Полный текст (6 440 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
وذهب جمهور العلماء إلى أن الحر لا يقتل بالعبد، وأن المسلم لا يقتل بالكافر لقوله ﵊ في حديث البخاري: «لا يقتل مسلم بكافر». وقد حمل الحنفية هذا النص على الكافر الحربي. فإنه لا يقتل به مسلم ولا ذمي.
وقال الحسن وعطاء: (لا يقتل الرجل بالمرأة لهذه الآية). وخالفهم الجمهور لآية المائدة، ولقوله ﵊: «المسلمون تتكافأ دماؤهم».
وقال الليث: (إذا قتل الرجل امرأته، لا يقتل بها خاصة). وقد خولف في ذلك.
٢ - قال مالك في المشهور عنه، وأبو حنيفة وأصحابه، والشافعي، وأحمد في أحد قوليه: ليس لولي الدم أن يعفو على الدية إلا برضا القاتل. وقال الباقون: له أن يعفو عليها، وإن لم يرض القاتل، وعليه الدية.
٣ - مذهب الأئمة الأربعة، والجمهور أن الجماعة يقتلون بالواحد. قال عمر في غلام قتله سبعة فقتلهم: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم. ولا يعرف له في زمانه مخالف من الصحابة، وذلك كالإجماع. وحكي عن الإمام أحمد رواية أن الجماعة لا يقتلون بالواحد، ولا يقتل بالنفس إلا نفس واحدة. وحكاه ابن المنذر عن معاذ، وابن الزبير،
وعبد الملك بن مروان، والزهري، وابن سيرين، وحبيب بن أبي ثابت. ثم قال ابن المنذر: (وهذا أصح. ولا حجة لمن أباح قتل الجماعة. وقد ثبت عن ابن الزبير ما ذكرناه. وإذا اختلف الصحابة، فسبيله النظر).
٤ - عند ما يكون للقتيل أولياء، فإن أيا ممن له الولاية المباشرة يحق له أن يعفو.
وبالتالي يسقط القصاص، وتجب الدية وذهب طائفة من السلف إلى أنه ليس للنساء عفو. منهم الحسن، وقتادة، والزهري، وابن شبرمة، والليث، والأوزاعي. وخالفهم الباقون.
٥ - مما يشهد لمن ذهب أن الحر يقتل بالعبد، ولو كان سيدا له. الحديث: «من قتل عبده قتلناه، ومن جدع عبده جدعناه، ومن خصاه خصيناه».
٦ - هل تعتبر آية كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ .. من باب المنسوخ، نسختها آية: النَّفْسَ بِالنَّفْسِ؟. ذهب إلى ذلك طائفة من العلماء.
والموضوع متعلق بتعريف النسخ، وما يدخل ضمنه، إذ إن آية المائدة لم تلغ ما دخل في هذه الآية بل وضحته، أو زادت عليه. فهذه الآية خصصت الحكم بنوع، وتخصيصها
стр. 387
بنوع لا ينفيه عن نوع آخر. بل يبقى الحكم موقوفا على ورود دليل آخر. وقد جاء الدليل في سورة المائدة.
شبهة:
يحاول بعض الخبثاء؛ وبعض الجاهلين أن ينسفوا التشريع الإسلامي بحجة كثرة الأقوال والمذاهب في بعض المسائل. والجواب:
١ - ما اختلف فيه لا يكون علة لنسف ما لم يختلف فيه. فمثلا في مسألتنا لم يختلف في قتل المسلم بالمسلم، أو في قتل الكافر بالمسلم. فالاختلاف في شئ لا يعني الاختلاف في كل شئ. فإذا كانوا صادقين بأنهم مؤمنون مسلمون، فليسلموا بما لا خلاف فيه، وليطبقوه. على أن ما اختلف فيه، سبيله النظر، الترجيح بطرق الترجيح التي يعتمدها أهل الحل والعقد في هذه الأمة.
٢ - إن ما اختلف فيه لا ينبغي أن يكون سببا لترك الشريعة. إذ هو حجة للشريعة إذ إن الأقوال الكثيرة في المسألة الواحدة، تجعلنا أمام خيار واسع، نختار منها ما يصلح لزماننا، وقطرنا، وحالنا. على شرط أن يكون الاختيار من أهله، ومراعى فيه الدليل، ومتحققة فيه المصلحة.
٣ - في الشريعة الإسلامية أعطي الإمام أو نائبه حق الترجيح والاختيار لما اختلف فيه من آراء. وفي ذلك ضمان لوحدة التشريع والقانون. فالاختلافات المذهبية إذن لا تعني عدم وحدة القانون المطبق على الأمة، أو على قطر من أقطارها. فكم من ميزة لهذا الإسلام ينكرونها ليجعلوها مأخذا.
محل هذه الفقرة من السياق:
رأينا أن سورة البقرة بدأت بوصف المتقين في مقدمتها. ثم جاء السياق ب يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ليدعو الناس أن يكونوا من المتقين بسلوك طريق ذلك. وطريق ذلك: العبادة لله وحده بمفهومها الواسع الذي بينه السياق حتى نهاية آية البر.
ثم جاء هذا المقطع ليذكر لنا طريقا مساعدا للتقوى، وهو القصاص وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ.
стр. 388
فلا تقوى إلا بقصاص، ولا قصاص إلا بدولة وحكومة، ولا نكون من المتقين المهتدين بهدي كتاب الله- وهي الصفة الأولى من صفات المتقين- حتى نقيم القصاص بإقامة الدولة التي تقيمه، ورقابتها، ومحاسبتها. فليعلم ذلك الذين يظنون أن التقوى مجرد صلاة، وليعلم ذلك الذين لا يبذلون أدنى جهد صحيح لإقامة حكم الله في الأرض. فالسياق إذن ماض على نسق واحد هو الدعوة إلى التقوى، بتبيانها، وتبيان طريقها، وتعميق مفاهيمها.
توضيح هام:
التقوى: هي تنفيد ما يطالب به كل إنسان من كتاب الله، وسنة رسوله. والمحاسبة تكون على التقصير ضمن الوسع. فمثلا أنا كمسلم لا أستطيع أن أطبق حكم القصاص بمفردي. ولكي أبرئ ذمتي عند الله علي أن أبذل جهدا من أجل الوصول إلى تطبيق حكم القصاص والعمل ضمن وسعي، إما بالسعي نحو إقامة الحكومة الإسلامية حال فقدها، أو بتذكيرها حال وجودها، أو بالسعي نحو العفو في كل حال.
الفقرة الثانية:
كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ* فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ* فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
اتجاهات المفسرين في هذه الفقرة:
هل الآية الأولى في هذه الفقرة منسوخة بآية المواريث الموجودة في سورة النساء؟ أو أن آية المواريث مفسرة لها؟ أو أن آية المواريث إنما رفعت حكم بعض أفراد ما دل عليه عموم آية الوصية؟. ثلاثة أقوال في الآية، الذي عليه عامة الفقهاء هو الأول. والذي نقله الرازي عن أبي مسلم الأصفهاني هو الثاني ثم قال أي الرازي: (وهو قول أكثر المفسرين، والمعتبرين من الفقهاء). والقول الثالث ذهب إليه الكثير، منهم ابن عباس، والحسن، ومسروق، وطاوس، والضحاك، ومسلم بن يسار، والعلاء بن زياد، وغيرهم.
وسنرى أنه من الناحية العملية لا يترتب على هذا الخلاف كبير أمر في موضوع التطبيق. وإنما الموضوع مرتبط بذوقية تذوق القرآن، وبانسجام الفهم للنص مع
مجموعة النصوص.
وسنشرح الآية شرحا حرفيا وكليا على ضوء القول الأول، ثم الثاني، ثم الثالث.
стр. 389
شرح الآية على القول الأول:
اشتملت هذه الآية الكريمة على الأمر بالوصية للوالدين والأقربين. وقد كان ذلك واجبا قبل نزول آية المواريث. فلما نزلت آية الفرائض نسخت هذه وصارت المواريث المقدرة فريضة من الله، يأخذها أهلوها حتما من غير وصية ولا تحمل منة الموصي. فإذا اتضح هذا، صار المعنى الحرفي:
كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ: أي فرض عليكم إذا دنا الموت من أحدكم فظهرت عليه أماراته. إِنْ تَرَكَ خَيْراً: أي ترك ما لا كثيرا. وحدده ابن عباس بستين دينارا فما فوق الْوَصِيَّةُ أي فرضت الوصية قضاء لحق القرابة والوالدين.
لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ أي بالرفق والإحسان. حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ: أي واجبا على الذين يتقون الله.
فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ أي فمن بدل الوصية وحرفها، فغير حكمها، وزاد فيها، أو نقص- ويدخل في ذلك الكتمان لها بطريق الأولى- فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ: أي إثم التبديل على المبدل دون غيره من الموصي والموصى له. لأنهما بريئان من الحيف. وللميت الأجر. إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ: أي قد اطلع على ما أوصى به الميت، وهو عليم بذلك، وبما بدله المبدلون. فهو سميع لقول الموصي، عليم بجور المبدل
فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ: أي من علم منه.
جَنَفاً أَوْ إِثْماً. الجنف: هو الميل عن الحق بالخطإ، والإثم: هو الميل المتعمد عن الحق هنا. فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ: أي بين الموصى لهم وهم الوالدان والأقربون، بأن يعدل عن الذي أوصى به الميت إلى ما هو أقرب الأشياء وأشبهها بالحق والعدل. فهذا الإصلاح والتوفيق ليسا من التبديل في شئ. فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ: في هذا التبديل. لأن تبديله تبديل باطل إلى حق. وقيل هذا في حال حياة الموصي. أي فمن حضر وصيته فرآه على خلاف الشرع فنهاه عن ذلك وحمله على الصلاح، فلا إثم على هذا الموصي بما قال أولا.
أو فلا إثم على هذا الناصح. إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ: يغفر لمن أصلح ويرحمه. أو يغفر لمن وقع في الخطأ ثم تراجع عنه، ويرحمه.
هذا شرح الآيتين على القول بأنهما منسوختان. نسختهما آيات المواريث.
وأما شرح الآيتين على القول الثاني فهو:
كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ: أي فرض عليكم
стр. 390
أيها المسلمون إذا مات أحدكم وترك مالا أن تنفذوا ما وصاكم الله به في صلة الوالدين والأقربين. والتي حددها الله في هذه الحالة بآيات الميراث فيما بعد. بِالْمَعْرُوفِ:
أي بالعدل وذلك بإعطاء كل ذي حق حقه، كما حدده الله تعالى. قال ﵊ بعد أن أنزلت آيات الميراث: «إن الله قد أعطى لكل ذي حق حقه. فلا وصية لوارث». حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ: إن تطبيق هذه الوصية وإعطاء الوارثين حقوقهم أمر واجب على المتقين. فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ: فمن بدل حكم الله في قضايا الإرث بعد ما سمعه فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ: فإنما إثم التبديل على من فعله. إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً: أي فمن خاف من مورث أوصى جنفا: أي خطأ بأن زاد وارثا بواسطة أو وسيلة كما لو أوصى ببيعه الشئ الفلاني محاباة، أو أوصى لابن بنته ليزيدها، أو نحو ذلك من الوسائل. إما مخطئا غير عامد، بل بطبعه وقوة شفقته من غير تبصر أو متعمدا آثما. فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ: بأن أرجع الأمور إلى نصابها في تطبيق حكم الله في قضايا الإرث. فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ، بل هو مأجور لإقامة أمر الله. إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وعلى هذا الاتجاه فهذه الفقرة مقدمة لآيات الميراث وبإطلاقها تطبق على مرحلة ما قبل نزول آيات الميراث، فهي تمهيد لما بعدها وحل مؤقت لبعض الأمور.
