← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.

стр. 3676

وهذه لمحات من كتاب: «الإنسان لا يقوم وحده» عن خصائص الوراثة الكامنة في تلك الذريرات الصغيرة: «كل خلية ذكرا أو أنثى. تحتوى على كروموزومات (١) وجينات (وحدات الوراثة) والكروموزومة تكون النوية (نواة صغيرة) المعتمة التي تحتوي الجنية. والجينات هي العامل الرئيسي الحاسم فيما يكون عليه كل كائن حي أو إنسان. والسيتوبلازم (٢) هي تلك التركيبات الكيماوية العجيبة التي تحيط بالاثنتين. وتبلغ الجينات (وحدات الوراثة) من الدقة أنها- وهي المسئولة عن المخلوقات البشرية جميعا، التي على سطح الأرض من حيث خصائصها الفردية وأحوالها النفسية وألوانها وأجناسها- لو جمعت كلها ووضعت في مكان واحد، لكان حجمها أقل من حجم «الكستبان»! «وهذه الجينات الميكرسكوبية البالغة الدقة هي المفاتيح المطلقة لخواص جميع البشر والحيوانات والنباتات. «والكستبان» الذي يسع الصفات الفردية لبليونين من البشر هو بلا ريب مكان صغير الحجم. ومع ذلك فإن هذه هي الحقيقة التي لا جدال فيها. «وإن الجنين وهو يخلص في تطوره التدريجي من النطفة (البروتوبلازم) إلى الشبه الجنسي، إنما يقص تاريخا مسجلا. قد حفظ وعبر عنه بالتنظيم الذري في الجينات والسيتوبلازم. ... «لقد رأينا أن الجينات متفق على كونها تنظيمات أصغر من الميكروسكوبية للذرات، في خلايا الوراثة بجميع الكائنات الحية. وهي تحفظ التصميم، وسجل السلف، والخواص التي تميز كل شئ حي. وهي تتحكم تفصيلا في الجذر والجذع والورق والزهر والثمر لكل نبات. تماما كما تقرر الشكل، والقشر، والشعر، والأجنحة لكل حيوان بما فيه الإنسان). وبهذا القدر نكتفي من عجائب الحياة، التي أودعتها إياها القدرة الخالقة المدبرة. وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً .. )

стр. 3677

كلمة في السياق: يلاحظ أن هذه المجموعة بدأت بقوله تعالى: أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا. وختمت بقوله تعالى: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً. وفي الوسط ورد قوله تعالى: وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً وما سوى ذلك كان كلاما عن مظاهر قدرة الله وعنايته، تأمل صلة ذلك بالمقدمة: بعد أن ذكرت المقدمة إنزال القرآن على الرسول لينذر به قالت: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَياةً وَلا نُشُوراً وقد جاءت هذه المجموعة لتبين أن الله وحده هو الخالق، وأنه الذي يملك النفع والضر، وأنه الذي يملك الموت والحياة والنشور، وأن من يعبد غيره إنما يعبد هواه، وأن هؤلاء خاطئون إذ يعبدون ما لا ينفعهم ولا يضرهم، وإنهم إذ يعبدون غير الله يظاهرون على الله مع أنه خالقهم وخالق كل شئ. وفي ذكر وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً إشارة إلى ارتباط الكلام عن التوحيد والشرك بموضوع النذير والقرآن، وهي المواضيع الثلاثة التي تحدثت عنها المقدمة، ولم يبق عندنا في المقطع إلا مجموعة واحدة مبدوءة بقوله تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً وفيها أوامر للبشير النذير، وفيها البشارة لمن يستحقون البشارة، وهكذا فإن السورة بعد أن أقامت الحجة على أن هذا القرآن من عند الله، وأقامت الحجة على أن محمدا رسول الله ﷺ وفندت الشرك، وأقامت الحجة على التوحيد تتحدث في مجموعتها الأخيرة عن مضمون محور السورة: التبشير والإنذار كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ إن محمدا البشير النذير الذي بعث والناس أمة واحدة في الكفر يخاطب في المجموعة الأخيرة بتبيان مهمته وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً يؤمر أن يقوم بحق الإنذار والتبشير فلنستعرض المجموعة الأخيرة.

стр. 3678

تفسير المجموعة الخامسة وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّراً للمؤمنين وَنَذِيراً أي منذرا للكافرين مبشرا بالجنة لمن أطاع الله، ونذيرا بين يدي عذاب شديد لمن خالف أمر الله، وإذ تحددت مهمته أنه مبشر ومنذر، يؤمر هاهنا ثلاثة أوامر، كما يؤمر في آخر السورة أمرا رابعا. الأمر الأول: قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ أي من أجرة أطلبها منكم على البلاغ وهذا الإنذار، إنما أفعل ذلك ابتغاء وجه الله تعالى: إِلَّا مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا أي طريقا ومسلكا ومنهجا، يقتدي فيها بما جئت به والمعنى: لا أسألكم على التبليغ أجرا إلا فعل من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا. أي أجري أن تسلكوا سبيل الله بالإيمان والطاعة والصدقة والنفقة فذلك أجري لأن الله يأجرني عليه. الأمر الثاني: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ أي كن متوكلا في أمورك كلها على الله الذي لا يموت أبدا. أي اتخذ من لا يموت وكيلا لا يكلك إلى من يموت، يعني: ثق به واسند أمرك إليه في استكفاء شرورهم ولا تتكل على حي يموت. والتوكل: الاعتماد على الله في كل أمر وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ أي اقرن بين حمده وتسبيحه، فإنه لا يكل إلى غيره من توكل عليه وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً أي كفى الله خبيرا بذنوب عباده، يعني أنه خبير بأحوالهم، كاف في جزاء أعمالهم الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ أي كما أنه الحي الذي لا يموت، فهو خالق كل شئ وربه ومليكه الذي خلق كل شئ بقدرته وسلطانه ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ أي هو الرحمن فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً أي استعلم عنه من هو خبير به، عالم به، فاتبعه واقتد به، وقد علم أنه لا أحد أعلم بالله ولا أخبر به من عبده ورسوله محمد ﷺ .. وقال النسفي: (أي فاسأل عنه رجلا عارفا برحمته، أو فاسأل رجلا عارفا يخبرك برحمته، أو فاسأل رجلا خبيرا به وبرحمته) أقول: هذا الأمر فيه إشارة إلى أن رسول الله ﷺ لو لم يكن أعلم الخلق

стр. 3679

بالله لكان عنده استعداد لأن يأخذ العلم بالله عمن هو أعرف بالله منه، فإذا كان هو أعلم الخلق بالله فعلى كل أحد أن يأخذ عنه، وكأنه بهذا وما قبله أفهمنا الله أن زاد الطريق في الدعوة والتبشير والإنذار هو معرفة الله والتسبيح بحمده والتوكل عليه وطلب الأجر منه وحده. الأمر الثالث: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ أي إذا قال محمد ﵊ للمشركين صلوا له واخضعوا له قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أي لا نعرف الرحمن فنسجد له، ولا نقر به أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا أي لمجرد قولك وَزادَهُمْ قوله اسجدوا للرحمن نُفُوراً أي تباعدا عن الإيمان، وأمام هذا الاستكبار عن السجود لله فقد مجد الله نفسه، ثم ذكر أنه لم يخلق الليل والنهار، يخلف أحدهما الآخر إلا للسجود والعبادة والتذكر فقال: تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً أي كواكب عظاما على قول مجاهد وسعيد بن جبير وأبي صالح والحسن وقتادة وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وهي الشمس المنيرة وَقَمَراً مُنِيراً أي مشرقا ومضيئا، يعكس نور الشمس حال غيابها: فمن كان هذا شأنه كيف يستكبر الكافرون عن السجود له. وفي إحدى قراءات هذه الآية معجزة كبرى من المعجزات العلمية، التي في كل واحدة منها دليل على أن هذا القرآن من عند الله الذي يعلم السر في السموات والأرض وسنرى ما ذكرناه في الفوائد وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً أي يخلف كل واحد منهما صاحبه، يتعاقبان لا يفتران، إذا ذهب هذا جاء هذا، وإذا جاء هذا ذهب ذاك. أو أن أحدهما يخلف الآخر بأن يقضي الإنسان في أحدهما ما فاته في الآخر من أوراده في عبادة الله لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ نعم الله عليه فيحدث لذلك توبة أو تدبرا أَوْ أَرادَ شُكُوراً أو أراد أن يشكر نعمة ربه عليه فيهما. قال ابن كثير: أي جعلهما يتعاقبان توقيتا لعبادة عباده له ، فمن فاته عمل في الليل استدركه في النهار ومن فاته عمل في النهار استدركه في الليل. وقد جاء في الحديث الصحيح: «إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل» وقال أبو داود الطيالسي .. إن عمر بن الخطاب أطال صلاة الضحى، فقيل له: صنعت اليوم شيئا لم تكن تصنعه، فقال: إنه بقي علي من وردي شئ فأحببت أن أتمه أو قال أقضيه وتلا

стр. 3680

هذه الآية: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً. وبهذا عرض الأمر الثالث: فالأمر الثالث هو أن يأمر رسول الله ﷺ الخلق بالسجود لله، إلا أنه عرض الأمر بصيغة المبني للمجهول، وموقف الكافرين منه والرد عليه. وقد دل ذلك على أن من مهمات النذير الرئيسية أن يأمر خلق الله بالسجود، وأمام رفض الكافرين السجود للرحمن فإن الله يعرض لنا نموذجا لعباده المخلصين الذين يستأهلون البشارة، وكل ذلك يأتي قبل الأمر الرابع: وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً أي بسكينة ووقار من غير جبرية ولا استكبار، قال النسفي: أي يمشون بسكينة ووقار وتواضع دون مرح واختيال وتكبر، فلا يضربون بأقدامهم، ولا يخفقون بنعالهم أشرا وبطرا. وليس المراد أنهم يمشون كالمرضى تصنعا ورياء. فقد كان سيد ولد آدم ﷺ إذا مشي كأنما ينحط من صبب وكأنما الأرض تطوى له وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ أي السفهاء قالُوا سَلاماً أي سدادا من القول يسلمون فيه من الإيذاء والإفك، ويمكن أن يكون المراد بالسلام التسلم أي تسلما منكم نتارككم ولا نجاهلكم، فأقيم السلام مقام التسلم. قال ابن كثير: (أي إذا سفه عليهم الجهال بالقول السيئ لم يقابلوهم عليه بمثله، بل يعفون ويصفحون، ولا يقولون إلا خيرا، كما كان رسول الله ﷺ لا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلما) قال النسفي عن الآية: قيل نسختها آية القتال ولا حاجة إلى ذلك، فالإغضاء عن السفهاء مستحسن شرعا ومروءة وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً أي في طاعته وعبادته. قال النسفي: وقالوا من قرأ شيئا من القرآن في صلاة وإن قل فقد بات ساجدا وقائما، وقيل هما الركعتان بعد المغرب، والركعتان بعد العشاء، والظاهر أنه وصف لهم بإحياء الليل أو أكثره وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً أي هلاكا لازما دائما، وصفهم بإحياء الليل ساجدين قائمين، ثم عقبه بذكر دعوتهم هذه إيذانا بأنهم مع اجتهادهم خائفون مبتهلون متضرعون إلى الله في صرف العذاب عنهم إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً أي بئس المنزل منظرا، وبئس المقيل مقاما وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا أي لم يجاوزوا الحد في النفقة وَلَمْ يَقْتُرُوا أي لم يجاوزوا الحد في التضييق. قال ابن كثير: أي ليسوا بمبذرين في إنفاقهم فيصرفون

