← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.

стр. 3571

خَيْراً هل هذا الأمر للندب أو هو للوجوب، ولننقل كل ما قاله ابن كثير في هذا الموضوع: ثم نعقب تعقيبا خفيفا على موضوع الرق. قال ابن كثير: (هذا أمر من الله تعالى للسادة، إذا طلب عبيدهم منهم أن يكاتبوهم، بشرط أن يكون للعبد حيلة وكسب يؤدي إلى سيده المال الذي شارطه على أدائه، وقد ذهب كثير من العلماء إلى أن هذا الأمر أمر إرشاد واستحباب، لا أمر تحتم وإيجاب، بل السيد مخير إذا طلب منه عبده الكتابة، إن شاء كاتبه، وإن شاء لم يكاتبه، قال الثوري عن جابر عن الشعبي: إن شاء كاتبه وإن شاء لم يكاتبه، وكذا روى ابن وهب ... عن عطاء بن أبي رياح: إن يشأ كاتبه، وإن يشأ لم يكاتبه، وكذا قال مقاتل بن حيان والحسن البصري، وذهب آخرون إلى إنه يجب على السيد إذا طلب منه عبده أن يجيبه إلى ما طلب؛ أخذا بظاهر هذا الأمر. وقال البخاري، وقال روح ابن جريج قلت لعطاء: أواجب علي إذا علمت له مالا أن أكاتبه؟ قال: ما أراه إلا واجبا، وقال عمرو بن دينار قلت لعطاء: أتأثره عن أحد؟ قال: لا، ثم أخبرني أن موسى بن أنس أخبره أن سيرين سأل أنسا المكاتبة، وكان كثير المال فأبى فانطلق إلى عمر ﵁، فقال: كاتبه، فأبى فضربه بالدرة ويتلو عمر ﵁ فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً فكاتبه هكذا ذكره البخاري معلقا، ورواه عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج قال قلت لعطاء: أواجب علي إذا علمت له مالا أن أكاتبه؟ قال ما أراه إلا واجبا. وقال ابن جرير ... عن أنس بن مالك أن سيرين أراد أن يكاتبه فتلكأ عليه، فقال له عمر لتكاتبنه. إسناد صحيح، وروى سعيد بن منصور ... عن الضحاك قال: هي عزمة، وهذا هو القول القديم من قولي الشافعي، وذهب في الجديد إلى أنه لا يجب لقوله ﵊ «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس» وقال ابن وهب قال مالك: الأمر عندنا أنه ليس على سيد العبد أن يكاتبه إذا سأله ذلك، ولم أسمع أحدا من الأئمة أكره أحدا على أن يكاتب عبده، قال مالك: وإنما ذلك أمر من الله تعالى، وإذن منه للناس، وليس بواجب، وكذا قال الثوري وأبو حنيفة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم، واختار ابن جرير قول الوجوب لظاهر الآية وقوله تعالى إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً قال بعضهم أمانة، وقال بعضهم صدقا، وقال بعضهم مالا، وقال بعضهم حيلة وكسبا، وروى أبو داود في المراسيل عن يحيى ابن أبي كثير قال: قال رسول الله ﷺ فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً قال تعالى «إن علمتم فيهم حرفة ولا ترسلوهم كلا على الناس».

стр. 3572

تعقيب: الرق إما استمرار لوضع وجد قبل الإسلام، أو هو مبتدأ بعد الإسلام، وما كان مبتدأ بعد الإسلام، فإما أنه بسبب من وجوده عند الآخرين، فيشتري المسلم منهم، وإما بسبب الحرب. وإن نظام الرق في الإسلام- كأثر من آثار الحرب- هو أرفق ملايين المرات من الأسر ونظام السخرة. وفتح باب المكاتبة لا يبقي مجالا لأحد يرغب في الحرية إلا ويطالها والمسلمون أعطاهم دينهم من السعة ما يستطيعون به أن يتعاملوا مع الشعوب بمثل ما تعاملهم به الشعوب، بل أكمل، ولكن يبقى نظام الرق مقررا وللمسلمين إذا رأوا مصلحة باستئنافه أن يستأنفوه، إلا إذا دخلوا في معاهدات دولية- لمصلحة إسلامية- فعليهم الوفاء بها. قارن بين هاتين الصورتين: في الحرب العالمية الثانية أسرت الأطراف المتحاربة من بعضها الأعداد الهائلة، وقد ادعى الروس أن الألمان أسروا لهم ستة ملايين لم ينج منهم إلا مليون، وكان الأسرى خلال الحرب في معسكرات اعتقال رجالا ونساء، وكان الحرمان والإذلال والجوع والعطش والبرد والحر بعض ما أصابهم، وكانت الفوضى الجنسية هي الأساس. قارن هذه الصورة بما يحدث إسلاميا: خيرنا الإسلام أثناء الحرب بالنسبة للأسرى خيارات متعددة، أحدها الاسترقاق، فيوزع الأسرى على المقاتلين، ومن كان من الخمس وزع على مستحقه، ومن حق الرقيق على سيده أن يطعمه مما يطعم، وأن يلبسه مما يلبس، وأن يسكنه السكن المناسب، ثم إن كان للرقيق قدرة على العمل والكسب- بحيث يستطيع أن يؤدي ثمن نفسه- يستطيع أن يطالب بالمكاتبة، وإذا كاتب طولب المسلمون بمساعدته، فإذا أدى الذي عليه أصبح حرا، وفي هذه الحالة يصبح جزءا من المجتمع الإسلامي له حق المواطنة كبقية أبناء الوطن الإسلامي، سواء أسلم أو لم يسلم، قارن بين هاتين الصورتين لترى أن الصورة الثانية هي الأرفق والأرحم، ومع هذا فإن الاسترقاق هو أحد الخيارات التي أعطيت لأمير المؤمنين في معاملة الأسرى. ٧ - بمناسبة قوله تعالى وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ. نقل ابن

стр. 3573

كثير الآثار الواردة في سبب نزولها ونحن نجتزئ من ذلك ما يلي: (قال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا الزهري قال: كانت جارية لعبد الله بن أبي بن سلول يقال لها معاذة، يكرهها على الزنا، فلما جاء الإسلام نزلت وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ الآية، وروى الأعمش عن جابر في هذه الآية قال: نزلت في أمة لعبد الله ابن أبي بن سلول يقال لها مسيكة، وكان يكرهها على الفجور، وكانت لا بأس بها فتأبى فأنزل الله هذه الآية وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إلى قوله وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ وروى النسائي من حديث ابن جرير عن أبي الزبير عن جابر نحوه وروى الحافظ أبو بكر البزار عن جابر قال كان لعبد الله بن أبي بن سلول جارية يقال لها مسيكة، وكان يكرهها على البغاء فأنزل الله وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إلى قوله وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ ... وقال مقاتل بن حيان: بلغني- والله أعلم- أن هذه الآية نزلت في رجلين كانا يكرهان أمتين لهما أحدهما اسمها مسيكة، وكانت للأنصار، وكانت أميمة أم مسيكة لعبد الله بن أبي، وكانت معاذة وأروى بتلك المنزلة، فأتت مسيكة وأمها النبي ﷺ فذكرتا ذلك له، فأنزل الله في ذلك وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ يعني الزنا. ٨ - للنسفي كلام جميل أثناء حديثه عن المكاتبين إذ عبر من الحديث عن أنواع العبيد للناس إلى أنواع العبيد لله فقال: (واعلم أن العبيد أربعة: قن مقتنى للخدمة، ومأذون في التجارة، ومكاتب، وآبق. فمثال الأول ولي العزلة الذي حصل العزلة بإيثار الخلوة وترك العشرة. والثاني ولي العشرة، فهو نجي الحضرة، يخالط الناس للخبرة، وينظر إليهم بالعبرة، ويأمرهم بالعبرة، فهو خليفة رسول الله ﷺ ، يحكم بحكم الله، ويأخذ لله، ويعطي في الله، ويفهم عن الله، ويتكلم مع الله، فالدنيا سوق تجارته، والعقل رأس بضاعته، والعدل في الغضب والرضا ميزانه، والقصد في الفقر والغنى عنوانه، والعلم مفزعه ومنحاه، والقرآن كتاب الإذن من مولاه، هو كائن في الناس بظواهره، بائن منهم بسرائره، فقد هجرهم فيما له عليهم في الله باطنا، ثم وصلهم فيما لهم عليه ظاهرا. وما هو منهمو بالعيش فيهم ... ولكن معدن الذهب الرغام

стр. 3574

يأكل ما يأكلون، ويشرب ما يشربون، وما يدريهم أنه ضيف الله، يرى السموات والأرض قائمات بأمره، وكأنه قيل فيه: فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال فحال ولي العزلة أصفى وأحلى، وحال ولي العشرة أوفى وأعلى. ونزل الأول من الثاني في حضرة الرحمن منزلة النديم من الوزير عند السلطان، أما النبي ﵊ فهو كريم الطرفين، ومعدن الشذرين، ومجمع الحالين، ومنبع الزلالين، فباطن أحواله مهتدى ولي العزلة، وظاهر أعماله مقتدى ولي العشرة، والثالث: المجاهد المحاسب، العامل المطالب بالضرائب، كنجوم المكاتب، عليه في اليوم والليلة خمس، وفي المائتي درهم خمسة، وفي السنة شهر، وفي العمر زورة، فكأنه اشترى نفسه من ربه بهذه النجوم المرتبة، فيسعى في فكاك رقبته خوفا من البقاء في ربقة العبودية، وطمعا في فتح باب الحرية، ليسرح في رياض الجنة، فيتمتع بمبياه، ويفعل ما يشاؤه ويهواه، والرابع: الأباق فما أكثرهم، فمنهم القاضي الجائر، والعالم غير العامل، والعامل المرائي، والواعظ الذي لا يفعل ما يقول، ويكون أكثر أقواله الفضول، وعلى كل ما لا ينفعه يصول، فضلا عن السارق والزاني والغاصب فعنهم أخبر النبي ﵊: «إن الله لينصر هذا الدين بقوم لا خلاق لهم في الآخرة). ***

стр. 3575

المقطع الثاني ويمتد من الآية (٣٥) إلى نهاية الآية (٤٦) وهذا هو: [سورة النور (٢٤): الآيات ٣٥ الى ٤٦] اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥) فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (٣٦) رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (٣٩) أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ (٤١) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٤٢) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ (٤٣) يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (٤٤) وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٥) لَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٦)

стр. 3576

بين يدي المقطع الثاني: - إن المقطع الأول ينتهي بقوله تعالى: لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ وهذا المقطع ينتهي بقوله تعالى: لَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. والمقطع يعرفنا على الله بشكل رئيسي، ولذلك فإن الفقرة الأولى منه تبدأ بقوله تعالى اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ والفقرة الثانية تبدأ بقوله تعالى وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ. وقد جاء المقطع في وسط سورة النور، فهو يخدم ما قبله، وما بعده، ويعلل لما قبله ولما بعده، فهو واسطة العقد في هذه السورة العجيبة. إن في هذا المقطع من الجمال والكمال والإعجاز في اللفظ والمعنى، كما أن فيه من

