← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 3711–3750 · переход к 3716.

стр. 3711

(طه) لأنهما لاتحادهما واتفاقهما على شريعة واحدة كأنهما رسول واحد أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ قال ابن كثير: أي أطلقهم من إسارك وقبضتك وقهرك، وتعذيبك، فإنهم عباد الله المؤمنون، وحزبه المخلصون، وهم معك في العذاب المهين، فلما قال له موسى ذلك أعرض فرعون هنالك بالكلية، ونظر إليه بعين الازدراء والفحص. فعند ذلك قالَ فرعون أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً أي ألم تكن صغيرا فربيناك وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ وهي الفترة قبل قتله القبطي وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ أي قتلك القبطي وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ أي الجاحدين. والمعنى: أما أنت الذي ربيناه فينا وفي بيتنا على فراشنا، وأنعمنا عليه مدة من السنين، ثم بعد هذا قابلت ذلك الإحسان بتلك الفعلة، أن قتلت منا رجلا، وجحدت نعمتنا عليك. والملاحظ أن موسى حدد مطلبا رئيسيا من فرعون، وهو الإذن لبني إسرائيل في الخروج من مصر وهو مطلب سياسي، فقد كان الهدف هو تحرير بني إسرائيل من العبودية، والملاحظ أن فرعون فر من الجواب على هذا المطلب الرئيسي بتذكير موسى بنعمته عليه. ملاحظة مهمة: في عصرنا وفي بلادنا حيث الصراع بين اليهود والعرب على فلسطين على أشده، يحاول كثيرون أن يحملوا على اليهود في كل العصور، والذي نقوله: إن اليهود عند ما كانوا مسلمين كانوا جزءا من الأمة الإسلامية في تاريخها الطويل، ولقد خرجوا من الأمة الإسلامية بكفرهم، وقد كفروا يوم رفضوا رسالة عيسى ﵇، وإذ كفروا فهم أعداؤنا ونحن أعداؤهم. وعلى هذا فكل يهودي بعد عيسى كافر، وقد تأكد هذا الكفر .. برفض اليهود لنبوة محمد ﷺ وبهذا الكفر خرجوا عن الأمة الإسلامية وأما إسحاق ويعقوب ويوسف وموسى وهارون وداود وسليمان فهم أنبياؤنا ورسلنا، وأتباعهم منا ونحن منهم، فكل الرسل وكل خلفائهم على مدى العصور، يشكلون أمة واحدة هي الأمة الاسلامية. ولنعد إلى التفسير والحوار الذي تم بين موسى وفرعون في الجلسة الأولى- جلسة تبليغ الرسالة .. ...

стр. 3712

فبعد أن فر فرعون من الجواب على طلب موسى، وبعد أن من عليه وأنبه على قتله القبطي قالَ موسى فَعَلْتُها إِذاً أي قتلت الرجل إذ ذاك وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ أي من الجاهلين بأن الفعلة تبلغ القتل، أو من الناسين، أو من الغافلين، أو قبل أن يكرمني الله بهداه ووحيه فأكون نبيا فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ إلى مدين لَمَّا خِفْتُكُمْ أن تقتلوني فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً أي نبوة وعلما، فزال عني الجهل والضلالة وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ أي من جملة رسله، وكأنه قال: لقد تغير الحال الأول وجاء أمر آخر، فقد أرسلني الله إليك فإن أطعته سلمت، وإن خالفته عطبت. كلمة في السياق: إذا تأملنا قوله تعالى على لسان موسى فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ فإننا نجد فيه نكهة شبيهة بقوله تعالى في سورة البقرة: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ وإنك لتلاحظ بشكل عام أن نكهة سورة الشعراء تشبه نكهة آية المحور، وذلك عدا عن كون معانيها تدور في فلك آية المحور. وهذا مظهر عظيم من أسرار هذا القرآن، فإنك لا تجد سورة فصلت آية من سورة البقرة إلا رأيت تشابها بين نكهة الآية والسورة. فإن تجد ذلك وأن تجد سورة البقرة ذات نكهة خاصة بها، وروح خاصة بها. فذلك وحده شئ عجيب. وذلك دليل على أن الله منزل هذا القرآن. ولنعد إلى التفسير لنرى تتمة جواب موسى لفرعون: ... وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ أي أن جعلت بني إسرائيل عبيدا أذلاء، رد على امتنانه عليه بالتربية فأبطله من أصله، وأبى أن تسمى هذه نعمة، لأن سببها هو تعبيد بني إسرائيل؛ لأن تعبيدهم وذبح أبنائهم هو السبب في حصوله عنده وتربيته ولو تركهم لرباه أبواه، فكأن فرعون امتن على موسى بتعبيد قومه، وإخراجه من حجر أبويه فكيف تسمى هذه نعمة؟ قال ابن كثير في تفسير الآية: أي أحسنت إلي وربيتني مقابل ما أسأت إلى بني إسرائيل فجعلتهم عبيدا وخدما، تصرفهم في أعمالك ومشاق رعيتك، أفيفي إحسانك إلى رجل واحد منهم بما أسأت إلى مجموعهم أي ليس ما ذكرته شيئا بالنسبة إلى ما فعلت بهم. وبهذا ختم موسى الرد على فرعون، وكان ردا في غاية القوة وفيه درس للمشتغلين بقضايا تحرير أقوامهم من ظالميهم وجلاديهم، ثم إن فرعون فر ثانية من الجواب،

стр. 3713

وطرح سؤالا. وذلك أن موسى أعلمه أنه رسول رب العالمين، وهو يدعي الربوبية، ففي دعوة موسى إبطال لدعواه. ومن ثم أخذ الحوار طابعا عقديا، ونلاحظ أن موسى في هذا الحوار يقابل الحجة بالحجة، والكلمة بالكلمة، لأن الصمت في مقام التبليغ إخلال بالتبليغ، وذلك درس لكل من يتصدى للدعوة إلى الله أو إلى شرعه قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ قال النسفي: أي إنك تدعي أنك رسول رب العالمين فما صفته. وقال ابن كثير: قال هذا له فرعون من الذي تزعم أنه رب العالمين غيري، هكذا فسره علماء السلف وأئمة الخلف ..... ومن زعم من أهل المنطق وغيرهم أن هنا سؤالا عن الماهية فقد غلط فإنه لم يكن مقرا بالصانع حتى يسأل عن الماهية، بل كان جاحدا له بالكلية فيما يظهر، وإن كانت الحجج والبراهين قد قامت عليه، فعند ذلك قال موسى لما سأله عن رب العالمين قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ أي إن كنتم تعرفون الأشياء بالدليل، فالإيقان هو العلم الذي يستفاد بالاستدلال، ولذا لا يقال الله موقن. والمعنى: إن كنتم تعرفون الأشياء بالدليل فكفى خلق هذه الأشياء دليلا، أو إن كان يرجى منكم الإيقان الذي يؤدي إليه النظر الصحيح نفعكم هذا الجواب وإلا لم ينفع فالله خالق السموات والأرض وما بينهما، ومالك جميع ذلك، والجميع عبيد له خاضعون، ومن كانت لهم قلوب موفقة، وأبصار نافذة عرفوا ذلك فعند ذلك التفت فرعون إلى من حوله من ملئه ورؤساء دولته قائلا لهم على سبيل التهكم والاستهزاء والتكذيب لموسى كما قال الله تعالى: قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ أي ألا تعجبون من هذا في زعمه أن لكم إلها غيري؟ قالَ لهم موسى رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ أي خالقكم وخالق آبائكم الأولين الذين كانوا قبل فرعون وزمانه، أي إن لم تستدلوا بغيركم فبأنفسكم، ولعله ذكر آباءهم لأن فرعون كان يدعي الربوبية على أهل عصره دون من تقدمهم قالَ أي فرعون إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ أي ليس له عقل في دعواه أن ثم ربا غيري قالَ موسى رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ فتستدلون بما أقول فتعرفون ربكم، قال النسفي. وهذا غاية الإرشاد، حيث عمم أولا بخلق السموات والأرض وما بينهما، ثم خصص ... أنفسهم وآباءهم لأن أقرب المنظور فيه من العاقل نفسه، ومن ولد منه، وما شاهد من أحواله من وقت ميلاده إلى وقت وفاته، ثم خصص المشرق والمغرب لأن طلوع الشمس من أحد الخافقين وغروبها في الآخر (كما يراه الناظر) على تقدير مستقيم في فصول السنة وحساب مستو من أظهر ما استدل به، ولظهوره انتقل إلى الاحتجاج به خليل الرحمن من الاحتجاج بالإحياء والإماتة على نمرود بن

стр. 3714

كنعان ... ، قال ابن كثير: لما غلب فرعون وانقطعت حجته عدل إلى استعمال جاهه وقوته وسلطانه، واعتقد أن ذلك نافع له، ونافذ في موسى ﵇ فقال ما أخبر الله تعالى عنه قالَ فرعون لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ قال ابن كثير: لما قامت الحجة على فرعون بالبيان والعقل، عدل إلى أن يقهر موسى بيده وسلطانه، فظن أنه ليس وراء هذا المقام مقال، وذلك ديدن كل ظالم، أن يلجأ إلى الإرهاب والتهديد به إذا خالفه الناس في مواقفه الظالمة. وقال النسفي: فلما تحير فرعون ولم يتهيأ له، أن يدفع ظهور آثار صنعه قال لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ أي لأجعلنك واحدا ممن عرفت حالهم في سجوني. وكان من عادته أن يأخذ من يريد سجنه فيطرحه في هوة ذاهبة في الأرض بعيدة العمق فردا لا يبصر ولا يسمع، فكان ذلك أشد من القتل، ولو قال لأسجننك لم يؤد هذا المعنى وإن كان أخصر قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ أي أتفعل بي ذلك ولو جئتك ببرهان قاطع واضح قالَ فَأْتِ بِهِ أي بالذي يبين صدقك إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ أن لك بينة، أي فأحضر ما يدل على صدقك فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ أي ظاهر واضح في غاية الجلاء والوضوح. قال النسفي: (أي ظاهر الثعبانية، لا شئ يشبه الثعبان، كما تكون الأشياء المزورة بالشعوذة والسحر وَنَزَعَ يَدَهُ أي من جيبه أي من فتحة عند القميص بعد أن وضعها تحت إبطه فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ قال النسفي: دليل على أن بياضها كان شيئا يجتمع النظارة على النظر إليه لخروجه عن العادة، وكان بياضها نوريا. وقال ابن كثير: أي تتلألأ كقطعة من القمر فبادره فرعون بشقاوته إلى التكذيب والعناد. قالَ فرعون لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ لمن حوله من أشراف مملكته ووجهائهم وأصحاب النفوذ والرأي فيهم إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ أي فاضل بارع في السحر فروج عليهم فرعون أن هذا من قبيل السحر لا من قبيل المعجزة، ثم هيجهم وحرضهم على مخالفته والكفر فيه فقال: يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَماذا تَأْمُرُونَ أي أراد أن يذهب بقلوب الناس معه بسبب هذا، فيكثر أعوانه وأنصاره وأتباعه ويغلبكم على دولتكم فيأخذ البلاد منكم فأشيروا علي فيه ماذا أصنع به من حبس أو قتل؟ قال النسفي: (لما تحير فرعون برؤية الآيتين، زل عنه، ذكر دعوى الإلهية، وحط عن منكبيه كبرياء الربوبية وارتعدت فرائصه خوفا، طفق يؤامر قومه الذين هم- بزعمه- عبيده وهو إلههم. أو جعلهم آمرين ونفسه مأمورا) وذلك دأب الطغاة يتظاهرون بأنهم منفذون لأوامر شعوبهم قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ أي أخر أمرهما ولا تباغت قتلهما خوفا من الفتنة

