← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.

стр. 3501

الرفرفات الروحية، والأشواق العلوية؛ ومن كل الآداب التي تجمعت حول الجنس في تاريخ البشرية الطويل؛ ويبديه عاريا غليظا قذرا كما هو في الحيوان، بل أشد غلظا من الحيوان. ذلك أن كثيرا من أزواج الحيوان والطير تعيش متلازمة، في حياة زوجية منظمة، بعيدة عن الفوضى الجنسية التي يشيعها الزنا- وبخاصة البغاء- في بعض بيئات الإنسان! ودفع هذه النكسة عن الإنسان هو الذي جعل الإسلام يشدد ذلك التشديد في عقوبة الزنا .. ذلك إلى الأضرار الاجتماعية التي تعارف الناس على أن يذكروها عند الكلام عن الجريمة، من اختلاط الأنساب، وإثارة الأحقاد، وتهديد البيوت الآمنة المطمئنة .. وكل واحد من هذه الأسباب يكفي لتشديد العقوبة. ولكن السبب الأول وهو دفع النكسة الحيوانية عن الفطرة البشرية، ووقاية الآداب الإنسانية التي تجمعت حول الجنس، والمحافظة على أهداف الحياة العليا من الحياة الزوجية المشتركة القائمة على أساس الدوام والامتداد ... هذا السبب هو الأهم في اعتقادي. وهو الجامع لكل الأسباب الفرعية الأخرى. على أن الإسلام لا يشدد في العقوبة هذا التشديد إلا بعد تحقيق الضمانات الوقائية المانعة من وقوع الفعل، ومن توقيع العقوبة إلا في الحالات الثابتة التي لا شبهة فيها. فالإسلام منهج حياة متكامل، لا يقوم على العقوبة؛ إنما يقوم على توفير أسباب الحياة النظيفة. ثم يعاقب بعد ذلك من يدع الأخذ بهذه الأسباب الميسرة ويتمرغ في الوحل طائعا غير مضطر. وفي هذه السورة نماذج من هذه الضمانات الوقائية الكثيرة ستأتي في موضعها من السياق .. فإذا وقعت الجريمة بعد هذا كله فهو يدرأ الحد ما كان هناك مخرج منه لقوله ﷺ : «ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن كان له مخرج فخلوا سبيله فإن الإمام إن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة» (١) لذلك يطلب شهادة أربعة عدول يقرون برؤية الفعل أو اعترافا لا شبهة في صحته.

стр. 3502

وقد يظن أن العقوبة إذن وهمية لا تردع أحدا، لأنها غير قابلة للتطبيق. ولكن الإسلام- كما ذكرنا- لا يقيم بناءه على العقوبة، بل على الوقاية من الأسباب الدافعة إلى الجريمة؛ وعلى تهذيب النفوس، وتطهير الضمائر؛ وعلى الحساسية التي يثيرها في القلوب، فتتحرج من الإقدام على جريمة تقطع ما بين فاعلها وبين الجماعة المسلمة من وشيجة. ولا يعاقب إلا المتبجحين بالجريمة، الذين يرتكبونها بطريقة فاضحة مستهترة فيراها الشهود. أو الذين يرغبون في التطهر بإقامة الحد عليهم كما وقع لماعز ولصاحبته الغامدية. وقد جاء كل منهما يطلب من النبي ﷺ أن يطهره بالحد، ويلح في ذلك، على الرغم من إعراض النبي مرارا؛ حتى بلغ الإقرار أربع مرات. ولم يعد بد من إقامة الحد، لأنه بلغ إلى الرسول بصفة مستيقنة لا شبهة فيها. والرسول ﷺ يقول: «تعافوا الحدود فيما بينكم فما بلغني من حد فقد وجب» (٢). فإذا وقع اليقين، وبلغ الأمر إلى الحاكم، فقد وجب الحد ولا هوادة، ولا رأفة في دين الله. فالرأفة بالزناة الجناة حينئذ هي قسوة على الجماعة، وعلى الآداب الإنسانية، وعلى الضمير البشري. وهي رأفة مصطنعة. فالله أرأف بعباده. وقد اختار لهم. وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم. والله أعلم بمصالح العباد، وأعرف بطبائعهم، فليس لمتشدق أن يتحدث عن قسوة العقوبة الظاهرية؛ فهي أرأف مما ينتظر الجماعة التي يشيع فيها الزنا، وتفسد فيها الفطرة، وترتكس في الحمأة، وتنتكس إلى درك البهيمية الأولى .. والتشديد في عقوبة الزنا لا يغني وحده في صيانة حياة الجماعة، وتطهير الجو الذي تعيش فيه. والإسلام لا يعتمد على العقوبة في إنشاء الحياة النظيفة- كما قلنا- إنما يعتمد على الضمانات الوقائية وعلى تطهير جو الحياة كلها من رائحة الجريمة. لذلك يعقب على حد الزنا بعزل الزناة عن جسم الأمة المسلمة. ثم يمضي في الطريق خطوة أخرى في استبعاد ظل الجريمة من جو الجماعة؛ فيعاقب على قذف المحصنات واتهامهن دون دليل أكيد: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً، وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً. وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ..

стр. 3503

إن ترك الألسنة تلقي التهم على المحصنات- وهن العفيفات الحرائر ثيبات أو أبكارا- بدون دليل قاطع، يترك المجال فسيحا لكل من شاء أن يقذف بريئة أو بريئا بتلك التهمة النكراء؛ ثم يمضي آمنا! فتصبح الجماعة وتمسي، وإذا أعراضها مجرحة، وسمعتها ملوثة؛ وإذا كل فرد فيها متهم أو مهدد بالاتهام؛ وإذا كل زوج فيها شاك في زوجه، وكل رجل فيها شاك في أصله، وكل بيت فيها مهدد بالانهيار .. وهي حالة من الشك والقلق والريبة لا تطاق. ذلك إلى أن اطراد سماع التهم يوحي إلى النفوس المتحرجة من ارتكاب الفعلة أن جو الجماعة كله ملوث؛ وأن الفعلة فيها شائعة؛ فيقدم عليها من كان يتحرج منها، وتهون في حسه بشاعتها بكثرة تردادها، وشعوره بأن كثيرين غيره يأتونها! ومن ثم لا تجدي عقوبة الزنا في منع وقوعه؛ والجماعة تمسي وتصبح وهي تتنفس في ذلك الجو الملوث الموحي بارتكاب الفحشاء. لهذا، وصيانة للأعراض من التهجم، وحماية لأصحابها من الآلام الفظيعة التي تصب عليهم .. شدد القرآن الكريم في عقوبة القذف، فجعلها قريبة من عقوبة الزنا .. ثمانين جلدة .. مع إسقاط الشهادة، والوصم بالفسق .. والعقوبة الأولى جسدية. والثانية أدبية في وسط الجماعة؛ ويكفي أن يهدر قول القاذف فلا يؤخذ له بشهادة، وأن يسقط اعتباره بين الناس ويمشي بينهم متهما لا يوثق له بكلام! والثالثة دينية فهو منحرف عن الإيمان خارج عن طريقه المستقيم .. ذلك إلا أن يأتي القاذف بأربعة يشهدون برؤية الفعل، أو بثلاثة معه إن كان قد رآه. فيكون قوله إذن صحيحا. ويوقع حد الزنا على صاحب الفعلة. والجماعة المسلمة لا تخسر بالسكوت عن تهمة غير محققة كما تخسر بشيوع الاتهام والترخص فيه، وعدم التحرج من الإذاعة به، وتحريض الكثيرين من المتحرجين على ارتكاب الفعلة التي كانوا يستقذرونها، ويظنونها ممنوعة في الجماعة أو نادرة. وذلك فوق الآلام الفظيعة التي تصيب الحرائر الشريفات والأحرار الشرفاء؛ وفوق الآثار التي تترتب عليها في حياة الناس وطمأنينة البيوت).

стр. 3504

كلمة في السياق: ١ - هذه الآيات العشر تشكل المجموعة الأولى من المقطع الأول وهي منتهية بقوله تعالى: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ وتأتي بعد ذلك مجموعة ثانية حتى نهاية الآية (٢٠) وهي منتهية بقوله تعالى: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ إن هاتين الآيتين المتشابهتين تدلاننا على نهاية كل من المجموعتين وتدلاننا على السياق الواحد، فبين المجموعتين صلة واتصال، فالمجموعة الثانية تتحدث عن حادثة الإفك ودروسها، وهي أصعب حادثة في حياة رسول الله ﷺ ، فكانت المجموعة الأولى مقدمة لها كما كانت هي تعليلا لضرورة الأحكام الموجودة في المجموعة الأولى. ٢ - لقد ذكرنا أن محور سورة النور هو قوله تعالى من سورة البقرة: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ* فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ وإذا تأملنا المجموعة التي مرت معنا في سورة النور فإننا نجد أنها حدثتنا عن نوع من الزلل وهو الزنا، وذكرت عقوبته والمخرج منه وهي عقوبة نعلم منها عزة الله وحكمته، ثم ذكرت نوعا آخر من الزلل، وهو قذف المحصنات، وبينت عقوبته، وهي عقوبة نعلم بها عزة الله وحكمته، ثم ذكرت موضوع معالجة زلل الزوجة إذا لم يشهده إلا الزوج والمخرج منه وهو مخرج نرى فيه حكمة الله وعزته، ثم ختمت المجموعة بقوله تعالى وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ لتذكرنا بأن هذه الأحكام أثر عن كون الله توابا على من زل إذا تاب، وأن هذه الأحكام أثر عن حكمة الله تعالى، قارن هذا بقوله تعالى فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. ٣ - بدأت المجموعة بقوله تعالى سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها ثم جاء فيها أكثر من خطاب للأمة: فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً هذا الخطاب موجه للأمة التي أمرت في الدخول في السلم كافة، فمن هذا الخطاب، ومن مقدمة السورة، ومن صلة هذه السورة بمحورها، ندرك أن إقامة الحدود والأحكام فريضة الله على هذه الأمة، وأنها إذا لم تفعل ذلك لا تكون قد حققت الأمر، وإذا كان هذا لا يتم إلا بسلطان مسلم أو بخليفة مسلم، أي لا يتم إلا بحكومة

стр. 3505

إسلامية، فإن إقامة الدولة الإسلامية فريضة الله الدائمة على هذه الأمة، فمن لم يعمل لها في حال فقدانها فإنه آثم، ومن لم يدعمها حال وجودها فإنه آثم، ومن لم يقومها حال انحرافها وهو يستطيع فإنه آثم. ملاحظات: ١ - الزواج بالزانية حرام إذا لم يكن توبة، أما مع التوبة فلا حرمة: عن ابن أبي ذئب قال: (سمعت شعبة مولى ابن عباس ﵄ قال: سمعت ابن عباس وسأله رجل فقال: إني كنت ألم بامرأة آتي منها ما حرم الله علي، فرزق الله من ذلك توبة، فأردت أن أتزوجها، فقال أناس إن الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة، فقال: ابن عباس: ليس هذا في هذا انكحها فما كان من إثم فعلي). ٢ - ليس المراد بالرأفة في قوله تعالى: وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ الرأفة الطبيعية وإنما هي الرأفة التي تحمل الحاكم على ترك الحد أو عدم إقامته على وجهه، لأن القاعدة أن الحد إذا رفع إلى السلطان فقد وجبت إقامته، وحرم العفو عن المدعى عليه إذا ثبت عليه الحد، أما إذا لم يصل إلى السلطان فالعفو والستر أفضل، إلا إذا كان الجاني كثير الإفساد، وفي الحديث: «تعافوا الحدود فيما بينكم فما بلغني من حد فقد وجب» وقد دل النهي عن الرأفة في الحدود، أن الواجب على المؤمنين أن يتصلبوا في دين الله، ولا يأخذهم اللين في استيفاء حدوده؛ فيعطلوا الحدود أو يخففوا الضرب، وسنرى كلام ابن كثير في الفوائد في هذا الموضوع. ٣ - قال تعالى: وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ إن شهود المؤمنين للجلد فيه تنكيل للزانيين فذلك أبلغ في زجرهما وأنجع في ردعهما، فإن في ذلك تقريعا وتوبيخا وفضيحة، إذا كان الناس حضورا، وبذلك يعرف الناس المحدود، حتى إذا وقف موقف ريبة لم يغب ذلك عن الناس، وقد أشرنا إلى هذا هنا لأن هناك اتجاها سنراه في الفوائد هذا الاتجاه يقول: (ليس ذلك للفضيحة إنما ذلك ليدعى الله تعالى لهما بالتوبة والرحمة) فالشطر الأول من هذا الكلام مردود، والشطر الآخر جميل. ٤ - في قوله تعالى: الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أقوال للمفسرين: فبعضهم اعتبر هذه الآية