стр. 3577

المعجزات الأخرى ما يدهش ويحير، وإن فيه من الروعة ما لا يحيط به بيان، وقد كتبت في آيات منه رسائل وكتب، إن فيه الكثير مما لو تأمله المنصف فإنه يهتدي إلى الإيمان، وإن من فهمه واستوعب معانيه يدرك كيف أن في سورة النور بينات، وكيف أن هذا القرآن من عند الله، ولقد قدم صاحب الظلال لهذا المقطع بقوله: (في الدرسين الماضيين من السورة عالج السياق أغلظ ما في الكيان البشري. ليرققه ويطهره، ويرتفع به إلى آفاق النور. عالج عرامة اللحم والدم، وشهوة العين والفرج، ورغبة التجريح والتشهير، ودفعة الغضب والغيظ. وعالج الفاحشة أن تشيع في النفس وأن تشيع في الحياة، وأن تشيع في القول. عالجها بتشديد حد الزنا وحد القذف. وعالجها بعرض نموذج شنيع فظيع من رمي المحصنات الغافلات المؤمنات. وعالجها بالوسائل الواقية: بالاستئذان على البيوت، وغض البصر، وإخفاء الزينة، والنهي عن مثيرات الفتنة، وموقظات الشهوة. ثم بالإحصان، ومنع البغاء، وتحرير الرقيق .. كل أولئك ليأخذ الطريق على دفعات اللحم والدم، ويهيئ للنفوس وسائل العفة والاستعلاء والشفافية والإشراق. وفي أعقاب حديث الإفك عالج ما تخلف عنه من غضب وغيظ، ومن اضطراب في المقاييس، وقلق في النفوس. فإذا نفس محمد- رسول الله ﷺ مطمئنة هادئة. وإذا نفس عائشة- ﵂ قريرة راضية. وإذا نفس أبي بكر- ﵁ سمحة صافية. وإذا نفس صفوان بن المعطل- ﵁ قانعة بشهادة الله وتبرئته. وإذا نفوس المسلمين آئبة تائبة. وقد تكشف لها ما كانت تخبط فيه من التيه. فثابت إلى ربها، شاكرة فضله ورحمته وهدايته .. بهذا التعليم. وهذا التهذيب. وهذا التوجيه. عالج الكيان البشري، حتى أشرق بالنور؛ وتطلع إلى الأفق الوضيء؛ واستشرق النور الكبير في آفاق السماوات والأرض، وهو على استعداد لتلقي الفيض الشامل، الغامر في عالم كله إشراق، وكله نور: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ .. وما يكاد النص العجيب يتجلى حتى يفيض النور الهادئ الوضيء؛ فيغمر الكون كله، ويفيض على المشاعر والجوارح، وينسكب في الحنايا والجوانح؛ وحتى يسبح الكون كله في فيض النور الباهر؛ وحتى تعانقه وترشفه العيون والبصائر؛ وحتى تنزاح الحجب، وتشف القلوب، وترف الأرواح.

стр. 3578

ويسبح كل شئ في الفيض الغامر، ويتطهر كل شئ في بحر النور، ويتجرد كل شئ من كثافته وثقله، فإذا هو انطلاق ورفرفة، ولقاء ومعرفة، وامتزاج وألفة، وفرح وحبور. وإذا الكون كله بما فيه ومن فيه نور طليق من القيود والحدود، تتصل فيه السماوات بالأرض، والأحياء بالجماد، والبعيد بالقريب؛ وتلتقي فيه الشعاب والدروب، والطوايا والظواهر، والحواس والقلوب .. اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ .. النور الذي منه قوامها ومنه نظامها .. فهو الذى يهبها جوهر وجودها، ويودعها ناموسها .. ولقد استطاع البشر أخيرا أن يدركوا بعلمهم طرفا من هذه الحقيقة الكبرى، عند ما استحال في أيديهم ما كان يسمى بالمادة- بعد تحطيم الذرة- إلى إشعاعات منطلقة لا قوام لها إلا النور! ولا «مادة» لها إلا النور! فذرة المادة مؤلفة من كهارب وإليكترونات، تنطلق- عند تحطيمها- في هيئة إشعاع قوامه هو النور! فأما القلب البشري فكان يدرك الحقيقة الكبرى قبل العلم بقرون وقرون. كان يدركها كلما شف ورف، وانطلق إلى آفاق النور. ولقد أدركها كاملة شاملة قلب محمد رسول الله- ﷺ ففاض بها وهو عائد من الطائف، نافض كفيه من الناس، عائذ بوجه ربه يقول: «أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت به الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة». وفاض بها في رحلة الإسراء والمعراج. فلما سألته عائشة: هل رأيت ربك؟ قال: «نور. أنى أراه.». ولكن الكيان البشري لا يقوى طويلا على تلقي ذلك الفيض الغامر دائما، ولا يستشرف طويلا ذلك الأفق البعيد. فبعد أن جلا النص هذا الأفق المترامي، عاد يقارب مداه، ويقربه إلى الإدراك البشري المحدود، في مثل قريب محسوس: مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ. الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ. الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ، يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ. نُورٌ عَلى نُورٍ .. التفسير: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي هداها فهو الذي هدى السموات والأرض ومن فيهن. قال ابن عباس فيها: (أي هادي أهل السموات والأرض) فلا هدى إلا بهداه، فكل نوع من أنواع الهدى فإنما هو به ومنه، وقد تحدثنا عن ظاهرة الهداية في

стр. 3579

كتابنا (الله ﷻ فلتراجع، وبعد أن قرر الله هذه القاعدة الكلية وهي أنه الهادي لكل شئ، ضرب مثلا لنوع من هداه وهو هداه الخاص لقلوب عباده المؤمنين مَثَلُ نُورِهِ أي مثل هداه، وإذن فبعد أن قرر أنه نور السموات والأرض بدأ بضرب مثل نعرف منه معنى كونه نور السموات والأرض وهاديهما، هذا المثل يتضمن الكلام عن الهدى في قلب المؤمن، فمن عرف هداية الله لقلوب عباده المؤمنين يدرك كيف أن الله هادي السموات والأرض، وإنما عرفنا ذلك من السياق، ومن القراءات الشاذة الواردة في هذا المقام، إذ القراءات الشاذة إذا كانت صحيحة تعتبر من باب التفسير المأثور للآية كَمِشْكاةٍ المشكاة: هي الكوة- غير النافذة- في الجدار فِيها مِصْباحٌ أي سراج ضخم ثاقب الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ أي في قنديل من زجاج صاف الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ أي كأنها كوكب مضيء أي كأنها كوكب من در يُوقَدُ أي هذا المصباح مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ أي يستمد من زيت زيتون شجرة مباركة، وهي شجرة الزيتون، وبركتها كثرة منافعها كما قال النسفي زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ أي هي في مكان وسط تعصرها الشمس من أول النهار إلى آخره، فيجئ زيتها صافيا معتدلا مشرقا يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ من صفائه ونقائه وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ أي لتلألئه يكاد يضيء من غير نار نُورٌ عَلى نُورٍ أي هذا النور الذي شبه به الحق نور متضاعف، قد تناصر فيه المشكاة والزجاجة والمصباح والزيت حتى لم تبق بقية مما يقوي النور إلا وقد وجدت، وهذا لأن المصباح إذا كان في مكان متضايق- كالمشكاة- كان أجمع لنوره كما نرى ذلك في مصابيح السيارة، بخلاف المكان الواسع فإن الضوء ينتشر فيه، والزجاج أعون شيء على زيادة الإنارة كما نرى ذلك في عصرنا في المصابيح الكهربائية، وصفاء الزيت يساعد على صفاء النور وقوته، وبعد أن أنهى الله ضرب المثل على نوع من هداه قال يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ أي لهداه مَنْ يَشاءُ أي فيوفقه إلى إصابة الحق إما بإلهام من الله أو بنظر في الدليل وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ تقريبا لأفهامهم ليعتبروا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فهو أعلم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الإضلال. والآن وقد عرفنا المعنى الحرفى للكلمات فلنر المراد منها: أما المشكاة فإنها المؤمن، وأما الزجاجة فإنها قلبه، وأما المصباح فإنه نور قلبه وفطرته، وأما الزيت فهو عمله بالشريعة، وأما الزيتونة فإنها الشريعة لا شرقية ولا غربية، وأما النور فإنه نور الفطرة ونور الشريعة، فإذا اجتمع لإنسان نور الفطرة ونور

стр. 3580

الشريعة فكيف يكون هداه؟ إنه يكون على غاية من الهدى في كل ما يفعل ويذر، فهذا نموذج على هدى الله الذي هدى به السماوات والأرض، فالله ضرب مثلا لهداية السموات والأرض بحال المؤمن المهتدي بنور الشريعة والنص في سياقة يفيد أن الله- إذا هدى أحدا بهداه الخاص فإنه بذلك يكون منسجما مع نظام الكون كله، إن هذه الآية لا يفهمها إلا من اجتمع له علم وسلوك إلى الله أمثال هؤلاء هم الذين يدركون المعنى الحقيقي للآية. ولتوضيح هذا المقام نذكر الحديث الذي ذكره ابن كثير عند هذه الآية، والذي رواه الإمام أحمد وقال عنه ابن كثير إسناده جيد ولم يخرجوه. أخرج الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ «القلوب أربعة: قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر، وقلب أغلف مربوط على غلافه، وقلب منكوس مصفح، فأما القلب الأجرد: فقلب المؤمن، سراجه فيه نوره، وأما القلب الأغلف: فقلب الكافر، وأما القلب المنكوس: فقلب المنافق، عرف ثم أنكر، وأما القلب المصفح: فقلب فيه إيمان ونفاق، ومثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب، ومثل النفاق فيه كمثل القرحة، يمدها الدم والقيح فأي المدتين غلبت على الأخرى غلبت عليه». إن هذا الحديث يعتبر أساسا في فهم موضوع القلب والسلوك، فالقلب المذكور فى الآية هو القلب الأجرد الذي فيه مثل السراج يزهر، هذا القلب يحتاج إلى مدد دائم بالعمل بالشريعة فذلك زيته ووقوده، والقلب المصفح قلب يحتاج إلى جهد مضاعف، كي يتخلص من رواسبه ونفاقه ليصل صاحبه إلى القلب الأول، وقد يحتاج إلى طبيب يعرف كيف يداويه، وأما القلب المنكوس والقلب الأغلف فهذان انتهى أمرهما، ولم يعد منهما خير، أو فيهما أمل، إنه ما لم يكن في القلب شئ من نور الفطرة، فإن الإنسان يكاد يكون ميئوسا منه، ولكون هذا غيبا فإن علينا أن ندعو، والإحساس بهذه المعانى- كما قلنا من قبل- لا يدركها إلا من اجتمع له علم وسلوك، وسير قلبي إلى الله. فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أي أمر الله أَنْ تُرْفَعَ أي تبنى أو تعظم وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ بالصلاة والذكر والعلم، وقراءة القرآن، والمراد بها المساجد، وتقدير الكلام. كمشكاة في بيوت أذن الله أن ترفع، ويذكر فيها اسمه، وقد رأينا أن المراد بالمشكاة في

стр. 3581

المثل هو المؤمن. قال ابن كثير: (لما ضرب الله تعالى مثل قلب المؤمن وما فيه من الهدى والعلم، بالمصباح في الزجاجة الصافية، المتوقد من زيت طيب، وذلك كالقنديل مثلا، ذكر محلها وهي المساجد التي هي أحب البقاع إلى الله تعالى من الأرض، وهي بيوته التي يعبد فيها ويوحد) وعلى هذا فكأن الله أفهمنا أن مظنة وجود هذا النوع من الناس، الذين وصف الله قلوبهم بما وصف، هي المساجد التي أمر الله أن تعظم، بتعاهدها وتطهيرها من الدنس واللغو، والأقوال، والأفعال، التي لا تليق فيها، وأن يذكر فيها اسمه في الصلاة، وحلقات العلم والذكر، وقراءة القرآن، وأمثال ذلك. ومن ثم ورد في الحديث «إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان» وبعض المفسرين علق قوله تعالى فِي بُيُوتٍ بقوله تعالى يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ وعلى هذا يكون المعنى: أن القلوب المؤمنة، توقد من شريعة الله، في بيوت أذن الله أن ترفع، ويذكر فيها اسمه، وهذا يفيد أن مدد الإيمان مظنته المساجد، ومن ثم فعلى العلماء أن يقيموا حلقات العلم، والقرآن في المساجد، من أجل أن يوقدوا مصباح الإنسان وهو قلبه، وعلى أي من التفسيرين، فإن المساجد لها الدور الأول في إيجاد الإيمان، ووجود المؤمن، وهذا يجعل مسئوليتنا كبيرة في عمارة المساجد، ولنا عودة هذا الموضوع في الفوائد. بعد أن عرفنا أن المساجد هي مظنة وجود هذا النوع من القلوب، أو هذا النوع من المؤمنين المهتدين المذكورين في الآية السابقة، وبعد أن ذكرنا الله أن من شأن المساجد أن تعظم عن كل ما لا يليق بها، وأن من شأنها أن يذكر فيها اسمه قال: يُسَبِّحُ لَهُ فِيها أي في المساجد بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ أي في البكور والعشيات، والآصال: جمع الجمع، فهي جمع أصل، التي هي جمع أصيل، وهو آخر النهار، وإنما وحد الغدو لأن صلاته واحدة، أما الآصال فصلواتها أربع رِجالٌ أي يصلي لله في المساجد رجال في الغدو، أي صلاة الفجر، والآصال: أي صلاة الظهر، والعصر، والعشاءين، قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: «كل تسبيح في القرآن هو الصلاة» ثم وصف الله هؤلاء الرجال بقوله: لا تُلْهِيهِمْ أي لا تشغلهم تِجارَةٌ في سفر وَلا بَيْعٌ في الحضر، ويمكن أن يكون المراد بالتجارة الشراء، والبيع معروف عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ بالقلب واللسان وَإِقامِ الصَّلاةِ أي وعن إقامة الصلاة وَإِيتاءِ الزَّكاةِ أي وعن إيتاء الزكاة، وهل المعنى أنه لا تجارة لهم أصلا؟ أو أن لهم تجارة ولكن لا تشغلهم عن القيام بحق الله؟ قولان للمفسرين، والراجح

