← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.

стр. 3781

وعلى أن ما جاء فيه إنما هو المنهج الذي يريده الله. الذي لا يؤمن هذا الإيمان لا يهتدي بالقرآن كما ينبغي ولا يستبشر بما فيه من بشارات. إن في القرآن كنوزا ضخمة من الهدى والمعرفة والحركة والتوجيه. والإيمان هو مفتاح هذه الكنوز. ولن تفتح كنوز القرآن إلا بمفتاح الإيمان. والذين آمنوا حق الإيمان حققوا الخوارق بهذا القرآن. فأما حين أصبح القرآن كتابا يترنم المترنمون بآياته، فتصل إلى الآذان، ولا تتعداها إلى القلوب، فإنه لم يصنع شيئا، ولم ينتفع به أحد .. لقد ظل كنزا بلا مفتاح). (والسورة تعرض صفة المؤمنين الذين يجدون القرآن هدى وبشرى ... إنهم هم الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ، وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ، وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ... يقيمون الصلاة .. فيؤدونها حق أدائها، يقظة قلوبهم لموقفهم بين يدي الله، شاعرة أرواحهم بأنهم في حضرة ذي الجلال والإكرام، مرتفعة مشاعرهم إلى ذلك الأفق الوضيء، مشغولة خواطرهم بمناجاة الله ودعائه والتوجه إليه. ويؤتون الزكاة .. فيطهرون نفوسهم من رذيلة الشح؛ ويستعلون بأرواحهم على فتنة المال؛ ويصلون إخوانهم في الله ببعض ما رزقهم الله؛ ويقومون بحق الجماعة المسلمة التي هم فيها أعضاء. وهم بالآخرة هم يوقنون .. فإذا حساب الآخرة يشغل بالهم، ويصدهم عن جموح الشهوات، ويغمر أرواحهم بتقوى الله وخشيته والحياء من الوقوف بين يديه موقف العصاة. هؤلاء المؤمنون الذاكرون الله، القائمون بتكاليفه، المشفقون من حسابه وعقابه، الطامعون في رضائه وثوابه .. هؤلاء هم الذين تنفتح قلوبهم للقرآن، فإذا هو هدى وبشرى. وإذا هو نور في أرواحهم، ودفعة في دمائهم، وحركة في حياتهم. وإذا هو زادهم الذي به يبلغون؛ وريهم الذي به يستقون. وعند ذكر الآخرة يركز عليها ويؤكد في صورة التهديد والوعيد لمن لا يؤمنون بها، فيسدرون في غيهم، حتى يلاقوا مصيرهم الوخيم: إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ* أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ

стр. 3782

سُوءُ الْعَذابِ، وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ. والإيمان بالآخرة هو الزمام الذي يكبح الشهوات والنزوات، ويضمن القصد والاعتدال في الحياة، والذي لا يعتقد بالآخرة لا يملك أن يحرم نفسه شهوة، أو يكبح فيها نزوة، وهو يظن أن الفرصة الوحيدة المتاحة له للمتاع هي فرصة الحياة على هذا الكوكب. وهي قصيرة مهما طالت، وما تكاد تتسع لشئ من مطالب النفوس وأمانيها التي لا تنال! ثم ما الذي يمسكه حين يملك إرضاء شهواته ونزواته، وتحقيق لذاته ورغباته؛ وهو لا يحسب حساب وقفة بين يدي الله؛ ولا يتوقع ثوابا ولا عقابا يوم يقوم الأشهاد؟. ومن ثم يصبح كل تحقيق للشهوة واللذة مزينا للنفس التي لا تؤمن بالآخرة، تندفع إليه بلا معوق من تقوى أو حياء. والنفس مطبوعة على أن تحب ما يلذ لها، وأن تجده حسنا جميلا؛ ما لم تهتد بآيات الله ورسالاته إلى الإيمان بعالم آخر باق بعد هذا العالم الفاني. فإذا هي تجد لذتها في أعماق أخرى وأشواق أخرى، تصغر إلى جوارها لذائذ البطون والأجسام؛ والله- سبحانه- هو الذي خلق النفس البشرية على هذا النحو؛ وجعلها مستعدة للاهتداء إن تفتحت لدلائل الهدى، مستعدة للعماء إن طمست منافذ الإدراك فيها. وسنته نافذة- وفق مشيئته في حالتي الاهتداء والعماء. ومن ثم يقول القرآن عن الذين لا يؤمنون بالآخرة زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ .. فهم لم يؤمنوا بالآخرة، فنفذت سنة الله في أن تصبح أعمالهم وشهواتهم مزينة لهم حسنة عندهم ... وهذا هو معنى التزيين في هذا المقام. فهم يعمهون لا يرون ما فيها من شر وسوء. أو فهم حائرون لا يهتدون فيها إلى صواب. والعاقبة معروفة لمن يزين له الشر والسوء أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ. وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ. سواء كان سوء العذاب لهم في الدنيا أو في الآخرة، فالخسارة المطلقة في الآخرة محققة جزاء وفاقا على الاندفاع في سوء الأعمال. وتنتهى مقدمة السورة بإثبات المصدر الإلهي الذي يتنزل منه القرآن على رسول الله ﷺ وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ. ولفظ (تلقى) يلقي ظل الهدية المباشرة السنية من لدن حكيم عليم. يصنع كل شئ بحكمة، ويدبر كل أمر بعلم .. وتتجلى حكمته وعلمه في هذا القرآن. في منهجه،

стр. 3783

وتكاليفه، وتوحيهاته، وطريقته. وفي تنزيله في إبانة. وفي توالي أجزائه. وتناسق موضوعاته. ثم يأخذ في القصص. وهو معرض لحكمة الله وعلمه وتدبيره الخفي اللطيف). كلمة في السياق: أثبت الله في هذه الآيات خاصتين من خواص كتابه وهما: الهداية والبشارة، ولكن بين أن هاتين الخاصيتين إنما ينالهما من اجتمع له إيمان، وإقامة صلاة، وإيتاء زكاة، وإيقان بالآخرة. أما من فقد هذه الصفات فإنه لا ينال هداية هذا القرآن، ولا بشارته. فلتتذكر الآن محور السورة تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إننا نلاحظ الشبه بين قوله تعالى تِلْكَ آياتُ اللَّهِ في المحور وبين قوله تعالى: تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ فتلك آيات الله المذكورة هي آيات هذا القرآن الواضح البين، هذه الآيات من خصائصها الهداية والبشارة، ولكن لمن اتصف بمجموعة صفات، أما إذا أخل بصفة فإن هذه الآيات لا يكون له فيها هداية كاملة، ولا بشارة كاملة، فالصلة قائمة بين آية المحور ومقدمة السورة. فوائد: ١ - نلاحظ أن سورة الحجر كانت مقدمتها الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ هناك قدم لفظ الكتاب وهاهنا قدم لفظ القرآن، ويلاحظ أن كلمة القرآن في سورة الحجر جاءت بصيغة التنكير لا التعريف، بينما جاءت كلمة الكتاب هنا بصيغة التنكير لا التعريف. قال النسفي في ذلك: (وقيل إنما نكر الكتاب هنا وعرفه في سورة الحجر، وعرف القرآن هنا ونكره ثم لأن القرآن والكتاب اسمان علمان للمنزل على محمد ﷺ ، ووصفان له، لأن يقرأ ويكتب فحيث جاء بلفظ التعريف فهو الوصف). ٢ - يلاحظ أن كلمة (هم) تكررت مرتين في قوله تعالى: وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ قال النسفي في تعليل ذلك: (وكرر فيها المبتدأ الذي هو (هم) حتى صار معناها: وما يوقن بالآخرة حق الإيمان إلا هؤلاء الجامعون بين الإيمان والعمل الصالح، لأن خوف العاقبة يحملهم على تحمل المشاق) أقول: وهؤلاء الذين كانوا كذلك هم وحدهم الذين تنالهم هداية القرآن وبشارته.

