مقدمة السورة
وتتألف من ثلاث آيات وهذه هي مع البسملة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ١ الى ٣]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً (١) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً (٢) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَياةً وَلا نُشُوراً (٣)
التفسير:
تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ أي القرآن وسمي القرآن فرقانا لفصله بين الحق والباطل، والحلال والحرام، والهدى والضلال، والغي والرشاد، ومعنى تبارك الله:
أي تزايد خيره، وتكاثر أو تزايد على كل شئ، وتعالى عنه في صفاته وأفعاله، وهي كلمة تعظيم لم تستعمل إلا لله وحده عَلى عَبْدِهِ محمد ﷺ ، قال ابن كثير:
(هذه صفة مدح وثناء، لأنه أضافه إلى عبوديته، كما وصفه بها في مقام الدعوة إليه ..
وكذلك وصفه عند إنزال الكتاب ونزول الملك إليه) لِيَكُونَ أي الرسول ﷺ والقرآن لِلْعالَمِينَ إنسهم وجنهم نَذِيراً أي منذرا أي مخوفا أي إنما خصه بهذا الكتاب المفصل العظيم المبين المحكم الذي جعله فرقانا عظيما ليخصه بالرسالة إلى من يستظل بالخضراء، ويستقل على الغبراء، كما قال ﷺ «بعثت إلى الأحمر والأسود» وقال «كان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة»
الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي أنزل هذا القرآن الذي له ملك السموات والأرض على الخلوص وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً كما زعم اليهود والنصارى في عزير والمسيح ﵉ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ كما زعم المشركون، ومن ذلك المجوس الذين يقولون
стр. 3642
بالثنوية من النور والظلمة، ويزدان وأهرمن وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ أي أحدث كل شئ وحده فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً أي فهيأه لما يصلح له بلا خلل فيه، كما أنه خلق الإنسان على هذا
الشكل الذي نراه، فقدره للتكاليف والمصالح في الدين والدنيا، أو قدره للبقاء إلى أمد معلوم، أو قدره تقديرا بما يناسب الحكمة التي لا يحيط بها إلا هو
وَاتَّخَذُوا أي واتخذ الكافرون مِنْ دُونِهِ أي من دون الله آلِهَةً من الحجر والبشر والشجر والشمس والنجوم والقمر لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ أي إنهم آثروا على عبادة من هو منفرد بالألوهية والملك والخلق والتقدير عبادة عجزة لا يقدرون على خلق شئ وهم يخلقون وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً فكيف يملكون لعابديهم؟ وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً أي إماتة وَلا حَياةً أي إحياء وَلا نُشُوراً أي إحياء بعد الموت، فكيف يعبد من هذا شأنه، وكيف تترك عبادة من شأنه الخلق والضر والنفع والإماتة، والإحياء والنشور؟.
نقل:
قال صاحب الظلال عند قوله تعالى: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً (قدر حجمه وشكله. وقدر وظيفته وعمله. وقدر زمانه ومكانه. وقدر تناسقه مع غيره من أفراد هذا الوجود الكبير.
وإن تركيب هذا الكون وتركيب كل شئ فيه، لما يدعو إلى الدهشة حقا، وينفي فكرة المصادفة نفيا باتا. ويظهر التقدير الدقيق الذي يعجز البشر عن تتبع مظاهرة، في جانب واحد من جوانب هذا الكون الكبير. وكلما تقدم العلم البشري فكشف عن بعض جوانب التناسق العجيب في قوانين الكون ونسبه ومفرداته اتسع تصور البشر لمعنى ذلك النص القرآني الهائل وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً.
يقول (ا. كريسي موريسون) رئيس أكاديمية العلوم بنيويورك في كتابه بعنوان:
«الإنسان لا يقوم وحده (١)».
ومما يدعو إلى الدهشة أن يكون تنظيم الطبيعة على هذا الشكل، بالغا هذه الدقة الفائقة لأنه لو كانت قشرة الأرض أسمك مما هي بمقدار بضعة أقدام، لامتص ثاني
стр. 3643
أكسيد الكربون الأوكسيجين، ولما أمكن وجود حياة النبات.
(ولو كان الهواء أرفع كثيرا مما هو فإن بعض الشهب التي تحترق الآن بالملايين في الهواء الخارجي كانت تضرب جميع أجزاء الكرة الأرضية، وهي تسير بسرعة تتراوح بين ستة أميال وأربعين ميلا في الثانية، وكان في إمكانها أن تشعل كل شئ قابل للاحتراق. ولو كانت تسير ببطء رصاصة البندقية لارتطمت كلها بالأرض، ولكانت العاقبة مروعة، أما الإنسان فإن اصطدامه بشهاب ضئيل يسير بسرعة تفوق سرعة الرصاصة تسعين مرة كان يمزقه إربا من مجرد حرارة مروره!
«إن الهواء سميك بالقدر اللازم بالضبط لمرور الأشعة ذات التأثير الكيميائي التي يحتاج إليها الزرع، والتي تقتل الجراثيم، وتنتج الفيتامينات، دون أن تضر بالإنسان، إلا إذا عرض نفسه لها مدة أطول من اللازم، وعلى الرغم من الانبعاثات الغازية من الأرض طول الدهور- ومعظمها سام- فإن الهواء باق دون تلويث في الواقع، ودون تغير في نسبته المتوازنة اللازمة لوجود الإنسان. وعجلة الموازنة العظيمة هي تلك الكتلة الفسيحة من الماء- أي المحيط- الذي استمدت منه الحياة والغذاء والمطر والمناخ المعتدل، والنباتات. وأخيرا الإنسان نفسه ... ».
ويقول في فصل آخر: «لو كان الأوكسجين بنسبة ٥٠ في المائة مثلا أو أكثر في الهواء بدلا من ٢١ في المائة فإن جميع المواد القابلة للاحتراق في العالم تصبح عرضة للاشتعال، لدرجة أن أول شرارة من البرق تصيب شجرة لا بد أن تلهب الغابة حتى لتكاد تنفجر. ولو أن نسبة الأوكسجين في الهواء قد هبطت إلى ١٠ في المائة أو أقل، فإن الحياة ربما طابقت نفسها عليها في خلال الدهور. ولكن في هذه الحالة كان القليل من عناصر المدنية التي ألفها الإنسان- كالنار مثلا- تتوافر له».
ويقول في فصل ثالث.
«ما أعجب نظام الضوابط والموازنات الذي منع أي حيوان- مهما يكن من وحشيته أو ضخامته أو مكره- من السيطرة على العالم، منذ عصر الحيوانات القشرية المتجمدة! غير أن الإنسان وحده قد قلب هذا التوازن الذي للطبيعة بنقله النباتات والحيوانات من مكان إلى آخر. وسرعان ما لقي جزاءه القاسي على ذلك، ماثلا في تطور آفات الحيوان والحشرات والنبات.
стр. 3644
«والواقعة الآتية فيها مثل بارز على أهمية تلك الضوابط فيما يتعلق بوجود الإنسان.
فمنذ سنوات عديدة زرع نوع من الصبار في أستراليا. كسياج وقائي. ولكن هذا الزرع مضى في سبيله حتى غطى مساحة تقرب من مساحة انجلترا، وزاحم أهل المدن والقرى، وأتلف مزارعهم، وحال دون الزراعة. ولم يجد الأهالى وسيلة تصده عن الانتشار؛ وصارت أستراليا في خطر من اكتساحها بجيش من الزرع صامت، يتقدم في سبيله دون عائق!
«وطاف علماء الحشرات بنواحي العالم حتى وجدوا أخيرا حشرة لا تعيش إلا على ذلك الصبار، ولا تتغذى بغيره، وهي سريعة الانتشار، وليس لها عدو يعوقها في أستراليا. وما لبثت هذه الحشرة حتى تغلبت على الصبار. ثم تراجعت، ولم يبق منها سوى بقية قليلة للوقاية، تكفي لصد الصبار عن الانتشار إلى الأبد.
«وهكذا توافرت الضوابط والموازين، وكانت دائما مجدية.
«ولماذا لم تسيطر بعوضة الملاريا على العالم إلى درجة كان أجدادنا يموتون معها، أو يكسبون مناعة منها؟ ومثل ذلك أيضا يمكن أن يقال عن بعوضة الحمى الصفراء
التي تقدمت شمالا في أحد الفصول حتى وصلت إلى نيويورك .. ولماذا لم تتطور ذبابة «تسي تسي» حتى تستطيع أن تعيش أيضا في غير مناطقها الحارة، وتمحو الجنس البشري من الوجود؟ يكفي أن يذكر الإنسان الطاعون والأوبئة والجراثيم، الفاتكة التي لم يكن له وقاء منها حتى الأمس القريب، وأن يذكر كذلك ما كان له من جهل تام بقواعد الوقاية الصحية، ليعلم أن بقاء الجنس البشري، رغم ذلك يدعو حقا إلى الدهشة! ...
«إن الحشرات ليست لها رئتان كما للإنسان؛ ولكنها تتنفس عن طريق أنابيب.
وحين تنمو الحشرات وتكبر، لا تقدر تلك الأنابيب أن تجاريها في نسبة تزايد حجمها.
ومن ثم لم توجد قط حشرة أطول من بضع بوصات، ولم يطل جناح حشرة إلا قليلا.
وبسبب جهاز تكوين الحشرات وطريقة تنفسها لم يكن في الإمكان وجود حشرة ضخمة. وهذا الحد من نمو الحشرات قد كبح جماحها كلها، ومنعها من السيطرة على العالم ولولا وجود هذا الضابط الطبيعي لما أمكن وجود الإنسان على ظهر الأرض.
وتصور إنسانا فطريا يلاقي دبورا يضاهي الأسد في ضخامته، أو في مثل هذا الحجم!
стр. 3645
«ولم يذكر إلا القليل عن التنظيمات الأخرى المدهشة في فيزيولوجيا الحيوانات، والتي بدونها ما كان أي حيوان- بل كذلك أي نبات- يمكن أن يبقى في الوجود ..
الخ».
وهكذا ينكشف للعلم البشري يوما بعد يوم، شئ من تقدير الله العجيب في الخلق، وتدبيره الدقيق في الكون، ويدرك البشر شيئا من مدلولات قوله في الفرقان الذي نزله على عبده: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً ..
ومع هذا فإن أولئك المشركين لم يدركوا شيئا من هذا كله. وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً، لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ، وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً؛ وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَياةً وَلا نُشُوراً ..
كلمة في السياق:
هذه مقدمة السورة وهي تتحدث عن بعثة الرسول وإنزال القرآن عليه لينذر العالم كله، وكيف كان الناس جميعا عند ما بعث الرسول ﷺ قد عبدوا غير الله فلنر صلة هذه المقدمة في المحور: إن محور السورة هو: كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ ويوم بعث محمد ﷺ لم يبق في العالم كله أحد على الدين الحق كما هو معروف من قصة سلمان الفارسي ﵁ وقد عرضناها في كتابنا (الرسول) وكما هو مفهوم من قوله تعالى يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ ومعنى هذا أن الناس قبل بعثة رسول الله ﷺ كانوا جميعا كافرين كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً وهذا الذي نراه في قوله تعالى في سورة الفرقان وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً أي اتخذ العالمون من دونه آلهة وهذا هو الحال الذي إذا صارت إليه البشرية فإن سنة الله أن يرسل إليها رسلا مبشرين ومنذرين وينزل معهم الكتاب، وهذا الذي كان إذ أنزل الله هذا القرآن على عبده محمد ﷺ لينذر ويبشر وهكذا نجد أن مقدمة السورة فيها الإشارة إلى أن بعثة محمد ﷺ هي مظهر سنة الله المذكورة في قوله تعالى كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ فليس بعثة محمد ﷺ وإنزال القرآن في الوقت الذي لم يبق فيه موحد إلا استمرارا لسنة الله ، فكيف استقبل الكافرون القرآن والرسول والإنذار، والدعوة إلى التوحيد؟ هذا وغيره سنجده في المقطعين الآتيين في السورة فلنر المقطع الأول.