стр. 3582

الثاني، ويؤيد هذا ذكر الزكاة، فمن لا عمل له لا مال له، ومن لا مال له كيف يزكي؟ ثم أكمل الله وصفهم بقوله يَخافُونَ يَوْماً أي يوم القيامة تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ ببلوغها إلى الحناجر وَالْأَبْصارُ بالشخوص والزرقة، أو تتقلب فيه القلوب والأبصار من حال إلى حال، على حسب جلال الموقف ورهبته أو تتقلب فيه القلوب إلى الإيمان بعد الكفران، والأبصار إلى العيان بعد الإنكار في الدنيا وقوله رِجالٌ فيه إشعار بهممهم السامية، ونياتهم وعزائمهم العالية التي بها صاروا عمارا للمساجد التي هي بيوت الله في أرضه، ومواطن عبادته وشكره وتوحيده وتنزيهه، كما أن فيه إشعارا أن صلاة النساء في بيوتهن أفضل. ثم قال تعالى لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أي هم يفعلون ما يفعلون من أجل أن يجزيهم الله، فهم يسبحون ويخافون ويفعلون ما يفعلونه في الخير ليجزيهم الله أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ أي يتقبل منهم الحسن ويضاعفه لهم، والسياق يشعر أنهم يفعلون الخير ليحصلوا ذاك، وأنهم قد حصلوا فعلا وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ أي يثيب من يشاء ثوابا لا يدخل في حساب الخلق، وبهذا أنهى الله الكلام عن صفات المهتدين، والملاحظ أنه من خلال عرض صفات المهتدين بنوره، قد ذكر الله ماهية العمل الذي يضيء القلب وينيره، وهو التسبيح بإقامة الصلوات في المساجد، والذكر، والصلاة بشكل مطلق، والزكاة، والخوف من الله، والرغبة فيما عنده، إن هذا هو الطريق لتنمية الإيمان. تلخيص: في الآيات التي مرت معنا من المقطع الثاني حدثنا الله عن هدايته للسماوات والأرض، وضرب لنا مثلا على هذه الهداية بهدايته لعبده المؤمن، وعرفنا من ذلك أن هناك هدايتين: هداية الفطرة، وهداية الشريعة، وأن هداية الفطرة مستمدة من هداية الشريعة. وأن نور القلب لا يزال مشتعلا ما دام هناك عمل بالشريعة، وقد دلنا الله على الأعمال التي تبقي نور القلب مشتعلا، وإذا أردنا أن نقرب الموضوع للأذهان من خلال ضرب مثل نأخذه من معارف عصرنا نقول: إن المصباح الكهربائي يستمد نوره من مولد الكهرباء، والمولد عادة له مكان، ويحتاج إلى محرك، فالمصباح هو القلب، والمولد هو الشريعة، والمكان هو المسجد، والمحرك هو التسبيح، والصلاة والزكاة ...

стр. 3583

كلمة في السياق: رأينا أن محور السورة هو الأمر بالدخول في الإسلام كله، وفي الآيات الأربع التي مرت معنا ذكر الله آداب المساجد التي هي بيوت الإسلام كما ذكر أعمالا من الإسلام، وعرفنا على أهل الإسلام، ما صفاتهم، وما خصائصهم، وأين مظنة وجودهم، وهذا يمضي على نسق سياق السورة، وضمن محورها، وقد عرضت هذه المعاني ضمن الحديث عن الله، وأنه الهادي للسماوات والأرض، وفي ذلك تعليل لضرورة الدخول في الإسلام، كما أنه تدليل على ضرورة الشريعة، وإنزال الوحي ووجوب الاهتداء بهدي الله، أي وجوب الدخول في الإسلام، ووجوب الالتزام بالأحكام وقد اختيرت لذلك ألفاظ تسع الزمان والمكان، فنحن في عصر الكهرباء، نكاد نحس أن جزءا مما نستعمله في الإضاءة الكهربائية قد أريد، وفي عصور أخرى يرون المثل كائنا مرئيا أمامهم. إن مثل هذا الإبداع في البيان- الذي لا يمكن أن تجده إلا في هذا القرآن- لأعظم دليل على أن منزل هذا القرآن هو الرحمن جل وعلا، ولنعد إلى التفسير: بعد أن ضرب الله مثلا لهداه العام من خلال تعريفنا على هداه الخاص للمؤمنين يضرب مثلين للكافرين: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ السراب: هو ما يرى في الفلاة من ضوء الشمس وقت الظهر، يسرب على وجه الأرض، كأنه ماء يجري بِقِيعَةٍ القيعة: جمع قاع كالجيرة جمع جار، والقاع: هو المنبسط المستوي من الأرض يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ أي يظنه العطشان ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ أي إذا جاء ما توهم أنه ماء لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً كما ظنه، لأنه لم يبن عمله على إيمان وَوَجَدَ اللَّهَ أي جزاءه عِنْدَهُ أي عند الكافر فَوَفَّاهُ حِسابَهُ أي أعطاه جزاء عمله وافيا كاملا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ لأنه لا يحتاج إلى عد وعقد، ولا يشغله حساب عن حساب، أو المعنى: أن حسابه قريب لأن ما هو آت قريب. قال النسفي: (شبه ما يعمله من لا يعتقد الإيمان، ولا يتبع الحق، من الأعمال الصالحة، التي يحسبها تنفعه عند الله، وتنجيه من عذابه، ثم يخيب في العاقبة أمله، ويلقى خلاف ما قدر بسراب يراه الكافر بالساهرة، وقد غلبه عطش يوم القيامة، فيحسبه ماء فيأتيه فلا يجد ما

стр. 3584

رجاه، بل يجد زبانية الله عنده يأخذونه فيلقونه إلى جهنم، فيسقونه الحميم والغساق، وهم الذين قال الله فيهم عامِلَةٌ ناصِبَةٌ وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً مما قاله النسفي نفهم أن هذا المثل هو في نوع من الكافرين رفضوا الإسلام، ويظنون أنهم على شئ كحال اليهود والنصارى بعد البعثة المحمدية مثلا. قال ابن كثير: (وفي الصحيحين أنه يقال يوم القيامة لليهود ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: نعبد عزيزا ابن الله، فيقال: كذبتم ما اتخذ الله من ولد، ماذا تبغون؟ فيقولون: يا رب عطشنا فاسقنا فيقال: ألا ترون؟ فتمثل لهم النار كأنها سراب، يحطم بعضها بعضا، فينطلقون فيتهافتون فيها ... وعلى هذا فإن المثل الآتي يمكن أن يكون في نوع آخر من الكفار كالملاحدة مثلا أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ فالكافر في ظلمات كثيرة من حيث إن أحواله مظلمة المصدر، مظلمة الهدف، مظلمة التركيب، مظلمة النتيجة، مظلمة الطبيعة يَغْشاهُ مَوْجٌ أي يغشى البحر موج، أي يعلوه ويغطيه، أي يغشى من فيه موج مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ أي من فوق الموج موج آخر، وفي ذلك إشارة إلى نوعين من الأمواج، وتلك معجزة قرآنية زائدة على الإعجاز العام، وسنرى ذلك في الفوائد مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ أي من فوق الموج الأعلى سحاب كَظُلُماتٍ أي هذه ظلمات، ظلمة السحاب، وظلمة الموج، وظلمة البحر بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ ظلمة الموج، على ظلمة البحر، وظلمة الموج على الموج وظلمة السحاب على الموج إِذا أَخْرَجَ أي الكائن فيه يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها أي لم يقرب أن يراها، فضلا عن أن يراها وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً أي من لم يهده الله فَما لَهُ مِنْ نُورٍ أي ليس له هداية، شبه أعمال هذا النوع من الكافرين بظلمات متراكمة، من لج البحر والأمواج والسحاب، لكونها باطلة، ولخلوها عن نور الحق، لعدم كونها من أمر الله وهديه، ولعدم كونها مرادا بها وجهه، ومرغوبا بها إليه، وهذا يشبه عمل الملاحدة؛ فأعمالهم باطلة، وهي ليست من وحي الله وشرعه، وهؤلاء لا يؤمنون بحساب وعقاب، ومن ثم لا يريدون بعمل ما وجه الله، فهؤلاء في ظلمات لا يقاربون فيها رؤية الحق، فضلا عن أن يروه، قال أبي بن كعب في هذا الصنف: (فهو يتقلب في خمسة من الظلم، فكلامه ظلمة، وعمله ظلمة، ومدخله ظلمة، ومخرجه ظلمة، ومصيره يوم القيامة إلى الظلمات، إلى النار). دل هذا على أن وحي الله وحده هو النور، وهو الهدى، وأن الملحد قلبه ظلام، وعمله ظلام، ونتائج

стр. 3585

عمله ظلام، فليس له نور في قلبه، وليس له نور خارجي يهتدي به. وبمناسبة هذه الآية فلنذكر هذا الحديث: روى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله تعالى خلق خلقه في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره يومئذ، فمن أصاب من نوره يومئذ اهتدى، ومن أخطأ ضل، فلذلك أقول جف القلم على علم الله » إن هذا الحديث يدل على أن الله علم أزلا من سيضل، فأراده له، ومن علم الله منه الهداية أعطاه نورا فبهذا النور اهتدى فآمن وأسلم، وأما الكافر فإنه مظلم القلب، ومن ثم لا يرى ولا يهتدي، وليس له حجة؛ إذ العلم كاشف لا مجبر. كلمة في السياق: كررنا أكثر من مرة أن هذه السورة تفصل قوله تعالى ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً والناس أحد اثنين: إما مستجيب، وقد ضرب الله له المثل الأول في هذا المقطع، وإما رافض، وهو قسمان: قسم رفضوا وهم أصحاب دين سابق، فهؤلاء ضرب الله لهم مثلا بين فيه عدم نفع أعمالهم، وأن آمالهم في القبول والرضوان في غير محلها، والقسم الآخر ليسوا على دين، فهؤلاء في ظلمة كاملة في الدنيا، وليس أبلغ في الدعوة إلى الدخول في الإسلام من هذه الأمثلة، فالصلة بين هذه الأمثلة، وسياق السورة، ومحورها، واضحة كما أن الصلة بين المثلين الأخيرين والمثل الأول واضحة. فقد قرر الله في بداية المقطع أنه الهادي للسماوات والأرض، وضرب مثلا لهدايته بهدايته الخاصة لأهل الإيمان هداية الفطرة، وهداية الشريعة، ولكي تعرف الهداية لا بد من معرفة الضلال، ومن ثم ضرب مثلين لنوعين من الضلال: النوع الأول: مثل لناس يعملون ولكن عملهم لا يوصل إلى غاية، فلا هو يصل إلى القلب بنوره، ولا هو يوصل إلى الرضوان، هو عمل ضال، يترتب عليه أمل كاذب. والنوع الثاني: عمل مظلم، محاط بظلمات، فهو لا يعرف هداية أصلا، وليس هو من الهدى في شئ. ومن خلال معرفة الهدى والضلال، في الحياة البشرية؛ نتعرف كيف أن الله هادي السموات والأرض، فهما لا يضلان ولا يخرجان عن المسار الذي حدده الله لهما، فكيف تخرج أيها الإنسان عن المسار الذي حدده الله لك، فترفض الدخول في الإسلام، ثم إن الله بعد ذلك يلفت نظر الإنسان إلى شيئين، تجري فيهما هدايته، فيأخذ منهما الإنسان درسين على ضرورة الإسلام والاستسلام لله،

