← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.

стр. 3606

وعند ما يعطي المنافق الطاعة بلسانه ويمنعها على أرض الواقع، فإنما يفعل ذلك لعدم تصوره الصحيح لرعاية الله للمسلمين، فعند ما يأتي في هذا المقام وعد من الله، وشروط تحقيق هذا الوعد، فإن في ذلك تصحيحا وتوجيها. وفي ذلك مظهر من مظاهر تكامل المجموعة. إن الذي يصرف الناس عن الدخول في الإسلام، والالتزام به، هو خطؤهم في فهم التكليف الإلهي أو تصورهم أن الدولة لا تكون للمسلمين، أو توهمهم أن الكافرين لا يغلبون والآيات الآتية من المجموعة تعالج ذلك كله. وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ أي حلف المنافقون بالله جهد اليمين، ووصفت أيمانهم بذلك لأنهم يبذلون فيها مجهودهم، وذلك يكون إذا بالغ الحالف في اليمين فبلغ غاية شدتها ووكادتها لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ أي حلفوا لئن أمرنا محمد ﷺ بالخروج إلى الغزو لنغزون، أو لئن أمرنا بالخروج من ديارنا لنخرجن قُلْ لا تُقْسِمُوا أي لا تحلفوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ أي طاعة معروفة أمثل بكم وأولى لكم من هذه الأيمان الكاذبة، أو الذي يطلب منكم طاعة معروفة، أي معلومة لا يشك فيها، ولا يرتاب، كطاعة المخلص من المؤمنين، لا أيمان تقسمون بها بأفواهكم، وقلوبكم على خلافها، وقيل معناه: طاعتكم طاعة معروفة، أي قد عرفت طاعتكم إنما هي قول لا فعل معه، وكلما حلفتم كذبتم، وفي ذلك إشارة إلى أن من سجيتهم الكذب، حتى فيما يختارونه، وقيل معناه: ليكن أمركم طاعة بالمعروف، من غير حلف ولا أقسام، كما يطيع الله ورسوله المؤمنون بغير حلف، فكونوا أنتم مثلهم إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ أي هو خبير بكم، وبمن يطيع ممن يعصي، فالحلف وإظهار الطاعة والباطن بخلافه وإن راج على المخلوق، فالخالق تعالى يعلم السر وأخفى، لا يروج عليه شئ من التدليس، بل هو خبير بضمائر عباده، وإن أظهروا خلافها، وفي ذلك تهديد لهم أن يفضحوا قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ قال ابن كثير: أي اتبعوا كتاب الله وسنة رسوله فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ يريد فإن تتولوا فما ضررتموه، وإنما ضررتم أنفسكم؛ فإن الرسول ﷺ ليس عليه إلا ما حمله الله تعالى، وكلفه من أداء الرسالة، فإذا أدى فقد خرج عن عهدة تكليفه، وأما أنتم فعليكم ما كلفتم من التلقي بالقبول والإذعان والعمل، فإن لم تفعلوا وتوليتم فقد عرضتم نفوسكم لسخط الله وعذابه وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا أي وإن أطعتموه فيما يأمركم وينهاكم، فقد

стр. 3607

أحرزتم نصيبكم من الهدى فالضرر والنفع عائدان إليكم وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ أي إلا أن يبلغ فليس له نفع في قبولكم، وليس عليه ضرر في توليكم الْمُبِينُ أي الظاهر الواضح لكونه مقرونا بالآيات والمعجزات. كلمة في السياق: رأينا أن هذا المقطع قد سبق بقوله تعالى لَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وقد ذكر الله في آخر آية عرضناها: وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا فدل على أن الصراط المستقيم هو الطاعة لله والرسول، وقد عرض الله علينا فيما مر ظاهرتين خاطئتين تتنافيان مع الطاعة والاهتداء وهما: رفض الاحتكام إلى الله والرسول، وادعاء الطاعة باللسان، والأمر على خلافه، وهذا يدلنا على أن الصراط المستقيم مظهره قبول الاحتكام إلى الله والرسول ﷺ في كل شئ، والطاعة الكاملة في الظاهر والباطن، والآن تأتي بشارة لأهل الإيمان بالاستخلاف، ومجئ هذه البشارة في هذا المقام يشير إلى أن المنافقين ليس لهم في هذه البشارة نصيب، وإنما هي بشارة لمن دخل دخولا حقيقيا في الصراط المستقيم، أي هي بشارة لمن دخل في الإسلام كله، اعتقادا وعملا، وقام بحق التكليف الإلهي. وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً وعدهم الله أن ينصر الإسلام على الكفر، ويورثهم الأرض، ويجعلهم خلفاء فيها كما فعل بمن حمل دينه من قبل، وأن يمكن الدين المرتضى وهو الإسلام- وتمكينه تثبيته وتوطيده- وأن يؤمن سربهم، ويزيل عنهم الخوف الذي كانوا عليه، وقد فعل ﷻ ، ونسأله سبحانه أن يفعل، فنحن الآن في غربة الإسلام، ونحن في خوف وضعف يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً يحتمل أن يكون المراد: أن هذا التمكين من أجل أن يعبدوا، ويمكن أن يكون المراد أن هذا التمكين يكون في حال كونهم عابدين وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ أي بعد هذا التمكين فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ أي هم الكاملون في فسقهم، حيث كفروا تلك النعمة الجسيمة، وجسروا على غمطها، وهي آية تدل على صحة الإسلام، وهي نعمة تستوجب الشكر لا الكفر. وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ قال النسفي: (معطوف على قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا

стр. 3608

الرَّسُولَ ولا يضر الفصل وإن طال). أقول: مجئ هذا الأمر بعد الوعد- مع كونه معطوفا على ما ذكر- يفيد أن عليكم أن تفعلوا ذلك في كل الأحوال قبل الاستخلاف وبعده وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فيما يدعوكم إليه، قال النسفي: (وكررت طاعة الرسول تأكيدا لوجوبها) لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ أي لكي ترحموا، فإنها من مستجلبات الرحمة. كلمة في السياق: من خلال العرض السابق اتضحت لنا خصائص رئيسية في الإيمان والنفاق، واتضحت لنا أوامر هي من الإسلام، واتضح لنا ما وعد به أهل الإسلام الصادقون. وقد رأينا أن ذلك كله يتفق مع محور السورة، الآمر بالدخول في الإسلام كله ويتفق مع سياق السورة، والآن يأتي نهي ينهى عن خلق يتنافى مع الإسلام، وهو أن يظن مسلم بأن الكافرين لا يغلبون، وفي النص إشارة إلى أن الكافرين قد يمتلكون من أسباب القوة أكثر مما يملكه المسلمون، ويأتي هذا بعد البشارة بالاستخلاف، حتى لا يتوهم متوهم أن قوة الكافرين تحول دون استخلاف الله للمسلمين. لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ أي فائتين الله، بألا يقدر عليهم فيها وَمَأْواهُمُ النَّارُ أي لا يفوتون الله، ومأواهم النار وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ أي المرجع، وأي مصير أفظع من النار، وبئس المآل، وبئس القرار، وبئس المهاد. وبهذا انتهت المجموعة الأولى، وقد رأينا محلها في السياق الخاص، ومحلها في السياق العام، ومحلها في خدمة محور السورة، والآن تأتي المجموعة الثانية، وهي مجموعة تتحدث عن مواضيع لها علاقة في الاستئذان، ودخول البيوت، وهو موضوع مر معنا قبل المقطع الثاني، فكأن ما يرد هنا استمرار لما ورد هناك. غير أنه قد فصل بين آيات الاستئذان بمعان متعددة، بعضها يقتضيه سياق الآيات التي ورد فيها الاستئذان هناك، وبعضها يخدم قضية الاستئذان هاهنا. جاءت آيات الاستئذان هناك في سياق الكلام عن القذف والزنى فلم يتناسب في ذلك السياق أن يذكر موضوع الاستئذان من قبل المماليك والصغار ... ، ثم إن موضوع الاستئذان بالنسبة للطوافين يحتاج إلى مقدمات، ولذلك فقد جاء هنا بعد

стр. 3609

مقدمات طويلة توطئ للالتزام. لقد جاء في وسط السورة مقطع يتحدث عن الهداية والضلال، ثم جاءت مجموعة تتحدث عن علامات الهداية والضلال، وكل ذلك قبل ما تبقى من المقطع الثالث لاحتياج هذه المعاني إلى تلك التوطئات. لقد جاءت في وسط السورة آيات فيها معان تخدم الالتزام في الأحكام، وجاء على حافتي هذه الآيات آيات فيها أحكام. وقبل أن نعرض آيات المجموعة الثانية من المقطع الثالث فلنذكر بعض النقول والفوائد. نقل: بمناسبة قوله تعالى وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ .. قال الأستاذ المودودي في تفسيره لسورة النور: (هذا وعد من الله تعالى للمسلمين، بأنه سيجعلهم خلفاء الأرض- أي أئمة الناس وقادتهم- والمقصود من هذه الآية- كما أشرنا إليه من قبل- تنبيه المنافقين على أن هذا الوعد الذي قد قطعه الله ﵎ للمسلمين، ليس الخطاب فيه لكل من ينتمي إلى الإسلام ولو اسما، بل إنما هو للمسلمين الذين هم صادقون في إيمانهم، وصالحون باعتبار أخلاقهم وأعمالهم، ومتبعون لدين الله الذي قد ارتضاه لهم، وملتزمون لعبادته وعبوديته وحده، وغير مشركين به شيئا، وأما الذين ليسوا على تلك الصفات، وإنما يدعون الإيمان بألسنتهم، فلا يستأهلون هذا الوعد؛ لأنه لم يقطع لهم، فلا يرجون أن ينالوا نصيبا منه. قد رأينا بعض المغرضين من الناس يجعلون «الخلافة» بمعنى: مجرد الملك والقهر والغلبة والحكم والتمكن، ثم يستنتجون من هذه الآية أن كل من حصل له العلو والغلبة في الأرض، فهو مؤمن صالح، متبع لدين الله المرتضى، قائم بعبوديته مجتنب للشرك به. بل هم- فوق ذلك- يبدلون مفهوم كل كلمة من كلمات الإيمان والصلاح والدين والعبادة والشرك، حتى يجعلوها متفقة مع أهوائهم ونظريتهم الزائغة هذه. فهذا أشنع تحريف معنوي للقرآن، قد فاق تحريف اليهود والنصارى لكتبهم، عند ما أعطى لآية الاستخلاف هذه معنى يريد أن يمسخ تعليم القرآن كله، ولا يترك شيئا من الإسلام في مقامه، فإنه لا بد- بعد هذا التحريف للخلافة- أن تنطبق هذه الآية على كل من