стр. 3506

منسوخة بقوله تعالى وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وهو رأي سعيد بن المسيب، وعلى هذا الاتجاه فالعقد على الزانية، جائز ونافذ، وعلى جواز العقد ونفاذه بعض الأئمة، ولكن مما يضعف اتجاه النسخ أول آية في السورة؛ إذ إنها تشعر بإحكام السورة كلها. وبعض العلماء حرم التزوج من الزانية والتزويج من الزاني ولكنه اعتبر العقد نافذا في حالة وقوعه بشروط. وبعض العلماء حرم الزواج من الزاني أو الزانية واعتبر العقد باطلا ولابن عباس اتجاه في الآية الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ هذا الاتجاه الذي يراه ابن عباس هو: أن الآية تقرر واقعا وهو أن الزاني لا يزني إلا بزانية، وكذلك الزانية لا يزني بها إلا زان، قال ابن عباس بإسناد صحيح عنه «ليس هذا بالنكاح إنما هو الجماع لا يزني بها إلا زان أو مشرك» فالمعنى في رأيه: أن الزاني لا يطأ إلا زانية أو مشركة، أي لا يطاوعه على مراده في الزنا إلا زانية عاصية أو مشركة لا ترى حرمة ذلك، وكذلك الزانية، ويفهم من ذلك أن المؤمنين الكمل لا يقعون في الزنا ويؤيد ذلك الحديث «ولا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» وعلى كل الأحوال ففي الآية تزهيد في نكاح البغايا إذ الزنا عديل الشرك في القبح، والإيمان قرين العفاف والتحصن وهو نظير قوله تعالى الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ من هذه الحيثية. ٥ - رأينا أن الزاني المحصن والزانية المحصنة حدهما الرجم تواردت على ذلك الآثار من قول رسول الله ﷺ ومن فعله لدرجة التواتر، فمن أنكر ذلك يكفر، وأعظم الأدلة في ذلك الآية المنسوخة التلاوة المحكمة الحكم: «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة» وقد ورد ذلك في الكتب الستة ولكن هل يجمع بين الرجم والجلد؟ الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة والشافعي ومالك على عدم الجمع، وذهب الإمام أحمد إلى الجمع: الجلد مائة أولا ثم الرجم؛ جمعا بين الكتاب والسنة. ٦ - رأينا أن هناك خلافا في جواز تزوج الزانية، وخلافا في صحة العقد، ورأينا الأقوال في ذلك وهاهنا مسألة هي: لو أن إنسانا تزوج ثم تبين له بعد الزواج أن زوجته تفجر فما الحكم؟ لا شك أن له في هذه الحالة أن يلاعن أو يطلق دون أن يلاعن، ولكن هل له أن يحتفظ بها؟ قال فقهاء الحنفية: «لا يجب على الزوج تطليق المرأة الفاجرة، ولا عليها تسريح

стр. 3507

الفاجر إلا إذا خافت ألا يقيما حدود الله، والفجور يعم الزنا وغيره» ويستند الحنفية فيما ذهبوا إليه على حديث بعض أسانيده جيدة هو: «جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: إن عندي امرأة من أحب الناس إلي، وهي لا تمنع يد لامس قال: طلقها، قال لا صبر لي عنها قال: استمتع بها» وكما ترى فإن الرسول ﷺ أمر بالطلاق ابتداء. وعلى كل الأحوال فإن عدم وجوب التطليق لا يعني الرضا بالفاحشة؛ إذ الرضى بالفاحشة مع استحلالها كفر، والرضى بالفاحشة مع الركون إليها وألفتها- ولو بلا استحلال- كبيرة. قال ﵊: «ثلاثة قد حرم الله عليهم الجنة: مدمن الخمر، والعاق، والديوث الذي يقر في أهله الخبث» رواه الإمام أحمد. الفوائد: ١ - عند قوله تعالى الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ (يذكر عادة موضوعان) الأول هو هل مع جلد المائة توجد عقوبة أخرى للبكر أو لا؟ والموضوع الثاني ما هو حد المحصن أي المتزوج؟. قال ابن كثير: (هذه الآية الكريمة فيها حكم الزاني في الحد، وللعلماء فيه تفصيل ونزاع فإن الزاني لا يخلو إما أن يكون بكرا وهو الذي لم يتزوج، أو محصنا وهو الذي قد وطئ في نكاح صحيح وهو حر بالغ عاقل، فأما إذا كان بكرا لم يتزوج فإن حده مائة جلدة كما في الآية، ويزاد على ذلك أن يغرب عاما عن بلده عند جمهور العلماء، خلافا لأبي حنيفة ﵀، فإن عنده أن التغريب إلى رأي الإمام إن شاء غرب وإن شاء لم يغرب، وحجة الجمهور في ذلك ما ثبت في الصحيحين من رواية الزهري ...... عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني في الأعرابيين اللذين أتيا رسول الله ﷺ فقال أحدهما: يا رسول الله إن ابني هذا كان عسيفا- يعني أجيرا- على هذا فزنى بامرأته، فافتديت ابني منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا: الرجم، فقال رسول الله ﷺ «والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله تعالى، الوليدة والغنم رد عليك، وعلى ابنك مائة جلدة وتغريب عام. واغد يا أنيس- لرجل من أسلم- إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها» فغدا عليها فاعترفت فرجمها. وفي هذا دلالة على تعريب الزاني مع جلد مائة إذا كان بكرا لم يتزوج فأما إذا كان محصنا وهو الذي قد وطئ في نكاح صحيح وهو حر بالغ عاقل فإنه يرجم كما قال الإمام مالك ... عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن ابن عباس أخبره أن عمر

стр. 3508

قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: (أما بعد أيها الناس فإن الله تعالى بعث محمدا ﷺ بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان فيما أنزل عليه آية الرجم، فقرأناها ووعيناها، ورجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده، فأخشى أن يطول بالناس زمان أن يقول قائل لا نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة قد أنزلها الله، فالرجم في كتاب الله حق، على من زنى إذا أحصن، من الرجال ومن النساء، إذا قامت البينة أو الحبل أو الاعتراف) أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك مطولا وهذه قطعة منه فيها مقصودنا هاهنا وروى الإمام أحمد .. عن عبد الرحمن بن عوف أن عمر بن الخطاب خطب الناس فسمعته يقول: (ألا وإن ناسا يقولون ما الرجم في كتاب الله، وإنما فيه الجلد، وقد رجم رسول الله ورجمنا بعده، ولولا أن يقول قائل أو يتكلم متكلم أن عمر زاد في كتاب الله ما ليس منه لأثبتها كما نزلت به) وقد روى الإمام أحمد .. عن ابن عباس قال: «خطب عمر ابن الخطاب فذكر الرجم فقال لا نجد من الرجم بدا فإنه حد من حدود الله تعالى، ألا وإن رسول الله ﷺ قد رجم ورجمنا بعده، ولولا أن يقول قائلون أن عمر زاد في كتاب الله ما ليس فيه لكتبت في ناحية من المصحف، وشهد عمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف وفلان وفلان أن رسول الله ﷺ قد رجم ورجمنا بعده، ألا إنه سيكون قوم من بعدكم يكذبون بالرجم، والشفاعة، وبعذاب القبر، وبقوم يخرجون من النار بعد ما امتحشوا». روى أحمد .. عن عمر بن الخطاب: «إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم» وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي .. قال ابن عمر نبئت عن كثير بن الصلت قال: كنا عند مروان .. وفينا زيد، فقال زيد بن ثابت: كنا نقرأ: «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة» وهذه طرق كلها متعددة متعاضدة ودالة على أن آية الرجم كانت مكتوبة فنسخ تلاوتها وبقي حكمها معمولا به والله أعلم. ٢ - وعند قوله تعالى وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ قال ابن كثير: وليس المنهي عنه الرأفة الطبيعية على ترك الحد، وإنما هي الرأفة التي تحمل الحاكم على ترك الحد، فلا يجوز ذلك قال مجاهد: وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ قال: إقامة الحدود إذا رفعت إلى السلطان فتقام ولا تعطل .. وقد جاء في الحديث «تعافوا الحدود فيما بينكم فما بلغني من حد فقد وجب» وفي الحديث الآخر «لحد يقام في الأرض خير لأهلها من أن يمطروا أربعين صباحا» وقيل المراد وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ

стр. 3509

اللَّهِ فلا تقيموا الحد كما ينبغي من شدة الضرب الزاجر عن المأثم، وليس المراد بالضرب المبرح. قال عامر الشعبي وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ قال: رحمة في شدة الضرب. وقال عطاء: ضرب ليس بالمبرح. وقال سعيد بن أبي عروبة عن حماد بن سليمان: يجلد القاذف وعليه ثيابه والزاني تخلع ثيابه ثم تلا وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ فقلت: هذا في الحكم؟ قال: هذا في الحكم والجلد يعني في إقامة الحد وفي شدة الضرب. وقال ابن أبي حاتم .. «عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر أن جارية لابن عمر زنت فضرب رجليها قال نافع أراه قال ظهرها قال قلت: وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ قال: يا بني- ورأيتني أخذتني بها رأفة- إن الله لم يأمرني أن أقتلها، ولا أن أجعل جلدها في رأسها، وقد أوجعت حين ضربتها». ٣ - وفي قوله تعالى: وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رأينا أثناء التفسير أن أقل الطائفة ثلاثة أو أربعة، غير أن هناك اتجاهات أخرى، وفي هذا النص يقول ابن كثير: (هذا فيه تنكيل للزانيين إذا جلدا بحضرة الناس، فإن ذلك يكون أبلغ في زجرهما وأنجع في ردعهما؛ فإن في ذلك تقريعا وتوبيخا وفضيحة إذا كان الناس حضورا قال الحسن البصري في قوله وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ: يعني علانية، ثم قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الطائفة: الرجل فما فوقه وقال مجاهد: الطائفة: الرجل الواحد إلى الألف، وكذا قال عكرمة. ولهذا قال أحمد: إن الطائفة تصدق على واحد، وقال عطاء بن أبي رباح اثنان، وبه قال إسحاق بن راهويه وكذا قال سعيد بن جبير طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قال: الطائفة أربعة نفر فصاعدا، وقال الزهري: ثلاثة نفر فصاعدا، وقال عبد الله بن وهب عن الإمام مالك في قوله وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قال: الطائفة أربعة نفر فصاعدا لأنه لا يكفي شهادة في الزنا إلا أربعة شهداء فصاعدا وبه قال الشافعي، وقال ربيعة: خمسة وقال الحسن البصري: عشرة، وقال قتادة: أمر الله أن يشهد عذابهما طائفة من المؤمنين أي نفر من المسلمين ليكون ذلك موعظة وعبرة ونكالا. قال ابن أبي حاتم عن بقية قال: سمعت نصر بن علقمة يقول في قوله تعالى وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قال: ليس ذلك للفضيحة إنما ذلك ليدعى الله تعالى لهما بالتوبة والرحمة) وقد علقنا من قبل على الكلام الأخير

