الخاصة والعامة، ومجيء هذه الآداب بعد الأحكام التي مرت في المجموعات الثلاث الأولى مرتبط نوع ارتباط بها؛ فبالاستئذان تنتفي الريبة، وينتفي الاطلاع على ما لا يرغب الآخرون أن يطلع عليه أحد، وينتفي سوء الظن إذا رأى الإنسان شيئا لا يعرف وجهه الصحيح، ومجيء هذه الآداب في السورة التي محورها ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً معلوم الحكمة، فهي أجزاء من الإسلام ينبغي أن تطبق، وما خالفها اتباع لخطوات الشيطان، ومن زل عنها أخطأ الطريق بعد البيان. ولنعد إلى التفسير:
قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ المراد غض البصر عما يحرم، والاقتصار به على ما يحل، قال النسفي: (ويجوز النظر إلى وجه الأجنبية وكفها وقدميها- في رواية- وإلى رأس المحارم والصدر والساقين والعضدين) وهذا كله بلا شهوة، أما بشهوة فلا يجوز النظر بحال، لا لمحرم ولا لأجنبية، وقال النسفي: هذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين أن يغضوا من أبصارهم عما حرم عليهم، فلا ينظروا إلا إلى ما أباح لهم النظر إليه، وأن يغضوا أبصارهم عن المحارم، فإن اتفق أن وقع البصر على محرم
من غير قصد، فليصرف بصره عنه سريعا وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ أي من الزنا، ومن النظر إليه لغير زوجة أو زوج أو أمة أو سيد بالنسبة للأمة ذلِكَ أي غض البصر وحفظ الفرج أَزْكى لَهُمْ أي أطهر من دنس الإثم قال ابن كثير: (أي أطهر لقلوبهم وأنقى لدينهم) إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ فيه ترغيب وترهيب، يعني أنه خبير بأحوالهم وأفعالهم، وكيف يجيلون أبصارهم، فعليهم إذا عرفوا ذلك أن يكونوا على تقوى وحذر في كل حركة وسكون
وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ قال النسفي: (أمرن بغض الأبصار، فلا يحل للمرأة أن تنظر من الأجنبي إلى ما تحت سرته إلى ركبتيه، وإن اشتهت غضت بصرها رأسا ولا تنظر إلى المرأة إلا إلى مثل ذلك، وغض بصرها من الأجانب أصلا أولى بها، وإنما قدم غض الأبصار على حفظ الفروج؛ لأن النظر بريد الزنا، ورائد الفجور، فبذر الهوى طموح العين).
وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ أي مواضع زينتهن، قال النسفي- وهو حنفي-:
(ومواضعها الرأس، والأذن، والعنق، والصدر، والعضدان، والذراع والساق، فهي الإكليل، والقرط، والقلادة، والوشاح، والدملج، والسوار، والخلخال) إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها قال النسفي وهو حنفي: إلا ما جرت العادة والجبلة على ظهوره وهو الوجه والكفان والقدمان، ففي سترها حرج بين، فإن المرأة لا تجد بدا من مزاولة الأشياء بيديها ومن الحاجة إلى كشف وجهها خصوصا في الشهادة، والمحاكمة،
стр. 3537
والنكاح، وتضطر إلى المشي في الطرقات وظهور قدميها، وخاصة الفقيرات منهن).
قال الأعمش: عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في تفسير إلا ما ظهر منها قال:
وجهها وكفيها والخاتم، وهذا موضوع سنعود إليه في الفوائد. وَلْيَضْرِبْنَ أي وليضعن بِخُمُرِهِنَّ جمع خمار وهو ما يخمر به، أي يغطي به الرأس عَلى جُيُوبِهِنَّ يعني على الصدر والنحر، فلا يرى منه شئ، والجيوب فتحات الثياب من العنق قال النسفي: (كانت جيوبهن واسعة تبدو منها صدورهن، وما حواليها، وكن يسدلن الخمر من ورائهن، فتبقى مكشوفة، فأمرن أن يسدلنها من قدامهن، حتى يغطينها) وقال ابن كثير: (يعني المقامع، يعمل لها صفات ضاربات على صدورهن، لتواري ما تحتها من صدرها، وترائبها؛ ليخالفن شعار نساء أهل الجاهلية، فإنهن لم يكن يفعلن ذلك، بل كانت المرأة منهن تمر بين الرجال مسفحة بصدرها، لا يواريه شئ، وربما أظهرت عنقها وذوائب شعرها، وأقرطة آذانها، فأمر الله المؤمنات أن يستترن في هيئاتهن وأحوالهن). وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ أي مواضع الزينة الباطنة، كالصدر والساق والرأس ونحوها إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أي لأزواجهن أَوْ آبائِهِنَّ ويدخل فيهم الأجداد أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ لأنهم صاروا محارم أَوْ أَبْنائِهِنَّ سواء كانوا أبناء نسب أو رضاع أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ فقد صاروا محارم. أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ من النسب أو الرضاع، ويدخل في ذلك سائر المحارم كالأعمام والأخوال، وغيرهم دلالة، كما ذكر النسفي إلا أن بعضهم فهم من عدم ذكر العم والخال أنها تحتاط معهما لأنهما ينعتان لأبنائهما ومن ثم لم يذكرا، ولما كانت الزينة في الأصل للزوج وحده فإن له ما ليس لغيره من الحقوق، إذ يحق له أن ينظر إليها كلها، وتتصنع له ما لا تتصنع لغيره. أَوْ نِسائِهِنَّ قال النسفي: (أي الحرائر لأن مطلق هذا اللفظ يتناول الحرائر). وقال ابن كثير: (يعني تظهر بزينتها أيضا للنساء المسلمات دون نساء أهل الذمة ... وقال مجاهد: نساؤهن المسلمات ليس المشركات من نسائهن، وليس للمرأة المسلمة أن تنكشف بين يدي مشركة) ولنا عودة في الفوائد على هذا الموضوع. أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ قال النسفي: أي إمائهن، ولا يحل لعبدها أن ينظر إلى هذه المواضع منها، خصيا كان أو عنينا أو فحلا، قال سعيد ابن المسيب: لا تغرنكم سورة النور، فإنها في الإماء دون الذكور وقال ابن كثير: قال ابن جرير: يعني من نساء المشركين، فيجوز لها أن تظهر زينتها لها وإن كانت مشركة؛
стр. 3538
لأنها أمتها، وإليه ذهب سعيد بن المسيب، وقال آخرون بل يجوز أن تظهر على رقيقها من الرجال والنساء، كظهورها لمحارمها أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ أي غير أولي الحاجة إلى النساء، كالأجراء والأتباع الذين ليسوا بأكفاء، ولا هم لهم إلى النساء، ولا يشتهونهن، وقال النسفي: قيل هم الذين يتبعونكم ليصيبوا من فضل طعامكم، ولا حاجة لهم إلى النساء، لأنهم بله، لا يعرفون شيئا من أمرهن، أو شيوخ صلحاء، أو العنين أو الخصي أو المخنث. أي الذي لا يشتهي النساء ولا يعرف عن أمرهن شيئا. أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ قال النسفي: أي لم يطلعوا لعدم الشهوة .. أو لم يبلغوا أوان القدرة على الوطء، وقال ابن كثير: يعني لصغرهم لا يفهمون أحوال النساء وعوراتهن من كلامهن الرخيم، وتعطفهن في المشية، وحركاتهن، وسكناتهن، فإذا كان الطفل صغيرا لا يفهم ذلك فلا بأس بدخوله على النساء، فأما إن كان مراهقا أو قريبا منه، بحيث يعرف ذلك ويدريه، ويفرق بين الشوهاء والحسناء، فلا يمكن من الدخول على النساء. وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ قال ابن كثير: (كانت المرأة في الجاهلية إذا كانت تمشي في الطريق وفي رجلها خلخال صامت، لا يعلم صوتها، ضربت برجلها الأرض فيسمع الرجال طنينه، فنهى الله المؤمنات عن مثل ذلك، وكذلك إذا كان شئ من زينتها مستورا وتحركت بحركة لتظهر ما هو خفي، دخل في هذا النهي، ومن ذلك أنها تنهى عن التعطر والتطيب عند خروجها من بيتها، فيشم الرجال طيبها). وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ قال النسفي: (العبد لا يخلو عن سهو وتقصير في أوامره ونواهيه وإن اجتهد، فلذا وصى المؤمنين جميعا بالتوبة، وبتأميل الفلاح إذا تابوا، وقيل أحوج الناس إلى التوبة من توهم أنه ليس له حاجة إلى التوبة، وظاهر الآية يدل على أن العصيان لا ينافي الإيمان) وقال ابن كثير: (أي افعلوا ما أمركم من هذه الصفات الجميلة والأخلاق الجليلة، واتركوا ما كان عليه أهل الجاهلية من الأخلاق والصفات الرذيلة، فإن الفلاح كل الفلاح في فعل ما أمر الله به ورسوله، وترك ما نهيا عنه).
نقل:
قال صاحب الظلال بين يدي الآيتين اللتين مرتا معنا:
(إن الإسلام يهدف إلى إقامة مجتمع نظيف، لا تهاج فيه الشهوات في كل لحظة، ولا
стр. 3539
تستثار فيه دفعات اللحم والدم في كل حين. فعمليات الاستثارة المستمرة تنتهي إلى سعار شهواني لا ينطفئ ولا يرتوي. والنظرة الخائنة، والحركة المثيرة، والزينة المتبرجة، والجسم العاري ... كلها لا تصنع شيئا إلا أن تهيج ذلك السعار الحيواني المجنون! وإلا أن يفلت زمام الأعصاب والإرادة. فإما الإفضاء الفوضوي الذي لا يتقيد بقيد، وإما الأمراض العصبية والعقد النفسية الناشئة من الكبح بعد الإثارة! وهي تكاد أن تكون عملية تعذيب!!!
وإحدى وسائل الإسلام إلى إنشاء مجتمع نظيف هي الحيلولة دون الاستثارة، وإبقاء الدافع الفطري العميق بين الجنسين سليما، وبقوته الطبيعية، دون استثارة مصطنعة، وتصريفه في موضعه المأمون النظيف. ولقد شاع في وقت من الأوقات أن النظرة المباحة، والحديث الطليق، والاختلاط الميسور، والدعابة المرحة بين الجنسين، والاطلاع على مواضع الفتنة المخبوءة .. شاع أن كل هذا تنفيس وترويح، وإطلاق للرغبات الحبيسة، ووقاية من الكبت، ومن العقد النفسية، وتخفيف من حدة الضغط الجنسي، وما وراءه من اندفاع غير مأمون ... الخ. شاع هذا على إثر انتشار بعض النظريات المادية القائمة على تجريد الإنسان من خصائصه التي تفرقه من الحيوان، والرجوع به إلى القاعدة الحيوانية الغارقة في الطين! - وبخاصة نظرية فرويد- ولكن هذا لم يكن سوى فروض نظرية، رأيت بعيني في أشد البلاد إباحية وتفلتا من جميع القيود الاجتماعية والأخلاقية والدينية والإنسانية، ما يكذبها وينقضها من الأساس.
نعم. شاهدت في البلاد التي ليس فيها قيد واحد على الكشف الجسدي، والاختلاط الجنسي، بكل صوره وأشكاله، أن هذا كله لم ينته بتهذيب الدوافع الجنسية وترويضها. إنما انتهى إلى سعار مجنون لا يرتوي ولا يهدأ إلا ريثما يعود إلى الظمأ والاندفاع! وشاهدت الأمراض النفسية والعقد التي كان مفهوما أنها لا تنشأ إلا من الحرمان، وإلا من التلهف على الجنس الآخر المحجوب، شاهدتها بوفرة ومعها الشذوذ الجنسي بكل أنواعه .. ثمرة مباشرة للاختلاط الكامل الذي لا يقيده قيد، ولا يقف عند حد؛ وللصداقات بين الجنسين تلك التي يباح معها كل شئ! وللأجسام العارية في الطريق، وللحركات المثيرة والنظرات الجاهرة، واللفتات الموقظة. وليس هنا مجال التفصيل وعرض الحوادث والشواهد. مما يدل بوضوح على ضرورة إعادة النظر في تلك النظريات التي كذبها الواقع المشهود.
стр. 3540
إن الميل الفطري بين الرجل والمرأة ميل عميق في التكوين الحيوي؛ لأن الله قد ناط به امتداد الحياة على هذه الأرض؛ وتحقيق الخلافة لهذا الإنسان فيها. فهو ميل دائم يسكن فترة ثم يعود. وإثارته في كل حين تزيد من عرامته؛ وتدفع به إلى الإفضاء المادي للحصول على الراحة. فإذا لم يتم هذا تعبت الأعصاب المستثارة. وكان هذا بمثابة عملية تعذيب مستمرة! والنظرة تثير. والحركة تثير. والضحكة تثير. والدعابة تثير. والنبرة المعبرة عن هذا الميل تثير. والطريق المأمون هو تقليل هذه المثيرات بحيث يبقى هذا الميل في حدوده الطبيعية، ثم يلبى تلبية طبيعية .. وهذا هو المنهج الذي يختاره الإسلام. مع تهذيب الطبع، وشغل الطاقة البشرية بهموم أخرى في الحياة، غير تلبية دافع اللحم والدم، فلا تكون هذه التلبية هي المنفذ الوحيد!
