حتى ختم السورة، فبرأ، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ «بماذا قرأت في أذنه؟ «فأخبره فقال له «إنها إذا قرئت في أذنه أحرقته، أي أحرقت الشيطان» ثم قال رسول الله ﷺ : «والذي نفس محمد بيده لو أن رجلا موقنا قرأها على جبل لزال» وروى أبو نعيم عن محمد بن إبراهيم بن الحارث عن أبيه قال: بعثنا رسول الله ﷺ في سرية وأمرنا أن نقول إذا نحن أمسينا وأصبحنا أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ قال فقرأناها فغنمنا وسلمنا. وروى ابن أبي حاتم أيضا عن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله ﷺ «أمان أمتي من الغرق إذا ركبوا السفينةبسم الله الملك الحق، وما قدروا الله حق قدره، والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه، سبحانه وتعالى عما يشركون، بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم». ٦ - وبمناسبة قوله تعالى: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ قال ابن كثير: قال قتادة: ذكر لنا النبي ﷺ قال لرجل «ما تعبد؟» قال أعبد الله، وكذا وكذا، حتى عد أصناما فقال رسول الله ﷺ : «فأيهم إذا أصابك ضر فدعوته كشفه عنك؟» قال: الله عزّ وجل. قال «فأيهم إذا كانت لك حاجة فدعوته أعطاكها؟» قال: الله . وقال: «فما يحملك على أن تعبد هؤلاء معه أم حسبت أن تغلب عليه» قال: أردت شكره بعبادة هؤلاء معه، فقال رسول الله ﷺ : «تعلمون ولا يعلمون» فقال الرجل بعد ما أسلم: لقيت رجلا خصمني. هذا مرسل من هذا الوجه، وقد رواه أبو عيسى

стр. 3483

الترمذي في جامعه مسندا عن عمران بن الحصين عن أبيه عن رسول الله ﷺ نحو ذلك. كلمة في سورة المؤمنون: بدأت السورة بتبشير المؤمنين، وتحديد صفاتهم التي إذا تحققوا بها اجتمعت لهم صفتا الإيمان والعمل الصالح، ولما كان الإيمان أثر المعرفة، والعمل الصالح أثرا عن رؤية النعمة لأنه شكرها فقد جاءت مجموعة تعرف على الله وعلى نعمه من خلال عرض مظاهر من آثار قدرته وعنايته، ثم قص الله علينا من خبر الأنبياء وختم ذلك بقوله يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً فكان في ذكره هذه القصص ما يشير إلى عناية خاصة بأهل الإيمان، وكان في هذا النداء ما يشير إلى أن شكر النعمة إنما هو بالعمل الصالح، ثم ذكرنا الله بوحدة هذه الأمة، ووحدة أمرها مما أفهمنا به أن هذه الأمة مطالبة بهدي الأنبياء كله، وذلك هو العمل الصالح. ثم ذكرت السورة الحقائق التي إذا تحقق بها إنسان عمل الصالحات، وسارع إليها بل وسبقها، ثم قررت أن التكليف بحسب الطاقة مما يشير إلى أن الإنسان لا يطالب من الصالحات إلا في حدود وسعه، ثم بينت السورة أن قلوب الكافرين غافلة عن مثل هذا وأن أعمالهم سيئة، فقررت بذلك أن العمل الصالح أثر عن العقيدة الصالحة، والقلب الصالح، والأعمال السيئة أثر عن العقيدة الفاسدة، والقلب الفاسد، ثم أنذرت أصحاب القلوب الغافلة بعقوبات: فذكرت العقوبة الأولى، ثم دعت إلى الإيمان، وفندت الكفر، وبينت أن هؤلاء لن يستفيدوا عظة وعبرة من هذه العقوبة. ثم أنذرت هؤلاء بعقوبة ثانية تعم الجميع حتى لتجعلهم آيسين، ثم ذكرت بنعم الله الكبرى على الإنسان، وذكرت إلحاد الكافرين باليوم الآخر، وأقامت عليهم الحجة، ثم ختمت بالتذكير بحال الكافرين عند الموت، منذرة إياهم، مبينة أنهم وقتها يطالبون بالعودة إلى الدنيا، لتتاح لهم فرصة العمل الصالح. ثم تبين السورة حال المؤمنين الصالحين في الآخرة، وحال الكافرين الذين لا يعملون الصالحات ويسخرون من المؤمنين، وما أعد الله لهؤلاء وهؤلاء، مبينة من خلال العرض أنه لم يخلق الإنسان سدى، ومثبتة من خلال ذلك أهل العمل الصالح وأهل الإيمان، ومصبرة لهم على أقوال الكافرين وأفعالهم، وفي هذا السياق أمر الله رسوله

стр. 3484

صلى الله عليه وسلم بدعاءين، وخلق هي زاد الطريق للاستمرار على العمل الصالح وختمت السورة بأمر الله رسوله ﷺ أن يقول وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ وهذا الختام في السورة يشير إلى أن المؤمن مع كل ما يبذله من جهد يحتاج إلى المغفرة والرحمة، وهو مفتقر إليهما. هذه المعاني جاءت في السورة كما رأينا بشكل فصلت فيه السورة آيات سورة البقرة الخمس: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ* إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ* الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ* كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ* هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فصلت سورة المؤمنون هذه الآيات بشكل عجيب، إذ فصلت بعض آياتها تفصيلا مباشرا، وبنت على ما تقتضيه بعض آياتها بناء مباشرا. وإذ كان العمل السيئ أثر الكفر فقد تحدثت عن الكفر منكرة له، وذكرت بما يقطع دابره لمن كان له قلب، ولذلك صلاته بقوله تعالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ* هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ومن قرأ السورة وتمعن في معانيها لم يشك بأنها كانت تفصيلا عجيبا للآيات الخمس. وقد يكون من المناسب أن نذكر بأمهات الأعمال الصالحة التي ذكرتها السورة: الخشوع في الصلاة، وترك اللغو، وفعل الزكاة، وحفظ الفروج، وأداء الأمانات، والوفاء بالعهود، والمحافظة على الصلوات، وأكل الحلال، والعمل الصالح، والخشية والإيمان، والتوحيد، وفعل الخير، والدعاء، ودفع السيئة بالحسنة، والاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، والصبر على إيذاء الكافرين وسخريتهم، وملازمة قوله تعالى رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ.