стр. 3510

٤ - عامة الفقهاء على أن الزواج من البغي قبل توبتها حرام، لكن العقد عليها جائز بمعنى أنه غير باطل، ولكن الإمام أحمد يرى أن العقد عليها باطل أخذا من قوله تعالى الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ قال ابن كثير: ذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵀ إلى أنه لا يصح العقد من الرجل العفيف على المرأة البغي ما دامت كذلك حتى تستتاب، فإن تابت صح العقد عليها، وإلا فلا، وكذلك لا يصح تزويج المرأة الحرة العفيفة بالرجل الفاجر المسافح حتى يتوب توبة صحيحة لقوله تعالى وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رجلا من المؤمنين استأذن رسول الله ﷺ في امرأة يقال لها أم مهزول كانت تسافح، وتشترط له أن تنفق عليه، قال فاستأذن رسول الله ﷺ أو ذكر له أمرها، قال: فقرأ عليه رسول الله ﷺ الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وقال النسائي عن عبد الله بن عمرو قال: كانت امرأة يقال لها أم مهزول، وكانت تسافح، فأراد رجل من أصحاب رسول الله ﷺ أن يتزوجها، فأنزل الله الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ قال الترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال كان رجل يقال له مرثد بن أبي مرثد، وكان رجل يحمل الأسرى من مكة حتى يأتي بهم المدينة، قال وكانت امرأة بغي بمكة يقال لها عناق، وكانت صديقة له، وأنه واعد رجلا من أسارى مكة بحمله، قال فجئت حتى انتهيت إلى ظل حائط من حوائط مكة في ليلة مقمرة، قال فجاءت عناق فأبصرت سواد ظل تحت الحائط، فلما انتهت إلي عرفتني فقالت: مرثد؟ فقلت: مرثد. فقالت: مرحبا وأهلا هلم فبت عندنا الليلة، قال فقلت: يا عناق حرم الله الزنا، فقالت يا أهل الخيام هذا الرجل يحمل أسراكم، قال فتبعني ثمانية، ودخلت الحديقة، فانتهيت إلى غار- أو كهف- فدخلت فيه فجاءوا حتى قاموا على رأسي فبالوا، فظل بولهم على رأسي فأعماهم الله عني، قال: ثم رجعوا فرجعت إلى صاحبي فحملته، وكان رجلا ثقيلا حتى انتهيت إلى الإذخر، ففككت عنه أحبله فجعلت أحمله ويعينني حتى أتيت به المدينة، فأتيت رسول الله ﷺ ، فقلت يا رسول الله أنكح عناقا أنكح عناقا- مرتين؟ - فأمسك رسول الله ﷺ فلم يرد علي شيئا حتى نزلت الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فقال رسول الله ﷺ : «يا

стр. 3511

مرثد: الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة فلا تنكحها» ثم قال الترمذي هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وروى ابن أبي حاتم .. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله» وروى الإمام أحمد .. عن عبد الله بن يسار مولى ابن عمر قال أشهد لسمعت سالما يقول: قال: عبد الله قال رسول الله ﷺ «ثلاثة لا يدخلون الجنة، ولا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه والمرأة المترجلة- المتشبهة بالرجال، والديوث، وثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، ومدمن الخمر والمنان بما أعطى» وروى الإمام أحمد .. عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال «ثلاثة حرم الله عليهم الجنة: مدمن الخمر، والعاق لوالديه، والذي يقر في أهله الخبث» اه كلام ابن كثير. أقول: إن كثيرا من مناطق العالم قد انتشر فيها الزنا انتشارا كبيرا، وأصبح في بعض المناطق عادة، ولذلك فإن على مريد الزواج أن يلحظ هذا الموضوع. ٥ - قال ابن كثير عند قوله تعالى وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ (وقد وردت الأحاديث بمقتضى العمل بهذه الآية، وذكر سبب نزولها وفيمن نزلت فيه من الصحابة، قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد أخبرنا عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما نزلت وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً قال سعد بن عبادة وهو سيد الأنصار ﵁: أهكذا نزلت يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ «يا معشر الأنصار ألا تسمعون ما يقول سيدكم؟ فقالوا يا رسول الله لا تلمه فإنه رجل غيور، والله ما تزوج امرأة قط إلا بكرا وما طلق امرأة قط فاجترأ رجل منا أن يتزوجها من شدة غيرته، فقال سعد: والله يا رسول الله إني لأعلم أنها لحق، وأنها من الله، ولكني قد تعجبت أني لو وجدت لكاعا قد تفخذها رجل، لم يكن لي أن أهيجه ولا أحركه حتى آتي بأربعة شهداء، فو الله إني لا آتي بهم حتى يقضي حاجته- قال: فما لبثوا إلا يسيرا- حتى جاء هلال بن أمية- وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم- فجاء من أرضه عشاء فوجد عند أهله رجلا فرأى بعينه وسمع بأذنيه فلم يهيجه حتى أصبح، فغدا على رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله إني جئت على أهلي عشاء فوجدت عندها رجلا فرأيت بعيني وسمعت بأذني، فكره رسول الله ﷺ ما جاء به واشتد عليه،

стр. 3512

واجتمعت عليه الأنصار، وقالوا: قد ابتلينا بما قال سعد بن عبادة، الآن يضرب رسول الله ﷺ هلال بن أمية ويبطل شهادته في الناس، فقال هلال: والله إني لأرجو أن يجعل الله لي منها مخرجا، وقال هلال: يا رسول الله فإني قد أرى ما اشتد عليك مما جئت به، والله يعلم إني لصادق، فو الله إن رسول الله ﷺ يريد أن يأمر بضربه إذ أنزل الله على رسوله ﷺ الوحي، وكان إذا أنزل عليه الوحي عرفوا ذلك في تربد وجهه فأمسكوا عنه حتى فرغ من الوحي، فنزلت وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ الآية فسري عن رسول الله ﷺ فقال «أبشر يا هلال فقد جعل الله لك فرجا ومخرجا» فقال هلال: قد كنت أرجو ذلك من ربي ، فقال رسول الله ﷺ : أرسلوا إليها فأرسلوا إليها فجاءت، فتلاها رسول الله ﷺ عليهما، فذكرهما وأخبرهما أن عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا، فقال هلال: والله يا رسول الله لقد صدقت عليها، فقالت: كذب. فقال رسول الله ﷺ : «لاعنوا بينهما» فقيل لهلال: اشهد فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، فلما كانت الخامسة قيل له: يا هلال اتق الله فإن عذاب الدنيا أهون من الآخرة، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب، فقال: والله لا يعذبني الله عليها كما لم يجلدني عليها، فشهد في الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم قيل للمرأة: اشهدي أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، وقيل لها في الخامسة: اتق الله فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب، فتلكأت ساعة، وهمت بالاعتراف، ثم قالت: والله لا أفضح قومي، فشهدت الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، ففرق رسول الله ﷺ بينهما، وقضى أن لا يدعى ولدها لأب، ولا يرمى ولدها، ومن رماها أو رمى ولدها فعليه الحد، وقضى أن لا بيت لها عليه، ولا قوت لها؛ من أجل أنهما يفترقان من غير طلاق، ولا متوفى عنها، وقال «إن جاءت به أصيهب، أييشح، حمش الساقين، فهو لهلال، وإن جاءت به أورق، جعدا جماليا خدلج الساقين، سابغ الأليتين فهو الذي رميت به» فجاءت به أورق جعدا جماليا خدلج الساقين سابغ الأليتين فقال: رسول الله ﷺ «لولا الأيمان لكان لي ولها شأن» قال عكرمة فكان بعد ذلك أميرا على مصر، وكان يدعى لأمه ولا يدعى لأب، ورواه أبو داود عن الحسن بن علي عن يزيد بن هارون به نحوه مختصرا. ولهذا الحديث شواهد كثيرة في الصحاح وغيرها من وجوه كثيرة.

стр. 3513

وروى الإمام أحمد عن علقمة عن عبد الله قال: كنا جلوسا عشية الجمعة في المسجد، فقال رجل من الأنصار: أحدنا إذا رأى مع امرأته رجلا إن قتله قتلتموه، وإن تكلم جلدتموه، وإن سكت سكت على غيظ، والله لإن أصبحت صحيحا لأسأل رسول الله ﷺ ، قال فسأله فقال يا رسول الله: إن أحدنا إذا رأى مع امرأته رجلا إن قتله قتلتموه، وإن تكلم جلدتموه، وإن سكت سكت على غيظ اللهم احكم، قال فنزلت آية اللعان فكان ذلك الرجل أول من ابتلي به، انفرد بإخراجه مسلم فرواه من طرق عن سليمان بن مهران الأعمش به. وروى الإمام أحمد أيضا عن سهل بن سعد قال: جاء عويمر إلى عاصم بن عدي فقال له: سل رسول الله ﷺ أرأيت رجلا وجد رجلا مع امرأته فقتله أيقتل به أم كيف يصنع؟ فسأل عاصم رسول الله ﷺ فعاب رسول الله ﷺ المسائل، قال فلقيه عويمر فقال: ما صنعت؟ قال: ما صنعت إنك لم تأتني بخير، سألت رسول الله ﷺ فعاب المسائل، فقال عويمر والله لآتين رسول الله ﷺ فلأسألنه. فأتاه فوجده قد أنزل عليه فيها. قال: فدعا بهما ولا عن بينهما. قال عويمر إن انطلقت بها يا رسول الله لقد كذبت عليها. ففارقها قبل أن يأمره رسول الله ﷺ فصارت سنة المتلاعنين، وقال رسول الله ﷺ «أبصروها فإن جاءت به أسحم، أدعج العينين، عظيم الأليتين، فلا أراه إلا قد صدق، وإن جاءت به أحيمر، كأنه وحرة، فلا أراه إلا كاذبا» فجاءت به على النعت المكروه. أخرجاه في الصحيحين وبقية الجماعة إلا الترمذي. ورواه البخاري أيضا من طرق عن الزهري به فقال حدثنا سليمان بن داود أبو الربيع حدثنا فليح عن الزهري عن سهل بن سعد «أن رجلا أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أرأيت رجلا رأى مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلونه، أم كيف يفعل؟» فأنزل الله تعالى فيهما ما ذكر في القرآن من التلاعن فقال له رسول الله ﷺ «قد قضي فيك وفي امرأتك» قال: فتلاعنا وأنا شاهد عند رسول الله ﷺ ، ففارقها فكانت سنة أن يفرق بين المتلاعنين، وكانت حاملا، فأنكر حملها، وكان ابنها يدعى إليها. ثم جرت السنة في الميراث أن يرثها وترث منه، ما فرض الله لها). ***

стр. 3514

المجموعة الثانية من المقطع الأول وتمتد من الآية (١١) الى نهاية الآية (٢٠) وهذه هي: [سورة النور (٢٤): الآيات ١١ الى ٢٠] إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ (١١) لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢) لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٣) وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٤) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥) وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ (١٦) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٨) إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (١٩) وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (٢٠) ***

стр. 3515

بين يدي التفسير: قال ابن كثير في تقديمه لهذه المجموعة: (هذه الآيات العشر كلها نزلت في شأن عائشة أم المؤمنين ﵂، حين رماها أهل الإفك والبهتان من المنافقين بما قالوه من الكذب البحت، والفرية التي غار الله لها ولنبيه صلوات الله وسلامه عليه، فأنزل الله تعالى صيانة لعرض رسول الله ﷺ فقال تعالى إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ جماعة منكم يعني ما هو واحد ولا اثنان بل جماعة، فكان المقدم في هذه اللعنة عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين فإنه كان يجمعه ويستوشيه، حتى دخل ذلك في أذهان بعض المسلمين فتكلموا به، وجوزه آخرون منهم، وبقي الأمر كذلك قريبا من شهر، حتى نزل القرآن، وبيان ذلك في الأحاديث الصحيحة. وروى الإمام أحمد ... عن الزهري قال أخبرني سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير، وعلقمة بن وقاص، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن حديث عائشة زوج النبي ﷺ حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فبرأها الله تعالى، وكلهم قد حدثني بطائفة من حديثها، وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض، وأثبت له اقتصاصا وقد وعيت عن كل رجل منهم الحديث الذي حدثني عن عائشة، وبعض حديثهم يصدق بعضا: ذكروا أن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يخرج لسفر أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله ﷺ معه، قالت عائشة ﵂: فأقرع بيننا في غزوة غزاها، فخرج فيها سهمي، وخرجت مع رسول الله ﷺ ، وذلك بعد ما أنزل الحجاب، فأنا أحمل في هودجي، وأنزل فيه، فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله ﷺ من غزوته تلك، وقفل ودنونا من المدينة، آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذن بالرحيل فمشيت حتى تجاوزت الجيش، فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي، فلمست صدري فإذا عقد لي من جزع ظفار قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلونني فاحتملوا هودجي، فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب وهم يحسبون أني فيه، قالت: وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يثقلن ولم يغشهن اللحم، إنما يأكلن العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه وحملوه، وكنت جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل وساروا، ووجدت عقدي بعد ما استمر الجيش، فجئت منازلهم ليس بها داع ولا مجيب، فتيممت منزلي الذي كنت فيه، وظننت أن القوم سيفقدونني