стр. 3610

لهم العلو والغلبة في الأرض اليوم، أو كانت لهم في الزمن الماضي، ولو كانوا جاحدين بالله والرسالة والوحي واليوم الآخر، منغمسين في أدناس الفسق والفجور التي قد عدها القرآن من الكبائر، كأكل الربا، وارتكاب الزنا، وشرب الخمر، ولعب الميسر، وما إليها. فإن كان أمثال هؤلاء من المؤمنين الصالحين، ولأجل إيمانهم وصلاحهم نالوا العلو والغلبة في الأرض، فأي معنى يمكن أن يكون للإيمان غير الإذعان لقوانين الطبيعة، وللصلاح غير العمل وفق هذه القوانين؟ وماذا يمكن أن يكون دين الله المرتضى غير بلوغ الكمال في العلوم الطبيعية وترقية الصناعة والتجارة والسياسة القومية؟ وهل يمكن بعد التسليم بنظريتهم الزائغة أن تكون عبادة الله غير التزام القواعد والضوابط التي تساعد على بلوغ النجاح في السعي الفردي والاجتماعي فقط؟ وهل يبقي الشرك إذن عبارة عن شئ غير مزج هذه القواعد والضوابط المفيدة بالطرق المضرة؟ ولكن هل لأحد قد قرأ القرآن مرة بقلب مفتوح، وعينين مبصرتين أن يقول بأن هذه هي المعاني لكلمات الإيمان، والعمل الصالح، ودين الحق، والعبادة، والتوحيد، والشرك المذكورة في القرآن؟ الحقيقة أنه لا يكاد يقول بهذه المعاني إلا رجل لم يكن قد قرأ القرآن ولا مرة واحدة من بدئه إلى آخره، مع فهم معانيه، وإدراك مقاصده، وإنما أخذ آية من هنا وأخرى من هناك فحرفها وفقا لأهوائه ونظرياته وأفكاره، أو رجل ما زال عند قراءته للقرآن يبطل ويخطئ بزعمه جميع الآيات التي فيها دعوة للناس إلى الإيمان بالله ربا واحدا، وإلها لا شريك له، وبوحيه الذي أنزله على رسوله وسيلة وحيدة لمعرفة الهداية، وبكل نبي أرسله إلى الدنيا قائدا، يجب على الناس أن يطيعوه، أو فيها الأمر للناس باعتقاد حياة أخرى بعد هذه الحياة الدنيا، بل قيل لهم فيها أن لا فلاح للذين يريدون الحياة الدنيا فقط، وهم عن الآخرة غافلون. وهذه الموضوعات قد أبدئ في ذكرها وأعيد في القرآن بكثرة، وبطرق مختلفة، وبألفاظ واضحة صريحة، حيث يتعسر علينا تصديق أن يقرأ أحد القرآن- بإخلاص وأمانة- ثم يقع في مثل الأخطاء والأغلوطات التي قد وقع فيها هؤلاء المفسرون الجدد لآية الاستخلاف، فالحقيقة أن المعنى الذي بينوه لكلمتي: الخلافة والاستخلاف، وعلى أساسه قد رفعوا بناءهم، إنما اختلقوه من عند أنفسهم، ولا يكاد يقول به أحد يعرف القرآن. إن القرآن يستعمل كلمة الخلافة بثلاثة معان مختلفة، وفي كل موضع من مواضع

стр. 3611

استعماله لهذه الكلمة نعرف بسياقها، وسياقها من دون شك في أي معنى من هذه المعاني الثلاثة قد استعملها. فمعناها الأول: (حمل أمانة السلطة والصلاحيات) وبهذا المعنى إن ذرية آدم كلها خليفة الله في الأرض. ومعناها الثاني: (ممارسة صلاحيات الخلافة تحت أمر الله التشريعي- لا تحت أمره التكويني فقط- مع التسليم بحاكميته العليا) وبهذا المعنى إنما المؤمن الصالح هو الخليفة في الأرض، لأنه هو الذي يؤدي حق الخلافة على وجهه الصحيح، وعلى العكس منه ليس الكافر والفاسق بخليفة لله، بل هو خارج عليه، لأنه يتصرف في ملكه على طريق معصيته. ومعناها الثالث: (قيام أمة جديدة مقام أمة غالبة في عصر من العصور بعد انقراضها) المعنيان الأولان مأخوذان من الخلافة بمعنى النيابة، والمعنى الثالث مأخوذ من الخلافة بمعنى البقاء، والقيام مقام الغير، وهذان المعنيان لكلمة الخلافة معروفان في لغة العرب. فمن قرأ الآن آية الاستخلاف بهذا السياق والسباق فإنه لا يكاد يشك لطرفة عين في أن كلمة الخلافة قد استعملت في هذا المقام بمعنى الحكومة القائمة بحق نيابة الله تعالى، وفق أمره الشرعي، ولأجل ذلك يأبى الله تعالى أن يشمل المنافقين المدعين بإسلامهم في وعده الذي يقطعه للمسلمين في هذه الآية، فضلا عن أن يشمل فيه الكفار، ولأجل ذلك يقول: إنه لا يستحق هذا الوعد إلا المتصفون بصفات الإيمان والعمل الصالح، ولأجل ذلك يذكر من ثمرات قيام الخلافة في الأرض أن يقوم دينه الذي ارتضى، أي الإسلام، على الأسس القوية، ولأجل ذلك ذكر هذه النعمة مشترطة بأن يبقى المسلمون قائمين بحق عبادته يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً أما توسيع هذا الوعد إلى النطاق الدولي، والتقرب به إلى كل من كان له العلو والكلمة النافذة في العالم- أمريكا أو روسيا أو غيرهما- فإن هو إلا طغيان في الغي، وتماد في الجهل والضلال ولا غير. وأمر آخر يجدر بالذكر في هذا المقام، هو أن هذا الوعد وإن كان شاملا للمسلمين في جميع الأزمان، ولكن الخطاب المباشر فيه لأولئك المسلمين الذين كانوا في عهد الرسول ﷺ . وحقا إن المسلمين كانوا في حالة شديدة من الخوف أيام نزول هذا الوعد، حتى كانوا لا يضعون سلاحهم، وما كان دين الإسلام قد تمكن لهم، حتى ولا في أرض الحجاز، ولكن هذه الحالة ما تبدلت في عدة سنوات بحالة الأمن والرفاهة والطمأنينة فحسب، بل تجاوز فيها الإسلام حدود جزيرة العرب، وانتشر في أكبر جزء

стр. 3612

من إفريقية وآسيا، ولم ترسخ جذوره في منبت أرومته فقط، بل وفي أكثر أقطار الأرض. فهذا شاهد تاريخي بأن الله تعالى قد أنجز وعده في عهد أبي بكر وعمر وعثمان ﵃. ولا يكاد يشك بعد ذلك رجل يقيم أدنى وزن للإنصاف في أن خلافة أبي بكر وعمر وعثمان حق قد صادق عليه القرآن نفسه، وأن الله تعالى نفسه يشهد بكونهم مؤمنين صالحين. بيد أن من كان في ريب من ذلك، فعليه أن يراجع كتاب نهج البلاغة، ويقرأ فيه الكلام الآتي لسيدنا علي بن أبي طالب ﵁، لما استشاره عمر في غزو الفرس بنفسه: (إن هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا قلة، وهو دين الله الذي أظهره، وجنده الذي أعده وأمده، حتى بلغ ما بلغ، وطلع حيثما طلع. ونحن على موعد من الله تعالى حيث قال عز اسمه وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ .. والله منجز وعده وناصر جنده. ومكان القيم بالأمر (١) مكان النظام من الخرز: يجمعه ويضمه، فإذا انقطع النظام، تفرق الخرز وذهب، ثم لم يجتمع بحذافيره أبدا. والعرب اليوم وإن كانوا قليلين فهم كثيرون بالإسلام، عزيزون بالاجتماع، فكن قطبا واستدر الرحى بالعرب وأصلهم دونك نار الحرب. فإنك إن شخصت (٢) من هذه الأرض انتقضت عليك العرب من أطرافها وأقطارها، حتى يكون ما تدع وراءك من العورات أهم إليك مما بين يديك. إن الأعاجم إن ينظروا إليك غدا يقولون: هذا أصل العرب، فإذا قطعتموه استرحتم، فيكون ذلك أشد لكلبهم عليك (٣) وطمعهم فيك. فأما ما ذكرت من مسير القوم إلى قتال المسلمين، فإن الله سبحانه هو أكره لمسيرهم، وهو أقدر على تغيير ما يكره، وأما ما ذكرت من عددهم، فإنا لم نكن نقاتل في ما مضى بالكثرة، وإنما كنا نقاتل بالنصر والمعونة (٤).

стр. 3613

ولكل من يقرأ هذا الكلام أن يرى: من الذي يجعله سيدنا علي بن أبي طالب ﵁ مصداقا لآية الاستخلاف؟) فوائد: ١ - بمناسبة قوله تعالى وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ ذكر ابن كثير ما رواه الطبراني عن رسول الله ﷺ «من دعي إلى سلطان فلم يجب فهو ظالم لا حق له» وذكر ابن كثير ما أخرجه ابن أبي حاتم كسبب لنزول الآيات عن الحسن قال: «كان الرجل إذا كان بينه وبين الرجل منازعة فدعي إلى النبي ﷺ وهو محق أذعن، وعلم أن النبي ﷺ سيقضي له بالحق، وإذا أراد أن يظلم فدعي إلى النبي ﷺ أعرض وقال: أنطلق إلى فلان؛ فأنزل الله هذه الآية فقال النبي ﷺ «من كان بينه وبين أخيه شئ فدعي إلى حكم من حكام المسلمين فأبى أن يجيب له فهو ظالم لا حق له» وهذا حديث غريب وهو مرسل. ٢ - بمناسبة قوله تعالى إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ قال ابن كثير: (وقال قتادة في هذه الآية أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا ذكر لنا أن عبادة بن الصامت- وكان عقبيا بدريا أحد نقباء الأنصار- أنه لما حضره الموت قال لابن أخيه جنادة بن أبي أمية: ألا أنبئك بماذا عليك وبماذا لك؟ قال: بلى، قال فإن عليك السمع والطاعة، في عسرك ويسرك، ومنشطك ومكرهك، وأثرة عليك. وعليك أن تقيم لسانك بالعدل، وأن لا تنازع الأمر أهله إلا أن يأمروك بمعصية الله بواحا، فما أمرت به من شئ يخالف كتاب الله فاتبع كتاب الله وقال قتادة: ذكر لنا أن أبا الدرداء قال: لا إسلام إلا بطاعة الله، ولا خير إلا في جماعة، والنصيحة لله ولرسوله وللخليفة وللمؤمنين عامة، قال وقد: ذكر لنا أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يقول: عروة الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والطاعة لمن ولاه الله أمر المسلمين. ورواه ابن أبي حاتم. والأحاديث والآثار في وجوب الطاعة لكتاب الله، وسنة رسوله، وللخلفاء الراشدين، والأئمة إذا أمروا بطاعة الله، أكثر من أن تحصر في هذا المكان) ٣ - بمناسبة قوله تعالى وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ قال النسفي: (وعن بعض الملوك أنه سأل عن آية كافية فتليت له هذه الآية وهي جامعة لأسباب الفوز).

