Полный текст (6 440 стр.). Показаны 3746–3785 · переход к 3751.
стр. 3746
المجموعة الثامنة: وفيها قصة شعيب ﵇
وتمتد من الآية (١٧٦) إلى نهاية الآية (١٩١) وهذه هي:
[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٧٦ الى ١٩١]
كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٨٠)
أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١) وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢) وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (١٨٣) وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (١٨٤) قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥)
وَما أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (١٨٦) فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٨٧) قالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ (١٨٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠)
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٩١)
بين يدي المجموعة الثامنة:
قال صاحب الظلال: (وأصحاب الأيكة هم- غالبا- أهل مدين. والأيكة:
الشجر الكثيف الملتف. ويبدو أن مدين كانت تجاورها هذه الغيطة الوريفة من الأشجار. وموقع مدين بين الحجاز وفلسطين حول خليج العقبة).
стр. 3747
التفسير:
كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ* إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ* إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ* فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ* وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ ليس لنا ما نقوله حول هذه الآيات سوى الكلام عن أهل الأيكة، والأيكة في اللغة: هي الغيضة تنبت ناعم الشجر. والمفسرون مختلفون: هل أصحاب الأيكة هم أهل مدين نفسها، أو أنهم غيرهم؟ وقد أرسل شعيب مرتين: مرة لمدين، ومرة لأهل الأيكة؟ للمفسرين قولان في هذا الشأن، وبعضهم يرى أن شعيبا أرسل ثلاث مرات، وقد كانت المرة الثالثة لأصحاب الرس، والذي رجحه ابن كثير: أن أصحاب الأيكة هم أهل مدين. بدليل أنهم أمروا بوفاء المكيال والميزان، كما ورد في قصة مدين سواء بسواء. وقد رد ما استدل به بعضهم من أحاديث أو آثار بأنها ضعيفة، أو غريبة، أو غير مرفوعة. ومن كلامه في هذا المقام: (هؤلاء- يعني أصحاب الأيكة- هم أهل مدين على الصحيح، وكان نبي الله شعيب من أنفسهم، وإنما لم يقل هاهنا أخوهم شعيب لأنهم نسبوا إلى عبادة الأيكة وهي شجرة وقيل شجر ملتف كالغيضة، كانوا يعبدونها، فلهذا قال: كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ ولم يقل: إذ قال لهم أخوهم شعيب وإنما قال: إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ فقطع نسب الأخوة بينهم للمعنى الذي نسبوا إليه، وإن كان أخاهم نسبا. ومن الناس من لم يفطن لهذه النكتة، فظن أن أصحاب الأيكة غير أهل مدين، فزعم أن شعيبا ﵇ بعثه الله إلى أمتين ومنهم من قال إلى ثلاث أمم .. والصحيح أنهم أمة واحدة وصفوا في كل مقام بشيء، ولهذا وعظ هؤلاء وأمرهم بوفاء المكيال والميزان، كما في قصة مدين سواء بسواء. فدل ذلك على أنهما أمة واحدة).
أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ أي أتموه ولا تنقصوا الناس حقوقهم. قال النسفي: (فالكيل واف وهو مأمور به، وطفيف وهو منهي عنه، وزائد وهو مسكوت عنه، فتركه دليل على أنه إن فعله فقد أحسن، وإن لم يفعل فلا شئ عليه)
وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ أي الميزان أو القبان الْمُسْتَقِيمِ أي الذي لا عوج فيه
وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ أي لا تنقصوهم حقوقهم المالية وغيرها وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ أي ولا تبالغوا فيها في الإفساد، كأن تقطعوا الطريق، وتغيروا وتهلكوا الزروع
وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ أي وحلق الجبلة الْأَوَّلِينَ أي وخلق الخلق الأولين. فالجبلة: هي الخلق، فماذا كان جوابهم على هذه الأوامر والنواهي العادلة؟
قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ أي من
стр. 3748
المسحورين. نفس الجواب الذي أجابت به ثمود، فالقلوب متشابهة
وَما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا فلست برسول كما تزعم وَإِنْ أي وإنه نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ أي تتعمد الكذب فيما تقوله، لا أن الله أرسلك إلينا
فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً أي قطعا مِنَ السَّماءِ أي من السحاب، أو من جهة فوق إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ أي في دعوى النبوة، وهو نفس ما قالته قريش، كما ورد في سورة الإسراء وسورة الأنفال، فقلوب الكافرين متشابهة، وألفاظهم متشابهة
قالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ أي إن الله أعلم بأعمالكم وبما تستحقون عليها من العذاب، فإن أراد أن يعاقبكم بإسقاط كسف من السماء فعل، وإن أراد عقابا آخر فإليه الحكم والمشيئة
فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قال ابن كثير: (وهذا من جنس ما سألوه من إسقاط الكسف عليهم، فإن الله جعل عقوبتهم أن أصابهم حر عظيم، مدة سبعة أيام، لا يكنهم منه شئ، ثم أقبلت إليهم سحابة أظلتهم، فجعلوا ينطلقون إليها يستظلون بظلها من الحر، فلما اجتمعوا كلهم تحتها، أرسل الله تعالى عليهم منها شررا من نار ولهبا ووهجا عظيما، ورجفت بهم الأرض، وجاءتهم صيحة عظيمة أزهقت أرواحهم)
إِنَّ فِي ذلِكَ أي الإهلاك لَآيَةً أي لدلالة واضحة على الله وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ مع وجود الآيات وكثرتها
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ ومن عزته أن ينتقم من أعداء رسله ومكذبيهم الرَّحِيمُ ومن رحمته أنه لا يتخلى عن رسله وأوليائه، بل يصدقهم وينتقم لهم وينجيهم.
...
فوائد:
١ - رأينا أن القول الذي اعتمده ابن كثير أن أصحاب الأيكة هم قوم مدين، ورأينا دليله. وهاهنا نحب أن ننقل الأقوال الأخرى: قال ابن كثير: (روى إسحاق بن بشر الكاهلي- وهو ضعيف- عن خصيف عن عكرمة قالا: ما بعث الله نبيا مرتين إلا شعيبا. مرة إلى مدين فأخذهم الله بالصيحة ومرة إلى أصحاب الأيكة فأخذهم الله تعالى بعذاب يوم الظلة. وروى أبو القاسم البغوي عن قتادة في قوله تعالى: وَأَصْحابَ الرَّسِّ* قوم شعيب وقوله وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ* قوم شعيب، وقاله إسحاق بن بشر. وقال غير جويبر: أصحاب الأيكة ومدين هما واحد والله أعلم. وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة شعيب من طريق محمد بن عثمان بن أبي شيبة .. عن عبد الله
стр. 3749
ابن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : «إن قوم مدين وأصحاب الأيكة أمتان بعث الله إليهما شعيبا النبي ﵇». وهذا غريب وفي رفعه نظر، والأشبه أن يكون موقوفا. والصحيح أنهم أمة واحدة، وصفوا في كل مقام بشيء، ولهذا وعظ هؤلاء وأمرهم بوفاء المكيال والميزان كما في قصة مدين سواء بسواء، فدل ذلك على أنهما أمة واحدة).
٢ - ورد إهلاك قوم شعيب في أكثر من مكان في القرآن، وفي كل مرة عرض فيه نوع مما أصابهم، ومن ثم قال ابن كثير: (وقد ذكر الله صفة إهلاكهم في ثلاثة مواطن كل موطن بصفة تناسب ذلك السياق، ففي الأعراف الآية (٨٨) ذكر أنهم أخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين، وذلك لأنهم قالوا لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا فأرجفوا نبي الله ومن اتبعه فأخذتهم الرجفة، وفي سورة هود قال: فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ* وذلك لأنهم استهزءوا بنبي الله في قولهم أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ قالوا ذلك على سبيل التهكم والازدراء، فناسب أن تأتيهم صيحة تسكتهم فقال فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ* الآية وهاهنا قالوا: فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ الآية على وجه التعنت والعناد، فناسب أن يحق عليهم ما استبعدوا وقوعه فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قال قتادة قال عبد الله بن عمر ﵄: إن الله سلط عليهم الحر سبعة أيام حتى ما يظلهم منه شئ، ثم إن الله أنشأ لهم سحابة فانطلق إليها أحدهم فاستظل بها فأصاب تحتها بردا وراحة، فأعلم بذلك قومه، فأتوها جميعا فاستظلوا تحتها فأججت عليهم نارا، وهكذا روي عن عكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وغيرهم، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم:
بعث الله إليهم الظلة حتى إذا اجتمعوا كلهم كشف الله عنهم الظلة، وأحمى عليهم الشمس، فاحترقوا كما يحترق الجراد في المقلى، وقال محمد بن كعب القرظي: إن أهل مدين عذبوا بثلاثة أصناف من العذاب: أخذتهم الرجفة في دارهم حتى خرجوا منها، فلما خرجوا منها أصابهم فزع شديد، ففرقوا أن يدخلوا إلى البيوت فتسقط عليهم، فأرسل الله عليهم الظلة فدخل تحتها رجل فقال: ما رأيت كاليوم ظلا أطيب ولا أبرد من هذا، هلموا أيها الناس، فدخلوا جميعا تحت الظلة، فصاح بهم صيحة فماتوا جميعا، ثم تلا محمد بن كعب فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ وروى محمد بن جرير .. عن يزيد الباهلي سألت ابن عباس عن هذه الآية: فَأَخَذَهُمْ عَذابُ
стр. 3750
يَوْمِ الظُّلَّةِ الآية قال: بعث الله عليهم رعدا وحرا شديدا، فأخذ بأنفاسهم فخرجوا من البيوت هرابا إلى البرية، فبعث الله عليهم سحابة، فأظلتهم من الشمس، فوجدوا لها بردا ولذة، فنادى بعضهم بعضا، حتى إذا اجتمعوا تحتها أرسل الله عليهم نارا. قال ابن عباس فذلك عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ* وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ أي العزيز في انتقامه من الكافرين، الرحيم بعباده المؤمنين).
٣ - لاحظنا أنه من أول السورة حتى هنا قد تكرر في آخر كل مجموعة قوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ* وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ* كما رأينا تشابها في بدايات المجموعات: الرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والثامنة. وقد قال النسفي فى حكمة ذلك ما يلي: (وقد كرر في هذه السورة في أول قصة وآخرها ما قرر تقريرا لمعانيها في الصدور ليكون أبلغ في الوعظ والزجر، ولأن كل قصة منها كتنزيل برأسه، وفيها من الاعتبار مثل ما في غيرها، فكانت جديرة بأن تفتتح بما افتتحت به صاحبتها، وأن تختتم بما اختتمت به).