стр. 3715

وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ أي شرطا يجمعون السحرة يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ والمعنى: أخره وأخاه حتى تجمع من مدائن مملكتك وأقاليم دولتك كل سحار عليم يقابلونه ويأتون بنظير ما جاء به فتغلبه أنت وتكون لك النصرة والتأييد، فأجابهم إلى ذلك، وكان هذا من تسخير الله تعالى لهم في ذلك ليجتمع الناس في صعيد واحد وتظهر آيات الله وحججه وبراهينه على الناس جهرة فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ وهو يوم الزينة أي يوم العيد والميقات المحدد من ذلك اليوم هو وقت الضحى، لأنه الوقت الذي وقته لهم موسى ﵇ من يوم الزينة، كما ذكر ذلك في سورة طه وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ أي اجتمعوا وفي الصيغة ما يفيد استبطاء اجتماعهم. والمراد منه استعجالهم. واجتهد الناس في الاجتماع ذلك اليوم وقال قائلهم لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ في دينهم إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ أي إن غلبوا موسى في دينه، وليس غرضهم اتباع السحرة وإنما الغرض ألا يتبعوا موسى، فساقوا الكلام مساق الكناية، لأنهم إذا اتبعوهم لم يكونوا متبعين لموسى. قال ابن كثير: ولم يقولوا نتبع الحق، سواء كان من السحرة أو من موسى، بل الرعية على دين ملكهم فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قال ابن كثير: أي مجلس فرعون قالُوا لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ طلبوا منه الإحسان إليهم والتقريب قالَ فرعون نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ أي لكم أجر عندي وتكونون مع ذلك من المقربين عندي في المرتبة والجاه، وهكذا فعل فرعون كل ما في وسعه من أجل أن يغلب موسى، ولكن هيهات، فالأمر أكبر من ذلك، إنها الرسالة، وإنها المعجزة، وإن الله من ورائهم محيط قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ أي من السحر فسوف ترون عاقبته وقد اختصرت في هذا المقام بعض الحيثيات التي ذكرت في سور أخرى، لأن الهدف هنا هو إبراز النتيجة، وتصوير العاقبة فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ أقسموا بعزته وقوته أن لهم الغلبة، وهو من أيمان الجاهلية فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ أي تبتلع ما يَأْفِكُونَ أي ما يقلبونه عن وجهه وحقيقته بسحرهم ويزورونه ويخيلونه في حبالهم وعصيهم أنها حيات تسعى، فقد اختطفت ذلك كله وابتلعته، وجمعته من كل بقعة، فلم تدع منه شيئا فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ قال النسفي: عبر عن الخرور بالإلقاء بطريق المشاكلة، لأنه ذكر مع الإلقاءات، ولأنهم لسرعة ما سجدوا صاروا كأنهم ألقوا قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ وحتى لا يبقى لبس بمن أرادوا بكلامهم لأن فرعون يدعي الربوبية قالوا رَبِّ مُوسى وَهارُونَ قال

стр. 3716

ابن كثير: فكان هذا أمرا عظيما جدا، وبرهانا قاطعا للعذر، وحجة دامغة، وذلك أن الذين استنصر بهم، وطلب منهم أن يغلبوا غلبوا، وخضعوا وآمنوا بموسى في الساعة الراهنة، وسجدوا لله رب العالمين، الذي أرسل موسى وهارون بالحق والمعجزة الباهرة فغلب فرعون غلبا لم يشاهد العالم مثله، وكان وقحا جريئا، عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين- فعدل إلى المكابرة والعناد- ودعوى الباطل- فشرع يتهددهم، ويتوعدهم قالَ فرعون آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ بذلكم، أي كان ينبغي أن تستأذنوني فيما فعلتم، ولا تفتاتوا علي في ذلك، فإن أذنت لكم فعلتم، وإن منعتكم امتنعتم، فإني أنا الحاكم المطاع إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ أي وقد تواطأتم معه على أمر ومكر، وهذه مكابرة يعلم كل أحد بطلانها، فإنهم لم يجتمعوا بموسى قبل ذلك اليوم، فكيف يكون كبيرهم الذي أفادهم صناعة السحر؟ هذا لا يقوله عاقل، ثم توعدهم فرعون فقال فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ أي وبال ما فعلتم، ثم صرح بما سيفعله بهم فقال: لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ أي من أجل خلاف ظهر منكم، أو مخالفا بين أيديكم وأرجلكم في القطع وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ وهي عقوبة أراد بها فيما يبدو ترهيب العامة، لئلا يتبعوهم في الإيمان قالُوا لا ضَيْرَ أي لا ضرر علينا، ولا نبالي به إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ أي المرجع إلى الله ، وهو لا يضيع أجر من أحسن عملا ولا يخفى عليه ما فعلت بنا، وسيجزينا على ذلك أتم الجزاء، ولهذا قالوا إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أي: ما قارفنا من الذنوب وما أكرهتنا عليه من السحر أَنْ أي لأن كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ أي بسبب أنا بادرنا قومنا من القبط إلى الإيمان؟ قال ابن كثير: فقتلهم كلهم. وهكذا قامت الحجة قياما كاملا، ومع ذلك بقي العتو، وأنزل الله الآيات الأخرى التي ذكرت في سورة الأعراف، واختصرت هنا؛ لأن السياق ينصب هنا على فعل الله لأنبيائه. ومن ثم فالسياق هنا ينتقل مباشرة إلى موضوع الخروج والإنجاء وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي أي بني إسرائيل. أي سربهم ليلا. قال النسفي: سماهم عباده لإيمانهم بنبيه إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ أي يتبعكم فرعون وقومه. قال النسفي: علل الأمر بالإسراء باتباع فرعون وجنوده آثارهم، يعني إني بنيت تدبير أمركم وأمرهم، على أن تتقدموا ويتبعوكم، حتى يدخلوا مدخلكم من طريق البحر فأهلكهم، هذا ما كان من وحي الله وتدبيره، وقد ذكر تدبير فرعون ضد بني إسرائيل، ليعلم أن الله هو الذي يدبر المعركة بين الكافرين والمؤمنين، ومن ثم فمهما دبر الكافرون ضد المؤمنين، فالعاقبة للمتقين؛ لأن

стр. 3717

الله يعلم كيدهم، وهو الذي يدبر للمؤمنين، وعلى المؤمنين أن يأخذوا بالأسباب. وأما تدبير فرعون فقد انصب على ما يسمى باصطلاح عصرنا بالتوعية الشعبية فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ أي جامعين للناس بعنف، أي أرسل من يجمع الناس ليقولوا لهم: إِنَّ هؤُلاءِ أي بني إسرائيل لَشِرْذِمَةٌ أي لطائفة قَلِيلُونَ أي إنهم لقلتهم لا يعبأ بهم وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ أي إنهم يفعلون أفعالا تغيظنا، وتضيق صدورنا وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ أي متيقظون بشكل دائم. يعني: ونحن قوم من عادتنا التيقظ والحذر واستعمال الحزم في الأمور. فإذا خرج علينا خارج سارعنا إلى حسم فساده، وهكذا لخص الله لنا بأربع آيات تدبير فرعون ضد بني إسرائيل، وهو التدبير المستمر للطغاة في كل العصور ضد أهل الحق: يحشرون الناس، ويجمعونهم بسلطة السلطان، فيعقدون الاجتماعات والندوات، ويسيرون المسيرات للتوعية- في زعمهم- ويقولون عن أهل الحق: إنهم فئة قليلة منحرفة عن إرادة الشعب، وخارجة على إرادة الجماهير، وأنهم يقومون بأعمال إجرامية ضد السلطة، وأن على جميع الشعب أن يكون حذرا وواعيا. إن مثل هذا التسجيل الخالد لفعل فرعون، والذي ينطبق على كل زمان ومكان، لهو وحده معجزة، ومن هنا نفهم سرا من أسرار القصص القرآني، وخصيصة من خصائصه إن القصة القرآنية نموذج خالد مستمر متكرر فيه عبرة وعظة ودروس لكل إنسان، وفي كل زمان. ثم بعد ذلك قص الله علينا عاقبة الجميع فَأَخْرَجْناهُمْ أي فرعون وقومه مِنْ جَنَّاتٍ أي بساتين وَعُيُونٍ أي وأنهار جارية وَكُنُوزٍ أي وأموال ظاهرة من الذهب والفضة. قال النسفي: وسماها كنوزا لأنهم لا ينفقون منها في طاعة الله وَمَقامٍ أي ومنزل كَرِيمٍ أي بهي بهيج كَذلِكَ أي الأمر كذلك، أو وأخرجناهم مثل ذلك الإخراج الذي وصفنا وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ أي إن كان المراد بأورثناها أورثنا بعضها كالكنوز التي استعارها منهم بنو إسرائيل ليلة الخروج فذلك التوريث كان في ليلة الخروج، وإن كان ما حدث بعد ذلك في زمن بعض ملوك بني إسرائيل كسليمان، إذ امتد نفوذ بني إسرائيل حتى غطى مصر، فذلك التوريث فيما بعد، والآية تحتمل هذا وهذا فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ أي فلحقوهم داخلين في وقت شروق الشمس وهو طلوعها. وهذا يفيد أن بني إسرائيل نفذوا الأمر بالإسراء ليلا، وأن فرعون وقومه أتبعوهم، وكانت لحظة الإدراك وقت طلوع الشمس فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ أي تقابلا، بحيث يرى كل فريق الآخر. والمراد بالجمع بنو إسرائيل

стр. 3718

والقبط قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ أي قرب أن يلحقنا عدونا، وأمامنا البحر قالَ موسى ﵇ ثقة بوعد الله إياه كَلَّا أي ارتدعوا عن سوء الظن بالله فلن يدركوكم إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ أي سيهديني طريق النجاة من إدراكهم وإضرارهم فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ أي البحر الأحمر على القول الراجح فَانْفَلَقَ أي فضرب فانفلق وانشق، فصار اثني عشر فرقا على عدد الأسباط فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ أي كل جزء تفرق منه كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ أي كالجبل الكبير الضارب في الجو وَأَزْلَفْنا ثَمَّ حيث انفلق البحر الْآخَرِينَ أي قوم فرعون، أي قربناهم من بني إسرائيل أو من البحر وَأَنْجَيْنا مُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ أي أنجينا موسى وبني إسرائيل ومن اتبعهم على دينهم، فلم يهلك منهم أحد ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ أي فرعون وجنوده، فلم يبق منهم رجل إلا هلك، ثم تأتي الآيتان اللتان تتكرران في هذه السورة عقب المقدمة، وعقب كل قصة وهما: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ* وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ أي إن في هذه القصة وما فيها من العجائب والنصر والتأييد لعباد الله المؤمنين، لدلالة وحجة قاطعة، وحكمة بالغة، ومع ذلك فإن أكثر الخلق لا يؤمنون، كما أن في هذه القصة دلالة على أن الله متصف بالعزة والرحمة، ومن عزته أن يقهر أعداءه، ومن رحمته أن ينصر أولياءه. ملاحظة: رأينا أن قصة موسى وفرعون هنا لم تذكر بعض تفصيلات مما ذكر في سور أخرى كالأعراف وطه، وذكرت تفصيلات لم تذكر هناك، وذلك لأن القصة في كل سورة من سور القرآن تخدم سياق السورة الخاص ومحورها، فلا يؤتى منها إلا ما يخدم ذلك، وهذه قضية ينبغي أن يلاحظها الدارسون. كلمة في السياق: رأينا أن محور سورة الشعراء هو قوله تعالى من سورة البقرة: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ. وقد وردت هذه الآية بعد قصة طالوت وجالوت، وكنا قلنا من قبل إن سورة