التفسير:
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا قالت هذا الكلام قريش، ويقوله كل كافر، وأكثر من فلسف فيه فلسفة ظالمة المستشرقون والمبشرون في عصرنا إِنْ هَذا أي القرآن إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ أي كذب اختلفه وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ أي واستعان على جمعه بقوم آخرين وقد ألف المبشرون والمستشرقون الكتب في مصادر هذا القرآن، التي استعان بها محمد ﷺ في زعمهم- وهكذا نجد أن منطق الكافرين في كل عصر واحد فَقَدْ جاؤُ أي فقد جاء هؤلاء الزاعمون ظُلْماً وَزُوراً التقدير:
جاءوا بظلم وزور، وظلمهم أنهم جعلوا العربي يتلقن من العجمي الرومي كلاما عربيا أعجز بفصاحته جميع فصحاء العرب، أو ظلمهم أنهم افتروا على الحقيقة ما ليس منها، والزور أن بهتوه بنسبة ما هو برئ منه إليه
وَقالُوا أي وقال هؤلاء الكافرون أيضا في رفضهم لهذا القرآن أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ أي خرافات الأولين وأحاديثهم اكْتَتَبَها أي استنسخها وكتبها لنفسه فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ أي تقرأ عليه بُكْرَةً أي أول النهار وَأَصِيلًا أي آخره فيحفظ ما يملى عليه ثم يتلوه علينا، هذه هي الشبه التي زورها الكافرون ضد القرآن: أنه كذب، وأنه أساطير الأولين، وأن غير محمد ﷺ قد ساعده عليه،
ويأتي الجواب الدامغ على هذه الشبه بآية واحدة:
قُلْ أي: جوابا على هؤلاء أَنْزَلَهُ أي: أنزل هذا القرآن الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي أنزل هذا القرآن الذي يعلم كل سر خفي من أسرار السموات والأرض، وكل سر خفي في السموات وفي الأرض، لقد اشتمل هذا القرآن على علوم وأسرار يستحيل في العادة- أن يعلمها محمد ﵊، أو غيره ساعة نزول القرآن، وذلك وحده دليل على أن هذا القرآن من عند الله ، وليس من عند محمد ﷺ ، لا منفردا، ولا بالتعاون مع الآخرين، وقد رأينا خلال هذا التفسير، ورأينا في بحث المعجزة القرآنية من كتابنا (الرسول) الكثير من أسرار السموات والأرض، مما تعرض له القرآن، ولم يك أحد يعرفه أو يتصوره أو يخطر بباله، فما بالك إذا كان مع هذا غيره وغيره وغيره، مما لا يمكن أن يتصور عاقل أن
стр. 3648
هذا القرآن يمكن أن يكون بشري المصدر، ثم ختم الآية بقوله إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً أي ومن ثم فإنه يمهلهم ولا يعاجلهم بالعقوبة، وإن استوجبوها بمكابرتهم.
قال ابن كثير: (هذا دعاء لهم إلى التوبة والإنابة، وإخبارهم بأن رحمته واسعة، وأن حلمه عظيم، وأن من تاب إليه تاب عليه، فهؤلاء مع كذبهم وافترائهم وفجورهم وبهتانهم وكفرهم وعنادهم وقولهم عن الرسول والقرآن ما قالوا، يدعوهم إلى التوبة، والإقلاع عما هم فيه إلى الإسلام والهدى ... )
فوائد:
١ - بمناسبة قول الكافرين عن القرآن إنه إفك، وأساطير الأولين، قال ابن كثير:
(وهذا كلام لسخافته وكذبه وبهته منهم كل أحد يعلم بطلانه، فإنه قد علم بالتواتر وبالضرورة أن محمدا رسول الله ﷺ لم يكن يعاني شيئا من الكتابة لا في أول عمره ولا في آخره، وقد نشأ بين أظهرهم من أول مولده إلى أن بعثه الله نحوا من أربعين سنة وهم يعرفون مدخله ومخرجه وصدقه ونزاهته وبره وأمانته، وبعده عن الكذب والفجور، وسائر الأخلاق الرذيلة، حتى إنهم كانوا يسمونه في صغره وإلى أن بعث: الأمين؛ لما يعلمون من صدقه وبره، فلما أكرمه به نصبوا له العداوة، ورموه بهذه الأقوال التي يعلم كل عاقل براءته منها، وحاروا فيما يقذفونه به، فتارة من إفكهم يقولون ساحر، وتارة يقولون شاعر، وتارة يقولون مجنون، وتارة يقولون كذاب وقال الله تعالى انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا وقال تعالى في جواب ما عاندوا هاهنا وافتروا قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الآية أي أنزل القرآن المشتمل على أخبار الأولين والآخرين إخبارا حقا صدقا مطابقا للواقع في الخارج، ماضيا ومستقبلا، الذي يعلم السر أي الله الذي يعلم غيب السموات والأرض. ويعلم السرائر كعلمه بالظواهر.
٢ - كنا تحدثنا من قبل عن كتاب (موريس بوكاي) الطبيب الفرنسي (دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة) ونقلنا عن هذا الكتاب بعض النقول، وعند ما ظهر الكتاب إلى الوجود لم يكن مؤلفه قد أعلن إسلامه، ولقد حاول في كتابه هذا أن يقدم دراسة شاملة- من وجهة نظره العلمية- حول كل ما ذكر في القرآن، أو في التوراة والإنجيل الحاليين، مما يمكن أن يمتحن على ضوء معلومات الإنسان
стр. 3649
المعاصرة، فوصل إلى أنه لا يوجد في القرآن نص يمكن امتحانه علميا إلا وهو سابق للعلم، وأنه لا يتناقض مع أي معطيات علمية قطعية على عكس التوراة والإنجيل فيما وصلانا، فإن الكثير مما فيهما لا يثبت أمام المعطيات العلمية، ولقد تكلم في عشرات الأبواب التي تعرض لها القرآن وكانت النتيجة واحدة، وهذا في الحقيقة مظهر من مظاهر الإعجاز في القرآن، ودليل على أن منزله هو الذي يعلم أسرار السموات والأرض: قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً يقول موريس بوكاي في مقدمة كتابه: (لقد قمت أولا بدراسة القرآن الكريم وذلك دون أي فكر مسبق وبموضوعية تامة، باحثا عن درجة اتفاق نص القرآن ومعطيات العلم الحديث، وكنت أعرف، قبل هذه الدراسة، وعن طريق الترجمات، أن القرآن يذكر أنواعا كثيرة من الظاهرات الطبيعية، ولكن معرفتي كانت وجيزة وبفضل الدراسة الواعية للنص العربي استطعت أن أحقق قائمة أدركت بعد الانتهاء منها أن القرآن لا يحتوي على أية مقولة قابلة للنقد من وجهة نظر العلم في العصر الحديث.
وبنفس الموضوعية قمت بنفس الفحص على العهد القديم والأناجيل. أما بالنسبة للعهد القديم فلم تكن هناك حاجة للذهاب إلى أبعد من الكتاب الأول- أي سفر التكوين- فقد وجدت مقولات لا يمكن التوفيق بينها وبين أكثر معطيات العلم رسوخا في عصرنا.
وأما بالنسبة للأناجيل فما نكاد نفتح الصفحة الأولى منها حتى نجد أنفسنا دفعة واحدة في مواجهة مشكلة خطيرة ونعنى بها شجرة أنساب المسيح. وذلك أن نص إنجيل متى يناقض بشكل جلي إنجيل لوقا، Lue وأن هذا الأخير يقدم لنا صراحة أمرا لا يتفق مع المعارف الحديثة الخاصة بقدم الإنسان على الأرض).
كلمة في السياق:
رأينا في مقدمة السورة كيف أن الله ذكر أنه أنزل هذا القرآن على محمد ﷺ ليكون للعالمين نذيرا، وقد بدأ هذا المقطع في عرض موقف الكافرين من القرآن، ثم رد عليه، وكنا ذكرنا أن السورة ستتعرض لكيفية استقبال الكافرين للقرآن ولبعثة الرسول ﷺ ، وللإنذار، وللدعوة إلى التوحيد وقد رأينا في هذه الآيات موقفا من مواقف الكافرين من القرآن، وردا على ذلك الموقف، والآن يذكر لنا السياق موقفا من
стр. 3650
مواقفهم من البعثة والرسول، ويرد عليه، وصلة ذلك بمقدمة السورة واضحة، وصلة ذلك بمحور السورة واضحة كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ فها هم الناس أصبحوا أمة واحدة، وها أن الله قد أرسل لهم محمدا ﷺ بشيرا ونذيرا، وأنزل عليه القرآن فكيف استقبل الكافرون القرآن؟ ردت على ذلك الآيات السابقة، وماذا قالوا في الرسول؟ هذا الذي سنراه فيما يأتي.
فائدة:
نلاحظ أن بدء النبوة كان بعد إذ أصبح الناس كلهم كافرين، وأن ختم النبوة كان برسالة محمد بعد إذ أصبح الناس كلهم كافرين، ومن حكم ختم النبوة أن البشرية لن تعود مرة ثانية إلى أن تصبح كافرة، ففي الحديث «لن تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله» ثم إن القرآن الذي يقوم بعملية النذارة والبشارة محفوظ إلى قيام الساعة؛ ومن ثم فلا حاجة إلى بعثة جديدة، وإنما الحاجة إلى تجديد، وهذا يقوم به أولياء هذه الأمة وعلماؤها «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل قرن من يجدد لها أمر دينها» ولنعد إلى التفسير:
وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يسمونه رسولا من باب السخرية كأنهم قالوا: أي شئ لهذا الزاعم أنه رسول يَأْكُلُ الطَّعامَ كما نأكله، ويحتاج إليه كما نحتاج إليه وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ أي يتردد فيها وإليها؛ طلبا للتكسب والتجارة لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً يقولون: هلا أنزل إليه ملك من عند الله فيكون شاهدا على صدق ما يدعيه
أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ ينفق منه أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها أي تسير معه حيث سار وَقالَ الظَّالِمُونَ دل هذا على أن اقتراحاتهم كلها وأقوالهم كلها من باب الظلم إِنْ تَتَّبِعُونَ أي ما تتبعون إن اتبعتم إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً أي رجلا سحر فجن.
يقولون: إن صح أنه رسول الله فما باله يأكل الطعام كما نأكل، ويتردد في الأسواق لطلب المعاش كما نتردد؟؟ يعنون أنه كان يجب أن يكون ملكا مستغنيا عن الأكل والتعيش، ثم نزلوا عن ذلك الاقتراح إلى أن يكون مرفودا بكنز يلقى إليه من السماء، يستظهر به ولا يحتاج إلى تحصيل المعاش، ثم نزلوا إلى أن يكون رجلا له بستان يأكل منه
стр. 3651
كالمياسير، وإذا لم يكن هذا وهذا وهذا فما هو إلا رجل مجنون هكذا كان موقفهم من الرسول أنهم نفوا الرسالة عنه لأنه ليس ملكا وليس معه ملك، وليس معه كنز، وليس له بستان، وبعد أن عرض الله موقفهم تأتي الآيات لتعزي وتنذر وتقيم الحجة، وكل ذلك في سياق الرد على هذا الموقف الهازئ من الرسول والرد يأتي على ثلاثة مراحل:
المرحلة الأولى:
انْظُرْ يا محمد وأنت أعلم بنفسك كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ أي قالوا فيك تلك الأقوال، واخترعوا لك تلك الصفات والأحوال، من المفترى والمملى عليه والمسحور فَضَلُّوا أي عن الحق فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا فلا يجدون طريقا إلى الحق، وذلك أن كل من خرج عن الحق وطريق الهدى فإنه ضال حيث توجه، لأن الحق واحد، ومنهجه متحد، يصدق بعضه بعضا،
ثم عزى الله رسوله ﷺ وطيب قلبه فقال تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً أي تكاثر خير الذي
إن شاء وهب لك في الدنيا خيرا مما قالوا، وهو أن يجعل لك مثل ما وعدك في الآخرة من الجنات والقصور، فهذا كله سهل يسير على الله، ولكن له الحكمة في ترك ذلك، وله الحجة البالغة.
هذه هي المرحلة الأولى من الرد وفيها تبيان أنهم ضلال وأنهم ما داموا على ما هم عليه من الآراء لا يهتدون، وأن الله قادر على أن يعطي رسوله أكثر مما طلبوه، ولكنه لا يفعل؛ لأن حكمته لم تقتض ذلك. وفي هذا الخطاب لرسول الله ﷺ إشارة إلى أن رسول الله أول من يعلم بطلان أقوالهم، وفي ذلك تعزية له وتبرئة، والملاحظ أن الرد عليهم قد جاء من قبل، حيث قال تعالى قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لأنه متى قامت الحجة على أن هذا القرآن من عند الله، فقد قامت الحجة على أن محمدا رسول الله، ولكن لأنهم جعلوا هذه شبهة مستقلة فقد جاء الجواب عليها بشكل مستقل، ولننتقل إلى المرحلة الثانية في الرد.