كلمة في السياق:
ورد معنا حتى الآن في السورة ثمان مجموعات، ولم يبق عندنا إلا الخاتمة التي سيقت المجموعات الثمانية قبلها لتصب في خدمتها، إذ الخاتمة تتحدث عن المعجزة القرآنية، وتحذر من الإعراض عنها، ومن عصيان الرسول الذي أنزلت عليه، كما تتحدث عن بعض واجبات هذا الرسول، وعن نزاهته من أن يكون كاذبا. فالمجموعات السابقة لفتت النظر إلى آيات من آيات الله تدل عليه، وتشهد على عزته ورحمته، وفيها تقرير لرسالة المرسلين الذين منهم محمد ﷺ وفيها تحذير من مخالفة المرسلين الذين منهم محمد ﷺ . فإذا اتضح التقرير والتحذير من خلال عرض آيات الله في الكون وفي التاريخ، يتجه السياق الآن للكلام المباشر عن القرآن والرسول، إذ الوصول إلى الكلام عن ذلك هو المقصود الأكبر من السياق في السورة، التي تفصل قوله تعالى: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وقد تلا الله علينا في كل مجموعة آية من آياته وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ودليل ذلك هذه الآيات المنزلة عليك، فليحذر مكذبوك ومخالفوك، وتأمل مطلع الخاتمة وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ* نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ* عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ* بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ* أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ
стр. 3751
آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ* لتجد أن ما سبق من السورة يخدم هذه الخاتمة، وأن الخاتمة امتداد للسورة من حيث إنها تعرض لنا آية جديدة من آيات الله في بعثة محمد ﷺ وإرساله وإنزال القرآن الذي هو معجزة عليه.
***
стр. 3752
الخاتمة وهي المجموعة التاسعة
وتمتد من الآية (١٩٢) إلى نهاية السورة. أي إلى نهاية الآية (٢٢٧) وهذه هي:
[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٩٢ الى ٢٢٧]
وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦)
أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٩٧) وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (١٩٩) كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠) لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٢٠١)
فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٢٠٢) فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ (٢٠٣) أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ (٢٠٤) أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦)
ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ (٢٠٧) وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ لَها مُنْذِرُونَ (٢٠٨) ذِكْرى وَما كُنَّا ظالِمِينَ (٢٠٩) وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ (٢١٠) وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ (٢١١)
إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢) فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢١٦)
وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٢٢٠) هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ (٢٢١)
تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ (٢٢٣) وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ (٢٢٦)
إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧)
стр. 3753
التفسير:
وَإِنَّهُ قال ابن كثير: أي القرآن الذي تقدم ذكره في أول السورة لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ أي أنزله الله عليك وأوحاه إليك.
...
ملاحظة في السياق:
مر معنا في قصة موسى عليه وصف رب العالمين قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ .. ومر معنا في قصة إبراهيم وصف رب العالمين إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ .. والآن يأتي معنا أن رب العالمين هو منزل هذا الكتاب وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ وفي ذلك نوع من التكامل في سياق السورة.
فليتفطن إليه.
...
стр. 3754
نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ أي جبريل وهذا مما لا نزاع فيه بين العلماء فجبريل هو الأمين على وحي الله، وسمي روحا لأنه ينزل بالوحي الذي هو حياة لقلب الإنسان
عَلى قَلْبِكَ أي على قلب محمد ﷺ ، وذلك دليل على أن القلب هو مركز التلقي عن عالم الغيب، القلب الذي في الصدر وليس الدماغ كما توهم بعضهم، وهو قلب غيبي، بينه وبين القلب الصنوبري صلة وهو موضوع فصلناه في كتابنا (تربيتنا الروحية) لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ أي لتنذر به بأس الله ونقمته على من خالفه وكفر به، وتبشر به المؤمنين المتبعين
بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ أي فصيح وواضح وصحيح.
قال ابن كثير: (أي هذا القرآن الذي أنزلناه إليك، أنزلناه باللسان العربي الفصيح الكامل الشامل؛ ليكون بينا واضحا ظاهرا، قاطعا للعذر، مقيما للحجة دليلا إلى المحجة).
كلمة في السياق:
لاحظنا أن محور السورة هو قوله تعالى في سورة البقرة: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ولاحظنا أن كل مجموعة من المجموعات الثمانية السابقة على هذه المجموعة حدثتنا عن آية من آيات الله. ولكن الآيات الأربع السابقة تنصب على أن هذا القرآن من عند الله، أنزله الله ليكون محمد ﷺ من المنذرين، وإذن فهي تفصيل مباشر للآية تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وخاصة في شقها الأخير وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ فلنلاحظ ذلك ولنتدبر الخاتمة على ضوء ذلك.
...
وَإِنَّهُ أي القرآن لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ أي لموجود ذكره، أو لموجودة معانيه في كتب الأولين المأثورة عن أنبيائهم، والتي أنزلها الله نصا كالكتب السماوية، أو أوحى معانيها وسجلت لا ككتب سماوية، ولكن كوحي عن الله. هذا شئ ظاهر وواضح، فإنك عند ما تقرأ كتب العهد القديم والجديد- على تحريفها- تجد القرآن قد استوعبها، وأن كثيرا من معاني القرآن موجود فيها، مما يدل على وحدة الوحي، وأن هذا القرآن من نفس المصدر، وفي كتابنا (الرسول ﷺ ذكرنا مجموعة البشارات الواردة بمحمد ﷺ والقرآن في الكتب الدينية فليراجع.
أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ أي للخلق عامة، لأنهم جميعا مكلفون بالإيمان بهذا القرآن آيَةً أي علامة واضحة، ومعجزة كاملة، تدل على أنه منزل من عند الله أَنْ يَعْلَمَهُ أي أن يعلم
стр. 3755
هذا القرآن عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ والمراد منهم المنصفون العدول، فهؤلاء يعلمون أن هذا القرآن موجود فيه التوراة والزبور والإنجيل، وأن ما فيه حق من عند الله، وأنه هو الذي بشرت به وبصاحبه الكتب السابقة، ويدخل في هؤلاء كل من أسلم من علماء التوراة والزبور والإنجيل سابقا ولا حقا، كورقة بن نوفل، وعبد الله بن سلام، وسلمان الفارسي، وكعب الأحبار، ووهب بن منبه، وغيرهم حتى يومنا هذا وما بعده. فما من عالم بكتب العهد القديم والجديد يدخل في الإسلام إلا وفي دخوله معجزة لهذا القرآن، وشاهد على صدقه، وأنه من عند الله.
كلمة في السياق:
كما أنه في كل مجموعة من مجموعات السورة لفت الله نظرنا فيها إلى آية، فإن هذه المجموعة الأخيرة قد لفت الله نظرنا فيها إلى آية، هي علامة على صحة هذا القرآن، وأنه من عند الله بقوله تعالى: أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ وهذا مظهر من مظاهر ارتباط الخاتمة بسياق السورة وبمحورها.
وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ الأعجمون: جمع أعجم وهو الذي لا يفصح، والمراد به هنا من لا يفصح بلسان العرب، أي ليس عربيا، ولا يتقن العربية، ولا يحسن الحديث بها
فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ أي فقرأ هذا القرآن على العرب أو على الناس ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ مما يدل على أن عدم الإيمان ليس لعدم وضوح الحجة، بل لمرض في العقل والقلب والروح. قال النسفي في الآيتين: (والمعنى: أنا أنزلنا القرآن على رجل عربي مبين، ففهموه وعرفوا فصاحته، وأنه معجز، وانضم إلى ذلك اتفاق علماء أهل الكتاب قبله على أن البشارة بإنزاله وصفته في كتبهم، وقد تضمنت معانيه وقصصه، وصح بذلك أنها من عند الله، وليست بأساطير كما زعموا، فلم يؤمنوا به، وسموه شعرا تارة، وسحرا أخرى، وقالوا: هذا من افتراء محمد ﵊، ولو نزلناه على بعض الأعاجم الذي لا يحسن العربية- فضلا عن أن يقدر على نظم مثله- فقرأه عليهم هكذا معجزا، لكفروا به كما كفروا، ولتمحلوا لجحودهم عذرا، ولسموه سحرا).
كَذلِكَ سَلَكْناهُ أي أدخلنا التكذيب أو الكفر فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ أي الكافرين الذين علمنا منهم اختيار الكفر والإصرار عليه، يعني مثل هذا السلك سلكناه
стр. 3756
في قلوبهم، وقررناه فيها، فكيفما فعل بهم، وعلى أي وجه دبر أمرهم، فلا سبيل إلى أن يتغيروا عما هم عليه من الكفر به، والتكذيب له، وقد دلت الآية على أن صفة الإجرام إذا تلبس بها إنسان، حالت بينه وبين قبول الحق
لا يُؤْمِنُونَ بِهِ أي بالقرآن حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ أي حتى يعاينوا الوعيد، والمراد به معاينة العذاب الأليم عند الموت، ويكون ذلك إيمان يأس فلا ينفعهم. أو المراد به العذاب الرباني في الدنيا
فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً أي فجأة وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ أي بإتيانه
فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ أي يسألون النظرة، والإمهال طرفة عين، فلا يجابون إليها.
كلمة في السياق:
لاحظنا أنه في نهاية كل مجموعة كان يرد قوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ* وهذا المعنى نفسه يصاغ في الخاتمة على هذا الشاكلة: أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ* وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ* فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ* كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ* لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ .. فموقف الناس من الآيات هو موقفهم، الأكثرية لا تؤمن، والسبب هو أن الأكثرية مجرمة. فالعلة في الرفض هي الإجرام.
...
ولنعد إلى التفسير:
أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ هذا إنكار عليهم وتهديد لهم، لأنهم مع تكذيبهم يستعجلون العذاب.
...
كلمة في السياق:
لاحظنا من خلال عرض القصص السابقة أن الاستعجال بالعذاب دأب الأمم السابقة، وفي الخاتمة يسجل الله استعجال الكافرين من هذه الأمة للعذاب، وذلك من جملة مظاهر كون خاتمة السورة امتدادا لسياقها. بل إن كل آية في الخاتمة تكاد تكون امتدادا لمعنى ورد من قبل، ويأتي الرد على المستعجلين بالعذاب بقوله تعالى:
...