стр. 3784

ولنعد عودة قصيرة إلى بعض الآيات: بعد أن بين الله أهمية الإيمان بالآخرة، حتى إنه لا تكون صلاة وزكاة وإيمان بدونه، وحتى لا يكون اهتداء بالقرآن ولا استبشار بما فيه بدون ذلك، بعد هذا ذكر حال الذين لا يؤمنون بالآخرة فقال: إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أى يكذبون بها ويستبعدون وقوعها زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ أي حسنا لهم ما هم فيه فساروا وراء شهوات الدنيا على أنها هي الهدف وحدها، ورأوا ذلك حسنا فَهُمْ يَعْمَهُونَ أي فهم يترددون في ضلالتهم كما يكون حال الضال عن الطريق. قال ابن كثير: (أي حسنا لهم ما هم فيه، ومددنا لهم في غيهم، فهم يتيهون في ضلالهم وكأن هذا جزاء على ما كذبوا من الدار (الآخرة) أقول: ومن آثار التزيين ما نراه في عصرنا من ثناء الملحدين على أنفسهم، واحتقار غيرهم، بما يطلقونه على أنفسهم من ألقاب، وغيرهم رجعيون خونة، أعداء للتقدم إلى آخر ما يطلقونه على غيرهم من ألقاب أُوْلئِكَ أي الذين لا يؤمنون بالآخرة الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ في الدنيا والآخرة وهذا أكثر ما يكون وضوحا في المجتمعات التي تبنت الكفر باليوم الآخر، كالمجتمعات الشيوعية، فإنك لا تجد أبأس من الإنسان فيها، وهذا نوع من العذاب، وأنواع العذاب التي تصيب هؤلاء في الدنيا كثيرة. فالقلق عذاب، وانقباض القلب عذاب، وعقوبات الفطرة عذاب، وغير ذلك كثير: وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ أي ليس يخسر أنفسهم وأموالهم سواهم من أهل المحشر، فهم أشد الناس خسرانا وخاصة كفار هذه الأمة، لأنهم لو آمنوا لكانوا من الشهداء على جميع الأمم، فخسروا ذلك، مع خسران النجاة وثواب الله. وبهذا انتهى عرض خصائص المهتدين المستبشرين بهذا القرآن، كما عرضت صفات الذين لا يؤمنون بالآخرة، ثم يعود السياق إلى الكلام عن القرآن: وَإِنَّكَ يا محمد لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ أي لتؤتاه وتلقنه مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ قال ابن كثير: أي من عند حكيم عليم، أي حكيم في أمره ونهيه، عليم بالأمور جليلها وحقيرها. فخبره هو الصدق المحض وحكمه هو العدل التام، قال النسفي في محل هذه الآية من السياق: (وهذه الآية بساط وتمهيد لما يريد أن يسوق بعدها من الأقاصيص وما في ذلك من لطائف حكمته ودقائق علمه). وأول ما يأتي بعد هذه الآية قصة موسى ﵇، وفيها نموذج على تلقي المرسلين

стр. 3785

الوحي من الله ، وفيها نموذج على الآيات التي يعطيها الله الرسل عليهم الصلاة والسلام، وهي من الآيات التي يتلوها الله على محمد ﵊ ولذلك كله صلاته بمحور السورة: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ. المجموعة الثانية من المقطع الأول وفيها قصة موسى ﵇ وتمتد من الآية (٧) إلى نهاية الآية (١٤) وهذه هي: [سورة النمل (٢٧): الآيات ٧ الى ١٤] إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ ناراً سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٧) فَلَمَّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٨) يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩) وَأَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلاَّ مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١) وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (١٢) فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤) ***

стр. 3786

التفسير: إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ أي لزوجته ومن معه عند مسيره من مدين إلى مصر إِنِّي آنَسْتُ أي أبصرت ناراً سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ عن حال الطريق لأنه كان ضائعا عنه أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ أي شعلة مضيئة قَبَسٍ أي نار مقبوسة لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ أي تستدفئون بالنار من البرد الذي أصابكم. كلمة في السياق: بعد قوله تعالى: وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ جاء مباشرة قوله تعالى: إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ ناراً .. فما الصلة بين الآيتين؟ ذكر النسفي: أن إذ منصوبة بفعل تقديره: (اذكر) ثم قال ذاكرا الصلة بين الآيتين: (كأنه قال: على أثر خذ من آثار حكمته وعلمه قصة موسى ﵇ أقول: بل في مجيء قصة موسى بعد تلك الآية زيادة على ما قال النسفي: أن في القصة نموذجا على تلقى رسول- هو موسى- عن الله تلقيا تظهر فيه حكمة الله وعلمه، كما أن ذكر القصة في هذا السياق دليلا على أن هذا القرآن متلقى من الله . ... فَلَمَّا جاءَها أي فلما جاء النار التي أبصرها. قال ابن كثير: (أي فلما أتاها ورأى منظرا هائلا عظيما، حيث انتهى إليها والنار تضطرم في شجرة خضراء، لا تزداد النار إلا توقدا ولا تزداد الشجرة إلا خضرة ونضرة ثم رفع رأسه فإذا نورها متصل بعنان السماء. قال ابن عباس وغيره: لم تكن نارا وإنما كانت نورا يتوهج). فوقف موسى متعجبا مما رأى ف نُودِيَ موسى أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها أي حول مكانها أي موسى، وهذه البركة كانت لحدوث أمر ديني فيها، وهو تكليم الله موسى واستنباؤه له وإظهار المعجزات وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ هذا من تتمه النداء، فقد نزه الله ذاته عما لا يليق به من التشبيه وغيره يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ قال ابن كثير: أعلمه أن الذي يخاطبه ويناجيه هو ربه الله العزيز الذي عز كل شئ وقهره وغلبه، الحكيم في أفعاله وأقواله) قال النسفي: (وهو (أي هذا الكلام) تمهيد لما أراد أن يظهر على يده من المعجزات) وَأَلْقِ عَصاكَ قال النسفي: لتعلم معجزتك فتأنس بها. وقال ابن كثير: أمره أن يلقي عصاه من يده ليظهر له دليلا واضحا على أنه