стр. 3516

فيرجعون إلي، فبينما أنا جالسة في منزلي غلبتني عيناي فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني قد عرس من وراء الجيش، فأدلج فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني فعرفني حين رآني- وكان قد رآني قبل الحجاب- فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمرت وجهي بجلبابي، والله ما كلمني كلمة، ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه حين أناخ راحلته، فوطئ على يدها فركبتها، فأنطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزل موغرين في نحر الظهيرة، فهلك من هلك في شأني، وكان الذي تولى كبره عبد الله بن أبي بن سلول، فقدمنا المدينة فاشتكيت حين قدمناها شهرا، والناس يفيضون في قول أهل الإفك ولا أشعر بشيء من ذلك، وهو يريبني في وجعي أني لا أرى من رسول الله ﷺ اللطف الذي أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل رسول الله ﷺ ثم يقول «كيف تيكم؟» فذلك الذي يريبني، ولا أشعر بالشر حتى خرجت بعد ما نقهت، وخرجت معي أم مسطح قبل المناصع، وهو متبرزنا ولا نخرج إلا ليلا إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في التنزه في البرية، وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها في بيوتنا، فانطلقت أنا وأم مسطح، وهي بنت أبي رهم بن المطلب بن عبد المطلب بن عبد مناف، وأمها ابنة صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق، وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن عبد المطلب، فأقبلت أنا وابنة أبي رهم أم مسطح قبل بيتي حين فرغنا من شأننا، فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت: تعس مسطح، فقلت لها: بئس ما قلت؛ تسبين رجلا شهد بدرا فقالت: أي هنتاه ألم تسمعي ما قال؟ قلت: وماذا قال؟ قالت: فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضا إلى مرضي، فلما رجعت إلى بيتي دخل علي رسول الله ﷺ ، فسلم ثم قال: «كيف تيكم؟» فقلت له: أتأذن لي أن آتي أبوي- قالت وأنا حينئذ أريد أن أتيقن الخبر من قبلهما- فأذن لي رسول الله ﷺ فجئت أبوي فقلت لأمي: يا أمتاه ماذا يتحدث الناس به؟ فقالت: أي بنية هوني عليك، فو الله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها، ولها ضرائر، إلا أكثرن عليها، فقلت سبحان الله أوقد تحدث الناس بها؟ قالت: فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم حتى أصبحت أبكي، قالت فدعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب، وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يسألهما ويستشيرهما في فراق أهله، قالت فأما أسامة بن زيد فأشار على رسول الله ﷺ بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم في نفسه لهم من الود، فقال أسامة: يا رسول الله

стр. 3517

أهلك ولا نعلم إلا خيرا. وأما علي بن أبي طالب فقال: يا رسول الله لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير، وإن تسأل الجارية تصدقك الخبر، قالت: فدعا رسول الله ﷺ بريرة فقال: «أي بريرة هل رأيت من شئ يريبك من عائشة؟ فقالت له بريرة: والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمرا قط أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن، تنام عن عجين أهلها، فتأتي الداجن فتأكله، فقام رسول الله ﷺ من يومه فاستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول قالت: فقال رسول الله ﷺ وهو على المنبر: «يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهلي، فو الله ما علمت على أهلي إلا خيرا ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا وما كان يدخل على أهلي إلا معي» فقام سعد بن معاذ الأنصاري ﵁ فقال: أنا أعذرك منه يا رسول الله، إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا بأمرك، قالت: فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج- وكان رجلا صالحا ولكن احتملته الحمية- فقال لسعد بن معاذ: كذبت لعمر الله، لا تقتله ولا تقدر على قتله، ولو كان من رهطك ما أحببت أن يقتل، فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد بن معاذ فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين، فتثاور الحيان الأوس والخزرج، حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله ﷺ على المنبر، فلم يزل رسول الله ﷺ يخفضهم حتى سكتوا، وسكت رسول الله ﷺ ، قالت: وبكيت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، وأبواي يظنان أن البكاء فالق كبدي قالت: فبينما هما جالسان عندي، وأنا أبكي إذ استأذنت علي امرأة من الأنصار فأذنت لها، فجلست تبكي معي، فبينما نحن على ذلك إذ دخل علينا رسول الله ﷺ فسلم ثم جلس، قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل، وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني شئ قالت: فتشهد رسول الله ﷺ حين جلس، ثم قال: «أما بعد يا عائشة فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه وتاب تاب الله عليه» قالت: فلما قضى رسول الله ﷺ مقالته، قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة، فقلت لأمي: أجيبي رسول الله ﷺ ، فقالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ ، قالت فقلت- وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القرآن-: والله لقد علمت لقد سمعتم بهذا الحديث، حتى استقر في أنفسكم، وصدقتم به، فلئن قلت لكم إني بريئة لا تصدقونني، ولئن اعترفت بأمر والله يعلم أني منه بريئة لتصدقني فو الله ما أجد لي ولكم

стр. 3518

مثلا إلا كما قال أبو يوسف «فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون» قالت: ثم تحولت فاضجعت على فراشي، قالت: وأنا والله أعلم حينئذ أني بريئة، وأن الله مبرئي ببراءتي، ولكن والله ما كنت أظن أن ينزل في شأني وحي يتلى، ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلم الله في بأمر يتلى ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله في النوم رؤيا يبرئني الله بها، قالت فو الله ما رام رسول الله ﷺ مجلسه، ولا خرج من أهل البيت أحد، حتى أنزل الله تعالى على نبيه، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي، حتى أنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق، وهو في يوم شات، من ثقل القول الذي أنزل عليه، قالت: فسري عن رسول الله ﷺ وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال: «أبشري يا عائشة أما الله فقد برأك» قالت: فقالت لي أمي: قومي إليه، فقلت: والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله ؛ هو الذي أنزل براءتي، وأنزل الله إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ العشر الآيات كلها، فلما أنزل الله هذا في براءتي قال أبو بكر ﵁ وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره-: والله لا أنفق عليه شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة، فأنزل الله تعالى وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى إلى قوله أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ فقال أبو بكر: والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال والله لا أنزعها منه أبدا. قالت عائشة: وكان رسول الله ﷺ يسأل زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ عن أمري فقال «يا زينب ماذا علمت أو رأيت؟» فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت إلا خيرا قالت عائشة: وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي ﷺ ، فعصمها الله بالورع، وطفقت أختها حمنة بنت جحش تحارب لها، فهلكت فيمن هلك، قال ابن شهاب: فهذا ما انتهى إلينا من أمر هؤلاء الرهط. أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما) ثم ذكر ابن كثير روايات أخرى فليراجعها من شاء. التفسير: إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ أي الكذب والبهت والافتراء، بل الإفك أبلغ ما يكون من الكذب والافتراء، وأصله الأفك: وهو القلب، لأنه قول مأفوك عن وجهه، والمراد ما أفك به على عائشة ﵂ عُصْبَةٌ أي جماعة منكم إذ العصبة: هي الجماعة من العشرة إلى الأربعين، وهم عبد الله بن أبي رأس المنافقين،

стр. 3519

وزيد بن رفاعة، وحسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش، ومن ساعدهم مِنْكُمْ أي من جماعة المسلمين إما ظاهرا وباطنا، وإما ظاهرا وإن كان في القلب كافرا كعبد الله بن أبي لا تَحْسَبُوهُ أيها المسلمون شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لأن الله أنزل في البراءة منه ما أنزل، وفي ذلك من الدروس والعبر الكثير؛ إذ حمى الله بسبب العبرة من هذه القصة ملايين الأعراض، وبعضهم حمل الخطاب على أن المراد به آل بكر، وأن الخيرية لهم بسبب أن الحادثة كانت لسان صدق في الدنيا، ورفعة منازل في الآخرة، وإظهار شرف لهم باعتناء الله تعالى بعائشة أم المؤمنين ﵂، حيث أنزل الله براءتها في القرآن العظيم لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ أي لكل من تكلم في هذه القضية، ورمى أم المؤمنين عائشة ﵂ بشيء من الفاحشة نصيب عظيم من العذاب على مقدار خوضه فيه، وكان بعضهم ضحك، وبعضهم تكلم فيه، وبعضهم سكت وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ أي عظمه مِنْهُمْ أي من العصبة لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ أي جهنم ثم الأكثرون على أن المراد بذلك إنما هو عبد الله بن أبي لَوْلا أي هلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ أي ذلك الكلام الذي رميت به أم المؤمنين ﵂ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً أي قاسوا ذلك الكلام على أنفسهم، فإن كان لا يليق بهم فأم المؤمنين أولى بالبراءة منه بطريق الأولى والأحرى، قال النسفي: (وإنما عدل عن الخطاب إلى الغيبة، وعن الضمير إلى الظاهر ولم يقل «ظننتم بأنفسكم خيرا وقلتم» ليبالغ في التوبيخ بطريق الالتفات، وليدل التصريح بلفظ الإيمان، على أن الاشتراك فيه يقتضي ألا يصدق مؤمن على أخيه ولا مؤمنة على أختها قول عائب أو طاعن، وهذا من الأدب الحسن الذي قل القائم به، والحافظ له، وليتك تجد من يسمع فيسكت ولا يشيع ما سمعه بإخوانه) وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ أي كذب ظاهر على أم المؤمنين ﵂ قال ابن كثير: (فإن الذي وقع لم يكن ريبة، وذلك أن مجيء أم المؤمنين راكبة جهرة على راحلة صفوان بن المعطل في وقت الظهيرة والجيش بكماله يشاهدون ذلك، ورسول الله ﷺ بين أظهرهم، ولو كان هذا الأمر فيه ريبة لم يكن هذا جهرة، ولا كانا يقدمان على مثل ذلك على رءوس الأشهاد، بل كان هذا يكون- لو قدر- خفية مستورا، فتعين أن ما جاء به أهل الإفك مما رموا به أم المؤمنين هو الكذب البحت، والقول الزور، والرعونة الفاحشة الفاجرة، والصفقة الخاسرة).