المرحلة الثانية:
بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ قال ابن كثير (إنما يقول هؤلاء هكذا تكذيبا وعنادا، لا أنهم يطلبون ذلك تبصرا واسترشادا، بل تكذيبهم بيوم القيامة يحملهم على قول ما يقولونه من هذه الأقوال) وهكذا جاء الجواب هنا لافتا النظر إلى الأصل الذي جعلهم
стр. 3652
يلقون الكلام على عواهنه، ويطلقون التهم الظالمة بهذه الكثرة وهذه الكثافة، ومن ثم اتجه السياق للكلام عن المكذبين بالساعة وما أعد لهم، وفي ذلك إنذار لهؤلاء وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً أي وهيأنا للمكذبين بيوم القيامة نارا شديدة في الاستعار
إِذا رَأَتْهُمْ النار مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ أي إذا كانت منهم بمرأى الناظرين في البعد سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً أي سمعوا صوت غليانها، وشبه ذلك بصوت المتغيظ والزافر
وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً قال قتادة عن أبي أيوب عن عبد الله بن عمرو قال: مثل الزج في الرمح أي من ضيقه مُقَرَّنِينَ أي وهم مع ذلك الضيق مسلسلون، مقرنون في السلاسل، قرنت أيديهم إلى أعناقهم في الأغلال ويقرن مع كل كافر شيطانه في سلسلة، وفي أرجلهم الأصفاد دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً أي هلاكا أي قالوا وا ثبوراه أي تعال يا هلاك فهذا حينك
فيقال لهم لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً أي إنكم وقعتم فيما ليس ثبوركم فيه واحدا، إنما هو كثير، قال ابن كثير: والأظهر أن الثبور يجمع الهلاك والويل والخسار والدمار
قُلْ أَذلِكَ المذكور من صفة النار خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ أي التي وعدها المتقون كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَمَصِيراً
لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ أي ما يشاءونه من الملاذ من مآكل ومشارب، وملابس ومساكن، ومراكب ومناظر، وأزواج وغير ذلك مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر خالِدِينَ أبدا دائما سرمدا بلا انقطاع ولا زوال ولا انقضاء كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُلًا أي موعودا مطلوبا، أو حقيقا أن يسأل، أو قد سأله المؤمنون والملائكة في دعواتهم، قال أبو حازم: إذا كان يوم القيامة قال المؤمنون:
ربنا عملنا لك بالذي أمرتنا، فأنجز لنا ما وعدتنا. وبهذا يكون السياق قد عرض لنا جزاء المكذبين لرسول الله ﷺ ، وعرض لنا كذلك ما أعده للمؤمنين برسله، المصدقين لهم، العاملين بما أمروا، وإذ كان المشركون الذين تحدثت عنهم مقدمة السورة هم الذين كذبوا رسول الله ﷺ واقترحوا ما اقترحوا، فإن السياق يعرض حالهم وحال آلهتهم يوم القيامة؛ كتتمة لما أعد لهم، ولبيان أن شركهم لا ينفعهم يوم القيامة
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ للبعث وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي ومن عبدوهم من الملائكة، والمسيح وعزير- على رأي مجاهد- وقيل هي عامة في كل من عبد من دون الله فَيَقُولُ أي الله أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ والمعنى: أأنتم أوقعتموهم في الضلال، بإدخال الشبه، أم هم ضلوا عنه
стр. 3653
بأنفسهم؟ وفائدة سؤالهم- مع علمه تعالى بالمسئول عنه- أن يجيبوا بما أجابوا به حتى يبكت عبدتهم بتكذيبهم إياهم فتزيد حسرتهم
قالُوا سُبْحانَكَ هذا تعجب منهم مما قيل لهم وقصدوا به تنزيهه سبحانه عن الأنداد، وأن يكون له نبي أو ملك أو غيرهما ندا ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ أي ما كان يصح لنا ولا يستقيم أن نتولى أحدا دونك، فكيف يصح لنا أن نحمل غيرنا على أن يتولونا دونك وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ بالأموال والأولاد وطول العمر والسلامة من العذاب حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ أي ذكر الله، والإيمان به، والقرآن والشرائع. قال ابن كثير:
(أي نسوا ما أنزلته إليهم على ألسنة رسلك من الدعوة إلى عبادتك وحدك لا شريك لك)، وإذن فسبب الكفر هو كثرة النعم، وكان ينبغي أن تكون سبب الشكر وَكانُوا عند الله قَوْماً بُوراً أي هلكى وعندئذ يقال للكافرين
فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ أي بقولكم فيهم إنهم آلهة، أي فقد كذبكم الذين عبدتم من دون الله فيما زعمتم أنهم لكم أولياء، وأنهم يقربونكم إلى الله زلفى فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلا نَصْراً أي فما تستطيعون أنتم أيها الكفار صرف العذاب عنكم، ولا نصر أنفسكم، ثم وجه الخطاب لكل المكلفين وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ أي يشرك لأن الظلم وضع الشئ في غير موضعه، ومن جعل المخلوق شريك خالقة فقد ظلم نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً بأن نجعله خالدا في النار، وبهذا انتهت المرحلة الثانية من الرد، بأن ذكرت حقيقة التكذيب، وهي الكفر بالساعة، والبطر، والشرك، والآن تأتي المرحلة الثالثة من الرد وهي بمثابة الرد المباشر وكأن المرحلتين السابقتين تمهيد لهذا الرد.
المرحلة الثالثة من الرد:
وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ هذا هو الرد المباشر على إنكارهم أن يكون محمد ﷺ رسولا بشرا يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، يقول تعالى في رده عليهم: أن جميع من بعثه الله من الرسل المتقدمين، كانوا يأكلون الطعام ويحتاجون إلى التغذية به، ويمشون في الأسواق للتكسب والتجارة، وليس ذلك ينافي حالهم ومنصبهم، فإن الله تعالى جعل لهم من السمات الحسنة، والصفات الجميلة، والأقوال الفاضلة، والأعمال الكاملة، والخوارق الباهرة، والأدلة الظاهرة، ما يستدل به كل ذي لب سليم، وبصيرة مستقيمة، على صدق ما جاءوا به من الله وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أي محنة وابتلاء، أي
стр. 3654
اختبرنا بعضكم ببعض، وبلونا بعضكم ببعض، فهذا رسول مكلف بالإنذار، وهذا مكلف بالاتباع، وهذا عالم وهذا جاهل، وهذا سفيه وهذا حليم، وهذا غني وهذا فقير، وهذا ضعيف، وكل مكلف بأن يقيم حكم الله، والصبر هو رفيق التكليف، ومن ثم قال تعالى أَتَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً أي عالما بالصواب فيما يبتلي به، أو بمن يصبر على القيام بما كلف به، وهكذا أنهى الله الرد على قولهم:
وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ وكان ذلك على ثلاث مراحل: المرحلة الأولى خاطبت رسول الله ﷺ معجبة من كلامهم، ومسلية له، والمرحلة الثانية: ذكرت الأصول التي انبثق عنها كلامهم، والمرحلة الثالثة: ذكر فيها أن كل رسول بعثه الله للبشر كان بشرا يأكل الطعام، ثم بينت الحكمة في ذلك وأنها الابتلاء، وبينت أن الصابر وحده هو الذي ينجح في الامتحان.
كلمة في السياق:
أرسل الله رسولا، وأنزل عليه كتابا، وأمر بالإنذار في وقت لم يبق فيه توحيد، فوقف الكافرون من الكتاب موقفا، ووقفوا من الرسول موقفا، وقد سجل الله الموقف الأول، ورد عليه وسجل الموقف الثاني ورد عليه، وكل ذلك مرتبط بمحور السورة من سورة البقرة كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ والآن تسجل السورة موقفا جديدا للكافرين من الرسول والقرآن والإنذار والتوحيد، وقبل أن نعرض هذا الموقف فلنذكر بعض ال فوائد حول ما مر.
فوائد:
١ - في قوله تعالى وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً قال ابن كثير: (وقال محمد ابن إسحاق في قوله تعالى وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ قال: يقول الله لو شئت أن أجعل الدنيا مع رسلي فلا يخالفون لفعلت، ولكني قد أردت أن ابتلي العباد بهم، وأبتليهم بهم، وفي صحيح مسلم عن عياض بن حماد عن رسول الله ﷺ يقول الله تعالى (إني مبتليك ومبتل بك) وفي المسند عن رسول الله ﷺ «لو شئت لأجرى الله معي جبال الذهب والفضة» وفي الصحيح «أنه عليه أفضل الصلاة والسلام خير بين أن يكون نبيا ملكا أو عبدا رسولا، فاختار أن يكون عبدا رسولا».
стр. 3655
٢ - بمناسبة قوله تعالى إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً* وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً* لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً قال ابن كثير: وروى ابن أبي حاتم .. عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ «من يقل علي ما لم أقل أو ادعى إلى غير والديه أو انتمى إلى غير مواليه فليتبوأ مقعده من النار- وفي رواية- فليتبوأ بين عيني جهنم مقعدا» قيل يا رسول الله وهل لها من عينين؟ قال أما سمعتم الله يقول إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ الآية. وروى أيضا عن أبي وائل قال: خرجنا مع عبد الله- يعني ابن مسعود- ومعنا الربيع بن خيثم فمروا على حداد فقام عبد الله ينظر إلى حديده في النار، ونظر الربيع بن خيثم إليها فتمايل الربيع ليسقط، فمر عبد الله على أتون على شاطئ الفرات، فلما رآه عبد الله والنار تلتهب في جوفه قرأ هذه الآية إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً فصعق- يعني الربيع- وحملوه إلى أهل بيته، فرابطه عبد الله إلى الظهر فلم يفق ﵁. وروى أيضا عن ابن عباس قال:
«إن العبد ليجر إلى النار فتشهق إليه شهقة البغلة إلى الشعير ثم تزفر زفرة لا يبقى أحد إلا خاف» وقد رواه الإمام أبو جعفر بن جرير .. عن ابن عباس قال: «إن الرجل ليجر إلى النار فتنزوي وتنقبض بعضها إلى بعض، فيقول لها الرحمن: ما لك؟ قالت:
إنه يستجير مني فيقول: أرسلوا عبدي، وإن الرجل ليجر إلى النار فيقول: يا رب ما كان هذا الظن بك فيقول: فما كان ظنك؟ فيقول أن تسعنى رحمتك، فيقول أرسلوا عبدي، وإن الرجل ليجر إلى النار فتشهق إليه النار شهقة البغلة إلى الشعير، وتزفر زفرة لا يبقى أحد إلا خاف. وروى عبد الرزاق .. عن عبيد بن عمير في قوله سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً قال: إن جهنم لتزفر زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا خر لوجهه، ترتعد فرائصه، حتى إن إبراهيم ﵇ ليجثو على ركبتيه ويقول: رب لا أسألك اليوم إلا نفسي وقوله إِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ قال قتادة: عن أبي أيوب عن عبد الله بن عمرو قال: مثل الزج في الرمح أي من ضيقه. وقال عبد الله ابن وهب .. عن رسول الله ﷺ أنه سئل عن قول الله وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ قال: «والذي نفسي بيده إنهم ليستكرهون في النار كما يستكره الوتد في الحائط» ...
стр. 3656
قال ابن كثير: وروى الإمام أحمد .. أن رسول الله ﷺ قال: «أول من يكسى حلة من النار إبليس، فيضعها على حاجبيه ويسحبها من خلفه، وذريته من
بعده، وهو ينادي يا ثبوراه وينادون يا ثبورهم حتى يقفوا على النار فيقول يا ثبوراه، فيقولون: يا ثبورهم فيقال لهم: لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا».
٣ - بمناسبة قوله تعالى تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً قال ابن كثير: قال سفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن خيثمة قيل للنبي ﷺ إن شئت أن نعطيك خزائن الأرض ومفاتيحها ما لم نعطه نبيا قبلك، ولا نعطي أحدا من بعدك، ولا ينقص ذلك مما لك عند الله، فقال: اجمعوها لي في الآخرة، فأنزل الله في ذلك: تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً.