стр. 3681

فوق الحاجة، ولا بخلاء على أهليهم، فيقصرون في حقهم فلا يكفونهم بل عدولا خيارا. وخير الأمور أوسطها لا هذا ولا هذا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً قال النسفي: أي عدلا بينهما. فالقوام العدل بين الشيئين وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ أي لا يشركون وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ أي حرمها يعني حرم قتلها إِلَّا بِالْحَقِّ قال النسفي: بقود أو رجم، أو ردة أو شرك أو سعي في الأرض بالفساد وَلا يَزْنُونَ نفي هذه الكبائر عن عباده الصالحين، تعريض لما عليه أعداؤهم كأنه قيل: والذين طهرهم الله مما أنتم عليه وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ أي المذكور من الشرك والقتل بغير حق والزنى يَلْقَ أَثاماً أي نكالا جزاء الإثم يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أي يكرر عليه ويغلظ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً أي ذليلا إِلَّا مَنْ تابَ عن الشرك وَآمَنَ بمحمد ﵇ وَعَمِلَ بعد توبته عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ إما بأن يوفقهم الله إلى عمل الحسنات بدل السيئات، أو أن السيئة تنقلب بنفس التوبة النصوح حسنات. قال ابن كثير: وما ذاك إلا لأنه كلما تذكر ما مضى ندم واسترجع واستغفر، فينقلب الذنب طاعة بهذا الاعتبار، فيوم القيامة وإن وجده مكتوبا عليه فإنه لا يضره، وينقلب حسنة في صحيفته. كما ثبتت السنة بذلك وصحت به الآثار المروية عن السلف، وسنراها في الفوائد. وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً يكفر السيئات رَحِيماً يبدلها بالحسنات وَمَنْ تابَ إلى الله وَعَمِلَ صالِحاً أي وحقق التوبة بالعمل الصالح فَإِنَّهُ يَتُوبُ بذلك إِلَى اللَّهِ مَتاباً أي مرضيا عنده مكفرا للخطايا، محصلا للثواب وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ أي الكذب يعني (ينفرون عن محاضر الكذابين، ومجالس الخطائين، فلا يقربونها تنزها عن مخالطة الشر وأهله، إذ مشاهدة الباطل شركة فيه، وكذلك النظارة إلى ما لم تسوغه الشريعة هم شركاء فاعليه في الآثام، لأن حضورهم ونظرهم دليل الرضا، وسبب وجود الزيادة فيه) هذا قول النسفي. وقال ابن كثير: (قيل هو الشرك وعبادة الأصنام، وقيل الكذب والفسق والكفر واللغو والباطل. وقال محمد بن الحنفية: هو اللغو والغناء. وقال أبو العالية وطاوس وابن سيرين والضحاك والربيع بن أنس وغيرهم: هو أعياد المشركين. وقال عمرو بن قيس: هي المجالس السوء والخنا. وقال مالك عن الزهري: شرب الخمر لا يحضرونه ولا يرغبون فيه .. وقيل المراد أي شهادة الزور وهي الكذب

стр. 3682

متعمدا على غيره .. والأظهر أن المراد لا يشهدون الزور أي لا يحضرونه وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ أي بالفحش وكل ما ينبغي أن يلقى ويطرح. والمعنى: وإذا مروا بأهل اللغو والمشتغلين به مَرُّوا كِراماً أي معرضين مكرمين أنفسهم عن التلوث به وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ أي قرئ عليهم القرآن، أو وعظوا بالقرآن لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً قال النسفي: ليس هذا بنفي الخرور، بل هو إثبات له ونفي للصمم والعمى. قال قتادة: (أي) لم يصموا عن الحق ولم يعموا فيه، فهم والله قوم عقلوا عن الحق وانتفعوا بما سمعوا من كتابه وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ سألوا ربهم أن يرزقهم أزواجا وأعقابا عمالا لله تعالى يسرون بمكانهم وتقربهم عيونهم وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً أي أئمة يقتدي المتقون بنا في الدين أُوْلئِكَ المتصفون بالصفات المذكورة الجميلة، والأقوال والأفعال الجليلة يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ أي الغرفات وهي العلالي في الجنة بِما صَبَرُوا أي بصبرهم على القيام بذلك. أي بصبرهم على الطاعات وعن الشهوات، وعلى أذى الكفار، ومجاهدتهم، وعلى الفقر وغير ذلك وَيُلَقَّوْنَ فِيها أي في الجنة تَحِيَّةً وَسَلاماً يعني: أن الملائكة يحيونهم ويسلمون عليهم، أو يحيي بعضهم بعضا، ويسلم عليه. قال ابن كثير: أي يبتدرون فيها بالتحية والإكرام، ويلقون التوقير والاحترام، فلهم السلام وعليهم السلام، فإن الملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار خالِدِينَ فِيها أي مقيمين لا يظعنون ولا يحولون ولا يموتون، ولا يزالون عنها ولا يبغون عنها حولا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا أي موضع قرار وَمُقاماً أي وموضع إقامة. وبهذا بشروا، وبما ذكر من خصائصهم استحقوا هذا التبشير. نقول: عند قوله تعالى تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً* وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً قال صاحب الظلال: (والبروج- على الأرجح- منازل الكواكب السيارة، ومداراتها الفلكية الهائلة. والفخامة هنا تقابل في الحس ذلك الاستخفاف في قول المشركين: وَمَا الرَّحْمنُ؟ فهذا شئ من خلقه ضخم هائل عظيم في الحس وفي الحقيقة، وفي هذه البروج تنزل الشمس ويسميها سِراجاً لما تبعث به من ضوء

стр. 3683

إلى أرضنا وغيرها. وفيها القمر المنير الذي يبعث بنوره الهادئ اللطيف. ويعرض كذلك مشهد الليل والنهار وتعاقبهما. وهما آيتان مكرورتان ينساهما الناس، وفيهما الكفاية: لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً. ولولا أن جعلهما كذلك يتعاوران الناس، ويخلف أحدهما أخاه، ما أمكنت الحياة على ظهر هذا الكوكب لإنسان ولا لحيوان ولا لنبات. بل لو أن طولهما تغير لتعذرت كذلك الحياة. جاء في كتاب (الإنسان لا يقوم وحده) (العلم يدعو إلى الإيمان). (تدور الكرة الأرضية حول محورها مرة في كل أربع وعشرين ساعة، أو بمعدل نحو ألف ميل في الساعة. والآن افرض أنها تدور بمعدل مائة فقط في الساعة. ولم لا؟ عندئذ يكون ليلنا ونهارنا أطول مما هو الآن عشر مرات. وفي هذه الحالة قد تحرق شمس الصيف الحارة نباتاتنا في كل نهار وفي الليل يتجمد كل نبت في الأرض). فتبارك الذي خلق السموات والأرض، وخلق كل شئ فقدره تقديرا. وتبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا. وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً .. وعند قوله تعالى: وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا، وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً. قال صاحب الظلال: وهذه سمة الإسلام التي يحققها في حياة الأفراد والجماعات؛ ويتجه إليها في التربية والتشريع، يقيم بناءه كله على التوازن والاعتدال. والمسلم- مع اعتراف الإسلام بالملكية الفردية المقيدة- ليس حرا في إنفاق أمواله الخاصة كما يشاء- كما هو الحال في النظام الرأسمالي، وعند الأمم التي لا يحكم التشريع الإلهي حياتها في كل ميدان. إنما هو مقيد بالتوسط في الأمرين، الإسراف والتقتير. فالإسراف مفسدة للنفس والمال والمجتمع؛ والتقتير مثله حبس للمال عن انتفاع صاحبه به وانتفاع الجماعة من حوله. فالمال أداة اجتماعية لتحقيق خدمات اجتماعية. والإسراف والتقتير يحدثان اختلالا في المحيط الاجتماعي والمجال الاقتصادي، وحبس الأموال يحدث أزمات، ومثله إطلاقها بغير حساب وذلك فوق سمات فساد القلوب والأخلاق. والإسلام وهو ينظم هذا الجانب من الحياة يبدأ به من نفس

стр. 3684

الفرد، فيجعل الاعتدال سمة من سمات الإيمان: وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً .. كلمة في السياق: رأينا محل هذه الآيات المبدوءة بقوله تعالى: وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً ... ضمن سياق السورة الخاص من حيث إن أهل هذه الآيات هم المبشرون المستحقون للبشارة، وذلك هو المعنى الذي ترتبط به هذه الآيات بمحور السورة المباشر كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِ فالموصوفون بالآيات هم الذين استجابوا للرسول والقرآن واستحقوا البشارة. وللآيات ارتباط بحيز آية المحور من سورة البقرة: إن آية كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً .. آتية في حيز قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ والذين لا يتبعون خطوات الشيطان هم الذين قال الله فيهم: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ* وإن هذه الآيات التي مرت معنا هي التفصيل لمجموع الصفات والخصائص التي من تحقق بها كان من عباد الله الذين ليس للشيطان عليهم سلطان والذين لا يتبعون خطوات الشيطان وهم الذين استجابوا للرسول والقرآن واستحقوا التبشير. ولم يبق عندنا من السورة إلا آية واحدة. الأمر الرابع: قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي قال ابن كثير: أي لا يبالي ولا يكترث بكم إذا لم تعبدوه، فإنه إنما خلق الخلق ليعبدوه ويوحدوه ويسبحوه بكرة وأصيلا لَوْلا دُعاؤُكُمْ أي لولا عبادتكم له فَقَدْ كَذَّبْتُمْ أيها الكافرون فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً أي فسوف يكون تكذيبكم لزاما لكم ملازما يعني مقتضيا لعذابكم وهلاككم ودماركم في الدنيا والآخرة. هذا هو الأمر الرابع والأخير، وهو إنذار للكافرين، وأمر لهم بالعبادة. وهكذا ترتبط نهاية السورة ببدايتها: تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً

стр. 3685

قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً نقول: قال صاحب الظلال عند هذه الآية التي هي خاتمة السورة: والآن وقد صور عباد الرحمن. تلك الخلاصة الصافية للبشرية. يختم السورة بهوان البشرية على الله لولا هؤلاء الذين يتطلعون إلى السماء. فأما المكذبون فالعذاب حتم عليهم لزام. قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً .. وهو ختام يناسب موضوع السورة كلها؛ ومساقها للتسرية عن رسول الله- ﷺ وتعزيته عما يلاقي من عناد قومه وجحودهم. وتطاولهم عليه، وهم يعرفون مقامه؛ ولكنهم في سبيل الإبقاء على باطلهم يعاندون ويصرون .. فما قومه؟ وما هذه البشرية كلها، لولا القلة المؤمنة التي تدعو الله، وتتضرع إليه. كما يدعو عباد الرحمن ويتضرعون؟ من هم والأرض التي تضم البشر جميعا إن هي إلا ذرة صغيرة في فضاء الكون الهائل. والبشرية كلها إن هي إلا نوع من أنواع الأحياء الكثيرة على وجه هذه الأرض. وأمة واحدة من أمم هذه الأرض. والجيل الواحد من أمة إن هو إلا صفحة من كتاب ضخم لا يعلم عدد صفحاته إلا الله؟ وإن الإنسان مع ذلك لينتفخ وينتفخ ويحسب نفسه شيئا؛ ويتطاول حتى ليتطاول على خالقه سبحانه! وهو هين هين، ضعيف ضعيف، قاصر قاصر، إلا أن يتصل بالله فيستمد منه القوة والرشاد، وعندئذ فقط يكون شيئا في ميزان الله؛ وقد يرجح ملائكة الرحمن في هذا الميزان فضلا من الله الذي كلم هذا الإنسان وأسجد له الملائكة، ليعرفه ويتصل به ويتعبد له، فيحفظ بذلك خصائصه التي سجدت له معها الملائكة؛ وإلا فهو لقى ضائع، لو وضع نوعه كله في الميزان ما رجحت به كفة الميزان! قُلْ: ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ .. وفي التعبير سند للرسول ﷺ وإعزاز: قُلْ: ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي فأنا في جواره وحماه. هو ربي وأنا عبده. فما أنتم بغير الإيمان به، والانضمام إلى عباده؟ إنكم حصب جهنم فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً)