стр. 3757
أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ أي من العذاب
ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ أي به في تلك السنين. أي لو أخرناهم، وأنظرناهم، وأملينا لهم برهة من الدهر، وحينا من الزمان وإن طال، ثم جاءهم أمر الله، أي شئ يجدي عنهم ما كانوا به من النعيم؟
ثم قال تعالى مخبرا عن عدله، وأنه ما أهلك أمة من الأمم إلا بعد الإعذار إليهم، والإنذار لهم، وبعثة الرسل إليهم، وقيام الحجة عليهم فقال: وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها
مُنْذِرُونَ
أي رسل ينذرونهم
ذِكْرى أي فعلنا ذلك تذكرة وموعظة وإقامة حجة وَما كُنَّا ظالِمِينَ فنهلك قوما لا يستحقون الهلاك. والمعنى: وما ظلمنا إذ أهلكنا لأننا ما أهلكنا من أهل قرية إلا بعد ما ألزمناهم الحجة بإرسال المنذرين إليهم، ليكون إهلاكهم تذكرة وعبرة لغيرهم، فلا يعصوا مثل عصيانهم.
كلمة في السياق:
يأتي قوله تعالى: وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ* ذِكْرى وَما كُنَّا ظالِمِينَ كرد ثان على استعجالهم العذاب؛ إذ يبين الله سنة من سننه في هذا الشأن، والملاحظ أنه يأتي هذا الموضوع في الخاتمة، بعد أن عرض الله علينا في السورة ستة نماذج على إهلاكه قرى أنذرت فكذبت، ومن ثم تعرف معنى قولنا كيف أن ما ذكر قبل الخاتمة يصب في خدمة الخاتمة، وأن كل آية في الخاتمة مرتبطة بسياق السورة الخاص بشكل بارز وواضح، وبعد أن أثبت الله أنه هو الذي أنزل هذا القرآن، وأقام الحجة على ذلك وعرض لموقف المجرمين، وسبب هذا الموقف، ورد على استعجالهم العذاب، يأتي الآن نفيه القاطع أن يكون للشياطين صلة بموضوع إنزال هذا القرآن، ومجيء هذا النفي هنا يشير إلى الشبهة الكافرة الجاحدة التي لا زال الكافرون يثيرونها وهي أن محمدا ﷺ (وحاشاه بأبي هو وأمي) كانت له حالات غير صحية تحدث له فيها تخيلات وأوهام، هي أثر عن وسوسات وصرعات، فعليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، ما أجهلهم بالطب، وما أجهلهم بالقرآن، وما أجهلهم بحال رسول الله ﷺ ، وما أجهلهم بظاهرة الوحي، وما أظلمهم وأسفههم. قال تعالى:
...
وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ أي بالقرآن الشَّياطِينُ
وذلك لثلاثة أسباب، ذكرها على
стр. 3758
الترتيب: فقال: وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ* إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ قال ابن كثير: (ذكر أنه يمتنع عليهم ذلك من ثلاثة أوجه: أحدها أنه ما ينبغي لهم، أي ليس هو من بغيتهم، ولا من طلبتهم، لأن من سجاياهم الفساد، وإضلال العباد، وهذا فيه الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ونور وهدى وبرهان عظيم، فبينه وبين الشياطين منافاة عظيمة، ولهذا قال تعالى وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وقوله تعالى:
وَما يَسْتَطِيعُونَ أي ولو انبغى لهم لما استطاعوا ذلك، قال الله تعالى: لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ
ثم بين أنه لو انبغى لهم واستطاعوا حمله وتأديته لما وصلوا إلى ذلك، لأنهم بمعزل عن استماع القرآن حال نزوله، لأن السماء ملئت حرسا شديدا وشهبا في مدة إنزال القرآن على رسول الله ﷺ فلم يخلص أحد من الشياطين إلى استماع حرف واحد منه، لئلا يشتبه الأمر، وهذا من رحمة الله بعباده، وحفظه لشرعه، وتأييده لكتابه ولرسوله ولهذا قال تعالى:
إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ كما قال تعالى مخبرا عن الجن وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً* وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً إلى قومه أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً. (الجن:
٨ - ١٠)
وإذ قامت الحجة الكاملة على أن هذا القرآن من عند الله، وأن الله أنزله على قلب محمد ﷺ ليكون من المنذرين. فإن السياق الآن يتجه إلى النذير، آمرا ناهيا، موجها مؤدبا معلما، وفي ذلك وحده آية على أن هذا القرآن من عند الله؛ إذ تجد فيه آمرا أعلى لا تجد في أوامره أثرا للضعف البشري كما تجد أن محمدا مأمور، مقامه العبودية فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وما كان محمد ﷺ ليفعل، ولكنه التحريك له على زيادة الإخلاص، والتربية لغيره، ثم لبيان أن منزل هذا القرآن رب العالمين وأن مقام محمد ﷺ العبودية، وأنه إذا أخل بمقام العبودية فشأنه أن يعذب: فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ فما أجهل الناس بالله.
ثم قال تعالى آمرا رسوله ﷺ أن يخص عشيرته الأقربين بالدعوة، وفي ذلك كذلك دليل على أن هذا القرآن من عند الله، وعلى أن محمدا رسول الله ﷺ ، فتخصيص الأقربين بالدعوة دليل على أن الأمر جد وحق وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ
ثم يصدر له الأمر بخفض الجناح للمؤمنين، وفي ذلك دليل آخر على أن القرآن من عند الله، فليست المسألة هنا مسألة زعامة، ولا جاه، ولا طلب كبرياء، فلو كان القرآن أثرا عن كبرياء بشر ما كان فيه مثل هذا الأمر
стр. 3759
وَاخْفِضْ جَناحَكَ أي وألن جانبك وتواضع لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ من عشيرتك وغيرهم، أما الكافرون فالأدب في شأنهم يختلف باختلاف حالهم
فَإِنْ عَصَوْكَ بالمخالفة فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ أمره أن يتبرأ من أعمالهم العاصية، لا من ذواتهم.
ولما كان الإنذار والتبرؤ من معصية العاصين فيه مخاطر، ولما كان خفض الجناح قد يؤدي إلى أن يسئ المخفوض له الجناح الأدب، جاء الأمر بالتوكل:
وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ العزيز الذي يقهر أعداءك بعزته، وينصرك عليهم برحمته، أي توكل عليه في جميع أمورك؛ فإنه مؤيدك، وحافظك، وناصرك، ومظفرك، ومعل كلمتك
الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ أي من الليل متهجدا
وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ أي ويرى تقلبك في المصلين، أي حين تقوم للصلاة بالناس جماعة
إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ لما تقوله الْعَلِيمُ بما تنويه وتعلمه. قال النسفي: (هون عليه معاناة مشاق العبادات، حيث أخبره برؤيته له، إذ لا مشقة على من يعمل بمرأى مولاه.
كلمة في السياق:
١ - نلاحظ أنه في كل مجموعة من المجموعات الثمانية السابقة ورد في خاتمتها قوله تعالى: وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ* وذلك بعد ذكر مظهر من مظاهر عزته ورحمته، وهاهنا رأينا قوله تعالى: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ... أي الذي رأيت مظاهر عزته ورحمته فيما مضى، بحيث يورثك العرفان الكامل، والتوكل الأعلى، كيف وهو الذي يراك في أحوالك كلها، ويراك في أعلى مقامات عبوديتك مصليا في الليل منفردا، وإماما في الليل والنهار. وإذن فالصلة بين آيات الخاتمة وسياق السورة واضح في كل آية من آيات الخاتمة.
٢ - لو أنك وضعت الآيات التي مرت معنا أخيرا بجانب آية المحور فماذا ترى؟
تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (البقرة)
فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ
وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ.
وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ* فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ
стр. 3760
وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ* الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ* وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ* إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (الشعراء)
إنك عند ما تقرأ آية المحور ثم تقرأ بعدها هذه الآيات فإنك تشعر كأنك في موضوع واحد، وهذا من مظاهر صلة السورة بالمحور.
...
إن شكر نعمة الرسالة يقتضي توحيدا وإنذارا وخفض جناح وتوكلا، ومن ثم طالبت الآيات الأخيرة رسول الله ﷺ بذلك.
...
٣ - ولم يبق معنا من السورة إلا سبع آيات فلنر محلها من الخاتمة كمقدمة لعرضها:
تحدثت الخاتمة أن منزل هذا القرآن على محمد ﷺ هو الله رب العالمين، ثم برهنت على ذلك، ثم ذكرت موقف المجرمين من ذلك وردت عليه، ثم نفت أن يكون هذا القرآن من تنزل الشياطين، ثم أمرت ونهت رسول الله ﷺ ، هذه الأوامر العالية ليقوم بواجب الشكر، وإذ كانت الشبهتان الكبيرتان حول هذا القرآن هما: شبهة أن يكون من وساوس الشياطين، وشبهة أن يكون أثرا أدبيا نابعا عن بلاغة شاعر فإن السياق الآن يتجه لينفي هاتين الشبهتين.
...
هَلْ أُنَبِّئُكُمْ أي هل أخبركم عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ من البشر؟ الجواب
تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أي كذاب أَثِيمٍ أي مرتكب للآثام، إذ إنهم ينزلون على من يشاكلهم ويشابههم من الكهان الكذبة
يُلْقُونَ السَّمْعَ أي يلقي الشياطين السمع رغبة منهم أن يتعرفوا خبر السماء وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ أي فيما ينقلونه، ومن ثم فلا يمكن أن يكون هذا القرآن منهم، أو له صلة فيهم، فالقرآن حق خالص، وما ينقلونه فيه الباطل الكثير، ولا مشاكلة بينهم وبين محمد ﵊.
فمحمد صادق وهم كاذبون.
...
стр. 3761
كلمة في السياق:
نلاحظ أنه ورد أولا قوله تعالى: وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ* إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ ثم ورد قوله تعالى: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ* تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ* يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ وفي الوسط جاء قوله تعالى: فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ* وَأَنْذِرْ ..