стр. 3586

وكل من الدرسين مصدر بكلمة أَلَمْ تَرَ. (١) أَلَمْ تَرَ أي ألم تعلم علما يقوم مقام العيان في الإيقان أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي من الملائكة والأناسي والجان والحيوان والنبات والجماد وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ يصففن أجنحتهن في الهواء، فهذه الطيور الصافات أجنحتها تسبح ربها، وتعبده بتسبيح ألهمها وأرشدها إليه، وهو يعلم ما هي فاعلة كُلٌّ قَدْ عَلِمَ الضمير في (علم) لله، أو للمراد بكلمة (كل) صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ أي كل قد أرشده إلى طريقته ومسلكه في عبادة الله وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ فلا يعزب عنه شئ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لأنه خالقهما، ومن ملك شيئا فبتمليك الله إياه وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ فمرجع الكل يوم القيامة إليه؛ فيحكم بالجميع بما يشاء. كلمة في السياق: إن كل شئ يسبح بحمد الله، والإنسان يدرك نوع إدراك كيف أن الأشياء كلها تسبح بحمد الله، فهي شاهدة على تنزيهه، وشاهدة على إنعامه، وإذا كان كل شئ يسبح بحمد الله فهو إذن مهتد، وهذا هو المعنى الأول الذي يربط هاتين الآيتين بما قبلهما، وإذا كان كل شئ يسبح بحمده فهو خاضع وعابد، فعلى الإنسان أن يخضع ويعبد، وذلك يكون بدخوله بالإسلام، فالصلة بين هذا المعنى ومحور السورة قائمة، وكما ذكرنا الله في نهاية الآية الأولى بعلمه وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فههنا ذكرنا بعلمه وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ فالله يعلم تسبيح الأشياء، كما يعلم تسبيح الإنسان وعبادته، وفي هذا دعوة إلى عبادة الله وحده، لأنه يعلم، وغيره لا يعلم. وفي قوله وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ دعوة للدخول في الإسلام، لأنه المالك، وفي قوله وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ تهديد ووعيد لمن رفض الدخول الاختياري بالإسلام، ومن خلال لفت نظر الإنسان في الآيتين عرفنا أن هداية الله شاملة للمخلوقات كلها، وأن الإسلام دين المخلوقات كلها، ومن ذلك نعلم محل الآيتين ضمن السياق الخاص للسورة، بما يخدم محور السورة، والآن يأتي لفت النظر الثاني:

стр. 3587

(٢) أَلَمْ تَرَ أي ألم تعلم أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي أي يسوق سَحاباً السحاب جمع سحابة كما قال النسفي ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ أي ثم يضم بعضه إلى بعض ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً أي متراكما بعضه فوق بعض فَتَرَى الْوَدْقَ أي المطر يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ يخرج من بينه وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ أي من السحاب مِنْ جِبالٍ فِيها أي من كتل ضخمة منها، تشبه الجبال في عظمتها، ومساقطها وهيئتها مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ أي بالبرد أو بالبرد والمطر مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ فلا يصيبه البرد وحده، أو البرد والمطر، ويمكن أن يكون المراد: يعذب بالبرد من يشاء، ويصرفه عن من يشاء فلا يعذبه، ومن ذهب إلى هذا المعنى نظر إلى ما يفعله البرد أحيانا من نثر الثمار، وإتلاف الزروع والأشجار يَكادُ سَنا بَرْقِهِ أي ضوؤه يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ أي يخطفها والمعنى: يكاد ضوء برقه- من شدته- يخطف الأبصار إذا اتبعته وتراءته يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ أي هو المصرف لهما في تعاقبهما واختلافهما طولا وقصرا إِنَّ فِي ذلِكَ أي في إزجاء السحاب، وإنزال الودق والبرد، وتقلب الليل والنهار لَعِبْرَةً أي لدليلا على عظمته لِأُولِي الْأَبْصارِ التي ترى ويعقل أصحابها. كلمة في السياق: إن ظاهرة الهداية في المطر والبرد والليل والنهار واضحة، فما ذكر في هاتين الآيتين فيه إشارة إلى مظهر من مظاهر الهداية، وإن الإنسان المنصف المدرك العاقل يعلم أن هذا ما كان ليكون لولا الله، فمن لم يعلم ذلك فهو أجهل الجاهلين، ومن علم ذلك عرف عظمة الله فعبد وخضع، أي دخل في الإسلام واهتدى بهدى الله، ومن هذا نعلم صلة الفقرة بسياق السورة ومحورها، ونحب هنا أن نشير إلى أن في الفقرة السابقة معجزة علمية سنراها في الفوائد، ولنعد إلى التفسير: وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ أي كل حيوان يدب على وجه الأرض مِنْ ماءٍ يحتمل أن المراد بالماء الماء المخصوص كالنطفة. أو المراد به الماء العادي، فإنه واحد، مع أن الأحياء التي يدخل الماء في تركيبها- كأهم شئ وأكثره- مختلفة الأجناس والأشكال. وفي ذلك كله دليل قدرته فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ كالحية وما

стр. 3588

شاكلها وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ كالإنسان والطير وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ كالأنعام وسائر الحيوانات ولهذا قال: يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ أي بقدرته، لأنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن. ولهذا قال إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ لا يتعذر عليه شئ. كلمة في السياق: إن في هذه الآية تدليلا على هداية الله نجده في قوله تعالى فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ إلا أن الآية في سياقها الرئيسي تدليل على القدرة. فالله الذي خلق من الماء الواحد هذه الأنواع الكثيرة من الأحياء، قادر على كل شئ. والهداية ليست إلا مظهرا من مظاهر القدرة. فإذا تقرر أن الله هو القادر، وأنه الهادي، فكيف لا يسلم له الإنسان شرعا وقدرا؛ فيدخل في الإسلام كله، ويسلم له ويستسلم. ثم ختم الله المقطع بآية شبيهة بالآية التي ختم بها المقطع السابق فقال: لَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ يقرر تعالى أنه أنزل في هذا القرآن من الحكم والأمثال وغيرها ما هو معجزات ودلائل واضحات وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ بلطفه ومشيئته إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ أي إلى دين الإسلام الذي يوصل إلى جنته، لاحظ الصلة بين قوله تعالى: في هذه الآية وَاللَّهُ يَهْدِي وبين بداية المقطع: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي هاديهما، ولاحظ صلة هذه الآية بقوله تعالى في محور السورة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً. فوائد: ١ - بمناسبة قوله تعالى: مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ ... قال النسفي: (وضرب المثل يكون بدنيء محسوس معهود لا بعلي غير معين ولا مشهود. فأبو تمام لما قال في المأمون: إقدام عمرو في سماحة حاتم ... في حلم أحنف في ذكاء إياس قيل له إن الخليفة فوق من مثلته بهم فقال مرتجلا: لا تنكروا ضربي له من دونه ... مثلا شرودا في الندى والباس

стр. 3589

فالله قد ضرب الأقل لنوره ... مثلا من المشكاة والنبراس ٢ - في الضمير في قوله تعالى: مَثَلُ نُورِهِ قولان: أحدهما أنه عائد إلى الله، والثاني أن الضمير عائد إلى المؤمن الذي دل عليه سياق الكلام الآتي. فعلى القول الأول صار المعنى: أن مثل هدى الله الذي هدى به المؤمن في القوة والوضوح وبيان الحجة وفوقها كمثل ما ذكر، فإذا بقي قلب لم يهتد فما ذلك إلا لعماه، أو أن المعنى على هذا القول: مثل هدى الله في قلب المؤمن كمثل مشكاة فيها مصباح، أي هداه في قلب المؤمن في غاية الإنارة والوضوح، وعلى القول الثاني في الضمير: يكون المعنى: مثل نور المؤمن الذي في قلبه كمشكاة، فشبه قلب المؤمن في صفائه في نفسه بالقنديل من الزجاج الشفاف الجوهر، وما يستهدي به من القرآن والشرع، بالزيت الجيد الصافي المشرق المعتدل، الذي لا كدر فيه ولا انحراف، أي شبه قلب المؤمن وما هو مفطور عليه من الهدى وما يتلقاه من القرآن المطابق لما هو مفطور عليه بالمثل المذكور فهو يشبه قوله تعالى أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ فالمشكاة جسد المؤمن، والزجاجة قلبه، والمصباح الفطرة، والزيت شريعة الله المتميزة، التي ليست بشرقية ولا غربية، أي ليست بشرية. ويفهم من هذا أن الفطرة إذا انقطع عنها مدد الشريعة بالإيمان والعمل انطفأت، كما ينطفئ المصباح لو لم يكن له مدد يستمد منه. ويفهم من هذا أن نور الفطرة قوي جدا، ويفهم من هذا أن ما أنزل الله من الهدى في غاية الصفاء، ونصوع الحجة. المشكاة هي الجسد؛ إذ هو مركز تجمع النور، والزجاجة القلب، والمصباح الإيمان، والزيت العمل بالشريعة، ولا نور إلا بعمل، فمن افتقد النور فعليه بالعمل. ٣ - في شرح قوله تعالى زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ قالوا: إنها في مستوى من الأرض، في مكان فسيح باد، ظاهر، ضاح للشمس، تقرعه من أول النهار إلى آخره، ليكون ذلك أصفى لزيتها وألطف. وأقوى الأقوال في هذا النص: أن هذا مثل ضربه الله تعالى لشريعته، وهناك اتجاهات أحرى ذكرها ابن كثير، من ذلك ما قاله شمر بن عطية: جاء ابن عباس إلى كعب الأحبار فقال: حدثني عن قول الله تعالى يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ قال: يكاد محمد ﷺ يبين للناس ولو لم يتكلم أنه نبي، كما يكاد ذلك الزيت أن