شرح الفقرة على القول الثالث:
القول الثالث: أن هذه الآية ثابتة فيمن لا يرث، منسوخة فيمن يرث. فالأقربون أعم ممن يرث أو من لا يرث. فرفع حكم من يرث بما عين له. وبقي الآخر على ما دلت عليه الآية الأولى. وهذا الاتجاه لا يصح إلا إذا اعتبرنا أن الوصية في الأصل كانت ندبا، وبقيت مندوبة. وعلى هذا ف كُتِبَ في الآية، المراد بها على رأي هؤلاء، ندب. وهذا يخالف ظاهر الآية وسياقها. إلا إذا اعتبرنا قوله تعالى: حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ في الآية تخصيصا. بمعنى أن هذا على من اتقى كالفريضة. إذ التقي يأخذ بالعزيمة من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين. فعلى هذا فإن في آية الميراث في سورة النساء حكما مستقلا، لأهل الفروض والعصبات رفع به حكم هذه الآية بالنسبة لهم بالكلية. وبقي الأقارب الذين لا ميراث لهم. يستحب للمسلم أن يوصي لهم من الثلث استئناسا بآية الوصية، وشمولها. وللأحاديث الواردة في ذلك. فلنذكرها أولا.
ثم نشرح الآية على ضوء ذلك.
стр. 391
١ - في الصحيحين أن سعدا قال يا رسول الله: «إن لي مالا، ولا يرثني إلا ابنة لي. أفأوصي بثلثي مالي؟ قال: لا. قال: فبالشطر؟. قال لا. قال: فالثلث؟.
قال: الثلث. والثلث كثير، إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس». وفي صحيح البخاري أن ابن عباس قال: لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع. فإن رسول الله ﷺ قال: «الثلث. والثلث كثير».
٢ - في الصحيحين عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «ما حق امرئ مسلم له شئ يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده». قال ابن عمر: ما
مرت علي ليلة منذ سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك إلا وعندي وصيتي.
٣ - في مسند عبد بن حميد عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : يقول الله تعالى: «يا ابن آدم. ثنتان لم يكن لك واحدة منهما: جعلت لك نصيبا في مالك حين أخذت بكظمك به، وأزكيك. وصلاة عبادي عليك بعد انقضاء أجلك».
أي إن الله من علينا بما شرع لنا من الوصية التي تنفعنا بعد موتنا كما من علينا بقبوله دعوات المؤمنين لأمواتهم.
فإذا اتضح هذا، صار معنى الآية على هذا الاتجاه:
كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ: أي يستحب لكم أن توصوا لمن لا يرث من الأقربين بشيء من أموالكم في حدود الثلث. أما الوارثون، فإرثهم- ضمن ما حدد الله في سورة النساء- واجب. بِالْمَعْرُوفِ: أي في حدود الثلث بعد ما نزلت آية المواريث. حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ: من الأوصياء والشهود. فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ: فما إثم التبديل إلا على مبدله. والأجر كامل للموصي. إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ* فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً. بأن زاد على الثلث في الوصية، أو أوصى لوارث خطأ أو عمدا. فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ بإجراء الأمور على طريق الشرع. فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
هذا شرح لهذه الفقرة كما رأينا على كل الاتجاهات الرئيسية لفهمها ومنه نعلم أنه لا يترتب على الخلاف في فهمها كبير أمر فالإجماع منعقد على ألا وصية لوارث والإجماع منعقد على استحباب الوصية.
стр. 392
فوائد:
١ - مر معنا حديث ابن عمر عن رسول الله ﷺ قال: «ما حق امرئ مسلم له شئ يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده».
وقد حمل العلماء هذا على من عليه دين، أو عنده مال لقوم، أو كانت له حقوق على الناس يخاف تلفها على الورثة. فعندئذ تكون الوصية في حقه واجبة. أما عن سوى ذلك. فالوصية في حقه مندوبة، أن يوصي أهله بتقوى الله، والاستمرار على الإسلام وألا يفعلوا منكرا في جنازته. ثم إذا ترك مالا، فالمستحب في حقه أن يوصي لغير الوارثين من الأقربين، والأرحام، والفقراء، وأوجه الخير.
٢ - هناك اتجاه يرى أن الوصية للوالدين والأقربين من غير الوارثين واجب، كما إذا كان الوالدان كافرين. وبناء على هذا الاتجاه، فقد اعتمد قانون الأحوال الشخصية في بعض الأقطار الإسلامية وجوب الوصية لابن الابن إذا توفي أبوه في حياة جده.
٣ - قال القرطبي في قوله تعالى: فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ (الخطاب .. لجميع المسلمين. قيل لهم: إن خفتم من موص ميلا في الوصية، وعدولا إلى زوج ابنته، أو لولد ابنته، لينصرف المال إلى ابنته، أو إلى ابن ابنه، والغرض أن ينصرف المال إلى ابنه، أو أوصى لبعيد وترك القريب، فبادروا إلى السعي في الإصلاح بينهم. فإذا وقع الصلح سقط الإثم عن المصلح والإصلاح فرض على الكفاية. فإذا قام أحدهم به سقط الإثم عن الباقين، وإن لم يفعلوا أثم الكل) أي ممن يعلم.
٤ - أخرج عبد الرزاق عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة. فإذا أوصى، حاف في وصيته فيختم له بشر عمله.
فيدخل النار. وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشر سبعين سنة فيعدل في وصيته، فيختم له بخير عمله، فيدخل الجنة». قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها. الآية وقد وصف ابن كثير هذا الحديث بأنه أحسن ما ورد في هذا الباب.
٥ - قال النسفي في الآية: (وقيل غير منسوخة لأنها نزلت في حق من ليس بوارث بسبب الكفر. لأنهم كانوا حديثي عهد بالإسلام. يسلم الرجل ولا يسلم أبواه وقرائبه. والإسلام قطع الإرث. فشرعت الوصية فيما بينهم قضاء لحق القرابة ندبا.
стр. 393
وعلى هذا لا يراد ب كُتِبَ فرض). اه.
وهذا القول يمشي على الاتجاه الثالث.
محل هذه الفقرة في السياق:
في الفقرة السابقة ذكر أن القصاص عامل من عوامل التقوى في المجتمع الإسلامي، وفي هذه الفقرة ذكر أن تطبيق حكم الله في موضوع الوصية والميراث حق على المتقين.
فدل ذلك على أن من صفات المتقين، الاهتداء بهدى الله في موضوع الوصية والميراث.
محل هذا المقطع في السياق:
رأينا أن هذا المقطع يتألف من فقرتين، وفيه فريضتان: فريضة لها علاقة بالتشريع الجنائي. وفريضة لها علاقة بالأموال. وقد ربطت كل من القضيتين بقضية التقوى، التي هي عنوان التربية القرآنية عامة، ومضمون السياق الرئيسي في سورة البقرة حتى نهاية هذا القسم خاصة. وهذا المقطع جزء من هذا السياق. فهو يبين أن من التقوى اتباع الكتاب في موضوع الأنفس وفي موضوع الأموال.
стр. 394
المقطع الثالث من القسم الثاني:
يمتد هذا المقطع من الآية (١٨٣) إلى نهاية القسم الثاني. أي إلى نهاية الآية (٢٠٧). ونكتفي بذكر فقراته فقرة فقرة عند تفسيرها بدلا من ذكره كله هاهنا.
كلمة في هذا المقطع وسياقه:
١ - يتألف هذا المقطع من ست فقرات: فقرة حول الصوم كطريق إلى التقوى.
وفقرة حول بعض الأحكام المالية. وفقرة حول تصحيح مفهوم خاطئ في شأن الدخول إلى البيوت. وفقرة حول القتال والإنفاق. وفقرة حول الحج والعمرة. وفقرة حول صنفين من الناس. وكل هذه الفقرات صلتها بالتقوى موجودة. إذ لا زال الكلام عنها يشكل السياق الرئيسي في السورة. ففي هذا المقطع يوجد في شأن التقوى إما دلالة على طريق يوصل إليها، وإما تصحيح مفهوم حولها، أو تذكير بخلق من أخلاقها.
٢ - نلاحظ أن هذا القسم بدأ بقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ. إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ. وفي المقطع الأول يبين الله ما حرم علينا من الخبائث الطعامية: من دم، وميتة، ولحم خنزير، إلا في حالة الاضطرار.
وفي المقطع الثاني رأينا قضية القصاص والدية. ورأينا قضية الوصية. والدية والوصية لهما صلة بقضية المال الحلال من وجه. وفي هذا المقطع يأتي الأمر بالصوم. وإذن فالأمر بإباحة الأكل الحلال، مقيد بألا يكون في وقت الصوم من رمضان. ثم يأتي قوله تعالى: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ .... ولذلك صلة في موضوع الحلال، وترك اتباع خطوات الشيطان. ثم يأتي سؤال له صلة في الحج، ثم كلام عن قتال له صلة في المسجد الحرام. ثم يأتي كلام عن الحج. وفي ذلك كله تعميق لقضية عدم اتباع خطوات الشيطان. فالصوم عامل مساعد على عدم اتباع خطوات الشيطان، وأكل الحلال كذلك. ثم إن إتيان البيوت من ظهورها، وفتنة أهل الله عن دينهم، وترك القتال في سبيل الله، وترك الإنفاق، وترك إقامة المناسك كل ذلك من اتباع خطوات الشيطان. ثم يعرض علينا المقطع نموذجين من الناس. نموذجا خالصا لله.
ونموذجا خالصا للسير في طريق الشيطان. فصلة المقطع الثالث بفقراته كلها بالمقطع الأول ذات مظاهر متعددة أشرنا إلى بعضها من قبل. وهذه بعض مظاهرها هنا.
стр. 395
٣ - قلنا من قبل إن القسم الأول وطأ للقسم الثاني. وجاءت هذه التوطئة على تسلسل معين، بحيث إن ما يرد في القسم الثاني تتسلسل معانيه بحيث تتوافق مع تسلسل المعاني في القسم الأول. فمعاني المقطع الأول والثاني والثالث من القسم الأول وطأت لمعاني المقطع الأول في هذا القسم. وهكذا. ولو أنك تأملت قضية الصوم في هذا المقطع، وصلتها بتزكية النفس، وورود آية الدعاء في وسط ذلك. ثم لو رأيت مجموعة ما ورد بعد ذلك من معان تصحيحية أو أوامر مربية، أو موجهة، أو معان لها صلة بالمناسك.
وتذكرت قوله تعالى في مقطع إبراهيم: وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ.
وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا، لو أنك تأملت هذا كله لرأيت مظهرا جديدا من مظاهر التوطئة التي قدم لها القسم الأول للقسم الثاني.
٤ - جاءت آية الإنفاق في المقطع بين آيات القتال، وآيات الحج. لأن القتال والحج يحتاجان إلى مال وإنفاق. وذلك كله جاء بعد الأمر بإتيان البيوت من أبوابها.
والقتال والحج يحتاجان إلى أن يسلك الإنسان الطريق المؤدي إلى إنجاحهما. وذلك كله جاء بعد النهي عن أكل أموال الناس بالباطل والرشى، لأن من يأكل أموال الناس بالباطل لا يضحي بنفسه، ولا ينفق، ولا يحج إلا على مرض يقل فيه الإخلاص أو ينعدم. وذلك كله مسبوق بالكلام عن الصوم مما يشير إلى أهمية الصوم في تحقيق أمر الله في هذه الأمور كلها. فالحج والقتال يحتاجان إلى صبر، والصوم صبر. وترك أكل أموال الناس بالباطل يحتاج إلى ضبط نفس، والصوم ضبط نفس. والإنفاق يحتاج إلى دوافع. وفي شهر الصوم يكثر الإنفاق ويعتاده الإنسان. ولهذا وغيره من الحكم تقدم الكلام عن الصوم فقرات هذا المقطع.
٥ - ولقد قلنا أكثر من مرة: إن الإسلام أركان وبناء، الأركان هي الشهادتان والصلاة، والزكاة، والصوم والحج. أخذا من الحديث: «إن الإسلام بني على خمس».
وأما البناء فهو أحكام الله في كل شئ. فالإسلام مجموع أحكام الله في العقائد والعبادات ومناهج الحياة وغير ذلك.
وسورة البقرة عرضت حتى نهاية هذا القسم- في جملة ما عرضت- للأركان الخمسة فذكرت الإيمان الذي رمزه العملي الشهادتان، وذكرت الصلاة والزكاة والصوم والحج. وكان ذلك مقدمة للقسم الثالث الذي سيدعو إلى الدخول في الإسلام كله.
وخلال عرضها لقضية الأركان ذكرت أمورا كثيرة مما يشير إلى عدم انفصال الأركان عن
стр. 396
البناء ومما يشير إلى الأسس النظرية والعملية لهذه الأركان، ومما يدل على أن الوضع السليم أن ينبثق عن الإيمان عمل، وأن العمل الصالح بعضه مرتبط ببعض، وكل ذلك مرتبط بصلاح النفس لصلاح الحياة بالله ولله.