وَاخْفِضْ .. وَتَوَكَّلْ .. فكأن الله جعل في الوسط هذه الآيات ليبين أن كتابا يأمر هذه الأوامر، ورسولا يتلقى هذه الأوامر، لا يمكن أن يكون ذلك أثرا عن عالم الشياطين الكاذبين الآثمين، الذين يأتون أمثالهم من الكاذبين الآثمين، ليسيروهم في طريق الكذب والإثم. وقد لاحظ النسفي أن السياق يصب كله في معنى واحد هو التنزيل وعلل لذكر معان أخرى فيما بين ذلك بقوله: (وإنما فرق بين) وإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ وهَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ وهن أخوات لأنه إذا فرق بينهن بآيات ليست منهن ثم رجع إليهن مرة بعد مرة دل ذلك على شدة العناية بهن، كما إذا حدثت حديثا وفي صدرك اهتمام بشيء فتعيد ذكره، ولا تنفك عن الرجوع إليه).
فكأن النسفي لاحظ أن المعنى الرئيسي في الخاتمة إنما هو إثبات التنزيل، وأنه من عند الله رب العالمين، فإذا اتضح هذا عرفنا حكمة ختم السورة بالكلام عن الشعراء، فلنر ذلك ثم نعلق عليه.
وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ أي السفهاء الضلال. ومحمد ﷺ يتبعه المهتدون ومن ثم فليس شاعرا.
أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ أي أن الشعراء فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ أي في كل لغو يخوضون، وفي كل فن من الكلام يتكلمون كذبا أو باطلا أو غير ذلك، بينما هذا القرآن يمشي على سنن واحدة، وطريقة واحدة، ونسق واحد، ومحمد ﷺ ليس شاعرا، لا بأخلاقه، ولا بسلوكه، ولا بكلامه،
فكيف يسمى القرآن شعرا ومحمد شاعرا وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ ومحمد ﷺ بشهادة الجميع لا يقول إلا ما يفعل. وقد ذكرنا في كتابنا (الرسول) شهادات الجميع على ذلك، ومن ثم- ولهذه الأشياء جميعا- فإن محمدا ﷺ ليس شاعرا، ولا يمكن أن يكون القرآن شعرا. فسياق الآيات إذن للتدليل على أن محمدا ﷺ ليس شاعرا، وعلى أن القرآن ليس شعرا، بل هو تنزيل رب العالمين. وإذ كان السياق لتأكيد هذا المعنى فقط،
стр. 3762
وليس لذم الشعر أيا كان، أو لذم الشعراء أيا كانوا، فقد استثنت الآيات من الشعراء المذمومين من صاغهم هذا القرآن، وهذا الإسلام، وذلك لا يخرق الحجة السابقة؛ لأن هؤلاء لولا القرآن والإسلام ما كانوا كذلك
إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كعبد الله بن رواحة، وحسان بن ثابت، وكعب بن زهير، وكعب بن مالك، وشعراء الإسلام في كل العصور وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً فتراهم مسبحين، مهللين، مكبرين، حامدين، قارئين للقرآن وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا أي هم يستعملون شعرهم في رد ظلم من يظلم الإسلام وأهله وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا بمحاربة الإسلام وأهله أَيَّ مُ نْقَلَ بٍ يَنْقَلِبُونَ إذا ماتوا، فإنه المنقلب الصعب.
كلمة في السياق:
نلاحظ أن خاتمة السورة انصبت على إقامة الحجة على أن هذا القرآن من عند الله، وعلى أن محمدا رسول الله ﷺ ، والصلة بين الخاتمة ومقدمة السورة واضحة:
طسم تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ* لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ* إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ* وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ* فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ* وهكذا نجد السورة ترتبط خاتمتها بمقدمتها، وترتبط مجموعاتها كلها برباط واحد، وسياق واحد وكل ذلك تفصيل للمحور تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ وقد تحدثنا عن ذلك كرة بعد كرة.
نقل:
قال صاحب الظلال في الآيات الأخيرة: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ؟ تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ* يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ ...
(وكان في العرب كهان يزعمون أن الجن تنقل إليهم الأخبار، وكان الناس يلجئون إليهم ويركنون إلى نبوءاتهم. وأكثرهم كاذبون. والتصديق بهم جري وراء الأوهام والأكاذيب. وهم على أية حال لا يدعون إلى هدى، ولا يأمرون بتقوى، ولا يقودون إلى إيمان. وما هكذا كان رسول الله ﷺ وهو يدعو الناس بهذا القرآن إلى منهج قويم.
ولقد كانوا يقولون عن القرآن أحيانا: إنه شعر، ويقولون عن النبي ﷺ إنه شاعر. وهم في حيرتهم كيف يواجهون هذا القول الذي لا يعرفون له نظيرا، والذي
стр. 3763
يدخل إلى قلوب الناس، ويهز مشاعرهم، ويغلبهم على إرادتهم من حيث لا يملكون له ردا.
فجاء القرآن يبين لهم في هذه السورة أن منهج محمد ﷺ ومنهج القرآن غير منهج الشعراء ومنهج الشعر أصلا. فإن هذا القرآن يستقيم على نهج واضح، ويدعو إلى غاية محددة، ويسير في طريق مستقيم إلى هذه الغاية. والرسول ﷺ لا يقول اليوم قولا ينقضه غدا، ولا يتبع أهواء وانفعالات متقلبة؛ إنما يصر على دعوة، ويثبت على عقيدة، ويدأب على منهج لا عوج فيه. والشعراء ليسوا كذلك. الشعراء أسرى الانفعالات والعواطف المتقلبة. تتحكم فيهم مشاعرهم وتقودهم إلى التعبير عنها كيفما كانت. ويرون الأمر الواحد في لحظة أسود. وفي لحظة أبيض. يرضون فيقولون قولا، ويسخطون فيقولون قولا آخر. ثم هم أصحاب أمزجة لا تثبت على حال!.
هذا إلى أنهم يخلقون عوالم من الوهم يعيشون فيها، ويتخيلون أفعالا ونتائج ثم يخالونها حقيقة واقعة يتأثرون بها. فيقل اهتمامهم بواقع الأشياء، لأنهم يخلقون هم في خيالهم واقعا آخر يعيشون عليه!.
وليس كذلك صاحب الدعوة المحددة، الذي يريد تحقيقها في عالم الواقع ودنيا الناس. فلصاحب الدعوة هدف، وله منهج، وله طريق. وهو يمضي في طريقه على منهج إلى هدفه مفتوح العين، مفتوح القلب، يقظ العقل؛ لا يرضى بالوهم، ولا يعيش بالرؤى، ولا يقنع بالأحلام، حتى تصبح واقعا في عالم الناس.
فمنهج الرسول ﷺ ومنهج الشعراء مختلفان، ولا شبهة هناك، فالأمر واضح صريح: وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ* أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ* وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ؟!. فهم يتبعون المزاج والهوى ومن ثم يتبعهم الغاوون الهائمون مع الهوى، الذين لا منهج لهم ولا هدف. وهم يهيمون في كل واد من وديان الشعور والتصور والقول، وفق الانفعال الذي يسيطر عليهم في لحظة من اللحظات تحت وقع مؤثر من المؤثرات.
وهم يقولون ما لا يفعلون. لأنهم يعيشون في عوالم من صنع خيالهم ومشاعرهم، يؤثرونها على واقع الحياة الذي لا يعجبهم! ومن ثم يقولون أشياء كثيرة ولا يفعلونها، لأنهم عاشوها في تلك العوالم الموهمة، وليس لها واقع ولا حقيقة في دنيا الناس المنظورة!. إن طبيعة الإسلام- وهو منهج حياة كاملة معد للتنفيذ في واقع الحياة،
стр. 3764
وهو حركة ضخمة في الضمائر المكنونة وفي أوضاع الحياة الظاهرة- إن طبيعة الإسلام هذه لا تلائمها طبيعة الشعراء كما عرفتهم البشرية- في الغالب- لأن الشاعر يخلق حلما في حسه ويقنع به. فأما الإسلام فيريد تحقيق الكمال ويعمل على تحقيقه، ويحول المشاعر كلها لتحقق في عالم الواقع ذلك النموذج الرفيع.
والإسلام يحب للناس أن يواجهوا حقائق الواقع ولا يهربوا منها إلى الخيال المهوم.
فإذا كانت هذه الحقائق لا تعجبهم، ولا تتفق مع منهجه الذي يأخذهم به، دفعهم إلى تغييرها، وتحقيق المنهج الذي يريد.
ومن ثم لا تبقى في الطاقة البشرية بقية للأحلام المهومة الطائرة. فالإسلام يستغرق هذه الطاقة في تحقيق الكمالات الرفيعة، وفق منهجه الضخم العظيم.
ومع هذا فالإسلام لا يحارب الشعر والفن لذاته- كما قد يفهم من ظاهر الألفاظ.
إنما يحارب المنهج الذي سار عليه الشعر والفن. منهج الأهواء والانفعالات التي لا ضابط لها؛ ومنهج الأحلام المهومة التي تشغل أصحابها عن تحقيقها. فأما حين تستقر الروح على منهج الإسلام، وتنضح بتأثراتها الإسلامية شعرا وفنا؛ وتعمل في الوقت ذاته على تحقيق هذه المشاعر النبيلة في دنيا الواقع؛ ولا تكتفي بخلق عوالم وهمية تعيش فيها، وتدع واقع الحياة كما هو مشوها متخلفا قبيحا!.
وأما حين يكون للروح منهج ثابت يهدف إلى غاية إسلامية، وحين تنظر إلى الدنيا فتراها من زاوية الإسلام، في ضوء الإسلام، ثم تعبر عن هذا كله شعرا وفنا، فأما عند ذلك فالإسلام لا يكره الشعر ولا يحارب الفن، كما قد يفهم من ظاهر الألفاظ.
ولقد وجه القرآن القلوب والعقول إلى بدائع هذا الكون، وإلى خفايا النفس البشرية. وهذه وتلك هي مادة الشعر والفن. وفي القرآن وقفات أمام بدائع الخلق والنفس لم يبلغ إليها شعر قط في الشفافية والنفاذ والاحتفال بتلك البدائع وذلك الجمال.
ومن ثم يستثني القرآن الكريم من ذلك الوصف العام للشعراء:
إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا. فهؤلاء ليسوا داخلين في ذلك الوصف العام. هؤلاء آمنوا فامتلأت قلوبهم بعقيدة، واستقامت حياتهم على منهج. وعملوا الصالحات فاتجهت طاقاتهم إلى العمل الخير الجميل، ولم يكتفوا بالتصورات والأحلام. وانتصروا من بعد ما ظلموا
стр. 3765
فكان لهم كفاح ينفثون فيه طاقتهم ليصلوا إلى نصرة الحق الذي اعتنقوه.