стр. 3686

كلمة في السياق: رأينا أن المقطع الثاني بدأ بعرض موقف للكافرين من القرآن، ورد عليه، ثم ثنى بعرض موقف للكافرين من الرسول ورد عليه، ثم عرض لشرك المشركين الذي هو العلة الأساسية في كل موقف من النذير والقرآن ورد عليه. ثم بين أن المهمة الرئيسية للرسول ﷺ التبشير والإنذار، وبناء عليه صدرت أوامر للرسول ﷺ كي يبلغها أو يفعلها، وفيما بين الأمر الثالث والرابع عرضت صفات من يستحقون التبشير وبشروا. وكان من جملة صفاتهم الحميدة تذكرهم بالقرآن إذا ذكروا به، وإذعانهم له، وإيمانهم بالرسول ﷺ ولذلك كله صلاته بسياق السورة الخاص وبمحورها، ولقد رأينا أثناء العرض والتفسير صلة كل مجموعة في المقطع، مع سياق السورة الخاص، وسياقها العام، ورأينا ارتباط مقدمتها ومقطعيها بمحور السورة من سورة البقرة، كما رأينا ارتباط بعض آيات السورة بالآيات التي سبقت آية المحور. وقد آن الأوان لنعرض فوائد المقطع الثاني: الفوائد: ١ - بمناسبة قول الله على لسان الكافرين لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً يتحدث المفسرون عن كون التوراة والإنجيل والزبور قد أنزلت دفعة واحدة والذي لاحظته من خلال دراسة هذه الكتب- كما هي موجودة الآن- أنها ليست منزلة جملة واحدة فإذا لم يكن نص عن رسولنا ﵊ في هذا الأمر، فإن هذه القضية لا تعتبر جزما أنها كذلك وبهذه المناسبة قال ابن كثير: (وقد جمع الله للقرآن الصفتين معا، ففي الملأ الأعلى أنزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا، ثم أنزل بعد ذلك إلى الأرض منجما بحسب الوقائع والحوادث. وروى النسائي بإسناده عن ابن عباس قال: أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا في ليلة القدر، ثم نزل بعد ذلك في عشرين سنة). ٢ - بمناسبة قوله تعالى الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ سَبِيلًا قال ابن كثير: وفي الصحيح عن أنس أن رجلا قال يا رسول الله كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة فقال: «إن الذي أمشاه على رجليه قادر أن يمشيه على وجهه يوم القيامة». وهكذا قال مجاهد والحسن وقتادة وغير واحد من المفسرين.

стр. 3687

٣ - ورد في أكثر من مكان من القرآن ذكر أصحاب الرس. فمن هم أصحاب الرس؟ للمفسرين كلام كثير فيهم. قال عكرمة: أصحاب الرس بفلج وهم أصحاب يس. وقد فسر قتادة فلج فقال: فلج من قرى اليمامة. وعلى هذا القول كان يرى بعض أساتذتنا أن بلدة الرس الحالية الموجودة في القصيم من نجد هي الرس المذكورة في القرآن. وقال ابن عباس عنها: بأنها بئر بأذربيجان. وعن عكرمة أنها سميت رسا لأنها بئر رسوا فيها نبيهم. أي دفنوه فيها. وذهب ابن جرير إلى أن أصحاب الرس هم أصحاب الأخدود الذين ذكروا في سورة البروج. ٤ - وبمناسبة قوله تعالى: وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً قال ابن كثير في تعريف القرن: والأظهر أن القرن هو الأمة من الناس كقوله: ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ وحده بعضهم بمائة وعشرين سنة، وقيل بمائة، وقيل بثمانين، وقيل أربعين، وقيل غير ذلك. والأظهر أن القرن هو الأمة المتعاصرون في الزمن الواحد، وإذا ذهبوا وخلفهم جيل فهو قرن آخر، كما ثبت في الصحيحين: «خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» الحديث. ٥ - أشرنا خلال تفسير المقطع إلى آيتين. كل آية منهما فيها معجزة علمية. وكل منهما تحدثنا عنها في كتابنا (الرسول ﷺ : الأولى: أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً هذا النص إشارة إلى موضوع الانكسار الضوئي والله أعلم. فإنه لولا انكسار الشعاع إذا مر بالهواء لكان الظل أكثر امتدادا. ولكن بسبب الانكسار فإن ظل الكرة الأرضية عامة والظل أي ظل- يكون مقبوضا انقباضا يسيرا وهو موضوع مفصل هناك، وقد تحدث عن ذلك صاحب الظاهرة القرآنية. والآية الثانية: هي قوله تعالى: تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً ففي قراءة حمزة وعلي سِراجاً والسرج: جمع سراج، والسراج هو الشمس، فالآية تشير إلى وجود شموس لا شمس واحدة. وهذا معنى لم يعرفه الناس إلا في عصرنا. ففي عصرنا عرف الناس أن كل هذه النجوم إنما هي شموس كشمسنا، إلا أنها لبعدها عنا ترى صغيرة. وعلى هذه القراءة فينبغي أن تفسر البروج بأنها مسارات النجوم أو أفلاكها.

стр. 3688

ومن مثل هذه الدقائق في القرآن وغيرها نعلم أن هذا القرآن أنزله الذي يعلم السر في السموات والأرض. ٦ - من أعظم الأخطاء الضخمة التي وقع فيها بعض المسلمين أنهم فهموا من قوله تعالى: أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً* أنه لم يرد بالسماء هنا السحاب، وإنما أراد بها السماء الغيبية التي هي سكن الملائكة، وسبب هذا الخطأ كلمة قالها خالد بن يزيد الأموي وخالد ليس إماما في اللغة، ولا في الفقه، ولا في التفسير. وكلمته تناقض صريح القرآن كقوله تعالى: أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً ذكرنا هذا هنا لأن ابن كثير أورد قول خالد بن يزيد عند قوله تعالى وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً فليلحظ القارئ ذلك. ٧ - من معجزات الإسلام ما قاله ابن عباس وابن مسعود كما نقله عنهما ابن كثير: «ليس عام بأكثر مطرا من عام ولكن الله يصرفه كيف يشاء، ثم قرأ هذه الآية: وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً إن هذا المعنى الذي ذكره ابن مسعود وابن عباس هو الذي يثبته علماء الكون الآن، إذ يقولون إن نسبة التبخر والأمطار في العالم لا تزيد ذرة في عام عن عام لأن الحرارة التي تأخذها الأرض سنويا لا تزيد ولا تنقص، وإنما المطر ينزل في مكان ما أكثر من مكان، وهذا عين ما أثبته ابن مسعود وابن عباس في تفسيرهما للآية. ٨ - إن فهم قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً إن فهم هذه الآية على الكمال والتمام متوقف على فهم دورة المياه العالمية، وفهم خصائص ماء البحار والأنهار، وكلما عرف الإنسان سرا من أسرار ذلك أدرك شيئا من حكمة الله في هذا الموضوع، وأدرك مظهرا من مظاهر علم الله وقدرته وعنايته بهذا الإنسان. ٩ - في قوله تعالى: وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً معنى عميق جدا، وسر من أسرار كفر الكثيرين، إن كثيرين من الناس يعللون الأشياء على أنها ظواهر طبيعية، فالمطر ينزل بسبب مجموعة من العوامل الطبيعية، والنبات يخرج بسبب مجموعة من العوالم الطبيعية، ونحن لا ننفي القوانين والأسباب، ولكنا نقول إن كل شئ بعلم الله وإرادته وقدرته، فإن يزعم زاعم أنه لا تدخل لله في ظواهر الكون

стр. 3689

فذلك كفر، والآية في شطرها الأخير تشير إلى هذا النوع من الكفر. قال عكرمة: يعني الذين يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا، وهذا الذي قاله عكرمة ورد في الحديث المخرج في صحيح مسلم عن رسول الله ﷺ أنه قال لأصحابه يوما على إثر سماء أصابتهم من الليل «أتدرون ماذا قال ربكم؟» قالوا الله ورسوله أعلم، قال: «قال أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذاك مؤمن بي كافر بالكواكب، وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذاك كافر بي مؤمن بالكواكب». ١٠ - قلنا في أكثر من مكان في هذا التفسير إن الحادثة الواحدة قد يكون لها سبب حسي وسبب غيبي، وإن كل الأسباب الحسية والغيبية إنما هي بعلم الله وإرادته وقدرته، ومن ذلك موضوع المطر، فهناك أسباب حسية له، هي ما نراه من مجموعة العوامل المؤثرة فيه، وهناك سبب غيبي له علاقة بعالم الملائكة والكل بأمر الله، وابن كثير ينقل في هذا المقام حديثا مرسلا أخرجه ابن أبي حاتم حول صلة الملائكة بموضوع المطر. قال: وقال عمر مولى عقبة: كان جبريل ﵇ في موضع الجنائز فقال له النبي ﷺ : «يا جبريل إني أحب أن أعلم أمر السحاب» قال: فقال له جبريل: يا نبي الله هذا ملك السحاب فسله، فقال: تأتينا صكاك مختمة: اسق بلاد كذا وكذا: كذا قطرة، وكذا وكذا: كذا قطرة» رواه ابن أبي حاتم وهو حديث مرسل. ١١ - بمناسبة قوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ قال ابن كثير: وقد اتفق العلماء ﵏ على أن هذه السجدة التي في الفرقان مشروع السجود عندها لقارئها ومستمعها، كما هو مقرر في موضعه. أقول: من الملاحظ أن سورة مريم وسورة الفرقان كلتاهما فيها سجدة. والملاحظ بحسب اجتهادنا أن كلا من السورتين كان محورها الآية: كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ١٢ - وبمناسبة قوله تعالى: وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً قال ابن كثير: (وليس المراد أنهم يمشون كالمرضى تصنعا ورياء، فقد كان سيد ولد آدم ﷺ إذا مشى كأنما ينحط من صبب، وكأنما الأرض تطوى له. وقد كره بعض السلف المشي بتضعف وتصنع، حتى روي عن عمر أنه رأى شابا يمشي رويدا فقال ما بالك أأنت مريض؟ قال: لا يا أمير المؤمنين، فعلاه بالدرة وأمره أن يمشي بقوة، وإنما المراد بالهون هنا السكينة والوقار، كما قال رسول الله ﷺ «إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها

стр. 3690

وأنتم تسعون وائتوها وعليكم السكينة فما أدركتم منها فصلوا وما فاتكم فأتموا». وقال عبد الله بن المبارك عن معمر عن عمر بن المختار عن الحسن البصري في قوله: وَعِبادُ الرَّحْمنِ الآية قال: إن المؤمنين قوم ذلل، ذلت منهم والله الأسماع والأبصار والجوارح حتى يحسبهم الجاهل مرضى، وما بالقوم من مرض، وإنهم- والله- لأصحاء، ولكنهم دخلهم من الخوف ما لم يدخل غيرهم، ومنعهم من الدنيا علمهم بالآخرة، فقالوا: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن. أما والله ما أحزنهم ما أحزن الناس، ولا تعاظم في نفوسهم شئ طلبوا به الجنة، ولكن أبكاهم الخوف من النار، إنه من لم يتعز بعزاء الله تقطع نفسه على الدنيا حسرات، ومن لم ير لله نعمة إلا في مطعم أو مشرب، فقد قل علمه وحضر عذابه») ١٣ - بمناسبة قوله تعالى: وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً قال ابن كثير. وروى الإمام أحمد .. عن النعمان بن مقرن المزني قال: قال رسول الله ﷺ : وسب رجل رجلا عنده فجعل المسبوب يقول: عليك السلام: فقال رسول الله ﷺ : «أما إن ملكا بينكما يذب عنك، كلما شتمك هذا، قال له: بل أنت وأنت أحق به، وإذا قلت له وعليك السلام قال: لا بل عليك وأنت أحق به» إسناده حسن ولم يخرجوه. ١٤ - بمناسبة قوله تعالى عن جهنم إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً ذكر ابن كثير: الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن عبدا في جهنم لينادي ألف سنة يا حنان يا منان، فيقول الله لجبريل اذهب فائتني بعبدي هذا، فينطلق جبريل فيجد أهل النار مكبين يبكون، فيرجع إلى ربه فيخبره، فيقول الله ائتني به، فإنه في مكان كذا وكذا فيجيء به، فيوقفه على ربه فيقول له: يا عبدي كيف وجدت مكانك ومقيلك؟ فيقول: يا رب شر مكان وشر مقيل، فيقول الله : ردوا عبدي، فيقول: يا رب ما كنت أرجو إذ أخرجتني منها أن تردني فيها، فيقول الله دعوا عبدي». ١٥ - بمناسبة قوله تعالى: وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً ذكر ابن كثير: روى الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «ما عال من اقتصد» لم يخرجوه. وروى الحافظ أبو بكر البزار .. عن حذيفة

стр. 3691

قال: قال رسول الله ﷺ : «ما أحسن القصد في الغنى، وما أحسن القصد في الفقر وما أحسن القصد في العبادة». ثم قال لا نعرفه يروى إلا من حديث حذيفة ﵁. وقال الحسن البصري ليس في سبيل الله سرف، وقال إياس بن معاوية: ما جاوزت به أمر الله تعالى فهو سرف. وقال غيره: السرف النفقة في معصية الله . ١٦ - بمناسبة قوله تعالى: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ ذكر ابن كثير بعض الأحاديث نختار منها ما يلي: روى الإمام أحمد عن عبد الله هو ابن مسعود قال: سئل رسول الله ﷺ أي الذنب أكبر؟ قال: «أن تجعل لله ندا وهو خلقك». قال ثم أي؟ قال: «أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك». قال: ثم أي؟ قال «أن تزاني حليلة جارك». قال عبد الله وأنزل الله تصديق ذلك وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ الآية وهكذا رواه النسائي وقد أخرجه البخاري ومسلم. وروى الإمام أحمد .. قال رسول الله ﷺ لأصحابه: «ما تقولون في الزنا؟ قالوا: حرمه الله ورسوله فهو حرام إلى يوم القيامة. فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: «لئن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره» قال: «فما تقولون في السرقة؟» قالوا: حرمها الله ورسوله فهي حرام. قال: «لئن يسرق الرجل من عشرة أبيات أيسر عليه من أن يسرق من بيت جاره». وروى أبو بكر بن أبي الدنيا عن الهيثم بن مالك الطائي عن النبي ﷺ قال: «ما من ذنب بعد الشرك أعظم عند الله من نطفة وضعها رجل في رحم لا يحل له». وروى ابن جرير عن سعيد بن جبير أنه سمع ابن عباس يحدث أن ناسا من أهل الشرك، قتلوا فأكثروا، ثم أتوا محمدا ﷺ فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن، لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة، فنزلت وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ الآية ونزلت: قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ الآية، وروى ابن أبي حاتم عن عمرو عن أبي فاختة قال: قال رسول الله ﷺ لرجل: «إن الله ينهاك أن تعبد المخلوق وتدع الخالق، وينهاك أن تقتل ولدك وتغذو كلبك. وينهاك أن تزني بحليلة جارك». قال سفيان وهو قوله تعالى وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ الآية.

стр. 3692

١٧ - بمناسبة قوله تعالى: إِلَّا مَنْ تابَ الواردة بعد الآية التي تذكر الشرك والزنا والقتل. قال ابن كثير: وفي ذلك دلالة على صحة توبة القاتل، ولا تعارض بين هذه وبين آية النساء وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً الآية؛ فإن هذه وإن كانت مدنية- إلا إنها مطلقة، فتحمل على من لم يتب، لأن هذه مقيدة بالتوبة. ثم قد قال الله تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ الآية. وقد ثبتت السنة الصحيحة عن رسول الله ﷺ بصحة توبة القاتل، كما ذكر مقررا من قصة الذي قتل مائة رجل ثم تاب فقبل الله توبته، وغير ذلك من الأحاديث وقوله تعالى: فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً أقول: وقد تكلمنا عن هذا الموضوع في سورة النساء فراجعه. ١٨ - رأينا أن في قوله تعالى: فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ اتجاهين نقلناهما في التفسير. والاتجاه الثاني هو الذي رجحه ابن كثير وذكر أن الأحاديث والآثار تشهد له فقال: «فعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إني لأعرف آخر أهل النار خروجا من النار. وآخر أهل الجنة دخولا إلى الجنة، يؤتى برجل فيقول نحوا عنه كبار ذنوبه، وسلوه عن صغارها، قال فيقال له: عملت يوم كذا: كذا وكذا، وعملت يوم كذا: كذا وكذا وكذا، فيقول: نعم لا يستطيع أن ينكر من ذلك شيئا فيقال: فإن لك بكل سيئة حسنة، فيقول: يا رب عملت أشياء لا أراها هاهنا». قال فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه» انفرد بإخراجه مسلم. وروى الحافظ أبو القاسم الطبراني عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : إذا نام ابن آدم قال الملك للشيطان اعطني صحيفتك فيعطيه إياها، فما وجد في صحيفته من حسنة محابها عشر سيئات من صحيفة الشيطان، وكتبهن حسنات، فإذا أراد أحدكم أن ينام فليكبر ثلاثا وثلاثين تكبيرة، ويحمد أربعا وثلاثين تحميدة، ويسبح ثلاثا وثلاثين تسبيحة، فتلك مائة» وروى ابن أبي حاتم عن سلمان قال: يعطى الرجل يوم القيامة صحيفته، فيقرأ أعلاها فإذا سيئاته، فإذا كاد يسوء ظنه نظر في أسفلها فإذا حسناته، ثم ينظر في أعلاها فإذا هي قد بدلت حسنات. وروى أيضا عن أبي هريرة قال: ليأتين الله بأناس يوم القيامة رأوا أنهم قد استكثروا من السيئات. قيل من هم يا أبا هريرة؟ قال: الذين يبدل الله سيئاتهم حسنات، وروى أيضا عن أبي الصيف وكان من أصحاب معاذ بن جبل. قال: يدخل أهل الجنة على أربعة أصناف: المتقين ثم الشاكرين ثم الخائفين ثم أصحاب اليمين قلت: لم سموا أصحاب

стр. 3693

اليمين؟ قال: لأنهم قد عملوا بالسيئات والحسنات، فأعطوا كتبهم بأيمانهم، فقرءوا سيئاتهم حرفا حرفا، وقالوا: يا ربنا هذه سيئاتنا فأين حسناتنا. فعند ذلك محا الله السيئات، وجعلها حسنات، فعند ذلك قالوا هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ فهم أكثر أهل الجنة. وقال علي بن الحسين زين العابدين يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ قال في الآخرة وقال مكحول يغفرها لهم فيجعلها حسنات رواهما ابن أبي حاتم، وروى ابن جرير عن سعيد بن المسيب مثله. قال ابن أبي حاتم، حدثنا أبو جابر أنه سمع مكحولا يحدث قال: جاء شيخ كبير هرم قد سقط حاجباه على عينيه فقال يا رسول الله رجل غدر وفجر، ولم يدع حاجة ولا داجة إلا اقتطفها بيمينه، لو قسمت خطيئته بين أهل الأرض لأوبقتهم، فهل له من توبة؟ فقال النبي ﷺ : «أأسلمت؟» فقال: أما أنا فأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله فقال النبي ﷺ : «فإن الله غافر لك غدراتك وفجراتك، ومبدل سيئاتك حسنات ما كنت كذلك» فقال يا رسول الله وغدراتي وفجراتي؟ فقال: «وغدراتك وفجراتك». فولى الرجل يكبر ويهلل. وروى الطبراني عن أبي فروة أنه أتى رسول الله ﷺ فقال: أرأيت رجلا عمل الذنوب كلها ولم يترك حاجة ولا داجة فهل له من توبة؟ فقال: «أسلمت؟» قال نعم، قال «فافعل الخيرات واترك السيئات، فيجعلها الله لك خيرات كلها». قال وغدراتي وفجراتي؟ قال «نعم» فما زال يكبر حتى توارى. ورواه الطبراني عن أبي هريرة ﵁ قال: جاءتني امرأة فقالت هل لي من توبة؟ إني زنيت وولدت وقتلته، فقلت: لا ولا نعمت العين ولا كرامة، فقامت وهي تدعو بالحسرة، ثم صليت مع النبي ﷺ الصبح فقصصت عليه ما قالت المرأة، وما قلت لها فقال رسول الله ﷺ : «بئسما قلت أما تقرأ هذه الآية»؟ وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ إلى قوله إِلَّا مَنْ تابَ الآية فقرأتها عليها فخرت ساجدة وقالت الحمد لله الذي جعل لي مخرجا، وهذا حديث غريب من هذا الوجه وفي رجاله من لا يعرف والله أعلم. وقد رواه ابن جرير بسنده بنحوه وعنده فخرجت تدعو بالحسرة وتقول يا حسرتا أخلق هذا الحسن للنار؟ وعنده أنه لما رجع من عند رسول الله ﷺ فطلبها في جميع دور المدينة فلم يجدها، فلما كان من الليلة المقبلة جاءته فأخبرها بما قال رسول الله ﷺ فخرت ساجدة وقالت: الحمد لله الذي جعل لي مخرجا وتوبة مما عملت. وأعتقت جارية كانت معها وابنتها، وتابت إلى الله »