وفي الآيتين المعروضتين هنا نماذج من تقليل فرص الاستثارة والغواية والفتنة من الجانبين)
كلمة في السياق:
ذكر في هاتين الآيتين أحكام غض البصر، وحفظ الفروج، وحفظ العورات، وذلك كله لقطع الذريعة إلى الزنا، فالتبرج وتسريح البصر إلى ما حرم الله، هما بابا الزنا الكبيران، فإذا أغلقا انحسم الزنا وانحسر، فالصلة بين هاتين الآيتين وبين ما سبقهما في مجموعتهما، أو في المجموعات الثلاث الأولى واضحة، وأما صلة الآيتين بمحور السورة فمن حيث إنهما تحدثتا عن أحكام وآداب إسلامية، وذلك داخل ضمن قوله تعالى ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ونهتا عن أخلاق جاهلية وذلك داخل تحت قوله تعالى وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وطالبتا بالتوبة، وذكرتا بعلم الله، وذلك داخل ضمن قوله تعالى فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ وإذ كان ما مر معنا في هاتين الآيتين هو من باب سد الذرائع التي توصل إلى الزنا، ولما كان الزواج هو الطريق الإيجابي الأقوى لقطع الطريق على الزنا، فإن الآية اللاحقة تأمر به.
وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ الأيامى: جمع أيم وهو من لا زوج له، رجلا كان أو امرأة، بكرا كان أو ثيبا وَالصَّالِحِينَ أي الخيرين أو المؤمنين مِنْ عِبادِكُمْ أي من عبيدكم أي من أرقائكم وَإِمائِكُمْ أي جواريكم والمعني: زوجوا من تأيم منكم من الأحرار والحرائر، ومن كان فيه صلاح من عبيدكم وإمائكم قال النسفي:
стр. 3541
(والأمر للندب إذ النكاح مندوب إليه) أقول: هناك حالات يكون النكاح فيها واجبا أو مفروضا والمجتمع الإسلامي متضامن متكافل في تحقيق هذا الأمر، ومن ثم كان عمر ابن عبد العزيز يرسل مناديه ينادي ... أين الناكحون ... حتى أغنى كلا من هؤلاء، وقد زوج عمر بن الخطاب من بيت مال المسلمين، ولنا عودة على هذا الموضوع.
إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ من المال يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ بالكفاية والقناعة وَاللَّهُ واسِعٌ أي غني ذو سعة لا يرزؤه إغناء الخلائق عَلِيمٌ كيف يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر
وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً أي لا يجدون استطاعة تزوج من المهر والنفقة، والمعنى وليجتهد هؤلاء في العفة بسلوك طريق ذلك من الصوم والفكر في ملكوت السموات والأرض، والذكر والبعد عن كل مهيج من رؤية وغيرها حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ أي حتى يقدرهم على المهر والنفقة.
قال النسفي: (فانظر كيف رتب هذه الأوامر، فأمر أولا بما يعصم عن الفتنة، ويبعد عن مواقعة المعصية، وهو غض البصر، ثم بالنكاح المحصن للدين، المغني عن الحرام، ثم بعفة النفس الأمارة بالسوء، عن الطموح إلى الشهوة عند العجز عن النكاح، إلى أن تقدر عليه).
وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ أي المكاتبة مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ أي من مماليككم رجالا كانوا أو نساء فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً أي قدرة على الكسب أو أمانة وديانة وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ قال النسفي: (هذا أمر للمسلمين على وجه الوجوب بإعانة المكاتبين، وإعطائهم سهمهم من الزكاة ... وعند الشافعي ﵀ حطوا من بدل الكتابة ربعا، وهذا عندنا على وجه الندب، والكتاب والمكاتبة بمعنى واحد وهو أن يقول لمملوكه: كاتبتك على ألف درهم، فإن أداها عتق، ومعناه: كتبت على نفسي أن تعتق مني إذا وفيت بالمال، وكتبت لي على نفسك أن تفي بذلك، أو كتبت عليك الوفاء، وكتبت علي العتق، ويجوز حالا ومؤجلا ومنجما وغير منجم لإطلاق الأمر) وهل يجب على السيد إذا كان لعبده حيلة أو كسب يستطيع أن يؤدي إلى سيده المال أن يكاتبه سيده أو يندب له؟ قال ابن كثير: (وقد ذهب كثير من العلماء إلى أن هذا الأمر أمر إرشاد واستحباب، لا أمر تحتم وإيجاب ...
وذهب آخرون إلى أنه يجب على السيد إذا طلب منه عبده ذلك أن يجيبه إلى ما طلب؛ أخذا بظاهر هذا الأمر) ولنا عودة على هذا الموضوع في الفوائد.
стр. 3542
والملاحظ أن الأمر بالمكاتبة جاء بعد الأمر بالإنكاح، فما هي الصلة بين الأمرين؟
أقول: إن الإنكاح سبب لزيادة المسلمين، والمكاتبة تكثير لسواد المسلمين، إذ العبودية نوع موت، ثم إن الأمر بإنكاح الإماء والعبيد الصالحين يوصل إلى الكلام عن حريتهم والطريق إليها، لأن العبد يحرص على أن يتزوج بعد أن يكون حرا، كما أنه يكون أكثر حرصا على الحرية بعد زواجه، وأما الصلة بين هذا الموضوع وبين محور السورة فواضح؛ فهذا جزء من نظام الإسلام الذي أمر الله المسلمين في الدخول به كافة.
وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ أي إمائكم عَلَى الْبِغاءِ أي على الزنا إذ البغاء الزنا للنساء خاصة إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً أي تعففا عن الزنا، كان أهل الجاهلية إذا كان لأحدهم أمة أرسلها تزني، وجعل عليها ضريبة يأخذها منها كل وقت، فلما جاء الإسلام نهى الله المؤمنين عن ذلك، ولا يعني هذا أنه يجوز للرجل إذا لم ترد أمته التحصن أن يدفعها إلى الزنا، كما لا يعني أن الأمة بالخيار في أن تتحصن أو تزني، بل كان القيد بهذا الشرط لأن الإكراه لا يكون إلا مع إرادة التحصن، فآمر المطيعة لا يسمى مكرها، ولا أمره إكراها ولأنها نزلت على سبب فوقع النهي على تلك الصفة، وفيه توبيخ للأسياد فكأنه قال: إذا رغبن في التحصن فأنتم أحق بأن تفرحوا بذلك، وتعينوهن عليه فكيف تكرهونهن؟ لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا أي لتبتغوا بإكراههن على الزنا أجورهن وأولادهن وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ أي على الزنا فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ لهن رَحِيمٌ بهن أو لهم وبهم إذا تابوا.
نقول:
١ - قال صاحب الظلال في الآيات الأخيرة: (إن الزواج هو الطريق الطبيعي لمواجهة الميول الجنسية الفطرية. وهو الغاية النظيفة لهذه الميول العميقة. فيجب أن تزول العقبات من طريق الزواج، لتجري الحياة على طبيعتها وبساطتها. والعقبة المالية هي العقبة الأولى في طريق بناء البيوت، وتحصين النفوس. والإسلام نظام متكامل، فهو يفرض العفة وقد هيأ لها أسبابها، وجعلها ميسورة للأفراد الأسوياء. فلا يلجأ إلى الفاحشة حينئذ إلا الذي يعدل عن الطريق النظيف الميسور عامدا غير مضطر.
لذلك يأمر الله الجماعة المسلمة أن تعين من يقف المال في طريقهم إلى النكاح الحلال) وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ، وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ. إِنْ يَكُونُوا
стр. 3543
فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ .. والأيامى هم الذين لا أزواج لهم من الجنسين ..
والمقصود هنا الأحرار. وقد أفرد الرقيق بالذكر بعد ذلك: وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ.
وكلهم ينقصهم المال كما يفهم من قوله بعد ذلك: إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ..
وهذا أمر للجماعة بتزويجهم. والجمهور على أن الأمر هنا للندب. ودليلهم أنه قد وجد أيامى على عهد رسول الله ﷺ لم يزوجوا. ولو كان الأمر للوجوب لزوجهم.
ونحن نرى أن الأمر للوجوب، لا بمعنى أن يجبر الإمام الأيامى على الزواج؛ ولكن بمعنى أنه يتعين إعانة الراغبين منهم في الزواج، وتمكينهم من الإحصان، بوصفه وسيلة من وسائل الوقاية العملية، وتطهير المجتمع الإسلامي من الفاحشة. وهو واجب.
ووسيلة الواجب واجبة.
وينبغي أن نضع في حسابنا- مع هذا- أن الإسلام- بوصفه نظاما متكاملا- يعالج الأوضاع الاقتصادية علاجا أساسيا؛ فيجعل الأفراد الأسوياء قادرين على الكسب، وتحصيل الرزق، وعدم الحاجة إلى مساعدة بيت المال. ولكنه في الأحوال الاستثنائية يلزم بيت المال ببعض الإعانات .. فالأصل في النظام الاقتصادي الإسلامي أن يستغني كل فرد بدخله. وهو يجعل تيسير العمل وكفاية الأجر حقا على الدولة واجبا للأفراد. أما الإعانة من بيت المال فهي حالة استثنائية لا يقوم عليها النظام الاقتصادي في الإسلام. فإذا وجد في المجتمع الإسلامي- بعد ذلك- أيامى فقراء وفقيرات، تعجز مواردهم الخاصة عن الزواج، فعلى الجماعة أن تزوجهم. وكذلك العبيد والإماء. غير أن هؤلاء يلتزم أولياؤهم بأمرهم ما داموا قادرين.
ولا يجوز أن يقوم الفقر عائقا عن التزويج- متى كانوا صالحين للزواج راغبين فيه رجالا ونساء- فالرزق بيد الله. وقد تكفل الله بإغنائهم، إن هم اختاروا طريق العفة النظيف: إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ. وقال رسول الله ﷺ : «ثلاثة حق على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف (١)».
стр. 3544
وفي انتظار قيام الجماعة بتزويج الأيامى يأمرهم بالاستعفاف حتى يغنيهم الله بالزواج: وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ..
وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ .. لا يضيق على من يبتغي العفة، وهو يعلم نيته وصلاحه.
وهكذا يواجه الإسلام المشكلة مواجهة عملية؛ فيهيئ لكل فرد صالح للزواج أن يتزوج؛ ولو كان عاجزا من ناحية المال. والمال هو العقبة الكئود غالبا في طريق الإحصان. ولما كان وجود الرقيق في الجماعة من شأنه أن يساعد على هبوط المستوى الخلقي، وأن يعين على الترخص والإباحية بحكم ضعف حساسية الرقيق بالكرامة الإنسانية. وكان وجود الرقيق ضرورة إذ ذاك لمقابلة أعداء الإسلام بمثل ما يعاملون به أسرى المسلمين. لما كان الأمر كذلك عمل الإسلام على التخلص من الأرقاء كلما واتت الفرصة. حتى تتهيأ الأحوال العالمية لإلغاء نظام الرق كله، فأوجب إجابة الرقيق إلى طلب المكاتبة على حريته. وذلك في مقابل مبلغ من المال يؤديه فينال حريته:
وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ. إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً .. وآراء الفقهاء مختلفة في هذا الوجوب. ونحن نراه الأولى؛ فهو يتمشى مع خط الإسلام الرئيسي في الحرية وفي كرامة الإنسانية. ومنذ المكاتبة يصبح مال الرقيق له، وأجر عمله له، ليوفي منه ما كاتب عليه؛ ويجب له نصيب في الزكاة: وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ. ذلك على شرط أن يعلم المولى في الرقيق خيرا. والخير هو الإسلام أولا. ثم هو القدرة على الكسب. فلا يتركه كلا على الناس بعد تحرره. وقد يلجأ إلى أحط الوسائل ليعيش، ويكسب ما يقيم أوده. والإسلام نظام تكافل. وهو كذلك نظام واقع. فليس المهم أن يقال: إن الرقيق قد تحرر. وليست العنوانات هي التي تهمه. إنما تهمه الحقيقة الواقعة. ولن يتحرر الرقيق حقا إلا إذا قدر على الكسب بعد عتقه؛ فلم يكن كلا على الناس؛ ولم يلجأ إلى وسيلة قذرة يعيش منها، ويبيع فيها ما هو أثمن من الحرية الشكلية وأغلى، وهو أعتقه لتنظيف المجتمع لا لتلويثه من جديد؛ بما هو أشد وأنكى.
وأخطر من وجود الرقيق في الجماعة، احتراف بعض الرقيق للبغاء. وكان أهل الجاهلية إذا كان لأحدهم أمة أرسلها تزني؛ وجعل عليها ضريبة يأخذها منها- وهذا هو البغاء في صورته التي ما تزال معروفة حتى اليوم- فلما أراد الإسلام تطهير البيئة الإسلامية حرم الزنا بصفة عامة؛ وخص هذه الحالة بنص خاص:
стр. 3545
وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا. وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ).
٢ - وقال الألوسي عند قوله تعالى: وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً الآية (ويكسر شهوته بالصوم للحديث، وكونه يثير الحرارة والشهوة إنما هو بابتدائه فإن لم تنكسر به تزوج، ولا يكسرها بنحو كافور فيكره بل يحرم على الرجل والمرأة إن أدى إلى اليأس من النسل، وقول جمع: إن الحديث يدل على حل قطع العاجز الباءة بالأدوية مردود، على أن الأدوية خطيرة، وقد استعمل قوم الكافور فأورثهم عللا مزمنة، ثم أرادوا الاحتيال لعود الباءة بالأدوية الثمينة فلم تنفعهم).