стр. 3590

يضيء. ومن الأقوال في النص ما ذكره ابن كثير عن الضحاك عن ابن عباس في قوله تعالى يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ رجل صالح لا يهودي ولا نصراني. فعلى هذين الاتجاهين في التفسير- فإن مدد الفطرة إلى القلب لا يستمر إلا إذا وجدت تغذية من رجل صالح، من لدن محمد ﷺ إلى قيام الساعة، وهذا معنى ينبغي أن يفطن له المربون، وقد ركز عليه بعض الصوفية إلا أن الكثير منهم خلطه بطامات كثيرة. وقد ذكرنا في بعض كتبنا على ضرورة إحياء رتبة الربانية لاستئناف الحياة الإسلامية. ٤ - بمناسبة قوله تعالى نُورٌ عَلى نُورٍ قالوا: أي هذا النور الذي شبه به الحق في قلب المؤمن نور متضاعف، قد تناصر فيه المشكاة، والزجاجة، والمصباح، والزيت، حتى لم تبق بقية مما يقوي النور، وهذا لأن المصباح إذا كان في مكان متضايق كالمشكاة كان أجمع لنوره، كما نرى ذلك في مصابيح السيارة والكشافات، بخلاف المكان الواسع فإن الضوء ينتشر فيه، والقنديل أعون شئ على زيادة الإنارة، كما نرى ذلك في المصابيح الكهربائية، ونور زيت الزيتون الصافي على غاية من الصفاء والقوة. وقال السدي في تفسير قوله تعالى نُورٌ عَلى نُورٍ قال: نور النار ونور الزيت حين اجتمعا أضاءا، ولا يضيء واحد بغير صاحبه، كذلك نور القرآن، ونور الإيمان حين اجتمعا، فلا يكون واحد منهما إلا بصاحبه. وهذا يؤكد تفسيرنا أن الإيمان في القلب هو السراج، والزيت هو الشريعة، والعمل بها. قال أبي بن كعب في تفسير قوله تعالى نُورٌ عَلى نُورٍ: يتقلب (أي المؤمن) في خمسة من النور، فكلامه نور، وعمله نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصيره إلى نور يوم القيامة إلى الجنة. فكأنه أراد أن يقول إن المؤمن في نور متضاعف متزايد في حاله كله، في يومه وغده، في دنياه وأخراه، ما دام قد اجتمع نور الإيمان ونور القرآن. ٥ - لما ضرب الله تعالى مثل قلب المؤمن وما فيه من الهدى والعلم بالمصباح في الزجاجة الصافية، المتوقد من زيت طيب، وذلك كالقنديل مثلا، ذكر محلها وهي

стр. 3591

لمساجد التي هي أحب البقاع إلى الله تعالى من الأرض، وهي بيوته التي يعبد فيها، ويوحد فقال تعالى فِي بُيُوتٍ ... فكأن معدن هذه القلوب هي هذه المساجد، وهذه إشارة واضحة إلى أن التربية الإيمانية الكاملة إنما تكون في المسجد، إذ هي وحدها التي تتوافر فيها شروط التربية الصالحة. والجار والمجرور في قوله تعالى: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ. إما أن نعلقه ب (كمشكاة) وإما أن نعلقه ب (يوقد) السابقين في الذكر، وإما أن نعلقه ب (يسبح) المتأخر والتعليقان الأولان أقوى، فعلى التعليق الأول إنما يأخذ النور الكامل من حياته في المسجد، وعلى التعليق الثاني نفهم أن إمداد القلب بالشريعة ومن أهلها إنما يكون داخل المسجد. قال قتادة في تفسير (البيوت) في الآية: هي هذه المساجد، أمر الله ببنائها وعمارتها ورفعها وتطهيرها، وقد ذكر لنا أن كعبا كان يقول: (مكتوب في التوراة إن بيوتي في الأرض المساجد، وإنه من توضأ فأحسن وضوءه، ثم زارني في بيتي، أكرمته، وحق على المزور كرامة الزائر) ومعنى أذن هنا أمر بدليل ما بعده، إلا أن مع الأمر يوجد الإرادة المشرفة، فقد شاء الله لهذه البيوت أن تكون معدنا للخير، وفي (أن ترفع) تفسيران: تفسير الرفعة بالرفع الحسي، فهو أمر ببنائها وتشييدها، وتفسير الرفعة بالرفع المعنوي، فهو أمر بتعظيمها، ولا شك أن المسلمين مأمورون بهذا وهذا، وموعودون على هذا وهذا الخير الكثير، ومما يدخل تحت الرفع المعنوي: عدم اللغو فيها ولا يدخل في الرفع الحسي زخرفتها. ٦ - بمناسبة قوله تعالى: يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ أقول: دلت الآية على أن أصحاب القلوب المذكورة لهم عمل صالح، وحال خائف، فيا ويح المقصرين بالعمل، ويا ويح الغافلين الآمنين. روى النسائي عن أسماء بنت يزيد بن السكن قالت: قال رسول الله ﷺ : «إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة، جاء مناد فنادى بصوت يسمع الخلائق: سيعلم أهل الجمع من أولى بالكرم، ليقم الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، فيقومون وهم قليل، ثم يحاسب سائر الخلائق». ٧ - تشبيه المؤمن بالمشكاة دليل على أن جسد المسلم هو مركز تجمع النور، ومركز توجيهه، وفي ذلك إشارة إلى أن المؤمن الكامل ينير للناس الطريق، ويرى الناس

стр. 3592

به الحقائق. ٨ - بمناسبة قوله تعالى: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قال ابن كثير: (وفي الحديث الذي رواه محمد بن إسحاق في السيرة عن رسول الله ﷺ أنه قال في دعائه يوم آذاه أهل الطائف «أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت به الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن يحل بي غضبك، أو ينزل بي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بالله». الحديث. وعن ابن مسعود قال: إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار، نور العرش من نور وجهه). أقول: إن كثيرا من الناس أخطأ فهم كلمة ابن مسعود هذه، والمهم ألا نفهم أن نور الله كالأنوار المحسوسة، وأن ننزه الله عن أن يكون شئ من الأشياء بمثابة الجزء من الله- تعالى الله عن ذلك- قال تعالى: وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (الزخرف: ١٥). ٩ - في قوله تعالى: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ تلخيص لكل آداب المسلم مع المساجد، فأدب المسلم مع المساجد تعظيمها، وذكر الله فيها، وبمناسبة هذه الآية قال ابن كثير: (وقد وردت أحاديث كثيرة في بناء المساجد واحترامها وتوقيرها وتطييبها وتبخيرها، وذلك له محل مفرد يذكر فيه، وقد كتبت في ذلك جزءا على حدة، ولله الحمد والمنة. ونحن بعون الله تعالى نذكر هنا طرفا من ذلك إن شاء الله تعالى وبه الثقة وعليه التكلان، فعن أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من بنى مسجدا يبتغي به وجه الله بنى الله له مثله في الجنة». أخرجاه في الصحيحين. وروى ابن ماجه عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من بنى مسجدا يذكر فيه اسم الله بنى الله له بيتا في الجنة» وللنسائي عن عمرو بن عنبسة مثله. والأحاديث في هذا كثيرة جدا. وعن عائشة ﵂ قالت: أمرنا رسول الله ﷺ ببناء المساجد في الدور، وأن تنظف وتطيب. رواه أحمد وأهل السنن إلا النسائي، ولأحمد وأبي داود عن سمرة بن جندب نحوه وقال البخاري: قال عمر: ابن للناس ما يكنهم، وإياك، أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس». وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد». رواه أحمد وأهل السنن إلا الترمذي. وعن بريدة أن رجلا أنشد

стр. 3593

في المسجد فقال: من دعا إلى الجمل الأحمر فقال النبي ﷺ : «لا وجدت إنما بنيت المساجد لما بنيت له». رواه مسلم. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: «نهى رسول الله ﷺ عن البيع والابتياع، وعن تناشد الأشعار في المساجد». رواه أحمد وأهل السنن. وقال الترمذي حسن. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم من ينشد ضالة في المسجد فقولوا لا ردها الله عليك» رواه الترمذي وقال حسن غريب، وقد روى ابن ماجه وغيره من حديث ابن عمر مرفوعا قال: «خصال لا تنبغي في المسجد: لا يتخذ طريقا، ولا يشهر فيه سلاح، ولا ينبض فيه بقوس، ولا ينثر فيه نبل، ولا يمر فيه بلحم نيء، ولا يضرب فيه، ولا يقتص فيه أحد، ولا يتخذ سوقا» وعن واثلة بن الأسقع عن رسول الله ﷺ قال: «جنبوا المساجد صبيانكم، ومجانينكم، وشراءكم، وبيعكم، وخصوماتكم، ورفع أصواتكم، وإقامة حدودكم، وسل سيوفكم، واتخذوا على أبوابها المطاهر، وجمروها في الجمع» ورواه ابن ماجه أيضا وفي إسنادهما ضعف. أما إنه لا يتخذ طريقا فقد كره بعض العلماء المرور فيه إلا لحاجة، إذا وجد مندوحة عنه. وفي الأثر «وإن الملائكة لتتعجب من الرجل يمر بالمسجد لا يصلي فيه» وأما أنه لا يشهر فيه بسلاح، ولا ينبض فيه بقوس، ولا ينثر فيه نبل، فلما يخشى من إصابة بعض الناس به، لكثرة المصلين فيه، ولهذا أمر رسول الله ﷺ إذا مر رجل بسهام أن يقبض على نصالها؛ لئلا يؤذي أحدا، كما ثبت ذلك في الصحيح. وأما النهي عن المرور باللحم النيء فيه فلما يخشى من تقاطر الدم منه. كما نهيت الحائض عن المرور فيه، إذا خافت التلويث، وأما أنه لا يضرب فيه حد، ولا يقتص منه، فلما يخشى من إيجاد النجاسة فيه من المضروب، أو المقطوع، وأما أنه لا يتخذ سوقا، فلما تقدم من النهي عن البيع والشراء، فإنه إنما بني لذكر الله والصلاة فيه. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لذلك الأعرابي الذي بال في طائفة المسجد «إن المساجد لم تبن لهذا إنما بنيت لذكر الله والصلاة فيها» ثم أمر بسجل من ماء فأهريق على بوله. وفي الحديث الثاني: «جنبوا مساجدكم صبيانكم» وذلك لأنهم يلعبون فيه ولا يناسبهم. وقد كان عمر بن الخطاب ﵁ إذا رأى صبيانا يلعبون في المسجد ضربهم بالمخفقة- وهي الدرة- وكان يعس المسجد بعد العشاء فلا يترك فيه أحدا «ومجانينكم» يعني لأجل ضعف عقولهم، وسخر الناس بهم، فيؤدي إلى اللعب فيها، ولما يخشى من تقذيرهم المسجد ونحو ذلك «وبيعكم وشراءكم» كما تقدم

стр. 3594

«وخصوماتكم» يعني التحاكم والحكم فيه. ولهذا نص كثير من العلماء على أن الحاكم لا ينتصب لفصل الأقضية في المسجد، بل يكون في موضع غيره، لما فيه من كثرة الحكومات والتشاجر والألفاظ التي لا تناسبه، ولهذا قال بعده: «ورفع أصواتكم». روى البخاري عن السائب بن يزيد الكندي قال: كنت قائما في المسجد، فحصبني رجل، فنظرت فإذا عمر بن الخطاب فقال: اذهب فائتني بهذين، فجئته بهما، فقال: من أنتما؟ أو من أين أنتما؟ قالا من أهل الطائف. قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله ﷺ ؟. وقال النسائي ... عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال: سمع عمر صوت رجل في المسجد فقال: أتدري أين أنت؟ وهذا أيضا صحيح. وقوله: «وإقامة حدودكم، وسل سيوفكم» تقدما وقوله «واتخذوا على أبوابها المطاهر» يعني المراحيض التي يستعان بها على الوضوء، وقضاء الحاجة. وقد كانت قريبا من مسجد رسول الله ﷺ آبار يستقون منها، فيشربون ويتطهرون ويتوضئون وغير ذلك. وقوله: «وجمروها في الجمع» يعني بخروها في أيام الجمع لكثرة اجتماع الناس يومئذ. وقد روى الحافظ أبو يعلى الموصلي: ... عن ابن عمر أن عمر كان يجمر مسجد رسول الله ﷺ كل جمعة. إسناده حسن لا بأس به والله أعلم. وقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «صلاة الرجل في الجماعة يضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسا وعشرين ضعفا». وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفع له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة، فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه: اللهم صل عليه، اللهم ارحمه، ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة. وعند الدارقطني مرفوعا «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» وفي السنن «بشر المشائين إلى المساجد في الظلم بالنور التام يوم القيامة» ويستحب لمن دخل المسجد أن يبدأ برجله اليمنى، وأن يقول كما ثبت في صحيح البخاري عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه كان إذا دخل المسجد يقول: «أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم» قال: فإذا قال ذلك، قال الشيطان: حفظ مني سائر اليوم. وروى مسلم بسنده عن أبي حميد- أو أبي أسيد- قال: «إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك. وإذا خرج فليقل: اللهم افتح لي أبواب فضلك». ورواه النسائي عنهما عن النبي ﷺ . وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إذا دخل أحدكم