стр. 3694

١٩ - بمناسبة قوله تعالى: وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ يذكر ابن كثير الحديث المروي في الصحيحين عن أبي بكرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟» ثلاثا، قلنا بلى يا رسول الله. قال: «الشرك بالله وعقوق الوالدين، وكان متكئا فجلس فقال: ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور». فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت، إلا أن ابن كثير يرجح أن الآية تريد معنى أوسع من المعنى المراد بالحديث. ٢٠ - بمناسبة قوله تعالى: وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً قال ابن كثير: روى ابن أبي حاتم عن إبراهيم بن ميسرة أن ابن مسعود مر بلهو فلم يقف، فقال رسول الله ﷺ : «لقد أصبح ابن مسعود وأمسى كريما» .. وعن ميسرة قال بلغني أن ابن مسعود مر بلهو معرضا فلم يقف، فقال رسول الله ﷺ : «لقد أصبح ابن مسعود وأمسى كريما» ثم تلا إبراهيم بن ميسرة وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً ٢١ - بمناسبة قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ قال ابن كثير: (يعني الذين يسألون الله أن يخرج من أصلابهم ومن ذرياتهم من يطيعه ويعبده وحده لا شريك له، قال ابن عباس: يعنون من يعمل بطاعة الله، فتقر به أعينهم في الدنيا والآخرة. قال عكرمة: لم يريدوا بذلك صباحة ولا جمالا وإنما أرادوا أن يكونوا مطيعين. وسئل الحسن البصري عن هذه الآية فقال: أن يري الله العبد المسلم من زوجته ومن أخيه ومن حميمه طاعة الله، والله لا شئ أقر لعين المسلم من أن يرى ولدا أو ولد ولد أو أخا أو حميما مطيعا لله). قال ابن جريج في قوله: هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ قال: يعبدونك فيحسنون عبادتك، ولا يجرون علينا الجرائر، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يعني يسألون الله تعالى لأزواجهم وذرياتهم أن يهديهم للإسلام، وروى الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه قال: جلسنا إلى المقداد بن الأسود يوما فمر به رجل فقال: طوبى لهاتين العينين اللتين رأيا رسول الله ﷺ ، لوددنا أنا رأينا ما رأيت، وشهدنا ما شهدت، فاستغضب المقداد، فجعلت أعجب لأنه ما قال إلا خيرا ثم أقبل إليه فقال: ما يحمل الرجل على أن يتمنى محضرا غيبه الله عنه، لا يدري لو شهده كيف يكون فيه، والله لقد حضر رسول الله ﷺ أقواما أكبهم الله على مناخرهم في جهنم، لم يجيبوه ولم يصدقوه، أولا تحمدون الله إذ أخرجكم من بطون أمهاتكم لا

стр. 3695

تعرفون إلا ربكم مصدقين بما جاء به نبيكم، قد كفيتم البلاء بغيركم؟ لقد بعث الله النبي ﷺ على أشر حال بعث عليها نبيا من الأنبياء، في فترة جاهلية، ما يرون أن دينا أفضل من عبادة الأوثان، فجاء بفرقان فرق به بين الحق والباطل، وفرق بين الوالد وولده، إن كان الرجل ليرى والده وولده وأخاه كافرا، وقد فتح الله قفل قلبه للإيمان، يعلم أنه إن هلك دخل النار، فلا تقر عينه وهو يعلم أن حبيبه في النار، وإنها التي قال الله تعالى: وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وهذا إسناد صحيح ولم يخرجوه. ٢٢ - بمناسبة قوله تعالى: وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً قال ابن كثير: قال ابن عباس والحسن والسدي وقتادة والربيع بن أنس: أئمة يقتدى بنا في الخير. وقال غيرهم هداة مهتدين دعاة إلى الخير، فأحبوا أن تكون عبادتهم متصلة بعبادة أولادهم وذرياتهم، وأن يكون هداهم متعديا إلى غيرهم بالنفع، وذلك أكثر ثوابا، وأحسن مآبا، ولهذا ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: ولد صالح يدعوا له، أو علم ينتفع به من بعده، أو صدقة جارية». كلمة في سورة الفرقان: نلاحظ أن آية كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ قد فصلتها نوع تفصيل سورة مريم. ثم جاءت سورة الفرقان ففصلتها تفصيلا آخر، وعند ما نجد آية في سورة البقرة تفصل مرة بعد مرة، فهذا يفيد أن هذه الآية قد تعرضت لمعنى مهم جدا. وفي هذه الحالة فإن كل سورة تفصلها تكمل الأخرى في تعميق كل ما له علاقة في موضوعها. ... ومن ثم نلاحظ أن سورة مريم عرضت لذكر الرسل، وبعثة محمد ﷺ ، بعد أن خلف الرسل خلف سوء، وكيف أن محمدا أنزل عليه القرآن لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا ثم جاءت سورة الفرقان تعرض بشكل مباشر مواقف الكافرين من البشير النذير، ومن الكتاب الذي أنزل عليه، وترد الردود المفحمة والقاطعة، ولذلك فإنك تجد في السورة الحجج البالغة العجيبة:

стр. 3696

قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ. أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ... وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا ... تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً وكل من هذه الآيات في محلها فيها معجزة وإعجاز وقد رأينا ذلك. .. إنه بعد التكليفات الكثيرة في سورة النور تأتي سورة الفرقان لتعمق الإيمان، وترقي المسلم، وتثبته على الاستقامة، وتفرق بين ما هو حق وما هو باطل. وتحدد معالم الباطل الرئيسية وتحدد معالم الحق الرئيسية، وتؤكد على التمسك بالأخلاق الأساسية، وتربي الإيمان العميق بالنذير والقرآن والتوحيد، وتعرف على الله منزل القرآن ومرسل النذير. إن بدء السورة بقوله تعالى: تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً ثم مجيء قوله تعالى في أواخر السورة: تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً إن في ذلك تعريفا لنا على الله، إلى أن الله يعرف بالقرآن، ويعرف بالخلق، وإن في قوله تعالى: الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً ما يدل على أن معرفة الله حق المعرفة هدف من أهداف السورة الكبري؛ لارتباط كل شئ بهذا الأصل، فما وقع البشر بخطإ إلا كأثر عن معرفة قاصرة ناقصة لله تعالى. ... وكما عمقت السورة بشكل غير مباشر معرفة الله، فإنها عمقت معنى العبودية لله، وهو موضوع قد حدث خلل كبير بسببه في التفكير البشري، إذ نقطة البداية في الهداية والضلال: هل الإنسان حر غير مسئول، أو عبد لله مسئول أمامه؟ لقد نصبت كتابات كتاب في العالم في عصرنا على تعميق حرية الإنسان، وعدم مسئوليته أمام الله، وكانت آخر قفزة لهذه الفكرة هي الفلسفة الوجودية، التي أعطت هذه الفكرة كل أبعادها الفلسفية، وزخرفتها الكاذبة، وهي الفلسفة التي توافق الأهواء البشرية؛ إذ تطلق للإنسان حريته الشهوانية، فلا عبادة، ولا التزام، ولا ضبط للشهوات، إطلاقا لها مع الرفض والتمرد، وهي فكرة غير جديدة في تاريخ البشرية، بل تعبير مستمر في

стр. 3697

الحياة البشرية عن الانفلات من كل قيد، وقد عالجت السورة هذا الموضوع أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ كما عالجت مواضيع أخرى. إن السورة تضيف على التكوين العالي للمسلم لبنة هي في محلها لبنة لا ينوب غيرها منابها. ***

стр. 3698

بين يدي السور الثلاث: طسم الشعراء، طس النمل، طسم القصص هذه السور الثلاث هي نهاية المجموعة المبدوءة ب (طه) فهي كلها مبدوءة بحرف (الطاء) ثم لا يظهر حرف الطاء في فواتح سور القرآن مرة أخرى، وهي تشبه سورة طه. فقصة موسى ترد في السور الأربع، ومن مجيء سورة العنكبوت بعد هذه السور، وهي مبدوءة ب (الم) نشعر بأن هذه السور الثلاث هي نهاية قسم المئين، ونلاحظ أن بداية السور الثلاث متشابهة ليست فقط في الأحرف بل في الافتتاح كذلك فسورة الشعراء بدايتها: طسم تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ وسورة النمل بدايتها: طس تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ وسورة القصص بدايتها طسم تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ فكأن السور الثلاث تصب في بحر واحد، وتتحدث عن محور واحد، وعند ما نبحث عن محور لهذه السور الثلاث بعد محور سورة الفرقان يناسب المقدمة، ويتفق مع مضمون هذه السور، فإننا نجده في سورة البقرة بعد قصة طالوت في آخر آية من الجزء الثاني وهي تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ حتى إنك لتجد مقدمة سورة القصص- وهي السورة الأخيرة من هذه السور الثلاث- قد استعملت أكثر ألفاظ هذه الآية: طسم تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ* نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ. لاحظ الصلة القائمة بين هذه الألفاظ وألفاظ الآية التي اعتبرناها محورا للسور الثلاث: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ وسنرى بالتفصيل صلة مضمون هذه السور الثلاث بهذه الآية التي ذكرنا أنها محور لهذه السور. ... ونلاحظ أن آية سورة البقرة: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ آتية في السياق البعيد لقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ* فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ

стр. 3699

الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ وفي السياق القريب لقوله تعالى أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى ومن ثم نلاحظ أن قصة موسى قد وردت في السور الثلاث وأن لبني إسرائيل حظا من الذكر في السور الثلاث، يعطي المسلمين عبرا كثيرة. كما أن السور الثلاث تعمق الكثير من المعاني التي تخدم موضوع الدخول في الإسلام. ... ومن خلال ما قدمناه تتبين لنا بعض الخصائص العريضة لهذه السور الثلاث: ١ - أن السور الثلاث تعرض لنا نماذج من آيات هذا القرآن ومعجزاته. ٢ - أن السور الثلاث تحدثنا عن نماذج من النبوات تأتي نبوة محمد ﷺ حلقة من حلقاتها، بل الحلقة الأخيرة فيها. ٣ - وأن السور الثلاث من خلال البيان والقدوة ستعطينا معاني عليا من الإسلام في جوانب متعددة من الحياة. ٤ - وأن القصة، وأخذ الدروس منها هي الطريقة المتبعة فيها، وذلك ينسجم مع كون آية المحور آتية بعد قصة طالوت. ... ومع أن السور الثلاث تفصل محورا واحدا يفصل لأول مرة بسور مستقلة، فإن لكل سورة خصائصها الخاصة، ومواصفاتها الخاصة وطريقتها الخاصة، وأسلوبها الخاص، وجرسها الخاص، ومعانيها الخاصة. ومن ثم فإنك تجد في السور الثلاث من الإعجاز أنواعا من حيث صلة السور بعضها ببعض، ومن حيث كونها تفصل محورا واحدا، كل منها يفصله بشكل ولون خاصين، ولكل منها نكهة وعبير خاصان، مع التنوع في العرض والانتقاء للمعنى والروعة في اللفظ بشكل عجيب، يجل عن طوق البشر، أفلا يعقل الكافرون فيسترون جهلهم ولو بالسكوت، بدلا من أن يثرثروا مثبتين بثرثرتهم أنهم يفتقدون العقل والحس والذوق والفطرة، والتمييز بين الحق والباطل.