٤ - بمناسبة قوله تعالى: وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً قال النسفي: وحكي أن بعض الصالحين تبرم بضنك عيشه فخرج ضجرا فرأى خصيا في مواكب ومراكب، فخطر بباله شئ فإذا بمن يقرأ هذه الآية فقالا: بلى فصبرا)
ولنعد إلى التفسير:
وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وهم الكافرون الذين مر ذكرهم، وهم الذين لا يؤمنون بالساعة، والذين قالوا عن القرآن إنه كذب، وقالوا عن الرسول إنه ينبغي أن يكون ويكون .. هؤلاء يعرض الله علينا قولا جديدا من أقوالهم، فهم مع كونهم لا يرجون لقاء الله لأنهم كفرة لا يؤمنون بالبعث، ولا يأملون خيرا ولا يخافون عقابا، هؤلاء يقولون: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أي هلا أنزل علينا الملائكة رسلا دون البشر، أو شهودا على النبوة، ودعوى الرسالة أَوْ نَرى رَبَّنا جهرة فيخبرنا برسالة رسوله، ويأمرنا باتباعه، علقوا إيمانهم بالقرآن والرسول على إنزال الملائكة أو رؤية الله، وهذا موقف جديد وشبهه جديدة وتعنت جديد، لقد استبعدوا في الموقف الثاني أن يكون الرسول بشرا، وفي هذا الموقف يعلقون الإيمان على إنزال الملائكة أو رؤية الله ويأتيهم الجواب: لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ أي لم يطلبوا هذا الطلب إلا استكبارا عن الحق الواضح وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً أي وظلموا ظلما
стр. 3657
فظيعا، أي إنهم لم يجسروا على هذا القول الفظيع إلا لأنهم بلغوا غاية الاستكبار وأقصى العتو، وفي كتابنا (الله ﷻ برهنا على أن هذا الطلب منهم غاية في الجهل، لأن الله لا يدرك في قوانين هذا العالم بالحواس، ولكون هذه بديهة في منطق العقل، لم يرد الله عليهم بخصوصها، فالله خالق المادة، وهو بالتالي ليس مادة، والحواس اختصاصها ببعض المادة، ومن ثم فقد انصب الرد على الجانب الآخر، وهو طلبهم إنزال الملائكة
يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ يوم الموت أو يوم البعث لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ أي للكافرين وَيَقُولُونَ أي الملائكة للكافرين حِجْراً مَحْجُوراً أي حراما محرما عليكم البشرى، أي جعل الله ذلك حراما عليكم، إنما البشرى للمؤمنين، أو حراما محرما عليكم الفلاح، وبهذه الآية جاء الجواب على اقتراحهم المتعنت، فكأن الله قال جوابا على طلبهم: إنه في عالم غير هذا العالم، وفي قوانين غير هذه القوانين، ترون الملائكة، ولكن رؤيتكم للملائكة يوم ذاك لن تكون خيرا لكم، ولكن شرا لكم، والسؤال لماذا بلغوا الغاية في الكبر والظلم بسؤالهم رؤية الملائكة أو رؤية الله؟ والجواب: أن بداهة العقل تحكم أن الرسول قد قامت كل الحجج على صدق رسالته، فتعليق الإيمان على شئ آخر كبر وظلم، فكيف إذا كان هذا الشئ الآخر مستحيلا في العادة! بحكم بداهة العقل في قوانين الحياة الدنيا، لقد اقتضت سنة الله ألا يرى الإنسان الملائكة في الدنيا إلا في حالات يختارها الله ولا تملى عليه، وإذ بين الله لهؤلاء المتعنتين سفاهة مطلبهم، بين لهم أن رؤيتهم الملائكة تكون عند الموت، أو عند البعث، وأن ذلك سيكون وبالا عليهم، أتم عرض حال هؤلاء يوم القيامة
وَقَدِمْنا أي وعمدنا كما قال مجاهد والثوري إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ كانوا يعتقدون أنهم فيه على شئ فَجَعَلْناهُ هَباءً الهباء: هو ما يرى من الكوة مع ضوء الشمس، شبهها بالغبار مَنْثُوراً أي مفرقا وفي تفسير الهباء أقوال كثيرة قال ابن كثير: (وحاصل هذه الأقوال التنبيه على مضمون الآية وذلك أنهم عملوا أعمالا اعتقدوا أنها على شئ فلما عرضت على الملك الحكم العدل، الذي لا يجور ولا يظلم، إذا إنها لا شئ بالكلية، وشبهت في ذلك بالشئ التافه الحقير المتفرق الذي لا يقدر صاحبه منه على شئ بالكلية، وقد دلت الآية على أن الله لا يقبل عملا من كافر، ولا يعني هذا أنه لا يكافئ الكافر على الخير، بل يكافئه بالدنيا؛ إما بعطاء، أو بثناء، وأما في الآخرة فلا يقبل عملا إلا من مؤمن، وتعليل ذلك كما قال ابن كثير: وذلك لأنها فقدت الشرط
стр. 3658
الشرعي، إما الإخلاص فيها، وإما المتابعة لشرع الله، فكل عمل لا يكون خالصا وعلى الشريعة المرضية فهو باطل، فأعمال الكفار لا تخلو من واحد من هذين، وقد تجمعهما معا، فتكون أبعد من القبول حينئذ)
وإذ بين الله حال الكافرين وحال أعمالهم، بين حال أهل الإيمان والجنة أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا المستقر المكان الذي يكونون فيه، في أكثر أوقاتهم يتجالسون ويتحادثون وَأَحْسَنُ مَقِيلًا المقيل:
هو المكان الذي يأوون إليه للاسترواح إلى أزواجهم، ولا نوم في الجنة ولكنه سمى مكان استراحتهم إلى الحور مقيلا على طريق التشبيه، وإنما نال أهل الجنة ما نالوه، وصاروا إلى ما صاروا إليه بما عملوه من الأعمال المتقبلة، بخلاف أهل النار، فإنهم ليس لهم عمل واحد يقتضي دخول الجنة لهم، والنجاة من النار، فنبه تعالى بحال السعداء على حال الأشقياء، وأنه لا خير عندهم بالكلية، وفي ذلك تنبيه لهؤلاء المتعنتين على فرط خسارتهم، وعلى ما تكلفهم مواقفهم المستكبرة الظالمة، ثم يأمر الله رسوله ﷺ أن يتذكر مشهدين من مشاهد يوم القيامة، في تذكرها عزاء أي عزاء لرسول الله ﷺ أمام هذه المواقف المستكبرة الظالمة:
المشهد الأول:
وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ أي واذكر يوم تتشقق السماء بالغمام بأن تنفرج عنه، قال ابن كثير: وهو ظلل النور العظيم الذي يبهر الأبصار وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا والمعنى: أن السماء تتفتح بغمام أبيض يخرج منها، وفي الغمام الملائكة ينزلون فيحيطون بالخلائق في مقام المحشر
الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ أي الثابت لِلرَّحْمنِ لأن كل ملك يزول يومئذ فلا يبقى إلا ملكه وَكانَ ذلك اليوم يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً أي شديدا ويفهم منه أنه يسير على المؤمنين، وإنما كان عسيرا على الكافرين لأنه يوم عدل وقضاء فضل.
كلمة في السياق:
في قوله تعالى وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا قال ابن كثير: (قال مجاهد: وهذا كما قال تعالى هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ.
стр. 3659
فلنتذكر على ضوء ذلك ما يلي:
إن محور سورة الفرقان هو كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ .. وقبل هذه الآية بآيتين آية تشبه الآية التي نحن بصددها، وهي التي ذكرها مجاهد: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وهذا يؤكد ما ذكرناه من أن السور تفصل محاور في سورة البقرة، وامتدادات معاني هذه المحاور، والحيز الذي جاءت فيه هذه المحاور ومن ثم فإن المشهد الثاني في هذا السياق له علاقة بالآية التى جاءت مباشرة قبل آية المحور من سورة البقرة وهي آية زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ فلنر المشهد الثاني.
المشهد الثاني:
وَيَوْمَ أي اذكر يوم يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ قال ابن كثير: (يخبر تعالى عن ندم الظالم الذي فارق الرسول ﷺ ، وما جاء به من عند الله من الحق المبين، الذي لا مرية فيه، وسلك طريقا أخرى غير سبيل الرسول، فإذا كان يوم القيامة ندم حيث لا ينفعه الندم، وعض على يديه حسرة وأسفا، وسواء كان سبب نزولها في عقبة بن أبي معيط، أو غيره من الأشقياء، فإنها عامة في كل ظالم ... ) فكل ظالم يندم يوم القيامة غاية الندم ويعض على يديه ويَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ في الدنيا سَبِيلًا أي طريقا إلى الجنة والنجاة وهو الإيمان
يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً يعني من صرفه عن الهدى، وعدل به إلى طريق الضلال من دعاة الضلالة، قال ابن كثير: وسواء في ذلك أمية بن خلف، أو أخوه أبي بن خلف، أو غيرهما خَلِيلًا أي صديقا ورفيقا
لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ أي ذكر الله، أو القرآن أو الإيمان بَعْدَ إِذْ جاءَنِي من الله أي بعد بلوغه إلي وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا أي يخذله عن الحق ويصرفه عنه، ويستعمله في الباطل، ويدعوه إليه، أي من عادة الشيطان ترك من يواليه، وهل هذا حكاية كلام الله أو هو تتمة كلام الظالم يحكيه الله؟ قولان للمفسرين، وهل المراد بالشيطان في الآية خليل الإنسان الذي أضله أو أن المراد به إبليس؟ قولان كذلك، وبهذا انتهى المشهدان اللذان أمر رسول الله ﷺ أن يتذكرهما؛ لما يترتب على تذكرهما من صبر واستقامة، وتحمل وعزاء.
стр. 3660
كلمة في السياق:
لم يبق عندنا في المقطع الأول إلا آيتان هما شكوى من رسول الله ﷺ من مواقف قومه من هذا القرآن، وتعزية من الله لرسوله ﷺ على هذه المواقف، ولنتذكر أن المقطع قد عرض علينا مجموعة من مواقف الكافرين: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ
وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا
وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ
وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا
إن حصيلة هذه المواقف شيئان الأول: هجر القرآن، والثاني: العداء لرسول الله ﷺ ، وهذا الذي تعرضه الآيتان الأخيرتان في المقطع فلنرهما:
[تفسير الآيتين]
الآية الأولى:
وَقالَ الرَّسُولُ محمد ﷺ في الدنيا شاكيا إلى الله يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي قريشا أو العرب اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً أي متروكا، أي تركوه ولم يؤمنوا به، والشكوى وإن كانت منصبة انصبابا أوليا على قوم الرسول ﷺ في زمانه، فهي شكوى من قومه في كل زمان، إذا هجروه، وها نحن نجد العرب في عصرنا من أكثر الشعوب الإسلامية هجرا للقرآن، بل إن فيهم من يعادي القرآن عداء هو أمر من أي عداء، وإذ يرفع الرسول ﷺ الشكوى يعزيه الله ب الآية الثانية:
الآية الثانية:
وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً وَنَصِيراً أي كذلك كان كل نبي قبلك، مبتلى بعداوة قومه، وكفاك بي هاديا إلى طريق قهرهم، والانتصار منهم، وناصرا لك عليهم، هكذا فسرها النسفي. وقال ابن كثير فيها: أي كما حصل لك يا محمد في قومك من الذين هجروا القرآن كذلك كان في الأمم الماضية، لأن الله
جعل لكل نبي عدوا من المجرمين، يدعون الناس إلى ضلالهم وكفرهم، كما قال تعالى وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ الآيتين ولهذا قال هاهنا
стр. 3661
وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً وَنَصِيراً أي لمن اتبع رسوله، وآمن بكتابه، وصدقه واتبعه، فإن الله هاديه وناصره في الدنيا والآخرة، وإنما قال هادِياً وَنَصِيراً لأن المشركين كانوا يصدون الناس عن اتباع القرآن، لئلا يهتدي أحد به، ولتغلب طريقتهم القرآن، وبهذه الآية انتهى المقطع الأول.