стр. 3520

لَوْلا أي هلا جاؤُ عَلَيْهِ أى على القذف لو كانوا صادقين بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ يشهدون على صحة ما جاءوا به فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ الأربعة فَأُولئِكَ القاذفون عِنْدَ اللَّهِ أى في حكمه وشريعته هُمُ الْكاذِبُونَ لأن الله تعالى جعل التفصلة بين الرمي الصادق والكاذب ثبوت شهادة الشهود الأربعة، وانتفاءها، والذين رموا عائشة ﵂ لم يكن لهم بينة على قولهم فكانوا كاذبين وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ أيها الخائضون فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ من قضية الإفك عَذابٌ عَظِيمٌ قال ابن كثير: وهذا أي الفضل والرحمة فيمن عنده إيمان يقبل الله بسببه التوبة كمسطح وحسان وحمنة بنت جحش أخت زينب بنت جحش، فأما من خاض فيه من المنافقين كعبد الله بن أبي بن سلول وأضرابه، فليس أولئك مرادين في هذه الآية، لأنه ليس عندهم من الإيمان والعمل الصالح ما يعادل هذا، ولا ما يعارضه وهكذا شأن ما يرد من الوعيد على فعل معين يكون مطلقا مشروطا بعدم التوبة، أو ما يقابله من عمل صالح يوازنه، أو يرجح عليه إِذْ تَلَقَّوْنَهُ أي يأخذه بعضكم من بعض بِأَلْسِنَتِكُمْ أي تنطقون به بمجرد التلقي دون التدبر والتعقل وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ قال النسفي: إنما قيد بالأفواه مع أن القول لا يكون إلا بالفم لأن الشئ المعلوم يكون علمه في القلب، ثم يترجم عنه اللسان، وهذا الإفك ليس إلا قولا يدور في أفواههم من غير ترجمة عن علم به في القلب وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً أي وتحسبون خوضكم في عائشة رضى الله عنها يسيرا صغيرا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ أي كبير، قال ابن كثير: (أي تقولون ما تقولون في شأن أم المؤمنين، وتحسبون ذلك يسيرا سهلا، ولو لم تكن زوجة النبي لما كان هينا فكيف وهي زوجة النبي الأمي خاتم الأنبياء وسيد المرسلين؟؟ فعظيم عند الله أن يقال في زوجة نبيه ورسوله ما قيل، فإن الله يغار لهذا، وهو لا يقدر على زوجة نبي من الأنبياء ذلك- حاشا وكلا- ولما لم يكن ذلك، فكيف يكون هذا في سيدة نساء الأنبياء، وزوجة سيد ولد آدم على الإطلاق في الدنيا والآخرة ولهذا قال تعالى وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ وفي الصحيحين «وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يدري ما تبلغ يهوي بها في النار أبعد ما بين السماء والأرض وفي رواية لا يلقي لها بالا»). وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا والمعنى: هلا قلتم إذ سمعتم الإفك: ما يصح لنا أن نتكلم بهذا، أي ما ينبغي لنا أن نتفوه بهذا الكلام، ولا نذكره

стр. 3521

لأحد سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ أي هذا زور كبير، أي سبحان الله أن يقال هذا الكلام على زوجة رسوله وحليلة خليله، قال ابن كثير: (هذا تأديب آخر بعد الأول الآمر بظن الخير، أي إذا ذكر ما لا يليق من القول في شأن الخيرة، فأولا ينبغي الظن بهم خيرا، وأن لا يشعر نفسه سوى ذلك، ثم إن علق بنفسه شئ من ذلك وسوسة أو خيالا فلا ينبغي أن يتكلم به، فإن رسول الله ﷺ قال: «إن الله تعالى تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تقل أو تعمل» أخرجاه في الصحيحين. وكلمة سُبْحانَكَ في الآية تفيد التعجب قال النسفي: («سبحانك» للتعجب من عظم الأمر، ومعنى التعجب في كلمة التسبيح أن الأصل أن يسبح الله عند رؤية العجب من صنائعه، ثم كثر حتى استعمل في كل متعجب منه، أو لتنزيه الله من أن تكون حرمة نبيه فاجرة، وإنما جاز أن تكون امرأة النبي كافرة، كامرأة نوح ولوط، ولم يجز أن تكون فاجرة؛ لأن النبي مبعوث إلى الكفار ليدعوهم، فيجب أن لا يكون معه ما ينفرهم عنه، والكفر غير منفر عندهم وأما الكشخنة فمن أعظم المنفرات). يَعِظُكُمُ اللَّهُ في أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أي لمثل هذا الحديث من القذف أو استماع حديثه أَبَداً أي ما دمتم أحياء مكلفين، أى ينهاكم الله متوعدا أن يقع منكم ما يشبه هذا أبدا أي فيما يستقبل إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بالله وشرعه، قال النسفي: فيه تهييج لهم ليتعظوا، وتذكير بما يوجب ترك العود وهو الإيمان الصاد عن كل قبيح وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ أي الدلالات الواضحات، وأحكام الشرائع والآداب الجميلة وَاللَّهُ عَلِيمٌ بما يصلح عباده، وعليم بهم وبأعمالهم حَكِيمٌ في شرعه وقدره، ومن حكمته أن كانت حادثة الإفك وإنزاله براءة عائشة لعلمه بصدق نزاهتها لكي لا تقعوا في زلل مشابه، وإذا وقعتم أن تتوبوا إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ أي ما قبح جدا فِي الَّذِينَ آمَنُوا أي في المؤمنين بنشر إشاعاتها عنهم وفيهم، فيؤدي ذلك إلى الاستخفاف بالفاحشة، أو تشويه سمعة المؤمنين لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا بالحد وَالْآخِرَةِ بالنار إن لم يتوبوا وَاللَّهُ يَعْلَمُ بواطن الأمور، وسرائر الصدور، أي إنه قد علم محبة من أحب الإشاعة، وهو معاقبة عليها، أو والله يعلم إذ شرع ما شرع، وحذر ما حذر، ووعظ ما وعظ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ فسلموا لله حكمه وشرعه وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ قال ابن كثير: أي لولا هذا لكان أمر آخر، ولكنه تعالى رءوف

стр. 3522

بعباده رحيم بهم، فتاب على من تاب إليه من هذه القضية، وطهر من طهر منهم بالحد الذي أقيم عليهم. كلمة في السياق: إن قصة الإفك تعليل للأحكام التي وردت في المجموعة الأولى، وتفهيم لحكمة هذه الأحكام، وتعليم لما ينبغي أن يكون الموقف عند ما تحدث شائعة زنا؛ إن من يدرس حادثة الإفك يدرك حكمة اشتراط الشهود للزنا، وحكمة حد القذف، كما يدرك ضرورة الظن الحسن بالمؤمنين، وأن الأصل في المؤمن والمؤمنة عدم الزنا، فالصلة إذن بين آيات هذه المجموعة وما قبلها واضحة، والصلة بينها وبين محور السورة واضح، فالآيات فصلت جزءا من أخلاق الإسلام في موضوع الشائعات، وبعد المجموعة الثانية تأتي المجموعة الثالثة، وهي امتداد لقصة الإفك، ولذلك فسنفسرها ونذكر صلتها بالسياق، ثم نذكر فوائد المجموعتين الثانية والثالثة. ***

стр. 3523

المجموعة الثالثة وتمتد من الآية (٢١) الى نهاية الآية (٢٦) وهذه هي: [سورة النور (٢٤): الآيات ٢١ الى ٢٦] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١) وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢) إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٢٣) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥) الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٢٦) التفسير: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ يعني طرائقه ومسالكه وآثاره ووساوسه وما يأمر به وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ أي الشيطان يَأْمُرُ

стр. 3524

بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ الفحشاء: ما أفرط قبحه، والمنكر: ما تنكره النفوس فتنفر عنه، ولا ترتضيه، وقد جاءت الشريعة محددة لكل ما تستفحشه الفطرة، وتستنكره الأنفس الصافية، والعقول الكاملة وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً أي لولا أنه يرزق من يشاء التوبة، والرجوع إليه، ويزكي النفوس من شركها وفجورها ودنسها، وما فيها من أخلاق رديئة كل بحسبه، لما حصل أحد لنفسه زكاة ولا خيرا وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي أي يطهر نفس مَنْ يَشاءُ من خلقه، ويضل من يشاء، ويرديه في مهالك الضلال والغي وَاللَّهُ سَمِيعٌ أي سميع لأقوال عباده عَلِيمٌ بمن يستحق منهم الهدى والضلال. كلمة في السياق: جاء هذا النداء بعد مجموعتين سابقتين عليه، عرض فيهما نماذج على خطوات الشيطان، وعلى ما يأمر به من فحشاء كالزنا، وعلى ما يأمر به من منكر كالقذف، وإذن فالصلة واضحة بين هذا النداء وبين ما قبله، كما أن الصلة واضحة بينه وبين محور السورة: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ* فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (البقرة: ٢٠٨، ٢٠٩). إنه في المجموعتين السابقتين ذكرت أحكام وآداب من الإسلام، أمرنا بمراعاتها وإقامتها، فهي تفصيل لقوله تعالى ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وتأتي هذه المجموعة لتؤكد النهي وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وفي قوله تعالى وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً تأكيد لقوله تعالى فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ فإذا وقع الزلل لا تيأس أن يزكيك الله، واطلب منه التوبة والمغفرة والتزكية، إن الصلة بين الآية الأولى من المجموعة الثالثة، وبين ما قبلها، وبينها وبين محور السورة من سورة البقرة واضحة. وَلا يَأْتَلِ أي ولا يحلف أُولُوا الْفَضْلِ أي في الدين مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أي في الدنيا أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي لا تحلفوا أن لا تصلوا قراباتكم والمساكين والمهاجرين ولو أساءوا وظلموا، أو لا تقصروا في أن تحسنوا إليهم وإن كانت بينكم وبينهم شحناء، لجناية اقترفوها وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا العفو: الستر، والصفح: الإعراض، وليتجاوزوا عن الجفاء،

стр. 3525

وليعرضوا عن العقوبة أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ أي فليفعلوا بهم ما يرجون أن يفعل بهم ربهم وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ يغفر ويرحم، قال النسفي: فتأدبوا بأدب الله، واغفروا وارحموا. سبب نزول هذه الآية: قال ابن كثير: (وهذه الآية نزلت في الصديق ﵁ حين حلف أن لا ينفع مسطح بن أثاثة بنافعة أبدا، بعد ما قال في عائشة ما قال- كما تقدم في الحديث- فلما أنزل الله براءة أم المؤمنين عائشة، وطابت النفوس المؤمنة واستقرت، وتاب الله على من كان تكلم من المؤمنين في ذلك، وأقيم الحد على من أقيم عليه شرع ﵎ وله الفضل والمنة- يعطف الصديق على قريبه ونسيبه، وهو مسطح بن أثاثة، فإنه كان ابن خالة الصديق، وكان مسكينا لا مال له، إلا ما ينفق عليه أبو بكر، وكان من المهاجرين في سبيل الله، وقد زلق زلقة تاب الله عليه منها، وضرب الحد عليها، وكان الصديق ﵁ معروفا بالمعروف، له الفضل والأيادي على الأقارب والأجانب، فلما نزلت هذه الآية إلى قوله تعالى أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ الآية فإن الجزاء من جنس العمل، فكما تغفر ذنب من أذنب إليك، يغفر الله لك وكما تصفح يصفح عنك، فعند ذلك قال: بلى والله إنا نحب أن تغفر لنا يا ربنا، ثم رجع إلى مسطح ما كان يصله من النفقة، وقال: والله لا أنزعها منه أبدا- في مقابلة ما كان قال: والله لا أنفعه بنافعة أبدا- فلهذا كان الصديق هو الصديق ﵁ وعن بنته»). أقول: والعبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب. كلمة في السياق: لقد جاءت الآية الأولى من هذه المجموعة لتحذر وتنفر عن اتباع خطوات الشيطان التي رأينا نماذج منها في المجموعتين السابقتين، ثم جاءت هذه الآية لتأسو الجراح إذا حدث في المجتمع الإسلامي اتباع لخطوات الشيطان، وقد جاء هذا الأدب الآسي في جو لا يسع المسلم معه ألا يرتقي إلى آفاقه، إنه أدب تتجنب فيه أوامر الشيطان الحاثة على التقاطع والتدابر، فهو أدب تظهر به كل معاني المحور: الدخول في الإسلام كله، ترك اتباع خطوات الشيطان، ما ينبغي فعله بعد الزلل. ثم تأتي بعد ذلك ثلاث آيات تبين ما يستحقه القذفة الذين يقذفون الأعراض