أقول: أما إذا كانت الأدوية تخفف من حدة الشهوة ولا تؤدي إلى قطع النسل فلا بأس باستعمالها للرجل أو للمرأة، ثم إذا كان الزوج أو الزوجة في غيبة عن الآخر فلكل منهما استعمال الأدوية المهدأة التي لا تقطع النسل.
٣ - بمناسبة الكلام عن المكاتبين في الآيات يقول الأستاذ المودودي في تفسيره لسورة النور: (ومما يجدر بنا ذكره بهذه المناسبة أن الأرقاء في الزمن القديم كانوا على ثلاثة أنواع: ١ - أسارى الحرب، و ٢ - الأحرار الذين كانوا يؤخذون ويسترقون ظلما فيباعون، و ٣ - الذين كانوا في الرق كابرا عن كابر، ولا يعرف متى كان آباؤهم قد استرقوا، ومن أي النوعين رقهم. فلما جاء الإسلام، كان المجتمع الإسلامي في بلاد العرب وغيرها من أقطار العالم ممتلئا بالأرقاء من هذه الأنواع الثلاثة، وعليهم تقريبا كان يعتمد النظام الاقتصادي والاجتماعي في سيره أكثر مما كان يعتمد على الخدمة والأجراء.
فالإسلام واجهته في مثل هذا الوضع مسألتان: الأولى هي مشكلة الأرقاء الذين كانوا موجودين في المجتمع إذ ذاك، والثانية هي حل مشكلة الرق في المستقبل. فجوابا عن المسألة الأولى ما ألغى الإسلام دفعة واحدة حقوق الملكية التي كانت للناس على أرقائهم منذ الزمان القديم، لأنه لو فعل ذلك، لما عطل نظام البلاد الاقتصادي والاجتماعي بأسره فحسب، بل لجر البلاد- أيضا- إلى حرب داخلية مدمرة مثل الحرب التي ظهرت في البلاد الأميركية لما أقدمت على إلغاء نظام الرق، بل لظلت القضية على ظهور هذه الحرب بدون حل، كما بقيت قضية ذل الزنوج (Negros) بدون حل في أميركا.
فأعرض الإسلام عن هذا الطريق الخاطئ للإصلاح، وقام في البلاد بحركة شاملة قوية
стр. 3546
لمنح الأرقاء حريتهم، واستحث الناس بوسائل الترغيب والتلقين، وأحكام الدين، وقوانين البلاد، على أن يمنوا على أرقائهم بالعتق ابتغاء لنجاتهم الأخروية، أو تكفيرا لذنوبهم حسب الأحكام الدينية، أو في مقابل مقدار معلوم من المال يأخذونه منهم.
فهذه الحركة القوية التي قام بها الإسلام في بلاد العرب أعتق النبي ﷺ بموجبها ٦٣ رقبة، وأعتقت إحدى نسائه وهي عائشة ﵂ ٦٧ رقبة، وأعتق عمه العباس بن عبد المطلب في حياته ٧٠ رقبة، وأعتق حكيم بن حزام ﵁ مائة رقبة، وأعتق عبد الله بن عمر ﵄ ألف رقبة، وأعتق ذو الكلاع الحميري ﵁ ثمانية آلاف رقبة، وأعتق عبد الرحمن بن عوف ثلاثين ألف رقبة. ونجد مثل هذه النظائر كثيرة في حياة غير هؤلاء من الصحابة من أبرزهم ذكرا أبو بكر الصديق، وعثمان بن عفان ﵄، فكأن الناس في ذلك الزمان كان بهم ولوع شديد بفعل الخيرات، ونيل رضا ربهم، فكانوا لأجل ذلك يعتقون أرقاءهم، ويشترون أرقاء غيرهم ويعتقونهم، حتى نال أرقاء الجاهلية كلهم حريتهم قبل انقضاء عهد الخلفاء الراشدين. أما قضية الرق بالنسبة للمستقبل،
فعالجها الإسلام بأن حرم تحريما باتا أن يؤسر حر ويسترق فيباع ويشترى. فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال:
«قال الله تعالى: ثلاث أنا خصمهم يوم القيامة ومن كنت خصمه خصمته: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرا ثم أكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه أجره .. » رواه البخاري وغيره. غير أن الإسلام قد أذن- نعم، أذن فقط ولم يأمر- باستعباد أسارى الحرب في ما إن كانت حكومتهم لا ترضى باستردادهم من الدولة الإسلامية بمن بيدها من أساراها، ولا هم يفدون أنفسهم بأنفسهم. ولكن مع ذلك فقد ترك الإسلام مجالا واسعا في وجوههم لأن يشتروا حريتهم بالمكاتبة، كما أبقى في حقهم جميع التعاليم والأحكام المتعلقة بتحريض الناس على منح الحرية لأرقائهم القدماء، أي تحريرهم ابتغاء لمرضاة الله أو تكفيرا للذنوب، أو وصية الرجل عند وفاته بعتق رقيقه بعده- وهو ما يعبر عنه بالتدبير في المصطلح الإسلامي- أو نيل الأمة حريتها مع وفاة سيدها، سواء أكان أوصى بعتقها أو لم يوص، إن كان استمتع منها فولدت له ولدا. فهذا هو الحل الموفق الذي عالج به الإسلام قضية الرق. فالجهال لا يدركون حقيقة هذه القضية في الإسلام فيوردون عليها أنواعا من الاعتراضات، وبالجانب الآخر أن محترفي الاعتذار لا يعتذرون عن قضية الرق فحسب، بل وينكرون أصلا إباحة الإسلام للرق في أي صورة من صورها).
стр. 3547
كلمة في السياق:
جاء النهي عن إكراه الإماء على الزنا بعد الكلام عن إنكاح الإماء والعبيد ومكاتبتهم، لعلاقة ذلك ببعضه بعضا، والصلة بين ذلك وبين السورة كلها واضحة، فبعد أن تحدث السياق عن كل ما يتعلق ويحيط بموضوع الزنا، كان من المناسب أن يذكر في آخر هذا المقطع المؤلف من أربع مجموعات هذا الموضوع، ثم هو حكم من أحكام الإسلام الذي أمرنا في الدخول فيه كله، والإكراه عمل من أعمال الشيطان وهو زلل، يقتضي أن يعرف ما ينبغي فعله إذا وجد، وهي معان ترتبط كلها بمحور السورة، ولم يبق عندنا من المجموعة الرابعة، إلا آية هي خاتمة هذه المجموعات الأربع، التي تشكل المقطع الأول من السورة فلنرها:
وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ قال ابن كثير: يعني القرآن فيه آيات واضحات مفسرات، ومن الآيات الواضحات آيات هذه السورة التي اجتمع فيها من الإعجاز الكثير وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ قال ابن كثير: أي خبرا عن الأمم الماضية وما حل بهم في مخالفتهم أوامر الله تعالى كما قال تعالى فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ أي زاجرا عن ارتكاب المآثم والمحارم وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ أي زاجرا عن ارتكاب المآثم والمحارم لمن اتقى الله وخافه، أي هم المنتفعون بها وإن كانت موعظة للكل، وقد وضح من هذه الآية أن في القرآن معجزات ودلالات تدل على الله، وأن فيه قصصا وعبرا، وأن فيه موعظة وتذكيرا، فمن لم ير في الآيات، ومن لم يعتبر بما قصه الله علينا في هذا القرآن، ومن لم يتذكر ويتعظ بهذا القرآن، فإنه يكون بينه وبين القرآن حجاب، وقد جاءت هذه الآية قبل المقطع الثاني الذي فيه أروع حديث عن الله ، فهو نموذج كامل على أن القرآن آيات بينات وعلى أنه واعظ ومذكر، كما جاءت خاتمة لمقطعها الذي فصل وبين ووعظ وذكر فهي في محلها تخدم ما قبلها وما بعدها.
كلمة في المقطع الأول:
تألف المقطع الأول من أربع مجموعات، بينها من الصلات والترابط ما رأيناه، وكلها يخدم تفصيل قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ* فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا
стр. 3548
أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ وقد رأينا صلة كل مجموعات المقطع بهاتين الآيتين بما يغني عن إعادته هنا، لقد عمقت المجموعات الأربع معنى الدخول في الإسلام وعمقت موضوع ترك اتباع خطوات الشيطان، وعمقت موضوع عدم الوقوع في الزلل، ودلت على الطريق الواجب اتباعه للبعد عن الزلل، وللتوبة منه حين الوقوع فيه، وقد بدأ المقطع بقوله تعالى سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ثم سار المقطع ضمن مواضيع متعانقة حتى استقر على الآية وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ لاحظ الصلة بين أول آية في المقطع، وبين آخر آية فيه، فإذا ما أضيف إلى هذا أن آيات المقطع الثاني ذات موضوع جديد اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فهذا وذلك يدل على أن مقطعا قد انتهى، وأن مقطعا جديدا قد جاء، وقد عرض المقطع الأول علينا بعض فرائض الله ، كما أنه قد عرض بعض الآيات الواضحات، كما أنه ذكرنا ووعظنا، وذلك كله قد تضمنته آيتا البدء والختام.
نقول:
قال ابن تيمية ﵀ بمناسبة قوله تعالى: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ .. والنظر إلى وجه الأمرد بشهوة كالنظر إلى وجه ذوات المحارم، والمرأة الأجنبية بالشهوة، سواء كانت الشهوة شهوة الوطء أو كانت شهوة التلذذ بالنظر، كما يتلذذ بالنظر إلى وجه المرأة الأجنبية، وإذ كان معلوما لكل أحد أن هذا حرام فكذلك النظر إلى وجه الأمرد باتفاق الأئمة.
وقول القائل: إن النظر إلى وجه الأمرد عبادة كقوله إن النظر إلى وجوه النساء، والنظر إلى محارم الرجل كبنت الرجل وأمه وأخته عبادة، ومعلوم أن من جعل هذا النظر المحرم عبادة، فهو بمنزلة من جعل الفواحش عبادة قال الله تعالى وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (الأعراف: ٢٨) ومعلوم أنه قد يكون في صور النساء الأجنبيات وذوات المحارم من الاعتبار والدلالة على الخالق من جنس ما في صور المردان، فهل يقول مسلم إن للإنسان أن ينظر بهذا الوجه إلى صور النساء نساء العالمين وصور محارمه؛ ويقول إن ذلك عبادة، بل من جعل مثل هذا النظر عبادة فإنه
كافر مرتد يجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وهو بمنزلة من جعل إعانة طالب الفاحشة عبادة، أو
стр. 3549
جعل تناول يسير الخمر عبادة، أو جعل السكر من الحشيشة عبادة.
فمن جعل المعاونة بقيادة أو غيرها عبادة، أو جعل شيئا من المحرمات التي يعلم تحريمها في دين الإسلام عبادة، فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل وهو مضاهاة للمشركين الذين إذا فعلوا الفاحشة قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ وفاحشة أولئك إنما كانت طوافهم بالبيت عراة، وكانوا يقولون لا نطوف في الثياب التي عصينا الله فيها، فهؤلاء إنما كانوا يطوفون عراة على وجه اجتناب ثياب المعصية، وقد ذكر الله عنهم ما ذكر، فكيف ممن جعل جنس الفاحشة المتعلقة بالشهوة عبادة.
والله سبحانه قد أمر في كتابه بغض البصر، وهو نوعان: غض البصر عن العورة، وغضها عن محل الشهوة، فالأول كغض الرجل بصره عن عورة غيره، كما قال النبي ﷺ «لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة» ويجب على الإنسان أن يستر عورته، كما قال لمعاوية بن حيدة (١) «احفظ عورتك إلا من زوجتك، أو ما ملكت يمينك قلت: فإذا كان أحدنا مع قومه؟ قال: إن استطعت أن لا يرينها أحد فلا يرينها قلت: فإذا كان أحدنا خاليا؟ قال: فالله أحق أن يستحيا منه من الناس» ويجوز كشفها بقدر الحاجة كما تنكشف عند التخلي. ولذلك إذا اغتسل الرجل وحده بحيث يجد ما يستره فله أن يغتسل عريانا، كما اغتسل موسى (٢) عريانا وأيوب (٣)، وكما في
стр. 3550
اغتسال النبي ﷺ يوم (١) الفتح، واغتساله في حديث ميمونة (٢).
وأما النوع الثاني من النظر كالنظر إلى الزينة الباطنة من المرأة الأجنبية فهذا أشد من الأول، كما أن الخمر أشد من الميتة والدم ولحم الخنزير، وعلى صاحبها الحد، وتلك المحرمات إذا نظر لها مستحلا لها كان عليه التعزير، لأن هذه المحرمات لا تشتهيها النفوس كما تشتهي الخمر، وكذلك النظر إلى عورة الرجل لا يشتهى كما يشتهى النظر إلى النساء ونحوهن، وكذلك النظر إلى الأمرد بشهوة هو من هذا الباب، وقد اتفق العلماء على تحريم ذلك، كما اتفقوا على تحريم النظر إلى الأجنبية وذوات المحارم بشهوة، والخالق سبحانه يسبح عند رؤية مخلوقاته كلها، وليس خلق الأمرد بأعجب في قدرته من خلق ذي اللحية، ولا خلق النساء بأعجب في قدرته من خلق الرجال، فتخصيص الإنسان بالتسبيح نظره إلى الأمرد دون غيره كتخصيصه بالتسبيح بنظره إلى المرأة دون الرجل، وذاك لأنه أدل على عظمة الخالق عنده، ولكن لأن الجمال يغير قلبه وعقله وقد يذهله ما رآه فيكون تسبيحه لما حصل في نفسه من الهوى، كما أن النسوة لما رأين يوسف أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (يوسف ٣١) وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» رواه مسلم فإذا كان الله لا ينظر إلى الصور والأموال، وإنما ينظر إلى القلوب والأعمال، فكيف يفضل الشخص بما لم يفضله الله به.