стр. 3719

الشعراء تعرض علينا في كل مجموعة منها آية من آيات الله ومن ثم فكل مجموعة من السورة سوى الأخيرة منها تنتهي بقوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً ولما كان المفروض أن يعقب الآية إيمان ولما كان أكثر الخلق لا ينتفعون بالآيات يأتي بعد اللازمة قوله تعالى: وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ثم يأتي بعد ذلك تعقيب هو وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ مما يشير إلى عزته، وإن كفر الكافرون وإلى رحمته بالمؤمنين إذ يريهم الآيات وهكذا عرض الله علينا في المقدمة آية من آياته ثم أرانا في قصة موسى وفرعون آية أخرى من آياته. وسنرى في كل مجموعة آية من آياته وذلك كله منسجم مع محور السورة تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ وفي آية المجموعة التي مرت معنا في قصة فرعون رأينا كيف أن الله ينصر رسله بالحجة والمعجزة والتدبير، وفي ذلك درس لرسوله محمد ﷺ الذي هو من المرسلين- أن يثق بالله حق الثقة في أن العاقبة له، وقد كان ذلك، ومن قصة موسى وفرعون نعلم أن الله هو الذي يتولى إدارة شئون المعركة بين أوليائه وأعدائه، وهو الذي يأخذ بيد أوليائه ويقهر أعداءهم في النهاية مهما كانت الظروف صعبة، أو كانت المسألة في بعض صورها لغير صالح المؤمنين، وبعد أن عرض الله علينا آية من آياته في مقدمة السورة وعرض علينا آية ثانية في قصة موسى مع فرعون يعرض علينا نموذجا آخر من آياته في قصة إبراهيم ﵇، وذلك في المجموعة الثالثة من السورة ويبدؤها بقوله تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ لاحظ الصلة بين وَاتْلُ وبين نَتْلُوها من آية سورة البقرة مما يشير إلى وضوح الصلة بين سورة الشعراء ومحورها من سورة البقرة، وقبل أن ننتقل إلى المجموعة الثالثة نحب أن نشير إلى شئ هو أن آية البقرة التي هي محور سورة الشعراء آتية في حيز قوله تعالى: ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وهذا يفيد أن سورة الشعراء، تخدم هذا الحيز فإذا اتضح هذا تكون قصة موسى وفرعون في الشعراء درسا لحملة الإسلام الكامل الشامل. ***

стр. 3720

المجموعة الثالثة «قصة إبراهيم» وتمتد من الآية ٦٩ إلى نهاية الآية ١٠٤ وهذه هي: [سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٦٩ الى ١٠٤] وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ (٦٩) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ (٧٠) قالُوا نَعْبُدُ أَصْناماً فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ (٧١) قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ (٧٤) قالَ أَفَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعالَمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢) رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (٨٣) وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (٨٥) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ (٨٦) وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧) يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ (٨٨) إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩) وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ (٩١) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣) فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥) قالُوا وَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ (٩٨) وَما أَضَلَّنا إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ (٩٩) فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ (١٠٠) وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١) فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٢) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٠٤)

стр. 3721

التفسير: وَاتْلُ يا محمد عَلَيْهِمْ أي على أمتك نَبَأَ إِبْراهِيمَ أي خبره إذ هو خليل الله وإمام الحنفاء، أمر الله أن تتلى قصته على هذه الأمة ليقتدى به في الإخلاص والتوكل وعبادة الله وحده لا شريك له، والتبري من الشرك وأهله إِذْ قالَ إبراهيم لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ أي قوم إبراهيم أو قوم أبيه ما تَعْبُدُونَ أي أي شئ تعبدون وإبراهيم ﵇ يعلم أنهم عبدة أصنام، ولكنه سألهم ليريهم أن ما يعبدونه ليس بمستحق للعبادة قالُوا نَعْبُدُ أَصْناماً فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ أي مقيمين على عبادتها ودعائها قالَ إبراهيم هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ أي هل يسمعون دعاءكم إِذْ تَدْعُونَ أي إذ تدعونهم أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ إن عبدتموها أَوْ يَضُرُّونَ إن تركتم عبادتها قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ اعترفوا بأن أصنامهم لا تسمع ولا تنفع، ولا تضر ولا يعبدونها لشئ من ذلك، ولكن وجدوا آباءهم على شئ فقلدوهم، وهاهنا يظهر الفارق بين من يتابع الآباء على الحق، وبين من يتابع الآباء على الباطل، ولو قامت الحجة على بطلانه قالَ إبراهيم ردا عليهم أَفَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ أي الأولون فَإِنَّهُمْ أي هذه الآلهة عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ أي إن كانت هذه الأصنام شيئا ولها تأثير، فلتخلص إلي بالمساءة فإني عدو لها ولا أبالي بها، ولا أفكر فيها وإذ كان جوابهم عاطفيا فإن جوابه كان عاطفيا عقليا. ولما كان في جوابه إعلان أن الله ربه بدأ يعرفهم على الله ربه رب العالمين. كلمة في السياق: نلاحظ أن موسى ﵇ في هذه السورة قال لفرعون: إِنَّا رَسُولُ رَبِ

стр. 3722

الْعالَمِينَ قال فرعون وَما رَبُّ الْعالَمِينَ قال موسى رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ فقد عرف موسى فرعون على الله رب العالمين من خلال ربوبيته للخلق كلهم، وربوبيته للإنسان، وربوبيته للمشرق والمغرب وما بينهما ونلاحظ هاهنا أن إبراهيم ﵇ حدث قومه عن الله رب العالمين، وسنرى أن إبراهيم سيعرف على الله رب العالمين بما يكمل كلام موسى ﵇. وهذا يشير إلى أن دعوة الرسل واحدة، وأنها متكاملة، فإذا تذكرنا أن محور السورة هو قوله تعالى: وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ فإننا ندرك أن السورة تخدم محور السورة بما يعرفنا على خصائص المرسلين ودعوتهم، زيادة على كونها تعرض علينا آيات من آيات الله؛ لنرى من خلال خصائص المرسلين أن محمدا ﷺ من المرسلين وهذا الذي ذكرناه يأتي بشكل متسلسل في السورة لنجده في خاتمة السورة مكثفا وموجها نحو الهدف العام والخاص للسورة، بما يخدم المحور بشكل مباشر ومكثف، فلنر الآن بم عرف إبراهيم على الله رب العالمين؟ قال: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ أي الذي خلقني بالتكوين في القرار المكين، هو الذي يهديني لمناهج الدنيا ولمصالح الدين وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ أي مع كونه خالقي وهادي فهو كذلك رازقي بما سخر ويسخر من الأسباب السماوية والأرضية، فساق السحاب، وأنزل الماء، وأحيا به الأرض، وأخرج به من كل الثمرات رزقا للعباد وأنزل الماء عذبا زلالا يسقيه مما خلق أنعاما وأناسي كثيرا وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ قال ابن كثير: (أسند المرض إلى نفسه وإن كان عن قدر الله وقضائه وخلقه، ولكن أضافه إلى نفسه أدبا) ومعنى الآية كما قال ابن كثير: أي إذا وقعت في مرض فإنه لا يقدر على شفائي أحد غيره بما يقدر من الأسباب الموصلة إليه وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ أي هو الذي يحيي ويميت لا يقدر على ذلك أحد سواه، فإنه هو الذي يبدئ ويعيد وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ أي يوم القيامة أي لا يقدر على غفران الذنوب في الدنيا والآخرة إلا هو، وكلامه في هذا السياق يفيد أنه .. لا يعبد إلا الذي يفعل هذه الأشياء: الخلق والهداية والإطعام والإسقاء والشفاء والإماتة والإحياء والمغفرة يوم القيامة. فمن كان يفعل هذه الأشياء فهو رب العالمين وهو الذي يستحق العبادة وحده.

стр. 3723

فائدة: من كلام إبراهيم ﵇ نعرف عقيدة الأنبياء في موضوع أفعال الله ، ونعرف الحكم القاطع في النزاع الذي دار بين أهل السنة والجماعة، والمعتزلة في موضوع خلق الأفعال، إن كلام إبراهيم قاطع في أن الله هو المؤثر، وأنه لا تأثير للأشياء إلا بالله. ... ولنعد إلى التفسير: فبعد أن أعلم إبراهيم قومه أن معبوديهم أعداؤه، وأن رب العالمين هو ربه ومعبوده، وعرفهم على الله رب العالمين، توجه بالدعاء إلى الله فقال: رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً أي حكمة أو حكما بين الناس بالحق، أو علما أو فصلا أو نبوة لأن النبي ﷺ ذو حكمة، وذو حكم بين عباد الله وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ أي الأنبياء، أو واجعلني مع الصالحين في الدنيا والآخرة وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ أي ثناء حسنا، وذكرا جميلا في الأمم التي تجيء بعدي، فأعطي ذلك، فكل أهل دين يتولونه ويثنون عليه، ووضع اللسان موضع القول لأن القول يكون به وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ أي واجعلني وارثا للجنة، أي من الذين يدخلونها خالدين وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ أي اجعله من أهل المغفرة بإعطائه الإسلام إنه كان من الكافرين وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ أي ولا تذلني يوم يبعث الخلق أي يوم القيامة يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ أي يوم لا يقي المرء من عذاب الله ماله ولا أولاده إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ أي عن الكفر والنفاق وبقية الأمراض. وبهذا انتهت دعوات إبراهيم ﵇، وبها عرفنا المطالب العليا للمسلم الكريم: الحكم، والصلاح، وحسن الذكر في الله، والجنة، والمغفرة للآباء، وعدم الذلة يوم القيامة. ... كلمة في السياق: نلاحظ أن السياق حدثنا عن جولة فقط من النقاش بين إبراهيم وقومه، ثم سار السياق في عرض دعوات إبراهيم. والآن ينقلنا السياق إلى مشهد من مشاهد يوم

стр. 3724

القيامة، هو في الحقيقة تعقيب على موقف إبراهيم وموقف قومه؛ بدليل أن الآيتين اللتين تذكران وراء كل قصة في هذا السياق وهما إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ* وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ هاتان الآيتان تأتيان بعد التعقيب، مما يدل على أن هذا التعقيب تعليق على قصة إبراهيم، فهو يعرض ما يحدث لعباد الله وعباد الشيطان يوم القيامة. ولكنه يذكر بصيغة التعميم، لأن الآيات تنطبق على كل من شابه إبراهيم وشابه قومه. فلنر الآن التعقيب ثم نعود إلى السياق، ملاحظين أن الصلة بين التعقيب وبين ما قبله على غاية المتانة. فقد سبق التعقيب قوله تعالى: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ثم ينقلنا السياق إلى عرض مشهد من مشاهد ذلك اليوم. ... وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ أي قربت وأدنيت من أهلها، مزخرفة مزينة لناظريها، وهم المتقون الذين رغبوا فيها على ما في الدنيا، وعملوا لها في الدنيا وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ أي للكافرين. أي أظهرت حتى يكاد يأخذهم لهبها. قال ابن كثير: أي أظهرت وكشف عنها، وبدت منها عنق، فزفزت زفرة بلغت منها القلوب الحناجر وَقِيلَ لَهُمْ وقيل لأهلها تقريعا وتوبيخا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ* مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ أي ليست الآلهة التي عبدتموها من دون الله من تلك الأصنام والأنداد تغني عنكم اليوم شيئا، ولا تدفع عن أنفسها، فإنكم وإياها اليوم حصب جهنم أنتم لها واردون فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ أي ألقي بعضهم على بعض من الكفار وقادتهم الذين دعوهم إلى الشرك فغووا وأغووا وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ أي متبعوه من عصاة الإنس والجن أو شياطينه ألقي فيها هؤلاء وهؤلاء عن آخرهم قالُوا وَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ أي قال الضعفاء للذين استكبروا، أو قال العصاة للشياطين، أو قال عباد غير الله لآلهتهم من الأصنام وغيرهم تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ* إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ أي نعدلكم في العبادة برب العالمين. أو كما قال ابن كثير: نجعل أمركم مطاعا كما يطاع أمر رب العالمين، وعبدناكم مع رب العالمين وَما أَضَلَّنا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ أي ما دعانا إلى ذلك إلا المجرمون، أي رؤساؤهم الذين أضلوهم، أو إبليس وجنوده ومن سن الشرك فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ كما للمؤمنين إذ يشفع لهم الأنبياء والأولياء والملائكة وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ أي قريب كما نرى للمؤمنين أصدقاء،