стр. 3526

المؤمنة، ونلاحظ أن بين هذه الآيات وبين المجموعة الأولى التي تحدثت عن حد القذف صلة واضحة، وقد جاءت حادثة الإفك في الوسط لنعرف من خلالها شناعة جريمة القذف، ولنعرف حكمة عقوباتها، ولقد ذكر في المجموعة الأولى عقوبة القذف الدنيوية، وهاهنا تذكر بالتفصيل عقوبته الأخروية وهذه هي الآيات: إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ أي العفائف السليمات الصدور، النقيات القلوب، اللائي ليس فيهن دهاء ولا مكر، لأنهن لم يجربن الأمور الْمُؤْمِناتِ بما يجب الإيمان به، وأمهات المؤمنين يدخلن بالأولى في استحقاق قاذفهن هذه العقوبة لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ قال النسفي: جعل القذفة ملعونين في الدارين، وتوعدهم بالعذاب العظيم في الآخرة إن لم يتوبوا يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ أي بما أفكوا أو بهتوا يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ أي حسابهم الحق الذي لا ظلم فيه وَيَعْلَمُونَ عند ذلك أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ لارتفاع الشكوك وقتذاك، وحصول العلم الضروري قال ابن كثير في تفسيرها: (أي وعده ووعيده، وحسابه هو العدل الذي لا جور فيه)، ولم يبق عندنا من المجموعة الثالثة إلا آية واحدة تختم بها حادثة الإفك، وتعطي الدرس الأخير في هذا الموضوع، وتقرر حقيقة، وتعزز ثقة. الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ قال ابن كثير في هذه الآية: قال ابن عباس: (الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال. والخبيثون من الرجال للخبيثات من القول، والطيبات من القول للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من القول- قال- ونزلت في عائشة وأهل الإفك وهكذا روى مجاهد وعطاء وسعيد بن جبير والشعبي والحسن بن أبي الحسن البصري وحبيب بن أبي ثابت والضحاك، واختاره ابن جرير ووجهه بأن الكلام القبيح أولى بأهل القبح من الناس، والكلام الطيب أولى بالطيبين من الناس، فما نسبه أهل النفاق إلى عائشة من كلام هم أولى به، وهي أولى بالبراءة والنزاهة منهم، ولهذا قال تعالى أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء، والطيبات من النساء للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من النساء، وهذا أيضا يرجع إلى ما قاله أولئك

стр. 3527

باللازم، أي ما كان الله ليجعل عائشة زوجة لرسول الله ﷺ إلا وهي طيبة، لأنه أطيب من كل طيب من البشر، ولو كانت خبيثة لما صلحت له لا شرعا ولا قدرا، ولهذا قال تعالى أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ أي هم بعداء عما يقوله أهل الإفك والعدوان لَهُمْ مَغْفِرَةٌ أي بسبب ما قيل فيهم من الكذب وَرِزْقٌ كَرِيمٌ أي عند الله في جنات النعيم، وفيه وعد بأن تكون زوجة رسول الله ﷺ في الجنة، روى ابن أبي حاتم ... عن الحكم بإسناده إلى يحيى بن الجزار قال: جاء أسيد بن جابر إلى عبد الله فقال: لقد سمعت الوليد بن عقبة تكلم اليوم بكلام أعجبني فقال عبد الله: إن الرجل المؤمن يكون في قلبه الكلمة الطيبة تتجلجل في صدره ما يستقر حتى يلفظها، فيسمعها الرجل الذي عنده يتلها فيضمها إليه، وإن الرجل الفاجر يكون في قلبه الكلمة الخبيثة تتجلجل في صدره ما تستقر حتى يلفظها فيسمعها الرجل الذي عنده يتلها فيضمها إليه، ثم قرأ عبد الله الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ الآية. ويشبه هذا ما رواه الإمام أحمد في المسند مرفوعا «مثل الذي يسمع الحكمة ثم لا يحدث إلا بشر ما سمع، كمثل رجل جاء إلى صاحب غنم فقال: اجزر لي شاة، فقال: اذهب فخذ بأذن أيها شئت، فذهب فأخذ بأذن كلب الغنم» وفي الحديث الآخر «الحكمة ضالة المؤمن حيث وجدها أخذها). أقول: فالآية تقرر حقيقة، وتعزز ثقة المسلم بأهله وإخوانه المؤمنين، وتعزز ثقة المرأة المسلمة بزوجها، وتبين لم يستحق القذفة العقوبة التي حددها الله، وذلك لأنهم ظلموا وجاروا، وبهذا تنتهي المجموعة الثالثة. كلمة في السياق: هذه المجموعات الثلاث قررت أحكاما إسلامية، فهي تفصل الأمر ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وبينت مجموعة من خطوات الشيطان؛ فهي تفصل وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وعالجت حالات من الزلل؛ فهي تفصل فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ومن ثم نعلم صلة المجموعات الثلاث بمحور السورة، أما الصلة فيما بينها فقد تحدثنا عنها بما فيه الكفاية، وقد بقيت عندنا في المقطع الأول مجموعة رابعة، تكمل هذه المجموعات، إذ إنها تضع القواعد التي تحفظ بها الأعراض، وتزال بها الشبهة عن المجتمع الإسلامي، وتبعد عن كل ما يؤدي إلى الفواحش والمنكرات قال الألوسي: (ثم إنه إثر ما

стр. 3528

فصل الزواجر عن الزنا، وعن رمي العفائف عنه، شرع في تفصيل الزواجر عما عسى يؤدي إلى أحدهما، من مخالطة الرجال بالنساء، ودخولهم عليهن في أوقات الخلوات، وتعليم الآداب الجميلة، والأفاعيل المرضية المستتبعة لسعادة الدارين) وقبل أن نعرض المجموعة الرابعة نحب أن ننقل بعض ال فوائد المتعلقة بالمجموعتين الثانية والثالثة. فوائد: ١ - بمناسبة كون آيات المجموعة الثانية والمجموعة الثالثة نزلت في براءة أمنا الكريمة السيدة عائشة ﵂ قال ابن كثير: (ولهذا لما دخل عليها ابن عباس ﵁ وعنها وهي في سياق الموت قال لها: أبشري فإنك زوجة رسول الله، ﷺ وكان يحبك، ولم يتزوج بكرا غيرك، ونزلت براءتك من السماء وقال ابن جرير في تفسيره حدثني محمد بن عثمان الواسطي حدثنا جعفر بن عون عن المعلى بن عرفان عن محمد بن عبد الله بن جحش قال: تفاخرت عائشة وزينب ﵄، فقالت زينب: أنا التي نزل تزويجي من السماء، وقالت عائشة: أنا التي نزل عذري في كتاب الله، حين حملني صفوان بن المعطل على الراحلة، فقالت لها زينب: يا عائشة ما قلت حين ركبتها؟ قالت: قلت حسبي الله ونعم الوكيل، قالت: قلت كلمة المؤمنين). ٢ - بمناسبة قوله تعالى وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ ذكر ابن كثير أن الأكثرين على أن المراد به هو عبد الله بن أبي، وهناك قول آخر أنه حسان بن ثابت، ولكن قال عنه ابن كثير: وهو قول غريب، ولولا أنه وقع في صحيح البخاري ما قد يدل على إيراد ذلك، لما كان لإيراده كبير فائدة، فإنه من الصحابة الذين لهم فضائل ومناقب ومآثر، وأحسن مآثره أنه كان يذب عن رسول الله ﷺ بشعره، وهو الذي قال له رسول الله ﷺ «هاجهم وجبريل معك» وقال الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق قال: كنت عند عائشة ﵂ فدخل حسان بن ثابت فأمرت فألقي له وسادة، فلما خرج قلت لعائشة: ما تصنعين بهذا؟ يعني يدخل عليك، وفي رواية قيل لها أتأذنين لهذا يدخل عليك، وقد قال الله وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ قالت: وأي عذاب أشد من العمى وكان قد ذهب بصره، لعل الله أن يجعل ذاك هو العذاب العظيم، ثم قالت إنه كان ينافح عن رسول الله ﷺ وفي رواية أنه أنشدها عند ما دخل عليها شعرا يمتدحها به فقال:

стр. 3529

حصان رزان ما تزن بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل فقالت: أما أنت فلست كذلك، وفي رواية: لكنك لست كذلك، وقال ابن جرير حدثنا الحسن بن قزعة حدثنا داود عن عامر عن عائشة أنها قالت: ما سمعت بشعر أحسن من شعر حسان، ولا تمثلت به إلا رجوت له الجنة، قوله لأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب. هجوت محمدا فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء فإن أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء أتشتمه ولست له بكفء؟ ... فشركما لخيركما الفداء لساني صارم لا عيب فيه ... وبحري لا تكدره الدلاء فقيل: يا أم المؤمنين أليس هذا لغوا؟ قالت: لا إنما اللغو ما قيل عند النساء، قيل أليس الله يقول وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ قالت: أليس قد ذهب بصره وكنع بالسيف؟ تعني الضربة التي ضربه إياها صفوان بن المعطل السلمي حين بلغه أنه يتكلم في ذلك، فعلاه بالسيف وكاد أن يقتله). أقول: ليس المراد بقوله تعالى وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ حسان ابن ثابت ﵁ وإنما هو عبد الله بن أبي. ٣ - بمناسبة قوله تعالى لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً قال ابن كثير: (وقد قيل إنها نزلت في أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري وامرأته ﵄، كما قال الإمام محمد بن إسحاق بن يسار عن أبيه عن بعض رجال بني النجار، أن أبا أيوب خالد بن زيد الأنصاري قالت له امرأته أم أيوب: يا أبا أيوب، أما تسمع ما يقول الناس في عائشة ﵂؟ قال: نعم وذلك الكذب، أكنت فاعلة ذلك يا أم أيوب؟ قالت: لا والله ما كنت لأفعله، قال: فعائشة والله خير منك، قال فلما نزل القرآن ذكر الله من قال في الفاحشة ما قال في أهل الإفك إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ وذلك حسان وأصحابه الذين قالوا ما قالوا ثم قال تعالى لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ الآية أي كما قال أبو أيوب وصاحبته، وقال محمد بن عمر الواقدي .... عن أفلح مولى أبي أيوب، أن أم أيوب قالت لأبي أيوب: ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ قال: بلى وذلك الكذب؛ أفكنت يا أم

стр. 3530

أيوب فاعلة ذلك؟ قالت: لا والله، قال: فعائشة والله خير منك، فلما نزل القرآن، وذكر أهل الإفك قال الله لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ يعني أبا أيوب حين قال لأم أيوب ما قال، ويقال إنما قالها أبي بن كعب). ٤ - بمناسبة قوله تعالى وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ ذكر ابن كثير مجموعة أقوال للمفسرين تفسر خطوات الشيطان، أو تمثل لها، قال: (وقال قتادة: كل معصية فهي من خطوات الشيطان، وقال أبو مجلز: النذور في المعاصي من خطوات الشيطان، وقال مسروق: سأل رجل ابن مسعود فقال: إني حرمت أن آكل طعاما وسماه فقال هذا من نزغات الشيطان، كفر عن يمينك وكل، وقال الشعبي في رجل نذر ذبح ولده: هذا من نزغات الشيطان وأفتاه أن يذبح كبشا، وقال ابن أبي حاتم .... عن أبي رافع قال: غضبت علي امرأتي فقالت هي يوم يهودية، ويوم نصرانية، وكل مملوك لها حر إن لم تطلق امرأتك، فأتيت عبد الله بن عمر فقال: إنما هذه من نزغات الشيطان وكذلك قالت زينب بنت أم سلمة وهي يومئذ أفقه امرأة في المدينة، وأتيت عاصم بن عمر فقال مثل ذلك). ٥ - حمل بعض المفسرين قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ على أنها خاصة فيمن قذف عائشة، أو فيمن قذف أمهات المؤمنين. قال ابن كثير: (وقد اختار ابن جرير عمومها وهو الصحيح ويعضد العموم ما رواه ابن أبي حاتم ... عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال «اجتنبوا السبع الموبقات» قيل وما هن يا رسول الله؟ قال: «الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» أخرجاه في الصحيحين، وروى الحافظ أبو القاسم الطبراني عن حذيفة عن النبي ﷺ قال: «قذف المحصنة يهدم عمل مائة سنة»). ٦ - بمناسبة قوله تعالى يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ قال ابن كثير: (قال ابن أبي حاتم ... عن ابن عباس قال: إنهم- يعني المشركين- إذا رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الصلاة قالوا: تعالوا حتى نجحد فيجحدون فيختم على أفواههم، وتشهد أيديهم وأرجلهم، ولا يكتمون حديثا. وروى ابن أبي حاتم وابن جرير