стр. 3485

سورة النور وهي السورة الرابعة والعشرون بحسب الرسم القرآني وهي السورة الخامسة من المجموعة الثالثة من قسم المئين، وآياتها أربع وستون آية وهي مدنية

стр. 3486

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم

стр. 3487

[قال الألوسي في تقديمه لسورة النور:] قال الألوسي في تقديمه لسورة النور: (مدنية كما أخرج ابن مردويه عن ابن عباس، وابن الزبير رضي الله تعالى عنهم. وحكى أبو حيان الإجماع على مدنيتها ولم يستثن الكثير من آيها شيئا، وعن القرطبي أن آية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الخ مكية، وهي اثنتان وستون آية، وقيل أربع وستون آية، ووجه اتصالها بسورة المؤمنين أنه سبحانه لما قال فيها وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ ذكر في هذه أحكام من لم يحفظ فرجه من الزانية والزاني، وما اتصل بذلك من شأن القذف وقصة الإفك والأمر بغض البصر الذي هو داعية الزنا، والاستئذان الذي إنما جعل من أجل النظر وأمر فيها بالإنكاح حفظا للفرج، وأمر من لم يقدر على النكاح بالاستعفاف، ونهي عن إكراه الفتيات على الزنا. وقال الطبرسي في ذلك: إنه تعالى لما ذكر فيما تقدم أنه لم يخلق الخلق للعبث بل للأمر والنهي ذكر جل وعلا هاهنا جملة من الأوامر والنواهي، ولعل الأول أولى. وجاء عن مجاهد قال: قال رسول الله ﷺ «علموا رجالكم سورة المائدة، وعلموا نساءكم سورة النور» وعن حارثة بن مضرب ﵁ قال: «كتب إلينا عمر بن الخطاب ﵁ أن تعلموا سورة النساء والأحزاب والنور»). وقال صاحب الظلال: (هذه سورة النور .. يذكر فيها النور بلفظه متصلا بذات الله: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ويذكر فيها النور بآثاره ومظاهره في القلوب والأرواح؛ ممثلة هذه الآثار في الآداب والأخلاق التي يقوم عليها بناء هذه السورة. وهي آداب وأخلاق نفسية وعائلية وجماعية، تنير القلب، وتنير الحياة؛ ويربطها بذلك النور الكوني الشامل أنها نور في الأرواح، وإشراق في القلوب، وشفافية في الضمائر .. وهي تبدأ بإعلان قوي حاسم عن تقرير هذه السورة وفرضها بكل ما فيها من حدود وتكاليف، ومن آداب وأخلاق: سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها، وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ .. فيدل هذا البدء الفريد على مدى اهتمام القرآن بالعنصر الأخلاقي في الحياة؛ ومدى عمق هذا العنصر وأصالته في العقيدة الإسلامية، وفي فكرة الإسلام عن الحياة الإنسانية .. والمحور الذي تدور عليه السورة كلها هو محور التربية. التربية التي تشتد في وسائلها إلى درجة الحدود. وترق إلى درجة اللمسات الوجدانية الرفيقة، التي تصل القلب بنور الله وبآياته المبثوثة في تضاعيف الكون وثنايا الحياة. والهدف واحد في الشدة واللين.

стр. 3488

هو تربية الضمائر، واستجاشة المشاعر؛ ورفع المقاييس الأخلاقية للحياة، حتى تشف وترف، وتتصل بنور الله .. وتتداخل الآداب النفسية الفردية، وآداب البيت والأسرة، وآداب الجماعة والقيادة. بوصفها نابعة كلها من معين واحد هو العقيدة في الله، متصلة كلها بنور واحد هو نور الله. وهي في صميمها نور وشفافية، وإشراق وطهارة.). ومن تقديم الأستاذ المودودي لسورة النور نأخذ هذه الفقرة: (والذي يجدر بالملاحظة أن سورة النور خالية من المرارة التي قد تنشأ في الأذهان والقلوب عند رد الحملات الشنيعة القذرة. انظر في جانب في الظروف التي نزلت فيها هذه السورة، وانظر في الجانب الآخر في ما تشتمل عليه من الموضوعات، تعرف أي رزانة وتدبر معتدل وترفع عظيم وحكمة بالغة علينا أن نواجه به الفتن ونعالجها في أقسى الظروف المثيرة للعواطف، بل يثبت لنا في الوقت نفسه أن ليس هذا الكتاب مما اختلقه الرسول ﷺ من عند نفسه، بل قد أنزله عليه الله الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولو أن هذا الكتاب كان من عند النبي ﷺ نفسه، لكان ظهر فيه- على كل ما كان عليه النبي ﷺ من الصبر والأناة ورحابة الصدر وتحمل الشدائد- ولو بعض أثر للمرارة التي لا بد أن يجدها كل إنسان عفيف في نفسه إذا أصيب في عرضه). كلمة في سورة النور ومحورها: فكرت كثيرا أي آية يمكن أن تكون محور سورة النور من البقرة، بحيث تأتي بعد محور سورة (المؤمنون) وقبل محور سورة الفرقان؟ فوقع في النفس أولا أن محورها هو قوله تعالى وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَما يَكْفُرُ بِها إِلَّا الْفاسِقُونَ (البقرة: ٩٩) إلا أنني لاحظت أنه قد جاء في سورة المؤمنون قوله تعالى يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً (الآية: ٥١) وهو يشبه قوله تعالى في سورة البقرة يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً (الآية: ١٦٨) ويشبه قوله تعالى في سورة البقرة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ ... (الآية: ١٧٢) فافترضت أن يكون المحور متأخرا على هذه الآيات ولذلك فقد استقر القلب على أن محور سورة النور هو قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ

стр. 3489

كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ* فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (البقرة: ٢٠٨، ٢٠٩). ولنتساءل ما الذي دلنا على أن هاتين الآيتين هما محور السورة؟ نلاحظ أن الآية الأولى في السورة هي: سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. كما نلاحظ أن الآية (٣٤) كانت وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ كما نلاحظ أن الآية (٤٦) كانت: لَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ فذكر البينات والمبينات في هذه الآيات، وكون السورة تفصل أحكاما من الإسلام، وورود النهي عن اتباع خطوات الشيطان فيها، كل ذلك دلنا على أن هاتين الآيتين هما محور سورة النور. ونلاحظ أن السورة تتردد فيها كلمة الآيات كثيرا: وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٨). كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٨). كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٩). كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦١). لاحظ صلة هذه الخواتيم للآيات بقوله تعالى: فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. إن هذه السورة نموذج على الآيات البينات التي أنزلها الله على رسوله ﷺ ومن ثم تجد فيها روائع التشريع وروائع الأسلوب، وروائع الانتقال، وذرى البلاغة، والقرآن كله كذلك، ولكن هذه الأمور في هذه السورة تكاد تكون أظهر، إن في هذه السورة من التصوير أروعه، ومن التمثيل أروعه، ومن التشريع أروعه، ومن الإنذار أروعه، ومن التبشير أروعه، ومن التأديب أروعه، ومن ثم فإن من فهم هذه السورة وعرف أسرارها أدرك من أسرار البيان القرآني وأسرار الإعجاز ما به تشرق أنوار اليقين على قلبه فتغمره. إنك تجد فيها مقاطع كل مقطع له نكهة خاصة، وله بداية ونهاية خاصتان، وفي كل مقطع جمال وجلال وأسرار، إنها سورة اجتمع فيها من الأناقة والرشاقة في اللفظ والموضوع والتسلسل والتوجيه ما هو النموذج لإدراك أن هذا القرآن آيات بينات.