كلمة في السياق:
رأينا أن مقدمة السورة تحدثت عن النذير والقرآن والتوحيد، ورأينا أن المقطع الأول كان حديثا عن مواقف الكافرين من النذير والقرآن والرد على ذلك، فالصلة بين المقطع الأول، ومقدمة السورة قائمة وواضحة، ورأينا محور سورة الفرقان من سورة البقرة، وصلة المقدمة وكل جزء من أجزاء المقطع الأول بهذا المحور، وقد بقي معنا مقطع واحد من السورة وسنرى صلته بالمقدمة وبسياق السورة الخاص وصلته بمحور السورة من سورة البقرة، وهكذا نرى في كل سورة دليلا على وحدة السورة، ودليلا على الوحدة الجامعة لهذا القرآن، وكل ذلك بشكل عجيب لم يعهده البشر ولم يعرفوه، وهذا وحده مظهر من مظاهر الإعجاز، فهذا شئ لا تفطن له العبقريات، ولا يرتقي إليه شأو الإنسان ولا يطيقه، خاصة إذا عرفنا أن القرآن نزل مفرقا، فسبحان من جعل كتابه لا تنقضي عجائبه، وجعل فيه من الأسرار والآيات ما لا يحيط به أحد، فكيف يكفر به الكافرون، أو يجحده الجاحدون.
فوائد:
١ - بمناسبة قوله تعالى أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا قال ابن كثير: (قال الضحاك عن ابن عباس إنما هي ساعة فيقيل أولياء الله إلى الأسرة مع الحور العين، ويقيل أعداء الله مع الشياطين مقرنين. وقال سعيد بن جبير: يفرغ الله من الحساب نصف النهار، فيقيل أهل الجنة، وأهل النار في النار قال الله تعالى أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا وقال عكرمة: إني لأعرف الساعة التي يدخل فيها أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، وهي الساعة التي تكون في الدنيا عند ارتفاع الضحى الأكبر، إذا انقلب الناس إلى أهليهم للقيلولة، فينصرف أهل النار إلى النار، وأما أهل الجنة فينطلق بهم إلى الجنة، فكانت قيلولتهم في الجنة وأطعموا
стр. 3662
كبد حوت فأشبعهم كلهم، وذلك قوله أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا.
وروى سفيان عن عبد الله بن مسعود قال: لا ينتصف النهار حتى يقيل هؤلاء وهؤلاء، ثم قرأ أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا وقرأ ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ. وقال العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا قال: قالوا في الغرف من الجنة، وكان حسابهم إذا عرضوا على ربهم عرضة واحدة، وذلك الحساب اليسير وهو مثل قوله تعالى فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً* وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً وقال قتادة: خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا مأوى ومنزلا وقال قتادة: وحدث صفوان بن محرز أنه قال: يجاء برجلين يوم القيامة، أحدهما كان ملكا في الدنيا إلى الحمرة والبياض فيحاسب فإذا عبد لم يعمل خيرا قط فيؤمر به إلى النار، والآخر كان صاحب كساء في الدنيا فيحاسب فيقول: يا رب ما أعطيتني من شئ فتحاسبني به، فيقول الله: صدق عبدي فأرسلوه، فيؤمر به إلى الجنة، ثم يتركان ما شاء الله، ثم يدعى صاحب النار فإذا هو مثل الحمة السوداء فيقال له: كيف وجدت؟ فيقول: شر مقيل: فيقال عد. رواها ابن أبي حاتم كلها، وروى ابن جرير عن عمرو بن الحارث أن سعيدا الصواف حدثه أنه بلغه أن يوم القيامة يقصر على المؤمن حتى يكون كما بين العصر إلى غروب الشمس، وأنهم يتقيلون في رياض الجنة، حتى يفرغ من الناس، وذلك قوله تعالى أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا.
٢ - وبمناسبة قوله تعالى وَكانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً ذكر ابن كثير الحديث الذي رواه الإمام أحمد .. عن أبي سعيد الخدري قال: قيل يا رسول الله يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ما أطول هذا اليوم؟ فقال رسول الله ﷺ «والذي نفسي بيده إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا»
٣ - بمناسبة قوله تعالى وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً عدد ابن كثير صورا من الهجران لكتاب الله فقال: وذلك أن المشركين كانوا لا يصغون للقرآن ولا يستمعونه كما قال تعالى وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ الآية فكانوا إذ تلي عليهم القرآن أكثروا اللغط والكلام في غيره
стр. 3663
حتى لا يسمعونه، فهذا من هجرانه وترك الإيمان به، وترك تصديقه من هجرانه، وترك العمل به وامتثال أوامره واجتناب زواجره من هجرانه، والعدل عنه إلى غيره من شعر أو قول أو غناء أو لهو أو كلام أو طريقة مأخوذة من غيره من هجرانه، فنسأل الله الكريم المنان القادر على ما يشاء، أن يخلصنا مما يسخطه، ويستعملنا فيما يرضيه، من حفظ كتابه وفهمه والقيام بمقتضاه آناء الليل وأطراف النهار، على الوجه الذي يحبه ويرضاه إنه كريم وهاب.
٤ - وفي سبب نزول قوله تعالى وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يقول النسفي: (والمراد بالظالم عقبة بن أبي معيط لعنه الله تعالى وبفلان أبي بن خلف، فقد روي أنه كان عقبة بن أبي معيط لا يقدم من سفر إلا صنع طعاما فدعا عليه أهل مكة كلهم، وكان يكثر مجالسة النبي ﷺ ويعجبه حديثه، وغلب عليه الشقاء، فقدم ذات يوم من سفر فصنع طعاما ثم دعا رسول الله ﷺ إلى طعامه فقال: ما أنا بالذي آكل من طعامك حتى تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فقال: اطعم يا ابن أخي فقال ﷺ : ما أنا بالذي أفعل حتى تقول، فشهد بذلك وطعم ﵊ من طعامه، فبلغ ذلك أبي بن خلف فأتاه فقال: أصبوت يا عقبة، وكان خليله فقال: والله ما صبوت ولكن دخل فأبى أن يطعم من طعامي إلا أن أشهد له، فاستحييت أن يخرج من بيتي قبل أن يطعم فشهدت له فطعم فقال: ما أنا بالذي أرضى عنك حتى تأتيه فتفعل كذا، وذكر فعلا لا يليق إلا بوجه القائل اللعين ففعل عقبة فقال له رسول الله صلى الله عليه
وسلم: لا ألقاك خارجا عن مكة إلا علوت رأسك بالسيف، وفى رواية إن وجدتك خارجا من جبال مكة أضرب عنقك صبرا، فلما كان يوم بدر وخرج أصحابه أبى أن يخرج، فقال له أصحابه: اخرج معنا قال: قد وعدني هذا الرجل إن وجدني خارجا من جبال مكة أن يضرب عنقي صبرا فقالوا: لك جمل أحمر لا يدرك، فلو كانت الهزيمة طرت عليه، فخرج معهم، فلما هزم الله تعالى المشركين رحل به جمله في جدد من الأرض، فأخذ أسيرا في سبعين من قريش وقدم إلى رسول الله ﷺ فأمر عليا كرم الله تعالى وجهه- وفي رواية ثابت بن أبي الأفلح- بأن يضرب عنقه، فقال: أتقتلني من بين هؤلاء؟ قال: نعم، قال: بم؟ قال: بكفرك وفجورك وعتوك على الله تعالى ورسوله ﵊، وفي رواية أنه ﷺ صرح له بما فعل معه ثم ضربت عنقه، وأما أبي بن خلف فمع فعله ذلك قال: والله لأقتلن محمدا ﷺ ، فبلغ ذلك رسول الله ﵊ فقال: بل أقتله إن شاء
стр. 3664
الله تعالى، فأفزعه ذلك، وقال لمن أخبره: أنشدك بالله تعالى أسمعته يقول ذلك؟ قال:
نعم فوقعت في نفسه لما علموا أن رسول الله ﷺ ما قال قولا إلا كان حقا، فلما كان يوم أحد خرج مع المشركين فجعل يلتمس غفلة النبي ﵊ ليحمل عليه، فيحول رجل من المسلمين بين النبي ﵊ وبينه، فلما رأى ذلك رسول الله ﷺ قال لأصحابه: خلوا عنه، فأخذ الحربة فرماه بها فوقعت في ترقوته، فلم يخرج منه دم كثير واحتقن الدم في جوفه، فجعل يخور كما يخور الثور، فأتى أصحابه حتى احتملوه وهو يخور فقالوا: ما هذا والله ما بك إلا خدش، فقال: والله لو لم يصبني إلا بريقه لقتلني أليس قد قال: أنا أقتله، والله لو أن الذي بي بأهل ذي المجاز لقتلهم، فما لبث إلا يوما أو نحو ذلك حتى ذهب إلى النار، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وروي هذا القول عن ابن عباس وجماعة، وفي رواية أخرى عن ابن عباس أن الظالم أبي بن خلف وفلان عقبة).
وقال ابن كثير في الآية: (يخبر تعالى عن ندم الظالم الذي فارق طريق الرسول ﷺ ، وما جاء من عند الله من الحق المبين الذي لا مرية فيه، وسلك طريقا أخرى غير سبيل الرسول، فإذا كان يوم القيامة ندم حيث لا ينفعه الندم، وعض على يديه حسرة وأسفا، وسواء كان سبب نزولها في عقبة بن أبي معيط أو غيره من الأشقياء، فإنها عامة في كل ظالم كما قال تعالى يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ الآيتين. فكل ظالم يندم يوم القيامة غاية الندم، ويعض على يديه قائلا يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا يعني من صرفه عن الهدى وعدل به إلى طريق الضلال من دعاة الضلالة، وسواء في ذلك أمية بن خلف أو أخوه أبي بن خلف أو غيرهما).
بين يدي المقطع الثاني:
بدأت المقدمة بالكلام عن القرآن والنذير والتوحيد، وعرض المقطع الأول بعض مواقف للكافرين من القرآن والنذير، ورد عليها، وسنلاحظ أن المقطع الثاني يبدأ بعرض شبهة للكافرين حول القرآن ويرد عليها، ثم يعرض موقفا للكافرين من الرسول ويرد عليه، ثم يعرض وضعا شركيا ويرد عليه، ثم يسير المقطع في تقرير التوحيد، وتبيان مهمة الرسول، وما ينبغي أن يقوله، وما ينبغي أن يكون عليه حاله، ثم يعرض لنفور المشركين من عبادة الله، ويعرض في مقابل ذلك حال عباد الله، ويختم المقطع بتوجيه كلام للكافرين، وسنرى ذلك كله ومحله ضمن السياق الخاص والعام.
تفسير المجموعة الأولى:
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً أي مجتمعا، يعني: هلا أنزل عليه دفعة واحدة في وقت واحد، وما له أنزل علي التفاريق؟ قال النسفي: وهو فضول من القول ومماراة بما لا طائل تحته، لأن أمر الإعجاز والاحتجاج به لا يختلف بنزوله جملة واحدة أو متفرقا، وهذا اعتراض فاسد لأنهم تحدوا بالإتيان بسورة واحدة من أصغر السور، فأبرزوا صفحة عجزهم، حتى لاذوا بالمناصبة، وفزعوا إلى المحاربة، وبذلوا المهج، وما مالوا إلى الحجج كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ أي إنما نزل منجما في ثلاث وعشرين سنة بحسب الوقائع والحوادث، وما يحتاج إليه من الأحكام، ليثبت قلوب المؤمنين به، وقال النسفي: فاعلم أن ذلك لنثبت به بتفريقه فؤادك، حتى تعيه وتحفظه، لأن المتلقن إنما يقوى قلبه على حفظ العلم شيئا بعد شئ، وجزءا عقيب جزء، ولو ألقي عليه جملة واحدة لعجز عن حفظه، أو لنثبت به فؤادك عن الضجر بتواتر الوصول، وتتابع الرسول، لأن قلب المحب يسكن بتواصل كتب المحبوب وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا الترتيل: التبيين في ترسل وتثبت، هذا وصف القرآن من ناحية، وجواب ثان من ناحية أخرى. والمعنى: وبيناه تبيينا. والصلة بين البيان وبين التفريق:
أن السورة- أو الآية- عند ما تنزل مع الحادثة أو قبلها مباشرة، أو بعدها أو معها، فإن ذلك أدعى إلى الفهم، وأقوى لمعرفة الحكمة
وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً أي ولا يأتونك بسؤال عجيب من سؤالاتهم الباطلة التي كأنها مثل في البطلان، إلا أتيناك بالجواب الحق الذي لا محيد عنه. وبما هو أحسن معنى ومؤدى من مثلهم أي من سؤالهم. وقال ابن كثير في تفسير المثل: أي بحجة وشبهة. فصار المعنى عنده: ولا يأتونك بحجة وشبهة إلا أجبناهم بما هو الحق في نفس الأمر، وأبين وأوضح وأفصح من مقالتهم، وعلى هذا فقد أجيبوا على شبهتهم في تنزيل القرآن مفرقا بثلاثة حكم:
الحكمة الأولى: تثبيت فؤاد الرسول ﷺ والمؤمنين أمام ما يواجهونه.