стр. 3595

المسجد فليسلم على النبي ﷺ وليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك. وإذا خرج فليسلم على النبي ﷺ وليقل: اللهم اعصمني من الشيطان الرجيم» ورواه ابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما. وروى الإمام أحمد عن فاطمة بنت رسول الله ﷺ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا دخل المسجد صلى على محمد وسلم ثم قال: «اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك» وإذا خرج صلى على محمد وسلم ثم قال: «اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب فضلك». ورواه الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: هذا حديث حسن، وإسناده ليس بمتصل لأن فاطمة بنت الحسين الصغرى لم تدرك فاطمة الكبرى. فهذا الذي ذكرناه مع ما تركناه من الأحاديث الواردة في ذلك كله محاذرة الطول داخل في قوله تعالى: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ. ١٠ - وبمناسبة قوله تعالى: يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ رِجالٌ قال ابن كثير (وأما النساء فصلاتهن في بيوتهن أفضل لهن؛ لما رواه أبو داود عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: «صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها». وروى الإمام أحمد عن السائب مولى أم سلمة عن رسول الله ﷺ قال: «خير مساجد النساء قعر بيوتهن» وقال أحمد أيضا: عن أم حميد امرأة أبي حميد الساعدي أنها جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إني أحب الصلاة معك. قال: «قد علمت أنك تحبين الصلاة معي، وصلاتك في بيتك خير من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجدي» قال فأمرت فبني لها مسجد في أقصى بيت من بيوتها، فكانت والله تصلي فيه حتى لقيت الله تعالى» لم يخرجوه؛ هذا ويجوز لها شهود جماعة الرجال بشرط أن لا تؤذي أحدا من الرجال بظهور زينة ولا ريح طيب، كما ثبت في الصحيح عن عبد الله بن عمر أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله» رواه البخاري ومسلم، ولأحمد وأبي داود «وبيوتهن خير لهن» وفي رواية «وليخرجن وهن تفلات» أي لا ريح لهن. وقد ثبت في صحيح مسلم عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود قالت: قال لنا رسول الله ﷺ «إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيبا» وفي الصحيحين عن عائشة رضي

стр. 3596

الله عنها أنها قالت: كان نساء المؤمنين يشهدن الفجر مع رسول الله ﷺ ثم يرجعن متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس، وفي الصحيحين عنها أيضا أنها قالت: لو أدرك رسول الله ﷺ ما أحدث النساء لمنعهن كما منعت نساء بني إسرائيل). ١١ - رأينا في التفسير وفيما نقلناه من فوائد أهمية المساجد في دين الله، ومن ثم فإننا دعونا في كتابنا (جند الله ثقافة وأخلاقا) إلى إحياء المساجد بحلقات العلم والذكر. وفصلنا في ذلك، وبينا أن هذا هو الطريق لإحياء الإسلام في كثير من مناطق العالم الإسلامي، وفصلنا هناك ما ينبغي فعله من أجل أن يقوم هذا الأمر على كماله وتمامه. وتعرضنا للموضوع نفسه في أكثر من مكان من سلسلة (في البناء). ١٢ - قلنا إن هناك اتجاهين في فهم قوله تعالى: رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ الأول أن هؤلاء متفرغون للعبادة. والثاني: أنهم لا يلهيهم العمل مع وجوده عن القيام بالواجبات الدينية. قال ابن كثير: (قال هشيم عن شيبان قال: حدثت عن ابن مسعود أنه رأى قوما من أهل السوق حيث نودي للصلاة المكتوبة، تركوا بياعاتهم ونهضوا إلى الصلاة. فقال عبد الله بن مسعود: هؤلاء من الذين ذكر الله في كتابه رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ الآية. وهكذا روى عمرو ابن دينار القهرماني عن سالم عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه كان في السوق، فأقيمت الصلاة، فأغلقوا حوانيتهم، ودخلوا المسجد، فقال ابن عمر: فيهم نزلت رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ رواه ابن أبي حاتم وابن جرير. وقال ابن أبي حاتم عن أبي الدرداء ﵁ أنه قال: ما يسرني أني قمت على هذا الدرج أبايع عليه، أربح كل يوم ثلاثمائة دينار، أشهد الصلاة في كل يوم في المسجد، أما إني لا أقول إن ذلك ليس بحلال، ولكني أحب أن أكون من الذين قال الله فيهم رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ). أقول: هذا يدل على أن أبا الدرداء قد فهم النص على أن المراد به التفرغ للعبادة، والأكثرون على غير ذلك، قال عمرو بن دينار الأعور: كنت مع سالم بن عبد الله، ونحن نريد المسجد، فمررنا بسوق المدينة وقد قاموا إلى الصلاة وخمروا متاعهم، فنظر سالم إلى أمتعتهم ليس معها أحد، فتلا سالم هذه الآية رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ثم قال: هم هؤلاء. وكذا قال سعيد بن أبي الحسن والضحاك: لا تلهيهم التجارة والبيع أن يأتوا الصلاة في وقتها. وقال مطر الوراق: كانوا يبيعون

стр. 3597

ويشترون، ولكن كان أحدهم إذا سمع النداء وميزانه في يده خفضه وأقبل إلى الصلاة. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ يقول: عن الصلاة المكتوبة، وكذا قال مقاتل بن حيان، والربيع بن أنس. وقال السدي: عن الصلاة في جماعة. وقال مقاتل بن حيان: لا يلهيهم ذلك عن حضور الصلاة، وأن يقيموها كما أمرهم الله، وأن يحافظوا علي مواقيتها وما استحفظهم الله فيها». ١٣ - عند قوله تعالى يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ قال ابن كثير: (وعن ابن مسعود أنه جيء بلبن فعرضه على جلسائه واحدا واحدا، فكلهم لم يشربه؛ لأنه كان صائما، فتناوله ابن مسعود فشربه، لأنه كان مفطرا، ثم تلا قوله يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ). ١٤ - وعند قوله تعالى لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ذكر ابن كثير ما رواه الطبراني عن ابن مسعود عن النبي ﷺ في قوله لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ قال: أجورهم يدخلهم الجنة، ويزيدهم من فضله الشفاعة لمن وجبت له الشفاعة لمن صنع لهم المعروف في الدنيا». ١٥ - في كتابنا (الرسول ﷺ تحدثنا أثناء الكلام عن المعجزة القرآنية عن ما اكتشفه علماء البحار من أن هناك نوعين من الأمواج، في بعض البحار العميقة أمواجا باطنية هي أشد وأعتى من الأمواج الظاهرية، والأمواج الظاهرية المعروفة، وهي قضية لم يعرفها الإنسان إلا في بداية القرن العشرين الميلادي، فإن يذكر الله هذا المعنى في القرآن فذلك من أكبر الأدلة على أن منزل هذا القرآن هو المحيط علما بكل شئ. ١٦ - بمناسبة قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ بمناسبة هذه الآية قلنا إن في هذا النص معجزة علمية وفي ذلك يقول موريس بوكاي: في كتابه (دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة) تحت عنوان (الكهرباء الجوية) قال: الكهرباء الجوية ونتائجها الصواعق والبرد مشار إليها في الآيات التالية: سورة الرعد الآيتان (١٢، ١٣).

стр. 3598

هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ* وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ. سورة النور الآية (٤٣). أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ. وفي هاتين الآيتين تعبير عن علاقة واضحة بين تشكل سحب المطر الثقيلة، أو البرد ووقوع الصاعقة). وقال صاحب الظلال: (إن يد الله تزجي السحاب وتدفعه من مكان إلى مكان. ثم تؤلف بينه وتجمعه، فإذا هو ركام بعضه فوق بعض. فإذا ثقل خرج منه الماء، والوبل الهاطل، وهو في هيئة الجبال الضخمة الكثيفة، فيها قطع البرد الثلجية الصغيرة ... ومشهد السحب كالجبال لا يبدو كما يبدو لراكب الطائرة وهي تعلو فوق السحاب أو تسير بينها، فإذا المشهد مشهد الجبال حقا، بضخامتها، ومساقطها، وارتفاعاتها، وانخفاضاتها، وإنه لتعبير مصور للحقيقة التي لم يرها الناس إلا بعد ما ركبوا الطائرات). ١٧ - بمناسبة قوله تعالى لَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ نذكر بالحديث الذي رواه الحارث الأعور عن الإمام علي عن رسول الله ﷺ في وصف القرآن: «فيه حكم ما بينكم، وخبر ما قبلكم، ونبأ ما بعدكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى من غيره أضله الله ... ». ***

стр. 3599

المقطع الثالث ويمتد من الآية (٤٧) إلى نهاية السورة أي إلى نهاية الآية (٦٤) وهذا هو: [سورة النور (٢٤): الآيات ٤٧ الى ٦٤] وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧) وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتابُوا أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٥٠) إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ (٥٢) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (٥٣) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٥٤) وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٥٥) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٥٦) لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٥٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٨) وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٩) وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللاَّتِي لا يَرْجُونَ نِكاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٦٠) لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَواتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خالاتِكُمْ أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتاتاً فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦١) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٢) لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٦٣) أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٤)

стр. 3600

بين يدي المقطع الثالث: ١ - يبدأ المقطع الثالث بنفي الإيمان عن أناس، وينتهي بتعريف أهل الإيمان: وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ لاحظ قوله تعالى وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ وينتهي المقطع بقوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ ... فالمقطع يبدأ بنفي الإيمان عن أناس، وينتهي بإثبات الإيمان لأناس وذلك من مظاهر وحدته. ٢ - رأينا أن المقطع الثاني قد تحدث عن المهتدين وعن الكافرين، وختم بقوله تعالى لَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وبعد ذلك يأتي هذا المقطع لينفي الإيمان والهداية عن ناس يتظاهرون بالإيمان، وليشد عزائم أهل الإيمان، ثم ليوجه أهل الإيمان إلى كمالاتهم قال النسفي: (لما ذكر إنزال الآيات، ذكر بعدها افتراق الناس إلى ثلاث فرق: فرقة صدقت ظاهرا وكذبت باطنا، وهم

стр. 3601

المنافقون، وفرقة صدقت ظاهرا وباطنا، وهم المخلصون، وفرقة كذبت ظاهرا وباطنا، وهم الكافرون، على هذا الترتيب وبدأ بالمنافقين) أقول: يلاحظ أن قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ... قد سبق بكلام عن المؤمنين والمنافقين وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ ... وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ ثم جاء قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً. وهاهنا بدأ الكلام عن المنافقين، ثم كان كلام عن المؤمنين، ثم جاءت أوامر لأهل الإيمان تفصل أحكاما من الإسلام. ٣ - يتألف المقطع من ثلاث مجموعات، أو من مجموعتين وخاتمة: المجموعة الأولى في المنافقين والمؤمنين والكافرين، وفيها وعد لأهل الإيمان، والمجموعة الثانية فيها توجيهات عملية لأهل الإيمان، والمجموعة الثالثة وفيها تعريف لأهل الإيمان. ٤ - سبق هذا المقطع بقوله تعالى لَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ وقد أنزلت هذه الآيات على محمد رسول الله ﷺ ، وهذا يقتضي أدبا مع رسول الله ﷺ ، ومن ثم فإن المقطع فصل في هذا الشأن: وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ ... قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ... إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ ... لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً .... ٥ - رأينا أن محور سورة النور هو قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ* فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ وهذا المقطع يعمق الالتزام بالإسلام، وينفي الصوارف عن الالتزام به، فمن الصوارف عن الالتزام بالإسلام كله؛ ظن بعض الناس أن الكافرين أقوياء، والمقطع يقول لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ والمقطع يعد أهل الإيمان بالاستخلاف وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ... والمقطع يبين أن عدم الالتزام