стр. 3614

٤ - بمناسبة قوله تعالى وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ قال ابن كثير: (قال وهب بن منبه: أوحى الله إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل يقال له شعياء، أن قم في بني إسرائيل فإني سأطلق لسانك بوحي، فقام فقال: يا سماء اسمعي، ويا أرض أنصتي، فإن الله يريد أن يقضي شأنا، ويدبر أمرا هو منفذه، إنه يريد أن يحول الريف إلى الفلاة، والآجام في الغيطان، والأنهار في الصحارى، والنعمة في الفقراء، والملك في الرعاة، ويريد أن يبعث أميا من الأميين، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب في الأسواق لو يمر على السراج لم يطفئه من سكينته، ولو يمشي على القصب اليابس لم يسمع من تحت قدميه، بعثته بشيرا ونذيرا لا يقول الخنا، أفتح به أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا، وأسدده بكل أمر جميل، وأهب له كل خلق كريم، وأجعل السكينة لباسه، والبر شعاره، والتقوى ضميره، والحكمة منطقه، والصدق والوفاء طبيعته، والعفو والمعروف خلقه، والحق شريعته، والعدل سيرته، والهدى إمامه، والإسلام ملته، وأحمد اسمه، أهدي به بعد الضلالة، وأعلم به من الجهالة، وأرفع به بعد الخمالة، وأعرف به بعد النكرة، وأكثر به بعد القلة، وأغني به بعد العيلة، وأجمع به بعد الفرقة، وأؤلف به بين أمم متفرقة، وقلوب مختلفة، وأهواء مشتتة، وأستنقذ به فئاما من الناس عظيما من الهلكة، وأجعل أمته خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، موحدين مؤمنين، مخلصين مصدقين بما جاءت به الرسل.» رواه ابن أبي حاتم. أقول: يبدأ سفر أشعيا الموجود حاليا بهذه الكلمات: (اسمعي أيتها السموات واصغي أيتها الأرض، لأن الرب يتكلم) الإصحاح الأول، وفي الإصحاح الحادي والأربعين نجد العبارات التالية: (أفتح على الهضاب أنهارا. وفي وسط البقاع ينابيع. أجعل الفقر أجمة ماء. والأرض اليابسة مفاجر مياه. أجعل في البرية الأرز والسنط والآس وشجرة الزيت. أضع في البادية السرو والسنديان والشربين معا) (قد أنهضته من الشمال فأتى من مشرق الشمس يدعو باسمي يأتي على الولاة كما على الملاط وكخزاف يدوس الطين) وفي الإصحاح الثاني والأربعين: (هو ذا عبدي الذي أعضده، مختاري الذي سرت به نفسي وضعت روحي عليه فيخرج الحق للأمم، لا يصيح ولا يرفع ولا يسمع في الشارع صوته قصبة مرضوضة لا يقصف وفتيلة خامدة لا يطفئ، إلى الأمان يخرج الحق لا يكل ولا ينكسر حتى يضع

стр. 3615

الحق في الأرض وتنتظر الجزائر شريعته). (أنا الرب قد دعوتك بالبر فأمسك بيدك وأحفظك وأجعلك عهدا للشعب ونورا للأمم لتفتح عيون العمي لتخرج من الحبس المأسورين من بيت السجن الجالسين في الظلمة) (أنا الرب هذا اسمي ومجدي لا أعطيه لآخر ... ) (لترفع البرية ومدنها صوتها الديار التي سكنها قيدار لتترنم سكان سالع من رءوس الجبال ليهتفوا) لاحظ أن قيدار هو ابن إسماعيل، فالمراد به هنا الشعب العربي، ولاحظ أن سلعا هو من جبال المدينة. (وأسير العمي في طريق لم يعرفوها في مسالك لم يدروها أمشيهم، أجعل الظلمة أمامهم نورا، والمعوجات مستقيمة هذه الأمور أفعلها ولا أتركهم). (الرب قد سر من أجل بره يعظم الشريعة ويكرمها). لقد تتبعت سفر أشعياء فرأيت هذه النقول تشبه ما ذكره وهب بن منبه عن هذا السفر، وواضح أن هاهنا بشارة برسولنا ﵊، ومع كثرة التحريفات وتعدد الترجمات فلا زال في السفر ما يدل على أن في هذه النصوص بشارة برسولنا ﵊، وفي سفر أشعياء بشارة أخرى بنبوة وأمة وشريعة وأرض، ولا تنطبق هذه البشارة إلا على نبوة محمد ﷺ وقد أوضحنا ذلك في كتابنا (الرسول ﷺ وها نحن ننقل لك هذه البشارة فتأملها: الإصحاح الرابع والخمسون «ترنمي أيتها العاقر التي لم تلد أشيدي بالترنم أيتها التي لم تمخض لأن بني المستوحشة أكثر من بني ذات البعل قال الرب، أو سعي مكان خيمتك ولتبسط شقق مساكنك، لا تمسكي. أطيلي أطنابك وشددي أوتادك؛ لأنك تمتدين إلى اليمين وإلى اليسار ويرث نسلك أمما ويعمر مدنا خربة، لا تخافي لأنك لا تخزين، ولا تخجلي لأنك لا تستحين، فإنك تنسين خزي صباك وعار ترملك لا تذكرينه بعد، لأن بعلك هو صانعك رب الجنود اسمه ووليك قدوس إسرائيل إله كل الأرض يدعى. لأنه كامرأة مهجورة ومحزونة الروح دعاك وكزوجة الصبا إذا رذلت قال إلهك. لحيظة تركتك وبمراحم عظيمة سأجمعك. بفيضان الغضب حجبت وجهي عنك لحظة وبإحسان أبدي أرحمك قال وليك الرب. لأنه كمياه نوح هذه لي. كما حلفت أن لا تعبر بعد مياه نوح على الأرض هكذا حلفت أن لا أغضب عليك ولا أزجرك. فإن الجبال تزول والآكام تتزعزع أما إحساني فلا يزول عنك وعهد سلامي لا يتزعزع قال راحمك الرب. أيتها الذليلة المضطربة غير المتعزية ها أنا ذا أبني بالأثمد حجارتك وبالياقوت الأزرق

стр. 3616

أؤسسك. وأجعل شرفك ياقوتا وأبوابك حجارة بهرمانية وكل تخومك حجارة كريمة. وكل بنيك تلاميذ الرب وسلام بنيك كثيرا. بالبر تثبتين بعيدة عن الظلم فلا تخافين وعن الارتعاب فلا يدنو منك. ها إنهم يجتمعون اجتماعا ليس من عندي. من اجتمع عليك فإليك يسقط. ها أنا ذا قد خلقت الحداد الذي ينفخ الفحم في النار ويخرج آلة لعمله وأنا خلقت المهلك ليخرب. كل آلة صورت ضدك لا تنجح وكل لسان يقوم عليك في القضاء تحكمين عليه. هذا هو ميراث عبيد الرب وبرهم من عندي يقول الرب). ٥ - عند قوله تعالى وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً نحب أن نقف عدة وقفات: أ- إن هذا الوعد قد تحقق لهذه الأمة، وهو مستمر لكل من تحقق بمواصفات الاستخلاف، لما ثبت في الصحيحين من غير وجه عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم، إلى يوم القيامة. وفي رواية: حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك. وفي رواية- حتى يقاتلوا الدجال- وفي رواية- حتى ينزل عيسى ابن مريم وهم ظاهرون» قال ابن كثير: وكل هذه الروايات صحيحة ولا تعارض بينها. ب- إن الاستخلاف والتمكين والأمن لا تكون إلا بعد خوف، واستمرار على الحق، واستمرار على الإيمان والعمل الصالح، حتى يأتي النصر، والذي نلاحظه أن كثيرا من المسلمين إذا جاء الخوف تركوا وانعزلوا، وأن كثيرين ليسوا متحققين بشروط الاستخلاف، ومن ثم نرى أن النصر يبطئ على حملة دعوة الله، والرجاء من أهل الإسلام أن يتحققوا ويستمروا. ج- في هذه الآية معجزة من معجزات القرآن؛ إذ أنها تحدثت عن غيب ووقع. قال ابن كثير: (هذا وعد من الله تعالى لرسوله صلوات الله وسلامه عليه، بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض، أي أئمة الناس، والولاة عليهم، وبهم تصلح البلاد، وتخضع لهم العباد، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا، وحكما فيهم، وقد فعله ﵎، وله الحمد والمنة: فإنه ﷺ لم يمت حتى فتح الله عليه مكة وخيبر والبحرين

стр. 3617

وسائر جزيرة العرب، وأرض اليمن بكمالها. وأخذ الجزية من مجوس هجر، ومن بعض أطراف الشام، وهاداه هرقل ملك الروم، وصاحب مصر وإسكندرية وهو المقوقس، وملوك عمان، والنجاشي ملك الحبشة، الذي تملك بعد أصحمة ﵀ وأكرمه. ثم لما مات رسول الله ﷺ واختار الله له ما عنده من الكرامة، قام بالأمر بعده خليفته، أبو بكر الصديق، فلم شعث ما وهى بعد موته ﷺ ، وأخذ جزيرة العرب ومهدها، وبعث جيوش الإسلام إلى بلاد فارس، صحبة خالد بن الوليد ﵁، ففتحوا طرفا منها، وقتلوا خلقا من أهلها، وجيشا آخر صحبة أبي عبيدة ﵁ ومن اتبعه من الأمراء إلى أرض الشام، وثالثا صحبة عمرو بن العاص ﵁ إلى بلاد مصر، ففتح الله للجيش الشامي في أيامه بصرى ودمشق، ومخاليفهما من بلاد حوران، وما والاها، وتوفاه الله واختار له ما عنده من الكرامة. ومن على أهل الإسلام بأن ألهم الصديق أن يستخلف عمر الفاروق، فقام بالأمر بعده قياما تاما لم يدر الفلك- بعد الأنبياء- على مثله، في قوة سيرته، وكمال عدله. وتم في أيامه فتح البلاد الشامية بكمالها، وديار مصر، إلى آخرها، وأكثر إقليم فارس. وكسر كسرى وأهانه غاية الهوان، وتقهقر إلى أقصى مملكته، وقصر قيصر، وانتزع يده عن بلاد الشام، وانحدر إلى القسطنطينية، وأنفق أموالها في سبيل الله، كما أخبر بذلك ووعد به رسول الله عليه من ربه أتم سلام وأزكى صلاة، ثم لما كانت الدولة العثمانية أي دولة عثمان بن عفان، امتدت الممالك الإسلامية إلى أقصى مشارق الأرض ومغاربها، ففتحت بلاد المغرب إلى أقصى ما هنالك الأندلس وقبرص، وبلاد القيروان، وبلاد سبته مما يلي البحر المحيط، ومن ناحية المشرق إلى أقصى بلاد الصين، وقتل كسرى وباد ملكه بالكلية، وفتحت مدائن العراق، وخراسان والأهواز، وقتل المسلمون من الترك مقتلة عظيمة جدا، وخذل الله ملكهم الأعظم خاقان، وجبي الخراج من المشارق والمغارب إلى حضرة أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁، وذلك ببركة تلاوته ودراسته وجمعه الأمة على حفظ القرآن، ولهذا ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها»). فها نحن نتقلب فيما وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله، فنسأله الإيمان به وبرسوله، والقيام بشكره على الوجه الذي يرضيه عنا. قال الإمام مسلم بن الحجاج في صحيحه: حدثنا ابن أبي عمر عن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «لا يزال أمر الناس ماضيا ما وليهم اثنا عشر رجلا» ثم تكلم النبي ﷺ بكلمة خفيت

стр. 3618

عني، فسألت أبي ماذا قال رسول الله ﷺ ؟ فقال: قال «كلهم من قريش» ورواه البخاري من حديث شعبة عن عبد الملك بن عمير به، وفي رواية لمسلم أنه قال ذلك عشية رجم ماعز بن مالك، وذكر معه أحاديث أخر، وفي هذا الحديث دلالة على أنه لا بد من وجود اثني عشر خليفة عادل، وليسوا هم بأئمة الشيعة الاثنى عشر؛ فإن كثيرا من أولئك لم يكن لهم من الأمر شئ، فأما هؤلاء فإنهم يكونون من قريش، يولون فيعدلون، وقد وقعت البشارة بهم في الكتب المتقدمة، ثم لا يشترط أن يكونوا متتابعين، بل يكون وجودهم في الأمة متتابعا ومتفرقا، وقد وجد منهم أربعة على الولاء، وهم: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي ﵃، ثم كانت بعدهم فترة، ثم وجد منهم من شاء الله، ثم قد يوجد منهم من بقي في الوقت الذي يعلمه الله تعالى، ومنهم المهدي اسمه يطابق اسم رسول الله ﷺ ، وكنيته كنيته، يملأ الأرض عدلا وقسطا، كما ملئت جورا وظلما. قد روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي من حديث سعيد بن جمهان عن سفينة مولى رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: «الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تكون ملكا عضوضا» وقال الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله تعالى وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً الآية قال: كان النبي ﷺ وأصحابه بمكة نحوا من عشر سنين، يدعون إلى الله وحده، وإلى عبادته وحده لا شريك له سرا، وهم خائفون لا يؤمرون بالقتال، حتى أمروا بعد بالهجرة إلى المدينة، فقدموها فأمرهم الله بالقتال، فكانوا بها خائفين، يمسون في السلاح، ويصبحون في السلاح، فصبروا على ذلك ما شاء الله، ثم إن رجلا من الصحابة قال: يا رسول الله أبد الدهر نحن خائفون هكذا؟ أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع عنا السلاح؟ فقال رسول الله ﷺ : «لن تصبروا إلا يسيرا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبيا ليست فيه حديدة» وأنزل الله هذه الآية فأظهر الله نبيه على جزيرة العرب، فآمنوا ووضعوا السلاح، ثم إن الله تعالى قبض نبيه ﷺ ، فكانوا كذلك آمنين في إمارة أبي بكر وعمر وعثمان، حتى وقعوا فيما وقعوا فيه، فأدخل عليهم الخوف فاتخذوا الحجزة والشرط، وغيروا فغير بهم، وقال بعض السلف: خلافة أبي بكر وعمر ﵄ حق في كتاب الله، ثم تلا هذه الآية، وقال البراء بن عازب: نزلت هذه الآية ونحن في خوف شديد، وهذه الآية الكريمة كقوله تعالى وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ إلى قوله