стр. 3787

الفعال المختار القادر على كل شئ فَلَمَّا رَآها أي رأى العصا تَهْتَزُّ أي تتحرك كَأَنَّها جَانٌّ كأنها حية من نوع الجان. قال ابن كثير: والجان ضرب من الحيات أسرعه حركة، وأكثره اضطرابا وَلَّى موسى مُدْبِراً أي منهزما خوفا من وثوب الحية عليه وَلَمْ يُعَقِّبْ أي ولم يلتفت من شدة خوفه فنودي يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ أي لا يخاف عندي المرسلون حال خطابي إياهم، أو لا يخاف لدي المرسلون من غيري. قال ابن كثير في الآية: أي لا تخف مما ترى فإني أريد أن أصطفيك رسولا، وأجعلك نبيا وجيها إِلَّا مَنْ ظَلَمَ أي لكن من ظلم من غيرهم لأن الأنبياء لا يظلمون ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ أي أتبع توبة بعد زلة فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ أي فإني أقبل توبته، وأغفر زلته، وأرحمه فأحقق أمنيته. قال النسفي: وكأنه تعريض بما قال موسى حين قتل القبطي رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ قال ابن كثير: (وفيه بشارة عظيمة للبشر، وذلك أن من كان على عمل سيئ، ثم أقلع عنه ورجع وتاب وأناب فإن الله يتوب عليه) ويحتمل أن يكون المعنى: إلا من ظلم من المرسلين بأن فعل غير ما أذنت له مما يجوز على الأنبياء، وليس من باب المعاصي، ولكنه لعلو مقامهم يعتبر ظلما من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين. فإذا وقع الرسول بشيء من ذلك فتاب فإن الله يتوب عليه ويغفر له رحمة به وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ أي في جيب قميصك وهو فتحة الثوب من العنق وأخرجها بعد إدخالها تَخْرُجْ بَيْضاءَ أي نيرة مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ أي خارجين عن الطاعة فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً أي بينه واضحة ظاهرة قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ أي واضح ظاهر لمن تأمله وَجَحَدُوا بِها أي بألسنتهم وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ أي علموا في أنفسهم أنها حق؛ ولكن جحدوها وعاندوها وكابروها ظُلْماً أي ظلما من أنفسهم، سجسة ملعونة، وأي ظلم أفحش من ظلم من استيقن أنها آيات من عند الله، ثم سماها سحرا بينا؟ وَعُلُوًّا أي وترفعا عن الإيمان بما جاء به موسى. قال النسفي: أي استكبارا عن اتباع الحق فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ قال النسفي: وهو الإغراق هنا والإحراق ثمة. وقال ابن كثير: (أي انظر يا محمد كيف كان عاقبة أمرهم في إهلاك الله إياهم، وإغراقهم عن آخرهم في صبيحة واحدة، فحوى الخطاب يقول احذروا أيها المكذبون لمحمد، الجاحدون لما جاء به من ربه، أن يصيبكم ما أصابهم بطريق الأولى والأخرى؛ فإن محمدا ﷺ أشرف وأعظم من

стр. 3788

موسى، وبرهانه أدل وأقوى من برهان موسى بما آتاه الله من الدلائل المقترنة بوجوده في نفسه وشمائله، وما سبقه من البشارات من الأنبياء به وأخذ المواثيق له؛ عليه من ربه أفضل الصلاة والسلام). فوائد: ١ - فسر النسفي قوله تعالى: أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ بأن المراد من في النار الملائكة، وفسر وَمَنْ حَوْلَها بأن المراد به موسى، وهو المعنى الذي اعتمدناه في التفسير. إلا أن ابن كثير: فسر من حولها بالملائكة. وفسر مَنْ فِي النَّارِ بأن الله أراد بذلك ذاته جل وعلا، وعلى هذا المعنى فلا يصح أن يفهم فاهم ما ينافي التنزيه، فالله حجابه النور أو النار، وليس كمثله شئ، ومثل هذه المعاني الدقيقة لا يفهمها حق الفهم إلا الراسخون في العلم، السالكون إلى الله، العارفون به، جعلنا الله منهم. وبمناسبة هذه الآية نقل ابن كثير ما أخرجه ابن أبي حاتم .. عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار، قبل الليل» زاد المسعودي «وحجابه النور أو النار لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه كل شئ أدركه بصره» ثم قرأ أبو عبيدة أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها وأصل الحديث مخرج في صحيح مسلم من حديث عمرو بن مرة. ٢ - يلاحظ أنه في هذه السورة قال موسى سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ .. وتعبيره هنا جازم وفي سورة القصص قال لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها .. وفيه الترجي، وقد علل النسفي لذلك بقوله: (لأن الراجي إذا قوي رجاؤه يقول سأفعل كذا، وسيكون كذا، مع تجويزه الخيبة، ومجيئه بسين التسويف عدة لأهله أنه يأتيهم به، وإن أبطأ أو كانت المسافة بعيدة، وبأو لأنه بنى الرجاء على أنه إن لم يظفر بحاجتيه جميعا لم يعدم واحدة منهما، إما هداية الطريق، وإما اقتباس النار، ولم يدر أنه ظافر على النار بحاجتيه الكليتين وهما عز الدنيا والآخرة واختلاف الألفاظ في هاتين السورتين والقصة واحدة دليل على جواز نقل الحديث بالمعنى، وجواز النكاح بغير لفظ التزوج). أي بما يفيده معناه وتجيزه الفتوى. كلمة في السياق: لقد مرت معنا هذه المجموعة التي ذكر الله فيها قصة موسى بهذا الاختصار المعجز،

стр. 3789

ورأينا كيف ربط النسفي بين هذه المجموعة وبين الآية التي جاءت قبلها؛ إذ ذكر فيها أن هذه المجموعة نموذج على أن هذا القرآن أثر عن علم الله وحكمته، وهي كذلك، ومع أن المجموعة تؤدي دورها في سياق السورة، فإنها تؤدي دورها في تفصيل محورها: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ فقد رأينا في المجموعة كيف يتلقى رسول من الرسل عن الله وكيف تنزل الآيات عليه، كما رأينا بعض آداب الرسل إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ ولكل ذلك صلاته بآية المحور، فإن تكون هذه المجموعة في محلها بما يخدم سياق السورة، وبما يفصل محورها، فذلك لا يمكن أن يكون لولا أن هذا القرآن من عند الله الحكيم العليم، ثم إن المجموعة تخدم قضية إنزال الآيات على محمد ﷺ ، وتوضح قضية الإرسال، وبعد هذه المجموعة تأتي قصة سليمان وداود وهما من المرسلين اللذين يضمهم مع محمد ﷺ سلك الرسالة، ففي المجموعة آيات يتلوها الله على محمد ﷺ عن المرسلين: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ وهذه هي المجموعة: المجموعة الثالثة من المقطع الأول وفيها قصة سليمان ﵇ وتمتد من الآية (١٥) إلى نهاية الآية (٤٤) وهذه هي: [سورة النمل (٢٧): الآيات ١٥ الى ٤٤] وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥) وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَقالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (١٦) وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧) حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٨) فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ (١٩) وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ (٢٠) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٢١) فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣) وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ (٢٤) أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ (٢٥) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦) قالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٢٧) اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ (٢٨) قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ (٢٩) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١) قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ (٣٢) قالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ (٣٣) قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ (٣٤) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥) فَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ (٣٧) قالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨) قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩) قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠) قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ (٤١) فَلَمَّا جاءَتْ قِيلَ أَهكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (٤٢) وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ (٤٣) قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها قالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٤)