وسنعرض فقرات هذا المقطع حتى ينتهي. ثم نعقب بكلمة عنه، وعن القسم كله.
الفقرة الأولى:
[سورة البقرة (٢): الآيات ١٨٣ الى ١٨٥]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤) شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ
الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)
стр. 397
كلمة في الفقرة:
يلاحظ أن الفقرة مبدوءة بقوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وانتهت بقوله تعالى كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ.
نلاحظ كلمة التقوى في الآية الأولى وفي الآية الأخيرة. فهذه الفقرة إذن تشرح طريقا جديدا من طرق التقوى.
فعبادة الله طريق إلى التقوى، والقصاص عامل من عوامل التقوى، والصيام طريق من طرق التقوى. ولأهمية الصيام جعل ركنا من أركان الإسلام، كالشهادتين والصلاة والزكاة. وبهذا المقطع تتأكد التقوى في الأنفس ويصبح عند المسلم استعداد عملي كامل لاتباع كتاب الله في كل شأن. ومن ثم تأتي أوامر، ونواه، وتقريرات مباشرة، بلا أي نداء مباشر حتى آخر هذا المقطع ليأتي بعد ذلك قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً.
وسنشرح هذه الفقرة آية آية، شرحا حرفيا. وإذا كان من فائدة لها علاقة بآية نأتي بها مباشرة بعد الآية. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ أي: فرض عليكم الصيام. كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أي: كما فرض على الأمم من قبلكم من لدن آدم ﵇ إلى عهدكم. لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الله باجتناب معاصيه.
لأن الصيام أضبط للنفس، وأردع لها عن مواقعة السوء. أو لعلكم تنتظمون في زمرة
стр. 398
المتقين. إذ الصوم شعارهم. والصيام هو الإمساك عن الطعام والشراب والجماع والمفطرات، من طلوع الفجر الصادق إلى الغروب، بنية الصوم لله .
خاطب الله المؤمنين من هذه الأمة آمرا لهم بالصيام، لما فيه من زكاة النفوس وطهارتها، وتنقيتها من الأخلاط الرذيلة. وذكر أنه إن أوجبه عليهم، فقد أوجبه على من كان قبلهم. فلهم فيهم أسوة. والحكمة من الصوم، تحصيل التقوى، لما في الصوم من تزكية للبدن، وتضييق مسالك الشيطان. ولهذا ثبت في الصحيحين: «يا معشر الشباب. من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج.
ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء».
فوائد:
١ - في كتاب الأركان الأربعة لأبي الحسن الندوي عرض للصوم كما هو الآن في الأديان العالمية الكبيرة، كالنصرانية، واليهودية، والهندوسية .. مما يثبت أن الصوم لم تخل منه ديانة. وهذا الذي ذكره القرآن هنا. ولكن أهل الأديان حرفوا، وبدلوا، وزادوا، ونقصوا كما هي عادتهم في كل شئ وسننقل كلام الأستاذ الندوي في نهاية الحديث عن الصوم.
٢ - إن الحكمة من فرض الصوم علينا هي الوصول إلى التقوى. فمن صام رمضان ثم لم يحصل التقوى فقد فرط، إن الإيمان بالغيب وإن التوحيد هما البذرة التي تتفرع عنهما شجرة الإسلام لتؤتي ثمارها، والصلاة هي الغذاء اليومي لهذه الثمرة، والإنفاق هو الذي يجتث الحشائش الضارة من أرض القلب، كالشح والبخل والحرص.
ويأتي الصوم ليضبط الاندفاعات النفسية الخاطئة في أخطر مظاهرها، شهوة الفرج، وشهوة البطن، إذ يعود المسلم على ضبط ذلك، ثم يأتي الحج ليسقي بذرة الإيمان تسليما. فبقدر ما يعطي المسلم لكل ركن من أركان الإسلام مداه في نفسه ومن نفسه فإنه يكمل بذلك وتكمل بذلك تقواه. إن الصوم تعويد للناس على ضبط شهواتها، كما أنه تخل لله عن شهوات النفس طاعة لله، وإن آثار ذلك لمن فعله إيمانا واحتسابا هي أن يكرم الله الصائم بتحقيقه بالتقوى التي فيها جماع خيرى الدنيا والآخرة، تلك هي الحكمة الرئيسية في الصوم وهي التي نصت عليها الآية الأولى من فقرة الصوم. فإذا
стр. 399
صام الإنسان وأقام فرائض شهر الصوم، وسننه، فإنه يخرج بزاد من التقوى يحمله سنة. فالصلاة في أوقاتها، والصوم في وقته، والحج إذا أدي، والإنفاق إذا كان، كل ذلك زاد القلب المتكامل الذي من آثاره القيام بأمر الله في كل شئ والذي من ثمراته الاستقامة على أمر الله. ولنعد إلى التفسير:
أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ أي: كتب عليكم أن تصوموا أياما مؤقتات بعدد معلوم. وهذا يفيد القلة فكأنه إشعار بسهولة ما كلفنا به فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ أي: فمن كان منكم يخاف من الصوم زيادة المرض، أو بطء البرء، أو يخاف المرض بسبب الصوم بغلبة الظن، إما بإمارة، أو تجربة، ولو كانت من غير المريض عند اتحاد المرض، أو بإخبار طبيب حاذق مسلم عدل، أو مجهول الحال، لم يظهر له فسق ولا عدالة. أو كان مسافرا سفرا شرعيا، بأن يكون قاصدا موضعا يبعد عن بلده مسافة واحد وثمانين كيلومترا- على اجتهاد بعضهم- بشرط أن يكون قد أنشأ السفر قبل الفجر، ليصح له أن يفطر اليوم الأول وذلك يقتضي أن يكون متلبسا بالسفر عند الفجر- على الرأي الأحوط- فأفطر فعليه صيام عدد أيام فطره. والعدة بمعنى: المعدوم. أي: أمر أن يصوم أياما معدودة بدل أيام مرضه وسفره. وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ في هذا النص اتجاهان رئيسيان، الاتجاه الأول:
أنه قبل: يُطِيقُونَهُ توجد (لا) مقدرة فصار المعنى: وعلى الذين لا يستطيعونه، كالشيخ الفاني الذي فنيت قوته، وعجز عن الأداء وهو في تناقص إلى أن يموت، والعاجز عن الصوم عجزا مستمرا، والمريض اليائس من الصحة، فهؤلاء يفطرون وعليهم فدية وجوبا إطعام مسكين يوما عن كل يوم. أو أن يدفع إليه نصف صاع من بر، أو صاعا من غيره عن كل يوم، أو ثمنه. والصاع حوالي أربعة كيلوغرام في أول تقدير الحنفية. في أول الشهر أو أوسطه أو آخره، أو بعد ذلك. وعلى هذا الاتجاه، فهذا النص
غير منسوخ. وأما الاتجاه الثاني في فهمه، فكما قال معاذ: كان هذا في ابتداء الأمر. من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم عن كل يوم مسكينا. قال النسفي:
وكان ذلك في بدء الإسلام فرض عليهم الصوم ولم يتعودوه، فاشتد عليهم، فرخص لهم في الإفطار والفدية. ثم نسخ التخيير بقوله: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ.
ولهذا كرر قوله: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ لأنه لما كان مذكورا مع المنسوخ ذكر مع الناسخ ليدل على بقاء هذا الحكم. قال ابن كثير: فحاصل الأمر أن النسخ ثابت في حق الصحيح المقيم بإيجاب الصيام عليه بقوله: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ.
стр. 400
بقوله: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ.
وأما الشيخ الفاني الذي لا يستطيع الصيام فله أن يفطر ولا قضاء عليه .. ولكن هل يجب علية إذا أفطر أن يطعم عن كل يوم مسكينا إذا كان ذا جدة. فيه قولان .. والثانى هو الصحيح، وعليه أكثر العلماء أنه يجب عليه فدية عن كل يوم فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً بأن زاد على مقدار الفدية فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ فالتطوع او الخير خير له وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ إن كان عندكم علم. وهذا يتمشى مع الاتجاه الثاني في فهم النص. أي على اعتبار أن هذه الآية منسوخة أما على الاتجاه الأول الذي لا يفيد النسخ فإن المعنى يكون: وصيامكم في السفر والمرض خير لكم لأنه أشق عليكم إن كان عندكم علم. وهل المقصود بالعلم، العلم بالآخرة؟ أم العلم بما يضر وينفع للروح والجسد في الحياة الدنيا؟. العموم يشمل الجميع. فالصوم خير كله.
فوائد:
١ - أكثر العلماء على أن هذا النص منسوخ بالآية بعده. ولعدم النسخ وجه تؤيده قراءة حفصة ﵂: (وعلى الذين لا يطيقونه) ومثل هذه القراءة الشاذة لا تثبت قرآنا ولكنها تفيد تفسيرا.
٢ - المرضع والحامل إذا خافتا على نفسيهما أو ولديهما نسبا كان أو رضاعا، فإنه يباح لهما الفطر يوم العذر. وكذلك للمريض. أما المسافر فقد رأينا أنه لا يباح له الفطر يوم السفر، إلا إذا كان سفره قبل الفجر في رأي من ذهب إلى ذلك من العلماء كما سنرى.
٣ - ضعف أنس عن الصوم. فصنع جفنة من ثريد، فدعا ثلاثين مسكينا فأطعمهم.
٤ - في قوله تعالى: وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ. بيان أن العلم فيه بيان لخيرية الصوم. وأنه كلما ازدادت معارف الإنسان الدينية أو الدنيوية يتأكد هذا المعنى. فكم للصوم من آثار طيبة في شفاء أمراض الجسد. وكم من آثار طيبة في شفاء النفس، وقد كتبت في هذا الموضوع الكتب ودبجت المقالات بأقلام أطباء ومجربين مرضى فلله الحمد.
شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ: يمتدح الله تعالى شهر رمضان، وتخصيصه بفريضة الصوم من بين الشهور. بإنزال القرآن فيه إما بابتداء إنزاله فيه- وكان
стр. 401
ذلك في ليلة القدر-. أو بإنزاله فيه إلى السماء الدنيا، أو بالاثنين معا. هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ: هذا مدح للقرآن الذي أنزله الله هدى لقلوب العباد ممن آمن به، وصدقه، واتبعه، ودلائل وحججا بينة واضحة جلية لمن فهمها وتدبرها، دالة على صحة ما جاء به من الهدى والرشاد، المنافي للضلال، والمخالف للغي، ومفرقا بين الحق والباطل، والحلال والحرام، فالفرقان: هو ما يفرق بين الحق والباطل، والبينات: الواضحات المكشوفات. فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ أي فمن كان شاهدا، أي حاضرا مقيما غير مسافر في الشهر فليصم فيه ولا يفطر.
ونسخت هذه الآية الإباحة المتقدمة لمن كان صحيحا مقيما أن يفطر ويفدي. ولما حتم الصيام. أعاد ذكر الرخصة للمريض وللمسافر في الإفطار بشرط القضاء كما مر. ليعلم أن هذا مما لم ينسخ فقال: وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ:
وجمهور السلف والخلف على أنه لا يجب التتابع في القضاء. بل إن شاء فرق، وإن شاء تابع. لأن التتابع إنما وجب في الشهر لضرورة أدائه في الشهر. يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ: حيث أباح الفطر في السفر والمرض. وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ: أي إنما أمركم بالقضاء لتكملوا عدة شهركم. وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ: أي ولتذكروا الله عند انقضاء عبادتكم معظمين إياه على نعمة هدايتكم إلى صراطه المستقيم في كل شئ، وفي أمر الصوم. وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ: أي إذا قمتم بما أمركم الله من طاعته بأداء فرائضه، وترك محارمه، وحفظ حدوده. فلعلكم أن تكونوا من الشاكرين بذلك.
فوائد:
١ - قال الحنفية: صوم المسافر أفضل من فطره إذا لم يضره، ولم تكن عامة رفقته مفطرين، ولا مشتركين في النفقة. فإن كانوا مشتركين أو مفطرين ولو أكثرهم فالأفضل فطره، موافقة للجماعة. وقال الشافعي: الصيام في السفر أفضل من الإفطار .. وقالت طائفة: بل الإفطار أفضل أخذا بالرخصة. وقالت طائفة: هما سواء. وقيل إن شق الصيام فالإفطار أفضل. قال ابن كثير: فأما إن رغب عن السنة، ورأى أن الفطر مكروه إليه فهذا يتعين عليه الإفطار ويحرم عليه الصيام والحالة هذه.