стр. 3619

لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (الأنفال: ٢٦) وقوله تعالى كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كما قال تعالى عن موسى ﵇ أنه قال لقومه عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ (الأعراف: ١٢٩) وقال تعالى وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ (القصص: ٥). وقوله وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ الآية كما قال رسول الله ﷺ لعدي بن حاتم حين وفد عليه «أتعرف الحيرة؟» قال: لم أعرفها، ولكن قد سمعت بها قال: «فو الذي نفسي بيده ليتمن هذا الأمر حتى تخرج الظعينة من الحيرة حتى تطوف بالبيت في غير جوار أحد، ولتفتحن كنوز كسرى بن هرمز» قلت: كسرى بن هرمز؟ قال: «نعم كسرى بن هرمز، وليبذلن المال حتى لا يقبله أحد» قال عدي ابن حاتم: فهذه الظعينة تخرج من الحيرة فتطوف بالبيت في غير جوار أحد، ولقد كنت فيمن فتح كنوز كسرى بن هرمز والذي نفسي بيده لتكونن الثالثة لأن رسول الله ﷺ قد قالها». وروى الإمام أحمد عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ «بشر هذه الأمة بالسنا والرفعة والدين والنصر والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب» وقال الألوسي: (هذا واستدل كثير بهذه الآية على صحة خلافة الخلفاء الأربعة رضي الله تعالى عنهم، لأن الله تعالى وعد فيها من في حضرة الرسالة من المؤمنين بالاستخلاف، وتمكين الدين، والأمن العظيم من الأعداء، ولا بد من وقوع ما وعد به، ضرورة امتناع الخلف في وعده تعالى، ولم يقع ذلك المجموع إلا في عهدهم، فكان كل منهم خليفة حقا باستخلاف الله تعالى إياه حسبما وعد جل وعلا). ٦ - بمناسبة قوله تعالى يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً قال ابن كثير: (روى الإمام أحمد عن معاذ بن جبل قال: بينا أنا رديف النبي ﷺ على حمار ليس بيني وبينه إلا آخرة الرحل قال: «يا معاذ» قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك قال: ثم سار ساعة ثم قال: «يا معاذ بن جبل» قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك، ثم سار ساعة ثم قال: «يا معاذ بن جبل» قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك قال: «هل تدري ما حق الله على العباد؟» قلت: الله ورسوله أعلم قال: «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا» قال: ثم سار ساعة ثم قال: «يا معاذ بن جبل» قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك قال: «فهل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟»

стр. 3620

قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «فإن حق العباد على الله أن لا يعذبهم» أخرجاه في الصحيحين من حديث قتادة). المجموعة الثانية وهي أربع آيات كلمة بين يدي هذه المجموعة: يلاحظ أن أكثر آيات المجموعة الثانية منته بذكر الآيات: كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ فإذا تذكرنا مقدمة السورة: سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ أدركنا أن في هذه المجموعة نموذجا على الآيات البينات في السورة: إن آيات هذه المجموعة ترتبط بما تقدمها من السورة بروابط متعددة: فبعد المجموعة التي علمتنا على الطاعة والالتزام تأتي هذه المجموعة، وفيها آداب وأحكام ينبغي أن تلتزم. ولقد جاء المقطع الأول وفيه كلام عن الاستئذان، وغض البصر، وترك التبرج، وجاءت هذه المجموعة لتستكمل هذه الأمور، فتذكر ضرورة استئذان المماليك والصغار، وتذكر حكم القواعد من النساء. وجاء في المقطع الأول موضوع النهي عن دخول البيوت إلا بإذن، وهاهنا يأتي حكم الأكل من بعض البيوت، إلى غير ذلك، فالمجموعة تكمل الكلام عن معان وردت في المقطع الأول، ويربط بين آياتها أنها تتحدث عن آداب اجتماعية وسلوكية. ولعل توزع آيات الاستئذان في هذه السورة هو أجود مناسبة للحديث عن بعض الحكم في موضوع يتساءل عن الحكمة فيه بعض الناس، وما الحكمة في كون المواضيع القرآنية موزعة مفرقة في القرآن كله؟. لقد رأينا في كل سورة عرضناها كيف أن للسورة وحدتها، ومحورها، فليس هناك آية إلا وهي في محلها الأكمل، ثم إننا نجد في كل سورة خصائص القرآن كله، من كونه مذكرا وواعظا ومعلما ومربيا وهاديا، فنجد السورة الواحدة تعرض ما تعرضه بأسلوب يجتمع فيه من الخصائص ما لا يحاط به، وهذا بعض أسرار كون القرآن على ما

стр. 3621

هو عليه، ثم إنك تجد السورة الواحدة- ولو تعددت معانيها- فإن كل معنى فيها يخدم بقية المعاني، ويؤسس لها بشكل لا يمل معه الإنسان، وبشكل يملأ العقل والقلب والشعور وعوالم النفس. إن هناك معنى إذا وضع بجانب معنى آخر فإنه يكون أولى به، حتى من معنى يشبهه. وهناك معنى يحتاج إلى عشر مقدمات، ومعنى يحتاج إلى مقدمتين، من أجل أن يعطي ثماره في القلب من أقرب طريق، ومن ثم يكون هذا في مكان، والثاني في مكان آخر، بعد أن يأخذ كل منهما المقدمات الضرورية له. وفي عملية التكوين الشامل للنفس البشرية تحتاج هذه النفس إلى جرعات متفاوتة بحسب الاحتياج، والنفس البشرية ملول، ومن متعتها تغير المشاهد، وهي تحتاج إلى أن تأخذ بعض المواضيع متداخلة، وأحيانا متسلسلة، وأحيانا تحتاج إلى أن تأخذ المعنى الواحد ضمن إطار، ثم تأخذه ضمن إطار آخر، والتكليف فيه مشقة؛ فإن يجزأ التكليف، وأن يوضع كل جزء منه في الإطار الذي تقبله النفس دون تلكؤ، كل هذه المعاني وغيرها بعض حكم كون المواضيع القرآنية عرضت كما هي في القرآن، وبشكل لا يمكن أن يعلم حدوده وحقوقه إلا الله ؛ فالله الذي خلق الكون والإنسان- وهو الأعلم بالإنسان- جعل كتابه الهادي لهذا الإنسان، بما يتفق مع خلق هذا الإنسان، وتركيبه العقلي والنفسي والشعوري. إن الله هو الأول والآخر، والله يعلم ما كان وما يكون، وقد خلق الإنسان وهو أعلم به، وخلق السموات والأرض بما يتفق ومصلحة هذا الإنسان هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً (البقرة: ٢٩) أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ (لقمان: ٢٠) وجعل كل جزء يحتاجه الإنسان بحجم وكيفية، وجعل له محل وجود، وجعل الوصول إليه متدرجا، فكل عصر، وكل إنسان، وكل زمان، وكل مكان، يأخذ احتياجاته، ويكتشف شيئا جديدا، بما يحقق التجديد ويحقق الكفاية وتجد بعض الأشياء مبثوثة في كل مكان، وتجد بعض الأشياء مبثوثة هنا وهناك، وكل ذلك ضمن حكمة لا يحيط بها إلا الله، وضمن وحدة كلية لا يدرك الإنسان من أسرارها إلا القليل.

стр. 3622

والقرآن الذي هو كلام الله الدال على علمه، والذي كان قبل الزمان وقبل المكان، والذي أنزله الله في الزمن المناسب لهذا الإنسان، تجده على ما هو عليه مما يناسب هذا الإنسان في كل زمان ومكان، مناسبة لا يمكن أن تكون، لولا أن خالق هذا الإنسان، ومنزل هذا القرآن واحد، وهو الله. قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (الفرقان: ٦) الرَّحْمنُ* عَلَّمَ الْقُرْآنَ* خَلَقَ الْإِنْسانَ* عَلَّمَهُ الْبَيانَ فهذا بعض شأن القرآن وهذا هو الأنسب للإنسان. إن كل سورة لها مقاصد تحققها، وهذه المقاصد لا تتحقق إلا إذا كان العرض على ما هو عليه، وهذا مظهر من مظاهر الإعجاز في القرآن يدل على أن القرآن من عند الله، فإذا اتضح كل ما مر نكون قد عرفنا بعض حكم توزع المواضيع في السورة الواحدة، أو في القرآن كله. إن آيات استئذان الأجانب أولى بها أن تكون في سياق عملية التطهير النفسي والقلبي للمسلم، في قضية تمس العرض، وآيات استئذان الأقارب أولى أن تكون ضمن سياق كون هذا القرآن بينات وضمن سياق أن الله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. إن القرآن ليس كتابا كبقية الكتب، يضع الموضوع بجانب الموضوع، ليشكل في النهاية كتابا موضوعه جزء من أجزاء الحياة، بل القرآن كتاب الحياة، وكتاب الإنسان، وكتاب الكون، وكتاب الدنيا والآخرة، وكتاب كل شئ، وقد أعطت كل سورة من سوره هذا الإنسان ما يناسب كينونته مناسبة ما، وكذلك مجموعة السور، وكذلك كل المجموعات في القسم، وكذلك كل الأقسام، فكان حصيلة ذلك مناسبة هذا القرآن للكينونة البشرية في الزمان والمكان، بما يسع هذه الكينونة كلها. التفسير: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ أي العبيد والإماء وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ أي الأطفال الذين لم يحتلموا من الأحرار ثَلاثَ مَرَّاتٍ في اليوم والليلة وهي مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ لأنه وقت القيام من المضاجع، وطرح ما ينام فيه من الثياب، ولبس ثياب اليقظة وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وهي نصف النهار في القيظ، لأنها وقت وضع الثياب للقيلولة وَمِنْ