стр. 3531

أيضا ... عن النبي ﷺ قال «إذا كان يوم القيامة عرف الكافر بعمله، فيجحد ويخاصم، فيقال: هؤلاء جيرانك يشهدون عليك، فيقول: كذبوا، فيقال: أهلك وعشيرتك، فيقول: كذبوا، فيقال: احلفوا فيحلفون، ثم يصمهم الله، فتشهد عليهم أيديهم وألسنتهم ثم يدخلهم النار» وقال ابن أبي حاتم أيضا ... عن أنس بن مالك: كنا عند النبي ﷺ فضحك حتى بدت نواجذه ثم قال: «أتدرون مم أضحك؟» قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: «من مجادلة العبد لربه، يقول يا رب ألم تجرني من الظلم؟ فيقول: بلى فيقول: لا أجيز علي إلا شاهدا من نفسي، فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا وبالكرام عليك شهودا فيختم علي فيه، ويقال لأركانه: انطقي فتنطق بعمله، ثم يخلى بينه وبين الكلام، فيقول بعدا لكن وسحقا فعنكن كنت أناضل» وقد رواه مسلم والنسائي جميعا عن أبي بكر بن أبي النضر عن أبيه عن عبد الله الأشجعي عن سفيان الثوري به، ثم قال النسائي لا أعلم أحدا روى هذا الحديث عن سفيان الثوري غير الأشجعي وهو حديث غريب والله أعلم، هكذا قال. وقال قتادة بن أبي آدم: والله إن عليك لشهودا غير متهمة من بدنك، فراقبهم واتق الله في سرك وعلانيتك، فإنه لا يخفى عليه خافية، والظلمة عنده ضوء، والسر عنده علانية، فمن استطاع أن يموت وهو بالله حسن الظن فليفعل، ولا قوة إلا بالله.) ٧ - مما قاله النسفي بمناسبة السياقات السابقة: (ولم يغلظ الله تعالى في القرآن في شئ من المعاصي تغليظه في إفك عائشة ﵂، فأوجز في ذلك وأشبع، وفصل وأجمل، وأكد وكرر، وما ذاك إلا لأمر، وعن ابن عباس ﵄: من أذنب ذنبا ثم تاب منه قبلت توبته، إلا من خاض في أمر عائشة. وهذا منه تعظيم ومبالغة في أمر الإفك، ولقد برأ الله تعالى أربعة بأربعة: برأ يوسف ﵇ بشاهد من أهلها. وموسى ﵇ من قول اليهود فيه بالحجر الذي ذهب بثوبه، ومريم ﵂ بإنطاق ولدها، وعائشة ﵂ بهذه الآي العظام، في كتابه المعجز المتلو على وجه الدهر. فانظر كم بينها وبين تبرئة أولئك، وما ذلك إلا لإظهار علو منزلة رسوله والتنبيه على إنافة محله ﷺ وعلى آله). ٨ - وقال النسفي: وقالت عائشة ﵂: «لقد أعطيت تسعا ما أعطيتهن امرأة: نزل جبريل بصورتي في راحته حين أمر ﵊ أن يتزوجني، وتزوجني بكرا وما تزوج بكرا غيري، وتوفي ﵊ ورأسه في

стр. 3532

حجري، وقبره في بيتي، وينزل عليه الوحي وأنا في لحافه، وأنا ابنة خليفته وصديقه، ونزل عذري من السماء، وخلقت طيبة عند طيب ووعدت مغفرة ورزقا كريما». ٩ - إن القرآن كله معجز. والإعجاز يكون في السورة، ويكون فيما هو أكثر من ذلك، وفيما هو أقل، والتدليل على الإعجاز سهل، ولكنه في بعض المواطن أسهل، فمثلا أن قوله تعالى إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ تحس به الإعجاز الذي يعطيك ذاته، فالأصل أن يتلقى الإنسان الكلام بإذنه، ثم يستوعبه بعقله وقلبه، ثم يتكلم به بعد ذلك، أو لا يتكلم، ولكن في هذه الحادثة كان التلقي باللسان بدل الأذن والقلب، فهو إشارة إلى سرعة الأخذ، وسرعة النطق دون التعقل والتدبر، إن أمثال هذه التعابير المعجزة في القرآن كثيرة، وهي وحدها تدلك على أن هذا القرآن من عند الله، فكيف إذا اجتمع مع هذا كله الإعجاز؟ وكيف إذا رافق هذا الإعجاز معجزات لا تحصى. ***

стр. 3533

المجموعة الرابعة من المقطع الأول وتمتد من الآية (٢٧) الى نهاية الآية (٣٤) وهذه هي: [سورة النور (٢٤): الآيات ٢٧ الى ٣٤] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً فَلا تَدْخُلُوها حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ (٢٩) قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ ما ظَهَرَ مِنْها وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ أَوْ نِسائِهِنَّ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١) وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢) وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٣) وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَمَثَلاً مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٣٤)

стр. 3534

التفسير: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ أي بيوتا لستم تملكونها ولا تسكنونها حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا أي تستأذنوا، والاستئناس في الأصل الاستعلام والاستكشاف، أي حتى تستعملوا أيطلق لكم الدخول أم لا، قال النسفي: وذلك بتسبيحة أو بتكبيرة أو بتحميدة أو بتنحنح وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها التسليم أن يقول: السلام عليكم أأدخل؟ ثلاث مرات فإن أذن له وإلا رجع، وقيل: إن تلاقيا يقدم التسليم، وإلا فالاستئذان. قال ابن كثير: (هذه آداب شرعية أدب الله بها عباده المؤمنين، وذلك في الاستئذان، أمرهم أن لا يدخلوا بيوتا غير بيوتهم حتى يستأنسوا، أي يستأذنوا قبل الدخول، ويسلموا بعده، وينبغي أن يستأذن ثلاث مرات، فإن أذن له وإلا انصرف ... ) وتتمة آداب الاستئذان وأدلتها ستأتي في الفوائد ذلِكُمْ أي الاستئذان والتسليم خَيْرٌ لَكُمْ أى خير للطرفين للمستأذن ولأهل البيت لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ أي قيل لكم هذا لكي تتذكروا وتتعظوا وتعملوا بما أمرتم به في باب الاستئذان.

стр. 3535

كلمة في السياق: لاحظ ما ختمت به الآية الأولى من هذه المجموعة لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وأنه عين الذي ختمت به الآية الأولى من السورة سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وهذا يفيد أن التذكر كما يكون أثرا عن البيان، يكون أثرا عن تطبيق الأحكام، فلا يكون الإنسان لله ذاكرا إلا باجتماع الذكر، وقراءة القرآن، وتطبيق الأحكام، ولنعد إلى التفسير. فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها في البيوت أَحَداً من الآذنين فَلا تَدْخُلُوها حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ أي حتى تجدوا من يأذن لكم، أو فإن لم تجدوا فيها أحدا من أهلها ولكم فيها حاجة فلا تدخلوها إلا بإذن أهلها، لأن التصرف في ملك الغير لا بد أن يكون برضاه وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا إذا كان فيها قوم فقالوا قبل الإذن أو بعده ارجعوا فارجعوا، ولا تلحوا في إطلاق الإذن، ولا تلجوا في تسهيل الحجاب، ولا تقفوا على الأبواب، لأن هذا مما يجلب الكراهة، وإذا نهي عن ذلك فقد نهي ضمنا عن كل ما يؤدي إلى إزعاج أهل البيت، من قرع الباب بعنف، ورفع الصوت وغير ذلك هُوَ أَزْكى لَكُمْ أي الرجوع أطيب وأطهر؛ لما فيه من سلامة الصدور، والبعد عن الريبة، أو أنفع وأنمى خيرا وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ هذا وعيد للمخاطبين بأنه عالم بما يأتون وما يذرون مما خوطبوا به، فموف جزاءه عليه لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أي إثم في أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ قال ابن كثير: (هذه الآية الكريمة أخص من التي قبلها، وذلك أنها تقتضي جواز الدخول إلى البيوت التي ليس فيها أحد إذا كان له متاع فيها بغير إذن، كالبيت المعد للضيف، إذا أذن له فيه أول مرة كفى .. وقال آخرون: هي بيوت التجار كالخانات ومنازل الأسفار، وبيوت مكة، وغير ذلك، واختار ذلك ابن جرير) أقول: ويدخل في ذلك في عصرنا الفنادق فِيها مَتاعٌ لَكُمْ المراد بالمتاع إما الأغراض الخاصة، وإما المنفعة العامة قال النسفي: أي منفعة كالاستكنان من الحر والبرد، وإيواء الرحال، والسلع والشراء والبيع وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ قال النسفي: هذا وعيد للذين يدخلون الخربات، والدور الخالية من أهل الريبة. كلمة في السياق: في هذه الآيات الثلاث ذكر الله آدابا عامة في موضوع الدخول إلى البيوت

стр. 3536

الخاصة والعامة، ومجيء هذه الآداب بعد الأحكام التي مرت في المجموعات الثلاث الأولى مرتبط نوع ارتباط بها؛ فبالاستئذان تنتفي الريبة، وينتفي الاطلاع على ما لا يرغب الآخرون أن يطلع عليه أحد، وينتفي سوء الظن إذا رأى الإنسان شيئا لا يعرف وجهه الصحيح، ومجيء هذه الآداب في السورة التي محورها ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً معلوم الحكمة، فهي أجزاء من الإسلام ينبغي أن تطبق، وما خالفها اتباع لخطوات الشيطان، ومن زل عنها أخطأ الطريق بعد البيان. ولنعد إلى التفسير: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ المراد غض البصر عما يحرم، والاقتصار به على ما يحل، قال النسفي: (ويجوز النظر إلى وجه الأجنبية وكفها وقدميها- في رواية- وإلى رأس المحارم والصدر والساقين والعضدين) وهذا كله بلا شهوة، أما بشهوة فلا يجوز النظر بحال، لا لمحرم ولا لأجنبية، وقال النسفي: هذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين أن يغضوا من أبصارهم عما حرم عليهم، فلا ينظروا إلا إلى ما أباح لهم النظر إليه، وأن يغضوا أبصارهم عن المحارم، فإن اتفق أن وقع البصر على محرم من غير قصد، فليصرف بصره عنه سريعا وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ أي من الزنا، ومن النظر إليه لغير زوجة أو زوج أو أمة أو سيد بالنسبة للأمة ذلِكَ أي غض البصر وحفظ الفرج أَزْكى لَهُمْ أي أطهر من دنس الإثم قال ابن كثير: (أي أطهر لقلوبهم وأنقى لدينهم) إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ فيه ترغيب وترهيب، يعني أنه خبير بأحوالهم وأفعالهم، وكيف يجيلون أبصارهم، فعليهم إذا عرفوا ذلك أن يكونوا على تقوى وحذر في كل حركة وسكون وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ قال النسفي: (أمرن بغض الأبصار، فلا يحل للمرأة أن تنظر من الأجنبي إلى ما تحت سرته إلى ركبتيه، وإن اشتهت غضت بصرها رأسا ولا تنظر إلى المرأة إلا إلى مثل ذلك، وغض بصرها من الأجانب أصلا أولى بها، وإنما قدم غض الأبصار على حفظ الفروج؛ لأن النظر بريد الزنا، ورائد الفجور، فبذر الهوى طموح العين). وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ أي مواضع زينتهن، قال النسفي- وهو حنفي-: (ومواضعها الرأس، والأذن، والعنق، والصدر، والعضدان، والذراع والساق، فهي الإكليل، والقرط، والقلادة، والوشاح، والدملج، والسوار، والخلخال) إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها قال النسفي وهو حنفي: إلا ما جرت العادة والجبلة على ظهوره وهو الوجه والكفان والقدمان، ففي سترها حرج بين، فإن المرأة لا تجد بدا من مزاولة الأشياء بيديها ومن الحاجة إلى كشف وجهها خصوصا في الشهادة، والمحاكمة،