ومن هؤلاء الشعراء الذين نافحوا عن العقيدة وصاحبها إبان المعركة مع الشرك والمشركين على عهد رسول الله ﷺ حسان بن ثابت، وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة- ﵃ من شعراء الأنصار، ومنهم عبد الله بن الزبعرى، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وقد كانا يهجوان رسول الله ﷺ في جاهليتهما، فلما أسلما حسن إسلامهما ومدحا رسول الله ونافحا عن الإسلام.
وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال لحسان: «اهجهم- أو قال هاجهم- وجبريل معك» .. وعن عبد الرحمن بن كعب عن أبيه أنه قال للنبي ﷺ :
إن الله قد أنزل في الشعراء ما أنزل. فقال رسول الله ﷺ : «إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه، والذي نفسي بيده لكأن ما ترمونهم به نضح النبل» (رواه الإمام أحمد).
والصور التي يتحقق بها الشعر الإسلامي والفن الإسلامي كثيرة غير هذه الصورة التي وجدت وفق مقتضياتها. وحسب الشعر أو الفن أن ينبع من تصور إسلامي للحياة في أي جانب من جوانبها، ليكون شعرا أو فنا يرضاه الإسلام.
وليس من الضروري أن يكون دفاعا ولا دفعا؛ ولا أن يكون دعوة مباشرة للإسلام ولا تمجيدا له أو لأيام الإسلام ورجاله .. ليس من الضروري أن يكون في هذه الموضوعات ليكون شعرا إسلاميا. وإن نظرة إلى سريان الليل وتنفس الصبح، ممزوجة بشعور المسلم الذي يربط هذه المشاهد بالله في حسه لهي الشعر الإسلامي في صميمه.
وإن لحظة إشراق واتصال بالله، أو بهذا الوجود الذي أبدعه الله، لكفيلة أن تنشئ شعرا يرضاه الإسلام. ومفرق الطريق أن للإسلام تصورا خاصا للحياة كلها، وللعلاقات والروابط فيها، فأيما شعر نشأ من هذا التصور فهو الشعر الذي يرضاه الإسلام.
*** وتختم السورة بهذا التهديد الخفي المجمل: وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ السورة التي اشتملت على تصوير عناد المشركين ومكابرتهم، واستهتارهم بالوعيد واستعجالهم بالعذاب. كما اشتملت على مصارع المكذبين على مدار الرسالات
стр. 3766
والقرون. تنتهي بهذا التهديد المخيف. الذي يلخص موضوع السورة. وكأنه الإيقاع الأخير المرهوب؛ يتمثل في صور شتى، يتمثلها الخيال ويتوقعها. وتزلزل كيان الظالمين زلزالا شديدا).
الفوائد:
١ - بمناسبة قوله تعالى: أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ* ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ قال ابن كثير: (وفي الحديث الصحيح «يؤتى بالكافر فيغمس في النار غمسة ثم يقال له: هل رأيت خيرا قط؟ هل رأيت نعيما قط؟ فيقول: لا والله يا رب، ويؤتى بأشد الناس بؤسا كان في الدنيا فيصبغ في الجنة صبغة ثم يقال
له: هل رأيت بؤسا قط؟ فيقول: لا والله يا رب» أي ما كأن شيئا كان).
وقال النسفي بمناسبة هذه الآية (قال يحيى بن معاذ: أشد الناس غفلة من اغتر بحياته، والتذ بمراداته، وسكن إلى مألوفاته، والله تعالى يقول: أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ* ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ وعن ميمون بن مهران أنه لقي الحسن في الطواف- وكان يتمنى لقاءه- فقال عظني فلم يزده على تلاوة هذه الآية. فقال ميمون: قد وعظت فأبلغت. وعن عمر بن عبد العزيز أنه كان يقرؤها عند جلوسه للحكم).
٢ - بمناسبة قوله تعالى: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ قال ابن كثير: (وهذه النذارة الخاصة لا تنافي العامة، بل هي فرد من أجزائها، كما قال تعالى: لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ. وقال تعالى: لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها.
وقال تعالى: وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ: لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا. وقال تعالى: لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ. كما قال تعالى:
وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ وفي صحيح مسلم: «والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار» وقد وردت أحاديث كثيرة في نزول هذه الآية الكريمة فلنذكرها:
الحديث الأول: روى الإمام أحمد ﵀ .. عن ابن عباس ﵁ قال:
لما أنزل الله وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ أتى النبي ﷺ الصفا، فصعد عليه
стр. 3767
ثم نادى: «يا صباحاه» فاجتمع الناس إليه بين رجل يجئ إليه وبين رجل يبعث رسوله، فقال رسول الله ﷺ : «يا بني عبد المطلب؛ يا بني فهر، يا بني لؤي، أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم صدقتموني؟» قالوا: نعم، قال: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد» فقال أبو لهب: تبا لك سائر اليوم أما دعوتنا إلا لهذا؟ وأنزل الله تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ورواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي من طرق عن الأعمش به.
الحديث الثاني: روى الإمام أحمد .. عن عائشة قالت: لما نزلت وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ قام رسول الله ﷺ فقال: «يا فاطمة ابنة محمد، يا صفية ابنة عبد المطلب، يا بني عبد المطلب، لا أملك لكم من الله شيئا سلوني من مالي ما شئتم» انفرد بإخراجه مسلم ...
الحديث الثالث: روى الإمام أحمد .. عن أبي هريرة ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ دعا رسول الله ﷺ قريشا فعم وخص فقال: «يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني كعب أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار: فإني والله لا أملك لكم من الله شيئا إلا أن لكم رحما سأبلها ببلالها». ورواه مسلم والترمذي من حديث عبد الملك بن عمير به.
الحديث الرابع: روى الإمام أحمد .. لما نزلت وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ صعد رسول الله ﷺ رضمة من جبل على أعلاها حجر فجعل ينادي «يا بني عبد مناف إنما أنا نذير، إنما مثلي ومثلكم كرجل رأى العدو فذهب يربأ أهله رجاء أن يسبقوه فجعل ينادي ويهتف يا صباحاه» ورواه مسلم والنسائي.
الحديث الخامس: روى الإمام أحمد .. عن علي ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ جمع النبي ﷺ من أهل بيته، فاجتمع ثلاثون فأكلوا وشربوا قال: وقال لهم «من يضمن عني ديني ومواعيدي ويكون معي في الجنة، ويكون خليفتي في أهلي؟» فقال رجل لم يسمه شريك: يا رسول الله أنت كنت بحرا من يقوم بهذا، قال ثم قال الآخرة- ثلاثا- قال فعرض ذلك على أهل بيته فقال علي أنا .. » وبعد أن ذكر ابن كثير طرق هذا الحديث قال: (فهذه طرق متعددة لهذا
стр. 3768
الحديث عن علي ﵁، ومعنى سؤاله ﷺ لأعمامه وأولادهم أن يقضوا عنه دينه، ويخلفوه في أهله يعني إن قتل في سبيل الله، كأنه خشي إذا قام بأعباء الإنذار أن يقتل، فلما أنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ. فعند ذلك أمن، وكان أولا يحرس حتى نزلت هذه الآية وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ولم يكن أحد في بني هاشم إذ ذاك أشد إيمانا ويقينا وتصديقا لرسول الله ﷺ من علي ﵁، ولهذا بدرهم إلى التزام ما طلب منهم رسول الله ﷺ ، ثم كان بعد هذا- والله أعلم- دعاؤه الناس جهرة على الصفا، وإنذاره لبطون قريش عموما وخصوصا، حتى سمى من سمى من أعمامه وعماته وبناته، لينبه بالأدنى على الأعلى، أي إنما أنا نذير والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبد الواحد الدمشقي من طريق عمرو بن سمرة عن محمد بن سوقة عن عبد الواحد الدمشقي قال: رأيت أبا الدرداء ﵁ يحدث الناس ويفتيهم، وولده إلى جنبه، وأهل بيته جلوس في جانب المسجد يتحدثون، فقيل له: ما بال الناس يرغبون فيما عندك من العلم، وأهل بيتك جلوس لاهين؟ فقال: لأني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أزهد الناس في الدنيا الأنبياء وأشدهم عليهم الأقربون» وذلك فيما أنزل الله قال تعالى: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ إلى قوله تعالى: فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ اه.
وبمناسبة هذه الآية: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ أقول: إن البدء بإنذار الأقربين علامة على صدق الداعية في دعوته، وعلامة على جديته فيها، ثم إنه هو الطريق الفطري للدعوة. ومن ثم فعلى الداعية أن يعطي دعوة الأقربين جزءا من وقته وعمله.
٣ - ليس هناك أبلغ ولا أعظم ولا أروع في الأمر بالتواضع من قوله تعالى:
وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ إن أصل الصلة بين التواضع وخفض الجناح أن الطائر إذا أراد أن ينحط للوقوع كسر جناحه وخفضه، وإذا أراد أن ينهض
للطيران رفع جناحه، فجعل خفض جناحه عند الانحطاط مثلا في التواضع، ولين الجانب، والملاحظ أن الأمر بخفض الجناح قد ورد أكثر من مرة في القرآن من ذلك قوله تعالى: وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ .. بالنسبة للوالدين، فإذا أمر الله رسوله بخفض الجناح فإن هذا يعني أنه أمره بأقصى قدر من التواضع، تواضع يشبه تواضع الابن لوالديه. فمن يطيق هذا الأدب مع كل مؤمن إلا رسول الله ﷺ ،
стр. 3769
ومن وفقه الله لمثل ذلك، ولقد رأينا من شيوخنا من يعامل كل مؤمن صغيرا أو كبيرا بمنتهى الأدب، حتى ليستصغر الإنسان أدبه مع أبويه بجانب ذلك الأدب. فرحمهم الله ورزقنا مكارم الأخلاق، وإن من الجماعات الإسلامية المعاصرة من جعلت إكرام المسلم إحدى شعاراتها. وفي كتابنا (جند الله ثقافة وأخلاقا) أبرزنا ماهية الذلة على المؤمنين كخلق أساسي من أخلاق الإسلام.