٢ - روى الإمام أحمد عن رسول الله ﷺ قوله: «إن خير دينكم أيسره. إن خير دينكم أيسره». وفي الصحيحين عنه ﵊ قال: «يسروا ولا تعسروا
стр. 402
وسكنوا ولا تنفروا». وفي الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال لمعاذ وأبي موسى حين بعثهما إلى اليمن: «بشرا ولا تنفرا ويسرا ولا تعسرا، وتطاوعا
ولا تختلفا». وفي السنن والمسانيد أن رسول الله ﷺ قال: «بعثت بالحنيفية السمحة».
٣ - استدل قوم بقوله تعالى هنا: وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ: على مشروعية التكبير في عيد الفطر. حتى ذهب داود الظاهري إلى وجوبه. وقال الحنفية: يكبر في طريقه إلى المصلى سرا بحيث يسمع نفسه. وعامة العلماء على استحبابه يوم الفطر.
٤ - روى الإمام أحمد عن واثلة بن الأسقع أن رسول الله ﷺ قال: «أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان. وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان، والإنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان. وأنزل الله القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان». وأخرج ابن مردويه من حديث جابر وفيه: «أن الزبور أنزل لثنتي عشرة خلت من رمضان، والإنجيل لثماني عشرة، والباقي كما تقدم».
قال ابن كثير: وأما الصحف والتوراة والزبور والإنجيل فنزل كل منها على النبي الذي أنزل عليه جملة واحدة. وأما القرآن فإنما نزل جملة واحدة إلى بيت العزة من السماء الدنيا. وكان ذلك في شهر رمضان في ليلة القدر منه .. ثم نزل بعد مفرقا بحسب الوقائع على رسول الله ﷺ . هكذا روي من غير وجه عن ابن عباس.
وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ. فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ: قال ابن كثير: وفي ذكره تعالى هذه الآية الباعثة على الدعاء متخللة بين أحكام الصيام، إرشاد إلى الاجتهاد في الدعاء عند إكمال العدة، بل وعند كل فطر كما رواه الإمام أبو داود .. عن عبد الله بن عمر قال:
سمعت رسول الله ﷺ يقول: «للصائم عند إفطاره دعوة مستجابة». فكان عبد الله ابن عمر إذا أفطر دعا أهله وولده ودعا. وروى- ابن ماجه في سننه عن عبد الله بن عمر قال: قال النبي ﷺ : «إن للصائم عند فطره دعوة ما ترد». قال عبيد الله بن أبي مليكة: سمعت عبد الله بن عمر يقول إذا أفطر: «اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شئ أن تغفر لي» وفي مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حين يفطر، ودعوة المظلوم يرفعها الله دون الغمام يوم القيامة، وتفتح
стр. 403
لها أبواب السماء، ويقول: بعزتي لأنصرنك ولو بعد حين». اه.
أسباب النزول:
أخرج ابن أبي حاتم: .. : أن أعرابيا قال: يا رسول الله- صلى الله عليك وسلم- أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ فسكت النبي ﷺ . فأنزل الله: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي .. الآية إذا أمرتهم أن يدعوني، فدعوني استجبت. وأخرج ابن جرير عن الحسن قال: سأل أصحاب رسول الله ﷺ : أين ربنا؟ فأنزل الله :
وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ .... وقال ابن جريج عن عطاء أنه بلغه لما نزلت: وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ. قال الناس: لو نعلم أي ساعة ندعو؟. فنزلت: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي ....
المعنى الحرفي:
وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ:
هذا وعد صدق من الله لا خلف فيه، غير أن إجابة الدعوة لا تعني بالضرورة قضاء الحاجة، فإجابة الدعوة أن يقول العبد: يا رب، فيقول الله: لبيك عبدي. وهذا أمر موعود موجود لكل مؤمن، وقضاء الحاجة: إعطاء المراد. وذا قد يكون ناجزا، وقد يكون بعد مدة، وقد يكون في الآخرة، وقد يكون الخيرة له في غيره.
فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي: إذا دعوتهم للإيمان والطاعة، كما أني أجيبهم إذا دعوني لحوائجهم وَلْيُؤْمِنُوا بِي: بوجودي وأسمائي الحسنى، وصفاتي العليا، وقربي، وإجابتي.
لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ: أي ليكونوا على رجاء من إصابة الرشد، وهو ضد الغي.
أحاديث وآثار:
١ - روى الإمام أحمد عن أبي سعيد أن النبي ﷺ قال:
«ما من مسلم يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث خصال: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها» قالوا: إذن نكثر. قال: «الله أكثر».
٢ - روى البزار عن أنس عن النبي ﷺ قال:
«يقول الله تعالى: يا ابن آدم. واحدة لك، وواحدة لي، وواحدة فيما بيني وبينك.
стр. 404
فأما التي لي: فتعبدني لا تشرك بي شيئا. وأما التي لك: فما عملت من شئ، أو عمل، وفيتكه. وأما الذي بيني وبينك: فمنك الدعاء، وعلي الإجابة».
٣ - أخرج الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال:
«القلوب أوعية. وبعضها أوعى من بعض. فإذا سألتم الله أيها الناس فاسألوه وأنتم موقنون بالإجابة. فإنه لا يستجيب لعبد دعاه عن ظهر قلب غافل».
٤ - أخرج البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال:
«يستجاب لأحدكم ما لم يعجل. يقول: دعوت فلم يستجب لي».
٥ - قالت عائشة ﵂:
«ما من عبد مؤمن يدعو الله بدعوة فتذهب حتى تعجل له في الدنيا، أو تؤخر له في الآخرة إذا لم يعجل، أو يقنط. قال عروة: قلت: يا أماه. كيف عجلته وقنوطه؟.
قالت: يقول: سألت فلم أعط، ودعوت فلم أجب».
٦ - أخرج الإمام أحمد عن سلمان الفارسي ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال:
«إن الله تعالى ليستحيي أن يبسط العبد يديه يسأله فيهما خيرا فيردهما خائبتين».
٧ - وأخرج الإمام أحمد عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال:
«يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا دعاني».
٨ - في الصحيحين وفي مسند الإمام أحمد عن أبي موسى الأشعري قال:
كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة. فجعلنا لا نصعد شرفا، ولا نعلو شرفا، ولا نهبط واديا، إلا رفعنا أصواتنا بالتكبير. قال: فدنا منا فقال: «يا أيها الناس: أربعوا على أنفسكم. فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا. إنما تدعون سميعا بصيرا. إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته. يا عبد الله بن قيس: ألا أعلمك كلمة من كنوز الجنة: لا حول ولا قوة إلا بالله».
أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ. فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ. وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ
стр. 405
الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ. تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها. كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ.
المعاني العامة:
في هذه الآية رخصة من الله تعالى للمسلمين، ورفع لما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام. فإنه كان إذا أفطر أحدهم، إنما يحل له الأكل والشرب والجماع إلى صلاة العشاء، أو ينام قبل ذلك. فمتى نام أو صلى العشاء، حرم عليه الطعام والشراب والجماع إلى الليلة القابلة. فوجدوا من ذلك مشقة كبيرة. فأنزل الله في هذه الآية رخصة.
وفي هذه الآية بيان لمكان الزوج من زوجته، ومكان الزوجة من زوجها. كما أن فيها تحديد وقت الصوم، وتحديد وقت الفطر، وإباحة ما أبيح بين الوقتين. كما أن فيها إشارة إلى الاعتكاف. وما يحظر فيه. وختمت الآية بالتحذير من مجاوزة حدود الله. وتبيان فضل الله على هذه الأمة، إذ بين لها طريق النجاة في الدنيا والآخرة.
من أسباب النزول:
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: كان المسلمون في شهر رمضان إذا صلوا العشاء حرم عليهم النساء والطعام إلى مثلها من القابلة، ثم إن أناسا من المسلمين أصابوا من النساء والطعام فى شهر رمضان بعد العشاء- منهم عمر بن الخطاب- فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ . فأنزل الله تعالى عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ.
المعنى الحرفي للآية:
أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ: الرفث هنا الجماع. والليل من غروب الشمس إلى طلوع الفجر. فصار المعنى: أبيح لكم إتيانكم نساءكم في ليلة صومكم. والدليل أن الجماع يدخل في كلمة الرفث هنا، استعمال كلمة إِلى.
فدل على أن ما قبلها قد تضمن معنى الإفضاء. هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ:
هذا استئناف، وهو كالبيان لسبب الإحلال. وهو إنه إذا كانت بينكم وبينهن مثل هذه المخالطة والملابسة قل صبركم عنهن. وصعب عليكم اجتنابهن. فلذا رخص لكم في مباشرتهن. شبهت الزوجة باللباس لزوجها، وشبه الزوج باللباس لزوجته، بجامع المخالطة والمماسة والمضاجعة، فناسب هذا الترخيص بالجامعة في ليل رمضان. لئلا
стр. 406
يشق عليهم ويحرجوا. عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ: أي تظلمونها بالجماع والأكل والشرب بعد العشاء، أو بعد النوم فتنقصونها حظها من الخير.
والاختيان من الخيانة. كالاكتساب من الكسب فيه زيادة وشدة. فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ: أي ما فعلتموه قبل الرخصة، وذلك من كمال رحمته ﷻ ، ولعلم الله من قلوبهم الندم على المخالفة إذا واقعوها. فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ: أي جامعوهن في ليالي الصوم. وهو أمر إباحة. وسميت المجامعة مباشرة لالتصاق بشرتيهما. وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ: أي واطلبوا ما قسم الله لكم، وأثبت في اللوح من الولد بالمباشرة. وفي ذلك لفت نظر إلى أن المباشرة ليست لقضاء الشهوة وحدها. ولكن لابتغاء ما وضع الله له النكاح من التناسل. ويحتمل أن يكون المعنى:
واطلبوا المحل الذي كتبه الله لكم وحلله، وهو الفرج، دون ما لم يكتب لكم من المحل المحرم، كالدبر وكالفرج حال الحيض والنفاس وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ: كما رخص لهم الجماع في ليلة الصيام، فقد رخص لهم الأكل والشرب. وحدد نهاية الوقت المبيح، وهو نهاية الليل، وهو طلوع الفجر. والخيط الأبيض هو أول ما يبدو من الفجر المعترض المستطير. والخيط الأسود هو ما يمتد من سواد الليل. شبها بخيطين: أبيض وأسود لامتدادهما.
وقوله تعالى:
مِنَ الْفَجْرِ: بيان أن الخيط الأبيض من الفجر لا من غيره. واكتفى به عن بيان الخيط الأسود لأن بيان أحدهما بيان للآخر.
قال ابن كثير: (وكان رجال إذا أرادوا الصوم، ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض، والخيط الأسود: فلا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما. فأنزل الله: مِنَ الْفَجْرِ. فعلموا أنما يعني الليل والنهار) وقوله تعالى: حَتَّى يَتَبَيَّنَ: فيه بيان أن إباحة الأكل والجماع والشرب يستمر حتى يتبين الفجر. فإذا ما تبين دخول الفجر ارتفعت الإباحة. وفي إباحته تعالى جواز الأكل إلى طلوع الفجر دليل على استحباب السحور، لأنه من باب الرخصة، والأخذ بها محبوب، واستحباب تأخيره. ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ: أي ثم استمروا بالكف عن هذه الأشياء إلى دخول الليل.
وعلامة ذلك، غروب الشمس. وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ:
أي وأنتم معتكفون فيها. بين أن الجماع يحل في ليالي رمضان، لكن لغير المعتكف.
وفيه دليل على أن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد. وأنه لا يختص به مسجد دون مسجد. ومن المتفق عليه بين العلماء أن المعتكف يحرم عليه النساء ما دام معتكفا في
стр. 407
مسجده ولو ذهب إلى منزله لحاجة لا بد له منها فلا يحل له أن يمكث فيه إلا بمقدار ما يفرغ من حاجته تلك، من قضاء الغائط، أو الأكل، وليس له أن يقبل امرأته، ولا أن يضمها إليه. ولا يشتغل بشيء سوى اعتكافه ولا يعود المريض. ولكن يسأل عنه وهو مار في طريقه. تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ: أي الأحكام التي ذكرت أحكامه المحدودة.