стр. 3623

بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ لأنه وقت التجرد من ثياب اليقظة، والالتحاف بثياب النوم ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ أي هي أوقات ثلاث عورات وسمي كل واحد من هذه الأحوال عورة لأن الإنسان يختل تستره فيها، والعورة الخلل لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ عذرهم في ترك الاستئذان وراء هذه المرات والمعنى: أي لا إثم عليكم ولا على المذكورين في الدخول بغير استئذان بعدهن، ثم بين العلة في ترك الاستئذان وراء هذه الأوقات بقوله طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ يعني أن بكم وبهم حاجة إلى المخالطة والمداخلة، يطوفون عليكم للخدمة، وتطوفون عليهم للاستخدام، فلو جزم الأمر بالاستئذان في كل وقت لأفضى إلى الحرج، وهو مدفوع في الشرع بالنص كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ أي كما بين حكم الاستئذان يبين لكم غيره من الآيات التي احتجتم إلى بيانها وَاللَّهُ عَلِيمٌ بمصالح عباده حَكِيمٌ في بيان مراده وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ أي الاحتلام فَلْيَسْتَأْذِنُوا أي إذا بلغوا، وأرادوا الدخول عليكم فليستأذنوا في جميع الأوقات كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي الذين بلغوا الحلم من قبلهم وهم الرجال، أو الذين ذكروا في الاستئذان أول السورة، والمعنى: أن الأطفال مأذون لهم في الدخول بغير إذن، إلا في العورات الثلاث، فإذا اعتاد الأطفال ذلك ثم بلغوا بالاحتلام، أو بالسن، وجب أن يفطموا عن تلك العادة، ويحملوا على أن يستأذنوا في جميع الأوقات، كالرجال الكبار، الذين لم يعتادوا الدخول عليكم إلا بإذن، والناس عن هذا غافلون كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ أي عليم بمصالح الأنام، حكيم فيما بين من الأحكام، قال ابن كثير: (هذه الآيات الكريمة اشتملت على استئذان الأقارب بعضهم على بعض، وما تقدم في أول السورة فهو استئذان الأجانب بعضهم على بعض). وعلى هذا فآيات الاستئذان هذه مكملة لآداب الاستئذان المذكورة من قبل. وكما أنه بعد آيات الاستئذان هناك جاء الأمر بغض البصر، وعدم إبداء الزينة، تأتي هنا آية تكمل الحكم ذاك، وهو أن القواعد من النساء ليس عليهن من الحجر في التستر، كما على غيرهن من النساء، وكما كان بين الأمر بالتستر والاستئذان هناك صلة، فالأمر كذلك هنا، لأن القواعد من النساء أكثر من يدخل عليهن الأقارب، ومن ثم جاء حكمهن في التستر بعد آداب الاستئذان الخاصة في الأقارب قال تعالى: وَالْقَواعِدُ

стр. 3624

مِنَ النِّساءِ القواعد جمع قاعد وهي صفة مختصة بالنساء والمعنى: واللاتي قعدن عن الحيض والولد من النساء لكبرهن اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحاً أي لم يبق لهن تشوف إلى التزوج، ولا يطمعن فيه فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أي إثم في أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ أي الظاهرة كالملحفة والجلباب الذي فوق الخمار غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ أي غير مظهرات زينة، فلا هن متزينات، ولسن كاشفات عن مواطن الزينة الخفية، كالشعر والنحر والساق ونحو ذلك، وحقيقة التبرج: تكلف إظهار ما يجب إخفاؤه، فهن لا يقصدن بوضع ثيابهن التبرج، ولكن التخفيف وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ أي وأن يطلبن العفة عن وضع الثياب فيستترن خير لهن وَاللَّهُ سَمِيعٌ لما يقلن، ويقال فيهن عَلِيمٌ بما يقصدن، وعليم إذ شرع لهن ما شرع. والآن تأتي آية تحدد البيوت التي يجوز للإنسان أن يأكل منها، والصلة بينها وبين آيات الاستئذان: أن الاستئذان يعقبه دخول، والدخول يعقبه رؤية لما في البيت، وقد يكون في البيت طعام، فهل يحق للإنسان أن يأكل؟ كما أن هناك حالات قد يدخل الإنسان فيها إلى بيوت المذكورين في الآية، في حالة غيبتهم، بإذن مسبق، فاقتضى ذلك معرفة أحكام الأكل من مثل هذه البيوت. لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ قال ابن كثير: (روى الزهري عن عائشة ﵂ قالت: كان المسلمون يذهبون في النفير مع رسول الله ﷺ ، فيدفعون مفاتحهم إلى ضمنائهم، ويقولون: قد أحللنا لكم أن تأكلوا ما احتجتم إليه، فكانوا يقولون: إنه لا يحل لنا أن نأكل، إنهم أذنوا لنا عن غير طيب أنفسهم، وإنما نحن أمناء، فأنزل الله هذه الآية، ومن المعلوم أن الأعمى والمريض والأعرج هم الذين كانوا يتخلفون عن الجهاد، وتوضع عندهم مفاتح البيوت، ويؤذن لهم في الأكل، فكانوا يتحرجون أن يأكلوا، فأنزل الله رفع الحرج عنهم في أن يأكلوا ما دام الإذن موجودا) وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ حرج أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أي بيوت أولادكم، لأن ولد الرجل بعضه، وحكمه حكم نفسه، ولهذا لم يذكر الأولاد في الآية، أو بيوت أزواجكم لأن الزوجين صارا كنفس واحدة، فصار بيت المرأة كبيت الزوج أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَواتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خالاتِكُمْ قال النسفي: (لأن الإذن من هؤلاء ثابت دلالة) أَوْ ما مَلَكْتُمْ

стр. 3625

مَفاتِحَهُ المفاتح: جمع مفتح، وهو: ما يفتح به الغلق، قال سعيد بن جبير والسدي كما ذكر ابن كثير في تفسير المراد بمالك المفاتح هنا: هو خادم الرجل من عبد وقهرمان، فلا بأس أن يأكل مما استودعه من الطعام بالمعروف. وقال النسفي: (قال ابن عباس ﵁: هو وكيل الرجل وقيمه في ضيعته، وماشيته، له أن يأكل من ثمر ضيعته، ويشرب من لبن ماشيته) وإذن فقد أريد بملك المفاتح كونها في يده وحفظه وقيل: أريد بالمالك في الآية بيت عبده، لأن العبد وما في يده لمولاه أَوْ صَدِيقِكُمْ قال ابن كثير: (أي بيوت أصدقائكم وأصحابكم، فلا جناح عليكم في الأكل منها إذا علمتم أن ذلك لا يشق عليهم، ولا يكرهون ذلك. وقال قتادة: إذا دخلت بيت صديقك فلا بأس أن تأكل بغير إذنه) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أي إثم أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أي مجتمعين أَوْ أَشْتاتاً أي متفرقين، نفت هذه الآية الحرج عن الناس في الأكل منفردين أو مجتمعين، إذ كان ناس يتحرجون أن يأكلوا منفردين، وكان ناس يتحرجون أن يأكلوا مجتمعين، خوفا أن يأكل أحدهم أكثر من الآخر، فجاءت هذه الآية لتنفي الحرج عن كل هذا فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً أي من هذه البيوت لتأكلوا فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ أي فابدءوا بالسلام على أهلها الذين منكم دينا وقرابة، أو المعنى: فإذا دخلتم بيوتا فارغة أو مسجدا فقولوا: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أي ثابتة بأمره، مشروعة من لدنه، أو لأن التسليم والتحية طلب سلامة وحياة للمسلم عليه والمحيا من عند الله مُبارَكَةً طَيِّبَةً وصفها بالبركة والطيب لأنها دعوة مؤمن لمؤمن، يرجى بها من الله زيادة الخير، وطيب الرزق كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ أي لكي تعقلوا وتفهموا قال ابن كثير: (لما ذكر تعالى ما في هذه السورة الكريمة من الأحكام المحكمة، والشرائع المتقنة المبرمة، نبه تعالى عباده على أنه يبين لهم الآيات بيانا شافيا ليتدبروها ويعقلوها). كلمة في السياق: جاء في هذه المجموعة عدة أحكام فإذا تذكرنا أن هذه السورة محورها ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وأن سياقها تحدده الآية الأولى منها وهي سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ إذا تذكرنا هذا علمنا أن هذه الأحكام مما ينبغي أن يعرفه المسلم ويعتقده ويلتزم بما فيه، كي يحقق أمر الدخول في الإسلام كله، ولم يبق عندنا إلا خاتمة السورة فلنذكر بعض الفوائد حول المجموعة الثانية، ثم نذكر بعد

стр. 3626

ذلك خاتمة السورة. الفوائد: ١ - في قوله تعالى طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ تعليل لعدم طلب الاستئذان من المذكورين إلا في العورات الثلاث، ومن ثم نفهم أن كثرة الخلطة علة للتخفيف، قال ابن كثير: (ويغتفر في الطوافين ما لا يغتفر في غيرهم، ولهذا روى الإمام مالك وأحمد بن حنبل وأهل السنن أن النبي ﷺ قال في الهرة «إنها ليست بنجسة إنها من الطوافين عليكم والطوافات). ٢ - في سبب نزول قوله تعالى لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتاتاً ... قال ابن كثير: (قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية: لما أنزل الله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ قال المسلمون: إن الله قد نهانا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل، والطعام من أفضل الأموال، فلا يحل لأحد منا أن يأكل عند أحد، فكف الناس عن ذلك، فأنزل الله لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ إلى قوله أَوْ صَدِيقِكُمْ وكانوا أيضا يأنفون ويتحرجون أن يأكل الرجل الطعام وحده، حتى يكون معه غيره، فرخص الله لهم في ذلك فقال لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتاتاً وقال قتادة: كان هذا الحي من بني كنانة يرى أحدهم أن مخزاة عليه أن يأكل وحده في الجاهلية، حتى أن كان الرجل ليسوق الذود الحفل وهو جائع، حتى يجد من يؤاكله ويشاربه فأنزل الله لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتاتاً فهذه رخصة من الله تعالى في أن يأكل الرجل وحده، ومع الجماعة، وإن كان الأكل مع الجماعة أبرك وأفضل، كما رواه الإمام أحمد عن وحشي بن حرب عن أبيه عن جده أن رجلا قال للنبي ﷺ إنا نأكل ولا نشبع. قال «لعلكم تأكلون متفرقين؛ اجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله يبارك لكم فيه» وقد روى ابن ماجه ... عن رسول الله ﷺ أنه قال: «كلوا جميعا ولا تفرقوا؛ فإن البركة مع الجماعة). ٣ - بمناسبة قوله تعالى فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً قال ابن كثير: (قال سعيد بن جبير والحسن البصري وقتادة والزهري: يعني فليسلم بعضكم على بعض، وقال ابن جريج أخبرني أبو الزبير سمعت جابر بن عبد الله يقول: إذا دخلت على أهلك فسلم عليهم، تحية من عند الله مباركة طيبة، قال: ما رأيته إلا بركة، روى ابن جريج عن ابن طاوس أنه كان يقول: إذا

стр. 3627

دخل أحدكم بيته فليسلم. قال ابن جريج: قلت لعطاء: أواجب إذا خرجت ثم دخلت أن أسلم عليهم؟ قال: لا، ولا أوثر وجوبه عن أحد، ولكن هو أحب إلي، وما أدعه إلا ناسيا. وقال مجاهد: إذا دخلت المسجد فقل: السلام على رسول الله ﷺ ، وإذا دخلت على أهلك فسلم عليهم، وإذا دخلت بيتا ليس فيه أحد فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وروى الثوري عن مجاهد: إذا دخلت بيتا ليس فيه أحد فقل: بسم الله، والحمد لله، السلام علينا من ربنا، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وقال قتادة: إذا دخلت على أهلك فسلم عليهم، وإذا دخلت بيتا ليس فيه أحد فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين؛ فإنه كان يؤمر بذلك، وحدثنا أن الملائكة ترد عليه، وقال الحافظ أبو بكر البزار ... عن أنس قال: أوصاني النبي ﷺ بخمس خصال قال: «يا أنس أسبغ الوضوء؛ يزد في عمرك، وسلم على من لقيك من أمتي؛ تكثر حسناتك، وإذا دخلت- يعني بيتك- فسلم على أهلك؛ يكثر خير بيتك؛ وصل صلاة الضحى؛ فإنها صلاة الأوابين قبلك، يا أنس ارحم الصغير، ووقر الكبير، تكن من رفقائي يوم القيامة). ولننتقل الآن إلى تفسير خاتمة السورة ملاحظين أن موضوع الاستئذان، وموضوع الإذعان لحكم الرسول ﷺ قد كان من مواضيع السورة الرئيسية، وخاتمة السورة قد أشارت إلى أدب من آداب الانصراف، وأدب من آداب التعظيم لرسول الله ﷺ ، وهما أدبان بارزان ضمن آداب أخرى. المجموعة الثالثة وهي خاتمة السورة التفسير: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ أي الذي يجمع له الناس نحو الجهاد، والتدبير في الحرب، وكل اجتماع في الله حتى الجمعة والعيدين لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ أي ويأذن لهم، لما أراد الله أن يريهم عظمة الجناية في ذهاب الذاهب عن مجلس رسول الله ﷺ بغير إذنه، إذا كانوا معه على أمر جامع، جعل ترك ذهابهم حتى يستأذنوه ثالث الإيمان بالله، والإيمان برسوله ﷺ ، ثم عقبه بما يزيده توكيدا وتشديدا، حيث أعاده على أسلوب آخر وهو قوله إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وضمنه شيئا آخر وهو