стр. 3490

إن محور السورة هو يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ* فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ومن ثم نلاحظ أن السورة قد عرضت لأحكام في الإسلام: حد الزنا، وحد القذف، واللعان، وأحكام الاستئذان وآدابه، وأحكام العورة، وغض البصر، وإنكاح الأيامى، ومكاتبة الرقيق، وآداب الدخول إلى البيوت المسكونة وغير المسكونة، وإباحة الأكل من بيوت دوائر معينة، وبعض آداب الاجتماعات في الإسلام، وبعض آداب ينبغي أن تراعى مع رسول الله ﷺ . وكل هذا يدخل في قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وقد جاء في السورة قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ كما ذكرت كثيرا من نماذج اتباع خطوات الشيطان. وذلك واضح الصلة مع قوله تعالى وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وفي السورة بيان لما ينبغي فعله إذا حدثت أنواع من الزلل، وبيان لأنواع من الزلل. فالسورة إذن تعالج الزلل إذا وقع، ومن خلال هذه المعالجة نتعرف على اسمي الله العزيز والحكيم، إذ نتعرف على أن الله عزيز من خلال الأحكام، ومن خلال العقوبات، ونتعرف على اسم الله الحكيم في كل ما شرع، ولذلك صلة بقوله تعالى فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. والآن فلنتذكر شيئا قلناه من قبل: قلنا: إن هناك صلة بين آيات المحاور في سورة البقرة ولو تباعدت هذه الآيات، ما دامت محاور لمجموعة سور، وكنموذج على ذلك هذه الصلة بين أواخر آيات محور سورة المؤمنون وما ذكرنا أنه محور سورة النور: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ* هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (البقرة: ٢٨، ٢٩) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ* فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (البقرة: ٢٠٨، ٢٠٩). فبعد إقامة الحجة والتذكير بالنعم يؤمر المؤمنون بالدخول في الإسلام كله. إن المعاني التي عرضت في السورة، وطريقة العرض، وتسلسل المعاني وتنوعها تدل على الإعجاز

стр. 3491

في هذا القرآن، وعلى استحالة أن يكون مصدره بشريا سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ إن هذا الوضوح وهذا البيان في آيات السورة، ميزة تشهد على أن هذا الكمال، وهذا الجمال، لا يمكن أن يكون إلا من عند الله ذي الكمال والجمال. تتألف السورة من ثلاثة مقاطع: المقطع الأول: ويمتد من الآية الأولى حتى نهاية الآية (٣٤): الآية الأولى منه هي: سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ والآية الأخيرة منه هي: وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ لاحظ الصلة بين بداية هذا المقطع ونهايته. لقد عرض هذا المقطع آيات بينات في قضايا تشريعية وتوجيهية واجتماعية. المقطع الثاني: ويمتد من الآية (٣٥) حتى نهاية الآية (٤٦) يبدأ بقوله تعالى اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ... وينتهي بقوله تعالى: لَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ لاحظ الصلة بين بداية المقطع ونهايته ويتميز هذا المقطع بكون آياته البينات في موضوع العقيدة والكفر والإيمان والكون والحياة. المقطع الثالث: ويمتد من الآية (٤٧) إلى نهاية السورة ويتميز هذا المقطع بأن آياته البينات في موضوع المواقف والتوجيه. وكل مقطع من هذه المقاطع يتألف من مجموعات وكل ذلك يرتبط بعضه ببعض بوشائج كثيرة. وقد عرض الله في هذه السورة أمهات من القضايا الاجتماعية والسلوكية والإيمانية والأخلاقية، ذات تأثير كبير على المجتمعات البشرية، وللمرأة من ذلك حظ كبير، مما يتعين معه على الرجال والنساء أن يدرسوا هذه السورة، ولذلك بدأت السورة بقوله تعالى: وَفَرَضْناها وجاءت آثار تحض على تعليم النساء هذه السورة. وإن امرأ لا يخرج من دراسة هذه السورة برؤية الإعجاز واضحا وبالإيمان كاملا في

стр. 3492

مقتضياته السلوكية والأدبية والاعتبارية، إن امرأ لا يخرج من دراسة هذه السورة بهذا كله حظه قليل. *** المقطع الأول ويمتد من الآية الأولى إلى نهاية الآية (٣٤) ويتألف من أربع مجموعات، كل منها يشكل وحدة متكاملة. والمقطع بمجموعاته الأربع يشكل وحدة متكاملة أكثر شمولا وسنعرض المقطع على مجموعات. المجموعة الأولى من المقطع الأول وتمتد من الآية (١) إلى نهاية الآية (١٠) وهذه هي مع البسملة: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [سورة النور (٢٤): الآيات ١ الى ١٠] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١) الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢) الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلاَّ زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلاَّ زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣) وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٤) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (٨) وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩) وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (١٠)

стр. 3493

التفسير: سُورَةٌ أَنْزَلْناها قال النسفي: (والسورة: الجامعة لجملة آيات بفاتحة لها وخاتمة واشتقاقها من سور المدينة وفي قوله سُورَةٌ أَنْزَلْناها تنبيه على الاعتناء بها ولا ينفي الاعتناء بها الاعتناء بما عداها وَفَرَضْناها أي فرضنا أحكامها التي فيها، وجعلناها مقطوعا بها، وأصل الفرض في اللغة القطع قال مجاهد وقتادة: «أي بينا الحلال والحرام والأمر والنهي) وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ أي دلائل مفسرات واضحات لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ أي لكي تتعظوا، فهذه هي حكمة إنزال سورة النور على ما هي عليه، فمن لم يحقق هذه الحكمة في نفسه فقد أسرف، ومعنى الآية: سورة أنزلها الله، وفرض أحكامها، من حلال وحرام، وأمر ونهي وحدود، وأنزل فيها آيات مفسرات واضحات لكي نتعظ. هذه الآية هي مقدمة السورة وهي تبين أن السورة محكمة، وأن فيها فرائض، وأن فيها آيات بينات، فهي مدخل إلى السورة التي تفصل في موضوع الدخول في الإسلام كله، وبعد أن قرر الله في هذه المقدمة ما قرر تبدأ السورة تفصل لنا ما فرض الله وما حكم مما فيه آيات بينات، ومما هو من الإسلام الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي البكران اللذان لم يتزوجا أما المحصن الذي قد وطئ ولو مرة واحدة في نكاح صحيح وهو حر بالغ عاقل