فَلا تَقْرَبُوها: بالمخالفة والتغيير. كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ: أي شرائعه. فكما بين الصيام وأحكامه وشرائعه وتفاصيله، كذلك يبين سائر الأحكام على لسان عبده ورسوله محمد ﷺ . لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ: أي لعلهم يعرفون كيف يهتدون، وكيف يطيعون، وكيف يجتنبون المحارم.
أحاديث وآثار:
١ - أخرج الإمام أحمد عن معاذ بن جبل ﵁ قال:
«أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال، وأحيل الصيام ثلاثة أحوال: فأما أحوال الصلاة فإن النبي ﷺ قدم المدينة وهو يصلي سبعة عشر شهرا إلى بيت المقدس. ثم إن الله أنزل عليه: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها الآية. فوجهه الله إلى مكة. هذا حال. قال: وكانوا يجتمعون للصلاة ويؤذن بها بعضهم بعضا حتى نقسوا أو كادوا ينقسون. ثم إن رجلا من الأنصار يقال له: عبد الله بن زيد بن عبد ربه أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني رأيت فيما يرى النائم، ولو قلت إني لم أكن نائما لصدقت، إني بينا أنا بين النائم واليقظان إذ رأيت شخصا عليه ثوبان أخضران. فاستقبل القبلة فقال: الله أكبر، الله الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، مثنى حتى فرغ من الأذان. ثم أمهل ساعة، ثم قال مثل الذي قال، غير أنه يزيد في ذلك: قد قامت الصلاة- مرتين-. قال رسول الله ﷺ : «علمها بلالا فليؤذن بها». فكان بلال أول من أذن بها. قال: وجاء عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا رسول الله. قد طاف بي مثل الذي طاف به، غير أنه سبقني. فهذان حالان. قال: وكانوا يأتون الصلاة وقد سبقهم النبي ﷺ ببعضها. فكان الرجل يشير إلى الرجل إذن كم صلى؟ فيقول: واحدة، أو اثنين. فيصليهما. ثم يدخل مع القوم في صلاتهم. قال: فجاء معاذ فقال: لا أجده على حال أبدا إلا كنت عليها ثم قضيت ما سبقني. قال: فجاء وقد سبقه النبي ﷺ ببعضها. قال: فثبت معه. فلما قضى رسول الله ﷺ قام فقضى، فقال رسول الله ﷺ : «إنه قد سن لكم معاذ
стр. 408
فهكذا فاصنعوا». فهذه ثلاثة أحوال. وأما أحوال الصيام: فإن رسول الله ﷺ قدم المدينة فجعل يصوم من كل شهر ثلاثة أيام. وصام عاشوراء. ثم إن الله فرض عليه الصيام، وأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ إلى قوله: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ. فكان من شاء صام ومن شاء أطعم مسكينا فأجزأ ذلك عنه. ثم إن الله أنزل الآية الأخرى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ إلى قوله: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ. فأثبت الله صيامه على المقيم الصحيح، ورخص فيه للمريض والمسافر. وثبت الإطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام. فهذان حالان.
قال: وكانوا يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا. فإذا ناموا امتنعوا. ثم إن رجلا من الأنصار يقال له: صرمة. كان يعمل صائما حتى أمسى، فجاء أهله فصلى العشاء ثم نام، فلم يأكل ولم يشرب حتى أصبح. فأصبح فرآه رسول الله ﷺ وقد جهد جهدا شديدا. فقال: «ما لي أراك قد جهدت جهدا شديدا؟ قال: يا رسول الله. إني عملت أمس، فجئت حين جئت، فألقيت نفسي فنمت، فأصبحت حين أصبحت صائما. قال: وكان عمر قد أصاب من النساء بعد ما نام. فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك. فأنزل الله : أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ إلى قوله: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ.
٢ - أخرج البخاري عن رسول الله ﷺ :
«من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه».
٣ - أخرج الإمام أحمد والبخاري ومسلم عن عدي بن حاتم قال: «لما نزلت هذه الآية: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ:
عمدت إلى عقالين. أحدهما أسود، والآخر أبيض. قال: فجعلتهما تحت وسادتي قال: فجعلت انظر إليهما. فلما تبين لي الأبيض من الأسود أمسكت. فلما أصبحت غدوت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته بالذي صنعت. فقال: إن وسادك إذا لعريض.
إنما ذلك بياض النهار من سواد الليل».
وجاء في بعض الألفاظ في بعض الروايات: «إنك لعريض القفا». ففسره بعضهم بالبلادة. وهذا تفسير غير مقبول. وإنما معناه كما ورد في بعض الروايات: «إن
стр. 409
وسادك إذا لعريض إن كان الخيط الأسود والأبيض تحت وسادتك». فمن كان الليل والنهار تحت رأسه ينبغي أن يكون رأسه كبيرا جدا.
٤ - في الصحيحين عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «تسحروا فإن في السحور بركة». وفي صحيح مسلم عن رسول الله ﷺ : «إن فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحور». وفي مسند الإمام أحمد عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : «السحور أكلة بركة، فلا تدعوه، ولو أن أحدكم تجرع جرعة ماء، فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين».
٥ - في الصحيحين عن زيد بن ثابت قال: تسحرنا مع رسول الله ﷺ ثم قمنا إلى الصلاة قال أنس: قلت لزيد: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: «قدر خمسين آية». وأخرج الإمام أحمد عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الإفطار وأخروا السحور».
٦ - في الصحيحين: قال رسول الله ﷺ : «إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا فقد أفطر الصائم». وفي الصحيحين عن رسول الله ﷺ : «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر». وأخرج الإمام أحمد عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ : «إن أحب عبادي إلى، أعجلهم فطرا».
فوائد ومسائل:
١ - رأينا أن قوله تعالى: هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ: قد جاء في معرض البيان لحكمة إباحة حل الجماع في ليلة الصوم. وهي رفع الحرج في هذه القضية. فمن خلال السياق عرفنا المراد الرئيسي من النص. وإذا نظرنا إلى النص مجردا رأينا في النص تشبيها بليغا. هذا التشبيه نفهم منه أشياء. فكون المرأة لباسا للرجل، وكون الرجل لباسا للمرأة، يقتضي هذا من كل منهما أن تتوافر فيه شروط اللباس، من كونه ساترا لا يكشف عورة، ومن كونه طاهرا ليس فيه دنس، ومن كونه خاصا بصاحبه، ومن كونه متناسبا مع مكانة الإنسان .. فانظركم في هذا القرآن من معان من خلال النص، ومن خلال السياق الجزئي. ومن خلال السياق الكلي في السورة.
وسنرى كذلك أنه من خلال السياق القرآني كله نفهم معاني. وبذلك نجد في هذا القرآن معاني متولدة من بعضها لا تنتهي.
стр. 410
٢ - فهم العلماء من قوله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ: أن صوم الوصال منفي. وقد ورد في الأحاديث الصحيحة النهي عن صوم الوصال. وهو أن يصل يوما بيوم آخر، أو أكثر. ولا يأكل بينهما شيئا. قالت السيدة عائشة: نهى رسول الله ﷺ عن الوصال رحمة لهم.
فقالوا: إنك تواصل. قال: «إني لست كهيئتكم. إني يطعمني ربي ويسقيني». وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تواصلوا. قالوا: يا رسول الله إنك تواصل. قال فإني لست مثلكم. إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني. قال: فلم ينتهوا عن الوصال. فواصل بهم النبي ﷺ يومين وليلتين. ثم رأوا الهلال. فقال: لو تأخر الهلال لزدتكم». كالمنكل لهم. وثبت أن صوم الوصال من خصائصه ﷺ .
وأنه كان يقوى على ذلك، ويعان. والأظهر أن ذلك الطعام والشراب في حقه إنما كان معنويا لا حسيا، وإلا فلا يكون مواصلا مع الحسي. وصوم الوصال عند الحنفية مكروه تنزيها وقد ذكر ابن كثير تحقيقا لطيفا في موضوع صوم الوصال قال:
(وأما من أحب أن يمسك بعد غروب الشمس إلى وقت السحر، فله ذلك كما في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تواصلوا.
فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر ... » أخرجاه في الصحيحين. وقال الإمام أحمد عن علي أن النبي ﷺ كان يواصل من السحر إلى السحر. وقد روى ابن جرير عن عبد الله بن الزبير وغيره من السلف أنهم كانوا يواصلون الأيام المتعددة. وحمله منهم على أنهم كانوا يفعلون ذلك رياضة لأنفسهم، لا أنهم كانوا يفعلونه عبادة. والله أعلم.
ويحتمل أنهم يفهمون من النهي أنه إرشاد من باب الشفقة كما في حديث عائشة «رحمة لهم». فكان ابن الزبير وابنه عامر، ومن سلك سبيلهم، يتجشمون ذلك ويفعلونه، لأنهم كانوا يجدون قوة عليه. وقد ذكر عنهم أنهم كانوا أول ما يفطرون على السمن والصبر. لئلا تتمزق الأمعاء بالطعام أولا. وقد روي عن ابن الزبير أنه كان يواصل سبعة أيام ويصبح في اليوم السابع أقواهم وأجلدهم. وقال أبو العالية: إنما فرض الله الصيام بالنهار. فإذا جاء الليل، فمن شاء أكل، ومن شاء لم يأكل»
٣ - في ذكره تعالى الاعتكاف بعد الصيام، إرشاد وتنبيه على الاعتكاف في الصيام، أو في آخر شهر الصيام كما ثبت في السنة عن رسول الله ﷺ «أنه كان يعتكف العشر الأواخر من شهر رمضان، حتى توفاه الله . ثم اعتكف أزواجه من بعده».
стр. 411
٤ - قال الحنفية: (والاعتكاف ثلاثة أقسام. أولا: واجب، وهو الاعتكاف المنذور ثانيا: سنة مؤكدة في العشر الأواخر من رمضان. وهو سنة كفاية. إذا قام به البعض سقط العتاب عن الباقين. ثالثا: مستحب في غيره من الأزمنة) ويبطل الاعتكاف المنذور بالوطء ولو خارج المسجد. ويبطل بالإنزال بدواعيه عامدا أو ناسيا. ثم المراد بالمباشرة المنهي عنها في الآية للمعتكف ما قاله ابن كثير: «إنما هو الجماع ودواعيه، من تقبيل، ومعانقة، ونحو ذلك. فأما معاطاة الشئ ونحوه فلا بأس به. فقد ثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان رسول الله ﷺ يدني إلى رأسه فأرجله، وأنا حائض. وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان».
٥ - قال ابن كثير: ومن جعله تعالى الفجر غاية لإباحة الجماع والطعام والشراب أي في قوله: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لمن أراد الصيام. يستدل على أنه من أصبح جنبا فليغتسل، وليتم صومه، ولا حرج عليه. وهذا مذهب الأئمة الأربعة، وجمهور العلماء سلفا وخلفا. لما رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة وأم سلمة ﵄ أنهما قالتا: «كان رسول الله ﷺ يصبح جنبا من جماع غير احتلام ثم يغتسل ويصوم» وفي حديث أم سلمة عندهما «ثم لا يفطر ولا يقضي».
٦ - وقع بعض المؤلفين، وبعض العلماء السابقين في خطأ كبير: إذ أجازوا الأكل بعد طلوع الفجر. إما بفهم خاطئ للتبين في الآية، وإما بحمل بعض الآثار على غير محملها، وإما بسبب عدم النظر الدقيق إلى عامة النصوص، وإما بفهم خاطئ للنصوص. ومهما كان الأمر، فالذي عليه إجماع العلماء خلال العصور المتطاولة هو عدم حل الأكل بعد الفجر. ومن الأسباب التي دعت بعضهم للوقوع في الخطأ ورود لفظ الفجر المستطيل والمستطير في الأفق. فظنوا أن المستطير هو ما بعد الفجر المعروف. والحقيقة أن الفجر المستطيل هو الفجر الكاذب. وهو الذي يكون عادة قبل الفجر المعروف بحوالي خمس عشرة دقيقة، وهو ليس فجرا أصلا.
قال رسول الله ﷺ : «الفجر فجران. فالذي كأنه ذنب السرحان لا يحرم شيئا.