وقد قال تعالى وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ (طه: ١٣١) وقال في المنافقين وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ
стр. 3551
يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قاتَلَهُمُ اللَّهُ (المنافقون: ٤) فإذا كان هؤلاء المنافقون الذين تعجب الناظر أجسامهم؛ لما فيهم من البهاء والرواء والزينة الظاهرة، وليسوا ممن ينظر إليه لشهوة قد ذكر الله عنهم ما ذكر، فكيف بمن ينظر إليه لشهوة، وذلك أن الإنسان قد
ينظر إليه لما فيه من الإيمان والتقوى، وهنا الاعتبار بقلبه وعمله لا بصورته، وقد ينظر إليه لما فيه من الصورة الدالة على المصور، فهذا حسن، وقد ينظر إليه من جهة استحسان خلقه كما ينظر إلى الخيل والبهائم. وكما ينظر إلى الأشجار والأنهار والأزهار، فهذا أيضا إذا كان على وجه استحسان الدنيا والرئاسة والمال فهو مذموم. بقوله وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وأما إن كان على وجه لا ينقص الدين، وإنما فيه راحة النفس فقط، كالنظر إلى الأزهار فهذا من الباطل الذي لا يستعان به على الحق.
وكل قسم من هذه الأقسام متى كان معه شهوة كان حراما بلا ريب، سواء كانت شهوة تمتع النظر بالشهوة، أو كان نظرا بشهوة الوطء، وفرق بين ما يجده الإنسان عند نظره إلى النسوان والمردان، فلهذا الفرقان افترق الحكم الشرعي، فصار النظر إلى المردان ثلاثة أقسام: أحدها ما تقترن به الشهوة، فهو محرم بالاتفاق، والثاني ما يجزم أنه لا شهوة معه، كنظر الرجل الورع إلى ابنه الحسن، وابنته الحسنة، وأمه الحسنة، فهذا لا تقترن به شهوة، إلا أن يكون الرجل من أفجر الناس، ومتى اقترن به الشهوة حرم.
وعلى هذا نظر من لا يميل قلبه إلى المردان، كما كان الصحابة، وكالأمم الذين لا يعرفون هذه الفاحشة، فإن الواحد من هؤلاء لا يفرق من هذا الوجه بين نظره إلى ابنه وابن جاره وصبي أجنبي، لا يخطر بقلبه شئ من الشهوة، لأنه لم يعتد ذلك، وهو سليم القلب من قبل ذلك، وقد كانت الإماء على عهد الصحابة يمشين في الطرقات متكشفات الرءوس، ويخدمن من الرجال مع سلامة القلوب، فلو أراد الرجل أن يترك الإماء التركيات الحسان يمشين بين الناس في مثل هذه البلاد والأوقات، كما كان أولئك الإماء يمشين، كان هذا من باب الفساد، وكذلك المرد الحسان لا يصلح أن يخرجوا في الأمكنة والأزقة التي يخاف فيها الفتنة بهم، إلا بقدر الحاجة، فلا يمكن الأمرد الحسن من التبرج، ولا من الجلوس في الحمام بين الأجانب، ولا من رقصه بين الرجال، ونحو ذلك مما فيه فتنة للناس، وهو النظر إليه كذلك.
стр. 3552
وإنما وقع النزاع بين العلماء في القسم الثالث من النظر، وهو النظر إليه بغير شهوة لكن مع خوف ثورانها، ففيه وجهان. في مذهب أحمد أصحهما وهو المحكي عن نص الشافعي، وغيره أنه لا يجوز، والثاني يجوز لأن الأصل عدم ثورانها، فلا يحرم بالشك بل قد يكره، والأول هو الراجح، كما أن الراجح في مذهب الشافعي وأحمد أن النظر إلى وجه الأجنبية من غير حاجة لا يجوز، وإن كانت الشهوة منتفية، لكن لأنه يخاف ثورانها، ولهذا حرم الخلوة بالأجنبية لأنها مظنة الفتنة، والأصل أن كل ما كان سببا للفتنة فإنه لا يجوز، فإن الذريعة إلى الفساد يجب سدها إذا لم يعارضها مصلحة راجحة، ولهذا كان هذا النظر الذي قد يفضي إلى الفتنة محرما، إلا إذا كان لحاجة راجحة، مثل نظر الخاطب والطبيب وغيرهما، فإنه يباح النظر للحاجة، لكن مع عدم الشهوة، وأما النظر لغير حاجة محل الفتنة فلا يجوز.
ومن كرر النظر إلى الأمرد ونحوه وأدامه، وقال: إني لا انظر لشهوة، كذب في ذلك، فإنه إذا لم يكن له داع يحتاج معه إلى النظر، لم يكن النظر إلا لما يحصل في القلب من اللذة بذلك.
وأما نظر الفجأة فهو عفو، إذا صرف بصره، كما ثبت في الصحاح عن جرير قال سألت رسول الله ﷺ عن نظرة الفجأة فقال: «اصرف بصرك» رواه مسلم، وأحمد، وفي السنن أنه قال لعلي ﵁ «يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإنما لك الأولى وليست لك الثانية»: وفي الحديث الذي في المسند وغيره «النظر سهم مسموم من سهام إبليس»: وفيه «من نظر إلى محاسن امرأة ثم غض بصره أورث الله قلبه حلاوة عبادة يجدها يوم القيامة» أو كما قال.
ولهذا يقال: إن غض البصر عن الصورة التي ينهى عن النظر إليها كالمرأة والأمرد الحسن يورث ذلك ثلاث فوائد جليلة القدر:
إحداها: حلاوة الإيمان، ولذته التي هي أحلى وأطيب مما تركه لله، فإن من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه، والنفس تحب النظر إلى هذه الصور، لا سيما نفوس أهل الرياضة والصفا، فإنه يبقى فيها رقة تنجذب بسببها إلى الصور حتى تبقى الصورة تخطف أحدهم وتصرعه كما يصرعه السبع.
ولهذا قال بعض التابعين: ما أنا على الشاب التائب من سبع يجلس إليه بأخوف عليه
стр. 3553
من حدث جميل يجلس إليه، وقال بعضهم: اتقوا النظر إلى أولاد الملوك فإن فتنتهم كفتنة العذارى، وما زال أئمة العلم والدين كأئمة الهدى وشيوخ الطريق يوصون بترك صحبة الأحداث، حتى يروى عن فتح الموصلي أنه قال: صحبت ثلاثين من الأبدال كلهم يوصيني عند فراقه بترك صحبة الأحداث، وقال بعضهم: ما سقط عبد من عين الله إلا ابتلاه بصحبة هؤلاء الأنتان.
ثم النظر يولد المحبة، فتكون علاقة لتعلق القلب بالمحبوب، ثم صبابة لانصباب القلب إليه، ثم غراما للزومه للقلب كالغريم الملازم لغريمه، ثم عشقا إلى أن يصير تتيما، والمتيم المعبد، وتيم الله: عبد الله، فيبقى القلب عبدا لمن لا يصلح أن يكون أخا ولا خادما، وهذا إنما يبتلى به أهل الأعراض عن الإخلاص لله الذين فيهم نوع من الشرك، وإلا فأهل الإخلاص كما قال الله في حق يوسف ﵇ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ (يوسف: ٢٤) فامرأة العزيز كانت مشركة، فوقعت مع تزوجها فيما وقعت فيه من السوء، ويوسف ﵇ مع عزوبيته ومراودتها له واستعانتها عليه بالنسوة، وعقوبتها له بالحبس على العفة، عصمه الله بإخلاصه لله تحقيقا لقوله لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (الحجر:
٣٩، ٤٠) قال تعالى إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ (الحجر: ٤٢) والغي: هو اتباع الهوى.
وهذا الباب من أعظم أبواب اتباع الهوى، ومن أمر بعشق الصور من المتفلسفة كابن سينا وذويه، أو من الفرس، كما يذكر عن بعضهم من جهال المتصوفة، فإنهم أهل
ضلال، فهم مع مشاركة اليهود في الغي، والنصارى في الضلال، زادوا على الأمتين في ذلك، فإن هذا- وإن ظن أن فيه منفعة للعاشق كتلطيف نفسه وتهذيب أخلاقه، أو للمعشوق من السعي في مصالحه وتعليمه وتأديبه، وغير ذلك- فمضرة ذلك أضعاف منفعته، وأين إثم ذلك من نفعه.
وإنما هذا كما يقال إن في الزنا منفعة لكل منهما، بما يحصل له من اللذة والسرور، ويحصل لها من الجعل وغير ذلك، وكما يقال: إن في شرب الخمر منافع بدنية ونفسية:
وقال تعالى في الخمر والميسر قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما (البقرة: ٣٢٩) وهذا قبل التحريم، دع ما قاله عند التحريم، وبعده، فإن التعبد بهذه الصور هو من جنس الفواحش، وباطنه من باطن الفواحش، وهو من
стр. 3554
باطن الإثم قال الله تعالى وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ (الأنعام: ١٢٠) وقال تعالى قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ (الأعراف: ٣٣) وقال تعالى وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (الأعراف: ٢٨).
وليس بين أئمة الدين نزاع في أن هذا ليس بمستحب، كما أنه ليس بواجب، فمن جعله ممدوحا وأثنى عليه فقد خرج عن إجماع المسلمين واليهود والنصارى، بل وعما عليه عقلاء بني آدم من جميع الأمم، وهو ممن اتبع هواه بغير هدى من الله وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (القصص: ٥٠) وقال تعالى وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى (النازعات: ٤٠) وقال تعالى وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ (سورة ص:
٢٦).
وأما من نظر إلى المردان ظانا أنه ينظر إلى مظاهر الجمال الإلهي، وجعل هذا طريقا إلى الله، كما يفعله طوائف من المدعين للمعرفة، فقوله هذا أعظم كفرا من قول عباد الأصنام، ومن كفر قوم لوط، فهؤلاء من شر الزنادقة المرتدين الذين يجب قتلهم بإجماع كل أمة، فإن عباد الأصنام قالوا إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى، وهؤلاء يجعلون الله سبحانه موجودا في نفس الأصنام وحالا فيها، فإنهم لا يريدون بظهوره وتجليه في المخلوقات أنها أدلة عليه، وآيات له، بل يريدون أنه سبحانه ظهر فيها وتجلى فيها، ويشبهون ذلك بظهور الماء في الصوفة، والزبد في اللبن والزيت في الزيتون والدهن في السمسم، ونحو ذلك مما يقضي حلول نفس ذاته في مخلوقاته أو اتحاده فيها، فيقولون في جميع المخلوقات نظير ما قاله النصارى في المسيح خاصة، ثم يجلون المردان مظاهر الجمال، فيقرون هذا الشرك الأعظم طريقا إلى استحلال الفواحش بل استحلال كل محرم، كما قيل لأفضل مشايخهم ... إذا كان قولكم بأن الوجود واحد هو الحق، فما الفرق بين أمي وأختي وبنتي، حتى يكون هذا حلالا وهذا حراما؟، قال:
الجميع عندنا سواء، لكن هؤلاء المحجوبون قالوا حرام فقلنا حرام عليكم.
ومن هؤلاء الحلولية والاتحادية من يخص الحلول والاتحاد ببعض الأشخاص. إما ببعض الأنبياء كالمسيح، أو بعض الصحابة، كقول الغالية في علي أو ببعض الشيوخ
стр. 3555
كالحلاجية ونحوهم، أو ببعض الملوك أو ببعض الصور كصور المردان، ويقول أحدهم: إنما انظر إلى صفات خالقي وأشهدها في هذه الصورة، والكفر في هذا القول أبين من أن يخفى على من يؤمن بالله ورسوله، ولو قال مثل هذا الكلام في نبي كريم لكان كافرا، فكيف إذا قاله في صبي أمرد، فقبح الله طائفة يكون معبودها من جنس موطوئها.
وقد قال تعالى وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (آل عمران: ٨٠) فإذا كان من اتخذ الملائكة والنبيين أربابا مع اعترافهم بأنهم مخلوقون لله كفارا، فكيف بمن اتخذ بعض المخلوقات أربابا مع قوله إن الله فيها أو متحد بها، فوجوده وجودها، ونحو ذلك من المقالات.
(وأما الفائدة الثانية في غض البصر،) فهو يورث نور القلب والفراسة، قال تعالى عن قوم لوط لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (الحجر: ٧٢) فالتعلق بالصور يوجب فساد العقل، وعمى البصيرة، وسكر القلب، بل جنونه كما قيل.
سكران سكر هوى وسكر مدامة ... ومتى إفاقة من به سكران
وقيل أيضا:
قالوا جننت بمن تهوى فقلت لهم ... العشق أعظم مما بالمجانين
العشق لا يستفيق الدهر صاحبه ... وإنما يصرع المجنون في الحين
وذكر الله سبحانه آية النور عقيب آيات غض البصر فقال اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وكان شاه بن شجاع الكرماني (١) لا تخطئ له فراسة وكان يقول: من عمر ظاهره باتباع السنة، وباطنه بدوام المراقبة، وغض بصره عن المحارم، وكف نفسه عن الشهوات وذكر خصلة خامسة أظنه هو أكل الحلال- لم تخطئ له فراسة، والله تعالى يجزي العبد على عمله بما هو من جنس عمله، فيطلق نور بصيرته، ويفتح عليه باب العلم والمعرفة والكشوف، ونحو ذلك مما ينال ببصيرة القلب.