стр. 3494

فله حكم آخر كما سنرى في الفوائد فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ قال النسفي: والجلد: ضرب الجلد، وفيه إشارة إلى أنه لا يبالغ ليصل الألم إلى اللحم، والخطاب للأئمة لأن إقامة الحد من الدين، وهي على الكل، إلا أنهم لا يمكنهم الاجتماع فينوب الإمام منابهم، وهذا حكم من ليس بمحصن، إذ حكم المحصن الرجم، وشرائط إحصان الرجم: الحرية، والعقل، والبلوغ، والإسلام، والتزوج بنكاح صحيح، والدخول وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ أي رحمة، وقيل الرأفة في دفع المكروه، والرحمة في إيصال المحبوب، والمعنى أن الواجب على المؤمنين أن يتصلبوا في دين الله، ولا يأخذهم اللين في استيفاء حدوده، فيعطلوا الحدود، أو يخففوا الضرب فِي دِينِ اللَّهِ أي في طاعة الله أو حكمه إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ هذا من باب التهييج وإلهاب الغضب لله ولدينه وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما أي وليحضر موضع حدهما- وتسميته عذابا دليل على أنه عقوبة- طائِفَةٌ أي فرقة تشكل حلقة ليعتبروا وينزجروا قال النسفي: وأقلها ثلاثة أو أربعة، وهي أي الطائفة صفة غالبة كأنها الجماعة الحافة حول شئ وعن ابن عباس ﵁ أربعة إلى أربعين رجلا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أي من المصدقين بالله الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ قال النسفي: أي الخبيث الذي من شأنه الزنا لا يرغب في نكاح الصوالح من النساء وإنما يرغب في خبيثة من شكله أو في مشركة، والخبيثة المسافحة كذلك لا يرغب في نكاحها الصلحاء من الرجال، وإنما يرغب فيها من هو من شكلها من الفسقة أو المشركين، فالآية تزهيد في نكاح البغايا إذ الزنا عديل الشرك في القبح، والإيمان قرين العفاف والتحصن ... وقدمت الزانية على الزاني أولا- أي الآية السابقة على هذه- ثم قدم عليها ثانيا- أي في هذه الآية- لأن تلك الآية سبقت لعقوبتهما على ما جنيا، والمرأة هي المادة التي منها نشأت تلك الجناية؛ لأنها لو لم تطمع الرجل ولم تومض له، ولم تمكنه، لم يطمع ولم يتمكن، فلما كانت أصلا في ذلك بدئ بذكرها، وأما الثانية فمسوقة لذكر النكاح، والرجل أصل فيه، لأنه الخاطب ومنه بدء الطلب وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أي الزنا أو نكاح البغايا لقصد التكسب بالزنا أو لما فيه من التشبه بالفساق وحضور مواقع التهمة، والتسبب لسوء القالة فيه والغيبة، ومجالسة الخاطئين كم فيها من التعرض لاقتراف الآثام، فكيف كما قال النسفي: (بمزاوجة الزواني والقحاب) وبعد أن قرر الله حد الزنا وحرمته وتنزه المؤمنين والمؤمنات عنه فقد ذكر حد القذف الذي شرع لحماية أعراض المؤمنين والمؤمنات أن

стр. 3495

تمس إلا ببينة لا تقبل جدلا فقال: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ أي يقذفون بالزنا الحرائر والعفائف المسلمات المكلفات، والقذف يكون بالزنا وغيره، والمراد هنا قذفهن بالزنا بأن يقول يا زانية بدليل ذكر المحصنات عقيب الزواني، ولاشتراط أربعة شهداء بقوله تعالى ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ أي ثم لم يأتوا بأربعة شهود يشهدون على الزنا لأن القذف بغير الزنا بأن يقول: يا فاسق يا آكل الربا يكفي فيه شاهدان وعليه التعزير، وشروط إحصان القذف الحرية والعقل والبلوغ والإسلام والعفة عن الزنا، والمحصن كالمحصنة في وجوب حد القذف فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً إن كان القاذف حرا وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً الصيغة تنفي قبول كل شهادة وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ قال ابن كثير: (أوجب على القاذف إذا لم يقم البينة على صحة ما قال ثلاثة أحكام (أحدها) أن يجلد ثمانين جلدة (الثاني) أنه ترد شهادته أبدا (الثالث) أن يكون فاسقا ليس بعدل لا عند الله ولا عند الناس) إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ أي بعد القذف وَأَصْلَحُوا أحوالهم فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أي يغفر ذنوبهم ويرحمهم قال ابن كثير: (واختلف العلماء في هذا الاستثناء هل يعود إلى الجملة الأخيرة فقط، فترفع التوبة الفسق فقط، ويبقى مردود الشهادة- وإن تاب- أو يعود إلى الجملتين الثانية والثالثة؟ وأما الجلد فقد ذهب وانقضى، سواء تاب أو أصر، ولا حكم له بعد ذلك بلا خلاف، فذهب الإمام مالك وأحمد والشافعي إلى أنه إذا تاب قبلت شهادته، وارتفع عنه حكم الفسق، ونص عليه سعيد بن المسيب سيد التابعين، وجماعة من السلف أيضا، وقال الإمام أبو حنيفة: إنما يعود الاستثناء إلى الجملة الأخيرة فقط؛ فيرتفع الفسق بالتوبة، ويبقى مردود الشهادة أبدا وممن ذهب إليه من السلف القاضي شريح، وإبراهيم النخعي، وسعيد بن جبير، ومكحول، وعبد الرحمن بن زيد بن جابر. وقال الشعبي والضحاك: لا تقبل شهادته وإن تاب إلا أن يعترف على نفسه أنه قد قال البهتان فحينئذ تقبل شهادته والله أعلم). وبعد أن ذكر حكم قذف الأجنبيات بين حكم قذف الزوجات إذ للأزواج وضع خاص وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ أي يقذفون زوجاتهم بالزنا وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ أي لم يكن لهم على تصديق قولهم من يشهد لهم به فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ فيما رماها به من الزنا، وعلى هذا فإذا قذف أحدهم زوجته، وتعسر عليه إقامة البينة، فإن عليه أن يلاعنها كما أمر الله عزّ