стр. 3725

إذ لا يتصادق في الآخرة إلا المؤمنون، وأما أهل النار فبينهم التعادي. قال قتادة: يعلمون والله أن الصديق إذا كان صالحا نفع، وأن الحميم إذا كان صالحا شفع فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً أي رجعة إلى الدنيا فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يتمنون هناك أن يردوا إلى دار الدنيا ليعملوا بطاعة الله فيما يزعمون، والله تعالى يعلم أنهم لو ردوا إلى دار الدنيا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً أي إن فيما ذكر من نبأ إبراهيم، والتعقيب عليه لعبرة ومعجزة. قال ابن كثير: أي في محاجة إبراهيم لقومه وإقامة الحجج عليهم في التوحيد، لآية أي لدلالة واضحة جليلة على أنه لا إله إلا الله وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ مع قيام الحجج وظهور الآيات وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ومن عزته تعذيب الكافرين في النار، وإدخال المؤمنين الجنة. فوائد: ١ - بمناسبة قوله تعالى على لسان إبراهيم وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ذكر النسفي أن الخطيئة التي أشار إليها هي قوله: (إني سقيم) و (بل فعله كبيرهم) و (هذا ربي) و (هي أختي لسارة) ثم قال: وما هي إلا معاريض جائزة، وليست بخطايا يطلب لها الاستغفار، واستغفار الأنبياء تواضع منهم لربهم، وهضم لأنفسهم، وتعليم للأمم في طلب المغفرة. ٢ - بمناسبة قوله تعالى على لسان ابراهيم: رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ قال ابن كثير: كما قال النبي ﷺ عند الاحتضار: «اللهم في الرفيق الأعلى:» قالها ثلاثا، وفي الحديث في الدعاء: «اللهم أحينا مسلمين وأمتنا مسلمين وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مبدلين» ٣ - وبمناسبة دعوة إبراهيم: وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ قال ابن كثير: وقال البخاري عند هذه الآية: قال إبراهيم بن طهمان ... عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: يلقى إبراهيم يوم القيامة أباه، عليه الغبرة والقترة، وفي رواية أخرى ... عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «يلقى إبراهيم أباه فيقول: يا رب إنك وعدتني أن لا تخزني يوم يبعثون. فيقول الله تعالى إني حرمت الجنة على الكافرين» هكذا رواه عند هذه الآية، وفي أحاديث الأنبياء بهذا الإسناد بعينه منفردا به، ولفظه: يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة، وعلى وجه آزر قترة وغبرة، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك لا تعصني؟! فيقول أبوه: فاليوم لا أعصيك، فيقول إبراهيم يا رب إنك

стр. 3726

وعدتني أن لا تخزينى يوم يبعثون فأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟ فيقول الله تعالى إني حرمت الجنة على الكافرين ثم يقول: يا إبراهيم انظر تحت رجلك فينظر فإذا هو بذبح متلطخ فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار ورواه النسائي في التفسير من سننه الكبير. ٤ - بمناسبة قوله تعالى يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ قال ابن كثير: أي سالم من الدنس والشرك. قال ابن سيرين القلب السليم: أن يعلم أن الله حق، وأن الساعة لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور وقال ابن عباس: إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ القلب السليم: أن يشهد أن لا إله إلا الله، وقال مجاهد والحسن وغيرهما بِقَلْبٍ سَلِيمٍ يعني من الشرك، وقال سعيد بن المسيب: القلب السليم هو القلب الصحيح، وهو قلب المؤمن، لأن قلب الكافر والمنافق مريض، قال الله تعالى. فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ* قال أبو عثمان النيسابوري: هو القلب السالم من البدعة المطمئن إلى السنة. ٥ - لخص النسفي قصة إبراهيم ﵇ في السورة فقال (وما أحسن ما رتب ﵇ كلامه مع المشركين، حيث سألهم أولا عما يعبدون سؤال مقرر لا مستفهم، ثم أقبل على آلهتهم فأبطل أمرها بأنها لا تضر ولا تنفع ولا تسمع، وعلى تقليدهم آباءهم الأقدمين فأخرجه من أن يكون شبهة فضلا عن أن يكون حجة، ثم صور المسألة في نفسه دونهم حتى تخلص منها إلى ذكر الله تعالى، فعظم شأنه، وعدد نعمه من حين إنشائه إلى وقت وفاته، مع ما يرجي في الآخرة من رحمته. ثم أتبع ذلك أن دعا بدعوات المخلصين، وابتهل إليه ابتهال الأوابين، ثم وصله بذكر يوم القيامة، وثواب الله وعقابه، وما يدفع إليه المشركون يومئذ من الندم والحسرة على ما كانوا فيه من الضلال، وتمني الكرة إلى الدنيا ليؤمنوا ويطيعوا). أقول: والملاحظ أن ما أسميناه تعقيبا على قصة إبراهيم ﵇ اعتبره النسفي جزءا من كلام إبراهيم وليس تعقيبا من الله على قصته، وأيا كان الأمر فالتعقيب على صلة كاملة بقصة إبراهيم حتى لهو جزء منها. أو لكأنه جزء منها. ومن ثم ختم بالآيتين اللتين هما علامة على انتهاء مجموعة في هذه السورة. كلمة في السياق: نلاحظ أن قصة موسى ﵇ عرضت لنا فعل الله بموسى وفرعون في الدنيا.

стр. 3727

فكانت في ذلك الآية، ولكنا لا نجد في قصة إبراهيم ﵇ مثل هذا، وإنما نجد إقامة حجة من قبل إبراهيم وعرض للعقيدة الإبراهيمية. والعبودية الإبراهيمية، والمعرفة الإبراهيمية لله ، والافتقار الإبراهيمي لله. وانتصار من كان على هذه العقيدة في الآخرة. واندحار وذل وخزي وعذاب من كان على العقيدة الآزرية في الآخرة. وفي ذلك آية ومعجزة. إن في وجود إبراهيم وفي صفاء عقيدته وفي صفاء توجهاته وفي مجموع حججه التي تدحض الباطل إن في ذلك كله آية، وإن في ذكر ذلك المشهد الرائع من مشاهد يوم القيامة والمرتبط بقصة إبراهيم لآية تشهد على الحق، فلنتذكر الآية التي هي محور سورة الشعراء: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ فقد تلا الله علينا في قصة إبراهيم آية من آيات الله هي حق خالص، وقد عرضت لنا هذه الآية بعض خصائص دعوة المرسلين. وبعض أخلاقهم. ومحمد ﷺ ليس إلا واحدا منهم في دعوته وأخلاقه. إن مثل هذا الشبه الكامل بين محمد ﷺ وبين الرسل السابقين مع ظهور الآيات معه دليل أي دليل على صدق نبوته ورسالته، وإن مثل هذا التشابه والتكامل في دعوات المرسلين- كما عرضها القرآن- ليدلك وحده على إعجاز هذا القرآن الذي لا يناقض شئ فيه شيئا آخر. فالقصة والتشريع والواقعة والحادثة والعظة كلها تخرج من مشكاة واحدة، وتؤدي هدفا واحدا، وهذا دليل على أن هذا القرآن من عند الله، لأن هذا غير مستطاع للبشر على مثل هذا الكمال. وبعد قصة إبراهيم تأتي الآن قصة نوح ﵇ وهي المجموعة الرابعة، لتؤدي دورها في سياق هذه السورة. وقبل أن نذكر المجموعة الرابعة نحب أن نذكر أن آية المحور آتية في السياق البعيد للأمر ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً فليست دعوة إبراهيم ودعواته إلا دخولا في السلم كافة. ***

стр. 3728

المجموعة الرابعة: قصة نوح ﵇ وتمتد من الآية ١٠٥ إلى الآية ١٢٢ وهذه هي: [سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٠٥ الى ١٢٢] كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٠٦) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٠٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١١٠) قالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١) قالَ وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسابُهُمْ إِلاَّ عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣) وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤) إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (١١٥) قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (١١٦) قالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١١٨) فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩) ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ الْباقِينَ (١٢٠) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٢١) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٢٢) التفسير: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ وإنما قال المرسلين مع أنهم كذبوا رسولهم وهو واحد لأنهم كانوا يكذبون ببعثة الرسل أصلا. أو لأن من كذب واحدا من الرسل فقد كذب الكل لأن كل رسول يدعو الناس إلى الإيمان بجميع الرسل.

стр. 3729

كلمة في السياق: نلاحظ من الآن فصاعدا أن كل قصة من القصص مبدوءة بهذه البداءة: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ وكل ذلك يأتي في مقدمة قصة هي آية من آيات الله، وكل ذلك يصب في الخاتمة التي تتحدث عن تكذيب المشركين والكافرين لرسول الله ﷺ الذي هو خاتم المرسلين، لاحظ صلة ذلك بمحور السورة: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ لاحظ ختم الآية بكلمة المرسلين، ولاحظ ذكر كلمة المرسلين في خاتمة كل آية من الآيات الخمس ولنعد إلى التفسير: إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أي أخوهم في العشيرة والنسب أَلا تَتَّقُونَ أي ألا تخافون الله في عبادتكم غيره. قال النسفي: أي ألا تتقون خالق الأنام فتتركوا عبادة الأصنام. كلمة في السياق: نلاحظ أنه في كل قصة من قصص السورة ما عدا قصة إبراهيم وردت كلمة (ألا يتقون، أو ألا تتقون) ففي قصة موسى قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ. وفي قصة نوح أَلا تَتَّقُونَ وفي قصة هود أَلا تَتَّقُونَ وفي قصة صالح أَلا تَتَّقُونَ وفي قصة لوط أَلا تَتَّقُونَ وفي قصة شعيب أَلا تَتَّقُونَ وهذا المعنى مبثوث في القرآن كله كما سجلناه في كتاب (جند الله ثقافة وأخلاقا) وهذا من مظاهر الإعجاز في القرآن، إذ تجد كل معنى من معانيه تصب السور كلها في توضيحه واستكمال جوانبه بحيث لا يناقض شئ منه شيئا آخر. وقد دلتنا هذه الكلمة على أن الهدف الرئيسي من دعوات الرسل جميعا هو إيصال الناس إلى تقوى الله، ولنعد إلى التفسير: ..