(الفائدة الثالثة) قوة القلب وثباته وشجاعته، فيجعل الله له سلطان البصيرة مع سلطان الحجة، فإن في الأثر: الذي يخالف هواه يفرق الشيطان من ظله، ولهذا يوجد في المتبع هواه من ذل النفس وضعفها ومهانتها ما جعله الله لمن عصاه، وإن الله جعل
стр. 3556
العزة لمن أطاعه والذلة لمن عصاه قال تعالى يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ (المنافقون: ٨) وقال تعالى وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (آل عمران: ١٣٩).
ولهذا كان في كلام الشيوخ: الناس يطلبون العز بأبواب الملوك، ولا يجدونه إلا في طاعة الله: وكان الحسن البصري يقول: إن هملجت بهم البراذين، وطقطقت بهم البغال، فإن ذل المعصية في رقابهم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه، ومن أطاع الله فقد والاه فيما أطاعه فيه، ومن عصاه ففيه قسط من فعل من عاداه بمعاصيه، وفي دعاء القنوت «إنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت».
والصوفية المشهورون عند الأمة الذين لهم لسان صدق في الأمة لم يكونوا يستحسنون مثل هذا، بل ينهون عنه، ولهم في الكلام في ذم صحبة الأحداث وفي الرد على أهل الحلول، وبيان مباينة الخالق ما لا يتسع هذا الموضع لذكره، وإنما استحسنه من يتشبه به مما هو عاص أو فاسق أو كافر، فيظاهر بدعوى الولاية، لله وتحقيق الإيمان والعرفان وهو من شر أهل العداوة لله، وأهل النفاق والبهتان، والله تعالى يجمع لأوليائه المتقين خير الدنيا والآخرة، ويجعل لأعدائه الصفقة الخاسرة، والله سبحانه أعلم).
قال الألوسي عند قوله تعالى: وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ .. :
(فلا ينظرن إلى ما لا يحل لهن النظر إليه كالعورات من الرجال والنساء، وهي ما بين السرة والركبة، وفي الزواجر لابن حجر المكي كما يحرم نظر الرجل للمرأة، يحرم نظرها إليه ولو بلا شهوة ولا خوف فتنة، نعم إن كان بينهما محرمية نسب أو رضاع أو مصاهرة، نظر كل إلى ما عدا ما بين سرة الآخر وركبته. والمذكور في بعض كتب الأصحاب إن كان نظرها إلى ما عدا ما بين السرة والركبة بشهوة حرم، وإن بدونها لا يحرم. نعم غضها بصرها من الأجانب أصلا أولى بها وأحسن، فقد أخرج أبو داود والترمذي وصححه والنسائي والبيهقي في سننه عن أم سلمة أنها كانت عند رسول الله ﷺ وميمونة قالت: فبينما نحن عنده أقبل ابن أم مكتوم فدخل عليه ﷺ فقال رسول الله ﷺ : «احتجبا منه فقلت: يا رسول الله هو أعمى لا يبصر قال:
أفعمياوان أنتما ألستما تبصرانه؟»، واستدل به من قال بحرمة نظر المرأة إلى شئ من الرجل الأجنبي مطلقا، ولا يبعد القول بحرمة نظر المرأة المرأة إلى ما عدا ما بين السرة والركبة، إذا كان بشهوة، ولا تستبعد وقوع هذا النظر، فإنه كثير ممن يستعملن
стр. 3557
السحاق من النساء والعياذ بالله تعالى وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ أي عما لا يحل لهن من الزنا والسحاق، أو من الإبداء، أو مما يعم ذلك والإبداء وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ أي ما يتزين به من الحلي ونحوه إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها أي إلا ما جرت العادة والجبلة على ظهوره، والأصل فيه الظهور، كالخاتم والفتخة، والكحل، والخضاب، فلا مؤاخذة في إبدائه للأجانب، وإنما المؤاخذة في إبداء ما خفي من الزينة، كالسوار، والخلخال، والدملج، والقلادة، والإكليل، والوشاح والقرط).
(المشهور من مذهب الإمام أبي حنيفة أن مواقع الزينة الظاهرة من الوجه والكفين والقدمين ليست بعورة مطلقا فلا يحرم النظر إليها، وقد أخرج أبو داود. وابن مردويه. والبيهقي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على النبي ﷺ وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها، وقال «يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وأشار إلى وجهه وكفه ﷺ »، وأخرج ابن أبي شيبة.
وعبد بن حميد عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها رقعة الوجه وباطن الكف، وأخرجا عن ابن عمر أنه قال: الوجه والكفان، ولعل القدمين عندهما كالكفين، إلا أنهما لم يذكراهما اكتفاء بالعلم بالمقايسة، فإن الحرج في سترهما أشد من الحرج في ستر الكفين، لا سيما بالنسبة إلى أكثر نساء العرب الفقيرات اللاتي يمشين لقضاء مصالحهن في الطرقات).
وعند قوله تعالى أَوْ نِسائِهِنَّ قال الألوسي:
(المختصات بهن بالصحبة والخدمة من حرائر المؤمنات، فإن الكوافر لا يتحرجن أن يصفنهن للرجال، فهن في إبداء الزينة لهن كالرجال الأجانب، ولا فرق في ذلك بين الذمية وغيرها، وإلى هذا ذهب أكثر السلف*
وأخرج سعيد بن منصور. وابن المنذر. والبيهقي في سننه عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه كتب إلى أبي عبيدة رضي الله تعالى عنه أما بعد: فإنه بلعني أن نساء من نساء المسلمين يدخلن الحمامات مع نساء أهل الشرك، فانه من قبلك عن ذلك فإنه لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تنظر إلى عورتها إلا من كانت من أهل ملتها. وفي روضة النووي في نظر الذمية إلى المسلمة وجهان: أصحهما ما عند الغزالي أنها كالمسلمة، وأصحهما عند البغوي المنع، وفي المنهاج له الأصح تحريم نظر ذمية إلى مسلمة، ومقتضاه أنها معها كالأجنبي، واعتمده جمع من الشافعية، وقال ابن حجر.
стр. 3558
الأصح تحريم نظرها إلى ما لا يبدو في المهنة من مسلمة غير سيدتها، ومحرمها، ودخول الذميات على أمهات المؤمنين الوارد في الأحاديث الصحيحة دليل لحل نظرها منها ما يبدو في المهنة. وقال الإمام الرازي: المذهب أنها كالمسلمة، والمراد بنسائهن جميع النساء، وقول السلف محمول على الاستحباب وهذا القول أرفق بالناس اليوم
فإنه لا يكاد يمكن احتجاب المسلمات عن الذميات).
الفوائد:
١ - بمناسبة قوله تعالى لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها ذكر ابن كثير مجموعة من آداب الاستئذان وأدلتها. ونحن نجتزئ لك من كلامه ما يلي: (قال: وينبغي أن يستأذن ثلاث مرات، فإن أذن له وإلا انصرف، كما ثبت في الصحيح أن أبا موسى حين استأذن على عمر ثلاثا فلم يؤذن له انصرف، ثم قال عمر: ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس يستأذن؟ ائذنوا له، فطلبوه فوجدوه قد ذهب، فلما جاء بعد ذلك قال: ما أرجعك؟ قال: إني استأذنت ثلاثا فلم يؤذن لي، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فلينصرف» فقال عمر: لتأتيني على هذا ببينة وإلا أوجعتك ضربا، فذهب إلى ملأ من الأنصار، فذكر لهم ما قال عمر، فقالوا: لا يشهد لك إلا أصغرنا، فقام معه أبو سعيد الخدري، فأخبر عمر بذلك، فقال ألهاني عنه الصفق بالأسواق.» وقد روى أبو داود والنسائي من حديث أبي عمرو الأوزاعي سمعت يحيى بن أبي كثير يقول: حدثني محمد ... عن قيس بن سعد هو ابن عبادة قال: زارنا رسول الله ﷺ في منزلنا فقال «السلام عليكم ورحمة الله وبركاته» فرد سعد ردا خفيا قال قيس: قلت: ألا تأذن لرسول الله ﷺ ؟
فقال دعه يكثر علينا من السلام فقال رسول الله ﷺ «السلام عليكم ورحمة الله» فرد سعد ردا خفيا ثم قال رسول الله ﷺ : «السلام عليكم ورحمة الله» ثم رجع رسول الله واتبعه سعد، فقال: يا رسول الله إني كنت أسمع تسليمك وأرد عليك ردا خفيا لتكثر علينا من السلام؛ قال: فانصرف معه رسول الله ﷺ وأمر له سعد بغسل فاغتسل، ثم ناوله خميصة مصبوغة بزعفران أو ورس فاشتمل بها، ثم رفع رسول الله ﷺ يديه وهو يقول «اللهم اجعل صلاتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة». قال ثم أصاب رسول الله ﷺ من الطعام، فلما أراد الانصراف قرب إليه سعد حمارا قد وطئ عليه بقطيفة فركب رسول الله ﷺ ، فقال سعد: يا قيس اصحب رسول الله ﷺ ،
стр. 3559
قال قيس: فقال رسول الله ﷺ «اركب» فأبيت فقال: «إما أن تركب وإما أن تنصرف» قال: فانصرفت، وقد روي هذا من وجوه أخرى فهو حديث جيد قوي والله أعلم. ثم ليعلم أنه ينبغي للمستأذن على أهل المنزل أن لا يقف تلقاء الباب بوجهه، ولكن ليكن الباب عن يمينه أو يساره، لما رواه أبو داود: حدثنا مؤمل بن الفضل الحراني في آخرين قالوا: حدثنا بقية حدثنا محمد بن عبد الرحمن عن عبد الله بن بشر قال: كان رسول الله ﷺ إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه، ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر ويقول «السلام عليكم السلام عليكم» وذلك أن الدور لم يكن عليها يومئذ ستور، انفرد به أبو داود. وقال أبو داود أيضا حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير حينئذ قال أبو داود حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا حفص عن الأعمش عن طلحة عن هزيل قال جاء رجل فقال عثمان: سعد، فوقف على باب النبي ﷺ يستأذن فقام على الباب، قال عثمان: مستقبل الباب فقال له النبي ﷺ «هكذا عنك- أو هكذا- فإنما الاستئذان من النظر» وقد رواه أبو داود الطيالسي عن سفيان الثوري عن الأعمش عن طلحة بن مصرف عن رجل عن سعد عن النبي ﷺ رواه أبو داود من حديثه، وفي الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال «لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن فحذفته بحصاة ففقأت عينه ما كان عليك من جناح» وأخرج الجماعة من حديث شعبة عن محمد بن المنكدر عن جابر قال أتيت النبي ﷺ في دين كان على أبي، فدققت الباب فقال: «من ذا» فقلت أنا، قال: أنا أنا؟! كأنه كرهه، وإنما كره ذلك لأن هذه اللفظة لا يعرف صاحبها حتى يفصح باسمه، أو كنيته التي هو مشهور بها، وإلا فكل أحد يعبر عن نفسه بأنا، فلا يحصل بها المقصود من الاستئذان الذي هو الاستئناس المأمور به في الآية.
وقد روى الإمام أحمد: حدثنا روح حدثنا ابن جريج أخبرني عمرو بن أبي سفيان أن عمرو بن أبي صفوان أخبره أن كلدة بن الحنبل أخبره أن صفوان بن أمية بعثه في الفتح بلبإ وجداية وضغابيس، والنبي ﷺ بأعلى الوادي، قال: فدخلت على النبي ﷺ ولم أسلم ولم استأذن، فقال ﷺ «ارجع فقل السلام عليكم أأدخل». وذلك بعد ما أسلم صفوان. ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث ابن جريج به، وقال الترمذي حسن غريب لا نعرفه إلا من حديثه. وروى أبو داود حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو الأحوص عن منصور عن ربعي قال أتى رجل من بني عامر استأذن على رسول الله ﷺ وهو في بيته فقال أألج؟ فقال النبي ﷺ لخادمه: «أخرج إلى هذا
стр. 3560
فعلمه الاستئذان فقل له: قل السلام عليكم أأدخل» فسمعه الرجل فقال السلام عليكم أأدخل، فأذن له النبي ﷺ فدخل. وقال هشيم أخبرنا منصور عن ابن سيرين وأخبرنا يونس عن عبيد عن عمرو بن سعيد الثقفي أن رجلا استأذن على النبي ﷺ فقال أألج أو أنلج؟ فقال النبي ﷺ لأمة له يقال لها روضة: «قومي إلى هذا فعلميه، فإنه لا يحسن يستأذن فقولي له يقول السلام عليكم أأدخل» فسمعها الرجل فقال: السلام عليكم أأدخل فقال «ادخل».
وقال هشيم أخبرنا أشعث بن سوار عن كردوس عن ابن مسعود قال: عليكم أن تستأذنوا على أمهاتكم. وأخواتكم. وقال أشعث عن عدي بن ثابت أن امرأة من الأنصار قالت: يا رسول الله، إني أكون في منزلي على الحال التي لا أحب أن يراني أحد عليها، لا والد ولا ولد، وأنه لا يزال يدخل علي رجل من أهلي، وأنا على تلك الحال.