الحكمة الثانية: أن الفهم للقرآن يكون أعمق، وأن معرفة الحكمة في أحكامه تكون أدق إذا كان تنزل القرآن على حسب الوقائع والحوادث.
стр. 3667
الحكمة الثالثة: مجابهة شبه الكافرين شبهة شبهة وحجة حجة.
ثم قال تعالى: الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ سَبِيلًا قال النسفي: والمعنى: (أن حاملكم على هذه السؤالات أنكم تضللون سبيله، وتحتقرون مكانه ومنزلته، ولو نظرتم بعين الإنصاف وأنتم من المسحوبين على وجوههم إلى جهنم لعلمتم أن مكانكم شر من مكانه، وسبيلكم أضل من سبيله).
وهكذا بدأ المقطع بعرض الشبهة ثم رد عليها، ثم أنذر وحذر أهلها.
كلمة في السياق:
النذير والقرآن هما الموضوعان اللذان تدور حولهما السورة، رأينا ذلك في المقدمة، وفي المقطع الأول. ورأينا في المجموعة الأولى من المقطع الثاني شبهة حول القرآن، وردا عليها، وإنذارا لأهلها، والآن تأتي مجموعة فيها أمثلة وقصص تخدم سياق السورة بما ينسجم مع سياق المقطع، وبما ينسجم مع محور السورة فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ.
تفسير المجموعة الثانية:
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ أي التوراة كما آتيناك القرآن، فلست بدعا من الرسل، وليس إنزال الكتاب عليك بدعا من الإنزال وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً أي نبيا مؤازرا، ومؤيدا وناصرا وهو بشر، ولم نجعل له وزيرا من الملائكة كما تتوهمون. قال النسفي: والوزارة لا تنافي النبوة، فقد كان يبعث في الزمن الواحد أنبياء،
ويؤمرون أن يؤازر بعضهم بعضا
فَقُلْنَا اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أي فرعون وقومه، كما أرسلناك يا محمد للناس جميعا، وقد كفروا وأشركوا، وحرفوا وبدلوا، وكذبوا فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً أي أهلكناهم إهلاكا عجيبا. إذ التدمير هو الإهلاك بأمر عجيب، وكما دمر الله فرعون وقومه لتكذيبهم، كذلك دمر قوم نوح وعادا وثمود وأصحاب الرس وغيرهم؛ لتكذيبهم، فليحذر هؤلاء أن يصيبهم ما أصاب أولئك
وَقَوْمَ نُوحٍ أي ودمرنا قوم نوح لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ بالطوفان بسبب التكذيب وَجَعَلْناهُمْ أي وجعلنا إغراقهم أو قصتهم
стр. 3668
لِلنَّاسِ آيَةً أي عبرة يعتبرون بها وَأَعْتَدْنا أي وهيأنا لِلظَّالِمِينَ أي لكل من اتصف بالظلم عَذاباً أَلِيماً أي النار
وَعاداً أي ودمرنا عادا وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ سنرى من هم في الفوائد وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً أي وأهلكنا أمما بين ذلك المذكورين كثيرا لا يعلمها إلا الله، أرسل إليهم رسل، فكذبوهم فأهلكوا
وَكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ أي بينا لهم الحجج، ووضحنا لهم الأدلة وأزحنا الأعذار عنهم، وبينا له القصص العجيبة من قصص الأولين وَكُلًّا تَبَّرْنا تَتْبِيراً أي أهلكنا إهلاكا أفلا يتعظ هؤلاء بما حدث لأولئك، وقد أنذرناهم كما أنذرنا أولئك، وبعثنا لهم رسولا كما بعثنا لأولئك، وضربنا لهم الأمثال كما ضربنا لأولئك، ثم هم يرون من آثار تعذيبنا ما هو مرأى مشاهد
وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ وهي قرية سدوم عاصمة قرى لوط، أمطر الله عليها الحجارة أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها أي أما شاهدوا ذلك بأبصارهم فيتفكروا فيؤمنوا بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُوراً أي بل كانوا قوما كفرة بالبعث، لا يخافون بعثا فلا يؤمنون، أو لا يأملون نشورا كما يأمله المؤمنون، يطمعهم في الوصول إلى ثواب أعمالهم. وبهذا تمت المجموعة الثانية من هذا المقطع محذرة ومنذرة.
كلمة في السياق:
انصب الكلام في هذه المجموعة على الإنذار، وهذا يتفق مع سياق السورة منذ الابتداء لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً وهذه المجموعة خدمت سياق السورة كله، كما خدمت سياق مقطعها، فإن هؤلاء الكفرة بدلا من أن يؤمنوا، وقد قامت عليهم الحجة على صدق القرآن، وصحة رسالة الرسول، فإنهم يتعنتون ويتفلسفون، ويطرحون الشبهة الظالمة بعد الشبهة، ومن ذلك ما طرحوه مما حدثنا الله عنه في أول المقطع، فكانوا كمن سبق، فليحذروا. إن هذه المجموعة تضع الناس أمام ما ينبغي أن يكونوا على ذكر منه، بدلا مما هم فيه من بعد بغي وظلم، والمجموعة تخدم محور السورة كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ والآن تأتي آيتان تتحدثان عن موقف الكافرين من الرسول فلنرهما.
تفسير المجموعة الثالثة:
وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا يقولون هذا على
стр. 3669
سبيل التنقص والازدراء
إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها يعنون أنه كاد يثنيهم عن عبادة الأصنام، لولا أن صبروا وتجلوا واستمروا عليها. وفي ذلك دليل على فرط مجاهدة رسول الله ﷺ في دعوتهم وإقامة الحجة عليهم، حتى شارفوا- بزعمهم- أن يتركوا دينهم إلى دين الإسلام، لولا فرط لجاجهم، واستمساكهم بعبادة آلهتهم، ولما كان هذا الموقف موقفا جاهلا كان الرد عليهم تهديدا ووعيدا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ هذا وعيد يدل على أنهم لا يفوتون الله، وإن طالت مدة الإمهال مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا لما نسبوا الإضلال إلى رسول الله ﷺ بقولهم إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا كان الجواب كذلك، أي إنهم هم الضالون، وسوف يرون ذلك عند ما يرون العذاب.
كلمة في السياق:
لاحظنا أن المقطع الأول عرض موقفا للكافرين من القرآن، ثم ثنى بموقف من الرسول، ونلاحظ كذلك في هذا المقطع أنه ابتدأ بعرض موقف للكافرين من القرآن، ثم ثنى بموقف من الرسول في هاتين الآيتين، وكل ذلك يسير ضمن نسق واحد في السورة، بدأت مقدمة السورة بذكر إنزال القرآن على الرسول للإنذار، بعد أن كفر الناس، وسار السياق مبينا كيف كان الموقف من القرآن ومن الرسول، وكل ذلك بما يخدم توضيح قوله تعالى من سورة البقرة كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ والآيتان اللتان مرتا معنا أدتا محلهما في السياق للعبور إلى معنى رئيسي من معاني السورة، أشارت إليه السورة فيما مضى إشارات، وهو موضوع الشرك والتوحيد فلنر المسألة بالتفصيل:
بدأت مقدمة السورة بقوله تعالى: تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً* الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً* وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَياةً وَلا نُشُوراً.
وقد مر معنا في المقطع الأول موقف للكافرين من القرآن، ورد عليه، وموقف للكافرين من النذير، ورد عليه، وقد مر معنا في المقطع الثاني موقف للكافرين من
стр. 3670
القرآن ورد عليه. وموقف للكافرين من النذير، ورد عليه. والملاحظ أن الموقف من النذير في المقطع الثاني كان جسرا للوصول إلى الحديث عن الشرك لاحظ ما يلي:
وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا* إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا وإذن فهم مشركون. وتأتي الآن المجموعة الرابعة مبدوءة بقوله تعالى: أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ ..
لاحظ أن الآية الثالثة من المقدمة هي وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَياةً وَلا نُشُوراً
ولاحظ بداية المجموعة الجديدة أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ فإنك تجد الصلة الواضحة بين وَاتَّخَذُوا وبين اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ
لقد تحدثت المقدمة عن القرآن والنذير والتوحيد.
وتحدث المقطع الأول عن القرآن والنذير، ثم تحدث المقطع الثاني عن القرآن والنذير على الشاكلة التي رأيناها، والآن يبدأ الحديث عن الشرك والتوحيد بعد أن شكلت آخر آيتين مرتا معنا جسرا إلى الكلام عن ذلك، إذ ورد فيهما إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا وهكذا تتحدث المجموعة الرابعة عن الموضوع الثالث في المقدمة ولكنه الحديث الذي يتداخل فيه الكلام عن القرآن والنذير والتوحيد.
أما صلة ذلك بالمحور كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ فمن حيث إن الناس كانوا أمة واحدة مشركة فبعث الله لهم محمدا بشيرا ونذيرا وأنزل معه الكتاب بالحق، فكيف كان موقف الناس وما هو الحق وما هو الرد؟
تفسير المجموعة الرابعة:
أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ بأن كان مهما استحسن من شئ ورآه حسنا في هوى نفسه كان دينه ومذهبه أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا أي حفيظا تحفظه من متابعة هواه وعبادة ما يهواه، أو أفأنت تكون عليه موكلا فتصرفه عن الهوى إلى الهدى. دلت الآية على أن من أطاع هواه فيما يأتي ويذر، فهو عابد هواه وجاعله إلهه، ومن ثم بين الله لرسوله ﷺ هذا الذي لا يرى معبودا إلا هواه، كيف تستطيع أن تدعوه إلى الهدى، وهذا يفيد أن كل عابد لهواه مشرك، ويفيد أن من
стр. 3671
كان كذلك لا يصلح للاستجابة إلى الحق، وهذا يفيد أن على النبي ﷺ البلاغ. والآية تنكر على كل من اتبع الهوى وعبد غير الله ومن أولئكم من كان يعبد الأصنام من العرب الذين كانوا كما قال ابن عباس: كان الرجل في الجاهلية يعبد الحجر الأبيض زمانا، فإذا رأى غيره أحسن منه عبد الثاني وترك الأول
أَمْ تَحْسَبُ أي بل أتحسب أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا أفاد التركيب أن هذه المذمة أشد من التي تقدمتها حتى حقت بالإضراب عنها إليها، وهي كونهم مسلوبي الأسماع والعقول، لأنهم لا يلقون إلى استماع الحق أذنا، ولا إلى تدبره عقلا، فهم يشبهون الأنعام التي هي مثل في الغفلة والضلالة، فقد ركبهم الشيطان بالاستذلال لتركهم الاستدلال. ثم هم أرجح ضلالة منها، لأن الأنعام تسبح ربها وتسجد له، وتطيع من يعلفها، وتعرف من يحسن إليها ممن يسئ إليها، وتطلب ما ينفعها وتتجنب ما يضرها، وتهتدي لمراعيها ومشاربها، وهؤلاء لا ينقادون لربهم، ولا يعرفون إحسانه إليهم، من إساءة الشيطان الذي هو عدوهم، ولا يطلبون الثواب الذي هو أعظم المنافع ولا يتقون العقاب الذي هو أشد المضار والمهالك، ولا يهتدون للحق الذي هو المشرع الهني والعذب الروي، وقال ابن كثير في الآية: (أي هم أسوأ حالا من الأنعام السارحة، فإن تلك تفعل ما خلقت له وهؤلاء خلقوا لعبادة الله وحده لا شريك له فلم يفعلوا، وهم يعبدون غيره ويشركون به، مع قيام الحجة عليهم وإرسال الرسل إليهم) وقال النسفي: (وإنما ذكر الأكثر لأن فيهم من لم يصده عن الإسلام إلا حب الرئاسة، وكفى به داء عضالا، ولأن فيهم من آمن). وبعد أن أثبت الله في الآيتين أن كل من عبد غير الله فهو عابد هوى، وأن أكثر هؤلاء لا عقول لهم ولا أسماع، وأنهم أضل من البهائم لفت النظر إلى مظاهر قدرته وأدلة توحيده. قال ابن كثير من هاهنا شرع في بيان الأدلة الدالة على وجوده وقدرته التامة على خلق الأشياء المختلفة والمتضادة:
أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ أي ألم تنظر إلى صنع ربك وقدرته كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ أي بسطه وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً أي دائما ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا يعرف بها الظل، ولولا الشمس لما عرف الظل، فالأشياء تعرف بأضدادها
ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً أي قليلا خفيفا. وفي هذا المقام معجزة من أعظم المعجزات القرآنية إذ بها إشارة إلى موضوع الانكسار الضوئي. وهو موضوع سنراه في الفوائد، قال النسفي: وجاء بثم لتفاضل ما بين الأمور، فكأن الثاني أعظم من الأول، والثالث أعظم من الثاني، ولا شك أن أعظم الثلاثة بالتدليل على عظمة الله
стр. 3672
وقدرته، والتدليل على كون القرآن حقا هو الأخير)
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً أي يلبس الوجود ويغشاه، قال النسفي. جعل الظلام الساتر كاللباس.