стр. 3628

أنه جعل الاستئذان كالمصداق لصحة الإيمانين فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ في الانصراف لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ أي أمرهم فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ذكر الاستغفار للمستأذنين دليل على أن الأفضل ألا يستأذن. قال النسفي: (قالوا: وينبغي أن يكون الناس كذلك مع أئمتهم ومقدميهم في الدين والعلم، يظاهرونهم ولا يتفرقون عنهم، إلا بإذن) لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً أي إذا احتاج رسول الله ﷺ إلى اجتماعكم عنده لأمر فدعاكم فلا تفرقوا عنه إلا بإذنه. ولا تقيسوا دعاءه إياكم على دعاء بعضكم بعضا، ورجوعكم عن المجمع بغير إذن الداعي. أو لا تجعلوا تسميته ونداءه بينكم كما يسمي بعضكم بعضا ويناديه باسمه الذي سماه به أبواه، فلا تقولوا: يا محمد ولكن يا نبي الله، يا رسول الله، مع التوقير والتعظيم والصوت المخفوض، وهناك قول آخر في معناها: أي لا تعتقدوا أن دعاءه على غيره كدعاء غيره؛ فإن دعاءه مستجاب، فاحذروا أن يدعو عليكم فتهلكوا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ أي يخرجون قليلا قليلا مِنْكُمْ لِواذاً أي ملاوذين واللواذ والملاوذة: هو أن يلوذ هذا بذاك، وذاك بهذا، أي ينسلون عن الجماعة في الخفية على سبيل الملاوذة، واستتار بعضهم ببعض فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ قال ابن كثير: (أي عن أمر رسول الله ﷺ ، وهو سبيله ومنهاجه، وطريقته وسنته وشريعته، فتوزن الأقوال والأعمال بأقواله وأعماله، فما وافق ذلك قبل، وما خالفه فهو مردود على قائله وفاعله، كائنا من كان، كما ثبت في الصحيحين وغيرهما من رسول الله ﷺ أنه قال «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» أي فليحذر وليخش من خالف شريعة الله باطنا وظاهرا أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ قال ابن كثير في تفسير الفتنة هنا: (كفر أو نفاق أو بدعة) وقال النسفي: (أي محنة في الدنيا، أو قتل، أو زلازل وأهوال، أو تسليط سلطان جائر، أو قسوة القلب عن معرفة الرب، أو إسباغ النعم استدراجا) أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أي مؤلم أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ هذا تنبيه على ألا يخالفوا أمر من هذا شأنه قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ أدخل (قد) على الفعل المضارع ليفيد التوكيد، والمعنى: أن جميع ما في السموات والأرض مختص به، خلقا وملكا وعلما، فكيف تخفى عليه أحوال المنافقين، وإن كانوا يجهدون في سترها، ويمكن أن يكون قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ خطابا لكل أحد وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ أي ويعلم يوم يردون إلى جزائه وهو يوم القيامة فَيُنَبِّئُهُمْ يوم القيامة بِما عَمِلُوا أي بما أبطنوا من سوء أعمالهم ويجازيهم حق جزائهم وَاللَّهُ

стр. 3629

بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فلا يخفى عليه خافية. نقل: قال الألوسي عند قوله تعالى فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ: (تفويض الأمر إلى رأيه ﷺ ؛ واستدل به على أن بعض الأحكام مفوضة إلى رأيه ﷺ ، وهذه مسئلة التفويض المختلف في جوازها بين الأصوليين، وهي أن يفوض الحكم إلى المجتهد فيقال له: احكم بما شئت فإنه صواب، فأجاز ذلك قوم، لكن اختلفوا، فقال موسى بن عمران: بجواز ذلك مطلقا للنبي وغيره من العلماء، وقال أبو علي الجبائي: بجواز ذلك للنبي خاصة في أحد قوليه، وقد نقل عن الإمام الشافعي عليه الرحمة في الرسالة ما يدل على التردد بين الجواز والمنع، ومنع من ذلك الباقون. والمجوزون اختلفوا في الوقوع، قال الآمدي: والمختار الجواز دون الوقوع، وقد أطال الكلام في هذا المقام فليراجع. والذي أميل إليه جواز أن يفوض الحكم إلى المجتهد إذا علم أنه يحكم ترويا لا تشهيا، ويكون التفويض حينئذ كالأمر بالاجتهاد، والأليق بشأن الله تعالى وشأن رسوله ﷺ أن ينزل ما هنا على ذلك وتكون المشيئة مقيدة بالعلم بالمصلحة). فوائد: ١ - أكدت هذه الآيات أدبا من آداب اجتماع المسلمين، وهو أنهم إذا اجتمعوا لأمر فلا يحق لإنسان أن يخرج إلا بإذن رسول الله ﷺ في وجوده، أو بإذن مقدمهم في الدين حال غيابه، أو بعد موته ﷺ ، كما أكدت على وجوب تعظيم رسول الله ﷺ ، ويكون الاحترام بالنداء، وطريقة الكلام، والاستجابة، وعدم الانصراف إلا بإذن، وهي آداب تراعى مع وراثه ﷺ ، ومع من له إمرة شرعية من المسلمين. ٢ - وبمناسبة ذكر أدب الاستئذان للانصراف يذكر ابن كثير أدبا آخر وهو: ضرورة السلام للدخول والخروج كما ورد في الحديث الحسن عن رسول الله ﷺ «إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليسلم، فإذا أراد أن يقوم فليسلم؛ فليست الأولى بأحق من الآخرة» مع ملاحظة مراعاة أدب التسليم والمواطن التي ليس من الأدب أن يسلم فيها. ٣ - رأينا أن هناك ثلاثة أقوال في تفسير قوله تعالى لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً وقد ذكر اثنين منها ابن كثير وهذا كلامه: (قال الضحاك عن ابن عباس: كانوا يقولون يا محمد، يا أبا القاسم، فنهاهم الله عزّ وجل

стр. 3630

عن ذلك؛ إعظاما لنبيه ﷺ قال فقولوا: يا نبي الله، يا رسول الله. وهكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير. وقال قتادة: أمر الله أن يهاب نبيه ﷺ ، وأن يبجل وأن يعظم وأن يسود. وقال مقاتل في قوله لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً يقول: لا تسموه إذا دعوتموه يا محمد، ولا تقولوا: يا ابن عبد الله، ولكن شرفوه؛ فقولوا: يا نبي الله، يا رسول الله، وقال مالك عن زيد بن أسلم في قوله لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قال: أمرهم الله أن يشرفوه، هذا قول، والظاهر من السياق كقوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا إلى آخر الآية، وقوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ، وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ إلى قوله إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ* وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ الآية فهذا كله من باب الأدب في مخاطبة النبي ﷺ ، والكلام معه وعنده، كما أمروا بتقديم الصدقة قبل مناجاته. والقول الثاني في ذلك أن المعنى في لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً أي لا تعتقدوا أن دعاءه على غيره كدعاء غيره، فإن دعاءه مستجاب فاحذروا أن يدعو عليكم فتهلكوا. حكاه ابن أبي حاتم عن ابن عباس والحسن البصري وعطية العوفي والله أعلم). ٤ - عرض ابن كثير أقوال المفسرين في قوله تعالى قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً فقال: (قال مقاتل بن حيان: هم المنافقون، كان يثقل عليهم الحديث في يوم الجمعة، ويعني بالحديث الخطبة، فيلوذون ببعض أصحاب محمد ﷺ حتى يخرجوا من المسجد، وكان لا يصح للرجل أن يخرج من المسجد إلا بإذن من النبي ﷺ ، فيأذن له من غير أن يتكلم الرجل، لأن الرجل منهم كان إذا تكلم والنبي ﷺ يخطب بطلت جمعته. وقال السدي: كانوا إذا كانوا معه في جماعة لاذ بعضهم ببعض، حتى يتغيبوا عنه فلا يراهم. وقال قتادة في قوله قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً يعني لواذا عن نبي الله وعن كتابه، وقال سفيان قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً قال من الصف. وقال مجاهد في الآية لِواذاً خلافا). ٥ - وبمناسبة قوله تعالى فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ قال ابن كثير: (روى الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد نارا، فلما أضاءت ما حولها جعل

стр. 3631

الفراش وهذه الدواب اللائي يقعن في النار يقعن فيها، وجعل يحجزهن ويغلبنه، فيقتحمن فيها- قال- فذلك مثلي ومثلكم، أنا آخذ بحجزكم عن النار، هلم عن النار، فتغلبوني وتقتحمون فيها» أخرجاه (في الصحيحين) من حديث عبد الرزاق). كلمة في السياق: ختم المقطع الثالث وهو المقطع الأخير في السورة بالتذكير بوجوب تعظيم رسول الله ﷺ ، وتعظيم مجالسه، وجعل ذلك علامة على الإيمان، فالمقطع بدأ بتبيان ما هو من الإيمان، وختم بما هو من الإيمان، وتحدث في الوسط عن أحكام من الإسلام، والصلة بين الخاتمة وبين محور السورة واضحة. إن محور السورة هو يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ* فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ والسلم: هو ما جاء به رسول الله ﷺ وقد قالت خاتمة السورة فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ إن هذا النص هو تفسير لقوله تعالى فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ فمن عزته أن يفتنكم إن زللتم، أو يعذبكم في الدنيا والآخرة، ومن حكمته أن يفتنكم إن زللتم، أو يعذبكم في الدنيا والآخرة. كلمة في سورة النور: إن سورة النور عرضت بشكل رئيسي إلى أحكام من الإسلام: حد الزنا، ثم حد القذف، ثم الملاعنة، ثم الموقف من إشاعة الفاحشة، ثم العفو والصفح، ثم عدم دخول بيت الغير إلا بإذنه، ثم غض البصر، وحفظ الفروج، وعدم إبداء الزينة إلا لدوائر معينة، والتوبة، وإنكاح الأيامى، والأرقاء، والاستعفاف عن الزنا حال فقد النكاح، والمكاتبة، وعدم إكراه الإماء على البغاء، وحددت خصائص الإيمان الكامل، وذكرت آداب المسلم مع المساجد، وحددت وظائف المسجد، وذكرت خصائص رواده، ومثلت لأعمال الكافرين من أهل الكتاب، ومثلت لأعمال الكافرين من غيرهم، وحددت خلقين من أخلاق المنافقين، وحددت ما يقابلهما من أخلاق المؤمنين، ووعدت المؤمنين بالاستخلاف، والتمكين والأمن، وأمرت بالصلاة والزكاة وطاعة الرسول، ونهت عن حسبان المؤمنين أن الكافرين لا يغلبون، أو يقهرون، ثم