стр. 3730

إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ أي إني رسول من الله إليكم، أمين فيما بعثني الله به، أبلغكم رسالات ربي، ولا أزيد فيها ولا أنقص منها فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ فيما آمركم به وأدعوكم إليه من الحق وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أي على هذا الأمر مِنْ أَجْرٍ أي جزاء إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ أي لا أطلب منكم جزاء على نصحي لكم بل أدخر ثواب ذلك عند الله فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ أي فقد وضح لكم وبان صدقي ونصحي وأمانتي فيما بعثني الله وائتمنني عليه، فحق عليكم أن تجمعوا بين تقوى الله وطاعتي. قال النسفي: (كرره ليقرره في نفوسهم، مع تعليق كل واحد منهما بعلة، فعلة الأول كونه أمينا فيما بينهم، وعلة الثاني حسم طمعه منهم، كأنه قال: إذا عرفتم رسالتي وأمانتي فاتقوا الله، ثم إذا عرفتم احترازي من الأجر فاتقوا الله). كلمة في السياق: نلاحظ أنه قد جاء في قصة نوح ﵇ قوله تعالى: إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ* فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ* وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ* فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وفي قصة هود جاء قوله تعالى: إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ* فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ ثم بعد أربع آيات جاء قوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وفي قصة صالح إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ* فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ* وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ* إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ ثم بعد أربع آيات يأتي قوله تعالى فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وفي قصة لوط يأتي قوله تعالى: إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ* فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ* وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ ثم لا يتكرر الأمر فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وفي قصة شعيب يأتي قوله تعالى: إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ* فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ* وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ ثم يأتي بعد ثلاث آيات وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ وفي كل مرة يتكرر قوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ يكون لذلك نكتة سنراها، وحيث لا يتكرر فلذلك نكتة كذلك سنراها، وبشكل عام فإن كل رسول طالب قومه بالتقوى والطاعة، وأعلن أنه لا يريد على دعوته أجرا دنيويا مما يدل على أن الطاعة التي يريدها الرسل هي من أجل كمال الإنسان، وليست من أجل مقصد دنيوي، كما يطلبها أهل الدنيا استزادة للجاه، أو

стр. 3731

رغبة في تحقيق هدف دنيوي من ورائها، وهذا أدب عظيم يجب أن يلاحظه وراث الأنبياء، وطلاب الوصول إلى رضوان الله، وإنه لا بد من أن يتربى الإنسان على التقوى لله وأن يعطي الطاعة لأهلها في الله، ثم إنه لا بد أن يلاحظ الدعاة ألا يطلبوا أجرا في مقابل الدعوة إلى الله، وهذه قضية مهمة جدا، قل من يلاحظ خفاياها في نفسه، وندر من يعطيها تطبيقاتها العملية، إن الصديقين وحدهم هم الذين يتفطنون لمثل هذه الشئون. وأما الرسل فالله أعطاهم الكمال في كل شئ، وفي قول كل رسول: إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ دليل على أن تعريف الإنسان بنفسه لتحقيق مقصد أخروي، أو مقصد تحتاجه قضية الدعوة إلى الله لا يعتبر من باب تزكية النفس المكروهة. ولنعد إلى التفسير: قالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ قال ابن كثير: يقولون لا نؤمن لك ولا نتبعك، ولا نتأسى في ذلك بهؤلاء الأرذلين، الذين اتبعوك وصدقوك، وهم أراذلنا. وقال النسفي في تفسير الأرذلون: (بأنهم السفلة ومن كلامه: والرذالة: الخسة والدناءة، وإنما استرذلوهم لاتضاع نسبهم، وقلة نصيبهم من الدنيا، وقيل كانوا من أهل الصناعات الدنيئة، والصناعة لا تزري بالديانة. فالغنى غنى الدين، والنسب نسب التقوى، ولا يجوز أن يسمى المؤمن رذلا، وإن كان أفقر الناس وأوضعهم نسبا .. ). أقول: ومن كلامهم نعلم أن هناك ناسا يحول بينهم وبين الهدى تكبرهم عن أن يتبعوا رجلا التف حوله الفقراء والضعفاء جسما أو حالا قالَ وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ أي إنما أطلب منهم الإيمان، ومن ثم فمهما كانوا عليه فلا يلزمني التنقيب عنهم والبحث والفحص، إنما علي أن أقبل منهم تصديقهم إياي، وأكل سرائرهم إلى الله إِنْ حِسابُهُمْ إِلَّا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ قال النسفي: قيل إنهم طعنوا مع استرذالهم في إيمانهم، وقالوا: إن الذين آمنوا بك، ليس في قلوبهم ما يظهرونه فقال: ما علي إلا اعتبار الظواهر دون التفتيش عن السرائر إِنْ حِسابُهُمْ إِلَّا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ إن الله يحاسبهم على ما في قلوبهم وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ قال ابن كثير: كأنهم سألوا منه أن يبعدهم عنه ويتابعوه، فأبى عليهم ذلك. وقال النسفي: أي ليس من شأني أن أتبع شهواتكم بطرد المؤمنين طمعا في إيمانكم. إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ أي إنما بعثت نذيرا، فمن أطاعني واتبعني وصدقني كان مني وأنا منه، سواء كان شريفا أو وضيعا، أو جليلا أو حقيرا. وقال النسفي (أي) ما علي إلا أن أنذركم

стр. 3732

إنذارا بينا بالبرهان الصحيح الذي يتميز به الحق من الباطل، ثم أنتم أعلم بشأنكم، وفي ذلك كله دروس بليغة للدعاة إلى الله، فإن كثيرين يحرصون أن ينفض الناس عن الدعاة من خلال إيجاد هوة بين الداعية والمستجيبين له، وإن كثيرين يطالبون أن يعرض الدعاة عن الأتباع الفقراء، أو الضعفاء جسما أو عقلا أو سلوكا، وواجب الأتباع أن لا يخدعوا، وواجب الدعاة ألا يفعلوا، فمهما كانت ظواهر الخلق إليهم منقادة فعليهم قبولها، ومحاولة تزكيتهم، وهذا شئ وأن يخدع الداعية شئ آخر قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ أي لئن لم تنته من دعوتك إيانا إلى دينك لتكونن من المقتولين بالحجارة. وتلك عادة أعداء الله: أنهم يلجئون إلى التهديد في النهاية لثني الدعاة إلى الله عن دعوتهم، وهنالك دعا نوح عليهم قالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ أي في وحيك ورسالتك فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً أي فاحكم بيني وبينهم حكما. قال النسفي: والفتاحة: الحكومة، والفتاح: الحاكم لأنه يفتح المستغلق، كما سمي فيصلا؛ لأنه يفصل بين الخصومات وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أي من عذاب عملهم إذا عاقبتهم فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ أي في السفينة المملوءة بالأمتعة والأزواج ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ أي بعد إنجاء نوح ومن آمن الْباقِينَ من قومه إِنَّ فِي ذلِكَ الإهلاك والإنجاء لَآيَةً أي لمعجزة ودلالة واضحة على الله ، وعلى صدق الرسل، وعلى صحة دعوتهم وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ مع قيام الدليل والحجة وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ أي المنتقم بإهانة وإهلاك من جحد وأضر الرَّحِيمُ أي المنعم بإعانة وإنجاء من وحد وأقر. ... كلمة في السياق: وهكذا عرض الله علينا آية من آياته في قصة نوح وقومه، إذ كانت له العاقبة، وكان لهم الهلاك، وفي ذلك معجزة شاهدة على صدق الرسل فيما يقولونه عن الله، فليعرف ذلك الناس، وليحذر من يكذب محمدا رسول الله ﷺ ، وانظر صلة ذلك كله بالآية التي هي محور سورة الشعراء من سورة البقرة: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ. ***

стр. 3733

المجموعة الخامسة: وفيها قصة هود ﵇ وتمتد من الآية (١٢٣) إلى نهاية الآية (١٤٠) وهذه هي: [سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٢٣ الى ١٤٠] كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٢٤) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٢٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٢٦) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٢٧) أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩) وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (١٣٠) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٣١) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٣٤) إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣٥) قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ (١٣٦) إِنْ هذا إِلاَّ خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (١٣٧) وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (١٣٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْناهُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٤٠) التفسير: كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ* إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ* إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ* فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ* وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ* أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ أي مكان مرتفع آيَةً أي بناء هو من الضخامة في المكان المدهش: قال ابن كثير: (اختلف المفسرون في الريع بما حاصله: أنه المكان المرتفع عند جواد الطرق المشهورة، يبنون هناك بنيانا محكما هائلا باهرا تَعْبَثُونَ

стр. 3734

أي تلعبون، أي وإنما تفعلون ذلك عبثا لا للاحتياج إليه، بل لمجرد اللعب واللهو، وإظهار القوة، ولهذا أنكر عليهم نبيهم ﵇ ذلك؛ لأنه تضييع للزمان وإتعاب للأبدان في غير فائدة، واشتغال بما لا يجدي في الدنيا ولا في الآخرة) هذا كلام ابن كثير، ويدخل فيما أنكره هود على قومه كثير من الأعمال التي يعملها الحكام الجاهليون ممن تنطبق عليه أوصاف ما أنكره هود ﵇ وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ أي قصورا مشيدة، أو حصونا لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ أي ترجون الخلود في الدنيا، أو لكي تقيموا فيها أبدا، وذلك ليس بحاصل لكم، بل زائل عنكم كما زال عمن قبلكم، ويبدو أن إنكار هود ﵇ ذلك عليهم بسبب استغراقهم في القضايا المادية، والترف والنعيم الدنيويين بدون أي هدف غير الدنيا وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ أي وإذا أخذتم أحدا بعقوبة بطشتم جبارين قتلا بالسيف وضربا بالسوط، والجبار: هو الذي يقتل ويضرب على الغضب، وصفهم بالقوة والغلظة والجبروت فَاتَّقُوا اللَّهَ في الكف عن الخطأ وَأَطِيعُونِ فيما أدعوكم إليه من الاستقامة على أمر الله وعبادته. قال ابن كثير في الآية: (أي اعبدوا ربكم وأطيعوا رسولكم) وبعد الإنكار والأمر شرع يذكرهم نعم الله عليهم، وهي طريقة من طرق الدعوة يعلمنا الله إياها: أن تبدأ بالإنكار، وتطالب بالاستقامة، ثم تذكر، ثم تعظ كما هاهنا وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ أي من النعم، ثم عددها عليهم فقال: أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ قال النسفي: قرن البنين بالأنعام لأنهم يعينونهم على حفظها والقيام عليها وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ أي وبساتين وينابيع وأنهارا. ثم أنذرهم فقال: إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ إن كذبتم وخالفتم، فماذا كان موقفهم من دعوة هود؟ قال ابن كثير: دعاهم إلى الله بالترغيب والترهيب فما نفع فيهم قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ أي لا نقبل كلامك ونرجع عما نحن عليه وعظت أم سكت إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ يعنون دينهم، وما هم عليه من الأمر هو دين الأولين من الآباء والأجداد، ونحن تابعون لهم، سالكون وراءهم، نعيش كما عاشوا، ونموت كما ماتوا، ولا بعث ولا معاد. ولهذا قالوا: وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ في الدنيا ولا في الآخرة؛ فإنه لا بعث ولا حساب فَكَذَّبُوهُ أي فكذبوا هودا فَأَهْلَكْناهُمْ بالريح الصرصر العاتية. كما ذكر في غير هذا المكان. قال ابن كثير: (أي استمروا على تكذيب نبي الله هود ومخالفته وعناده فأهلكهم الله. وقد بين سبب إهلاكه إياهم في غير موضع من القرآن إِنَّ فِي ذلِكَ الإهلاك لَآيَةً أي دلالة على صدق الرسل في