٤ - بمناسبة قوله تعالى: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ* الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ* وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ قال ابن كثير: (أي في جميع أمورك، فإنه مؤيدك وحافظك، وناصرك ومظفرك ومعلي كلمتك، وقوله تعالى الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ أي هو معتن بك كما قال تعالى اصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا قال ابن عباس الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ يعني إلى الصلاة، وقال عكرمة يرى قيامه وركوعه وسجوده، وقال الحسن الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ إذا صليت وحدك، وقال الضحاك الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ أي من فراشك أو مجلسك. وقال قتادة الَّذِي يَراكَ قائما وجالسا وعلى حالاتك وقوله تعالى وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ قال قتادة الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ قال: في الصلاة يراك وحدك ويراك في الجمع. وهذا قول عكرمة، وعطاء الخراساني، والحسن البصري وقال مجاهد كان رسول الله ﷺ يرى من خلفه كما يرى من أمامه. ويشهد لهذا ما صح في الحديث «سووا صفوفكم فإني أراكم من وراء ظهري». وروى البزار وابن أبي حاتم من طريقين عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية: يعني تقلبه من صلب نبي إلى صلب نبي حتى أخرجه نبيا. وقوله تعالى: إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ أي السميع لأقوال عباده، العليم بحركاتهم وسكناتهم كما قال تعالى: وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ (٦١: يونس).
٥ - بمناسبة قوله تعالى: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ* تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ* يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ قال ابن كثير: (أي يسترقون السمع من السماء، فيسمعون الكلمة من علم الغيب، فيزيدون معها مائة كذبة، ثم يلقونها إلى أوليائهم من الإنس، فيحدثون بها فيصدقهم الناس في كل ما قالوه، بسبب صدقهم في تلك الكلمة التي سمعت من السماء كما صح بذلك الحديث، كما رواه البخاري من حديث الزهري أخبرني يحيى بن عروة بن الزبير أنه سمع عروة بن الزبير يقول: قالت عائشة رضي الله
стр. 3770
عنها: سأل ناس النبي ﷺ عن الكهان فقال: «إنهم ليسوا بشيء» قالوا: يا رسول الله فإنهم يحدثون بالشئ يكون حقا، فقال النبي ﷺ «تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقرقرها في أذن وليه كقرقرة الدجاج فيخلطون معها أكثر من مائة كذبة».
وروى البخاري أيضا .. عن أبي هريرة قال: إن النبي ﷺ قال: «إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله، كأنها سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال: الحق وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترقو السمع، ومسترقو السمع هكذا بعضهم فوق بعض- وصف سفيان بيده فحرفها وبدد بين أصابعه- فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة، فيقول أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا: كذا وكذا؟ فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء» تفرد به البخاري. وروى مسلم من حديث الزهري عن علي بن الحسين عن ابن عباس عن رجال من الأنصار قريبا من هذا وسيأتي عند قوله تعالى في سورة سبأ حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ الآية. وقال البخاري وقال الليث .. عن عائشة عن النبي ﷺ أنه قال:
«إن الملائكة تحدث في العنان- والعنان: الغمام- بالأمر في الأرض فتسمع الشياطين الكلمة فتقرها في أذن الكاهن كما تقر القارورة فيزيدون معها مائة كذبة». ورواه البخاري في موضع آخر من كتاب بدء الخلق عن عروة عن عائشة بنحوه).
٦ - بمناسبة قوله تعالى: وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ* أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ* وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ* إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ. قال ابن كثير: (والمراد من هذا أن الرسول ﷺ الذي أنزل عليه هذا القرآن ليس بكاهن ولا بشاعر؛ لأن حاله مناف لحالهم من وجوه ظاهرة كما قال تعالى: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ وقال تعالى: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ* وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ* وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ* تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ. وهكذا قال هاهنا: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ* نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ* عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ* بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ. إلى أن قال وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ* وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ* إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ إلى أن قال: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ* تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ
стр. 3771
أَثِيمٍ* يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ* وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ* أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ* وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ.
٧ - بمناسبة قوله تعالى عن الشعراء أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ قال ابن كثير: (فإن الشعراء يتبجحون بأقوال وأفعال لم تصدر منهم، ولا عنهم فيتكثرون بما ليس لهم. ولهذا اختلف العلماء ﵏ فيما إذا اعترف الشاعر في شعره بما يوجب حدا هل يقام عليه بهذا الاعتراف أم لا؟ لأنهم يقولون ما لا
يفعلون؟ على قولين. وقد ذكر محمد بن إسحاق، ومحمد بن سعد في الطبقات، والزبير بن بكار في كتاب الفكاهة: أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ استعمل النعمان بن عدي بن نضلة على ميسان من أرض البصرة وكان يقول الشعر.
فقال:
ألا هل أتى الحسناء أن خليلها ... بميسان يسقى في زجاج وحنتم
إذا شئت غنتني دهاقين قرية ... ورقاصة تحنو على كل مبسم
فإن كنت ندماني فبالأكبر اسقني ... ولا تسقني بالأصغر المتثلم
لعل أمير المؤمنين يسوؤه ... تنادمنا بالجوسق المتهدم
فلما بلغ ذلك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ قال: أي والله إنه ليسوؤني ذلك، ومن لقيه فليخبره أني قد عزلته، وكتب إليه عمر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حم* تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ* غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ أما بعد فقد بلغني قولك:
لعل أمير المؤمنين يسوؤه ... تنادمنا بالجوسق المتهدم
وايم الله إنه ليسوؤني، وقد عزلتك. فلما قدم على عمر بكته بهذا الشعر، فقال:
والله يا أمير المؤمنين ما شربتها قط، وما ذاك الشعر إلا شئ طفح على لساني. فقال عمر: أظن ذلك، ولكن والله لا تعمل لي عملا أبدا وقد قلت ما قلت. فلم يذكر أنه حده على الشراب، وقد ضمنه شعره، لأنهم يقولون ما لا يفعلون، ولكن ذمه عمر رضي الله ولامه على ذلك وعزله به. ولهذا جاء في الحديث «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا يريه خير له من أن يمتلئ شعرا».
قال الألوسي: (وما أخرجه أحمد وابن أبي شيبة عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه
стр. 3772
قال: بينما نحن نسير مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذ عرض شاعر ينشد فقال النبي ﷺ : «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير من أن يمتلئ شعرا» حمله الشافعي عليه الرحمة على الشعر المشتمل على الفحش، وروي نحوه عن عائشة ﵂ فقد أخرج الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس عن عائشة أنه بلغها أن أبا هريرة يروي عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم «لأن يمتلئ جوف أحدكم» الحديث فقالت:
رحم الله تعالى أبا هريرة، إنما قال رسول الله ﷺ : «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا» من الشعر الذي هجيت به يعني نفسه الشريفة ﵊ ذكر ذلك المرشدي في فتاواه نقلا عن كتاب بستان الزاهدين).
٨ - بمناسبة قوله تعالى: وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا في حق الشعراء من أهل الإيمان قال ابن كثير: قال ابن عباس: «أي» يردون على الكفار الذين كانوا يهجون به المؤمنين، وكذا قال مجاهد وقتادة وغير واحد، وهذا كما ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال لحسان: «اهجهم- أو قال- هاجهم وجبريل معك» وقال الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه أنه قال للنبي ﷺ إن الله قد أنزل في الشعر ما أنزل. فقال رسول الله ﷺ «إن المؤمن- يجاهد بسيفه ولسانه- والذي نفسي بيده لكأن ما ترمونهم به نضح النبل»).
٩ - وبمناسبة قوله تعالى: وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ قال ابن كثير: (والصحيح أن هذه الآية عامة في كل ظالم كما قال ابن أبي حاتم: ذكر عن يحيى ابن زكريا بن يحيى الواسطي عن عائشة ﵂ قالت: كتب أبي في وصيته سطرين: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصى به أبو بكر بن أبي قحافة عند خروجه من الدنيا، حين يؤمن الكافر، وينتهي الفاجر، ويصدق الكاذب، إني استخلفت عليكم عمر بن الخطاب، فإن يعدل فذاك ظني به ورجائي فيه، وإن يجر ويبدل فلا أعلم الغيب وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ.
كلمة في سورة الشعراء:
سورة الشعراء هي إحدى السور الثلاث التي تفصل قوله تعالى: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ومن الملاحظ أن هذه الآية لم تفصل قبل هذه المرة، ومن ثم فصلتها ثلاث سور كاملة، تشكل زمرة واحدة، شعارها الطاء والسين
стр. 3773
طسم طس طسم، وقد عرضت لنا سورة الشعراء آيات من آيات الله وأقامت الحجة على أن محمدا من المرسلين.
...
وقد رأينا أن السورة عمقت عندنا مفاهيم تلزم لإقامة الإسلام الكامل الشامل، وذلك أن السورة تفصل محورا آتيا في حيز قوله تعالى: ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ..
ومن أبرز المواضيع التي عمقتها السورة موضوع التقوى والطاعة، إن التقوى هي المطلب الرئيسي من كل مسلم، فالتقوى هي تكليفه من الإسلام بحسب طاقته، والطاعة هي رمز التحامه مع الجماعة وفي الحديث «من خرج عن الطاعة وفارق الجماعة فمات فميتته جاهلية» وهذا الموضوع من غوامض المواضيع- وخاصة في أيام الفتن- ولذلك كان العلم فيه من جملة العلوم المفروضة فرض عين، والذين يعرفون أن يتكلموا به قلة.
...
وقد عرضت السورة الآداب العليا للمرسلين في الدعوة وأساليبها. وعرضت الأخلاق العليا للرسول من توحيد، لإنذار، لخفض جناح، لتوكل على الله. وقد رأينا ذلك أثناء عرض السورة فلنكتف بهذا القدر. ولننتقل إلى السورة الثانية من هذه الزمرة وهي سورة النمل. والحمد لله رب العالمين.
***
стр. 3774
سورة النمل
وهي السورة السابعة والعشرون بحسب الرسم القرآني وهي السورة الثامنة من المجموعة الثالثة من قسم المئين وآياتها ثلاث وتسعون آية وهي مكية
وهي السورة الثانية من زمرة الطاسينات
стр. 3775
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم
стр. 3776
[قال الألوسي في تقديمه لسورة النمل:]
قال الألوسي في تقديمه لسورة النمل: (وتسمى أيضا كما في الدر المنثور سورة سليمان، وهي مكية، كما روي عن ابن عباس وابن الزبير رضي الله تعالى عنهم، وذهب بعضهم إلى مدنية بعض آياتها كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وعدد آياتها خمس وتسعون آية حجازي وأربع بصري وشامي وثلاث كوفي، ووجه اتصالها بما قبلها أنها كالتتمة لها، حيث زاد سبحانه فيها ذكر داود وسليمان، وبسط فيها قصة لوط ﵇ أبسط مما هي قبل، وقد وقع فيها إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ ناراً الخ وذلك كالتفصيل لقوله سبحانه فيما قبل: فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ وقد اشتمل كل من السورتين على ذكر القرآن، وكونه من الله تعالى وعلى تسليته ﷺ إلى غير ذلك، وروي عن ابن عباس. وجابر بن زيد أن الشعراء نزلت ثم طس ثم القصص*).