قال فنزلت يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً الآية. وقال ابن جريج سمعت عطاء بن أبي رباح يخبر عن ابن عباس ﵄ قال: ثلاث آيات جحدهنّ الناس. قال الله تعالى إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ (الحجرات: ١٣) قال:
ويقولون إن أكرمهم عند الله أعظمهم بيتا، قال والأدب كله قد جحده الناس، قال قلت: أستأذن على أخواتي أيتام في حجري معي في بيت واحد؟ قال: نعم فرددت عليه ليرخص لي، فأبى فقال: تحب أن تراها عريانة؟ قلت: لا. قال: فاستأذن، قال فراجعته أيضا: أتحب أن تطيع الله؟ قال قلت: نعم. قال فاستأذن. قال ابن جريج وأخبرني ابن
طاوس عن أبيه قال: ما من امرأة أكره إلي أن أرى عورتها من ذات محرم قال: وكان يشدد في ذلك وقال ابن جريج عن الزهري: سمعت هزيل بن شرحبيل الأودي الأعمى أنه سمع ابن مسعود يقول: عليكم الإذن على أمهاتكم، وقال ابن جريج قلت لعطاء أيستأذن الرجل على امرأته؟ قال: لا وهذا محمول على عدم الوجوب، وإلا فالأولى أن يعلمها بدخوله ولا يفاجئها به؛ لاحتمال أن تكون على هيئة لا تحب أن يراها عليها. وقال أبو جعفر بن جرير حدثنا القاسم حدثنا الحسين، حدثنا محمد بن حازم عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن يحيى بن الجزار، عن ابن أخي زينب امرأة عبد الله بن مسعود، عن زينب ﵂ قالت: كان عبد الله إذا جاء من حاجة فانتهى إلى الباب تنحنح وبزق؛ كراهة أن يهجم منا على أمر يكرهه. إسناده صحيح. وقال ابن أبي حاتم حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، حدثنا عبد الله بن نمير، حدثنا الأعمش عن
стр. 3561
عمرو بن مرة عن أبي عبيدة قال: كان عبد الله إذا دخل الدار استأنس تكلم ورفع صوته. وقال مجاهد حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا قال تنحنحوا أو تنخموا. وعن الإمام أحمد ابن حنبل ﵀ أنه قال: إذا دخل الرجل بيته استحب له أن يتنحنح، أو يحرك نعليه ولهذا جاء في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه نهى أن يطرق الرجل أهله طروقا، وفي رواية ليلا يتخونهم، وفي الحديث الآخر أن رسول الله ﷺ قدم المدينة نهارا فأناخ بظاهرها وقال: «انتظروا حتى ندخل عشاء- يعني آخر النهار- حتى تمتشط الشعثة، وتستحد المغيبة». وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد الرحمن بن سليمان، عن واصل بن السائب، حدثنا أبو ثورة بن أخي أبي أيوب عن أبي أيوب قال: قلت: يا رسول الله هذا السلام فما الاستئناس؟ قال «يتكلم الرجل بتسبيحة، أو تكبيرة، أو تحميدة، ويتنحنح، فيؤذن أهل البيت» هذا حديث غريب، وقال قتادة في قوله تعالى حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا هو الاستئذان ثلاثا، فمن لم يؤذن له منهم فليرجع، أما الأولى فليسمع الحي؛ وأما الثانية فليأخذوا حذرهم.
وأما الثالثة فإن شاءوا أذنوا وإن شاءوا ردوا، ولا تقفن على باب قوم ردوك عن بابهم، فإن للناس حاجات، ولهم أشغال، والله أولى بالعذر. وقال مقاتل بن حيان في قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها كان الرجل في الجاهلية إذا لقي صاحبه لا يسلم عليه، ويقول: حييت صباحا، وحييت مساء. وكان ذلك تحية القوم بينهم، وكان أحدهم ينطلق إلى صاحبه فلا يستأذن حتى يقتحم، ويقول: قد دخلت ونحو ذلك، فيشق ذلك على الرجل، ولعله يكون مع أهله. فغير الله ذلك كله، في ستر وعفة، وجعله نقيا نزها من الدنس والقذر والدرن فقال تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها الآية وهذا الذي قاله مقاتل حسن).
٢ - بمناسبة قوله تعالى قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ...
قال ابن كثير: (هو أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين أن يغضوا من أبصارهم عما حرم عليهم، فلا ينظروا إلا إلى ما أباح لهم النظر إليه، وأن يغضوا أبصارهم عن المحارم، فإن اتفق أن وقع البصر على محرم من غير قصد فليصرف بصره عنه سريعا، كما رواه مسلم في صحيحه من حديث يونس بن عبيد ... عن جرير بن عبد الله البجلي
стр. 3562
رضي الله عنه قال: سألت النبي ﷺ عن نظرة الفجأة فأمرني أن أصرف بصري وكذا رواه الإمام أحمد ... وفي رواية لبعضهم فقال «أطرق بصرك» يعني: انظر إلى الأرض، والصرف أعم، فإنه قد يكون إلى الأرض وإلى جهة أخرى، والله أعلم، وقال أبو داود ... عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ لعلي: «يا علي لا تتبع النظرة النظرة؛ فإن لك الأولى وليس لك الآخرة» وفي الصحيح عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «إياكم والجلوس على الطرقات»، قالوا يا رسول الله لا بد لنا من مجالسنا نتحدث فيها، فقال رسول الله ﷺ «إن أبيتم فأعطوا الطريق حقه قالوا وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال «غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر» وقال أبو القاسم البغوي حدثنا طالوت بن عباد، حدثنا فضيل بن حسين، سمعت أبا أمامة يقول:
سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اكفلوا لي ستا أكفل لكم الجنة، إذا حدث أحدكم فلا يكذب، وإذا اؤتمن فلا يخن، وإذا وعد فلا يخلف، وغضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم، واحفظوا فروجكم» وفي صحيح البخاري «من يكفل لي ما بين لحييه، وما بين رجليه، أكفل له الجنة» وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة قال: كل ما عصي الله به فهو كبيرة، وقد ذكر الطرفين فقال قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ ولما كان النظر داعية إلى فساد القلب كما قال بعض السلف: النظر سهم سم إلى القلب. ولذلك أمر الله بحفظ الفروج، كما أمر بحفظ الأبصار التي هي بواعث إلى ذلك فقال تعالى قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ وحفظ الفرج تارة يكون بمنعه من الزنا، كما قال تعالى وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ الآية (المعارج: ٢٩). وتارة يكون بحفظه من النظر إليه كما جاء في الحديث في مسند أحمد والسنن «احفظ عورتك إلا من زوجتك، أو ما ملكت يمينك» ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ أي أطهر لقلوبهم واتقى لدينهم، كما قيل:
من حفظ بصره أورثه الله نورا في بصيرته، ويروى في قلبه. وروى الإمام أحمد حدثنا عتاب حدثنا عبد الله بن المبارك أخبرنا يحيى بن أبي أيوب عن عبيد الله بن زحر، عن علي ابن زيد عن القاسم عن أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ما من مسلم ينظر إلى محاسن امرأة ثم يغض بصره إلا أخلف الله له عبادة يجد حلاوتها» وروى هذا مرفوعا عن أبي عمر وحذيفة وعائشة ﵃، ولكن في أسانيدها ضعف إلا أنها في الترغيب، ومثله يتسامح فيه، وفي
الطبراني من طريق عبيد الله بن يزيد عن علي بن
стр. 3563
يزيد، عن القاسم عن أبي أمامة مرفوعا «لتغضن أبصاركم، ولتحفظن فروجكم، ولتقيمن وجوهكم، أو لتكسفن وجوهكم».
وقال الطبراني حدثنا أحمد بن زهير التستري قال: قرأنا على محمد بن حفص بن عمر الضرير المقري حدثنا يحيى بن أبي بكير حدثنا حريم بن سفيان عن عبد الرحمن بن إسحاق عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إن النظر سهم من سهام إبليس مسموم، من تركه مخافتي أبدلته إيمانا يجد حلاوته في قلبه» وقوله تعالى إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ كما قال تعالى يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ (غافر: ١٩) وفي الصحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة، فزنا العينين النظر، وزنا اللسان النطق، وزنا الأذنين الاستماع، وزنا اليدين البطش، وزنا الرجلين الخطى، والنفس تمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه» رواه البخاري تعليقا، ومسلم مسندا من وجه آخر بنحو ما ذكر. وقد قال كثير من السلف إنهم كانوا ينهون أن يحد الرجل نظره إلى الأمرد وقد شدد كثير من أئمة الصوفية في ذلك، وحرمه طائفة من أهل العلم؛ لما فيه من الافتتان، وشدد آخرون في ذلك كثيرا جدا، وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا أبو سعيد المدني حدثنا عمر بن سهل المازني حدثني عمر بن صهبان عن صفوان بن سليم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «كل عين باكية يوم القيامة، إلا عينا غضت من محارم الله، وعينا سهرت في سبيل الله، وعينا يخرج منها مثل رأس الذباب من خشية الله .
٣ - ذكر ابن كثير مجموع ما قاله العلماء في الآية وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ ... ونلاحظ أن بعض الآيات كان للعلماء فيها وجهتا نظر، كستر الوجه مثلا، فمنهم من يعتبره مفروضا، وقد عرض ابن كثير أدلة الطرفين، والذي نراه في هذا الموضوع وغيره أن القول الأدنى هو الرخصة، والقول الأعلى هو العزيمة، وما دام المسلم في الأدنى فلا حرج، وإذا ارتقى إلى الأعلى فذلك الأكمل، وهذه وجهة نظر لبعضهم، إذ يرى أن كل ما اختلف فيه أئمة الاجتهاد فإنه يدور ما بين رخصة وعزيمة، والورع هو الأطيب، ولا يحق للآخذ بالرخصة أن ينكر على من يبتغي الكمال، كما ليس للعامل في العزيمة أن يطالب كل الناس بالحد الأعلى، ثم إذا ترجح لأحد وجهة نظر لدليل- وخاصة إذا كان من أهل النظر- فعليه أن يعمل به، وله أن يدعو له
стр. 3564
بالإحسان، ولكن ليس له أن يشتد على من خالفه ما دام على رأي للأئمة، وفي هذا المقام نحب أن نسجل ملاحظة: هي أن هناك أقوالا تسع عصرا من العصور، فمن المصلحة في هذه الحالة ألا نعارض مثل هذه الأقوال، إذا كان عليها بعض أئمة الاجتهاد، لأن طاقة الناس ليست واحدة في مجابهة الضغوط الاجتماعية، فإذا اتضح هذا المقام فلننقل كلام ابن كثير كله في هذه الآية؛ فإنه استوعب الأقوال كلها قال في الآية: (هذا أمر من الله تعالى للنساء المؤمنات، وغيرة منه لأزواجهن عبادة المؤمنين، وتمييز لهن عن صفة نساء الجاهلية، وفعال المشركات، وكان سبب نزول هذه الآية ما ذكر مقاتل بن حيان قال: بلغنا- والله أعلم- أن جابر بن عبد الله الأنصاري حدث أن أسماء بنت مرثد كانت في محل لها في بني حارثة، فجعل النساء يدخلن عليها غير متزرات، فيبدو ما في أرجلهن من الخلاخل، وتبدو صدورهن وذوائبهن، فقالت أسماء: ما أقبح هذا، فأنزل الله تعالى وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ الآية، فقوله تعالى وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ أي عما حرم الله عليهن من النظر إلى غير أزواجهن، ولهذا ذهب كثير من العلماء إلى أنه لا يجوز للمرأة النظر إلى الرجال الأجانب بشهوة ولا بغير شهوة أصلا، واحتج كثير منهم بما رواه أبو داود والترمذي من حديث الزهري ... أن أم سلمة كانت عند رسول الله ﷺ وميمونة فقالت: فبينما نحن عنده أقبل ابن أم مكتوم فدخل عليه، وذلك بعد ما أمرنا بالحجاب فقال رسول الله ﷺ : «احتجبا منه» فقلت: يا رسول الله أليس هو أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا؟ فقال رسول الله ﷺ : «أوعمياوان أنتما، أو ألستما تبصرانه؟» ثم قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح، وذهب آخرون من العلماء إلى جواز نظرهن إلى الأجانب بغير شهوة، كما ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ جعل ينظر إلى الحبشة وهم يلعبون بحرابهم يوم العيد في المسجد، وعائشة أم المؤمنين تنظر إليهم من ورائه، وهو يسترها منهم، حتى ملت ورجعت. وقوله وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ قال سعيد بن جبير: عن الفواحش، وقال قتادة وسفيان: عما لا يحل لهن، وقال مقاتل: عن الزنا، وقال أبو العالية: كل آية نزلت في القرآن يذكر فيها حفظ الفروج فهو من الزنا إلا هذه الآية وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ أن لا يراها أحد، وقوله تعالى وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها أي لا يظهرن شيئا من الزينة للأجانب، إلا ما لا يمكن إخفاؤه، قال ابن مسعود: كالرداء والثياب، يعني على ما كان يتعاطاه نساء العرب من المقنعة التي تجلل ثيابها، وما يبدو من أسافل الثياب، فلا حرج عليها فيه؛ لأن هذا لا يمكنها إخفاؤه،