стр. 3632

أمرت الأرقاء والأطفال أن يستأذنوا على أهليهم في ثلاث أوقات، وأمرت الكبار بالاستئذان في كل حال، وأذنت للقواعد من النساء بالتخفف من الثياب، وأذنت للأعمى والأعرج والمريض بالأكل مما أذن لهم أن يأكلوا منه، وأذنت للإنسان أن يأكل من بيوت دائرة حددتها، وأباحت أكل الجماعة، وأكل المنفرد، وأمرت أن يسلم الإنسان على نفسه إذا دخل بيتا ليس فيه أحد، وحددت بعض آداب المسلمين في اجتماعاتهم، وأمرت بالأدب الكامل مع رسول الله ﷺ ، محددة بعض الآداب، وبهذا يعرف المسلم ماهية كثير من دين الله، الإسلام الذي أمر أن يدخل فيه، ولذلك كله صلة بقوله تعالى في المحور يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً. وقد نهت السورة عن اتباع خطوات الشيطان، ولذلك صلة بقوله تعالى في المحور وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ. وحذرت السورة من الزلل، وحذرت من مخالفة أمر رسول الله ﷺ ، وأوعدت من يفعل ذلك، ولذلك صلة بقوله تعالى في المحور: فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. ولقد جاء التحذير الأخير في السورة بعد ذكر الآيات البينات: وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ. وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ. لَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ. كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ. فالسورة ذكرت آيات بينات، ثم حذرت من مخالفة الأمر: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ولذلك- كما قلنا- صلاته بآية المحور: فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. وكنا ذكرنا من قبل أن أي سورة تفصل في محور من سورة البقرة فإنها تفصل في هذا المحور وفي امتدادات معانيه في سورة البقرة نفسها ولا شك أن قوله تعالى في سورة البقرة وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَما يَكْفُرُ بِها إِلَّا الْفاسِقُونَ مرتبط بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً .. فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ ... إن هناك صلة واضحة بين آية سورة البقرة المذكورة، وبين الآيتين

стр. 3633

اللتين شكلتا محور سورة النور، ولذلك نلاحظ أن لسورة النور صلة قوية بتلك الآية، سواء في شقها الأول: وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ كما رأينا أو في شقها الثاني: وَما يَكْفُرُ بِها إِلَّا الْفاسِقُونَ فلقد وردت كلمة (الفاسقون) مرتين في سورة النور: مرة في أول السورة: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ومرة في أواخر السورة بعد الوعد بالاستخلاف: وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ وفي هذا إشارة إلى فظاعة جريمة الكفر بعد النصر، وإلى عظم جريمة القذف. وبعد: فقد اجتمعت في هذه السورة خصائص القرآن كلها على أوضح ما يكون ذلك، ففيها البيان، وفيها المثل، وفيها الموعظة، وفيها الهداية، وفيها الحق، والعدل، وفيها الحكم التكليفي، وفيها التعليل، وفيها التذكير، إلى غير ذلك مما هو من خصائص القرآن. ***

стр. 3634

سورة الفرقان وهي السورة الخامسة والعشرون بحسب الرسم القرآني وهي السورة السادسة من المجموعة الثالثة من قسم المئين، وآياتها سبع وسبعون آية وهي مكية

стр. 3635

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم

стр. 3636

[قال الألوسي في تقديمه لسورة الفرقان:] قال الألوسي في تقديمه لسورة الفرقان: (أطلق الجمهور القول بمكيتها، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وقتادة هي مكية إلا ثلاث آيات نزلت بالمدينة وهي وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ إلى قوله سبحانه وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً وقال الضحاك: هي مدنية إلا أولها إلى قوله تعالى وَلا نُشُوراً فهو مكي، وعدد آياتها سبع وسبعون آية بلا خلاف كما ذكره الطبرسي والداني في كتاب العدد، ولما ذكر جل وعلا في آخر السورة السابقة وجوب متابعة المؤمنين للرسول ﷺ ومدح المتابعين، وحذر المخالفين، افتتح سبحانه هذه السورة بما يدل على تعاليه جل شأنه عما سواه في ذاته وصفاته وأفعاله، أو على كثرة خيره تعالى ودوامه، وأنه أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا إطماعا في خيره وتحذيرا من عقابه جل شأنه. وفي هذه السورة أيضا من تأكيد ما في السابقة من مدح الرسول ﷺ ما فيها فقال ﵎: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً. وقال صاحب الظلال: هذه السورة المكية تبدو كلها وكأنها إيناس لرسول الله ﷺ وتسرية، وتطمين له وتقوية، وهو يواجه مشركي قريش، وعنادهم له، وتطاولهم عليه، وتعنتهم معه، وجدالهم بالباطل، ووقوفهم في وجه الهدى وصدهم عنه. فهي في لمحة منها تصور الإيناس اللطيف الذي يحيط به الله عبده ورسوله؛ وكأنما يمسح على آلامه ومتاعبه مسحا رفيقا؛ ويهدهد قلبه، ويفيض عليه من الثقة والطمأنينة، وينسم عليه من أنسام الرعاية واللطف والمودة. وهي في اللمحة الأخرى تصور المعركة العنيفة مع البشرية الضالة الجاحدة المشاقة لله عنادا، وتجنح عن الهدى الواضح الناطق المبين. إنها البشرية التي تقول عن هذا القرآن العظيم: إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ .. أو تقول: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا والتي تقول في استهزاء: أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا؟ .. والتي لا تكتفي بهذا الضلال، فإذا هي تتطاول في فجور على ربها الكبير وَإِذا قِيلَ لَهُمُ: اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا: وَمَا الرَّحْمنُ؟ أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا؟ وَزادَهُمْ نُفُوراً. أو تتعنت فتقول: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا؟.

стр. 3637

وهي هي من قديم كما يرسمها سياق السورة من عهد نوح إلى موقفها هذا الأخير مع رسولها الأخير ... لقد اعترض القوم على بشرية الرسول ﷺ فقالوا: مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ؟ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً! واعترضوا على حظه من المال، فقالوا: أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها. واعترضوا على طريقة تنزيل القرآن فقالوا: لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً!. وذلك فوق التكذيب والاستهزاء والقحة والافتراء الأثيم. ووقف الرسول ﷺ يواجه هذا كله، وهو وحيد فريد مجرد من الجاه والمال، ملتزم حده مع ربه لا يقترح عليه شيئا، ولا يزيد على أن يتوجه إليه مبتغيا رضاه، ولا يحفل بشيء سواه: «رب إلا يكن بك علي غضب فلا أبالي، لك العتبى حتى ترضى» .. فهنا في هذه السورة يؤويه ربه إلى كنفه، ويمسح على آلامه ومتاعبه، ويهدهده ويسري عنه. ويهون عليه مشقة ما يلقى من عنت القوم وسوء أدبهم وتطاولهم عليه، بأنهم يتطاولون على خالقهم ورازقهم، وخالق هذا الكون كله ومقدره ومدبره .. فلا عليه أن ينالوه بشيء من ذاك! وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً .. وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ* وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً* وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَياةً وَلا نُشُوراً .. وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا: وَمَا الرَّحْمنُ؟ .. ويعزيه عن استهزائهم به بتصوير المستوى الهابط الذي يتمرغون فيه: أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا؟ أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ؟ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ، بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا!. ويعده العون والمساعدة في معركة الجدل والمحاجة: وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً .. وفي نهاية المعركة كلها يعرض عليه مصارع المكذبين من قبل: قوم موسى ونوح وعاد وثمود وأصحاب الرس وما بين ذلك من قرون.

стр. 3638

ويعرض عليه نهايتهم التعيسة في سلسلة من مشاهد القيامة: الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ سَبِيلًا .. بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً* إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً* وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً* لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً .. وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا* يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا .. ويسليه بأن مثله مثل الرسل كلهم قبله: وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ .. وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً وَنَصِيراً. ويكلفه أن يصبر ويصابر، ويجاهد الكافرين بما معه من قرآن، واضح الحجة قوي البرهان عميق الأثر في الوجدان: فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً .. ويغريه على مشاق الجهاد بالتوكل على مولاه: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ* وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً .. وهكذا تمضي السورة: في لمحة منها إيناس وتسرية وعطف وإيواء من الله لرسوله وفي لمحة منها مشاقة وعنت من المشركين لرسول الله ﷺ وتتبير ونكال من الله الكبير المتعال. حتى تقرب من نهايتها، فإذا ريح رخاء وروح وريحان، وطمأنينة وسلام .. وإذا صورة عِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً .. وكأنما تتمخض عنهم معركة الجهاد الشاقة مع البشرية الجاحدة الضالة المعاندة المشاقة؛ وكأنما هم الثمرة الحلوة الجنية الممثلة للخير الكامن في شجرة البشرية ذات الأشواك. وتختم السورة بتصوير هوان البشرية على الله، لولا تلك القلوب المؤمنة التي تلتجئ إليه وتدعوه: قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً .. كلمة في سورة الفرقان ومحورها: عند ما ننظر في المعاني الموجودة في سورة الفرقان، ونبحث عن محور لها، يأتي بعد

стр. 3639

قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ... من سورة البقرة فإننا نجد ذلك في قوله تعالى: كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. إن هذه الآية من سورة البقرة قد فصلت قسما من معانيها سورة مريم، وتفصل قسما من معانيها سورة الفرقان، إن سورة الفرقان تفصل من هذه الآية جزءا من قوله تعالى فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِ وذلك أن محمدا ﷺ قد بعث على فترة من الرسل بشيرا ونذيرا، وأنزل الله معه الكتاب بالحق، ومن ثم نلاحظ أن السورة بدأت بقوله تعالى: تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً. فكيف كان موقف الناس من هذا القرآن!! وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ .. وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً وكيف كان موقفهم من الرسول!!. وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ .. وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا من هذه الآيات الواردة في السورة ومن قوله تعالى فيها: وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً. ومن قوله تعالى فيها: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً

стр. 3640

من مثل هذا وغيره في السورة فهمنا أن محور هذه السورة هي الآية التي ذكرناها من سورة البقرة وخاصة قوله تعالى منها: فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِ وسنرى ذلك بالتفصيل أثناء عرض السورة إن شاء الله. ... تتألف السورة من مقدمة، ومقطعين، وكلها تدور حول كون محمد ﷺ بشيرا ونذيرا، وأن الله قد أنزل عليه الكتاب، وكيف كان موقف الكافرين، وما هو الرد عليه، وما هي أمهات القضايا التي كان فيها التبشير والإنذار، وما هو موقف الناس منها، وإذا كانت السورة اسمها سورة الفرقان فقد كان فيها من المعجزات الزائدة على الإعجاز العام في القرآن ما به تظهر الحجة ظهورا كاملا، ويتم الفرق بين الحق والباطل. وأمام المواقف الكافرة من هذا الفرقان ومن هذا البشير النذير تبين السورة كيف ينبغي أن تكون مواقف البشير النذير، وما هي المعاني التي يجابه بها هذه المواقف. كل هذه المعاني نجدها في السورة. ... ولكون الآية التي هي محور سورة الفرقان آتية في حيز قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ... فإننا نجد آثار ذلك في السورة. لقد جاءت آية كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً ... من سورة البقرة في سياق الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً لتخدمها وتعلل لها وتدلل، وتمكنها في القلب، وجاء قبل آية ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ما كان كالتمهيد والأساس لذلك الأمر، فكذلك هاهنا: إن ما قبل سورة النور كان تمهيدا لها وأساسا يوصل إليها، وهذه سورة الفرقان تأتي لتخدم سورة النور، وكل ذلك على أسلوب عجيب ما كان ليكون لولا أن الله رب العالمين هو منزل هذا القرآن الذي لا يحيط أحد بكمالاته. ... فإذا تقرر هذا فلنبدأ عرض السورة مبتدءين بالمقدمة.