وإنما المستطير الذي يأخذ الأفق. فإنه يحل الصلاة ويحرم الطعام». قال ابن كثير:
وهذا مرسل جيد. وقال ﷺ : «لا يمنعكم من سحوركم أذان بلال، ولا الفجر المستطيل. ولكنه الفجر المستطير في الأفق». وقد ورد في الصحيحين عن عائشة: أن رسول الله ﷺ قال: «لا يمنعكم أذان بلال من سحوركم، فإنه ينادي بليل. فكلوا
стр. 412
واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم. فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر».
فتاوى:
١ - قال النووي في المجموع:
إذا سافر المقيم فهل له الفطر في ذلك اليوم؟ له أربعة أحوال:
- أن يبدأ السفر في ليل، ويفارق عمران البلد قبل الفجر، فله الفطر بلا خلاف.
- ألا يفارق العمران إلا بعد الفجر: مذهب الشافعي المعروف من نصوصه، وبه قال مالك وأبو حنيفة ليس له الفطر في ذلك اليوم. وقال المزني: له الفطر. وهو مذهب أحمد وإسحاق. وهو وجه ضعيف، حكاه أصحابنا عن غير المزني من أصحابنا أيضا. والمذهب الأول ...
- أن ينوي الصيام من الليل ثم يسافر، ولا يعلم هل سافر قبل الفجر أو بعده؟ قال الصيمري والماوردي وصاحب البيان وغيرهم: ليس له الفطر لأنه يشك في مبيح الفطر. ولا يباح بالشك.
- أن يسافر من بعد الفجر. ولم يكن نوى الصيام. فهذا ليس بصائم لإخلاله بالنية من الليل. فعليه قضاؤه. ويلزمه الإمساك هذا اليوم ...
أقول: تصح نية صوم رمضان بعد الفجر إلى ما قبيل منتصف النهار الشرعي في مذهب أبي حنيفة. فمن نوى في هذا الوقت، صح صومه عند أبي حنيفة، والحنيفة لا يجيزون الإفطار يوم السفر لمن لم يتلبس بالسفر قبل الفجر.
٢ - يبدأ الصوم بتبين الفجر المستطير، وهو الفجر الصادق الذي يكون بعد الفجر المستطيل- وهو الفجر الكاذب- بخمس عشرة دقيقة. والفجر الصادق هو الذي يمسك عنده الناس الآن، خاصة وقد أصبح للناس ما يستطيعون به التبين بدقة في ثانيته الأولى. قال ابن قدامة في كتابه (المغني) بعد ما ذكر قول الأعمش في جواز الأكل بعد تبين الفجر: (دلنا قول الله تعالى: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ: يعني بياض النهار من الليل. وهذا يحصل بطلوع الفجر) قال ابن عبد البر في قول النبي ﷺ : «إن بلالا يؤذن بليل. فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم». دليل على أن الخيط الأبيض هو الصباح. وأن السحور لا يكون إلا قبل
стр. 413
الفجر. وهذا إجماع لم يخالف فيه إلا الأعمش وحده. فشذ ولم يعرج أحد على قوله.
والنهار الذي يجب صيامه: من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. قال: هذا قول جماعة علماء المسلمين.
٣ - في السفر الذي يصح فيه قصر الصلاة وفطر المسافر استقرت الفتوى في المذاهب الأربعة على أنه السفر الذي هو في حدود (ثمانين كيلو مترا ونصف، ومائة وأربعين مترا). ولا يضر نقصان المسافة عن المقدار المبين بشيء قليل كميل أو ميلين باتفاق الحنفية والحنابلة، أما المالكية فقالوا: إن نقصت المسافة عن القدر المبين بثمانية أميال وقصر الصلاة، صحت صلاته، ولا إعادة عليه على المشهور، ويستثنى من اشتراط المسافة أهل مكة ومنى ومزدلفة والمحصب إذا خرجوا في موسم الحج للوقوف بعرفة، فإنه يسمح لهم بالقصر في حال ذهابهم. وكذا في حال إيابهم إذا بقي عليهم عمل من أعمال الحج التي تؤدى في غير وطنهم، وإلا أتموا. وأما الشافعية فقد قالوا:
يضر نقصان المسافة عن القدر المبين. فإذا نقصت ولو بشيء يسير فإن القصر لا يجوز.
على أنهم اكتفوا في تقدير المسافة بالظن الراجح. ولم يشترطوا اليقين. هذا ما استقرت عليه فتوى المذاهب الأربعة في شأن السفر المبيح للفطر وللقصر.
٤ - والفتوى في المذاهب الأربعة على أن الاستمناء باليد في نهار رمضان مفطر، وصاحبه آثم، وعليه القضاء.
٥ - ذكرنا أثناء الشرح تعريفا للمرض الذي يجوز معه الإفطار. وهو يتمشى مع مذهب الحنفية. وننقل هاهنا ما ذكره القرطبي لتعرف الاتجاهات الفقهية في هذا الشأن:
قال القرطبي: للمريض حالتان: إحداهما: ألا يطيق الصوم بحال. فعليه الفطر واجبا. الثانية: أن يقدر على الصوم بضرر ومشقة. فهذا يستحب له الفطر، ولا يصوم إلا جاهل. قال ابن سيرين: متى حصل الإنسان في حال يستحق بها اسم المرض صح الفطر قياسا على المسافر لعلة السفر، وإن لم تدع إلى الفطر ضرورة. وقال جمهور من العلماء: إذا كان به مرض يؤلمه ويؤذيه، أو يخاف تماديه، أو يخاف تزايده، صح له الفطر. قال ابن عطية: وهذا مذهب حذاق أصحاب مالك، وبه يناظرون. وأما لفظ
مالك: فهو المرض الذي يشق على المرء ويبلغ به.
стр. 414
وقال ابن خويزمنداد: واختلفت الرواية عن مالك في المرض المبيح للفطر. فقال مرة: هو خوف التلف من الصيام. وقال مرة: شدة المرض والزيادة فيه، والمشقة الفادحة. وهذا صحيح مذهبه. وهو مقتضى الظاهر. لأنه لم يخص مرضا من مرض.
فهو مباح في كل مرض، إلا ما خصه الدليل من الصداع، والحمى، والمرض اليسير الذي لا كلفة معه في الصيام. وقال الحسن: إذا لم يقدر من المرض على الصلاة قائما، أفطر. وقال النخعي: وقالت فرقة لا يفطر بالمرض إلا من دعته ضرورة المرض نفسه إلى الفطر، ومتى احتمل الضرورة معه لم يفطر. وهذا قول الشافعي رحمه الله تعالى.
قلت (القائل القرطبي): قول ابن سيرين أعدل شيء في هذا الباب إن شاء الله تعالى.
قال البخاري: اعتللت بنيسابور علة خفيفة، وذلك في شهر رمضان. فعادني إسحاق ابن راهويه في نفر من أصحابه فقال لي: أفطرت يا أبا عبد الله؟ فقلت: نعم. فقال:
خشيت أن تضعف عن قبول الرخصة. قلت: حدثنا عبدان عن ابن المبارك عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: من أي المرض أفطر؟ قال: من أي مرض كان. كما قال الله تعالى: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً. قال البخاري: وهذا الحديث لم يكن عند إسحاق. وقال أبو حنيفة: إذا خاف الرجل على نفسه وهو صائم، إن لم يفطر أن تزداد عينه وجعا، أو حماه شدة، أفطر.
فصل في الصوم عند الأمم:
رأينا أن الله قال: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ. فالصوم شريعة الله لكل الأمم في الماضي. لأن كل الأمم قد أرسل لها رسل عليهم الصلاة والسلام ولكن الأمم حرفت، وبدلت، ونسيت وتناست.
فأرسل الله محمدا ﷺ بهذا القرآن الذي فيه كل الكتب، والذي صحح الإرث كله لمن عقل. ومما يدلنا على أن الله أرسل رسلا لكل الأمم قوله تعالى: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ، وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا ثم إنك تجد في إرث كل أمة بقايا، أو شذرات، تدلك على الوحي. من ذلك أنك تجد بقايا فكرة الصوم موجودة في الديانات القديمة المشهورة. وقد عقد الأستاذ أبو الحسن الندوي في كتابه (الأركان الأربعة) فصلا عن الصوم في الديانات القديمة، استقاه من كتاب (سيرة النبي ﷺ لسليمان الندوي، الذي استقاه من دائرة المعارف البريطانية. وعقد فصلا عن الصوم عند اليهود، استقاه من دائرة المعارف اليهودية. وعقد فصلا عن الصوم عند النصارى، استقاه من دائرة معارف الأديان والأخلاق. وهذه هي الفصول الثلاثة:
стр. 415
الصوم في الديانات القديمة:
« .. لذلك اشتملت جميع الأديان، والشرائع المعروفة في التاريخ على الصوم، وطالبت به جميع من كان يدين بها. فمن أقدم الديانات التي لا يزال عدد كبير من الناس يدين بها، الديانة الهندية البرهمية. ويحدث عنها الأستاذ T.M.P.Mahadevan رئيس قسم الفلسفة في جامعة مدارس الهند، وهو يشرح الصوم ومكانته في الشريعة الهندوكية، والمجتمع الهندي:
ومن الأعياد، والأيام المحتفل بها في السنة، ما خصصت للصوم الذي تقصد به تزكية النفس. إن كل طائفة من الطوائف الهندكية تخصص لنفسها أياما تقضيها في الدعاء والعبادة، ويصومها أكثر أفرادها كذلك. فيكفون عن الطعام، ويسهرون الليل كله، ويبيتون يتلون الكتب المقدسة، ويراقبون الله. ومن أعم هذا الصيام، وأكثرها انتشارا في الطوائف المختلفة (ويكنته إيكاوشى) الذي ينسب إلى (وشنو) فلا يصوم ذلك اليوم أتباع (وشنو) فحسب، بل يصومه أكثر الناس. فيصومون نهاره ويسهرون ليله.
ومن الأيام ما يصومها النساء فقط، ويدعون الإلهة (مظهر صفات الله النسوية) في مختلف مظاهرها. وتسمى هذه الأيام لأهميتها الخاصة ب (برت)، أو العهد. وقد خصصت لتزكية الروح. وغايتها تغذية الروح بالغذاء الروحاني.
ولا يزال البراهمة يصومون في اليوم الحادي عشر، من كل شهر هندي. وهكذا يبلغ عدد الأيام التي تصام عند البراهمة (٢٤) يوما في كل سنة، إذا حافظوا عليها وتقيدوا بها. وقد قامت الديانة الجينية في الهند بالتشدد في شرائط الصوم وأحكامه.
فأتباعها يواصلون أربعين يوما بالصوم.
... ويظهر الصوم عند المصريين القدماء بجوار أعيادهم الدينية. وكان صوم اليوم الثالث من شهر (تهسمو فيريا) اليوناني خاصا بالنساء عند اليونان. ولا تخلو الصحف المجوسية عن الأمر بالصوم، والحث عليه، ولو لطبقة خاصة. وتدل كلمة وردت في بعض كتبهم المقدسة على أن صوم خمسة أعوام كان فريضة على الرؤساء الدينيين.
الصوم عند اليهود:
أما اليهود، فقد كان الصوم يعتبر رمزا للحداد والحزن عندهم في العهد البابلي.
стр. 416
وكان يلجأ إليه، إذا هدد خطر، أو إذا كان كاهن أو (ملهم) يعد نفسه لإلهام، أو (نبوة)، وكان اليهود يصومون مؤقتا إذا اعتقدوا أن الله ساخط عليهم، غير راض عنهم. أو
إذا حلت بالبلاد نكبة عظيمة، أو خطب كبير أو إذا أصيبت البلاد بوباء فاتك، أو بجدب عام، وفي بعض الأحيان، عند ما يعزم الملوك على مشروع جديد.
أيام الصيام المحددة الدائمة، قديمة، ومحدودة في التقويم اليهودي، علاوة على يوم الكفارة: يوم الصوم المقرر الوحيد في الديانة الموسوية. وكانت هنالك أيام معينة للصوم الدائم، وهي ذكرى حوادث أليمة، وقعت لليهود في أيام الأسر في (بابل)، وهي تقع في الشهر العاشر (تبت، (tebet) (ويرى بعض ربيي (التلمود) أن صيام هذه الأيام إجباري، عند ما يعيش الشعب الإسرائيلي تحت قسوة الحكومات الأجنبية، وفي اضطهاد. ولا تلزم عند ما يتمتع الإسرائيليون بأمن ورخاء.