стр. 3735

دعواهم، وعلى صحة ما جاءوا به من الله وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ مع كثرة الآيات وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ ومن عزته أن يهلك أعداءه ويقهرهم الرَّحِيمُ ومن رحمته أن ينتصر لأوليائه. فوائد: ١ - بمناسبة الكلام عن عاد قال ابن كثير: (وهذا إخبار من الله تعالى عن عبده ورسوله هود ﵇، أنه دعا قومه عادا، وكان قومه يسكنون الأحقاف، وهي جبال الرمل قريبا من حضرموت من جهة بلاد اليمن، وكان زمانهم بعد قوم نوح كما قال في سورة الأعراف وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً وذلك أنهم كانوا في غاية من قوة التركيب والقوة والبطش الشديد، والطول المديد، والأرزاق الدارة، والأموال والجنات والأنهار والأبناء، والزروع والثمار، وكانوا مع ذلك يعبدون غير الله معه، فبعث الله هودا إليهم، رجلا منهم، رسولا وبشيرا ونذيرا، فدعاهم إلى الله وحده، وحذرهم نقمته وعذابه في مخالفته وبطشه). ٢ - بمناسبة قوله تعالى: أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ* وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ينقل ابن كثير نصا ذكره ابن أبي حاتم يدل على تخوف الصحابة على هذه الأمة؛ أن تأخذ بأسباب الترف والبنيان. قال ابن كثير: (وروى ابن أبي حاتم ... «أن أبا الدرداء ﵁ لما رأى ما أحدث المسلمون في الغوطة من البنيان، ونصب الشجر (بأن قطعوها وجعلوها في القصور) قام في مسجدهم: فنادى يا أهل دمشق فاجتمعوا إليه، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ألا تستحيون؟! ألا تستحيون! تجمعون ما لا تأكلون! وتبنون ما لا تسكنون! وتأملون ما لا تدركون! إنه قد كانت قبلكم قرون يجمعون فيوعون، ويبنون فيوثقون، ويأملون فيطيلون، فأصبح أملهم غرورا، وأصبح جمعهم بورا، وأصبحت مساكنهم قبورا، ألا إن عادا ملكت ما بين عدن وعمان خيلا وركابا، فمن يشتري مني ميراث عاد بدرهمين؟). ٣ - ولابن كثير تحقيق رائع حول عاد وحول إرم ذات العماد. وكلامه في هذا المقام نفيس جدا فتأمله، وقد قاله بمناسبة قوله تعالى: فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْناهُمْ قال: (أي استمروا على تكذيب نبي الله هود ومخالفته وعناده فأهلكهم الله، وقد بين سبب إهلاكه إياهم في غير موضع من القرآن، بأنه أرسل عليهم ريحا صرصرا عاتية، أي ريحا شديدة الهبوب، ذات برد شديد جدا، فكان سبب إهلاكهم من جنسهم، فإنهم

стр. 3736

كانوا أعتى شئ وأجبره، فسلط الله عليهم ما هو أعتى منهم وأشد قوة، كما قال تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ* إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ (الفجر: ٦، ٧) وهم عاد الأولى كما قال تعالى: وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى (النجم: ٥) وهم من نسل إرم ابن سام بن نوح ذاتِ الْعِمادِ الذين كانوا يسكنون العمد، ومن زعم أن إرم مدينة فإنما أخذ ذلك من الإسرائيليات من كلام كعب ووهب، وليس لذلك أصل أصيل، ولهذا قال: الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ (الفجر: ٨) أي لم يخلق مثل هذه القبيلة في قوتهم وشدتهم وجبروتهم، ولو كان المراد بذلك مدينة لقال: التي لم يبن مثلها في البلاد. وقال تعالى: فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (فصلت: ١٥) وقد قدمنا أن الله تعالى لم يرسل عليهم من الريح إلا مقدار أنف الثور، عتت على الخزنة، فأذن الله لها في ذلك، فسلكت فحصبت بلادهم فحصبت كل شئ لهم كما قال تعالى: تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها الآية. وقال تعالى: وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ إلى قوله: حُسُوماً أي كاملة فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ (الحاقة: ٧) أي بقوا أبدانا بلا رءوس، وذلك أن الريح كانت تأتي الرجل منهم فتقتلعه وترفعه في الهواء، ثم تنكسه على أم رأسه، فتشدخ دماغه، وتكسر رأسه، وتلقيه كأنهم أعجاز نخل منقعر. وقد كانوا تحصنوا في الجبال والكهوف والمغارات، وحفروا لهم في الأرض إلى أنصافهم، فلم يغن عنهم ذلك من أمر الله شيئا إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ (نوح: ٤) ولهذا قال تعالى: فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْناهُمْ الآية). ... كلمة في السياق: جاءت المجموعة الخامسة فأضافت آية جديدة من الآيات التي يتلوها الله في سورة الشعراء وهي، نموذج على آيات الله خلال العصور، يتلوها محمد ﷺ وأمته؛ لتقوم الحجة بها على رسالته، وصلة ذلك بقوله تعالى: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ واضحة، مما يؤكد أن ما ذهبنا إليه من كون هذه الآية هي محور سورة الشعراء في محله- والله أعلم- لقد عرض الله علينا في هذه السورة نماذج من آياته في الكون، ومن أفعاله خلال العصور: في تنوع أصناف النبات، وفيما فعل

стр. 3737

بفرعون، وفي نبأ إبراهيم: وفيما فعل بقوم نوح، وفيما فعل بقوم هود، وفيما فعله بقوم صالح، وفيما فعله بقوم لوط، وفيما فعله بقوم شعيب، وكل آية تختلف عن أختها، وكلها تصب في التأكيد على رسالة محمد ﷺ ، وكلها تحذر المكذبين بمحمد ﷺ ، وكلها تأتي تردف بعضها بعضا لتوصل إلى الخاتمة التي هي المواجهة المباشرة للمكذبين بمحمد ﷺ ، ونحب هنا أن نسجل ملاحظة هي: إن كثيرا من آيات القرآن تنتهي بقوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً .. * إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ* وهذا يشير إلى أن القرآن لفت النظر في كتابه إلى آيات أخرى زائدة على الإعجاز القرآني. ففي القرآن كله إعجاز يجعل أقصر سورة أو قدرها من القرآن معجزة. لكن آيات القرآن نفسها لفتت النظر إلى آيات أخرى لله في الكون وفي التاريخ، وفي الواقع اليومي للمسلمين، فآيات القرآن تلفت النظر إلى كل علامة تدل على الله، وتدل على صدق رسله، هذا عدا عن معجزات كثيرة مبثوثة في القرآن، كأن يعرض عليك الله أحيانا سرا من أسرار الكون، أو سرا من أسرار الغيب. وهكذا نجد الآية الواحدة من القرآن قد حوت آيات، وهذه الآيات تتعاضد وتتكاثر في هذا القرآن، إن في الأسلوب، أو في اللفظ، أو في المعاني، أو في الأفق الذي تتحدث عنه الآيات، أو في الأفق الذي ترفع إليه الإنسان، هذا عدا عن كون هذا القرآن لا تجد فيه مظهرا من مظاهر الإسفاف، لا في المعنى، ولا في اللفظ، كما أنك لا تجد فيه مظهرا من مظاهر الضعف البشري إن في الأسلوب، أو في العرض، أو في تسجيل معان ضعيفة، أو في إثارة معنى شهواني، أو في الاستفادة من غريزة بشرية نازلة، هذا مع كونه حقا، ومع كونه هو الأعلى في اللفظ والأسلوب، والعرض وطرق الانتقال، ودقائق الوحدة في السورة والسياق، إن كتابا هذا بعض وصفه ليدل دلالة واضحة على أنه من عند الله، وليشهد شهادة كاملة على أن محمدا ﷺ رسول الله. ***

стр. 3738

المجموعة السادسة: وفيها قصة صالح ﵇ وتمتد من الآية (١٤١) إلى نهاية الآية (١٥٩) وهذه هي: [سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٤١ الى ١٥٩] كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٤٢) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٤٣) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٤٤) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٤٥) أَتُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا آمِنِينَ (١٤٦) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ (١٤٨) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ (١٤٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠) وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ (١٥٢) قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣) ما أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٥٤) قالَ هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥) وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥٦) فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ (١٥٧) فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٥٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٥٩) التفسير: كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ* إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ* إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ* فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ* وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ*. قال ابن كثير: (وهذا إخبار من الله عن عبده ورسوله صالح ﵇، أنه بعثه إلى قومه ثمود، وكانوا عربا يسكنون مدينة الحجر، التي بين

стр. 3739

وادي القرى وبلاد الشام، ومساكنهم معروفة مشهورة. وقدمنا في سورة الأعراف الأحاديث المروية في مرور رسول الله ﷺ بهم حين أراد ثغور الشام، فوصل إلى تبوك، ثم عاد إلى المدينة ليتأهب لذلك، وكانوا قبل عاد وقبل الخليل ﵇، فدعاهم نبيهم صالح إلى الله أن يعبدوه وحده لا شريك له، وأن يطيعوه فيما بلغهم من الرسالة، فأبوا عليه وكذبوه وخالفوه، وأخبرهم أنه لا يبتغي بدعوتهم أجرا منهم، وإنما يطلب ثواب ذلك من الله ، ثم ذكرهم آلاء الله عليهم) فقال: أَتُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا أي في الذي استقر في هذا المكان من النعيم آمِنِينَ من العذاب والزوال والموت، ثم فسر ما كانوا به فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ أي بساتين وينابيع وَزُرُوعٍ يدخل في ذلك الحبوب وغيرها مما يزرع سنويا وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ الطلع: هو ما يخرج من النخل، كنصل السيف والهضيم: هو اللين النضيج، قال النسفي: كأنه قال ونخل قد أرطب ثمره. وَتَنْحِتُونَ أي وتنقبون مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ أي شرهين أشرين بطرين عابثين من غير حاجة إلى سكناها، وكانوا حاذقين متقنين لنحتها ونقشها، كما هو المشاهد من حالهم لمن رأى منازلهم، وهي معروفة على بعد حوالي أربعمائة كيلومتر من المدينة المنورة. ولا زالت تدهش من يراها لدقة صنعها، والحذاقة في ذلك، والجهد المبذول فيه فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ قال ابن كثير: (أي أقبلوا على ما يعود نفعه عليكم في الدنيا والآخرة، من عبادة ربكم الذي خلقكم ورزقكم؛ لتعبدوه وتوحدوه وتسبحوه بكرة وأصيلا) وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ أي الكافرين أو المتجاوزين الحد. ثم عرف هؤلاء المسرفين فقال: الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ بالظلم والكفر والصد عن سبيل الله وَلا يُصْلِحُونَ بالإيمان والعدل، وفي هذا دليل على أن فسادهم ليس معه شئ من الصلاح والإصلاح. ملاحظة: إن قول صالح ﵇ .. فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ* وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ* الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ يفيد أن الطاعة ينبغي أن تعطى للرسول ﷺ كاملة، وأن لا تعطى لكل مسرف مفسد غير مصلح، وموضوع الطاعة من أخطر مواضيع العصر، فنادرا ما تجد مسلما يضع الطاعة في محلها، فهو إما متمرد على كل شئ، أو مطيع لمسرف أو يرفض الطاعة لأي أحد، أو لا يعرف لمن يعطي