стр. 3700

سورة الشعراء وهي السورة السادسة والعشرون بحسب الرسم القرآني وهي السورة السابعة من المجموعة الثالثة من قسم المئين وآياتها مائتان وسبع وعشرون آية وهي مكية وهي السورة الأولى من زمرة الطاسينات

стр. 3701

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم

стр. 3702

[قال الألوسي في تقديمه لسورة الشعراء:] قال الألوسي في تقديمه لسورة الشعراء: (وفي تفسير الإمام مالك تسميتها بسورة الجامعة، وقد جاء في رواية ابن مردويه عن ابن عباس. وعبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهم إطلاق القول بمكيتها، وأخرج النحاس عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها نزلت بمكة سوى خمس آيات من آخرها نزلت بالمدينة وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ إلى آخرها، وروي ذلك عن عطاء وقتادة، وقال مقاتل: أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً الآية مدنية أيضا، قال الطبرسي: وعدة آياتها مائتان وسبع وعشرون آية في الكوفي. والشامي. والمدني الأول ومائتان وست وعشرون في الباقي. ووجه اتصالها بما قبلها اشتمالها على بسط وتفصيل لبعض ما ذكر فيما قبل، وفيها أيضا من تسليته ﷺ ما فيها، وقد افتتحت كلتا السورتين بما يفيد مدح القرآن الكريم، وختمتا بإيعاد المكذبين به كما لا يخفى). ... كلمة في سورة الشعراء ومحورها: قلنا إن محور سورة الشعراء هو قوله تعالى: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ. فلنلاحظ الآن ما يلي: بدأت السورة بقوله تعالى: طسم تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ ثم تأتي مقدمة تختم بقوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ* إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ* وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ. ثم تأتي قصة موسى ﵇ وتختم بقوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ* وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ. ثم تأتي قصة إبراهيم ﵇ وتختم بقوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ* وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ. ثم تأتي قصة نوح ﵇ وتختم بقوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ

стр. 3703

أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ* وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ثم تأتي قصة هود وقصة صالح وقصة لوط وقصة شعيب ﵈ وكل منها تختم بنفس الآيتين: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ* وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ.* ثم تأتي خاتمة السورة وهي مبدوءة بقوله تعالى: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ* نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ* عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ* بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ* وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ* أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ .... وفي أواخر السورة نجد: وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ ... فأنت ترى أن للسورة من أولها إلى آخرها صلة بقوله تعالى من سورة البقرة: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إن صلة السورة بهذه الآية واضحة، ومن ثم لم نتكلف إذ قلنا إن هذه الآية هي محور السورة. ... وعند قصة كل رسول في السورة نجد أن لازمة تتكرر، هذه اللازمة هي قول كل رسول لقومه فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ إن هذه الآية تتكرر في قصة كل رسول، إما مرة أو مرتين، ما عدا قصة موسى ﵇. حتى إذا وصلنا إلى خاتمة السورة وجدنا قوله تعالى: وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ. مما يدل على أن التقوى والطاعة هدفان بعث من أجلهما كل رسول فإذا تذكرنا أن محور السور آت في سياق قوله تعالى: ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً فهذا يعني أنه لا إسلام إلا بتقوى وطاعة. ... وفي كتابنا (جند الله ثقافة وأخلاقا) أبرزنا فكرة أن التقوى هي مطلب الله من كل عبد. فالإسلام مجموعة أحكام الله في كل شئ، ولكن ما يطالب به كل مسلم من هذا الإسلام هو التقوى. وقد شرحنا هناك ماهية التقوى في الاصطلاح الإسلامي، ولأن

стр. 3704

المسلم جزء من جماعة، ولأن مظهر التزامه بالجماعة هو الطاعة، فهناك تلازم بين التقوى والطاعة، غير أن الطاعة لرسول الله ﷺ لها شأن خاص، إذ بدون طاعة للرسول لا يكون الإنسان مسلما. إن التقوى والطاعة هما علامتا إسلام المسلم، وعلى قدر طاعته وتقواه يكون داخلا في الإسلام كله، ومن ثم كانت السورة تفصيلا لمحورها ضمن حيزه البعيد يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وكذلك هي تفصيل لمحورها ضمن حيزه القريب. فقصة طالوت تبرز أهمية الطاعة للقيادة المسلمة، وهي القصة التي تأتي قبل الآية التي هي محور سورة الشعراء مباشرة. ... هاتان ملاحظتان بارزتان حول سورة الشعراء، تبينان صحة ما ذهبنا إليه عن السورة ومحورها، وحيز هذا المحور، وهو موضوع سيتعمق من خلال السير في فهم السورة التي تتألف من مقدمة، وخاتمة، ومجموعة قصص. فلنبدأ عرض السورة. المقدمة: وهي المجموعة الأولى وتمتد من الآية (١) إلى نهاية الآية (٩) وهذه هي مع البسملة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١ الى ٩] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ طسم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ (٤) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلاَّ كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (٥) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٦) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (٧) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٩)

стр. 3705

التفسير: طسم تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ أي هذه آيات القرآن المبين الواضح الجلي، الذي يفصل بين الحق والباطل، والغي والرشاد، الظاهر إعجازه وإنه من عند الله. وهل الإشارة في قوله (تلك) إلى القرآن كله، أو إلى هذه السورة خاصة؟ قولان للعلماء. لَعَلَّكَ من الإشفاق باخِعٌ أي مهلك نَفْسَكَ أي مما تحرص وتحزن عليهم أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ أي لامتناع إيمانهم، أو خيفة ألا يؤمنوا. والمعنى: أشفق على نفسك أن تقتلها حسرة وحزنا على ما فاتك من إسلام قومك، وقد دلت الآية على أن حزن رسول الله ﷺ كان كبيرا على شرود قومه. وفي الآية تسلية من الله لرسوله ﷺ في عدم إيمان من لم يؤمن به من الكفار، بعد أن قامت الحجة عليهم بهذا القرآن إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ. أي منقادين. قال ابن كثير في الآية: (أي لو نشاء لأنزلنا آية نضطرهم إلى الإيمان قهرا ولكن لا نفعل ذلك؛ لأنا لا نريد من أحد إلا الإيمان الاختياري) وهذا يدل على أن الله قد أنزل من الآيات ما يكفي. وعنده المزيد لو شاء، ولكن أنزل بالقدر الذي تقوم به الحجة، ويتم به الامتحان وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ قال ابن كثير: أي كلما جاءهم كتاب من السماء أعرض عنه أكثر الناس. وقال النسفي: (أي وما يجدد لهم الله بوحيه موعظة وتذكيرا إلا جددوا إعراضا عنه وكفرا به) هذا مع قيام الحجة وظهور الإعجاز ومرافقة المعجزات فَقَدْ كَذَّبُوا أي بما جاءهم من الحق فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ أي أخبار ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ هذا وعيد لهم وإنذار بأنهم سيعلمون إذا مسهم عذاب الله في الدنيا أو في الآخرة ما هو هذا القرآن الذي كانوا يستهزءون به، وسيأتيهم أنباؤه، وأحواله التي كانت خافية عنهم أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ أي صنف من النبات كَرِيمٍ أي محمود كثير المنفعة يأكل منه الناس والأنعام إِنَّ فِي ذلِكَ أي في إثبات تلك الأصناف لَآيَةً أي دلالة على قدرة الخالق وخلقه للأشياء وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ مع وجود الآية وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ في انتقامه من الكفرة، أو العزيز الذي عز على كل شئ وقهره وغلبه الرَّحِيمُ أي بخلقه فلا يعجل على من عصاه، بل يؤجله وينظره، ثم يأخذه أخذ عزيز مقتدر. أو الرحيم بمن تاب إليه وأناب.

стр. 3706

نقل: عند قوله تعالى: إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ. قال صاحب الظلال: (ولكنه- سبحانه- لم يشأ أن يجعل مع هذه الرسالة الأخيرة آية قاهرة. لقد جعل آيتها القرآن. منهاج حياة كاملة معجزا في كل ناحية: معجزا في بنائه التعبيري، وتنسيقه الفني، باستقامته على خصائص واحدة، في مستوى واحد، لا يختلف ولا يتفاوت، ولا تتخلف خصائصه، كما هي الحال في أعمال البشر، إذ يبدو الارتفاع والانخفاض والقوة والضعف في عمل الفرد الواحد، المتغير الحالات. بينما تستقيم خصائص هذا القرآن التعبيرية على نسق واحد، ومستوى واحد، ثابت لا يتخلف، يدل على مصدره الذي لا تختلف عليه الأحوال. معجزا في بنائه من حيث المعنى، وتناسق أجزائه وتكاملها، فلا فلتة فيه ولا مصادفة. كل توجيهاته وتشريعاته تلتقي وتتناسق وتتكامل، وتحيط بالحياة البشرية، وتستوعبها، وتلبيها وتدفعها، دون أن تتعارض جزئية واحدة من ذلك المنهاج الشامل الضخم مع جزئية أخرى، ودون أن تصطدم واحدة منها بالفطرة الإنسانية أو تقصر عن تلبيتها .. وكلها مشدودة إلى محور واحد، وإلى عروة واحدة، في اتساق لا يمكن أن تفطن إليه خبرة الإنسان المحدودة. ولا بد أن تكون هناك إحاطة مطلقة، غير مقيدة بقيود الزمان والمكان. هي التي أحاطت به هذه الإحاطة، ونظمته هذا التنظيم. معجزا في يسر مداخله إلى القلوب والنفوس، ولمس مفاتيحها، وفتح مغاليقها، واستجاشة مواضع التأثر والاستجابة فيها، وعلاجه لعقدها ومشكلاتها في بساطة ويسر عجيبين، وفي تربيتها وتصريفها وفق منهجه بأيسر اللمسات، دون تعقيد ولا لبس ولا معاضلة. لقد شاء الله أن يجعل هذا القرآن هو معجزة الرسالة، ولم يشأ أن ينزل آية قاهرة مادية تلوي الأعناق وتخضعها، وتضطرها إلى التسليم- ذلك أن هذه الرسالة الأخيرة رسالة مفتوحة للأمم كلها، وللأجيال كلها. وليست رسالة مغلقة على أهل زمان أو أهل مكان. فناسب أن تكون معجزتها مفتوحة كذلك للبعيد والقريب. لكل أمة ولكل جيل. والخوارق القاهرة لا تلوي إلا أعناق من يشاهدونها، ثم تبقى بعد ذلك قصة تروى، لا واقعا يشهد .. فأما القرآن فها هو ذا بعد أكثر من ثلاثة عشر قرنا