стр. 3565
ونظيره في زي النساء ما يظهر من إزارها وما لا يمكن إخفاؤه، وقال بقول ابن مسعود الحسن وابن سيرين وأبو الجوزاء وإبراهيم النخعي وغيرهم، وقال الأعمش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها قال وجهها وكفيها والخاتم. وروي عن ابن عمر وعطاء وعكرمة وسعيد بن جبير وأبي الشعثاء والضحاك وإبراهيم النخعي وغيرهم نحو ذلك، وهذا يحتمل أن يكون تفسيرا للزينة التي نهين عن إبدائها، كما قال أبو إسحاق السبيعي عن أبي الأحوص عن عبد الله قال في قوله وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ الزينة القرط والدملج والخلخال والقلادة، وفي رواية عنه بهذا الإسناد قال: الزينة زينتان: فزينة لا يراها إلا الزوج: الخاتم والسوار، وزينة يراها الأجانب وهي الظاهر من الثياب وقال الزهري: لا يبدين لهؤلاء الذين سمى الله ممن لا تحل له إلا الأسورة والأخمرة والأقرطة من غير حسر، وأما عامة الناس فلا يبدو منها إلا الخواتم، وقال مالك عن الزهري إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها الخاتم والخلخال، ويحتمل أن ابن عباس ومن تابعه أرادوا تفسير ما ظهر منها بالوجه والكفين،
وهذا هو المشهور عند الجمهور ويستأنس له بالحديث الذي رواه أبو داود في سننه، حدثنا يعقوب بن كعب الأنطاكي، ومؤمل بن الفضل الحراني قالا: حدثنا الوليد عن سعيد بن بشير عن قتادة عن خالد بن دريك عن عائشة ﵂ أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على النبي ﷺ وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها وقال: «يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا، وأشار إلى وجهه وكفيه» لكن قال أبو داود وأبو حاتم الرازي هو مرسل. خالد بن دريك لم يسمع من عائشة ﵂ والله أعلم، وقوله تعالى وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ يعني المقانع، يعمل لها صفات ضاربات على صدورهن لتواري ما تحتها من صدرها وترائبها؛ ليخالفن شعار نساء أهل الجاهلية؛ فإنهن لم يكن يفعلن ذلك، بل كانت المرأة منهن تمر بين الرجال مسفحة بصدرها لا يواريه شئ، وربما أظهرت عنقها وذوائب شعرها، وأقرطة آذانها، فأمر الله المؤمنات أن يستترن في هيئاتهن وأحوالهن كما قال تعالى يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ (الأحزاب: ٥٩) وقال في هذه الآية الكريمة وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ والخمر: جمع خمار وهو ما يخمر به أي يغطى به الرأس، وهي التي تسميها الناس المقانع. قال سعيد بن جبير وَلْيَضْرِبْنَ وليشددن بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ يعني: على النحر والصدر، فلا يرى منه شئ وقال البخاري وقال أحمد بن شبيب:
стр. 3566
حدثنا أبي عن يونس عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة ﵂ قالت: يرحم الله نساء المهاجرات الأول لما أنزل الله وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ شققن مروطهن فاختمرن بها. وقال أيضا حدثنا أبو نعيم حدثنا إبراهيم بن نافع عن الحسن بن مسلم عن صفية بنت شيبة أن عائشة ﵂ كانت تقول لما نزلت الآية وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ: أخذن أزرهن فشققنها من قبل الحواشي فاختمرن بها. وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس حدثني الزنجي بن خالد حدثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم عن صفية بنت شيبة قالت: بينما نحن عند عائشة قالت: فذكرنا نساء قريش وفضلهن، فقالت عائشة ﵂: إن لنساء قريش لفضلا، وإني والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار، وأشد تصديقا لكتاب الله، ولا إيمانا بالتنزيل. لقد أنزلت سورة النور وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ انقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل الله إليهم فيها، ويتلو الرجل على امرأته وبنته وأخته، وعلى كل ذي قرابته، فما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها المرحل فاعتجرت به تصديقا وإيمانا بما أنزل الله من كتابه، فأصبحن وراء رسول الله ﷺ معتجرات، كأن على رءوسهن الغربان. ورواه أبو داود من غير وجه عن صفية بنت شيبة به، وقال ابن جرير حدثنا يونس أخبرنا ابن وهب أن قرقرة بن عبد الرحمن أخبره عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة قالت: يرحم الله النساء المهاجرات الأول لما أنزل الله وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ شققن أكنف مروطهن فاختمرن بها. ورواه أبو داود من حديث ابن وهب به، وقوله تعالى وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أي أزواجهن أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ كل هؤلاء محارم للمرأة يجوز لها أن تظهر بزينتها، ولكن من غير تبرج، وقد روى ابن المنذر حدثنا موسى- يعني ابن هارون- حدثنا أبو بكر- يعني ابن أبي شيبة- حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة أخبرنا داود عن الشعبي وعكرمة في هذه الآية وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ حتى فرغ منها وقال: لم يذكر العم، ولا الخال، لأنهما ينعتان لأبنائهما، ولا تضع خمارها عند العم والخال، فأما الزوج فإنما ذلك كله من أجله، فتتصنع له بما لا يكون بحضرة غيره. وقوله أَوْ نِسائِهِنَّ يعني: تظهر بزينتها أيضا للنساء المسلمات دون نساء أهل الذمة؛ لئلا تصفهن لرجالهن، وذلك وإن كان محذورا في جميع النساء إلا أنه في نساء أهل الذمة أشد؛ فإنهن لا يمنعهن من ذلك مانع، فأما المسلمة فإنها تعلم أن ذلك
стр. 3567
حرام فتنزجر عنه، وقد قال رسول الله ﷺ «لا تباشر المرأة المرأة تنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها» وأخرجاه في الصحيحين عن ابن مسعود، وروى سعيد بن منصور في سننه عن الحارث بن قيس أن عمر بن الخطاب كتب إلى أبي عبيدة: أما بعد فإنه بلغني أن نساء من نساء المسلمين يدخلن الحمامات مع نساء أهل الشرك، فانه من قبلك فلا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن ينظر إلى عورتها إلا أهل ملتها. وقال مجاهد في قوله أَوْ نِسائِهِنَّ قال: نساؤهن المسلمات، ليس المشركات من نسائهن، وليس للمرأة المسلمة أن تنكشف بين يدي مشركة. وروى عبد الله في تفسيره عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أَوْ نِسائِهِنَّ قال: هن المسلمات، لا تبديه ليهودية ولا نصرانية، وهو النحر والقرط والوشاح، وما لا يحل أن يراه إلا محرم، وروى سعيد حدثنا جرير عن ليث عن مجاهد قال: لا تضع المسلمة خمارها عند مشركة؛ لأن الله تعالى يقول أَوْ نِسائِهِنَّ فليست من نسائهن. وعن مكحول وعبادة بن نسي أنهما كرها أن تقبل النصرانية واليهودية والمجوسية المسلمة، فأما ما رواه ابن أبي حاتم عن عطاء قال: لما قدم أصحاب رسول الله ﷺ بيت المقدس كان قوابل نسائهن اليهوديات والنصرانيات، فهذا إن صح فمحمول على حال الضرورة، أو أن ذلك من باب الامتهان، ثم إنه ليس فيه كشف عورة ولا بد والله أعلم.
وقوله تعالى أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ قال ابن جرير يعني من نساء المشركين، فيجوز لها أن تظهر زينتها لها، وإن كانت مشركة لأنها أمتها، وإليه ذهب سعيد بن المسيب، وقال الأكثرون بل يجوز لها أن تظهر على رقيقها من الرجال والنساء، واستدلوا بالحديث الذي رواه أبو داود عن ثابت عن أنس أن النبي ﷺ أتى فاطمة بعبد قد وهبه لها، وعلى فاطمة ثوب، إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها، وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها، فلما رأى النبي ﷺ ما تلقي قال: «إنه ليس عليك بأس إنما هو أبوك وغلامك». وقد ذكر الحافظ بن عساكر في تاريخه في ترجمة خديج الحمصي مولى معاوية أن عبد الله بن مسعدة الفزاري كان أسود شديد الأدمة، وأنه قد كان النبي ﷺ وهبه لابنته فاطمة فربته ثم أعتقته. ثم قد كان بعد ذلك كله مع معاوية أيام صفين، وكان من أشد الناس على علي بن أبي طالب ﵁، وروى الإمام أحمد عن أم سلمة ذكرت أن رسول الله ﷺ قال: «إذا كان لإحداكن مكاتب، وكان له ما يؤدي فلتحتجب منه»
ورواه أبو داود عن مسدد عن سفيان به. وقوله تعالى أَوْ
стр. 3568
التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ يعني كالأجراء والأتباع الذين ليسوا بأكفاء، وهم مع ذلك في عقولهم وله، ولا هم لهم إلى النساء ولا يشتهونهن. قال ابن عباس:
هو المغفل الذي لا شهوة له. وقال مجاهد: هو الأبله، وقال عكرمة: هو المخنث الذي لا يقوم ذكره، وكذلك قال غير واحد من السلف. وفي الصحيح من حديث الزهري عن عروة عن عائشة أن مخنثا كان يدخل على أهل رسول الله ﷺ ، وكانوا يعدونه من غير أولي الإربة، فدخل النبي ﷺ وهو ينعت امرأة، يقول: إنها إذا أقبلت أقبلت بأربع، وإذا أدبرت أدبرت بثمان فقال رسول الله ﷺ «ألا أرى هذا يعلم ما هاهنا لا يدخلن عليكم» فأخرجه، فكان بالبيداء يدخل كل يوم جمعة يستطعم. وروى الإمام أحمد عن أم سلمة أنها قالت: دخل عليها رسول الله ﷺ وعندها مخنث وعندها عبد الله ابن أمية يعني أخاها والمخنث يقول: يا عبد الله إن فتح الله عليكم الطائف غدا فعليك بابنة غيلان فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان، قال فسمعه رسول الله ﷺ فقال لأم سلمة «لا يدخلن هذا عليك» أخرجاه في الصحيحين من حديث هشام بن عروة. وقال الإمام أحمد عن عائشة ﵂ قالت: كان رجل يدخل على أزواج النبي ﷺ مخنثا، وكانوا يعدونه من غير أولي الإربة، فدخل النبي ﷺ وهو ينعت امرأة، فقال:
إنها إذا أقبلت أقبلت بأربع، وإذا أدبرت أدبرت بثمان، فقال النبي ﷺ : «ألا أرى هذا يعلم ما هاهنا، لا يدخلن عليكم هذا» فحجبوه ورواه مسلم وأبو داود والنسائي من طريق عبد الرزاق به عن أم سلمة. وقوله تعالى أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ يعني لصغرهم، لا يفهمون أحوال النساء وعوراتهن من كلامهن الرخيم، وتعطفهن في المشية، وحركاتهن وسكناتهن، فإذا كان الطفل صغيرا لا يفهم ذلك فلا بأس بدخوله على النساء، فأما إن كان مراهقا أو قريبا منه، بحيث يعرف ذلك ويدريه، ويفرق بين الشوهاء والحسناء، فلا يمكن من الدخول على النساء، وقد ثبت في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال «إياكم والدخول على النساء» قيل يا رسول الله أفرأيت الحمو؟ قال «الحمو الموت» وقوله تعالى وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ الآية كانت المرأة في الجاهلية إذا كانت تمشي في الطريق، وفي رجلها خلخال صامت، لا يعلم صوته ضربت برجلها الأرض، فيسمع الرجال طنينه، فنهى الله المؤمنات عن مثل ذلك، وكذا إذا كان شئ من زينتها مستورا فتحركت بحركة لتظهر ما هو خفي، دخل في هذا النهي ولقوله تعالى وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ إلى آخره، ومن ذلك أنها تنهى عن التعطر والتطيب عند خروجها من بيتها، فيشم الرجال طيبها، فقد قال أبو
стр. 3569
عيسى الترمذي عن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال «كل عين زانية، والمرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس فهي كذا وكذا». يعني زانية، قال: وفي الباب عن أبي هريرة وهذا حسن صحيح ورواه أبو داود والنسائي من حديث ثابت بن عمارة به. وقال أبو داود عن أبي هريرة ﵁ قال: لقيته امرأة شم منها ريح الطيب، ولذيلها إعصار، فقال يا أمة الجبار جئت من المسجد؟ قالت: نعم. قال لها:
تطيبت؟ قالت: نعم. قال إني سمعت حبيبي أبا القاسم ﷺ يقول: «لا يقبل الله صلاة امرأة تطيبت لهذا المسجد، حتى ترجع فتغسل غسلها من الجنابة» ورواه ابن ماجه. عن أبي بكر بن أبي شيبة عن سفيان هو ابن عيينة به. وروى الترمذي أيضا من حديث موسى بن عبيدة عن أيوب بن خالد عن ميمونة بنت سعد أن رسول الله ﷺ قال: «الرافلة في الزينة في غير أهلها كمثل ظلمة يوم القيامة لا نور لها».