وزيدت إلى أيام الصيام هذه أيام أخرى، تصام تذكارا لكوارث ومآسي، نزلت باليهود وأضيفت إلى الأولى على مر الأيام. وهي لا تعتبر إلزامية، ولم تنل الحظوة الكافية عند الجمهور. ومع اختلاف يسير يبلغ عددها إلى خمسة وعشرين يوما.
وهنالك أيام صيام شعبية، محلية، تختلف باختلاف الأقاليم والمناطق التي يسكنها اليهود منذ زمن بعيد. وهي تذكار كذلك لكوارث وخطوب، أصيبت بها هذه الشعوب في أوقات مختلفة، واضطهاد، وقسوة تعرضوا لها من بعض الحكومات، وأيام صيام تصومها بعض الطبقات دون بعض في ذكرى وقائع ومحن في تاريخ اليهود، وفي ذكرى مآتم وأفراح في حياتهم الشخصية. وصوم أول يوم من السنة شائع في كثير من الطبقات. وهنالك أيام صيام تشرع، ويأمر بها الربيون، إذا تعرض الشعب لخطر، أو تأخر المطر، أو أصيبت البلاد بالمجاعة، أو صدرت مراسيم قاسية، أو قوانين غليظة. وأيام الصيام الشخصية المختارة، التي يفضلها بعض الأفراد دون بعض، شائعة في تاريخ اليهود منذ زمن مبكر. وهي أيام صوم تذكارية لبعض الحوادث الفردية، أو ككفارة عن بعض المعاصي والآثام، أو لجلب رحمة الله وعفوه عند خطر داهم، أو بلاء نازل. وصوم تلك الأيام لا يشجعها الربيون، ولا يوافقون عليها إذا كان الصائم رجلا علميا، أو أستاذا معلما، حتى لا يشوش ذلك خاطره، أو يضعف صحته. وهنالك صوم يصام على إثر رؤية مفزعة. ولما كانت الشريعة اليهودية لا تسمح بالصوم في أيام الأعياد، (فالتلمود) يبيح هذا الصوم في هذه الأيام، بشرط أن يكفر عنه بصوم آخر في أيام عادية ..
стр. 417
والصوم عند اليهود يبتدئ من الشروق عند ظهور أول نجوم الليل، إلا صوم يوم الكفارة، واليوم التاسع من شهر (آب) فإنه يستمر من المساء إلى المساء وليس هنالك أحكام وتقاليد للصيام العادية. وقد رغب في الصدقة وإطعام المساكين، وخصوصا توزيع العشاء المعتاد التقليدي.
إن الأيام التسعة الأولى من شهر (آب) وبعض أيام بين اليوم السابع عشر من شهر (تموز) وبين اليوم العاشر من شهر (آب) تعتبر أيام صوم جزئي فيحرم فيها تناول اللحوم، وتعاطي الخمور فقط.
الصوم عند المسيحيين:
أما الصوم عند المسيحيين فيطول شرحه وتفصيله، لأن الديانة المسيحية هي أقل الديانات تشريعا فقهيا. وأحكامها كلية، تشمل أدوار التاريخ، والمجتمعات المسيحية، والطوائف الدينية كلها، وأكثرها تطورا مع الزمن والعوامل السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية أحيانا. ولذلك يصعب أن يطلق عليها اسم شريعة إلهية. وقد حاولنا أن نقدم صورة موجزة عن الصوم عند المسيحيين، وما مر به من أدوار، وأطوار.
المسيح صام أربعين يوما قبل أن يبدأ رسالته، ومن المرجح أنه كان يصوم يوم الكفارة، الذي كان الصوم المفروض في الشريعة الموسوية. ككل يهودي مخلص إنه لم يشرع أحكاما للصوم، إنه خلف المبادئ، وترك كنيسة تقنن قوانين لتطبيقها، وليس لأحد أن يزعم أنه أصدر قوانين عن الصوم رأسا. إننا نقرأ في المصادر المسيحية حديثا عن صوم (بولس) والمسيحيين الأولين، إن المسيحيين الذين كانوا من السلالة الإسرائيلية، ظلوا يصومون يوم الكفارة. وينوه به الراهب ليوك، LuKe كيوم يحتفل به. ولكن المسيحيين الذين ينتمون إلى أصول أخرى، لم يلحوا على ذلك.
وبانتهاء القرن المسيحي الأول، ونصف قرن بعد وفاة القديس (بولس) نواجه رغبة ملحة في تقنين القوانين للصوم. وقد كان ذلك موكولا إلى تقوى الصائم. نرى الرهبان، وبعض رجال الكنيسة يقترحون صياما ليقاوم به المسيحيون الإغراءات (المادية والجنسية).
وكان يسود في ذلك العصر شعور بالواجب، وتحذير عن أن يظل الصوم عملا خارجيا لا يؤثر في نفس الصائم. ويتحدث القديس (إيرينيس) عن أنواع من الصيام، منها ما يستغرق اليوم. ومنها ما يستغرق يومين، أو بضعة أيام. ومنها ما يستغرق أربعين ساعة
стр. 418
متوالية. وقد استمر هذا الوضع مدة طويلة. وكان صوم (جمعة الآلام، أو الصلبوت) صوما شعبيا عاما. وكان صوم يوم الأربعاء، ويوم الجمعة في كل أسبوع شائعا في بعض الأقطار في القرن الثاني المسيحي. وكان الذين ينتظرون الاصطباغ (التعميد)، يصومون يوما أو يومين. وكان يشترك فيه الذين يأخذون الاصطباغ والذي يتولى ذلك.
وهنالك خلافات جزئية في مناهج الصوم، وأحكامه في الطوائف المسيحية. وقد نال الصوم قسطا كبيرا من التنظيم، والتقنين في فترة بين القرن الثاني، والقرن الخامس المسيحيين. فقد أصدرت الكنيسة قائمة أحكام وتوجيهات عن الموضوع. وقد اتسم الصوم بصلابة وشدة في القرن الرابع، فقد انتقل من طور الرقة والتوسع والمرونة، إلى طور الصلابة، والغلظة، والتدقيق. وقد حدد اليومان اللذان يسبقان (عيد الفصح) بالصوم في هذا العصر. وكان الصوم في هذين اليومين ينتهي في نصف الليل. والمرضى الذين لا يستطيعون أن يصوموا في هذين اليومين، كان يسمح لهم أن يصوموا يوم (السبت). وقد سجلت في تاريخ المسيحية، والمسيحيين في القرن الثالث أيام الصوم، وكان هنالك اختلاف في نهاية الصوم. فكان بعضهم ينهي ويفطر عند صوت الديك. وبعضهم إذا أرخى الليل سدوله.
أما صوم أربعين يوما، فلا يوجد له أثر إلى القرن الرابع الميلادي. وكانت هنالك عادات وأوضاع للصوم تختلف باختلاف البلاد التي يسكنها المسيحيون. فكان في (روما) صيام يختلف عن الصيام في (لانان) و (الإسكندرية). وكان بعضهم يمسك عن تناول الحيوانات، خلافا لغيره. وبعضهم يجتزئ بالسمك والطيور، وبعضهم يضرب عن البيض والفواكه، وبعضهم يجتزئ بالخبز اليابس، وبعضهم يكف عن كل ذلك، وبتاريخ المسيحية، أنواع من الصوم يطول عدها، منها ما كان يستغرق ثلاث ساعات، وأربعا، يمسك فيها الصائم عن الأكل والشرب. وقد حددت أيام مختلفة في القرون الوسطى للصوم في العالم المسيحي، تطورت مع تقدم الزمن، وهي تختلف باختلاف الأقاليم والبلاد، التي تحكم عليها الكنيسة المسيحية.
وبعد الإصلاح، حددت الكنيسة الإنجليزية أيام الصوم. ولم تقنن قوانين وحدودا للصائمين. تاركة ذلك لضمير الفرد، وشعوره بالمسئولية. ولكن قوانين البرلمان الإنجليزي في عهد (إدوارد السادس) و (جيمس الأول) و (مرسوم اليزابيت):
فرض الإمساك عن اللحوم في أيام الصوم، وبرر ذلك بقوله: (إن صيد السمك،
стр. 419
والتجارة البحرية، يجب أن تشجع وتربح). ا. هـ. من كتاب الأركان الأربعة لأبي الحسن الندوي من ص ١٨٧ - ١٩٣ أقول: هذا عرض للموجود من الصوم حسب روايات أهل النحل نفسها. وهي بمجموعها، لا يصلح أن نعتمد عليها في ورد أو صدر، لأن كل الشواهد تدل على ضياع الأصول والحقيقة، إما بتعمد من عصبية، أو بسبب من أوضاع تاريخية. ولكن هذا يدلنا بشكل عام على وحي قد نزل على الأمم هذه بقاياه. والإسلام جاء ليدل الإنسان على الطريق المستقيم.
كلمة في السياق:
مرت معنا الفقرة الأولى من المقطع الثالث من القسم الثاني في سورة البقرة. وهي فقرة الصوم. وهي الفقرة الوحيدة في هذا المقطع، المبدوءة بصيغة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا. مما يشير إلى استمرارية التوجيهات وصلتها بالفقرة الأولى. من حيث تأثيرات عبادة الصوم على مجموع التكاليف، والتكليف الأول الذي يأتي بعد آيات الصوم هو ما تضمنته الفقرة الثانية من تحريم أكل أموال الناس بالباطل، ومن تحريم الرشوة. وهو التوجيه الأول بعد آيات الصيام التي دلت على أكثر من طريق يحقق بالتقوى: الصوم، وتبيان الآيات. وهذا يشير إلى أن مظهر التقوى الأول، استقامة الإنسان على أمر الله في موضوع حقوق الناس، وفي موضوع الأموال. والملاحظ أن بداية هذا القسم كانت:
يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ.
وقد جاء في هذا المقطع كلام عن الصوم الذي يساعد على تربية النفس، ثم نهي عما هو من قبيل الحرام واتباع خطوات الشيطان فلننتقل إلى عرض الفقرة الثانية من المقطع الثالث من القسم الثاني من سورة البقرة.
الفقرة الثانية:
وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)
المعنى الحرفي للآية:
وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ: أي لا يأكل بعضكم مال بعض بالوجه
стр. 420
الذي لم يبحه الله ولم يشرعه من مثل السرقة، والغضب، وغير ذلك. وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لها تفسيران، الأول: لا تلقوا أمرها والحكومة فيها إلى الحكام. كأن يكون على رجل مال وليس عليه بينة. فيجحد المال، ويخاصم إلى الحكام، وهو يعرف أن الحق عليه، وهو يعلم أنه آثم، آكل حرام. يخاصم وهو يعلم أنه ظالم. والتفسير الثاني: وتلقوا بعضها إلى حكام السوء على وجه الرشوة. لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ: أي لتأكلوا بواسطة التحاكم طائفة من أموال الناس بِالْإِثْمِ: أي بطريق الإثم. إما بشهادة الزور، أو بالأيمان الكاذبة، أو بالصلح مع العلم بأن المقضي له ظلم. وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ: أنكم على الباطل. وارتكاب المعصية مع العلم أقبح، وصاحبها بالتوبيخ أحق.
فوائد:
١ - الحاكم لا يكون آثما إذا قضى حسب الظاهر. ولم يكن مرتشيا. والإثم في هذه الحالة على المبطل. ورد في الصحيحين عن أم سلمة أن رسول الله ﷺ قال: «ألا إنما أنا بشر. وإنما يأتيني الخصم. فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له. فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من نار فليحملها أو ليذرها». قال ابن كثير: «فدلت هذه الآية الكريمة، وهذا الحديث على أن حكم الحاكم لا يغير الشئ في نفس الأمر فلا يحل في نفس الأمر حراما هو حرام. ولا يحرم حلالا هو حلال. وإنما هو ملزم في الظاهر فإن طابق في نفس الأمر فذاك. وإلا فللحاكم أجره، وعلى المحتال وزره».