стр. 3790

التفسير: وَلَقَدْ آتَيْنا أي أعطينا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً أي علم الدين والحكم وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ قابلا النعمة بشكرها. فائدة: بمناسبة قوله تعالى: وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ قال النسفي: (وفيه أنهما فضلا على كثير وفضل عليهما كثير، وفي الآية دليل على شرف العلم، وتقدم حملته وأهله، وأن نعمة العلم من أجل النعم، وأن من أوتيه فقد أوتي فضلا على كثير من عباده، وما سماهم رسول الله ﷺ ورثة الأنبياء إلا لمداناتهم لهم في الشرف والمنزلة، لأنهم القوام بما بعثوا من أجله، وفيها أنه يلزمهم لهذه النعمة الفاضلة أن يحمدوا الله على ما أوتوه، وأن يعتقد العالم أنه إن فضل على كثير فقد فضل عليه مثلهم وما أحسن قول عمر ﵁: كل الناس أفقه من عمر). وبمناسبة هذه الآية. قال ابن كثير: (روى ابن أبي حاتم .. أنه: كتب عمر بن عبد العزيز: (إن الله لم ينعم على عبده نعمة فيحمد الله عليها إلا كان حمده أفضل نعمه لو كنت لا تعرف ذلك إلا في كتاب الله المنزل: قال الله تعالى وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ فأي نعمة أفضل مما أوتي داود وسليمان ﵉. كلمة في السياق: هذه الآية بينت أنه كما أوحي إلى موسى أوحى الله إلى داود وسليمان ﵉ وعلمهما، وأنهما قابلا ذلك بالحمد والشكر، وإذن فلا عجب أن ينزل الله الآيات على محمد ﷺ ويعلمه، وفي الآية درس للإنسان أن يقابل التعليم الإلهي بالشكر، ولنلاحظ أنه قد وردت قصة موسى بعد قوله تعالى: وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ فجاءت قصة موسى كنموذج على آثار علم الله وحكمته. وها هي قصة سليمان تصدر بقوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً فكما أن معلم القرآن هو الله، فمعلم داود وسليمان هو الله، فقصة سليمان إذن نموذج على التعليم الرباني، فهي نموذج على آثار علم الله وحكمته، ومن

стр. 3791

هذا كله ندرك محل هذه المجموعة في سياق السورة وسياق القرآن. ... وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ أي ورث منه النبوة والملك. قال ابن كثير: (أي في الملك والنبوة، وليس المراد وراثة المال، إذ لو كان كذلك لم يخص سليمان وحده من بين سائر أولاد داود، فإنه قد كان لداود مائة امرأة، ولكن المراد بذلك وراثة الملك والنبوة، فإن الأنبياء لا تورث أموالهم كما أخبر بذلك رسول الله ﷺ في قوله «نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه فهو صدقة»). قال النسفي: (قالوا: أوتي النبوة مثل أبيه فكأنه ورثه وإلا فالنبوة لا تورث). وَقالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ قال هذا تشهيرا لنعمة الله تعالى واعترافا بمكانها، ودعاء للناس إلى التصديق بذكر المعجزة التي هي علم منطق الطير، قال النسفي: (والمنطق: كل ما يصوت به من المفرد والمؤلف المفيد وغير المفيد، وكان سليمان يفهم منها كما يفهم بعضها من بعض) وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ قال النسفي: المراد به كثرة ما أوتي كما تقول فلان يعلم كل شئ .. وليس التكبر من لوازم ذلك. وقال ابن كثير (أي مما يحتاج إليه الملك) إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ أي الظاهر البين لله علينا قال النسفي: هذا قول وارد على سبيل الشكر كقوله ﵊: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» أي أقول هذا القول شكرا ولا أقوله فخرا. كلمة في السياق: قلنا إن آية المحور هي: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ وقد جاءت هذه الآية بعد قصة طالوت التي ختمت بقوله تعالى: وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ* تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ .. فعند ما تأتي في هذه السورة قصة داود ووراثة سليمان له، فإن هذا يكون استمرارا لما قصه الله على رسوله ﷺ من شأن داود قبل آية المحور، ففي هذه السورة آيات يتلوها الله على رسوله ﷺ من أنباء المرسلين ليعلمه من آدابهم، وليعطيه من دروسهم، ولذلك صلاته بآية المحور وسياقها، ومن مثل هذه الصلة التي رأيناها هنا ندرك بعض أسرار الوحدة القرآنية.

стр. 3792

نقول: قال صاحب الظلال: (ومملكة النمل كمملكة النحل دقيقة التنظيم، تتنوع فيها الوظائف، وتؤدى كلها بنظام عجيب، يعجز البشر غالبا عن ابتداع مثله، على ما أوتوا من عقل راق وإدراك عال). ... (وللطيور والحيوان والحشرات وسائل للتفاهم- هي لغاتها ومنطقها- فيما بينها. والله سبحانه خالق هذه العوالم يقول: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ولا تكون أمما حتى تكون لها روابط معينة تحيا بها، ووسائل معينة للتفاهم فيما بينها. وذلك ملحوظ في حياة أنواع كثيرة من الطيور والحيوان والحشرات. ويجتهد علماء هذه الأنواع في إدراك شئ من لغاتها ووسائل التفاهم بينها عن طريق الحدس والظن لا عن الجزم واليقين. فأما ما وهبه الله لسليمان- ﵇ فكان شأنا خاصا به على طريق الخارقة التي تخالف مألوف البشر. لا على طريق المحاولة منه والاجتهاد لتفهم وسائل الطير وغيره في التفاهم، على طريق الظن والحدس، كما هو حال العلماء اليوم ... أحب أن يتأكد هذا المعنى ويتضح لأن بعض المفسرين المحدثين- ممن تبهرهم انتصارات العلم الحديث- يحاولون تفسير ما قصه القرآن عن سليمان- ﵇ في هذا الشأن بأنه نوع من إدراك لغات الطير والحيوان والحشرات على طريقة المحاولات العلمية الحديثة. وهذا إخراج للخارقة عن طبيعتها، وأثر من آثار الهزيمة والانبهار بالعلم البشري القليل! وإنه لأيسر شئ وأهون شئ على الله، أن يعلم عبدا من عباده لغات الطير والحيوان والحشرات، هبة لدنية منه، بلا محاولة ولا اجتهاد. وإن هي إلا إزاحة لحواجز النوع التي أقامها الله بين الأنواع. وهو خالق هذه الأنواع!. وعلى أن هذا كله لم يكن إلا شقا واحدا للخارقة التي أتاحها الله لعبده سليمان. أما الشق الآخر فكان تسخير طائفة من الجن والطير لتكون تحت إمرته، وطوع أمره، كجنوده من الإنس سواء بسواء. والطائفة التي سخرها له من الطير وهبها إدراكا خاصا أعلى من إدراك نظائرها في أمة الطير. يبدو ذلك في قصة الهدهد الذي أدرك من