стр. 3496

وجل، وهو أن يحضرها إلى الإمام فيدعي عليها بما رماها به، فيحلفه الحاكم أربع شهادات بالله في مقابلة أربعة شهداء إنه لمن الصادقين، أي فيما رماها به من الزنا وَالْخامِسَةُ أي والشهادة الخامسة أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ أي فيما رماها به من الزنا قال ابن كثير: (فإذا قال ذلك بانت منه بنفس اللعان عند الشافعي، وطائفة كثيرة من العلماء، وحرمت عليه أبدا، ويعطيها مهرها، ويتوجه عليها حد الزنا، ولا يدرأ عنها العذاب إلا أن تلاعن فتشهد أربع شهادات إنه لمن الكاذبين، أي فيما رماها به) ومن ثم قال تعالى: وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أي ويدفع عنها العذاب، والمراد بالعذاب هنا الحبس عند الحنفية، فإنها عندهم إذا رفضت الملاعنة تحبس حتى تلاعن أو تعترف أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ أي الزوج لَمِنَ الْكاذِبِينَ أي فيما رماها به من الزنا وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ الزوج مِنَ الصَّادِقِينَ أي فيما رماها به، خصها بالغضب لأن الغالب أن الرجل لا يتجشم فضيحة أهله ورميها بالزنا إلا وهو صادق معذور، وهي تعلم صدقه فيما رماها به، ولهذا كانت الخامسة في حقها أن غضب الله عليها، والمغضوب عليه هو الذي يعلم الحق ثم يحيد عنه. قال النسفي: (وجعل الغضب في جانبها لأن النساء يستعملن اللعن كثيرا، كما ورد به الحديث فربما يجترئن على الإقدام لكثرة جري اللعن على ألسنتهن، وسقوط وقوعه على قلوبهن، فذكر الغضب في جانبهن ليكون رادعا لهن) وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ أي ولولا تفضله عليكم وَرَحْمَتُهُ أي نعمته وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ أي لولا ذلك لفضحكم الله، أو لعاجلكم بالعقوبة. نقول: ذكر الأستاذ المودودي موقف الناس من عقوبة الزنا، ثم ذكر حكم الإسلام في هذا الموضوع فقال: (الوجهات المختلفة في اعتبار الزنا جريمة مستلزمة للعقوبة: أما القضية التي فيها الخلاف بين مختلف القوانين والشرائع بعد اتفاقها على حرمة الزنا، فهي كون الزنا «جريمة مستلزمة للعقوبة في نظر القانون» فالمجتمعات التي كانت على قرب من الفطرة الإنسانية، ما زالت تعد الزنا (أي العلاقة غير المشروعة بين الرجل والمرأة) في حد ذاته جريمة قررت لها العقوبات الشديدة، ولكن ظل سلوك المجتمعات واتجاهها نحو الزنا يلين شيئا فشيئا على قدر ما ظلت زخارف المدنية تفسد هذه المجتمعات. فأول تساهل جيء به عامة في هذه القضية، أنهم فرقوا بين «الزنا المحض»

стр. 3497

(Pornication) و«الزنا بزوجة الغير (Adultery) «فاعتبروا الأول خطيئة أو زلة يسيرة، ولم يعتبروا جريمة مستلزمة للعقوبة إلا الآخر. أما تعريف «الزنا المحض» عندهم، فهو «أن يجامع أيما رجل- بكرا كان أو متزوجا- امرأة ليست بزوجة لأحد»، فما العبرة في هذا التعريف للزنا بحال الرجل وإنما هي بحال المرأة، فهي إذا كانت بدون زوج، فجماعها هو الزنا المحض، بقطع النظر عما إن كان الرجل الذي جامعها متزوجا أو غير متزوج. فحد هذه الخطيئة أي عقوبتها هين جدا في قوانين مصر القديمة وبابل وآشور والهند؛ وهذه القاعدة هي التي أخذت بها اليونان والروم، وبها تأثر اليهود أخيرا. فهي لم تذكر في الكتاب المقدس لليهود إلا كخطيئة يلزم الرجل عليها غرامة لا غير، فقد جاء في كتاب الخروج: (وإذا راود رجل عذراء لم تخطب فاضطجع معها يمهرها لنفسه زوجة. إن أبى أبوها أن يعطيه إياها يزن له فضة كمهر العذارى) (١). وجاء هذا الحكم بعينه في كتاب الاستثناء بشيء من الاختلافات في ألفاظه وبعده التصريح بأنه (إذا وجد رجل فتاة عذراء غير مخطوبة فأمسكها واضطجع معها فوجدا، يعطي الرجل الذي اضطجع معها لأبي الفتاة خمسين مثقالا من الفضة، وتكون هي له زوجة من أجل أنه قد أذلها) (٢) غير أنه إذا زنى أحد ببنت القسيس، عوقب بالشنق بموجب القانون اليهودي وعوقبت البنت بالإحراق (٣). وهذه الفكرة ما أشبهها بفكرة الهنادك، ستعرف ذلك إذا راجعت كتاب (القانون الديني) لمانو (٤)، حيث جاء فيه (أيما رجل زنى ببنت من طبقته عن رضاها فليس عليه شئ من العقوبة، وله أن يؤدي الأجرة إلى والدها وينكحها إن رضي به. وأما إذا كانت البنت من طبقة أعلى من طبقته، فلتخرج البنت من بيتها ويعاقب الرجل بقطع الأعضاء». ويجوز تغيير هذه العقوبة بإحراق البنت حية إذا كانت من الطبقة البرهمية. فالحقيقة أن هذه القوانين كلها ليست الجريمة الأصلية فيها إلا «الزنا بزوجة الغير» أي أن يزني الرجل بامرأة هي زوجة لغيره، كأنه ليس الأساس لاعتبار هذه الفعلة جريمة أن