وقال صاحب الظلال في تقديمه لسورة النمل: (هذه السورة مكية نزلت بعد الشعراء؛ وهي تمضي على نسقها في الأداء: مقدمة وتعقيب يتمثل فيهما موضوع السورة الذي تعالجه؛ وقصص بين المقدمة والتعقيب يعين على تصور هذا الموضوع، ويؤكده، ويبرز فيه مواقف معينة للموازنة بين موقف المشركين في مكة ومواقف الغابرين قبلهم من شتى الأمم، للعبرة والتدبر في سنن الله وسنن الدعوات).
...
(والتركيز في هذه السورة على العلم. علم الله المطلق بالظاهر والباطن، وعلمه بالغيب خاصة. وآياته الكونية التي يكشفها للناس. والعلم الذي وهبه لداود وسليمان. وتعليم سليمان منطق الطير وتنويهه بهذا التعليم .. ومن ثم يجئ في مقدمة السورة: وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ. ويجئ في التعقيب قُلْ: لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ* بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ. وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ ويجئ في الختام: سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها .. ويجئ في قصة سليمان: وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ .. وفي قول سليمان يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وفي قول الهدهد: أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ. وعند ما يريد سليمان استحضار
стр. 3777
عرش الملكة، لا يقدر على إحضاره في غمضة عين عفريت من الجن، إنما يقدر على هذه: الذي عنده علم من الكتاب).
كلمة في سورة النمل ومحورها:
ذكرنا من قبل أن الطاسينات الثلاث محورها آية واحدة من سورة البقرة هي قوله تعالى: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ وقد رأينا سورة الشعراء وكيف كان تفصيلها. وسورة النمل ستفصل هذه الآية تفصيلا آخر ضمن حيز هذه الآية من سورة البقرة.
بدأت سورة النمل بقوله تعالى: طس* تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ فلنلاحظ كلمة (آيات) المشتركة ما بين بداية السورة ومحور السورة، ثم إذا سرنا في السورة فإننا نجد أن الآية السادسة منها هي قوله تعالى: وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ فلنلاحظ صلة هذه الآية بقوله تعالى في محور السورة نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ثم إذا سرنا في السورة فإننا نجد أن الآيتين (٧٦ و ٧٧) هما إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ* وَإِنَّهُ لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ إن صلة هاتين الآيتين بآية المحور واضحة؛ من حيث إن آية المحور آتية بعد قصة طالوت التي يختلف في فحواها بنو إسرائيل. ثم إذا سرنا في السورة فإننا نجد الآية (٩٢) هي: وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ وصلة ذلك بقوله تعالى في المحور تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ قائمة، ثم إننا نجد أن آخر آية في السورة هي قوله تعالى: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها .. وصلة ذلك بالمحور تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ .. واضحة.
...
ونلاحظ أن آية المحور آتية بعد قصة طالوت وداود: فقبيل آية المحور نجد قوله تعالى: وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ البقرة:
(٢٥١) ثم تأتي آية المحور تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ونلاحظ هنا في سورة النمل أن اسم داود يرد في قوله تعالى وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ* وَوَرِثَ سُلَيْمانُ
стр. 3778
داوُدَ إن صلة ذلك بالمحور والآيات التي جاءت قبله واضحة جدا كما سنرى ذلك بالتفصيل.
والسورة عرضت قصة ثلاث رسل: سليمان، وصالح، ولوط ﵈ وصلة ذلك بكون محمد ﷺ من المرسلين واضحة.
...
ونلاحظ أن السورة تتألف من مقطعين واضحي المعالم: المقطع الأول وفيه حديث عن المرسلين نجد فيه قصة موسى، وذكر داود وسليمان وصالح ولوط ﵈.
المقطع الثاني: وهو مبدوء بقوله تعالى: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى .. ومن بداية المقطع الثاني تشعر أن هذا المقطع يبني على ما ذكر في المقطع الأول ضمن سياق محدد هو تفصيل آية المحور.
...
ولقد رأينا أن آية المحور آتية ضمن حيز الأمر ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ومن ثم فإننا نجد في السورة ما له علاقة بذلك وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وكما ورد على لسان بلقيس وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.
...
وإنزال الآيات يقتضي شكرا من الرسول، وفي السورة دروس في ذلك، ويقتضي من الأمة عملا، وفي السورة دروس في ذلك، إن السورة نموذج عجيب على تفصيل القرآن بعضه لبعض، ونموذج عجيب على تفصيل المحور ضمن حيزه، ونموذج عجيب على كيفية كون السورة في محلها تخدم مجموعة أمور دفعة واحدة، إن في سياقها الخاص أو العام، أو ضمن الوحدة القرآنية، وكل ذلك مع الإحكام، والبيان، والدروس الخالدة التي لا تتناهى، ومن ثم يبقى القرآن جديدا على قارئه ولو تلاه آلاف المرات، وجديدا في كل عصر، وفي كل زمان، وفي كل مكان، ولأمور كثيرة ورد في هذه السورة قوله تعالى: وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ إن هذا القرآن لا يمكن أن يكون على هذه الشاكلة لولا أن منزله المحيط علما بكل شئ، ولولا أن منزله ذو الحكمة الكاملة.
стр. 3779
إن الله لا تنفك أقواله وأفعاله وأحكامه عن الحكمة، يعرف ذلك كل من آتاه الله شيئا من البصيرة يرى فيها الأشياء على حقائقها، ومن تأمل هذه السورة عرف أن الله عليم وأنه حكيم.
تتألف السورة من مقطعين:
المقطع الأول ويمتد من الآية (١) إلى نهاية الآية (٥٨) وفيه مقدمة السورة وبعض قصص المرسلين.
المقطع الثاني ويمتد من الآية (٥٩) إلى نهاية السورة.
وسنعرض إن شاء الله تعالى مقطعي السورة على مجموعات، ونتحدث خلال ذلك عن السياق خطوة خطوة، نسأل الله أن يفتح علينا، وأن يجنبنا الزلل، وأن يتقبل، وأن يختم لنا بكمال الإيمان، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
[المقطع الأول]
المجموعة الأولى: وهي مقدمة السورة
وتمتد من الآية (١) إلى نهاية الآية (٦) وهذه هي مع البسملة:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة النمل (٢٧): الآيات ١ الى ٦]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
طس تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ (١) هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٣) إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (٤)
أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٥) وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٦)
стр. 3780
التفسير:
طس تِلْكَ إشارة إلى آيات السورة آياتُ الْقُرْآنِ أي معجزات القرآن وَكِتابٍ مُبِينٍ أي وآيات كتاب مبين، أي ومعجزات كتاب بين واضح، وإبانته أنه يبين ما أودع فيه من العلوم والحكم
هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ أي فيه هداية وبشارة، ولكن إنما تحصل الهداية والبشارة منه لمن آمن به واتبعه، وصدقه وعمل بما فيه، وأقام الصلاة المكتوبة، وآتى الزكاة
المفروضة، وأيقن بالدار الآخرة، وبالبعث بعد الموت، والجزاء على الأعمال، خيرها وشرها، والجنة والنار.
ومن ثم وصف الله المؤمنين الذين لهم في القرآن هداية وبشارة فقال: الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ أي يديمون المحافظة على فرائضها وسننها وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ أي ويؤدون زكاة أموالهم وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ قال النسفي: وهؤلاء الذين يؤمنون ويعملون الصالحات من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة هم الموقنون بالآخرة ... ) ثم علل النسفي لهذا التفسير من جهة اللغة والإعراب كما سنرى في الفوائد.
نقول:
قال صاحب الظلال: (وفي تخصيص المؤمنين بالهدى والبشرى تكمن حقيقة ضخمة عميقة .. إن القرآن ليس كتاب علم نظري أو تطبيقي ينتفع به كل من يقرؤه ويستوعب ما فيه. إنما القرآن كتاب يخاطب القلب، أول ما يخاطب، ويسكب نوره وعطره في القلب المفتوح، الذي يتلقاه بالإيمان واليقين، وكلما كان القلب نديا بالإيمان زاد تذوقه لحلاوة القرآن، وأدرك من معانيه وتوجيهاته ما لا يدركه منه القلب الصلد الجاف، واهتدى بنوره إلى ما لا يهتدي إليه الجاحد الصادف. وانتفع بصحبته ما لا ينتفع القارئ المطموس. وإن الإنسان ليقرأ الآية أو السورة مرات كثيرة، وهو غافل أو عجول فلا تفضي له بشيء، وفجأة يشرق النور في قلبه، فتتفتح له عن عوالم ما كانت تخطر له ببال. وتصنع في حياته صنع المعجزة في تحويله من منهج إلى منهج، ومن طريق إلى طريق.
...
وكل النظم والشرائع والآداب التي يتضمنها هذا القرآن، إنما تقوم قبل كل شئ على الإيمان. فالذي لا يؤمن قلبه بالله، ولا يتلقى هذا القرآن على أنه وحي من عند الله
стр. 3781
وعلى أن ما جاء فيه إنما هو المنهج الذي يريده الله. الذي لا يؤمن هذا الإيمان لا يهتدي بالقرآن كما ينبغي ولا يستبشر بما فيه من بشارات.
إن في القرآن كنوزا ضخمة من الهدى والمعرفة والحركة والتوجيه. والإيمان هو مفتاح هذه الكنوز. ولن تفتح كنوز القرآن إلا بمفتاح الإيمان. والذين آمنوا حق الإيمان حققوا الخوارق بهذا القرآن. فأما حين أصبح القرآن كتابا يترنم المترنمون بآياته، فتصل إلى الآذان، ولا تتعداها إلى القلوب، فإنه لم يصنع شيئا، ولم ينتفع به أحد .. لقد ظل كنزا بلا مفتاح).
(والسورة تعرض صفة المؤمنين الذين يجدون القرآن هدى وبشرى ... إنهم هم الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ، وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ، وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ...