٢ - عند قوله تعالى: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ قال القرطبي:
(الخطاب بهذه الآية يتضمن جميع أمة محمد ﷺ . والمعنى: لا يأكل بعضكم مال بعض بغير حق. فيدخل في هذا: القمار والخداع، والغصوب، وجحد الحقوق، وما لا تطيب به نفس مالكه، أو حرمته الشريعة وإن طابت به نفس مالكه. كمهر البغي، وحلوان الكاهن، وأثمان الخمور، والخنازير، وغير ذلك).
وقال قوم: المراد بالآية وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ أي في الملاهي، والقيان، والشرب، والبطالة. فيجئ على هذا إضافة المال إلى ضمير المالكين.
٣ - في الآية نهيان: إذ وَتُدْلُوا بِها معطوفة على وَلا تَأْكُلُوا. فهي
стр. 421
مجزومة. النهي الأول: عن أكل الأموال بالباطل. والنهي الثاني: عن أكل الأموال بالباطل عن طريق الحكام. إما باستغلال ظاهر، أو برشوة قاض. وكل ذلك حرام.
ولا تظهر التقوى بشيء كما تظهر بالتورع عن أكل الحرام. لأن النفس بطبيعتها تحب المال كثيرا. فإذا خالف الإنسان هواه في ذات الله، فذلك علامة التقوى.
الفقرة الثالثة
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٩)
أسباب النزول:
١ - قال معاذ بن جبل: يا رسول الله. ما بال الهلال يبدو دقيقا مثل الخيط ثم يزيد حتى يمتلئ. ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدأ، لا يكون على حالة واحدة كالشمس.
فنزل: يَسْئَلُونَكَ.
٢ - عن جابر قال: «كانت قريش تدعي الحمس. وكانوا يدخلون من الأبواب في الإحرام. وكانت الأنصار وسائر العرب لا يدخلون من باب في الإحرام ... ».
وقال محمد بن كعب: كان الرجل إذا اعتكف لم يدخل منزله من باب البيت فأنزل الله هذه الآية.
وقال عطاء: كان أهل يثرب إذا رجعوا من عيدهم، دخلوا منازلهم من ظهورها.
ويرون أن ذلك أدنى إلى البر. فقال الله: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا ....
وقال الحسن البصري: كان أقوام من أهل الجاهلية إذا أراد أحدهم سفرا وخرج من بيته يريد سفره خرج له، ثم بدا له بعد خروجه أن يقيم ويدع سفره، لم يدخل البيت من بابه. ولكن يتسوره من قبل ظهره. فقال الله تعالى: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ ....
المعنى الحرفي:
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ: عن أسباب انتقالها من حال إلى حال. وهذه قضية
стр. 422
كونية، تعرف من خلال دراسة الكون العلمية. والدين لم يأت ليعلم الناس قوانين الظواهر الكونية. بل ليعلم الناس عقائدهم وعبادتهم، ومناهج حياتهم .. ولذلك كان الجواب بما ينسجم مع طبيعة الرسالة، ومهمة الرسول، وتعليم القرآن. قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ: أي هي معالم. يؤقت بها الناس صومهم، وعدة نسائهم، وأيام حيضهن، ومدة حملهن، ومحال ديونهم، وغير ذلك. كما أنها معالم للحج، يعرف بها وقته. وربط العبادات الإسلامية بمظاهر كونية كالشمس والقمر أدعى إلى المعرفة السهلة وأبعد عن التلاعب من أي مصدر كان وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها أي وليس البر بتحرجكم من دخول الباب في بعض أحوالكم، إذ هذه قضية غير معقولة المعنى، وأعمال البر كلها معقولة المعنى. وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى: ما حرم الله. فهل حرم الله عليكم دخول البيوت من أبوابها. فإذا لم يفعل فليس ما تفعلونه برا. وهذه هنا من تمام تصفية التصرفات كلها حتى تكون أثرا عن اتباع كتاب الله وهداه.
وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها: معناها ظاهر. ولكنها في سياقها تفيد ما قاله النسفي أي: وباشروا الأمور من وجوهها التي يجب أن تباشر عليها ولا تعكسوا. وَاتَّقُوا اللَّهَ: فيما أمركم به، ونهاكم عنه. لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ: أي لتفوزوا في أمر دنياكم وأخراكم.
المعنى العام:
في الآية موضوعان: موضوع الأهلة. وموضوع دخول البيوت من أبوابها. والصلة بينهما من وجهين رئيسيين:
أولا: لما سألوا عن الأهلة كان الجواب كأنه ما يلي: معلوم أن كل ما يفعله الله تعالى لا يكون إلا لحكمة. فدعوا السؤال عن السبب. وانظروا في الحكمة، ثم انظروا فيما هو أليق بكم كهذه الخصلة التي تفعلونها مما ليس من البر في شئ، وأنتم تحسبونها برا.
ثانيا: لقد سألتم عن أسباب انتقال القمر من حال إلى حال. ولم ينزل الدين من أجل هذا. إذ سبيل هذا العلم بظواهر الكون من خلال التأمل والتجربة ومعرفة الأسباب.
ففعلكم هذا يشبه إتيانكم البيوت من ظهورها. فكما أنكم أخطأتم هذا الموضوع بتصوركم. فقد أخطأتم في سؤالكم. وكما أن الصواب أن تأتوا البيوت من أبوابها، فكذلك الصواب فى هذا الموضوع أن تأتوا الأمور من وجوهها فتتعرفوا على ظواهر هذا الكون.
стр. 423
فالتقوى في هذا الموضوع ذات شقين: أن تعرفوا حكمة الأشياء. وهذا سبيله الدين.
وأن تعرفوا حقيقة الأشياء الحسية عن طريق ذلك. ووجهه وبابه الدراسة والتأمل والعلم الكوني.
فوائد:
١ - أفادت الآية أن جميع أفعاله تعالى حكمة وصواب. فعلينا الاعتقاد بذلك من غير اختلاج شبهة ولا اعتراض شك.
٢ - أخرج الحاكم في مستدركه وصححه قوله ﷺ :
«جعل الله الأهلة مواقيت للناس. فصوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته. فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوما».
٣ - بمناسبة قوله تعالى عن الأهلة: قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ قال القرطبي: لا خلاف بين العلماء أن من باع معلوما من السلع بثمن معلوم إلى أجل معلوم من شهور العرب، أو إلى أيام معروفة العدد، أن البيع جائز. وكذلك قالوا في السلم إلى الأجل المعلوم. واختلفوا في من باع إلى الحصاد أو إلى الدياس، أو إلى العطاء وشبه ذلك.
فقال مالك: ذلك جائز لأنه معروف. وبه قال أبو ثور. وقال أحمد: أرجو أن لا يكون به بأس. وكذلك إلى قدوم الغزاة. وعن ابن عمر أنه كان يبتاع إلى العطاء.
وقالت طائفة: ذلك غير جائز، لأن الله تعالى وقت المواقيت، وجعلها علما لآجالهم في بيعاتهم ومصالحهم. كذلك قال ابن عباس، وبه قال الشافعي والنعمان. قال ابن المنذر: قول ابن عباس صحيح.
٤ - بمناسبة قوله تعالى: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها قال القرطبي: في هذه الآية بيان أن ما لم يشرعه الله قربة، ولا ندب إليه، لا يصير قربة بأن يتقرب به متقرب. قال ابن خويزمنداد: (إذا أشكل ما هو بر وقربة، بما ليس هو بر ولا قربة أن ينظر في ذلك العمل. فإن كان له نظير في الفرائض والسنن، فيجوز أن يكون، وإن لم يكن فليس ببر ولا قربة. قال: وبذلك جاءت الآثار عن النبي ﷺ .
وذكر حديث ابن عباس قال: «بينما رسول الله ﷺ يخطب، إذا هو برجل قائم في
стр. 424
الشمس. فسأل عنه فقالوا: هو أبو إسرائيل. نذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم. فقال النبي ﷺ : مروه فليتكلم، وليستظل، وليقعد، وليتم صومه».
فأبطل النبي ﷺ ما كان غير قربة مما لا أصل له في شريعته. وصحح ما كان قربة مما له نظير في الفرائض والسنن).
محل الآية في السياق العام:
رأينا أن السياق العام كله إما في شرح التقوى، أو في بيان الطرق المؤدية إليها، أو في تبيان آثارها.
وهذه الآية تصحح مفهومين خاطئين، يمكن أن يقع فيهما الناس. والتقوى خلافهما:
المفهوم الأول: الخلط بين معرفة الحكمة، ومعرفة القانون الكوني. والخلط بين مهمة الدين، ومهمة العلم التجريبي والتأملي.
فجاءت الآية لتبين أن معرفة الحكمة من خلق الأشياء جزء من الدين. وأما معرفة الأشياء الحسية، فطريقها شئ آخر. فالدين يبين الحكمة والحكم. وقد أعطاك الله أيها الإنسان ما تستطيع به أن تعرف الأشياء، وتسخرها. فاسلك لذلك طريقه ضمن هداية الله إياك، وتوجيهه، وتنفيذ أوامره.
المفهوم الثاني: التصرف المعقد غير المعقول المعنى. يظنه بعض الناس دينا. والدين ما نص عليه الشارع، وما كلف به الإنسان، لا ما اخترعه لنفسه، سواء شدد على نفسه به أو رخص. فالآية في محلها إذن تصفية لقضية التقوى من التطلعات الخاطئة، أو التصرفات الغالية.
فائدة في صلة هذه الآية بما بعدها من المقطع:
قال صاحب الظلال: والتسلسل في السياق واضح بين الحديث عن الأهلة، وأنها مواقيت للناس والحج، والحديث عن القتال في الأشهر الحرم، وعن المسجد الحرام، والحديث عن الحج والعمرة وشعائرهما.
كلمة في السياق:
تأتى الآن فقرة تتحدث عن القتال، والإنفاق. وتأخذ هذه الفقرة محلها في تصحيح
стр. 425
التصورات عن التقوى. فكما حدث قديما فسيحدث في هذه الأمة تصورات خاطئة عن التقوى. ومن نظر إلى مفاهيم الناس عن التقوى في عصرنا، أدرك بعض أسرار هذا السياق فما أكثر الذين يفهمون أن التقوى لا صلة لها بقتال، أو إنفاق، أو علم، أو جمع مال. ومن ثم فمجيء آيات القتال والإنفاق في سياق بناء التقوى. تقوى الأفراد والمجتمع واضح الملامح.
لاحظ الآن أن الأمر: وَقاتِلُوا. وبعده الأمر: وَأَنْفِقُوا وبعده الأمر وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ ومن قبل وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها. ومن قبل:
وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ. هذه الأوامر والنواهي جاءت بعد ثلاث مرات ذكرت فيها الكلمة: كُتِبَ.* ومن بعد ثلاث مرات ذكرت فيها قضية التقوى كهدف: لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ* لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ.* مما يشير إلى أن الأوامر والنواهي في هذا السياق لها صلة ببناء التقوى. تقوى الفرد وتقوى الأمة.
والملاحظ أنه يأتي هاهنا أمر بالقتال. وفي القسم الثالث فيما بعد ستذكر فريضة القتال. فما السر في ذلك؟.
السر أن هذه آتية في سياق. وتلك في سياق. فتلك آتية في سياق إقامة الإسلام كله. فالإسلام لا يقوم بلا جهاد لتكون كلمة الله هي العليا، سواء قاتلنا الناس أو لم يقاتلونا. أما هذه فآتية في سياق بناء التقوى. فلا تقوى لأحد بلا جهاد وإنفاق. ثم هذه خصت من يقاتلوننا بالذكر. فالأمر هنا لتحقيق فريضة عينية. وهناك لتحقيق فريضة كفائية. وليس الأمر كما فهمه بعضهم من أن القتال المشروع في الإسلام هو القتال الدفاعي. بل هو أحد أنواع القتال المفروضة.
«مقدمة في القتال»
كثيرون من الناس لا يفهمون النصوص، ولا يمتلكون القدرة على فهمها. فتراهم يفهمون النصوص فهما مبتسرا، أو فهما خاطئا، فيعطلون العمل بنص غير منسوخ ويفهمون نصا آخر فهما غير صحيح. ومن أكثر ما حدث في هذا الشأن، ما حدث في فهم آيات القتال، وآيات السلام.
فمثلا هناك قتال مفروض فرض عين، وقتال مفروض فرض كفاية. وهناك حالات يجوز فيها السلام والعهد. وحالات لا يجوز. ويأتي أصحاب الفهوم الخاطئة ليلغوا
следующие страницы →