стр. 3498

قد ارتكب الزنا رجل وامرأة، وإنما هو أنهما قد عرضا رجلا في المجتمع لخطر أن يقوم بتربية طفل ليس من صلبه، أي ليس الزنا هو الأساس، وإنما الأساس هو خطر اختلاط النسب، وأن يتربى الطفل على نفقة رجل غير والده ويرثه. وعلى هذا الأساس كان الرجل والمرأة معا مشتركين في ارتكاب الجريمة. أما عقوبة هذه الجريمة عند المصريين: فهي أن يضرب الرجل ضربا شديدا بالعصا، ويجدع أنف المرأة. ومثل هذه العقوبة كانت لهذه الجريمة في بابل وآشور وفارس القديمة. أما الهنود فكانت عقوبة المرأة عندهم أن تطرح أمام الكلاب حتى تمزقها، وعقوبة الرجل أن يضجع على سرير محمى من الحديد وتشعل حوله النار. وقد كان من حق الرجل عند اليونان والروم في بدء الأمر أنه إذا وجد أحدا يزني بامرأته، أن يقتله أو ينال منه- إن شاء- غرامة مالية. ثم أصدر قيصر أغسطس في القرن الأول قبل المسيح مرسوما بأن يصادر الرجل بنصف ما يملك من المال والبيوت، وينفى من موطنه، وأن تحرم المرأة من نصف صداقها، وتصادر بثلث ما تملك من المال، وتنفى إلى بقعة أخرى من بقاع المملكة. ثم جاء قسطنطين وغير هذا القانون بإعدام الرجل والمرأة. ثم تغير هذا القانون في عهد ليو (Leo) ومارسين (Marcian) بالحبس المؤبد، ثم جاء قيصر جستينين وخفف هذه العقوبة وغيرها بضرب المرأة بالأسواط ثم حبسها في دير الراهبات، وإعطاء زوجها الحق في أنه إن شاء استخرجها من الدير في ضمن سنتين، أو تركها فيه إن شاء إلى طول حياتها. وأما الأحكام الموجودة في القانون اليهودي عن الزنا بامرأة الغير، فهي: (وإذا اضطجع رجل مع امرأة اضطجاع زرع وهي أمة مخطوبة لرجل ولم تفد فداء ولا أعطيت حريتها، فليكن تأديب. ولا يقتلا لأنها لم تعتق) (١). (إذا وجد رجل مضطجعا مع امرأة زوجة بعل، يقتل الاثنان: الرجل المضطجع مع المرأة والمرأة) (٢). (إذا كانت فتاة عذراء مخطوبة فوجدها رجل في المدينة واضطجع معها، فأخرجوهما كليهما إلى باب تلك المدينة وارجموهما بالحجارة حتى يموتا، الفتاة من أجل أنها لم تصرخ في المدينة، والرجل من أجل أنه أذل امرأة صاحبه، فتنتزع الشر من وسطك. ولكن إن وجد الرجل الفتاة المخطوبة في الحقل وأمسكها الرجل واضطجع معها يموت الرجل

стр. 3499

بلوغ وعقل وحرية ... ورابعها كونه مسلما وعقد صحيح ووطء مباح ... متى اختل شرط فلن يرجما وزاد غير واحد أن يكون كل من الزوجين مساويا الآخر في شرائط الإحصان وقت الإصابة بحكم النكاح فلو تزوج الحر المسلم البالغ العاقل أمة أو صبية أو مجنونة أو كتابية ودخل بها لا يصير محصنا بهذا الدخول حتى لو زنى من بعد لا يرجم، وكذا لو تزوجت الحرة البالغة العاقلة المسلمة من عبد أو مجنون أو صبي ودخل بها لا تصير محصنة فلا ترجم لو زنت بعد. وذكر ابن الكمال شرطا آخر وهو أن لا يبطل إحصانهما بالارتداد فلو ارتدا والعياذ بالله تعالى ثم أسلما لم يعد إلا بالدخول بعده ولو بطل بجنون أو عته عاد بالإفاقة، وقيل

стр. 3500

بالوطء بعده. والشافعي لا يشترط المساواة في شرائط الإحصان وقت الإصابة، وكذا لا يشترط الإسلام فلو زنى الذمي الثيب الحر يجلد عندنا ويرجم عنده وهو رواية عن أبي يوسف وبه قال أحمد، وقول مالك كقولنا. وقال صاحب الظلال في تبيان حكمة بعض العقوبات في الإسلام: (والإسلام وهو يضع هذه العقوبات الصارمة الحاسمة لتلك الفعلة المستنكرة الشائنة لم يكن يغفل الدوافع الفطرية أو يحاربها. فالإسلام يقدر أنه لا حيلة للبشر في دفع هذه الميول، ولا خير لهم في كبتها أو قتلها. ولم يكن يحاول أن يوقف الوظائف الطبيعية التي ركبها الله في كيانهم، وجعلها جزءا من ناموس الحياة الأكبر، يؤدي إلى غايته من امتداد الحياة، وعمارة الأرض، التي استخلف فيها هذا الإنسان. إنما أراد الإسلام محاربة الحيوانية التي لا تفرق بين جسد وجسد، أو لا تهدف إلى إقامة بيت، وبناء عش، وإنشاء حياة مشتركة لا تنتهي بانتهاء اللحظة الجسدية الغليظة! وأن يقيم العلاقات الجنسية على أساس من المشاعر الإنسانية الراقية، التي تجعل من التقاء جسدين نفسين وقلبين وروحين، وبتعبير شامل التقاء إنسانين، تربط بينهما حياة مشتركة، وآمال مشتركة، وآلام مشتركة، ومستقبل مشترك، يلتقي في الذرية المرتقبة، ويتقابل في الجيل الجديد الذي ينشأ في العش المشترك، الذي يقوم عليه الوالدان حارسين لا يفترقان. من هنا شدد الإسلام في عقوبة الزنا بوصفه نكسة حيوانية، تذهب بكل هذه المعاني، وتطيح بكل هذه الأهداف؛ وترد الكائن الإنساني مسخا حيوانيا، لا يفرق بين أنثى وأنثى، ولا بين ذكر وذكر. مسخا كل همه إرواء جوعة اللحم والدم في لحظة عابرة. فليس وراء اللذة بناء في الحياة، وليس وراءها عمارة في الأرض، وليس وراءها نتاج ولا إرادة نتاج! بل ليس وراءها عاطفة حقيقية راقية، لأن العاطفة تحمل طابع الاستمرار. وهذا ما يفرقها من الانفعال المنفرد المنقطع، الذي يحسبه الكثيرون عاطفة يتغنون بها، وإنما هي انفعال حيواني يتزيا بزي العاطفة الإنسانية في بعض الأحيان! إن الإسلام لا يحارب دوافع الفطرة ولا يستقذرها؛ إنما ينظمها ويطهرها، ويرفعها عن المستوى الحيواني، ويرقيها حتى تصبح المحور الذي يدور عليه الكثير من الآداب النفسية والاجتماعية. فأما الزنا- وبخاصة البغاء- فيجرد هذا الميل الفطري من كل