يقيمون الصلاة .. فيؤدونها حق أدائها، يقظة قلوبهم لموقفهم بين يدي الله، شاعرة أرواحهم بأنهم في حضرة ذي الجلال والإكرام، مرتفعة مشاعرهم إلى ذلك الأفق الوضيء، مشغولة خواطرهم بمناجاة الله ودعائه والتوجه إليه.
ويؤتون الزكاة .. فيطهرون نفوسهم من رذيلة الشح؛ ويستعلون بأرواحهم على فتنة المال؛ ويصلون إخوانهم في الله ببعض ما رزقهم الله؛ ويقومون بحق الجماعة المسلمة التي هم فيها أعضاء.
وهم بالآخرة هم يوقنون .. فإذا حساب الآخرة يشغل بالهم، ويصدهم عن جموح الشهوات، ويغمر أرواحهم بتقوى الله وخشيته والحياء من الوقوف بين يديه موقف العصاة.
هؤلاء المؤمنون الذاكرون الله، القائمون بتكاليفه، المشفقون من حسابه وعقابه، الطامعون في رضائه وثوابه .. هؤلاء هم الذين تنفتح قلوبهم للقرآن، فإذا هو هدى وبشرى. وإذا هو نور في أرواحهم، ودفعة في دمائهم، وحركة في حياتهم. وإذا هو زادهم الذي به يبلغون؛ وريهم الذي به يستقون.
وعند ذكر الآخرة يركز عليها ويؤكد في صورة التهديد والوعيد لمن لا يؤمنون بها، فيسدرون في غيهم، حتى يلاقوا مصيرهم الوخيم:
إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ* أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ
стр. 3782
سُوءُ الْعَذابِ، وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ.
والإيمان بالآخرة هو الزمام الذي يكبح الشهوات والنزوات، ويضمن القصد والاعتدال في الحياة، والذي لا يعتقد بالآخرة لا يملك أن يحرم نفسه شهوة، أو يكبح فيها نزوة، وهو يظن أن الفرصة الوحيدة المتاحة له للمتاع هي فرصة الحياة على هذا الكوكب. وهي قصيرة مهما طالت، وما تكاد تتسع لشئ من مطالب النفوس وأمانيها التي لا تنال! ثم ما الذي يمسكه حين يملك إرضاء شهواته ونزواته، وتحقيق لذاته ورغباته؛ وهو لا يحسب حساب وقفة بين يدي الله؛ ولا يتوقع ثوابا ولا عقابا يوم يقوم الأشهاد؟.
ومن ثم يصبح كل تحقيق للشهوة واللذة مزينا للنفس التي لا تؤمن بالآخرة، تندفع إليه بلا معوق من تقوى أو حياء. والنفس مطبوعة على أن تحب ما يلذ لها، وأن تجده حسنا جميلا؛ ما لم تهتد بآيات الله ورسالاته إلى الإيمان بعالم آخر باق بعد هذا العالم الفاني. فإذا هي تجد لذتها في أعماق أخرى وأشواق أخرى، تصغر إلى جوارها لذائذ البطون والأجسام؛ والله- سبحانه- هو الذي خلق النفس البشرية على هذا النحو؛ وجعلها مستعدة للاهتداء إن تفتحت لدلائل الهدى، مستعدة للعماء إن طمست منافذ الإدراك فيها. وسنته نافذة- وفق مشيئته في حالتي الاهتداء والعماء. ومن ثم يقول القرآن عن الذين لا يؤمنون بالآخرة زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ .. فهم لم يؤمنوا بالآخرة، فنفذت سنة الله في أن تصبح أعمالهم وشهواتهم مزينة لهم حسنة عندهم ... وهذا هو معنى التزيين في هذا المقام. فهم يعمهون لا يرون ما فيها من شر وسوء. أو فهم حائرون لا يهتدون فيها إلى صواب.
والعاقبة معروفة لمن يزين له الشر والسوء أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ. وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ. سواء كان سوء العذاب لهم في الدنيا أو في الآخرة،
فالخسارة المطلقة في الآخرة محققة جزاء وفاقا على الاندفاع في سوء الأعمال.
وتنتهى مقدمة السورة بإثبات المصدر الإلهي الذي يتنزل منه القرآن على رسول الله ﷺ وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ.
ولفظ (تلقى) يلقي ظل الهدية المباشرة السنية من لدن حكيم عليم. يصنع كل شئ بحكمة، ويدبر كل أمر بعلم .. وتتجلى حكمته وعلمه في هذا القرآن. في منهجه،
стр. 3783
وتكاليفه، وتوحيهاته، وطريقته. وفي تنزيله في إبانة. وفي توالي أجزائه. وتناسق موضوعاته. ثم يأخذ في القصص. وهو معرض لحكمة الله وعلمه وتدبيره الخفي اللطيف).
كلمة في السياق:
أثبت الله في هذه الآيات خاصتين من خواص كتابه وهما: الهداية والبشارة، ولكن بين أن هاتين الخاصيتين إنما ينالهما من اجتمع له إيمان، وإقامة صلاة، وإيتاء زكاة، وإيقان بالآخرة. أما من فقد هذه الصفات فإنه لا ينال هداية هذا القرآن، ولا بشارته. فلتتذكر الآن محور السورة تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إننا نلاحظ الشبه بين قوله تعالى تِلْكَ آياتُ اللَّهِ في المحور وبين قوله تعالى: تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ فتلك آيات الله المذكورة هي آيات هذا القرآن الواضح البين، هذه الآيات من خصائصها الهداية والبشارة، ولكن لمن اتصف بمجموعة صفات، أما إذا أخل بصفة فإن هذه الآيات لا يكون له فيها هداية كاملة، ولا بشارة كاملة، فالصلة قائمة بين آية المحور ومقدمة السورة.
فوائد:
١ - نلاحظ أن سورة الحجر كانت مقدمتها الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ هناك قدم لفظ الكتاب وهاهنا قدم لفظ القرآن، ويلاحظ أن كلمة القرآن في سورة الحجر جاءت بصيغة التنكير لا التعريف، بينما جاءت كلمة الكتاب هنا بصيغة التنكير لا التعريف. قال النسفي في ذلك: (وقيل إنما نكر الكتاب هنا وعرفه في سورة الحجر، وعرف القرآن هنا ونكره ثم لأن القرآن والكتاب اسمان علمان للمنزل على محمد ﷺ ، ووصفان له، لأن يقرأ ويكتب فحيث جاء بلفظ التعريف فهو الوصف).
٢ - يلاحظ أن كلمة (هم) تكررت مرتين في قوله تعالى: وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ قال النسفي في تعليل ذلك: (وكرر فيها المبتدأ الذي هو (هم) حتى صار معناها: وما يوقن بالآخرة حق الإيمان إلا هؤلاء الجامعون بين الإيمان والعمل الصالح، لأن خوف العاقبة يحملهم على تحمل المشاق) أقول: وهؤلاء الذين كانوا كذلك هم وحدهم الذين تنالهم هداية القرآن وبشارته.
стр. 3784
ولنعد عودة قصيرة إلى بعض الآيات:
بعد أن بين الله أهمية الإيمان بالآخرة، حتى إنه لا تكون صلاة وزكاة وإيمان بدونه، وحتى لا يكون اهتداء بالقرآن ولا استبشار بما فيه بدون ذلك، بعد هذا ذكر حال الذين لا يؤمنون بالآخرة فقال: إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أى يكذبون بها ويستبعدون وقوعها زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ أي حسنا لهم ما هم فيه فساروا وراء شهوات الدنيا على أنها هي الهدف وحدها، ورأوا ذلك حسنا فَهُمْ يَعْمَهُونَ أي فهم يترددون في ضلالتهم كما يكون حال الضال عن الطريق. قال ابن كثير: (أي حسنا لهم ما هم فيه، ومددنا لهم في غيهم، فهم يتيهون في ضلالهم وكأن هذا جزاء على ما كذبوا من الدار (الآخرة) أقول: ومن آثار التزيين ما نراه في عصرنا من ثناء الملحدين على أنفسهم، واحتقار غيرهم، بما يطلقونه على أنفسهم من ألقاب، وغيرهم رجعيون خونة، أعداء للتقدم إلى آخر ما يطلقونه على غيرهم من ألقاب
أُوْلئِكَ أي الذين لا يؤمنون بالآخرة الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ في الدنيا والآخرة وهذا أكثر ما يكون وضوحا في المجتمعات التي تبنت الكفر باليوم الآخر، كالمجتمعات الشيوعية، فإنك لا تجد أبأس من الإنسان فيها، وهذا نوع من العذاب، وأنواع العذاب التي تصيب هؤلاء في الدنيا كثيرة. فالقلق عذاب، وانقباض القلب عذاب، وعقوبات الفطرة عذاب، وغير ذلك كثير: وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ أي ليس يخسر أنفسهم وأموالهم سواهم من أهل المحشر، فهم أشد الناس خسرانا وخاصة كفار هذه الأمة، لأنهم لو آمنوا لكانوا من الشهداء على جميع الأمم، فخسروا ذلك، مع خسران النجاة وثواب الله. وبهذا انتهى عرض خصائص المهتدين المستبشرين بهذا القرآن، كما عرضت صفات الذين لا يؤمنون بالآخرة، ثم يعود السياق إلى الكلام عن القرآن:
وَإِنَّكَ يا محمد لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ أي لتؤتاه وتلقنه مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ قال ابن كثير: أي من عند حكيم عليم، أي حكيم في أمره ونهيه، عليم بالأمور جليلها وحقيرها. فخبره هو الصدق المحض وحكمه هو العدل التام، قال النسفي في محل هذه الآية من السياق: (وهذه الآية بساط وتمهيد لما يريد أن يسوق بعدها من الأقاصيص وما في ذلك من لطائف حكمته ودقائق علمه).
وأول ما يأتي بعد هذه الآية قصة موسى ﵇، وفيها نموذج على تلقي المرسلين
стр. 3785
الوحي من الله ، وفيها نموذج على الآيات التي يعطيها الله الرسل عليهم الصلاة والسلام، وهي من الآيات التي يتلوها الله على محمد ﵊ ولذلك كله صلاته بمحور السورة: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ.
المجموعة الثانية من المقطع الأول وفيها قصة موسى ﵇
وتمتد من الآية (٧) إلى نهاية الآية (١٤) وهذه هي:
[سورة النمل (٢٧): الآيات ٧ الى ١٤]
إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ ناراً سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٧) فَلَمَّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٨) يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩) وَأَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلاَّ مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١)
وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (١٢) فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤)
***
следующие страницы →