стр. 3641

مقدمة السورة وتتألف من ثلاث آيات وهذه هي مع البسملة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [سورة الفرقان (٢٥): الآيات ١ الى ٣] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً (١) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً (٢) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَياةً وَلا نُشُوراً (٣) التفسير: تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ أي القرآن وسمي القرآن فرقانا لفصله بين الحق والباطل، والحلال والحرام، والهدى والضلال، والغي والرشاد، ومعنى تبارك الله: أي تزايد خيره، وتكاثر أو تزايد على كل شئ، وتعالى عنه في صفاته وأفعاله، وهي كلمة تعظيم لم تستعمل إلا لله وحده عَلى عَبْدِهِ محمد ﷺ ، قال ابن كثير: (هذه صفة مدح وثناء، لأنه أضافه إلى عبوديته، كما وصفه بها في مقام الدعوة إليه .. وكذلك وصفه عند إنزال الكتاب ونزول الملك إليه) لِيَكُونَ أي الرسول ﷺ والقرآن لِلْعالَمِينَ إنسهم وجنهم نَذِيراً أي منذرا أي مخوفا أي إنما خصه بهذا الكتاب المفصل العظيم المبين المحكم الذي جعله فرقانا عظيما ليخصه بالرسالة إلى من يستظل بالخضراء، ويستقل على الغبراء، كما قال ﷺ «بعثت إلى الأحمر والأسود» وقال «كان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة» الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي أنزل هذا القرآن الذي له ملك السموات والأرض على الخلوص وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً كما زعم اليهود والنصارى في عزير والمسيح ﵉ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ كما زعم المشركون، ومن ذلك المجوس الذين يقولون

стр. 3642

بالثنوية من النور والظلمة، ويزدان وأهرمن وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ أي أحدث كل شئ وحده فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً أي فهيأه لما يصلح له بلا خلل فيه، كما أنه خلق الإنسان على هذا الشكل الذي نراه، فقدره للتكاليف والمصالح في الدين والدنيا، أو قدره للبقاء إلى أمد معلوم، أو قدره تقديرا بما يناسب الحكمة التي لا يحيط بها إلا هو وَاتَّخَذُوا أي واتخذ الكافرون مِنْ دُونِهِ أي من دون الله آلِهَةً من الحجر والبشر والشجر والشمس والنجوم والقمر لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ أي إنهم آثروا على عبادة من هو منفرد بالألوهية والملك والخلق والتقدير عبادة عجزة لا يقدرون على خلق شئ وهم يخلقون وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً فكيف يملكون لعابديهم؟ وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً أي إماتة وَلا حَياةً أي إحياء وَلا نُشُوراً أي إحياء بعد الموت، فكيف يعبد من هذا شأنه، وكيف تترك عبادة من شأنه الخلق والضر والنفع والإماتة، والإحياء والنشور؟. نقل: قال صاحب الظلال عند قوله تعالى: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً (قدر حجمه وشكله. وقدر وظيفته وعمله. وقدر زمانه ومكانه. وقدر تناسقه مع غيره من أفراد هذا الوجود الكبير. وإن تركيب هذا الكون وتركيب كل شئ فيه، لما يدعو إلى الدهشة حقا، وينفي فكرة المصادفة نفيا باتا. ويظهر التقدير الدقيق الذي يعجز البشر عن تتبع مظاهرة، في جانب واحد من جوانب هذا الكون الكبير. وكلما تقدم العلم البشري فكشف عن بعض جوانب التناسق العجيب في قوانين الكون ونسبه ومفرداته اتسع تصور البشر لمعنى ذلك النص القرآني الهائل وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً. يقول (ا. كريسي موريسون) رئيس أكاديمية العلوم بنيويورك في كتابه بعنوان: «الإنسان لا يقوم وحده (١)». ومما يدعو إلى الدهشة أن يكون تنظيم الطبيعة على هذا الشكل، بالغا هذه الدقة الفائقة لأنه لو كانت قشرة الأرض أسمك مما هي بمقدار بضعة أقدام، لامتص ثاني

стр. 3643

أكسيد الكربون الأوكسيجين، ولما أمكن وجود حياة النبات. (ولو كان الهواء أرفع كثيرا مما هو فإن بعض الشهب التي تحترق الآن بالملايين في الهواء الخارجي كانت تضرب جميع أجزاء الكرة الأرضية، وهي تسير بسرعة تتراوح بين ستة أميال وأربعين ميلا في الثانية، وكان في إمكانها أن تشعل كل شئ قابل للاحتراق. ولو كانت تسير ببطء رصاصة البندقية لارتطمت كلها بالأرض، ولكانت العاقبة مروعة، أما الإنسان فإن اصطدامه بشهاب ضئيل يسير بسرعة تفوق سرعة الرصاصة تسعين مرة كان يمزقه إربا من مجرد حرارة مروره! «إن الهواء سميك بالقدر اللازم بالضبط لمرور الأشعة ذات التأثير الكيميائي التي يحتاج إليها الزرع، والتي تقتل الجراثيم، وتنتج الفيتامينات، دون أن تضر بالإنسان، إلا إذا عرض نفسه لها مدة أطول من اللازم، وعلى الرغم من الانبعاثات الغازية من الأرض طول الدهور- ومعظمها سام- فإن الهواء باق دون تلويث في الواقع، ودون تغير في نسبته المتوازنة اللازمة لوجود الإنسان. وعجلة الموازنة العظيمة هي تلك الكتلة الفسيحة من الماء- أي المحيط- الذي استمدت منه الحياة والغذاء والمطر والمناخ المعتدل، والنباتات. وأخيرا الإنسان نفسه ... ». ويقول في فصل آخر: «لو كان الأوكسجين بنسبة ٥٠ في المائة مثلا أو أكثر في الهواء بدلا من ٢١ في المائة فإن جميع المواد القابلة للاحتراق في العالم تصبح عرضة للاشتعال، لدرجة أن أول شرارة من البرق تصيب شجرة لا بد أن تلهب الغابة حتى لتكاد تنفجر. ولو أن نسبة الأوكسجين في الهواء قد هبطت إلى ١٠ في المائة أو أقل، فإن الحياة ربما طابقت نفسها عليها في خلال الدهور. ولكن في هذه الحالة كان القليل من عناصر المدنية التي ألفها الإنسان- كالنار مثلا- تتوافر له». ويقول في فصل ثالث. «ما أعجب نظام الضوابط والموازنات الذي منع أي حيوان- مهما يكن من وحشيته أو ضخامته أو مكره- من السيطرة على العالم، منذ عصر الحيوانات القشرية المتجمدة! غير أن الإنسان وحده قد قلب هذا التوازن الذي للطبيعة بنقله النباتات والحيوانات من مكان إلى آخر. وسرعان ما لقي جزاءه القاسي على ذلك، ماثلا في تطور آفات الحيوان والحشرات والنبات.

стр. 3644

«والواقعة الآتية فيها مثل بارز على أهمية تلك الضوابط فيما يتعلق بوجود الإنسان. فمنذ سنوات عديدة زرع نوع من الصبار في أستراليا. كسياج وقائي. ولكن هذا الزرع مضى في سبيله حتى غطى مساحة تقرب من مساحة انجلترا، وزاحم أهل المدن والقرى، وأتلف مزارعهم، وحال دون الزراعة. ولم يجد الأهالى وسيلة تصده عن الانتشار؛ وصارت أستراليا في خطر من اكتساحها بجيش من الزرع صامت، يتقدم في سبيله دون عائق! «وطاف علماء الحشرات بنواحي العالم حتى وجدوا أخيرا حشرة لا تعيش إلا على ذلك الصبار، ولا تتغذى بغيره، وهي سريعة الانتشار، وليس لها عدو يعوقها في أستراليا. وما لبثت هذه الحشرة حتى تغلبت على الصبار. ثم تراجعت، ولم يبق منها سوى بقية قليلة للوقاية، تكفي لصد الصبار عن الانتشار إلى الأبد. «وهكذا توافرت الضوابط والموازين، وكانت دائما مجدية. «ولماذا لم تسيطر بعوضة الملاريا على العالم إلى درجة كان أجدادنا يموتون معها، أو يكسبون مناعة منها؟ ومثل ذلك أيضا يمكن أن يقال عن بعوضة الحمى الصفراء التي تقدمت شمالا في أحد الفصول حتى وصلت إلى نيويورك .. ولماذا لم تتطور ذبابة «تسي تسي» حتى تستطيع أن تعيش أيضا في غير مناطقها الحارة، وتمحو الجنس البشري من الوجود؟ يكفي أن يذكر الإنسان الطاعون والأوبئة والجراثيم، الفاتكة التي لم يكن له وقاء منها حتى الأمس القريب، وأن يذكر كذلك ما كان له من جهل تام بقواعد الوقاية الصحية، ليعلم أن بقاء الجنس البشري، رغم ذلك يدعو حقا إلى الدهشة! ... «إن الحشرات ليست لها رئتان كما للإنسان؛ ولكنها تتنفس عن طريق أنابيب. وحين تنمو الحشرات وتكبر، لا تقدر تلك الأنابيب أن تجاريها في نسبة تزايد حجمها. ومن ثم لم توجد قط حشرة أطول من بضع بوصات، ولم يطل جناح حشرة إلا قليلا. وبسبب جهاز تكوين الحشرات وطريقة تنفسها لم يكن في الإمكان وجود حشرة ضخمة. وهذا الحد من نمو الحشرات قد كبح جماحها كلها، ومنعها من السيطرة على العالم ولولا وجود هذا الضابط الطبيعي لما أمكن وجود الإنسان على ظهر الأرض. وتصور إنسانا فطريا يلاقي دبورا يضاهي الأسد في ضخامته، أو في مثل هذا الحجم!

стр. 3645

«ولم يذكر إلا القليل عن التنظيمات الأخرى المدهشة في فيزيولوجيا الحيوانات، والتي بدونها ما كان أي حيوان- بل كذلك أي نبات- يمكن أن يبقى في الوجود .. الخ». وهكذا ينكشف للعلم البشري يوما بعد يوم، شئ من تقدير الله العجيب في الخلق، وتدبيره الدقيق في الكون، ويدرك البشر شيئا من مدلولات قوله في الفرقان الذي نزله على عبده: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً .. ومع هذا فإن أولئك المشركين لم يدركوا شيئا من هذا كله. وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً، لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ، وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً؛ وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَياةً وَلا نُشُوراً .. كلمة في السياق: هذه مقدمة السورة وهي تتحدث عن بعثة الرسول وإنزال القرآن عليه لينذر العالم كله، وكيف كان الناس جميعا عند ما بعث الرسول ﷺ قد عبدوا غير الله فلنر صلة هذه المقدمة في المحور: إن محور السورة هو: كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ ويوم بعث محمد ﷺ لم يبق في العالم كله أحد على الدين الحق كما هو معروف من قصة سلمان الفارسي ﵁ وقد عرضناها في كتابنا (الرسول) وكما هو مفهوم من قوله تعالى يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ ومعنى هذا أن الناس قبل بعثة رسول الله ﷺ كانوا جميعا كافرين كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً وهذا الذي نراه في قوله تعالى في سورة الفرقان وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً أي اتخذ العالمون من دونه آلهة وهذا هو الحال الذي إذا صارت إليه البشرية فإن سنة الله أن يرسل إليها رسلا مبشرين ومنذرين وينزل معهم الكتاب، وهذا الذي كان إذ أنزل الله هذا القرآن على عبده محمد ﷺ لينذر ويبشر وهكذا نجد أن مقدمة السورة فيها الإشارة إلى أن بعثة محمد ﷺ هي مظهر سنة الله المذكورة في قوله تعالى كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ فليس بعثة محمد ﷺ وإنزال القرآن في الوقت الذي لم يبق فيه موحد إلا استمرارا لسنة الله ، فكيف استقبل الكافرون القرآن والرسول والإنذار، والدعوة إلى التوحيد؟ هذا وغيره سنجده في المقطعين الآتيين في السورة فلنر المقطع الأول.
следующие страницы →