стр. 3501

الرفرفات الروحية، والأشواق العلوية؛ ومن كل الآداب التي تجمعت حول الجنس في تاريخ البشرية الطويل؛ ويبديه عاريا غليظا قذرا كما هو في الحيوان، بل أشد غلظا من الحيوان. ذلك أن كثيرا من أزواج الحيوان والطير تعيش متلازمة، في حياة زوجية منظمة، بعيدة عن الفوضى الجنسية التي يشيعها الزنا- وبخاصة البغاء- في بعض بيئات الإنسان! ودفع هذه النكسة عن الإنسان هو الذي جعل الإسلام يشدد ذلك التشديد في عقوبة الزنا .. ذلك إلى الأضرار الاجتماعية التي تعارف الناس على أن يذكروها عند الكلام عن الجريمة، من اختلاط الأنساب، وإثارة الأحقاد، وتهديد البيوت الآمنة المطمئنة .. وكل واحد من هذه الأسباب يكفي لتشديد العقوبة. ولكن السبب الأول وهو دفع النكسة الحيوانية عن الفطرة البشرية، ووقاية الآداب الإنسانية التي تجمعت حول الجنس، والمحافظة على أهداف الحياة العليا من الحياة الزوجية المشتركة القائمة على أساس الدوام والامتداد ... هذا السبب هو الأهم في اعتقادي. وهو الجامع لكل الأسباب الفرعية الأخرى. على أن الإسلام لا يشدد في العقوبة هذا التشديد إلا بعد تحقيق الضمانات الوقائية المانعة من وقوع الفعل، ومن توقيع العقوبة إلا في الحالات الثابتة التي لا شبهة فيها. فالإسلام منهج حياة متكامل، لا يقوم على العقوبة؛ إنما يقوم على توفير أسباب الحياة النظيفة. ثم يعاقب بعد ذلك من يدع الأخذ بهذه الأسباب الميسرة ويتمرغ في الوحل طائعا غير مضطر. وفي هذه السورة نماذج من هذه الضمانات الوقائية الكثيرة ستأتي في موضعها من السياق .. فإذا وقعت الجريمة بعد هذا كله فهو يدرأ الحد ما كان هناك مخرج منه لقوله ﷺ : «ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن كان له مخرج فخلوا سبيله فإن الإمام إن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة» (١) لذلك يطلب شهادة أربعة عدول يقرون برؤية الفعل أو اعترافا لا شبهة في صحته.

стр. 3502

وقد يظن أن العقوبة إذن وهمية لا تردع أحدا، لأنها غير قابلة للتطبيق. ولكن الإسلام- كما ذكرنا- لا يقيم بناءه على العقوبة، بل على الوقاية من الأسباب الدافعة إلى الجريمة؛ وعلى تهذيب النفوس، وتطهير الضمائر؛ وعلى الحساسية التي يثيرها في القلوب، فتتحرج من الإقدام على جريمة تقطع ما بين فاعلها وبين الجماعة المسلمة من وشيجة. ولا يعاقب إلا المتبجحين بالجريمة، الذين يرتكبونها بطريقة فاضحة مستهترة فيراها الشهود. أو الذين يرغبون في التطهر بإقامة الحد عليهم كما وقع لماعز ولصاحبته الغامدية. وقد جاء كل منهما يطلب من النبي ﷺ أن يطهره بالحد، ويلح في ذلك، على الرغم من إعراض النبي مرارا؛ حتى بلغ الإقرار أربع مرات. ولم يعد بد من إقامة الحد، لأنه بلغ إلى الرسول بصفة مستيقنة لا شبهة فيها. والرسول ﷺ يقول: «تعافوا الحدود فيما بينكم فما بلغني من حد فقد وجب» (٢). فإذا وقع اليقين، وبلغ الأمر إلى الحاكم، فقد وجب الحد ولا هوادة، ولا رأفة في دين الله. فالرأفة بالزناة الجناة حينئذ هي قسوة على الجماعة، وعلى الآداب الإنسانية، وعلى الضمير البشري. وهي رأفة مصطنعة. فالله أرأف بعباده. وقد اختار لهم. وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم. والله أعلم بمصالح العباد، وأعرف بطبائعهم، فليس لمتشدق أن يتحدث عن قسوة العقوبة الظاهرية؛ فهي أرأف مما ينتظر الجماعة التي يشيع فيها الزنا، وتفسد فيها الفطرة، وترتكس في الحمأة، وتنتكس إلى درك البهيمية الأولى .. والتشديد في عقوبة الزنا لا يغني وحده في صيانة حياة الجماعة، وتطهير الجو الذي تعيش فيه. والإسلام لا يعتمد على العقوبة في إنشاء الحياة النظيفة- كما قلنا- إنما يعتمد على الضمانات الوقائية وعلى تطهير جو الحياة كلها من رائحة الجريمة. لذلك يعقب على حد الزنا بعزل الزناة عن جسم الأمة المسلمة. ثم يمضي في الطريق خطوة أخرى في استبعاد ظل الجريمة من جو الجماعة؛ فيعاقب على قذف المحصنات واتهامهن دون دليل أكيد: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً، وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً. وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ..