وَالنَّوْمَ سُباتاً أي قاطعا للحركة لراحة الأبدان، فإن الأعضاء والجوارح تكل من كثرة الحركة في الانتشار بالنهار في المعاش، فإذا جاء الليل وسكن سكنت الحركات فاستراحت، فحصل النوم الذي فيه راحة البدن والروح معا وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً أي ينتشر الناس فيه لمعايشهم ومكاسبهم وأسبابهم، قال النسفي: (وهذه الآية مع دلالتها على قدرة الخالق فيها إظهار لنعمته على خلقه، لأن في الاحتجاب بستر الليل فوائد دينية ودنيوية، وفي النوم واليقظة المشبهين بالموت والحياة عبرة لمن اعتبر، وقال لقمان لابنه: كما تنام فتوقظ كذلك تموت فتنشر)
وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أي قدام المطر، قال النسفي: لأنه ريح ثم سحاب ثم مطر وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ أي من السحاب السَّماءِ أي مطرا طَهُوراً أي آلة يتطهر بها
لِنُحْيِيَ بِهِ أي بالمطر بَلْدَةً مَيْتاً قال ابن كثير: أي أرضا قد طال انتظارها للغيث، فهي هامدة لا نبات فيها ولا شئ، فلما جاءها الحيا عاشت واكتست رباها أنواع الأزاهير والألوان وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً قال ابن كثير: أي ويشرب منه الحيوان من أنعام وأناسي محتاجين إليه غاية الحاجة، لشربهم وزروعهم وثمارهم. قال النسفي: وقدم إحياء الأرض على سقي الأنعام والأناسي لأن حياتها سبب لحياتهما، وتخصيص الأنعام من الحيوان الشارب لأن عامة منافع الأناسي متعلقة بها، فكأن الإنعام عليهم بسقي الأنعام كالإنعام بسقيهم، وتنكير البلدة لأنه يريد بعض بلاد هؤلاء المتبعدين عن مظان الماء، ولما كان سقي الأناسي من جملة ما أنزل له الماء وصفه بالطهور إكراما لهم وبيان أن من حقهم أن يؤثروا الطهارة في بواطنهم وظواهرهم لأن الطهورية شرط الإحياء
وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً أي ولقد صرفنا هذا القول بين الناس في القرآن، وفي سائر الكتب، وهو ذكر إنشاء السحاب، وإنزال القطر؛ ليتفكروا ويعتبروا، ويعرفوا حق النعمة فيه، فيشكروا، فأبى أكثرهم إلا كفران النعمة وجحودها، وقلة الاكتراث لها، أو المعنى:
ولقد صرفنا المطر بينهم في البلدان المختلفة والأوقات المتغايرة وعلى الصفات المتفاوتة من وابل وطل وجون ورذاذ وديمة، مرة في مكان، ومرة في مكان آخر، فأبى أكثر الناس إلا الكفران، ولم يعطوا الشكر، وفي هذه الآية معجزة من معجزات القرآن العلمية سنراها في الفوائد.
وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً
стр. 3673
قال ابن كثير: (يدعوهم إلى الله ، ولكنا خصصناك يا محمد بالبعثة إلى جميع أهل الأرض، وأمرناك أن تبلغهم هذا القرآن) وقال النسفي: (لو شئنا لخففنا عنك أعباء نذارة جميع القرى ولبعثنا في كل قرية نبيا ينذرها ولكن شئنا أن نجمع لك فضائل جميع المرسلين بالرسالة إلى كافة العالمين، فقصرنا الأمر عليك، وعظمناك به، فتكون وحدك ككلهم)
فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ أي فيما يدعونك إليه من موافقتهم ومداهنتهم، أي قابل نعمتي عليك بالشكر والصبر والتشدد، وكما آثرتك على جميع الأنبياء، فآثر رضائي على جميع الأهواء. قال النسفي: (وأريد بهذا تهييجه وتهييج المؤمنين وتحريكهم) وَجاهِدْهُمْ بِهِ أي بالقرآن، أي جادلهم به وقرعهم بالعجز عنه جِهاداً كَبِيراً أي عظيما موقعه عند الله، لما يحتمل فيه من المشاق ومجيء هاتين الآيتين في وسط الآيات التي تتحدث عن قدرة الله سنرى حكمته فيما بعد
وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ قال النسفي: أي خلاهما متجاورين، كقول القائل: مرجت الدابة إذا خليتها ترعى، وسمى الماءين الكثيرين الواسعين بحرين هذا عَذْبٌ فُراتٌ أي أحدهما عذب شديد العذوبة، حتى يقرب إلى الحلاوة وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ أي شديد الملوحة وَجَعَلَ بَيْنَهُما أي بين العذب والمالح بَرْزَخاً أي حاجزا وهو اليبس من الأرض وَحِجْراً مَحْجُوراً قال ابن كثير: أي مانعا من أن يصل أحدهما إلى الآخر، ولنا عودة في الفوائد على هذه الآية، فإنها تحدثت عن مظهر من أعظم مظاهر القدرة الإلهية والرعاية الربانية
وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ أي النطفة بَشَراً أي إنسانا فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً قال ابن كثير: (فهو في ابتداء أمره ولد نسيب، ثم يتزوج فيصير صهرا، ثم يصير له أصهار وأختان وقرابات، وكل ذلك من ماء مهين، ولذا قال تعالى: وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً وقال النسفي في الآية: أراد تقسيم البشر قسمين: ذوي نسب أي ذكورا ينسب إليهم، فيقال فلان بن فلان وفلانة بنت فلان وذوات صهر أي إناثا يصاهر بهن كقوله تعالى في سورة القيامة فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً حيث خلق من النطفة الواحدة بشرا نوعين ذكرا وأنثى، وقيل فجعله نسبا أي قرابة وصهرا مصاهرة يعني الوصلة بالنكاح من باب الأنساب، لأن التواصل يقع بها، وبالمصاهرة لأن التوالد يكون بهما.
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهُمْ أي إن عبدوه وَلا يَضُرُّهُمْ إن تركوه.
قال ابن كثير: (يخبر تعالى عن جهل المشركين في عبادتهم غير الله من الأصنام التي لا تملك لهم ضرا ولا نفعا، بلا دليل قادهم إلى ذلك، ولا حجة أدتهم إليه، بل بمجرد
стр. 3674
الآراء والتشهي والأهواء، فهم يوالونهم ويقاتلون في سبيلهم ويعادون الله ورسوله والمؤمنين فيهم) ولهذا قال تعالى: وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً أي عونا في سبيل الشيطان على حزب الله. وقال مجاهد: أي يظاهر الشيطان على معصية الله ويعينه.
وبهذا انتهت المجموعة الرابعة:
نقول:
١ - عند قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ، وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ؛ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً، وَحِجْراً مَحْجُوراً .. قال صاحب الظلال: (وهو الذي ترك البحرين، الفرات العذب والملح المر، يجريان ويلتقيان، فلا يختلطان ولا يمتزجان؛ إنما يكون بينهما برزخ وحاجز من طبيعتهما التي فطرها الله. فمجاري الأنهار غالبا أعلى من سطح البحر، ومن ثم فالنهر العذب هو الذي يصب في البحر الملح، ولا يقع العكس إلا شذوذا. وبهذا التقدير الدقيق لا يطغى البحر- وهو أضخم وأغزر- على النهر الذي منه الحياة للناس والأنعام والنبات. ولا يكون هذا التقدير مصادفة عابرة وهو يطرد هذا الاطراد. إنما يتم بإرادة الخالق الذي أنشأ هذا الكون.
وقد روعي في نواميس هذا الكون ألا تطغى مياه المحيطات الملحة لا على الأنهار ولا على اليابسة، حتى في حالات المد والجزر التي تحدث من جاذبية القمر للماء الذي على سطح الأرض، ويرتفع بها الماء ارتفاعا عظيما.
يقول صاحب كتاب: الإنسان لا يقوم وحده (العلم يدعو إلى الإيمان): «يبعد القمر عنا مسافة مائتين وأربعين ألفا من الأميال، ويذكرنا المد الذي يحدث مرتين تذكيرا لطيفا بوجود القمر. والمد الذي يحدث بالمحيط قد يرتفع إلى ستين قدما في بعض الأماكن. بل إن قشرة الأرض تنحني مرتين نحو الخارج مسافة عدة بوصات بسبب جاذبية القمر. ويبدو لنا كل شئ منتظما لدرجة أننا لا ندرك القوة الهائلة التي ترفع مساحة المحيط كلها عدة أقدام، وتنحني قشرة الأرض التي تبدو لنا صلبة للغاية.
«والمريخ له قمر. قمر صغير. لا يبعد عنه سوى ستة آلاف من الأميال. ولو كان قمرنا يبعد عنا خمسين ألف ميل مثلا، بدلا من المسافة الشاسعة التي يبعد بها عنا فعلا، فإن المد كان يبلغ من القوة بحيث إن جميع الأراضي التي تحت منسوب الماء كانت تغمر مرتين في اليوم بماء متدفق يزيح بقوته الجبال نفسها. وفي هذه الحالة ربما كانت لا
стр. 3675
توجد الآن قارة قد ارتفعت من الأعماق بالسرعة اللازمة، وكانت الكرة الأرضية تتحطم من هذا الاضطراب، وكان المد الذي في الهواء يحدث أعاصير كل يوم. «وإذا فرضنا أن القارات قد اكتسحت، فإن معدل عمق الماء فوق الكرة الأرضية كلها يكون نحو ميل ونصف: وعندئذ ما كانت الحياة لتوجد إلا في أعماق المحيط السحيقة على وجه الاحتمال!»
ولكن اليد التى تدبر هذا الكون مرجت البحرين، وجعلت بينهما برزخا وحاجزا من طبيعتهما، ومن طبيعة هذا الكون المتناسق الذي تجري مقاديره بيد الصانع المدبر الحكيم؛ هذا الجري المقدر المنسق المرسوم).
٢ - وعند قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً، فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً، وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً .. قال صاحب الظلال: (فمن هذا الماء يتخلق الجنين: ذكرا فهو نسب، وأنثى فهو صهر، بما أنها موضع للصهر. وهذه الحياة البشرية الناشئة من هذا الماء أعجب وأضخم من تلك الحياة الناشئة من ماء السماء. فمن خلية واحدة (من عشرات الألوف الكامنة في نقطة واحدة من ماء الرجل) تتحد ببويضة في الرحم، ينشأ ذلك الخلق المعقد المركب .. الإنسان ..
أعجب الكائنات الحية على الإطلاق!
ومن الخلايا المتشابهة والبويضات المتشابهة ينشأ ذكور وإناث بطريقة عجيبة، لا يدرك البشر سرها، ولا يستطيع علم البشر ضبطها أو تعليلها. فما من خلية من آلاف الخلايا يمكن أن تلحظ فيها مميزات معروفة هي التي تؤهلها لأن تنتج ذكرا أو أنثى، وما من بويضة كذلك لوحظ فيها مثل هذه الميزات. ومع ذلك تصير هذه إلى أن تكون رجلا، وهذه إلى أن تكون امرأة، في نهاية المطاف؟ وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً .. وها هي ذي القدرة تكشف عن طرف منها في هذا العجب العجاب!