стр. 3793

أحوال ملكة سبأ وقومها ما يدركه أعقل الناس وأذكاهم وأتقاهم. وكان ذلك كذلك على طريق الخارقة والإعجاز .. حقيقة إن سنة الله في الخلق جرت على أن يكون للطير إدراك خاص يتفاوت فيما بينه، ولكنه لا يصل إلى مستوى إدراك الإنسان؛ وإن خلقة الطير على هذا النحو حلقة في سلسلة التناسق الكوني العام. وإنها خاضعة- كحلقة مفردة- للناموس العام، الذي يقتضي وجودها على النحو الذي وجدت به. وحقيقة إن الهدهد الذي يولد اليوم، هو نسخه من الهدهد الذي وجد منذ ألوف أو ملايين من السنين، منذ أن وجدت الهداهد. وإن هناك عوامل وراثة خاصة تجعل منه نسخة تكاد تكون طبق الأصل من الهدهد الأول. ومهما بلغ التحوير فيه، فهو لا يخرج من نوعه، ليرتقي إلى نوع آخر .. وإن هذا- كما قلنا طرف من سنة الله في الخلق، ومن الناموس العام للكون. ولكن هاتين الحقيقتين الثابتتين لا تمنعان أن تقع الخارقة عند ما يريدها الله خالق السنن والنواميس. وقد تكون الخارقة ذاتها جزءا من الناموس العام الذي لا نعرف أطرافه، جزءا يظهر في موعده الذي لا يعلمه إلا الله، يخرق المألوف المعهود للبشر، ويكمل ناموس الله في الخلق والتناسق العام. وهكذا وجد هدهد سليمان، وربما كل الطائفة من الطير التي سخرت له في ذلك الزمان). فوائد: ١ - بمناسبة قول الله تعالى على لسان سليمان: يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ قال ابن كثير: (أخبر سليمان بنعم الله عليه فيما وهبه له من الملك التام، والتمكين العظيم، حتى إنه سخر له الإنس والجن والطير، وكان يعرف لغة الطير والحيوان أيضا، وهذا شئ لم يعطه أحد من البشر فيما علمناه مما أخبر الله به ورسوله، ومن زعم من الجهلة والرعاع أن الحيوانات كانت تنطق كنطق بني آدم قبل سليمان بن داود- كما قد يتفوه به كثير من الناس- فهو قول بلا علم، ولو كان الأمر كذلك لم يكن لتخصيص سليمان بذلك فائدة، إذ كلهم يسمع كلام الطيور والبهائم، ويعرف ما تقول، وليس الأمر كما زعموا ولا كما قالوا، بل لم تزل البهائم والطيور وسائر المخلوقات من وقت خلقت إلى زماننا هذا على هذا الشكل والمنوال، ولكن الله سبحانه كان قد

стр. 3794

أفهم سليمان ما يخاطب به الطيور في الهواء وما تنطق به الحيوانات على اختلاف أصنافها). ٢ - بمناسبة قوله تعالى على لسان سليمان ﵇: عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ يذكر ابن كثير الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «كان داود ﵇ فيه غيرة شديدة، فكان إذا خرج أغلقت الأبواب فلم يدخل على أهله أحد حتى يرجع» قال فخرج ذات يوم وأغلقت الأبواب، فأقبلت امرأة تطلع إلى الدار، فإذا رجل قائم وسط الدار، فقالت لمن في البيت: من أين يدخل هذا الرجل والدار مغلقة؟ والله لنفتضحن بداود فجاء داود ﵇ فإذا الرجل قائم وسط الدار فقال له داود من أنت؟ فقال: الذي لا يهاب الملوك ولا يمتنع من الحجاب، فقال داود: أنت إذا والله ملك الموت مرحبا بأمر الله فتزمل داود مكانه حتى قبضت نفسه حتى فرغ من شأنه وطلعت عليه الشمس، فقال سليمان ﵇ للطير أظلي داود، فظللت عليه الطير حتى أظلمت عليه الأرض فقال لها سليمان اقبضي جناحا جناحا قال أبو هريرة: يا رسول الله كيف فعلت الطير؟ فقبض رسول الله ﷺ يده وغلبت عليه يومئذ المضرحية» قال أبو الفرج ابن الجوزي: المضرحية هي النسور الحمراء. ولنعد إلى التفسير: وَحُشِرَ أي وجمع لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ قال ابن كثير: يعنى ركب فيهم في أبهة وعظمة كبيرة في الإنس وكانوا هم الذين يلونه، والجن وهم بعدهم في المنزلة، والطير ومنزلتها فوق رأسه، فإن كان حر أظلته منه بأجنحتها فَهُمْ يُوزَعُونَ قال ابن كثير: أي يكف أولهم على آخرهم لئلا يتقدم أحد عن منزلته التي هي مرتبة له. قال مجاهد: جعل على كل صنف وزعة يردون أولاها على أخراها لئلا يتقدموا في المسير كما يفعل الملوك اليوم. وقال النسفي في معني يوزعون: (يحبس أولهم على آخرهم. أي يوقف سلاف العسكر حتى يلحقهم التوالي ليكونوا مجتمعين وذلك للكثرة العظيمة، والوزع: المنع، ومنه قول عثمان رضي الله تعالى عنه: ما يزع السلطان أكثر مما يزع القرآن).

стр. 3795

فوائد: ١ - من قصة سليمان ﵇ نعرف كثيرا من خصائص الجن وعالمهم فهم عالم كالإنس، ونراهم في الآية السابقة منضبطين مع بقية جند سليمان. وسنرى فيما بعد أن عفريتا منهم قادر أن يأتي بعرش بلقيس من اليمن إلى فلسطين خلال ساعات. وهذا يعني أنه قادر على الذهاب والإياب مع معالجة العرش وحمله خلال هذه الساعات، وهذا ينقض كلام المتأولة الذين لا يؤمنون بالغيب، فالجن عالم مغيب عنا لا نعرف عنه إلا ما أخبرنا عنه الوحي المعصوم، فالإنكار والتأويل في هذا المقام كفر وضلال. ٢ - لم يذكر لنا في الآية سبب الجمع الذي من أجله حشر لسليمان جنده كله، هل كان ذلك في أول وراثته لملك أبيه، فكان ذلك نوعا من استعراض الملك الجديد لقواته، أو كان ذلك لمناسبة من المناسبات، أو كان ذلك لمجرد تعويد الجند على تنفيذ الأوامر والتدريب على التعبئة؟ والمهم أن الآية تعطينا درسا من دروس الحكم ولا شك أن قصة سليمان كلها دروس في الحكم الإسلامي، كما أن قصة طالوت في سورة البقرة درس من دروس السياسة لهذه الأمة. ٣ - في قوله تعالى: فَهُمْ يُوزَعُونَ نص على الضبط العسكري ونص على وجود النظام في الجند، وفي ذكر كلمة جُنُودُهُ نص على فكرة الطاعة، وهذه المعاني هي أسس حياة الجندية السليمة، طاعة، وانضباط، ونظام دقيق، وفي عصرنا تقوم الجندية على التدريب الدقيق على النظام المنضم من أجل تعويد الجند على الطاعة والانضباط، وهذا كله يمكن أن تكون الآية أصلا فيه، وفي قوله تعالى: يُوزَعُونَ ما يشير إلى أن هناك من هو مكلف بتأمين الضبط، وهذا يشبه في عصرنا نظام شرطة الجيش، ونظام المراتب في الجيش (ضباط وضباط صف). ومن مثل هذا نفهم أن الله يعطينا في قصة سليمان دروسا في أصول الحكم الإسلامي كما أنها مثال على أن الحكم الإسلامي يمكن أن يأخذ صورا متعددة، ومثال على أن المرسلين يمكن أن يكونوا ملوكا في منتهى العظمة، كما يمكن أن يكونوا غير ذلك، وإن في عرض هذه الأمور في هذا السياق لآيات تدل على أن هذا القرآن من عند الله، وبهذه المناسبة نقول: إن القصص القرآني يعطينا نماذج تسع الزمان والمكان، وأن الأمثال القرآنية تستوعب كل صور الحياة، ومن خلال القصة والمثل ترى الحياة كلها،