стр. 3537

والنكاح، وتضطر إلى المشي في الطرقات وظهور قدميها، وخاصة الفقيرات منهن). قال الأعمش: عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في تفسير إلا ما ظهر منها قال: وجهها وكفيها والخاتم، وهذا موضوع سنعود إليه في الفوائد. وَلْيَضْرِبْنَ أي وليضعن بِخُمُرِهِنَّ جمع خمار وهو ما يخمر به، أي يغطي به الرأس عَلى جُيُوبِهِنَّ يعني على الصدر والنحر، فلا يرى منه شئ، والجيوب فتحات الثياب من العنق قال النسفي: (كانت جيوبهن واسعة تبدو منها صدورهن، وما حواليها، وكن يسدلن الخمر من ورائهن، فتبقى مكشوفة، فأمرن أن يسدلنها من قدامهن، حتى يغطينها) وقال ابن كثير: (يعني المقامع، يعمل لها صفات ضاربات على صدورهن، لتواري ما تحتها من صدرها، وترائبها؛ ليخالفن شعار نساء أهل الجاهلية، فإنهن لم يكن يفعلن ذلك، بل كانت المرأة منهن تمر بين الرجال مسفحة بصدرها، لا يواريه شئ، وربما أظهرت عنقها وذوائب شعرها، وأقرطة آذانها، فأمر الله المؤمنات أن يستترن في هيئاتهن وأحوالهن). وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ أي مواضع الزينة الباطنة، كالصدر والساق والرأس ونحوها إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أي لأزواجهن أَوْ آبائِهِنَّ ويدخل فيهم الأجداد أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ لأنهم صاروا محارم أَوْ أَبْنائِهِنَّ سواء كانوا أبناء نسب أو رضاع أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ فقد صاروا محارم. أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ من النسب أو الرضاع، ويدخل في ذلك سائر المحارم كالأعمام والأخوال، وغيرهم دلالة، كما ذكر النسفي إلا أن بعضهم فهم من عدم ذكر العم والخال أنها تحتاط معهما لأنهما ينعتان لأبنائهما ومن ثم لم يذكرا، ولما كانت الزينة في الأصل للزوج وحده فإن له ما ليس لغيره من الحقوق، إذ يحق له أن ينظر إليها كلها، وتتصنع له ما لا تتصنع لغيره. أَوْ نِسائِهِنَّ قال النسفي: (أي الحرائر لأن مطلق هذا اللفظ يتناول الحرائر). وقال ابن كثير: (يعني تظهر بزينتها أيضا للنساء المسلمات دون نساء أهل الذمة ... وقال مجاهد: نساؤهن المسلمات ليس المشركات من نسائهن، وليس للمرأة المسلمة أن تنكشف بين يدي مشركة) ولنا عودة في الفوائد على هذا الموضوع. أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ قال النسفي: أي إمائهن، ولا يحل لعبدها أن ينظر إلى هذه المواضع منها، خصيا كان أو عنينا أو فحلا، قال سعيد ابن المسيب: لا تغرنكم سورة النور، فإنها في الإماء دون الذكور وقال ابن كثير: قال ابن جرير: يعني من نساء المشركين، فيجوز لها أن تظهر زينتها لها وإن كانت مشركة؛

стр. 3538

لأنها أمتها، وإليه ذهب سعيد بن المسيب، وقال آخرون بل يجوز أن تظهر على رقيقها من الرجال والنساء، كظهورها لمحارمها أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ أي غير أولي الحاجة إلى النساء، كالأجراء والأتباع الذين ليسوا بأكفاء، ولا هم لهم إلى النساء، ولا يشتهونهن، وقال النسفي: قيل هم الذين يتبعونكم ليصيبوا من فضل طعامكم، ولا حاجة لهم إلى النساء، لأنهم بله، لا يعرفون شيئا من أمرهن، أو شيوخ صلحاء، أو العنين أو الخصي أو المخنث. أي الذي لا يشتهي النساء ولا يعرف عن أمرهن شيئا. أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ قال النسفي: أي لم يطلعوا لعدم الشهوة .. أو لم يبلغوا أوان القدرة على الوطء، وقال ابن كثير: يعني لصغرهم لا يفهمون أحوال النساء وعوراتهن من كلامهن الرخيم، وتعطفهن في المشية، وحركاتهن، وسكناتهن، فإذا كان الطفل صغيرا لا يفهم ذلك فلا بأس بدخوله على النساء، فأما إن كان مراهقا أو قريبا منه، بحيث يعرف ذلك ويدريه، ويفرق بين الشوهاء والحسناء، فلا يمكن من الدخول على النساء. وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ قال ابن كثير: (كانت المرأة في الجاهلية إذا كانت تمشي في الطريق وفي رجلها خلخال صامت، لا يعلم صوتها، ضربت برجلها الأرض فيسمع الرجال طنينه، فنهى الله المؤمنات عن مثل ذلك، وكذلك إذا كان شئ من زينتها مستورا وتحركت بحركة لتظهر ما هو خفي، دخل في هذا النهي، ومن ذلك أنها تنهى عن التعطر والتطيب عند خروجها من بيتها، فيشم الرجال طيبها). وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ قال النسفي: (العبد لا يخلو عن سهو وتقصير في أوامره ونواهيه وإن اجتهد، فلذا وصى المؤمنين جميعا بالتوبة، وبتأميل الفلاح إذا تابوا، وقيل أحوج الناس إلى التوبة من توهم أنه ليس له حاجة إلى التوبة، وظاهر الآية يدل على أن العصيان لا ينافي الإيمان) وقال ابن كثير: (أي افعلوا ما أمركم من هذه الصفات الجميلة والأخلاق الجليلة، واتركوا ما كان عليه أهل الجاهلية من الأخلاق والصفات الرذيلة، فإن الفلاح كل الفلاح في فعل ما أمر الله به ورسوله، وترك ما نهيا عنه). نقل: قال صاحب الظلال بين يدي الآيتين اللتين مرتا معنا: (إن الإسلام يهدف إلى إقامة مجتمع نظيف، لا تهاج فيه الشهوات في كل لحظة، ولا

стр. 3539

تستثار فيه دفعات اللحم والدم في كل حين. فعمليات الاستثارة المستمرة تنتهي إلى سعار شهواني لا ينطفئ ولا يرتوي. والنظرة الخائنة، والحركة المثيرة، والزينة المتبرجة، والجسم العاري ... كلها لا تصنع شيئا إلا أن تهيج ذلك السعار الحيواني المجنون! وإلا أن يفلت زمام الأعصاب والإرادة. فإما الإفضاء الفوضوي الذي لا يتقيد بقيد، وإما الأمراض العصبية والعقد النفسية الناشئة من الكبح بعد الإثارة! وهي تكاد أن تكون عملية تعذيب!!! وإحدى وسائل الإسلام إلى إنشاء مجتمع نظيف هي الحيلولة دون الاستثارة، وإبقاء الدافع الفطري العميق بين الجنسين سليما، وبقوته الطبيعية، دون استثارة مصطنعة، وتصريفه في موضعه المأمون النظيف. ولقد شاع في وقت من الأوقات أن النظرة المباحة، والحديث الطليق، والاختلاط الميسور، والدعابة المرحة بين الجنسين، والاطلاع على مواضع الفتنة المخبوءة .. شاع أن كل هذا تنفيس وترويح، وإطلاق للرغبات الحبيسة، ووقاية من الكبت، ومن العقد النفسية، وتخفيف من حدة الضغط الجنسي، وما وراءه من اندفاع غير مأمون ... الخ. شاع هذا على إثر انتشار بعض النظريات المادية القائمة على تجريد الإنسان من خصائصه التي تفرقه من الحيوان، والرجوع به إلى القاعدة الحيوانية الغارقة في الطين! - وبخاصة نظرية فرويد- ولكن هذا لم يكن سوى فروض نظرية، رأيت بعيني في أشد البلاد إباحية وتفلتا من جميع القيود الاجتماعية والأخلاقية والدينية والإنسانية، ما يكذبها وينقضها من الأساس. نعم. شاهدت في البلاد التي ليس فيها قيد واحد على الكشف الجسدي، والاختلاط الجنسي، بكل صوره وأشكاله، أن هذا كله لم ينته بتهذيب الدوافع الجنسية وترويضها. إنما انتهى إلى سعار مجنون لا يرتوي ولا يهدأ إلا ريثما يعود إلى الظمأ والاندفاع! وشاهدت الأمراض النفسية والعقد التي كان مفهوما أنها لا تنشأ إلا من الحرمان، وإلا من التلهف على الجنس الآخر المحجوب، شاهدتها بوفرة ومعها الشذوذ الجنسي بكل أنواعه .. ثمرة مباشرة للاختلاط الكامل الذي لا يقيده قيد، ولا يقف عند حد؛ وللصداقات بين الجنسين تلك التي يباح معها كل شئ! وللأجسام العارية في الطريق، وللحركات المثيرة والنظرات الجاهرة، واللفتات الموقظة. وليس هنا مجال التفصيل وعرض الحوادث والشواهد. مما يدل بوضوح على ضرورة إعادة النظر في تلك النظريات التي كذبها الواقع المشهود.

стр. 3540

إن الميل الفطري بين الرجل والمرأة ميل عميق في التكوين الحيوي؛ لأن الله قد ناط به امتداد الحياة على هذه الأرض؛ وتحقيق الخلافة لهذا الإنسان فيها. فهو ميل دائم يسكن فترة ثم يعود. وإثارته في كل حين تزيد من عرامته؛ وتدفع به إلى الإفضاء المادي للحصول على الراحة. فإذا لم يتم هذا تعبت الأعصاب المستثارة. وكان هذا بمثابة عملية تعذيب مستمرة! والنظرة تثير. والحركة تثير. والضحكة تثير. والدعابة تثير. والنبرة المعبرة عن هذا الميل تثير. والطريق المأمون هو تقليل هذه المثيرات بحيث يبقى هذا الميل في حدوده الطبيعية، ثم يلبى تلبية طبيعية .. وهذا هو المنهج الذي يختاره الإسلام. مع تهذيب الطبع، وشغل الطاقة البشرية بهموم أخرى في الحياة، غير تلبية دافع اللحم والدم، فلا تكون هذه التلبية هي المنفذ الوحيد! وفي الآيتين المعروضتين هنا نماذج من تقليل فرص الاستثارة والغواية والفتنة من الجانبين) كلمة في السياق: ذكر في هاتين الآيتين أحكام غض البصر، وحفظ الفروج، وحفظ العورات، وذلك كله لقطع الذريعة إلى الزنا، فالتبرج وتسريح البصر إلى ما حرم الله، هما بابا الزنا الكبيران، فإذا أغلقا انحسم الزنا وانحسر، فالصلة بين هاتين الآيتين وبين ما سبقهما في مجموعتهما، أو في المجموعات الثلاث الأولى واضحة، وأما صلة الآيتين بمحور السورة فمن حيث إنهما تحدثتا عن أحكام وآداب إسلامية، وذلك داخل ضمن قوله تعالى ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ونهتا عن أخلاق جاهلية وذلك داخل تحت قوله تعالى وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وطالبتا بالتوبة، وذكرتا بعلم الله، وذلك داخل ضمن قوله تعالى فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ وإذ كان ما مر معنا في هاتين الآيتين هو من باب سد الذرائع التي توصل إلى الزنا، ولما كان الزواج هو الطريق الإيجابي الأقوى لقطع الطريق على الزنا، فإن الآية اللاحقة تأمر به. وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ الأيامى: جمع أيم وهو من لا زوج له، رجلا كان أو امرأة، بكرا كان أو ثيبا وَالصَّالِحِينَ أي الخيرين أو المؤمنين مِنْ عِبادِكُمْ أي من عبيدكم أي من أرقائكم وَإِمائِكُمْ أي جواريكم والمعني: زوجوا من تأيم منكم من الأحرار والحرائر، ومن كان فيه صلاح من عبيدكم وإمائكم قال النسفي:
следующие страницы →