ولو راح الإنسان يدقق في هذا الماء الذي يخلق منه الإنسان، لأدركه الدوار وهو يبحث عن خصائص الإنسان الكاملة الكامنة في الأجسام الدقيقة البالغة الدقة، التي تحمل عناصر الوراثة للجنس كله، وللأبوين وأسرتيهما القريبتين، لتنقلها إلى الجنين الذكر والجنين الأنثى كل منهما بحسب ما ترسم له يد القدرة من خلق واتجاه في طريق الحياة.
стр. 3676
وهذه لمحات من كتاب: «الإنسان لا يقوم وحده» عن خصائص الوراثة الكامنة في تلك الذريرات الصغيرة:
«كل خلية ذكرا أو أنثى. تحتوى على كروموزومات (١) وجينات (وحدات الوراثة) والكروموزومة تكون النوية (نواة صغيرة) المعتمة التي تحتوي الجنية.
والجينات هي العامل الرئيسي الحاسم فيما يكون عليه كل كائن حي أو إنسان.
والسيتوبلازم (٢) هي تلك التركيبات الكيماوية العجيبة التي تحيط بالاثنتين. وتبلغ الجينات (وحدات الوراثة) من الدقة أنها- وهي المسئولة عن المخلوقات البشرية جميعا، التي على سطح الأرض من حيث خصائصها الفردية وأحوالها النفسية وألوانها وأجناسها- لو جمعت كلها ووضعت في مكان واحد، لكان حجمها أقل من حجم «الكستبان»!
«وهذه الجينات الميكرسكوبية البالغة الدقة هي المفاتيح المطلقة لخواص جميع البشر والحيوانات والنباتات. «والكستبان» الذي يسع الصفات الفردية لبليونين من البشر هو بلا ريب مكان صغير الحجم. ومع ذلك فإن هذه هي الحقيقة التي لا جدال فيها.
«وإن الجنين وهو يخلص في تطوره التدريجي من النطفة (البروتوبلازم) إلى الشبه الجنسي، إنما يقص تاريخا مسجلا. قد حفظ وعبر عنه بالتنظيم الذري في الجينات والسيتوبلازم.
... «لقد رأينا أن الجينات متفق على كونها تنظيمات أصغر من الميكروسكوبية للذرات، في خلايا الوراثة بجميع الكائنات الحية. وهي تحفظ التصميم، وسجل السلف، والخواص التي تميز كل شئ حي. وهي تتحكم تفصيلا في الجذر والجذع والورق والزهر والثمر لكل نبات. تماما كما تقرر الشكل، والقشر، والشعر، والأجنحة لكل حيوان بما فيه الإنسان).
وبهذا القدر نكتفي من عجائب الحياة، التي أودعتها إياها القدرة الخالقة المدبرة. وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً .. )
стр. 3677
كلمة في السياق:
يلاحظ أن هذه المجموعة بدأت بقوله تعالى: أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا.
وختمت بقوله تعالى: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً. وفي الوسط ورد قوله تعالى: وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً وما سوى ذلك كان كلاما عن مظاهر قدرة الله وعنايته، تأمل صلة ذلك بالمقدمة:
بعد أن ذكرت المقدمة إنزال القرآن على الرسول لينذر به قالت:
وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَياةً وَلا نُشُوراً وقد جاءت هذه المجموعة لتبين أن الله وحده هو الخالق، وأنه الذي يملك النفع والضر، وأنه الذي يملك الموت والحياة والنشور، وأن من يعبد غيره إنما يعبد هواه، وأن هؤلاء خاطئون إذ يعبدون ما لا ينفعهم ولا يضرهم، وإنهم إذ يعبدون غير الله يظاهرون على الله مع أنه خالقهم وخالق كل شئ.
وفي ذكر وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً إشارة إلى ارتباط الكلام عن التوحيد والشرك بموضوع النذير والقرآن، وهي المواضيع الثلاثة التي تحدثت عنها المقدمة، ولم يبق عندنا في المقطع إلا مجموعة واحدة مبدوءة بقوله تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً وفيها أوامر للبشير النذير، وفيها البشارة لمن يستحقون البشارة، وهكذا فإن السورة بعد أن أقامت الحجة على أن هذا القرآن من عند الله، وأقامت الحجة على أن محمدا رسول الله ﷺ وفندت الشرك، وأقامت الحجة على التوحيد تتحدث في مجموعتها الأخيرة عن مضمون محور السورة: التبشير والإنذار كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ إن محمدا البشير النذير الذي بعث والناس أمة واحدة في الكفر يخاطب في المجموعة الأخيرة بتبيان مهمته وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً يؤمر أن يقوم بحق الإنذار والتبشير فلنستعرض المجموعة الأخيرة.
стр. 3678
تفسير المجموعة الخامسة
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّراً للمؤمنين وَنَذِيراً أي منذرا للكافرين مبشرا بالجنة لمن أطاع الله، ونذيرا بين يدي عذاب شديد لمن خالف أمر الله، وإذ تحددت مهمته أنه مبشر ومنذر، يؤمر هاهنا ثلاثة أوامر، كما يؤمر في آخر السورة أمرا رابعا.
الأمر الأول:
قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ أي من أجرة أطلبها منكم على البلاغ وهذا الإنذار، إنما أفعل ذلك ابتغاء وجه الله تعالى: إِلَّا مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا أي طريقا ومسلكا ومنهجا، يقتدي فيها بما جئت به والمعنى: لا أسألكم على التبليغ أجرا إلا فعل من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا. أي أجري أن تسلكوا سبيل الله بالإيمان والطاعة والصدقة والنفقة فذلك أجري لأن الله يأجرني عليه.
الأمر الثاني:
وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ أي كن متوكلا في أمورك كلها على الله الذي لا يموت أبدا. أي اتخذ من لا يموت وكيلا لا يكلك إلى من يموت، يعني: ثق به واسند أمرك إليه في استكفاء شرورهم ولا تتكل على حي يموت. والتوكل:
الاعتماد على الله في كل أمر وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ أي اقرن بين حمده وتسبيحه، فإنه لا يكل إلى غيره من توكل عليه وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً أي كفى الله خبيرا بذنوب عباده، يعني أنه خبير بأحوالهم، كاف في جزاء أعمالهم
الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ أي كما أنه الحي الذي لا يموت، فهو خالق كل شئ وربه ومليكه الذي خلق كل شئ بقدرته وسلطانه ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ أي هو الرحمن فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً أي استعلم عنه من هو خبير به، عالم به، فاتبعه واقتد به، وقد علم أنه لا أحد أعلم بالله ولا أخبر به من عبده ورسوله محمد ﷺ .. وقال النسفي: (أي فاسأل عنه رجلا عارفا برحمته، أو فاسأل رجلا عارفا يخبرك برحمته، أو فاسأل رجلا خبيرا به وبرحمته) أقول: هذا الأمر فيه إشارة إلى أن رسول الله ﷺ لو لم يكن أعلم الخلق
стр. 3679
بالله لكان عنده استعداد لأن يأخذ العلم بالله عمن هو أعرف بالله منه، فإذا كان هو أعلم الخلق بالله فعلى كل أحد أن يأخذ عنه، وكأنه بهذا وما قبله أفهمنا الله أن زاد الطريق في الدعوة والتبشير والإنذار هو معرفة الله والتسبيح بحمده والتوكل عليه وطلب الأجر منه وحده.
الأمر الثالث:
وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ أي إذا قال محمد ﵊ للمشركين صلوا له واخضعوا له قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أي لا نعرف الرحمن فنسجد له، ولا نقر به أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا أي لمجرد قولك وَزادَهُمْ قوله اسجدوا للرحمن نُفُوراً أي تباعدا عن الإيمان، وأمام هذا الاستكبار عن السجود لله فقد مجد الله نفسه،
ثم ذكر أنه لم يخلق الليل والنهار، يخلف أحدهما الآخر إلا للسجود والعبادة والتذكر فقال: تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً أي كواكب عظاما على قول مجاهد وسعيد بن جبير وأبي صالح والحسن وقتادة وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وهي الشمس المنيرة وَقَمَراً مُنِيراً أي مشرقا ومضيئا، يعكس نور الشمس حال غيابها: فمن كان هذا
شأنه كيف يستكبر الكافرون عن السجود له. وفي إحدى قراءات هذه الآية معجزة كبرى من المعجزات العلمية، التي في كل واحدة منها دليل على أن هذا القرآن من عند الله الذي يعلم السر في السموات والأرض وسنرى ما ذكرناه في الفوائد
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً أي يخلف كل واحد منهما صاحبه، يتعاقبان لا يفتران، إذا ذهب هذا جاء هذا، وإذا جاء هذا ذهب ذاك. أو أن أحدهما يخلف الآخر بأن يقضي الإنسان في أحدهما ما فاته في الآخر من أوراده في عبادة الله لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ نعم الله عليه فيحدث لذلك توبة أو تدبرا أَوْ أَرادَ شُكُوراً أو أراد أن يشكر نعمة ربه عليه فيهما. قال ابن كثير: أي جعلهما يتعاقبان توقيتا لعبادة عباده له ، فمن فاته عمل في الليل استدركه في النهار ومن فاته عمل في النهار استدركه في الليل. وقد جاء في الحديث الصحيح: «إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل» وقال أبو داود الطيالسي ..
إن عمر بن الخطاب أطال صلاة الضحى، فقيل له: صنعت اليوم شيئا لم تكن تصنعه، فقال: إنه بقي علي من وردي شئ فأحببت أن أتمه أو قال أقضيه وتلا
стр. 3680
هذه الآية: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً.
وبهذا عرض الأمر الثالث: فالأمر الثالث هو أن يأمر رسول الله ﷺ الخلق بالسجود لله، إلا أنه عرض الأمر بصيغة المبني للمجهول، وموقف الكافرين منه والرد عليه. وقد دل ذلك على أن من مهمات النذير الرئيسية أن يأمر خلق الله بالسجود، وأمام رفض الكافرين السجود للرحمن فإن الله يعرض لنا نموذجا لعباده المخلصين الذين يستأهلون البشارة، وكل ذلك يأتي قبل الأمر الرابع:
وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً أي بسكينة ووقار من غير جبرية ولا استكبار، قال النسفي: أي يمشون بسكينة ووقار وتواضع دون مرح واختيال وتكبر، فلا يضربون بأقدامهم، ولا يخفقون بنعالهم أشرا وبطرا. وليس المراد أنهم يمشون كالمرضى تصنعا ورياء. فقد كان سيد ولد آدم ﷺ إذا مشي كأنما ينحط من صبب وكأنما الأرض تطوى له وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ أي السفهاء قالُوا سَلاماً أي سدادا من القول يسلمون فيه من الإيذاء والإفك، ويمكن أن يكون المراد بالسلام التسلم أي تسلما منكم نتارككم ولا نجاهلكم، فأقيم السلام مقام التسلم. قال ابن كثير: (أي إذا سفه عليهم الجهال بالقول السيئ لم يقابلوهم عليه بمثله، بل يعفون ويصفحون، ولا يقولون إلا خيرا، كما كان رسول الله ﷺ لا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلما) قال النسفي عن الآية: قيل نسختها آية القتال ولا حاجة إلى ذلك، فالإغضاء عن السفهاء مستحسن شرعا ومروءة
وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً أي في طاعته وعبادته. قال النسفي: وقالوا من قرأ شيئا من القرآن في صلاة وإن قل فقد بات ساجدا وقائما، وقيل هما الركعتان بعد المغرب، والركعتان بعد العشاء، والظاهر أنه وصف لهم بإحياء الليل أو أكثره
وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً أي هلاكا لازما دائما، وصفهم بإحياء الليل ساجدين قائمين، ثم عقبه بذكر دعوتهم هذه إيذانا بأنهم مع اجتهادهم خائفون مبتهلون متضرعون إلى الله في صرف العذاب عنهم
إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً أي بئس المنزل منظرا، وبئس المقيل مقاما
وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا أي لم يجاوزوا الحد في النفقة وَلَمْ يَقْتُرُوا أي لم يجاوزوا الحد في التضييق. قال ابن كثير: أي ليسوا بمبذرين في إنفاقهم فيصرفون