стр. 3796

فلا تجد صورة أمامك إلا وتجد مرآة لها في هذا القرآن، وهذا مظهر آخر من مظاهر الإعجاز. ولنعد إلى التفسير: ... حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قال ابن كثير: أي حتى إذا مر سليمان بمن معه من الجيوش والجنود على وادي النمل قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ أي لا يكسرنكم أو لا يدهسنكم سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ أي وهم لا يعلمون بمكانكم، أي لو شعروا لم يفعلوا، قالت ذلك على وجه العذر واصفة سليمان وجنوده بالعدل فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها متعجبا من حذرها، واهتدائها لمصالحها، ونصيحتها للنمل، وفرحا لظهور عدله حتى أحست به الحيوانات، وراعته في مخاطباتها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أي ألهمني أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ من النبوة والملك والعلم وَعَلى والِدَيَّ لأن الإنعام على الوالدين إنعام على الولد وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً أي في بقية عمري عملا تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ أي لا بصالح عملي إذ لا يدخل الجنة أحد إلا برحمة الله كما جاء في الحديث الصحيح فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ أي في زمرة أنبيائك المرسلين، أو مع عبادك الصالحين. أي إذا توفيتني فألحقني بالصالحين من عبادك، والرفيق الأعلى من أوليائك، وهكذا نجد سليمان يقابل كل مظهر من مظاهر الإنعام بالشكر. فوائد: ١ - قال ابن كثير: (ومن قال من المفسرين إن هذا الوادي كان بأرض الشام أو بغيره، وإن هذه النملة كانت ذات جناحين كالذباب، أو غير ذلك من الأقاويل فلا حاصل لها). ٢ - استطرادا بمناسبة ذكر النملة قال ابن كثير: (وقد روى ابن أبي حاتم عن أبي الصديق الناجي قال: خرج سليمان بن داود ﵉ يستسقي فإذا هو بنملة مستلقية على ظهرها، رافعة قوائمها إلى السماء، وهي تقول: اللهم إنا خلق من خلقك، ولا غنى بنا عن سقياك، وإلا تسقنا تهلكنا. فقال سليمان؛ ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم. وقد ثبت في الصحيح عند مسلم من طريق عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «قرصت نبيا من الأنبياء نملة فأمر بقرية

стр. 3797

النمل فأحرقت، فأوحى الله إليه: أفي أن قرصتك نملة أهلكت أمة من الأمم تسبح؟ فهلا نملة واحدة؟). ٣ - إن من مظاهر كون هذا الدين حقا أنك تجد كل شئ فيه يعضد الشئ الآخر، ولا تجد شيئا ينقض شيئا، فمثلا: إنك تجد سليمان ﵇ يقول: وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ فقرر بذلك أن دخول الجنة لا يكون إلا برحمة الله، وهو المعنى الذي أدب الرسول ﵊ عليه هذه الأمة، وهكذا فإنك تجد نصوص هذا الدين تسير كلها باتجاه واحد، وهذا لا يمكن أن يكون لولا أن هذا الدين دين الله، وأن محمدا رسول الله ﷺ أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً. ٤ - إن توسع دائرة الاختصاص في عصرنا، والتتبع الدقيق من قبل المختصين لكل جانب من جوانب الكون أعطانا تصورا واسعا عن عالم الحيوان، وطرق تخاطبه ولغاته، والقوانين السائدة عند كل جنس من أجناسه، ومن ثم فإن يعرض علينا القرآن من خلال قصة سليمان ما يشير إلى مثل هذه المعاني لدليل على أن هذا القرآن فيه تبيان كل شئ، وعلى أن منزله هو الذي يعلم السر في السموات والأرض. وسنختار لك بعض النقول عن الطيور والنمل ترى فيها بعض مظاهر الإعجاز. قال الشيخ عبد الوهاب النجار في كتابه قصص الأنبياء: (والذين لهم مراقبة للحيوان والطير يجدون أصواتها تتكيف بكيفيات مختلفة باختلاف حاجاتها ومطالبها. فمواء الهرة المحبوسة غير موائها إذا طلبت السفاد والطعام أو الماء. فلكل صوت كيفيات ونبرات ليست في الصوت الآخر يفهمه عنها أبناء جنسها، وقد أخبرني صديقي الشيخ أحمد عمر السكندري: أن أطفالا ألقوا في بيته حدأة بعد أن عبثوا بها ونهكوا قوتها، ورضوا بعض عظامها، فألقاها أولاده فوق السطح، فكان يصدر عنها صوت خاص كلما رأت الحدأ، فكن يحمن عليها، وفي كل يوم يلقين إليها بعض الطعام من عظام بها بعض اللحم، وأرجل دجاج ونحوه مما يرزقهن الله. وكان أولاده يقدمون لها الماء، وبعض الأكل إلى أن أبلت وقويت وطارت. وعلى كل فإدراك كل صوت من الطير وما يقصد به لم يكن إلا هبة من الله تعالى يختص بها من يشاء من عباده وقد وهبها سليمان ﵇ ثم كتب تعليقا فقال: نشرت جريدة الأهرام في عددها الصادر يوم الأحد ٤ من

стр. 3798

فبراير سنة ١٩٣٧ ما يلي: لغة الطير: كشف عالم ألماني- بعد ملاحظات دقيقة وصبر طويل- أثرا لم ينتبه إليه أحد قبله وهو أن الطيور لا تصدح فقط ولكنها تتكلم. ولها على مثال البشر لهجات خاصة. مثال ذلك: أن الشحرور النمساوي لا يفهم لهجة الشحرور البافاري، والشحرور الفرنساوي لا يفهم لهجة الشحرور الإنكليزي) اه. وفي كتاب (دنيا الحشرات) تأليف فرديناند لين ترجمة «أحمد عماد الدين أبو النصر» الذي صدر في سلسلة «كل شيء عن» في عددها السابع: هذا البحث عن النمل: تحت عنوان: النمل ذلك الشغال المدهش: (يقوم النحل والزنابير بأعمال مدهشة، ولكن النمل يظهر براعة وذكاء أعظم، ومن بين الحشرات جميعا يتشابه النمل معنا في العادات، فهو يبني المدن، ويشق الطرق، ويحفر الأنفاق، ويخزن الطعام في شئون خاصة به وبعض أنواعه تزرع الحدائق والنباتات أيضا، ومن النمل نوع يحتفظ بمواش خاصة به ويرعاها، ومن المؤسف حقا أن نقول إن النمل أيضا يعلن الحرب بين قبائله، ويأخذ المنتصر أسرى من النمل الضعيف، وبالاختصار فللنمل مدينة غريبة تخصه. يعيش النمل حياة أطول من النحل، فبينما تفني شغالة النحل المسكينة نفسها في عمل متواصل لمدة ستة أسابيع قد تعيش شغالة النمل مدة سبعة أعوام ويصل عمر ملكة النحل إلى أربعة أعوام أو خمسة، بينما تدوم ملكة النمل نحو ثمانية عشر عاما، ويتغذى النحل على العسل وخبز النحل، بينما يأكل النمل كل أنواع الطعام تقريبا. ويظهر النمل على صغر حجمه تمسكا عجيبا بالحياة، فقد عاشت نملة تحت الماء نحو ثلاثة أيام، وظلت غيرها مدة ثمانية أيام بدون هواء تماما، وثالثة بقيت حية مدة واحد وأربعين يوما بعد أن فصل رأسها عن جسدها. وهناك آلاف من أنواع النمل، منها ما يبلغ طوله بوصة تقريبا، ومنها ما لا يزيد حجمه على ذرة من تراب، ويختلف النمل في عاداته تماما كما يحدث عند الإنسان. وتعيش أغلب أنواع النمل تحت الأرض، ولكن النمل «النجار» يقيم مساكنه في الأشجار الميتة أو في أخشاب المنازل القديمة، ويستعمل «نمل الخشب» أوراق الصنوبر الإبرية في بناية مساكنه التي قد ترتفع بضع أقدام، ويبلغ عرضها عدة أقدام.