ومن ذلك أيضا أنهن ينهين عن المشي في وسط الطريق، لما فيه من التبرج قال أبو داود عن حمزة بن أبي أسيد الأنصاري عن أبيه أنه سمع النبي ﷺ وهو خارج من المسجد، وقد اختلط الرجال مع النساء في الطريق فقال رسول الله ﷺ للنساء:
«استأخرن فإنه ليس لكن أن تحتضن الطريق، عليكن بحافات الطريق» فكانت المرأة تلصق بالجدار حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به. وقوله تعالى وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ أي افعلوا ما أمركم به من هذه الصفات الجميلة، والأخلاق الجليلة، واتركوا ما كان عليه أهل الجاهلية من الأخلاق والصفات الرذيلة، فإن الفلاح كل الفلاح في فعل ما أمر الله به ورسوله، وترك ما نهيا عنه، والله تعالى هو المستعان).
٤ - عند قوله تعالى وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ قال ابن كثير: (هذا أمر بالتزويج وقد ذهب طائفة من العلماء إلى وجوبه، على كل من قدر، واحتجوا بظاهر قوله ﵊ «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» أخرجاه في الصحيحين من حديث ابن مسعود وقد جاء في السنن من غير وجه أن رسول الله ﷺ قال:
«تزوجوا الولود تناسلوا؛ فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة» وفي رواية «حتى بالسقط» والأيامى: جمع أيم، ويقال ذلك للمرأة التي لا زوج لها، وللرجل الذي لا زوجة له،
стр. 3570
وسواء كان قد تزوج ثم فارق، أو لم يتزوج واحد منهما حكاه الجوهري عن أهل اللغة، يقال رجل أيم وامرأة أيم وقوله إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ الآية. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: رغبهم الله في التزويج، وأمر به الأحرار والعبيد، ووعدهم عليه الغنى فقال إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وقال ابن أبي حاتم ... أن أبا بكر الصديق ﵁ قال: أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح، ينجز لكم ما وعدكم من الغنى قال تعالى إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وعن ابن مسعود «التمسوا الغنى في النكاح» يقول الله تعالى إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ رواه ابن جرير وذكر البغوي عن عمر نحوه وعن الليث ... عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «ثلاثة حق على الله عونهم: الناكح يريد العفاف، والمكاتب يريد الأداء، والغازي في سبيل الله» وقد زوج النبي صلى الله
عليه وسلم ذلك الرجل الذي لم يكن عليه إلا إزاره، ولم يقدر على خاتم من حديد، ومع هذا فزوجه بتلك المرأة، وجعل صداقها عليه أن يعلمها ما معه من القرآن. والمعهود من كرم الله تعالى ولطفه أن يرزقه ما فيه كفاية لها وله، وأما ما يورده كثير من الناس على أنه حديث «تزوجوا فقراء يغنكم الله» فلا أصل له، ولم أره باسناد قوي ولا ضعيف إلى الآن. وفي القرآن غنية عنه، وكذا هذه الأحاديث التي أوردناها ولله الحمد والمنة).
٥ - وعند قوله تعالى وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ قال ابن كثير: (هذا أمر من الله تعالى لمن لا يجد تزويجا بالتعفف عن الحرام كما قال ﷺ «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء» الحديث، وهذه الآية مطلقة، والتي في سورة النساء أخص منها وهي قوله وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ إلى قوله تعالى وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ أي صبركم عن تزوج الإماء خير لكم، لأن الولد يجئ رقيقا قال عكرمة في قوله وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً قال هو الرجل يرى المرأة فكأنه يشتهي، فإن كانت له امرأة فليذهب إليها وليقض حاجته منها، وإن لم يكن له امرأة فلينظر إلى ملكوت السموات والأرض حتى يغنيه الله).
٦ - رأينا أن هناك اتجاهين للمفسرين في قوله تعالى فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ
стр. 3571
خَيْراً هل هذا الأمر للندب أو هو للوجوب، ولننقل كل ما قاله ابن كثير في هذا الموضوع: ثم نعقب تعقيبا خفيفا على موضوع الرق.
قال ابن كثير: (هذا أمر من الله تعالى للسادة، إذا طلب عبيدهم منهم أن يكاتبوهم، بشرط أن يكون للعبد حيلة وكسب يؤدي إلى سيده المال الذي شارطه على أدائه، وقد ذهب كثير من العلماء إلى أن هذا الأمر أمر إرشاد واستحباب، لا أمر تحتم وإيجاب، بل السيد مخير إذا طلب منه عبده الكتابة، إن شاء كاتبه، وإن شاء لم يكاتبه، قال الثوري عن جابر عن الشعبي: إن شاء كاتبه وإن شاء لم يكاتبه، وكذا روى ابن وهب ... عن عطاء بن أبي رياح: إن يشأ كاتبه، وإن يشأ لم يكاتبه، وكذا قال مقاتل بن حيان والحسن البصري، وذهب آخرون إلى إنه يجب على السيد إذا طلب منه عبده أن يجيبه إلى ما طلب؛ أخذا بظاهر هذا الأمر. وقال البخاري، وقال روح ابن جريج قلت لعطاء: أواجب علي إذا علمت له مالا أن أكاتبه؟ قال: ما أراه إلا واجبا، وقال عمرو بن دينار قلت لعطاء: أتأثره عن أحد؟ قال: لا، ثم أخبرني أن موسى بن أنس أخبره أن سيرين سأل أنسا المكاتبة، وكان كثير المال فأبى فانطلق إلى عمر ﵁، فقال: كاتبه، فأبى فضربه بالدرة ويتلو عمر ﵁ فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً فكاتبه هكذا ذكره البخاري معلقا، ورواه عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج قال قلت لعطاء: أواجب علي إذا علمت له مالا أن أكاتبه؟
قال ما أراه إلا واجبا. وقال ابن جرير ... عن أنس بن مالك أن سيرين أراد أن يكاتبه فتلكأ عليه، فقال له عمر لتكاتبنه. إسناد صحيح، وروى سعيد بن منصور ... عن الضحاك قال: هي عزمة، وهذا هو القول القديم من قولي الشافعي، وذهب في الجديد إلى أنه لا يجب لقوله ﵊ «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس» وقال ابن وهب قال مالك: الأمر عندنا أنه ليس على سيد العبد أن يكاتبه إذا سأله ذلك، ولم أسمع أحدا من الأئمة أكره أحدا على أن يكاتب عبده، قال مالك: وإنما ذلك أمر من الله تعالى، وإذن منه للناس، وليس بواجب، وكذا قال الثوري وأبو حنيفة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم، واختار ابن جرير قول الوجوب لظاهر الآية وقوله تعالى إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً قال بعضهم أمانة، وقال بعضهم صدقا، وقال بعضهم مالا، وقال بعضهم حيلة وكسبا، وروى أبو داود في المراسيل عن يحيى ابن أبي كثير قال: قال رسول الله ﷺ فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً قال تعالى «إن علمتم فيهم حرفة ولا ترسلوهم كلا على الناس».
стр. 3572
تعقيب:
الرق إما استمرار لوضع وجد قبل الإسلام، أو هو مبتدأ بعد الإسلام، وما كان مبتدأ بعد الإسلام، فإما أنه بسبب من وجوده عند الآخرين، فيشتري المسلم منهم، وإما بسبب الحرب. وإن نظام الرق في الإسلام- كأثر من آثار الحرب- هو أرفق ملايين المرات من الأسر ونظام السخرة. وفتح باب المكاتبة لا يبقي مجالا لأحد يرغب في الحرية إلا ويطالها والمسلمون أعطاهم دينهم من السعة ما يستطيعون به أن يتعاملوا مع الشعوب بمثل ما تعاملهم به الشعوب، بل أكمل، ولكن يبقى نظام الرق مقررا وللمسلمين إذا رأوا مصلحة باستئنافه أن يستأنفوه، إلا إذا دخلوا في معاهدات دولية- لمصلحة إسلامية- فعليهم الوفاء بها.
قارن بين هاتين الصورتين:
في الحرب العالمية الثانية أسرت الأطراف المتحاربة من بعضها الأعداد الهائلة، وقد ادعى الروس أن الألمان أسروا لهم ستة ملايين لم ينج منهم إلا مليون، وكان الأسرى خلال الحرب في معسكرات اعتقال رجالا ونساء، وكان الحرمان والإذلال والجوع والعطش والبرد والحر بعض ما أصابهم، وكانت الفوضى الجنسية هي الأساس. قارن هذه الصورة بما يحدث إسلاميا:
خيرنا الإسلام أثناء الحرب بالنسبة للأسرى خيارات متعددة، أحدها الاسترقاق، فيوزع الأسرى على المقاتلين، ومن كان من الخمس وزع على مستحقه، ومن حق الرقيق على سيده أن يطعمه مما يطعم، وأن يلبسه مما يلبس، وأن يسكنه السكن المناسب، ثم إن كان للرقيق قدرة على العمل والكسب- بحيث يستطيع أن يؤدي ثمن نفسه- يستطيع أن يطالب بالمكاتبة، وإذا كاتب طولب المسلمون بمساعدته، فإذا أدى الذي عليه أصبح حرا، وفي هذه الحالة يصبح جزءا من المجتمع الإسلامي له حق المواطنة كبقية أبناء الوطن الإسلامي، سواء أسلم أو لم يسلم، قارن بين هاتين الصورتين لترى أن الصورة الثانية هي الأرفق والأرحم، ومع هذا فإن الاسترقاق هو أحد الخيارات التي أعطيت لأمير المؤمنين في معاملة الأسرى.
٧ - بمناسبة قوله تعالى وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ. نقل ابن
стр. 3573
كثير الآثار الواردة في سبب نزولها ونحن نجتزئ من ذلك ما يلي:
(قال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا الزهري قال: كانت جارية لعبد الله بن أبي بن سلول يقال لها معاذة، يكرهها على الزنا، فلما جاء الإسلام نزلت وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ الآية، وروى الأعمش عن جابر في هذه الآية قال: نزلت في أمة لعبد الله ابن أبي بن سلول يقال لها مسيكة، وكان يكرهها على الفجور، وكانت لا بأس بها فتأبى فأنزل الله هذه الآية وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إلى قوله وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ وروى النسائي من حديث ابن جرير عن أبي الزبير عن جابر نحوه وروى الحافظ أبو بكر البزار عن جابر قال كان لعبد الله بن أبي بن سلول جارية يقال لها مسيكة، وكان يكرهها على البغاء فأنزل الله وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إلى قوله وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ ...
وقال مقاتل بن حيان: بلغني- والله أعلم- أن هذه الآية نزلت في رجلين كانا يكرهان أمتين لهما أحدهما اسمها مسيكة، وكانت للأنصار، وكانت أميمة أم مسيكة لعبد الله بن أبي، وكانت معاذة وأروى بتلك المنزلة، فأتت مسيكة وأمها النبي ﷺ فذكرتا ذلك له، فأنزل الله في ذلك وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ يعني الزنا.
٨ - للنسفي كلام جميل أثناء حديثه عن المكاتبين إذ عبر من الحديث عن أنواع العبيد للناس إلى أنواع العبيد لله فقال:
(واعلم أن العبيد أربعة: قن مقتنى للخدمة، ومأذون في التجارة، ومكاتب، وآبق.
فمثال الأول ولي العزلة الذي حصل العزلة بإيثار الخلوة وترك العشرة. والثاني ولي العشرة، فهو نجي الحضرة، يخالط الناس للخبرة، وينظر إليهم بالعبرة، ويأمرهم بالعبرة، فهو خليفة رسول الله ﷺ ، يحكم بحكم الله، ويأخذ لله، ويعطي في الله، ويفهم عن الله، ويتكلم مع الله، فالدنيا سوق تجارته، والعقل رأس بضاعته، والعدل في الغضب والرضا ميزانه، والقصد في الفقر والغنى عنوانه، والعلم مفزعه ومنحاه، والقرآن كتاب الإذن من مولاه، هو كائن في الناس بظواهره، بائن منهم بسرائره، فقد هجرهم فيما له عليهم في الله باطنا، ثم وصلهم فيما لهم عليه ظاهرا.
وما هو منهمو بالعيش فيهم ... ولكن معدن الذهب الرغام
стр. 3574
يأكل ما يأكلون، ويشرب ما يشربون، وما يدريهم أنه ضيف الله، يرى السموات والأرض قائمات بأمره، وكأنه قيل فيه:
فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال
فحال ولي العزلة أصفى وأحلى، وحال ولي العشرة أوفى وأعلى. ونزل الأول من الثاني في حضرة الرحمن منزلة النديم من الوزير عند السلطان، أما النبي ﵊ فهو كريم الطرفين، ومعدن الشذرين، ومجمع الحالين، ومنبع الزلالين، فباطن أحواله مهتدى ولي العزلة، وظاهر أعماله مقتدى ولي العشرة، والثالث: المجاهد المحاسب، العامل المطالب بالضرائب، كنجوم المكاتب، عليه في اليوم والليلة خمس، وفي المائتي درهم خمسة، وفي السنة شهر، وفي العمر زورة، فكأنه اشترى نفسه من ربه بهذه النجوم المرتبة، فيسعى في فكاك رقبته خوفا من البقاء في ربقة العبودية، وطمعا في فتح باب الحرية، ليسرح في رياض الجنة، فيتمتع بمبياه، ويفعل ما يشاؤه ويهواه، والرابع: الأباق فما أكثرهم، فمنهم القاضي الجائر، والعالم غير العامل، والعامل المرائي، والواعظ الذي لا يفعل ما يقول، ويكون أكثر أقواله الفضول، وعلى كل ما لا ينفعه يصول، فضلا عن السارق والزاني والغاصب فعنهم أخبر النبي ﵊: «إن الله لينصر هذا الدين بقوم لا خلاق لهم في الآخرة).
***