стр. 3602

بالإسلام يعني النفاق، وإذ كانت إقامة الإسلام كله تقتضي عملا جماعيا، فإن المقطع يحدثنا عن بعض آداب الاجتماعات في الإسلام: وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ. ٦ - وقد بدأت السورة بقوله تعالى سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ ولقد جاء هذا المقطع نموذجا آخر على الآيات البينات في السورة، ولذلك نجد فيه تأكيدا على ذلك: كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ. وقد قدم صاحب الظلال للمجموعة الأولى في هذا المقطع بقوله: (بعد تلك الجولة الضخمة في مجالي النور، في مشاهد الكون الكبير .. يعود سياق السورة إلى موضوعها الأصيل. موضوع الآداب التي يربي عليها القرآن الجماعة المسلمة، لتتطهر قلوبها وتشرق، وتتصل بنور الله في السماوات والأرض. ولقد تناول في الدرس الماضي حديث الرجال الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة. وحديث الذين كفروا وأعمالهم ومآلهم، وما هم فيه من ظلمات بعضها فوق بعض. فالآن في هذا الدرس يتحدث عن المنافقين، الذين لا ينتفعون بآيات الله المبينات ولا يهتدون. فهم يظهرون الإسلام، ولكنهم لا يتأدبون بأدب المؤمنين في طاعة رسول الله- ﷺ وفي الرضى بحكمه، والطمأنينة إليه. ويوازن بينهم وبين المؤمنين الصادقين في إيمانهم. أولئك الذين وعدهم الله الاستخلاف في الأرض، والتمكين في الدين، والأمن في المقام، جزاء لهم على أدبهم مع الله ورسوله. وطاعتهم لله ورسوله. وذلك على الرغم من عداء الكافرين. وما الذين كفروا بمعجزين في الأرض ومأواهم النار وبئس المصير .. ) ثم قدم صاحب الظلال لما بعد المجموعة الأولى من المقطع بقوله: (إن الإسلام منهاج حياة كامل؛ فهو ينظم حياة الإنسان في كل أطوارها ومراحلها، وفي كل علاقاتها وارتباطاتها، وفي كل حركاتها وسكناتها. ومن ثم يتولى بيان الآداب اليومية الصغيرة، كما يتولى بيان التكاليف العامة الكبيرة؛ وينسق بينها

стр. 3603

جميعا، ويتجه بها إلى الله في النهاية. وهذه السورة نموذج من ذلك التنسيق. لقد تضمنت بعض الحدود إلى جانب الاستئذان على البيوت. وإلى جانبها جولة ضخمة في مجالي الوجود. ثم عاد السياق يتحدث عن حسن أدب المسلمين في التحاكم إلى الله ورسوله، وسوء أدب المنافقين. إلى جانب وعد الله الحق للمؤمنين بالاستخلاف والأمن والتمكين. وها هو ذا في هذا الدرس يعود إلى آداب الاستئذان في داخل البيوت؛ إلى جانب الاستئذان من مجلس رسول الله- ﷺ وينظم علاقة الزيارة والطعام بين الأقارب والأصدقاء؛ إلى جانب الأدب الواجب في خطاب الرسول ودعائه ... فكلها آداب تأخذ بها الجماعة المسلمة وتنتظم بها علاقاتها. والقرآن يربيها في مجالات الحياة الكبيرة والصغيرة على السواء). المجموعة الأولى وهي إحدى عشرة آية وَيَقُولُونَ أي يقول المنافقون بألسنتهم وهو خلاف ما في قلوبهم آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ أي صدقنا بقلوبنا بالله وبالرسول وَأَطَعْنا الله والرسول ثُمَّ يَتَوَلَّى أي يعرض عن الانقياد لحكم الله ورسوله فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ أي من بعد إعلانهم الإيمان والإسلام، وإعطائهم الطاعة، فهم يخالفون أقوالهم بأعمالهم، فيقولون ما لا يفعلون، ولهذا قال تعالى وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ المخلصين، قال النسفي: (وهو إشارة إلى القائلين آمنا وأطعنا، لا إلى الفريق المتولي وحده، وفيه إعلام من الله بأن جميعهم منتف عنهم الإيمان؛ لاعتقادهم ما يعتقد هؤلاء، والإعراض وإن كان من بعضهم فالرضا بالإعراض من كلهم) وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ الرسول ﷺ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ أي فاجأ الإعراض من فريق منهم وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ أي إذا كان الحق لهم على غيرهم يَأْتُوا إِلَيْهِ أي إلى الرسول ﷺ مُذْعِنِينَ أي جاءوا سامعين مسرعين في الطاعة؛ طلبا لحقهم، لا رضا بحكم رسولهم قال النسفي: والمعنى: أنهم لمعرفتهم أنه ليس معك إلا الحق المر، والعدل الحق، يمتنعون عن المحاكمة إليك، إذا وكبهم الحق؛ لئلا تنتزعه من أحداقهم بقضائك عليهم لخصومهم، وإن ثبت لهم حق على خصم أسرعوا إليك ولم يرضوا إلا بحكومتك؛ لتأخذ لهم ما وجب لهم في ذمة الخصم) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ من

стр. 3604

أمراض القلوب أَمِ ارْتابُوا أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ قال النسفي: (قسم الأمر في صدودهم عن حكومته إذا كان الحق عليهم بأن يكونوا مرضى القلوب، منافقين أو مرتابين في أمر نبوته، أو خائفين الحيف في قضائه) ثم أبطل خوفهم حيفه بقوله بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ أي لا يخافون أن يحيف عليهم لمعرفتهم بحاله وإنما هم ظالمون، يريدون أن يظلموا من له الحق عليهم، وذلك شئ لا يستطيعونه في مجلس رسول الله ﷺ ، فمن ثم يأبون المحاكمة إليه، قال ابن كثير في الآية: (يعني لا يخرج أمرهم عن أن يكون في القلوب مرض لازم لها، أو قد عرض لها شك في الدين، أو يخافون أن يجور الله ورسوله عليهم في الحكم، وأيا ما كان فهو كفر محض، والله عليم بكل منهم، وما هو منطو عليه من هذه الصفات ... ) كلمة في السياق: رأينا أن محور السورة هو قوله تعالى: ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً والآيات التي مرت معنا تذكر ناسا يتظاهرون بالدخول في الإسلام، ولكنهم إذا دعوا إلى الاحتكام إلى الإسلام في أمر يتعارض مع مصالحهم رفضوا أن يحتكموا إلى الإسلام وأهله، فهؤلاء ليسوا من الداخلين في الإسلام، وبعد أن عرض الله لنا هذه الظاهرة التي تتنافى مع الهدى والإسلام، يعرض الآن موقف المؤمنين الصادقين إذا دعوا إلى الله ورسوله، ويعطينا بذلك علامة من علامات الاهتداء والدخول في الإسلام كله، ثم يبشر هؤلاء: إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ أي إلى كتابه وَرَسُولِهِ أي إلى شخصه في حياته ﷺ وإلى سنته بعد وفاته لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا أي سمعا وطاعة، أي سمعنا قول الله والرسول، وأطعنا أمر الله والرسول، فهذه علامة الاهتداء، وعلامة الدخول في الإسلام كله، ولهذا وصفهم الله بالفلاح: وهو نيل المطلوب، والسلامة من المرهوب وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ أي الفائزون، ثم بشرهم ووعدهم مع التفصيل في وصف من هو مظنة هذا الخلق فقال: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ في كتابه وفرائضه وَرَسُولَهُ في أوامره وسنته وَيَخْشَ اللَّهَ على ما مضى من ذنوبه وَيَتَّقْهِ فيما يستقبل فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ الذين فازوا بكل خير، وأمنوا من كل شر في الدنيا والآخرة.

стр. 3605

كلمة في السياق: أعطانا الله فيما مر معنا من آيات المجموعة ميزانا نعلم به صدق الإنسان في دعواه الدخول في الإسلام وبهذا الميزان نعرف الصادق من الكاذب. إن ميزان الصدق في الدخول في الإسلام كله هو: قبول الاحتكام إلى الله والرسول ﷺ والسمع والطاعة، والخشية والتقوى، وهذه علامة الهداية إلى الصراط المستقيم الذي تحدثت عنه الآية السابقة على هذه المجموعة: وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. وإن علامة النفاق رفض الاحتكام إلى الله والرسول، وهي علامة الضلال، وعلامة عدم الدخول الصادق في الإسلام وعلامة عدم الدخول في الصراط المستقيم، فالصلة بين آيات المجموعة وبين ما سبقها واضحة، والصلة بينها وبين محور السورة واضحة، فلنر الآن الصلة بينها وبين سياق السورة الخاص: قال الله تعالى في مقدمة السورة سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ والآيات التي مرت معنا فيها فريضة من فرائض الله، وهي قبول الاحتكام لله والرسول ﷺ ، وفيها آيات بينات تعظ المسلم وتذكره؛ وتعظه من أن ينحرف عن أمر الله، أو يشك، أو يرتاب، أو يرفض الاحتكام إلى الله والرسول، أو يرفض الإذعان الكامل في أي حال. وبعد أن تقرر أن طاعة الرسول ﷺ فريضة من فرائض الله، وأنها علامة الإيمان الصادق، ومظهر الدخول في الإسلام، والصراط المستقيم، فإن المجموعة تتجه لعرض موقف المنافقين من الطاعة، ثم لعرض الموقف الصحيح منها، ثم تعقب بوعد لأهل الإيمان، كما عرضت موقف المنافقين من الاحتكام إلى الله والرسول ﷺ ، والموقف الصحيح من ذلك، ثم أتبعت ذلك بوعد. فالمجموعة تسجل موقفا خاطئا، ثم تصحح، ثم تعد، ثم تعود لتسجيل موقف خاطئ، ثم تصحح، ثم تعد. إن رفض الاحتكام إلى الله والرسول من قبل المنافق هو أثر عن تصوره أن الفلاح والفوز الرفض، فعند ما يسجل الله الموقف الصحيح، ويبين أن الفلاح والفوز في غير ذلك، فذلك تصحيح وتوجيه.

стр. 3606

وعند ما يعطي المنافق الطاعة بلسانه ويمنعها على أرض الواقع، فإنما يفعل ذلك لعدم تصوره الصحيح لرعاية الله للمسلمين، فعند ما يأتي في هذا المقام وعد من الله، وشروط تحقيق هذا الوعد، فإن في ذلك تصحيحا وتوجيها. وفي ذلك مظهر من مظاهر تكامل المجموعة. إن الذي يصرف الناس عن الدخول في الإسلام، والالتزام به، هو خطؤهم في فهم التكليف الإلهي أو تصورهم أن الدولة لا تكون للمسلمين، أو توهمهم أن الكافرين لا يغلبون والآيات الآتية من المجموعة تعالج ذلك كله. وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ أي حلف المنافقون بالله جهد اليمين، ووصفت أيمانهم بذلك لأنهم يبذلون فيها مجهودهم، وذلك يكون إذا بالغ الحالف في اليمين فبلغ غاية شدتها ووكادتها لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ أي حلفوا لئن أمرنا محمد ﷺ بالخروج إلى الغزو لنغزون، أو لئن أمرنا بالخروج من ديارنا لنخرجن قُلْ لا تُقْسِمُوا أي لا تحلفوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ أي طاعة معروفة أمثل بكم وأولى لكم من هذه الأيمان الكاذبة، أو الذي يطلب منكم طاعة معروفة، أي معلومة لا يشك فيها، ولا يرتاب، كطاعة المخلص من المؤمنين، لا أيمان تقسمون بها بأفواهكم، وقلوبكم على خلافها، وقيل معناه: طاعتكم طاعة معروفة، أي قد عرفت طاعتكم إنما هي قول لا فعل معه، وكلما حلفتم كذبتم، وفي ذلك إشارة إلى أن من سجيتهم الكذب، حتى فيما يختارونه، وقيل معناه: ليكن أمركم طاعة بالمعروف، من غير حلف ولا أقسام، كما يطيع الله ورسوله المؤمنون بغير حلف، فكونوا أنتم مثلهم إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ أي هو خبير بكم، وبمن يطيع ممن يعصي، فالحلف وإظهار الطاعة والباطن بخلافه وإن راج على المخلوق، فالخالق تعالى يعلم السر وأخفى، لا يروج عليه شئ من التدليس، بل هو خبير بضمائر عباده، وإن أظهروا خلافها، وفي ذلك تهديد لهم أن يفضحوا قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ قال ابن كثير: أي اتبعوا كتاب الله وسنة رسوله فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ يريد فإن تتولوا فما ضررتموه، وإنما ضررتم أنفسكم؛ فإن الرسول ﷺ ليس عليه إلا ما حمله الله تعالى، وكلفه من أداء الرسالة، فإذا أدى فقد خرج عن عهدة تكليفه، وأما أنتم فعليكم ما كلفتم من التلقي بالقبول والإذعان والعمل، فإن لم تفعلوا وتوليتم فقد عرضتم نفوسكم لسخط الله وعذابه وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا أي وإن أطعتموه فيما يأمركم وينهاكم، فقد