стр. 3799

وعند ما يحين وقت التجمع تطير الذكور والإناث معا في سحابة كبيرة، وكلا الجنسين له أجنحة، وبعد ذلك يتفرق ويموت أغلبه، ولكن حيثما يحط منه ذكر وأنثى يبدءان في حفر بيت لهما في التربة، ولا يعيش الذكر طويلا بينما يكون أمام الأنثى شهور طويلة من العمل. وبما أن أجنحتها أصبحت عديمة الفائدة فهي تقطعها أو تقرضها بفكوكها، وتبدأ وضع البيض في جرة لها تحت الأرض، ومنه تخرج يرقات لا أرجل لها، وبما أنها لا تملك طعاما فإنها تغذيها من لعابها نفسه. وعند ما يشتد بالأم الجوع تأكل بعضا من بيضها ذاته. بالرغم من أن المعروف عنها أنها قد تعيش مدة عام تقريبا بدون أكل. وتغزل يرقات النمل شرانق صغيرة تتحول داخلها إلى عذارى، وأخيرا تقرض طريقها إلى الخارج، والنمل الجديد يكون كما يحدث في معظم أنواع النحل من صنف الشغالة، وهو يساعد أمه في حفر حجرات أكبر ويسعى إلى جمع الطعام، وقد تمر أعوام عديدة قبل أن يكتمل نمو المستعمرة وعندئذ تترك النملة الأم العمل وتستريح، فلقد أصبحت الآن ملكة حقيقية، وليس أمامها إلا وضع البيض والتمتع بالغذاء. وقد تنمو ملكة الأنواع الاستوائية حتى تبلغ حجما يساوى حجم الشغالة مائة مرة، ولكنها على عكس ملكة النحل- التي تغار من شقيقاتها وتلسعها حتى الموت، ترحب ملكة النمل بمجيء الملكات الجديدة كي تنمو المستعمرة وتكبر. ويملك النحل كيسا للعسل في بطنه يخزن فيه الرحيق، وعند النمل كيس مشابه يسمى «المعدة الاشتراكية» لأنه كثيرا ما يشاركها غيرها من النمل في محتويات هذا الكيس. وللنحل ثلاث طوائف فقط: الملكات والذكور والشغالة، ولكن النمل له عادة طائفة رابعة وهي العساكر، وهذا الطائفة تحرس العش، أو تخرج في غارات على قبائل النمل الأخرى، جسمها أكبر من جسم الشغالة، ورءوسها كبيرة ذات فكوك قوية كالمبرد، وبعضها له إبرة مثل النحل، ولكن معظم أنواعها يعض ويحتوي لعابها علي حامض الفورميك الذي يسبب الألم في لسعة النحلة، وفي الحقيقة سمي هذا الحامض عن النملة التي أطلق عليها الرومان اسم «فورميكا». وتقوم شغالة النحل بأعمال كثيرة، ولكن النمل قسم نفسه إلى طوائف مميزة، ولقد وصف العلماء أكثر من عشرين صنفا من الشغالة، وأغربها تلك الشغالة التي أصبحت بمثابة براميل حية لخزن الرحيق، وعصارة بعض الأشجار والنباتات، وهي تمتلئ بهذا السائل الحلو حتى تنتفخ معدتها كالبالون الصغير، وتتعلق في سقف العش عاما بعد عام

стр. 3800

وتملؤها الشغالة الأخرى بالرحيق الذي يعودون لتذوقه بعد حين، وربما لا نجد مثل هذه التضحية بالنفس في أي مجتمع آخر. ويصنع النحل من الشمع دور حضانة لصغاره، أما النمل فكثيرا ما يحمل معه الشرانق التي تحوي صغاره حيثما تنقل، وتسمى هذه الشرانق خطأ بيض النمل، ولكنها في الحقيقة عذارى النمل وليست بيضه. وتقوم النملة الشغالة بتنظيف جسمها داخل العش كما تفعل القطة الصغيرة، وربما تفعل ذلك عشرين مرة في اليوم الواحد، وأحيانا تتكور النملة وتنام كما يفعل الكلب، وعند ما تستيقظ تتمطى وتفتح فمها كما لو كانت تتثاءب. وقد يسكن نوعان مختلفان من النمل أنحاء منفصلة في عش واحد، ويحتفظ النمل بحشرات صغيرة كثيرة استأنسها، ولقد وجد نحو ألفي نوع من هذه الحشرات المختلفة داخل مساكن النمل الذي نجح في استئناس العدد الكبير من الحيوانات المختلفة أكثر مما استأنسه الإنسان. ومع ذلك ليس كل هؤلاء السكان من المرغوب فيهم، فهناك حفار الغيط الصغير الذي يفضل مساكن النمل الآمنة التي شقي في حفرها النمل، وكذلك تغزو بعض الخنافس المتوحشة عشه. بيد أن للنمل أعداء أفظع، فأنواع كثيرة من الطيور تلتهمه، وكذلك «السحالي» والضفادع، ويلتقطه آكل النمل العملاق في جنوب أمريكا بالمئات بواسطة لسانه اللزج، وبعض القبائل من الأهالي تحب أكل النمل، ويعتبر نمل «قوارير العسل» من الحلوى النادرة عند هنود المكسيك، وحتى الأوربيون وجدوا أن طعم النمل المحمر يشبه طعم الجوز المحمص. وأغرب أعداء النمل جميعا حشرة عجيبة تشبه الرعاش، وهي غير ضارة مطلقا في طورها الكامل، ولكن في طورها اليرقي تكون مخلوقا متوحشا يسمى «أسد النمل» ويقل طولها حينئذ عن البوصة، وأرجلها الست ضعيفة لدرجة أنها تمشي بصعوبة، وإلى الخلف فقط، ولها ست عيون، وليس لها فم، ولكن فكوكها المتباعدة المزودة بأشواك حادة تجري داخلها قنوات تمتص بها غذاءها، وتحفر هذه الحشرة حفرة قمعية الشكل في الرمل، وتدفن نفسها في القاع تاركة فكوكها مكشوفة فقط، وعند مجيء نملة إلى حافة الحفرة تسقط وتنزلق على الرمل الناعم. وإذا ما حاولت الفرار تسرع «أسد النمل» وترميها بحباب الرمل، حتى تسقط إلى القاع، وعند ما تصبح في متناول الفكوك تمتص جسمها وتتركه جافا بعد فترة وجيزة، ويسميها