стр. 3740

الطاعة. إن الطاعة في الإسلام يجب أن تعطى لرسول الله ﷺ ، وأمرائه الذين أمرهم، ثم لخلفائه الراشدين، ومن أمره الخلفاء الراشدون، ثم لجماعة المسلمين وإمامهم، حيث وجد للمسلمين جماعة وإمام، ولا يجوز للمسلم أن يعطي طاعته لكل صاد عن سبيل الله، غير ملتزم بالإسلام، ولهذا الموضوع حيثيات كثيرة، محلها في سلسلتنا (في البناء). ولنعد إلى التفسير: قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ أي: من المسحورين الذين سحروا حتى غلبوا على عقولهم ما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ أي في دعوى الرسالة قالَ هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ أي نصيب من الماء فلا تزاحموها فيه وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ أي لا تزاحمكم هي فيه وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ أي بضرب أو عقر أو غير ذلك فَيَأْخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ عظم اليوم لحلول العذاب فيه. قال ابن كثير: .. (حذرهم نقمة الله إن أصابوها بسوء، فمكثت الناقة بين أظهرهم حينا من الدهر ترد الماء، وتأكل الورق والمرعى، وينتفعون بلبنها، يحلبون منها ما يكفيهم شربا وريا، فلما طال عليهم الأمد، وحضر أشقاهم تمالئوا على قتلها وعقرها) فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ على عقرها، خوفا من نزول العذاب بهم، لا ندم توبة، أو ندموا حين لا ينفع الندم فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ قال ابن كثير: (وهو أن أرضهم زلزلت زلزالا شديدا، وجاءتهم صيحة عظيمة اقتلعت القلوب من محالها، وأتاهم من الأمر ما لم يكونوا يحتسبون وأصبحوا في ديارهم جاثمين). وإنما عذب الجميع مع أن العاقر واحد، والمؤتمرين تسعة- كما سنرى في سورة النمل- إلا أن الجميع كانوا راضين، فأصابتهم سنة الله في الاستئصال، وذلك أنهم هم الذين اقترحوا الآية، وأجابهم الله، وسنة الله أن من كفر بعد أن جاءته آية اقترحها، أن يستأصل، وهؤلاء اعتدوا على الآية نفسها، فأي كفر أكبر من ذلك؟ وبمناسبة اقتراحهم الآية. قال ابن كثير: (ثم إنهم اقترحوا عليه آية يأتيهم بها ليعلموا صدقة بما جاءهم به من ربهم، وقد اجتمع ملؤهم وطلبوا منه أن يخرج لهم الآن من هذه الصخرة ناقة عشراء- وأشاروا إلى صخرة عندهم- من صفتها كذا وكذا، فعند ذلك أخذ عليهم نبي الله صالح العهود والمواثيق، لئن أجابهم إلى ما سألوا ليؤمنن به، وليتبعنه، فأعطوه ذلك، فقام نبي الله صالح ﵇ فصلى، ثم دعا الله أن يجيبهم

стр. 3741

إلى سؤالهم، فانفطرت تلك الصخرة التي أشاروا إليها عن ناقة عشراء، على الصفة التي وصفوها، فآمن بعضهم وكفر أكثرهم). إِنَّ فِي ذلِكَ أي فيما فعل الله بقوم صالح لَآيَةً لدلالة وعلامة على صدق الرسل في صحة رسالتهم من الله وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ مع وجود الآيات وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ ومن عزته أن يقهر أعداءه والكافرين به الرَّحِيمُ ومن رحمته أن ينصر أولياءه على أعدائه. ... فائدة: استدل الفقهاء بقوله تعالى: لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ على جواز المهايأة في بعض الأموال المشتركة: قال النسفي: (وهذا دليل على جواز المهايأة لأن قوله تعالى: لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ من المهايأة) قال فقهاء الحنفية: (المهايأة جائزة استحسانا .. وتجوز في دار واحدة: بأن يسكن كل منهما طائفة، أو أحدهما علوها والآخر سفلها، ولكل واحد إجارة ما أصابه، وأخذ غلته .. ولو تهايئا في دارين، على أن يسكن كل واحد دارا جاز .... ولو تهايئا في البيت الصغير على أن يسكن هذا مدة وهذا مثلها جاز ولا تجوز في ركوب دابة ولا دابتين؛ لأن الركوب يختلف باختلاف الراكب، لأن منهم الحاذق، والجاهل، فلا تحصل المعادلة .. ولا تجوز في ثمرة الشجرة ولا في لبن الغنم وأولادها لأن ما يحصل من ذلك يتفاوت ... وتجوز المهايأة بين مختلفي المنفعة كسكنى الدار وزرع الأرض، وكذا الحمام والدار؛ لأن كل واحد من المنفعتين يجوز استحقاقها بالمهايأة) اه. بتصرف لا يخل بالمعنى من كتاب الاختيار. كلمة في السياق: وبقصة صالح ﵇ عرض علينا ربنا آية سادسة تدل على صحة رسالات رسله، وتحذر من تكذيب رسوله، وصلة ذلك كله بقوله تعالى في سورة البقرة: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ واضحة، ولا نحب أن نقف هاهنا لأن ما مر معنا من قبل من ملاحظات، وكلمات في السياق، كاف لأن المقام واحد. فلننتقل إلى المجموعة السابعة.

стр. 3742

المجموعة السابعة: وفيها قصة لوط ﵇ وتمتد من الآية (١٦٠) إلى نهاية الآية (١٧٥) وهذه هي: [سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٦٠ الى ١٧٥] كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦٤) أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ (١٦٦) قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (١٦٧) قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ (١٦٨) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (١٦٩) فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٧٠) إِلاَّ عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ (١٧١) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٧٢) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٣) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٤) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٧٥) التفسير: كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ* إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ* إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ* فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ* وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ قال ابن كثير: (يقول تعالى مخبرا عن عبده ورسوله لوط ﵇ وهو لوط بن هاران بن آزر، وهو ابن أخي إبراهيم الخليل ﵇، وكان الله تعالى قد بعثه إلى أمة عظيمة في حياة إبراهيم ﵉، وكانوا يسكنون سدوم، وأعمالها التي اهلكها الله بها، وجعل مكانها بحيرة منتنة خبيثة، وهي مشهورة ببلاد الغور بناحية حيال البيت المقدس، بينها وبين بلاد الكرك والشوبك، فدعاهم إلى الله أن

стр. 3743

يعبدوه وحده لا شريك له، وأن يطيعوا رسولهم الذي بعثه الله إليهم، ونهاهم عن معصية الله، وارتكاب ما كانوا قد ابتدعوه في العالم مما لم يسبقهم أحد من الخلائق إلى فعله، من إتيان الذكور دون الإناث ولهذا قال تعالى: أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ أي أتطئون الذكور من الناس مع وجود الإناث، أو أتطئون أنتم من بين من عداكم من العالمين الذكران، أي أنتم مختصون بهذه الفاحشة وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ أي وتتركون فروج الأزواج وقد أباحها الله لكم بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ أي متجاوزون للحد في العدوان، أي بل أنتم قوم أحق بأن توصفوا بالعدوان، حيث ارتكبتم مثل هذه الفظيعة، وبدلا من أن يستجيبوا لمنطق الهدى والفطرة والعقل كان جوابهم قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ أي عن إنكارك علينا وتقبيح أمرنا لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ هددوه بالنفي من بين أظهرهم. والمعنى: لتكونن من جملة من أخرجناه من بين أظهرنا وطردناه من بلدنا، ولعلهم كانوا يخرجون من أخرجوه على أسوأ حال، فلما رأى أنهم لا يرتدعون عما هم فيه، وأنهم مستمرون على ضلالتهم، تبرأ من عملهم، وسأل الله نجاته، ونجاة أهله من عملهم قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ أي المبغضين لا أحبه ولا أرضى به رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ أي من الوقوع في عملهم، ومن عقوبته في الدنيا والآخرة فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ يعني بناته ومن آمن معه أَجْمَعِينَ أي كلهم إِلَّا عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ هي امرأة لوط، وكانت راضية بالمعصية، والراضي بالمعصية في حكم العاصي، فكانت من الغابرين، أي في الباقين في العذاب فلم تنج منه ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ أي استأصلناهم بالهلاك وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً من حجارة زيادة على جعل عالي بلادهم سافلها فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ أي الذين أنذروا فكذبوا فعوقبوا بمثل هذا المطر إِنَّ فِي ذلِكَ أي في فعل الله بقوم لوط وإنجائه لوطا لَآيَةً أي لدلالة على وجود الله وإرساله الرسل، وتوليه لهم وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ مع كثرة الآيات وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ ومن عزته أن يستأصل من شاء الرَّحِيمُ ومن رحمته أن ينجي رسله والمؤمنين. فائدة: من العقوبة الشديدة التي حلت بقوم لوط نعلم فظاعة الجريمة التي كانوا عليها ومن قوله تعالى في الآيات: وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ نعلم أن دبر

стр. 3744

المرأة محرم على الأزواج في كل الشرائع. قال النسفي: (وفيه دليل على تحريم أدبار الزوجات والمملوكات ومن أجازه فقد أخطأ خطأ عظيما). ... نقل: قال صاحب الظلال بمناسبة الكلام عن لوط وقومه في هذه السورة: (والخطيئة المنكرة التي عرف بها قوم لوط (وقد كانوا يسكنون عدة قرى في وادي الأردن) هي الشذوذ الجنسي بإتيان الذكور، وترك النساء. وهو انحراف في الفطرة شنيع. فقد برأ الله الذكر والأنثى؛ وفطر كلا منهما على الميل إلى صاحبه لتحقيق حكمته ومشيئته في امتداد الحياة عن طريق النسل، الذي يتم باجتماع الذكر والأنثى. فكان هذا الميل طرفا من الناموس الكوني العام، الذي يجعل كل من في الكون وكل ما في الكون في حالة تناسق وتعاون. فأما إتيان الذكور الذكور فلا يرمي إلى هدف، ولا يحقق غاية، ولا يتمشى مع فطرة هذا الكون وقانونه. وعجيب أن يجد فيه أحد لذة. واللذة التي يجدها الذكر والأنثى في التقائهما إن هي إلا وسيلة الفطرة لتحقيق الحكمة. فالانحراف عن ناموس الكون واضح في فعل قوم لوط. ومن ثم لم يكن بد أن يرجعوا عن هذا الانحراف أو أن يهلكوا، لخروجهم من ركب الحياة، ومن موكب الفطرة، ولتعريهم من حكمة وجودهم، وهي امتداد الحياة بهم عن طريق التزاوج والتوالد) (خسفت قراهم وغطاها الماء. ومنها قرية سدوم. ويظن أنها ثاوية تحت البحر الميت في الأردن. وبعض علماء طبقات الأرض يؤكدون أن البحر الميت يغمر مدنا كانت آهلة بالسكان. وقد كشف بعض رجال الآثار بقايا حصن بجوار البحر، وبجواره المذبح الذي تقدم عليه القرابين). ... كلمة في السياق: نلاحظ في قصة موسى أن الخطيئة البارزة التي جاء موسى ﵇ لعلاجها هي الظلم المتمثل بادعاء فرعون الربوبية، وظلمه لبني إسرائيل. وأن الخطيئة البارزة التي جاء إبراهيم لعلاجها هي شرك قومه وعبادتهم الأصنام، وأن الخطيئة البارزة التي جاء

стр. 3745

نوح ﵇ لعلاجها هي الشرك، وأن الخطيئة البارزة التي جاء هود وصالح يعالجانها هي الشرك مع البطر، وأن الخطيئة البارزة التي جاء لوط ﵇ يعالجها هي إتيان الذكور مع الشرك. فالشرك هو العلة التي تنبع عنها كل الخطايا. وكما أن مهمة الرسل هي هداية الناس إلى الله رب العالمين فإن مهمتهم أن يبعدوا الناس عن الخطايا كلها، وواضح من السياق أن من مظاهر تأييد الله لرسله عليهم الصلاة والسلام أن يهلك المعاندين هلاك استئصال في النهاية. وفي ذلك آيات تشهد على صدق الرسل ووجود الله. وإذ كان محمد ﵊ يدعو إلى ما دعا إليه كل الرسل السابقين. فهذا دليل واضح من أدلة رسالته، فليحذر الذين يخالفون عن أمره، ولنتذكر صلة ذلك كله بقوله تعالى: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ. ولننتقل إلى المجموعة الثامنة: ***

стр. 3746

المجموعة الثامنة: وفيها قصة شعيب ﵇ وتمتد من الآية (١٧٦) إلى نهاية الآية (١٩١) وهذه هي: [سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٧٦ الى ١٩١] كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٨٠) أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١) وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢) وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (١٨٣) وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (١٨٤) قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) وَما أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (١٨٦) فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٨٧) قالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ (١٨٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٩١) بين يدي المجموعة الثامنة: قال صاحب الظلال: (وأصحاب الأيكة هم- غالبا- أهل مدين. والأيكة: الشجر الكثيف الملتف. ويبدو أن مدين كانت تجاورها هذه الغيطة الوريفة من الأشجار. وموقع مدين بين الحجاز وفلسطين حول خليج العقبة).