стр. 3707

كتاب مفتوح ومنهج مرسوم، يستمد منه أهل هذا الزمان ما يقوم حياتهم- لو هدوا إلى اتخاذه إمامهم- ويلبي حاجاتهم كاملة، ويقودهم بعدها إلى عالم أفضل، وأفق أعلى، ومصير أمثل. وسيجد فيه من بعدنا كثيرا مما لم نجده نحن، ذلك أنه يعطي كل طالب بقدر حاجته، ويبقى رصيده لا ينفد، بل يتجدد. ولكن لم يكونوا يفطنون إلى هذه الحكمة الكبرى. فكانوا يعرضون عما يتنزل عليهم من هذا القرآن العظيم حينا بعد حين) أقول: وقعت لرسولنا ﵊ معجزات كثيرة غير القرآن، ولكن القرآن هو معجزته الرئيسية ﵊، ولو شاء الله معجزة لا يبقى معها أحد إلا آمن لفعل، ولكنه لم يشأ ﷻ لحكمة، وهذا النوع من المعجزات هو المنفي في الآية. كلمة في السياق: حددت هذه المقدمة مجموعة معان: ١ - أن آيات هذا القرآن من الوضوح بالمكان البين وهذه السورة نموذج على البيان في الآيات والمعجزات. ٢ - بينت لرسول الله ﷺ أن الله قادر على أن ينزل من الآيات ما به يؤمن البشر إيمانا قسريا، وإن لله حكمة في كونه لا ينزل من الآيات إلا بالقدر الذي تقوم به الحجة الكاملة، ومن ثم فعلى رسول الله ﷺ ألا يحزن لعدم إيمان من لم يؤمن. ٣ - ومن ذكر الحقيقتين السابقتين ندرك حكمة إنزال الذكر على ما هو عليه، وندرك ضلال المعرضين، وكيف أن هؤلاء المعرضين المكذبين سيرون أن كل ما نزل في الذكر حق. ٤ - لفت الله النظر إلى آية من آياته العظمى، وهي كثرة ما خلق من أصناف النبات في هذه الأرض، وأنه مع وجود هذه الآية فإن أكثر الخلق لا يؤمنون. ثم ذكرنا الله بعزته ورحمته. هذه مجمل المعاني التي وردت في المقدمة لاحظ الآن صلتها بمحور السورة تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إن المقدمة تحدثت عن آيات هذا

стр. 3708

القرآن وأثبتت رسالة الرسول. وتحدثت عن كفاية هذه الآيات للإيمان، وعن موقف أكثر الخلق منها، وعن الحكمة في عدم إنزال آيات غير ما أنزل، ثم لفتت النظر إلى آية دالة على وجود الله، وهي أصناف النبات، ومع ذلك فإن الخلق لا يؤمنون، فالعلة فيهم ومنهم، وعلى الرسول أن يدرك ذلك وألا يحزن، ولكل ذلك صلة مباشرة بمحور السورة، ومن مقدمة السورة ندرك أن السورة ستعرض علينا نماذج من الآيات فيها بيان وفيها إقامة حجة، وفيها كفاية، وفيها تأكيد لكون محمد رسول الله ﷺ ، وفيها توجيه للرسول الأمين ﷺ ، ولذلك فإننا نجد أن في بداية السورة قوله تعالى: لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ وأن في خاتمتها قوله تعالى: وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ. ولننتقل إلى المجموعة الثانية. *** المجموعة الثانية «قصة موسى» وتمتد من الآية (١٠) إلى نهاية الآية (٦٨) وهذه هي: [سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٠ الى ٦٨] وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ (١١) قالَ رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤) قالَ كَلاَّ فَاذْهَبا بِآياتِنا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥) فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ (١٧) قالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ (١٩) قالَ فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (٢٠) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢١) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ (٢٢) قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٣) قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤) قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ (٢٥) قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦) قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧) قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨) قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩) قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠) قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ (٣٢) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ (٣٣) قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَماذا تَأْمُرُونَ (٣٥) قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (٣٦) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (٣٧) فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٣٨) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (٣٩) لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ (٤٠) فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (٤١) قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٢) قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٤٣) فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ (٤٤) فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (٤٥) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (٤٦) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (٤٨) قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (٤٩) قالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (٥٠) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (٥١) وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٥٢) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (٥٣) إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ (٥٥) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ (٥٦) فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ (٥٩) فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠) فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢) فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣) وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤) وَأَنْجَيْنا مُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦٨)

стр. 3709

ملاحظة أولى: كما أن محور السورة كان خطابا لرسول الله ﷺ : تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ فإننا نلاحظ أن كل مجموعة في السورة فيها خطاب مباشر لرسول الله ﷺ ، وفيها ذكر للآيات أو للقرآن: فمثلا في المقدمة نجد لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ونجد وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ كما نجد إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وفي قصة موسى نجد الآية الأولى فيها: وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى ونجد في خاتمتها: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ. ونجد أنه بعد كل قصة من القصص اللاحقة يتكرر قوله تعالى: وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ كما يتكرر قوله تعالى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً ونجد في خاتمة السورة: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ* نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ* عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ. وهكذا نجد توافقا كاملا بين السورة وبين الآية التي هي محورها من سورة البقرة. ملاحظة ثانية: نلاحظ أن مقدمة السورة بعد أن ذكرت أصناف النبات قالت: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ* وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ كما نلاحظ أن قصة موسى ختمت بقوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ* وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ كما نلاحظ أن كل قصة ذكرت في السورة ختمت بنفس الآيتين. وهذا يفيد أن على المتأمل والتالي أن يجد آية في كل ما ذكر إن كان مؤمنا، وأن غير المؤمن هو الذي لا يجد الآية في هذا، والتذكير باسم الله الرحيم في هذا المقام ينسجم مع ذكر الآية ويذكرنا بشكرها والتذكير باسم الله العزيز فيه إنذار للذين لا يرون الآية ولا يؤمنون، فإذا تذكرنا محور السورة تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عرفنا أن في كل مجموعة من السورة نموذجا على آيات الله التي أنزلها على رسولة ﷺ والتي فيها دليل رسالته، ومن ثم فإن على المؤمن أن يتذوق الآية في كل مجموعة من مجموعات هذه السورة.

стр. 3710

وبعد هاتين الملاحظتين فلنبدأ عرض قصة موسى ﵇: ... التفسير: وَإِذْ أي واذكر إذ نادى رَبُّكَ أي دعا ربك مُوسى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ أي الذين ظلموا أنفسهم بالكفر، وبنى إسرائيل بالاستعباد، وذبح الأولاد قَوْمَ فِرْعَوْنَ هم القوم الظالمون أَلا يَتَّقُونَ أي ائتهم زاجرا فقد آن لهم أن يتقوا دل ذلك على أن المهمة الأولى للرسول هي تربية التقوى في قلوب الناس، فمن لم يبدأ بتربية التقوى، أو لم يعرف كيف يربي عليها من الدعاة إلى الله لا يكون وارثا للرسول قالَ رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ الخوف هو: غم يلحق الإنسان لأمر سيقع وَيَضِيقُ صَدْرِي بتكذيبهم إياي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي بأن تغلبني الحمية على ما أرى من المحال، وأسمع من الجدال فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ أي أرسل إليه جبريل واجعله نبيا يعينني على الرسالة، وكان هارون بمصر حين بعث موسى وأوحي إليه عند الطور، ولم يكن هذا الالتماس من موسى ﵇ توقفا في الامتثال، بل التماس عون في تبليغ الرسالة. قال النسفي: وتمهيد العذر في التماس المعين على تنفيذ الأمر ليس بتوقف في امتثال الأمر، وكفى بطلب العون دليلا على التقبل لا على التعلل وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ أي تبعة تعللا بقتل من قتلته فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ أي قصاصا به. قال النسفي: وليس هذا تعللا أيضا بل استدفاع للبلية المتوقعة، وفرق من أن يقتل قبل أداء الرسالة. وهكذا شكا موسى إلى الله كل الاحتمالات الصعبة التي يتوقع أن تواجهه. وهذا يدل على تقدير صحيح منه ﵇ للموقف الذي يواجهه. ومن ثم فإن كل من يقوم بشأن الدعوة إلى الله عليه أن يقدر الموقف الذي يمكن أن يجابهه، ويطلب من الله العون والله معين، وقد وعد موسى بالحفظ والدفع عنه: قالَ كَلَّا كلمة ردع لما ستدفعه موسى من بلاء وهم، وهي هاهنا وعد، وعده الدفع بكلمة الردع ليردعه عن الخوف ثم قال: فَاذْهَبا أي أنت وهارون، دل ذلك على أنه استجاب دعاء موسى بالإرسال إلى هارون بِآياتِنا أي مع آياتنا وهي اليد والعصا وغير ذلك، وهذا يفيد أن كل رسول يعطى من الآيات ما به تقوم الحجة إِنَّا مَعَكُمْ أي معكما بالعون والنصرة، ومع من أرسلتما إليه بالعلم والقدرة مُسْتَمِعُونَ أي سامعون فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ ولم يثن الرسول هنا كما ثناه في سورة

стр. 3711

(طه) لأنهما لاتحادهما واتفاقهما على شريعة واحدة كأنهما رسول واحد أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ قال ابن كثير: أي أطلقهم من إسارك وقبضتك وقهرك، وتعذيبك، فإنهم عباد الله المؤمنون، وحزبه المخلصون، وهم معك في العذاب المهين، فلما قال له موسى ذلك أعرض فرعون هنالك بالكلية، ونظر إليه بعين الازدراء والفحص. فعند ذلك قالَ فرعون أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً أي ألم تكن صغيرا فربيناك وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ وهي الفترة قبل قتله القبطي وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ أي قتلك القبطي وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ أي الجاحدين. والمعنى: أما أنت الذي ربيناه فينا وفي بيتنا على فراشنا، وأنعمنا عليه مدة من السنين، ثم بعد هذا قابلت ذلك الإحسان بتلك الفعلة، أن قتلت منا رجلا، وجحدت نعمتنا عليك. والملاحظ أن موسى حدد مطلبا رئيسيا من فرعون، وهو الإذن لبني إسرائيل في الخروج من مصر وهو مطلب سياسي، فقد كان الهدف هو تحرير بني إسرائيل من العبودية، والملاحظ أن فرعون فر من الجواب على هذا المطلب الرئيسي بتذكير موسى بنعمته عليه. ملاحظة مهمة: في عصرنا وفي بلادنا حيث الصراع بين اليهود والعرب على فلسطين على أشده، يحاول كثيرون أن يحملوا على اليهود في كل العصور، والذي نقوله: إن اليهود عند ما كانوا مسلمين كانوا جزءا من الأمة الإسلامية في تاريخها الطويل، ولقد خرجوا من الأمة الإسلامية بكفرهم، وقد كفروا يوم رفضوا رسالة عيسى ﵇، وإذ كفروا فهم أعداؤنا ونحن أعداؤهم. وعلى هذا فكل يهودي بعد عيسى كافر، وقد تأكد هذا الكفر .. برفض اليهود لنبوة محمد ﷺ وبهذا الكفر خرجوا عن الأمة الإسلامية وأما إسحاق ويعقوب ويوسف وموسى وهارون وداود وسليمان فهم أنبياؤنا ورسلنا، وأتباعهم منا ونحن منهم، فكل الرسل وكل خلفائهم على مدى العصور، يشكلون أمة واحدة هي الأمة الاسلامية. ولنعد إلى التفسير والحوار الذي تم بين موسى وفرعون في الجلسة الأولى- جلسة تبليغ الرسالة .. ...