стр. 3503

إن ترك الألسنة تلقي التهم على المحصنات- وهن العفيفات الحرائر ثيبات أو أبكارا- بدون دليل قاطع، يترك المجال فسيحا لكل من شاء أن يقذف بريئة أو بريئا بتلك التهمة النكراء؛ ثم يمضي آمنا! فتصبح الجماعة وتمسي، وإذا أعراضها مجرحة، وسمعتها ملوثة؛ وإذا كل فرد فيها متهم أو مهدد بالاتهام؛ وإذا كل زوج فيها شاك في زوجه، وكل رجل فيها شاك في أصله، وكل بيت فيها مهدد بالانهيار .. وهي حالة من الشك والقلق والريبة لا تطاق. ذلك إلى أن اطراد سماع التهم يوحي إلى النفوس المتحرجة من ارتكاب الفعلة أن جو الجماعة كله ملوث؛ وأن الفعلة فيها شائعة؛ فيقدم عليها من كان يتحرج منها، وتهون في حسه بشاعتها بكثرة تردادها، وشعوره بأن كثيرين غيره يأتونها! ومن ثم لا تجدي عقوبة الزنا في منع وقوعه؛ والجماعة تمسي وتصبح وهي تتنفس في ذلك الجو الملوث الموحي بارتكاب الفحشاء. لهذا، وصيانة للأعراض من التهجم، وحماية لأصحابها من الآلام الفظيعة التي تصب عليهم .. شدد القرآن الكريم في عقوبة القذف، فجعلها قريبة من عقوبة الزنا .. ثمانين جلدة .. مع إسقاط الشهادة، والوصم بالفسق .. والعقوبة الأولى جسدية. والثانية أدبية في وسط الجماعة؛ ويكفي أن يهدر قول القاذف فلا يؤخذ له بشهادة، وأن يسقط اعتباره بين الناس ويمشي بينهم متهما لا يوثق له بكلام! والثالثة دينية فهو منحرف عن الإيمان خارج عن طريقه المستقيم .. ذلك إلا أن يأتي القاذف بأربعة يشهدون برؤية الفعل، أو بثلاثة معه إن كان قد رآه. فيكون قوله إذن صحيحا. ويوقع حد الزنا على صاحب الفعلة. والجماعة المسلمة لا تخسر بالسكوت عن تهمة غير محققة كما تخسر بشيوع الاتهام والترخص فيه، وعدم التحرج من الإذاعة به، وتحريض الكثيرين من المتحرجين على ارتكاب الفعلة التي كانوا يستقذرونها، ويظنونها ممنوعة في الجماعة أو نادرة. وذلك فوق الآلام الفظيعة التي تصيب الحرائر الشريفات والأحرار الشرفاء؛ وفوق الآثار التي تترتب عليها في حياة الناس وطمأنينة البيوت).

стр. 3504

كلمة في السياق: ١ - هذه الآيات العشر تشكل المجموعة الأولى من المقطع الأول وهي منتهية بقوله تعالى: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ وتأتي بعد ذلك مجموعة ثانية حتى نهاية الآية (٢٠) وهي منتهية بقوله تعالى: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ إن هاتين الآيتين المتشابهتين تدلاننا على نهاية كل من المجموعتين وتدلاننا على السياق الواحد، فبين المجموعتين صلة واتصال، فالمجموعة الثانية تتحدث عن حادثة الإفك ودروسها، وهي أصعب حادثة في حياة رسول الله ﷺ ، فكانت المجموعة الأولى مقدمة لها كما كانت هي تعليلا لضرورة الأحكام الموجودة في المجموعة الأولى. ٢ - لقد ذكرنا أن محور سورة النور هو قوله تعالى من سورة البقرة: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ* فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ وإذا تأملنا المجموعة التي مرت معنا في سورة النور فإننا نجد أنها حدثتنا عن نوع من الزلل وهو الزنا، وذكرت عقوبته والمخرج منه وهي عقوبة نعلم منها عزة الله وحكمته، ثم ذكرت نوعا آخر من الزلل، وهو قذف المحصنات، وبينت عقوبته، وهي عقوبة نعلم بها عزة الله وحكمته، ثم ذكرت موضوع معالجة زلل الزوجة إذا لم يشهده إلا الزوج والمخرج منه وهو مخرج نرى فيه حكمة الله وعزته، ثم ختمت المجموعة بقوله تعالى وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ لتذكرنا بأن هذه الأحكام أثر عن كون الله توابا على من زل إذا تاب، وأن هذه الأحكام أثر عن حكمة الله تعالى، قارن هذا بقوله تعالى فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. ٣ - بدأت المجموعة بقوله تعالى سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها ثم جاء فيها أكثر من خطاب للأمة: فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً هذا الخطاب موجه للأمة التي أمرت في الدخول في السلم كافة، فمن هذا الخطاب، ومن مقدمة السورة، ومن صلة هذه السورة بمحورها، ندرك أن إقامة الحدود والأحكام فريضة الله على هذه الأمة، وأنها إذا لم تفعل ذلك لا تكون قد حققت الأمر، وإذا كان هذا لا يتم إلا بسلطان مسلم أو بخليفة مسلم، أي لا يتم إلا بحكومة

стр. 3505

إسلامية، فإن إقامة الدولة الإسلامية فريضة الله الدائمة على هذه الأمة، فمن لم يعمل لها في حال فقدانها فإنه آثم، ومن لم يدعمها حال وجودها فإنه آثم، ومن لم يقومها حال انحرافها وهو يستطيع فإنه آثم. ملاحظات: ١ - الزواج بالزانية حرام إذا لم يكن توبة، أما مع التوبة فلا حرمة: عن ابن أبي ذئب قال: (سمعت شعبة مولى ابن عباس ﵄ قال: سمعت ابن عباس وسأله رجل فقال: إني كنت ألم بامرأة آتي منها ما حرم الله علي، فرزق الله من ذلك توبة، فأردت أن أتزوجها، فقال أناس إن الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة، فقال: ابن عباس: ليس هذا في هذا انكحها فما كان من إثم فعلي). ٢ - ليس المراد بالرأفة في قوله تعالى: وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ الرأفة الطبيعية وإنما هي الرأفة التي تحمل الحاكم على ترك الحد أو عدم إقامته على وجهه، لأن القاعدة أن الحد إذا رفع إلى السلطان فقد وجبت إقامته، وحرم العفو عن المدعى عليه إذا ثبت عليه الحد، أما إذا لم يصل إلى السلطان فالعفو والستر أفضل، إلا إذا كان الجاني كثير الإفساد، وفي الحديث: «تعافوا الحدود فيما بينكم فما بلغني من حد فقد وجب» وقد دل النهي عن الرأفة في الحدود، أن الواجب على المؤمنين أن يتصلبوا في دين الله، ولا يأخذهم اللين في استيفاء حدوده؛ فيعطلوا الحدود أو يخففوا الضرب، وسنرى كلام ابن كثير في الفوائد في هذا الموضوع. ٣ - قال تعالى: وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ إن شهود المؤمنين للجلد فيه تنكيل للزانيين فذلك أبلغ في زجرهما وأنجع في ردعهما، فإن في ذلك تقريعا وتوبيخا وفضيحة، إذا كان الناس حضورا، وبذلك يعرف الناس المحدود، حتى إذا وقف موقف ريبة لم يغب ذلك عن الناس، وقد أشرنا إلى هذا هنا لأن هناك اتجاها سنراه في الفوائد هذا الاتجاه يقول: (ليس ذلك للفضيحة إنما ذلك ليدعى الله تعالى لهما بالتوبة والرحمة) فالشطر الأول من هذا الكلام مردود، والشطر الآخر جميل. ٤ - في قوله تعالى: الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أقوال للمفسرين: فبعضهم اعتبر هذه الآية
следующие страницы →