стр. 3747

التفسير: كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ* إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ* إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ* فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ* وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ ليس لنا ما نقوله حول هذه الآيات سوى الكلام عن أهل الأيكة، والأيكة في اللغة: هي الغيضة تنبت ناعم الشجر. والمفسرون مختلفون: هل أصحاب الأيكة هم أهل مدين نفسها، أو أنهم غيرهم؟ وقد أرسل شعيب مرتين: مرة لمدين، ومرة لأهل الأيكة؟ للمفسرين قولان في هذا الشأن، وبعضهم يرى أن شعيبا أرسل ثلاث مرات، وقد كانت المرة الثالثة لأصحاب الرس، والذي رجحه ابن كثير: أن أصحاب الأيكة هم أهل مدين. بدليل أنهم أمروا بوفاء المكيال والميزان، كما ورد في قصة مدين سواء بسواء. وقد رد ما استدل به بعضهم من أحاديث أو آثار بأنها ضعيفة، أو غريبة، أو غير مرفوعة. ومن كلامه في هذا المقام: (هؤلاء- يعني أصحاب الأيكة- هم أهل مدين على الصحيح، وكان نبي الله شعيب من أنفسهم، وإنما لم يقل هاهنا أخوهم شعيب لأنهم نسبوا إلى عبادة الأيكة وهي شجرة وقيل شجر ملتف كالغيضة، كانوا يعبدونها، فلهذا قال: كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ ولم يقل: إذ قال لهم أخوهم شعيب وإنما قال: إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ فقطع نسب الأخوة بينهم للمعنى الذي نسبوا إليه، وإن كان أخاهم نسبا. ومن الناس من لم يفطن لهذه النكتة، فظن أن أصحاب الأيكة غير أهل مدين، فزعم أن شعيبا ﵇ بعثه الله إلى أمتين ومنهم من قال إلى ثلاث أمم .. والصحيح أنهم أمة واحدة وصفوا في كل مقام بشيء، ولهذا وعظ هؤلاء وأمرهم بوفاء المكيال والميزان، كما في قصة مدين سواء بسواء. فدل ذلك على أنهما أمة واحدة). أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ أي أتموه ولا تنقصوا الناس حقوقهم. قال النسفي: (فالكيل واف وهو مأمور به، وطفيف وهو منهي عنه، وزائد وهو مسكوت عنه، فتركه دليل على أنه إن فعله فقد أحسن، وإن لم يفعل فلا شئ عليه) وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ أي الميزان أو القبان الْمُسْتَقِيمِ أي الذي لا عوج فيه وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ أي لا تنقصوهم حقوقهم المالية وغيرها وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ أي ولا تبالغوا فيها في الإفساد، كأن تقطعوا الطريق، وتغيروا وتهلكوا الزروع وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ أي وحلق الجبلة الْأَوَّلِينَ أي وخلق الخلق الأولين. فالجبلة: هي الخلق، فماذا كان جوابهم على هذه الأوامر والنواهي العادلة؟ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ أي من

стр. 3748

المسحورين. نفس الجواب الذي أجابت به ثمود، فالقلوب متشابهة وَما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا فلست برسول كما تزعم وَإِنْ أي وإنه نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ أي تتعمد الكذب فيما تقوله، لا أن الله أرسلك إلينا فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً أي قطعا مِنَ السَّماءِ أي من السحاب، أو من جهة فوق إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ أي في دعوى النبوة، وهو نفس ما قالته قريش، كما ورد في سورة الإسراء وسورة الأنفال، فقلوب الكافرين متشابهة، وألفاظهم متشابهة قالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ أي إن الله أعلم بأعمالكم وبما تستحقون عليها من العذاب، فإن أراد أن يعاقبكم بإسقاط كسف من السماء فعل، وإن أراد عقابا آخر فإليه الحكم والمشيئة فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قال ابن كثير: (وهذا من جنس ما سألوه من إسقاط الكسف عليهم، فإن الله جعل عقوبتهم أن أصابهم حر عظيم، مدة سبعة أيام، لا يكنهم منه شئ، ثم أقبلت إليهم سحابة أظلتهم، فجعلوا ينطلقون إليها يستظلون بظلها من الحر، فلما اجتمعوا كلهم تحتها، أرسل الله تعالى عليهم منها شررا من نار ولهبا ووهجا عظيما، ورجفت بهم الأرض، وجاءتهم صيحة عظيمة أزهقت أرواحهم) إِنَّ فِي ذلِكَ أي الإهلاك لَآيَةً أي لدلالة واضحة على الله وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ مع وجود الآيات وكثرتها وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ ومن عزته أن ينتقم من أعداء رسله ومكذبيهم الرَّحِيمُ ومن رحمته أنه لا يتخلى عن رسله وأوليائه، بل يصدقهم وينتقم لهم وينجيهم. ... فوائد: ١ - رأينا أن القول الذي اعتمده ابن كثير أن أصحاب الأيكة هم قوم مدين، ورأينا دليله. وهاهنا نحب أن ننقل الأقوال الأخرى: قال ابن كثير: (روى إسحاق بن بشر الكاهلي- وهو ضعيف- عن خصيف عن عكرمة قالا: ما بعث الله نبيا مرتين إلا شعيبا. مرة إلى مدين فأخذهم الله بالصيحة ومرة إلى أصحاب الأيكة فأخذهم الله تعالى بعذاب يوم الظلة. وروى أبو القاسم البغوي عن قتادة في قوله تعالى: وَأَصْحابَ الرَّسِّ* قوم شعيب وقوله وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ* قوم شعيب، وقاله إسحاق بن بشر. وقال غير جويبر: أصحاب الأيكة ومدين هما واحد والله أعلم. وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة شعيب من طريق محمد بن عثمان بن أبي شيبة .. عن عبد الله

стр. 3749

ابن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : «إن قوم مدين وأصحاب الأيكة أمتان بعث الله إليهما شعيبا النبي ﵇». وهذا غريب وفي رفعه نظر، والأشبه أن يكون موقوفا. والصحيح أنهم أمة واحدة، وصفوا في كل مقام بشيء، ولهذا وعظ هؤلاء وأمرهم بوفاء المكيال والميزان كما في قصة مدين سواء بسواء، فدل ذلك على أنهما أمة واحدة). ٢ - ورد إهلاك قوم شعيب في أكثر من مكان في القرآن، وفي كل مرة عرض فيه نوع مما أصابهم، ومن ثم قال ابن كثير: (وقد ذكر الله صفة إهلاكهم في ثلاثة مواطن كل موطن بصفة تناسب ذلك السياق، ففي الأعراف الآية (٨٨) ذكر أنهم أخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين، وذلك لأنهم قالوا لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا فأرجفوا نبي الله ومن اتبعه فأخذتهم الرجفة، وفي سورة هود قال: فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ* وذلك لأنهم استهزءوا بنبي الله في قولهم أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ قالوا ذلك على سبيل التهكم والازدراء، فناسب أن تأتيهم صيحة تسكتهم فقال فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ* الآية وهاهنا قالوا: فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ الآية على وجه التعنت والعناد، فناسب أن يحق عليهم ما استبعدوا وقوعه فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قال قتادة قال عبد الله بن عمر ﵄: إن الله سلط عليهم الحر سبعة أيام حتى ما يظلهم منه شئ، ثم إن الله أنشأ لهم سحابة فانطلق إليها أحدهم فاستظل بها فأصاب تحتها بردا وراحة، فأعلم بذلك قومه، فأتوها جميعا فاستظلوا تحتها فأججت عليهم نارا، وهكذا روي عن عكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وغيرهم، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: بعث الله إليهم الظلة حتى إذا اجتمعوا كلهم كشف الله عنهم الظلة، وأحمى عليهم الشمس، فاحترقوا كما يحترق الجراد في المقلى، وقال محمد بن كعب القرظي: إن أهل مدين عذبوا بثلاثة أصناف من العذاب: أخذتهم الرجفة في دارهم حتى خرجوا منها، فلما خرجوا منها أصابهم فزع شديد، ففرقوا أن يدخلوا إلى البيوت فتسقط عليهم، فأرسل الله عليهم الظلة فدخل تحتها رجل فقال: ما رأيت كاليوم ظلا أطيب ولا أبرد من هذا، هلموا أيها الناس، فدخلوا جميعا تحت الظلة، فصاح بهم صيحة فماتوا جميعا، ثم تلا محمد بن كعب فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ وروى محمد بن جرير .. عن يزيد الباهلي سألت ابن عباس عن هذه الآية: فَأَخَذَهُمْ عَذابُ

стр. 3750

يَوْمِ الظُّلَّةِ الآية قال: بعث الله عليهم رعدا وحرا شديدا، فأخذ بأنفاسهم فخرجوا من البيوت هرابا إلى البرية، فبعث الله عليهم سحابة، فأظلتهم من الشمس، فوجدوا لها بردا ولذة، فنادى بعضهم بعضا، حتى إذا اجتمعوا تحتها أرسل الله عليهم نارا. قال ابن عباس فذلك عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ* وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ أي العزيز في انتقامه من الكافرين، الرحيم بعباده المؤمنين). ٣ - لاحظنا أنه من أول السورة حتى هنا قد تكرر في آخر كل مجموعة قوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ* وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ* كما رأينا تشابها في بدايات المجموعات: الرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والثامنة. وقد قال النسفي فى حكمة ذلك ما يلي: (وقد كرر في هذه السورة في أول قصة وآخرها ما قرر تقريرا لمعانيها في الصدور ليكون أبلغ في الوعظ والزجر، ولأن كل قصة منها كتنزيل برأسه، وفيها من الاعتبار مثل ما في غيرها، فكانت جديرة بأن تفتتح بما افتتحت به صاحبتها، وأن تختتم بما اختتمت به). كلمة في السياق: ورد معنا حتى الآن في السورة ثمان مجموعات، ولم يبق عندنا إلا الخاتمة التي سيقت المجموعات الثمانية قبلها لتصب في خدمتها، إذ الخاتمة تتحدث عن المعجزة القرآنية، وتحذر من الإعراض عنها، ومن عصيان الرسول الذي أنزلت عليه، كما تتحدث عن بعض واجبات هذا الرسول، وعن نزاهته من أن يكون كاذبا. فالمجموعات السابقة لفتت النظر إلى آيات من آيات الله تدل عليه، وتشهد على عزته ورحمته، وفيها تقرير لرسالة المرسلين الذين منهم محمد ﷺ وفيها تحذير من مخالفة المرسلين الذين منهم محمد ﷺ . فإذا اتضح التقرير والتحذير من خلال عرض آيات الله في الكون وفي التاريخ، يتجه السياق الآن للكلام المباشر عن القرآن والرسول، إذ الوصول إلى الكلام عن ذلك هو المقصود الأكبر من السياق في السورة، التي تفصل قوله تعالى: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وقد تلا الله علينا في كل مجموعة آية من آياته وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ودليل ذلك هذه الآيات المنزلة عليك، فليحذر مكذبوك ومخالفوك، وتأمل مطلع الخاتمة وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ* نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ* عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ* بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ* أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ
следующие страницы →