стр. 3607

أحرزتم نصيبكم من الهدى فالضرر والنفع عائدان إليكم وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ أي إلا أن يبلغ فليس له نفع في قبولكم، وليس عليه ضرر في توليكم الْمُبِينُ أي الظاهر الواضح لكونه مقرونا بالآيات والمعجزات. كلمة في السياق: رأينا أن هذا المقطع قد سبق بقوله تعالى لَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وقد ذكر الله في آخر آية عرضناها: وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا فدل على أن الصراط المستقيم هو الطاعة لله والرسول، وقد عرض الله علينا فيما مر ظاهرتين خاطئتين تتنافيان مع الطاعة والاهتداء وهما: رفض الاحتكام إلى الله والرسول، وادعاء الطاعة باللسان، والأمر على خلافه، وهذا يدلنا على أن الصراط المستقيم مظهره قبول الاحتكام إلى الله والرسول ﷺ في كل شئ، والطاعة الكاملة في الظاهر والباطن، والآن تأتي بشارة لأهل الإيمان بالاستخلاف، ومجئ هذه البشارة في هذا المقام يشير إلى أن المنافقين ليس لهم في هذه البشارة نصيب، وإنما هي بشارة لمن دخل دخولا حقيقيا في الصراط المستقيم، أي هي بشارة لمن دخل في الإسلام كله، اعتقادا وعملا، وقام بحق التكليف الإلهي. وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً وعدهم الله أن ينصر الإسلام على الكفر، ويورثهم الأرض، ويجعلهم خلفاء فيها كما فعل بمن حمل دينه من قبل، وأن يمكن الدين المرتضى وهو الإسلام- وتمكينه تثبيته وتوطيده- وأن يؤمن سربهم، ويزيل عنهم الخوف الذي كانوا عليه، وقد فعل ﷻ ، ونسأله سبحانه أن يفعل، فنحن الآن في غربة الإسلام، ونحن في خوف وضعف يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً يحتمل أن يكون المراد: أن هذا التمكين من أجل أن يعبدوا، ويمكن أن يكون المراد أن هذا التمكين يكون في حال كونهم عابدين وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ أي بعد هذا التمكين فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ أي هم الكاملون في فسقهم، حيث كفروا تلك النعمة الجسيمة، وجسروا على غمطها، وهي آية تدل على صحة الإسلام، وهي نعمة تستوجب الشكر لا الكفر. وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ قال النسفي: (معطوف على قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا

стр. 3608

الرَّسُولَ ولا يضر الفصل وإن طال). أقول: مجئ هذا الأمر بعد الوعد- مع كونه معطوفا على ما ذكر- يفيد أن عليكم أن تفعلوا ذلك في كل الأحوال قبل الاستخلاف وبعده وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فيما يدعوكم إليه، قال النسفي: (وكررت طاعة الرسول تأكيدا لوجوبها) لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ أي لكي ترحموا، فإنها من مستجلبات الرحمة. كلمة في السياق: من خلال العرض السابق اتضحت لنا خصائص رئيسية في الإيمان والنفاق، واتضحت لنا أوامر هي من الإسلام، واتضح لنا ما وعد به أهل الإسلام الصادقون. وقد رأينا أن ذلك كله يتفق مع محور السورة، الآمر بالدخول في الإسلام كله ويتفق مع سياق السورة، والآن يأتي نهي ينهى عن خلق يتنافى مع الإسلام، وهو أن يظن مسلم بأن الكافرين لا يغلبون، وفي النص إشارة إلى أن الكافرين قد يمتلكون من أسباب القوة أكثر مما يملكه المسلمون، ويأتي هذا بعد البشارة بالاستخلاف، حتى لا يتوهم متوهم أن قوة الكافرين تحول دون استخلاف الله للمسلمين. لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ أي فائتين الله، بألا يقدر عليهم فيها وَمَأْواهُمُ النَّارُ أي لا يفوتون الله، ومأواهم النار وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ أي المرجع، وأي مصير أفظع من النار، وبئس المآل، وبئس القرار، وبئس المهاد. وبهذا انتهت المجموعة الأولى، وقد رأينا محلها في السياق الخاص، ومحلها في السياق العام، ومحلها في خدمة محور السورة، والآن تأتي المجموعة الثانية، وهي مجموعة تتحدث عن مواضيع لها علاقة في الاستئذان، ودخول البيوت، وهو موضوع مر معنا قبل المقطع الثاني، فكأن ما يرد هنا استمرار لما ورد هناك. غير أنه قد فصل بين آيات الاستئذان بمعان متعددة، بعضها يقتضيه سياق الآيات التي ورد فيها الاستئذان هناك، وبعضها يخدم قضية الاستئذان هاهنا. جاءت آيات الاستئذان هناك في سياق الكلام عن القذف والزنى فلم يتناسب في ذلك السياق أن يذكر موضوع الاستئذان من قبل المماليك والصغار ... ، ثم إن موضوع الاستئذان بالنسبة للطوافين يحتاج إلى مقدمات، ولذلك فقد جاء هنا بعد

стр. 3609

مقدمات طويلة توطئ للالتزام. لقد جاء في وسط السورة مقطع يتحدث عن الهداية والضلال، ثم جاءت مجموعة تتحدث عن علامات الهداية والضلال، وكل ذلك قبل ما تبقى من المقطع الثالث لاحتياج هذه المعاني إلى تلك التوطئات. لقد جاءت في وسط السورة آيات فيها معان تخدم الالتزام في الأحكام، وجاء على حافتي هذه الآيات آيات فيها أحكام. وقبل أن نعرض آيات المجموعة الثانية من المقطع الثالث فلنذكر بعض النقول والفوائد. نقل: بمناسبة قوله تعالى وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ .. قال الأستاذ المودودي في تفسيره لسورة النور: (هذا وعد من الله تعالى للمسلمين، بأنه سيجعلهم خلفاء الأرض- أي أئمة الناس وقادتهم- والمقصود من هذه الآية- كما أشرنا إليه من قبل- تنبيه المنافقين على أن هذا الوعد الذي قد قطعه الله ﵎ للمسلمين، ليس الخطاب فيه لكل من ينتمي إلى الإسلام ولو اسما، بل إنما هو للمسلمين الذين هم صادقون في إيمانهم، وصالحون باعتبار أخلاقهم وأعمالهم، ومتبعون لدين الله الذي قد ارتضاه لهم، وملتزمون لعبادته وعبوديته وحده، وغير مشركين به شيئا، وأما الذين ليسوا على تلك الصفات، وإنما يدعون الإيمان بألسنتهم، فلا يستأهلون هذا الوعد؛ لأنه لم يقطع لهم، فلا يرجون أن ينالوا نصيبا منه. قد رأينا بعض المغرضين من الناس يجعلون «الخلافة» بمعنى: مجرد الملك والقهر والغلبة والحكم والتمكن، ثم يستنتجون من هذه الآية أن كل من حصل له العلو والغلبة في الأرض، فهو مؤمن صالح، متبع لدين الله المرتضى، قائم بعبوديته مجتنب للشرك به. بل هم- فوق ذلك- يبدلون مفهوم كل كلمة من كلمات الإيمان والصلاح والدين والعبادة والشرك، حتى يجعلوها متفقة مع أهوائهم ونظريتهم الزائغة هذه. فهذا أشنع تحريف معنوي للقرآن، قد فاق تحريف اليهود والنصارى لكتبهم، عند ما أعطى لآية الاستخلاف هذه معنى يريد أن يمسخ تعليم القرآن كله، ولا يترك شيئا من الإسلام في مقامه، فإنه لا بد- بعد هذا التحريف للخلافة- أن تنطبق هذه الآية على كل من

стр. 3610

لهم العلو والغلبة في الأرض اليوم، أو كانت لهم في الزمن الماضي، ولو كانوا جاحدين بالله والرسالة والوحي واليوم الآخر، منغمسين في أدناس الفسق والفجور التي قد عدها القرآن من الكبائر، كأكل الربا، وارتكاب الزنا، وشرب الخمر، ولعب الميسر، وما إليها. فإن كان أمثال هؤلاء من المؤمنين الصالحين، ولأجل إيمانهم وصلاحهم نالوا العلو والغلبة في الأرض، فأي معنى يمكن أن يكون للإيمان غير الإذعان لقوانين الطبيعة، وللصلاح غير العمل وفق هذه القوانين؟ وماذا يمكن أن يكون دين الله المرتضى غير بلوغ الكمال في العلوم الطبيعية وترقية الصناعة والتجارة والسياسة القومية؟ وهل يمكن بعد التسليم بنظريتهم الزائغة أن تكون عبادة الله غير التزام القواعد والضوابط التي تساعد على بلوغ النجاح في السعي الفردي والاجتماعي فقط؟ وهل يبقي الشرك إذن عبارة عن شئ غير مزج هذه القواعد والضوابط المفيدة بالطرق المضرة؟ ولكن هل لأحد قد قرأ القرآن مرة بقلب مفتوح، وعينين مبصرتين أن يقول بأن هذه هي المعاني لكلمات الإيمان، والعمل الصالح، ودين الحق، والعبادة، والتوحيد، والشرك المذكورة في القرآن؟ الحقيقة أنه لا يكاد يقول بهذه المعاني إلا رجل لم يكن قد قرأ القرآن ولا مرة واحدة من بدئه إلى آخره، مع فهم معانيه، وإدراك مقاصده، وإنما أخذ آية من هنا وأخرى من هناك فحرفها وفقا لأهوائه ونظرياته وأفكاره، أو رجل ما زال عند قراءته للقرآن يبطل ويخطئ بزعمه جميع الآيات التي فيها دعوة للناس إلى الإيمان بالله ربا واحدا، وإلها لا شريك له، وبوحيه الذي أنزله على رسوله وسيلة وحيدة لمعرفة الهداية، وبكل نبي أرسله إلى الدنيا قائدا، يجب على الناس أن يطيعوه، أو فيها الأمر للناس باعتقاد حياة أخرى بعد هذه الحياة الدنيا، بل قيل لهم فيها أن لا فلاح للذين يريدون الحياة الدنيا فقط، وهم عن الآخرة غافلون. وهذه الموضوعات قد أبدئ في ذكرها وأعيد في القرآن بكثرة، وبطرق مختلفة، وبألفاظ واضحة صريحة، حيث يتعسر علينا تصديق أن يقرأ أحد القرآن- بإخلاص وأمانة- ثم يقع في مثل الأخطاء والأغلوطات التي قد وقع فيها هؤلاء المفسرون الجدد لآية الاستخلاف، فالحقيقة أن المعنى الذي بينوه لكلمتي: الخلافة والاستخلاف، وعلى أساسه قد رفعوا بناءهم، إنما اختلقوه من عند أنفسهم، ولا يكاد يقول به أحد يعرف القرآن. إن القرآن يستعمل كلمة الخلافة بثلاثة معان مختلفة، وفي كل موضع من مواضع
следующие страницы →