стр. 3712

فبعد أن فر فرعون من الجواب على طلب موسى، وبعد أن من عليه وأنبه على قتله القبطي قالَ موسى فَعَلْتُها إِذاً أي قتلت الرجل إذ ذاك وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ أي من الجاهلين بأن الفعلة تبلغ القتل، أو من الناسين، أو من الغافلين، أو قبل أن يكرمني الله بهداه ووحيه فأكون نبيا فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ إلى مدين لَمَّا خِفْتُكُمْ أن تقتلوني فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً أي نبوة وعلما، فزال عني الجهل والضلالة وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ أي من جملة رسله، وكأنه قال: لقد تغير الحال الأول وجاء أمر آخر، فقد أرسلني الله إليك فإن أطعته سلمت، وإن خالفته عطبت. كلمة في السياق: إذا تأملنا قوله تعالى على لسان موسى فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ فإننا نجد فيه نكهة شبيهة بقوله تعالى في سورة البقرة: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ وإنك لتلاحظ بشكل عام أن نكهة سورة الشعراء تشبه نكهة آية المحور، وذلك عدا عن كون معانيها تدور في فلك آية المحور. وهذا مظهر عظيم من أسرار هذا القرآن، فإنك لا تجد سورة فصلت آية من سورة البقرة إلا رأيت تشابها بين نكهة الآية والسورة. فإن تجد ذلك وأن تجد سورة البقرة ذات نكهة خاصة بها، وروح خاصة بها. فذلك وحده شئ عجيب. وذلك دليل على أن الله منزل هذا القرآن. ولنعد إلى التفسير لنرى تتمة جواب موسى لفرعون: ... وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ أي أن جعلت بني إسرائيل عبيدا أذلاء، رد على امتنانه عليه بالتربية فأبطله من أصله، وأبى أن تسمى هذه نعمة، لأن سببها هو تعبيد بني إسرائيل؛ لأن تعبيدهم وذبح أبنائهم هو السبب في حصوله عنده وتربيته ولو تركهم لرباه أبواه، فكأن فرعون امتن على موسى بتعبيد قومه، وإخراجه من حجر أبويه فكيف تسمى هذه نعمة؟ قال ابن كثير في تفسير الآية: أي أحسنت إلي وربيتني مقابل ما أسأت إلى بني إسرائيل فجعلتهم عبيدا وخدما، تصرفهم في أعمالك ومشاق رعيتك، أفيفي إحسانك إلى رجل واحد منهم بما أسأت إلى مجموعهم أي ليس ما ذكرته شيئا بالنسبة إلى ما فعلت بهم. وبهذا ختم موسى الرد على فرعون، وكان ردا في غاية القوة وفيه درس للمشتغلين بقضايا تحرير أقوامهم من ظالميهم وجلاديهم، ثم إن فرعون فر ثانية من الجواب،

стр. 3713

وطرح سؤالا. وذلك أن موسى أعلمه أنه رسول رب العالمين، وهو يدعي الربوبية، ففي دعوة موسى إبطال لدعواه. ومن ثم أخذ الحوار طابعا عقديا، ونلاحظ أن موسى في هذا الحوار يقابل الحجة بالحجة، والكلمة بالكلمة، لأن الصمت في مقام التبليغ إخلال بالتبليغ، وذلك درس لكل من يتصدى للدعوة إلى الله أو إلى شرعه قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ قال النسفي: أي إنك تدعي أنك رسول رب العالمين فما صفته. وقال ابن كثير: قال هذا له فرعون من الذي تزعم أنه رب العالمين غيري، هكذا فسره علماء السلف وأئمة الخلف ..... ومن زعم من أهل المنطق وغيرهم أن هنا سؤالا عن الماهية فقد غلط فإنه لم يكن مقرا بالصانع حتى يسأل عن الماهية، بل كان جاحدا له بالكلية فيما يظهر، وإن كانت الحجج والبراهين قد قامت عليه، فعند ذلك قال موسى لما سأله عن رب العالمين قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ أي إن كنتم تعرفون الأشياء بالدليل، فالإيقان هو العلم الذي يستفاد بالاستدلال، ولذا لا يقال الله موقن. والمعنى: إن كنتم تعرفون الأشياء بالدليل فكفى خلق هذه الأشياء دليلا، أو إن كان يرجى منكم الإيقان الذي يؤدي إليه النظر الصحيح نفعكم هذا الجواب وإلا لم ينفع فالله خالق السموات والأرض وما بينهما، ومالك جميع ذلك، والجميع عبيد له خاضعون، ومن كانت لهم قلوب موفقة، وأبصار نافذة عرفوا ذلك فعند ذلك التفت فرعون إلى من حوله من ملئه ورؤساء دولته قائلا لهم على سبيل التهكم والاستهزاء والتكذيب لموسى كما قال الله تعالى: قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ أي ألا تعجبون من هذا في زعمه أن لكم إلها غيري؟ قالَ لهم موسى رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ أي خالقكم وخالق آبائكم الأولين الذين كانوا قبل فرعون وزمانه، أي إن لم تستدلوا بغيركم فبأنفسكم، ولعله ذكر آباءهم لأن فرعون كان يدعي الربوبية على أهل عصره دون من تقدمهم قالَ أي فرعون إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ أي ليس له عقل في دعواه أن ثم ربا غيري قالَ موسى رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ فتستدلون بما أقول فتعرفون ربكم، قال النسفي. وهذا غاية الإرشاد، حيث عمم أولا بخلق السموات والأرض وما بينهما، ثم خصص ... أنفسهم وآباءهم لأن أقرب المنظور فيه من العاقل نفسه، ومن ولد منه، وما شاهد من أحواله من وقت ميلاده إلى وقت وفاته، ثم خصص المشرق والمغرب لأن طلوع الشمس من أحد الخافقين وغروبها في الآخر (كما يراه الناظر) على تقدير مستقيم في فصول السنة وحساب مستو من أظهر ما استدل به، ولظهوره انتقل إلى الاحتجاج به خليل الرحمن من الاحتجاج بالإحياء والإماتة على نمرود بن

стр. 3714

كنعان ... ، قال ابن كثير: لما غلب فرعون وانقطعت حجته عدل إلى استعمال جاهه وقوته وسلطانه، واعتقد أن ذلك نافع له، ونافذ في موسى ﵇ فقال ما أخبر الله تعالى عنه قالَ فرعون لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ قال ابن كثير: لما قامت الحجة على فرعون بالبيان والعقل، عدل إلى أن يقهر موسى بيده وسلطانه، فظن أنه ليس وراء هذا المقام مقال، وذلك ديدن كل ظالم، أن يلجأ إلى الإرهاب والتهديد به إذا خالفه الناس في مواقفه الظالمة. وقال النسفي: فلما تحير فرعون ولم يتهيأ له، أن يدفع ظهور آثار صنعه قال لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ أي لأجعلنك واحدا ممن عرفت حالهم في سجوني. وكان من عادته أن يأخذ من يريد سجنه فيطرحه في هوة ذاهبة في الأرض بعيدة العمق فردا لا يبصر ولا يسمع، فكان ذلك أشد من القتل، ولو قال لأسجننك لم يؤد هذا المعنى وإن كان أخصر قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ أي أتفعل بي ذلك ولو جئتك ببرهان قاطع واضح قالَ فَأْتِ بِهِ أي بالذي يبين صدقك إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ أن لك بينة، أي فأحضر ما يدل على صدقك فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ أي ظاهر واضح في غاية الجلاء والوضوح. قال النسفي: (أي ظاهر الثعبانية، لا شئ يشبه الثعبان، كما تكون الأشياء المزورة بالشعوذة والسحر وَنَزَعَ يَدَهُ أي من جيبه أي من فتحة عند القميص بعد أن وضعها تحت إبطه فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ قال النسفي: دليل على أن بياضها كان شيئا يجتمع النظارة على النظر إليه لخروجه عن العادة، وكان بياضها نوريا. وقال ابن كثير: أي تتلألأ كقطعة من القمر فبادره فرعون بشقاوته إلى التكذيب والعناد. قالَ فرعون لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ لمن حوله من أشراف مملكته ووجهائهم وأصحاب النفوذ والرأي فيهم إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ أي فاضل بارع في السحر فروج عليهم فرعون أن هذا من قبيل السحر لا من قبيل المعجزة، ثم هيجهم وحرضهم على مخالفته والكفر فيه فقال: يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَماذا تَأْمُرُونَ أي أراد أن يذهب بقلوب الناس معه بسبب هذا، فيكثر أعوانه وأنصاره وأتباعه ويغلبكم على دولتكم فيأخذ البلاد منكم فأشيروا علي فيه ماذا أصنع به من حبس أو قتل؟ قال النسفي: (لما تحير فرعون برؤية الآيتين، زل عنه، ذكر دعوى الإلهية، وحط عن منكبيه كبرياء الربوبية وارتعدت فرائصه خوفا، طفق يؤامر قومه الذين هم- بزعمه- عبيده وهو إلههم. أو جعلهم آمرين ونفسه مأمورا) وذلك دأب الطغاة يتظاهرون بأنهم منفذون لأوامر شعوبهم قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ أي أخر أمرهما ولا تباغت قتلهما خوفا من الفتنة

стр. 3715

وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ أي شرطا يجمعون السحرة يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ والمعنى: أخره وأخاه حتى تجمع من مدائن مملكتك وأقاليم دولتك كل سحار عليم يقابلونه ويأتون بنظير ما جاء به فتغلبه أنت وتكون لك النصرة والتأييد، فأجابهم إلى ذلك، وكان هذا من تسخير الله تعالى لهم في ذلك ليجتمع الناس في صعيد واحد وتظهر آيات الله وحججه وبراهينه على الناس جهرة فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ وهو يوم الزينة أي يوم العيد والميقات المحدد من ذلك اليوم هو وقت الضحى، لأنه الوقت الذي وقته لهم موسى ﵇ من يوم الزينة، كما ذكر ذلك في سورة طه وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ أي اجتمعوا وفي الصيغة ما يفيد استبطاء اجتماعهم. والمراد منه استعجالهم. واجتهد الناس في الاجتماع ذلك اليوم وقال قائلهم لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ في دينهم إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ أي إن غلبوا موسى في دينه، وليس غرضهم اتباع السحرة وإنما الغرض ألا يتبعوا موسى، فساقوا الكلام مساق الكناية، لأنهم إذا اتبعوهم لم يكونوا متبعين لموسى. قال ابن كثير: ولم يقولوا نتبع الحق، سواء كان من السحرة أو من موسى، بل الرعية على دين ملكهم فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قال ابن كثير: أي مجلس فرعون قالُوا لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ طلبوا منه الإحسان إليهم والتقريب قالَ فرعون نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ أي لكم أجر عندي وتكونون مع ذلك من المقربين عندي في المرتبة والجاه، وهكذا فعل فرعون كل ما في وسعه من أجل أن يغلب موسى، ولكن هيهات، فالأمر أكبر من ذلك، إنها الرسالة، وإنها المعجزة، وإن الله من ورائهم محيط قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ أي من السحر فسوف ترون عاقبته وقد اختصرت في هذا المقام بعض الحيثيات التي ذكرت في سور أخرى، لأن الهدف هنا هو إبراز النتيجة، وتصوير العاقبة فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ أقسموا بعزته وقوته أن لهم الغلبة، وهو من أيمان الجاهلية فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ أي تبتلع ما يَأْفِكُونَ أي ما يقلبونه عن وجهه وحقيقته بسحرهم ويزورونه ويخيلونه في حبالهم وعصيهم أنها حيات تسعى، فقد اختطفت ذلك كله وابتلعته، وجمعته من كل بقعة، فلم تدع منه شيئا فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ قال النسفي: عبر عن الخرور بالإلقاء بطريق المشاكلة، لأنه ذكر مع الإلقاءات، ولأنهم لسرعة ما سجدوا صاروا كأنهم ألقوا قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ وحتى لا يبقى لبس بمن أرادوا بكلامهم لأن فرعون يدعي الربوبية قالوا رَبِّ مُوسى وَهارُونَ قال
следующие страницы →