стр. 3801

الأطفال في الريف. doodle bug ويعتبر النحل صديقا لنا، بينما ينافسنا النمل. وكثيرا ما يكون عدوا لنا، فهو حقا يقدم لنا بعض الخدمات، ففي بعض المناطق الأوربية يشجع النمل على حفر مساكن له حول أشجار الفاكهة حيث يهاجم الحشرات الضارة بها. ولكنه كثيرا ما يضايقنا فهو يفسد المروج وسفوح النجيل الخضراء، ويضر المحصولات المزروعة، ويختلط بطعامنا، وفي المناطق الاستوائية يأتي النمل أعمالا فظيعة، ففي وادي نهر الأمازون أصبحت الحياة غير محتملة من جرائه، فبعض أنواعه تقرض ثوبا من الملابس وتتركه خرقا بالية في ليلة واحدة، وينتشر على النباتات هناك نوع يسمى «النمل الناري» وهو مشبع بحامض الفورميك لدرجة أن مجرد الاحتكاك به كلمس النار، وهناك نملة أخرى كبيرة تقرب من البوصة تسمى «النملة الرهيبة» وقد تسبب عضتها الحمى، ولهذا فإن عدد سكان ذلك الوادي الخصيب- الذي تقارب مساحته مساحة الولايات المتحدة- أقل من سكان الصحراء الكبرى. ولا غرابة إذن أنهم يطلقون عليه اسم «مملكة النمل». بعض أنواع النمل الغريبة: بين الملايين من النمل الجماعي توجد بعض الأنواع يجدر بنا أن نذكرها وخاصة ما يسمى «نمل تكساس الزراعي». يقيم هذا النمل هضبة من التراب ارتفاعها عدة أقدام، ويحفر تحتها حجرات متشعبة، ويزيل ما حولها من مزروعات تاركا فقط نبات غذائه الأساسي لينمو حول العش وهو ما يسمى «رز النمل» ويعبد طرقا خارجة من الهضبة تشبه في ذلك عجلة العربة الخشبية، ولقد وجد ثمانية عشر نوعا من البذور المختلفة في صوامع النمل تحت الأرض. وتملك أفراد العساكر رءوسا وفكوكا ضخمة، وإذا تخيلنا نملة منها في حجم الإنسان لبلغ حجم رأسها جوال البطاطس، والمسافة بين فكوكها ست أقدام. وتقرض عساكر النمل البذور بفكوكها كي تمنعها من الإنبات، وكذلك تقوم بتكسير البذور اللازمة لطعام الشغالة ولهذا سميت «كسارة البندق الحية». وإذا ما ترطب الأرز المخزون حملته الشغالة لتجفيفه في الشمس، وإذا أنبتت البذور

стр. 3802

حملت إلى خارج العش حتى تنمو لها جذور، وهذا سبب الاعتقاد السائد بأن هذه الأنواع تزرع المحاصيل حقيقة. وعلى أية حال هناك نمل يملك حقا الحدائق وهو نمل «السوبا» ويسمى أيضا «قاطع الأوراق» أو «حامل الشماسي»، وفي بعض أحراش أمريكا الاستوائية قد ترى قطارا من ورق الشجر المتحرك، كل قطعة فيه ما هي إلا جزء من ورقة خضراء تحملها نملة، وعند ما تخزن هذه القطع في حجرات تحت الأرض يسمدها النمل ببراز يرقات فراش معين، وهناك ينمو عليها نوع من الفطر يسمى «عيش الغراب» وهو يتغذى عليه. وعند ما تبدأ ملكة نمل من هذا النوع عشا جديدا تحمل معها شيئا من هذا الفطر داخل تجويف صغير بجسمها. ونحن نزرع «عيش الغراب» في الظل، ولكن النمل يقوم بهذا قبل أن نتعلم نحن السر في ذلك بمدة طويلة، وقام النمل بزراعة أنواع مختلفة من الفطر في أنفاق طويلة تحت سطح التربة، ولقد قاس العالم «بيتس» أحد هذه الأنفاق فوجد طوله نحو مائتين وعشر أقدام. وأحيانا يسبب نمل الورق هذا أضرارا جسيمة، لأنه قد يجرد الشجر من أوراقه عند ما يسعى للحصول على ما يزرعه في حدائقه، وهو أيضا محارب شجاع يدافع عن مساكنه ضد هجمات الأنواع الأخرى المتوحشة. ويحب النمل الندوة العسلية لدرجة أن «داروين» ذكر أنها غذاؤه المفضل، وهو يلحسها من على الأوراق وقلف الأشجار، ولكن هناك حشرات أخرى وخاصة «المن» تتخم نفسها بهذا السائل الحلو، ولهذا يستخدمها النمل في جمع هذا الرحيق فيجلب النمل بيض المن إلى عشه، وعند ما يفقس يحمله إلى الخارج ويضعه على النباتات التي تفرز الندوة العسلية. وعند حلول الليل يقوده ثانية إلى بيته تماما كما يفعل الفلاح عند ما يعود بأبقاره من المراعي كي يحلبها، وحينما تمسح النملة ظهر حشرة من المن تفرز هذا السائل الحلو، ولقد لوحظت حشرة منها وهي تعطي ثماني وأربعين نقطة من الرحيق خلال ٢٤ ساعة، وربما كانت هذه هي صاحبة الجائزة الأولى بين «أبقار النمل» هذا إلى درجة أن النمل يبني حجرات خاصة لما يحتفظ به من حشرات المن تماما كما يبني الفلاح حظيرة لأبقاره فلا غرابة أنه يسمى «النمل الحالب». وبعض النمل يسئ إلى جيرانه من أنواع النمل الأخرى، وهو محارب مستميت يقرض أطراف أعدائه من قرون استشعارها وأرجلها حتى الرأس. وقيل إنه من عش واحد لهذا

стр. 3803

النمل السارق خرجت ست وأربعون حملة من حملات الغزو خلال شهر واحد، وحينما يتقابل النمل مع عدو يماثله وحشية تقوم بينهما الحرب، ولقد استمرت إحدى هذه الحروب أكثر من ستة أسابيع بين جماعتين متنافستين من النمل. وكذلك يستعبد النمل أنواعا أخرى ضعيفة، فهو يسرق شرانقها، وعند ما تفقس تعمل الشغالة الجديدة في خدمة أسيادها. وتعتمد بعض هذه الأنواع المستعبدة على عبيدها كي تغذيها وتقوم على خدمتها. وأكثر أنواع النمل إرهابا هو النوع المسير للجيوش، وهو حقا من أكلة اللحوم، وكثيرا ما يشاهد في مناطق أمريكا الاستوائية، ولكنه يبدو أشد تخريبا في أفريقيا، وقد يبلغ طابور هذا النمل الغازي عدة بوصات في العرض وطوله ميل تقريبا، وفيه تحمل الشغالة شرانق الصغار، وتمشي العساكر في المقدمة، بينما يقوم أفراد أخرى بحماية جناحي الجيش، وتعين حراسا للمؤخرة، ولقد سجل بعض المراقبين لهذه الجيوش أن بها بعض الأفراد أكبر حجما تقوم بعمل الضباط، وإذا ما تحرك الطابور سار في خط مستقيم لا يعوقه شئ غير النار أو الماء، ويهرع الأهالي في تلك الأماكن في فزع عند ما تجوس جيوش النمل خلال أكواخهم، وتقضي على جميع ما بها من قمل وبراغيث وصراصير. ولقد رأى أحد العلماء الإنجليز طابورا من النمل يهاجم ثعبانا طوله عدة أقدام، وبعد دقائق قليلة كان النمل قد مزقه فعلا إلى قطع صغيرة. وحينما ظهر ما يعوق سير الطابور علم به أفراد النمل الذي يبعد عن هذا العائق بنحو مائة ياردة خلال عشر ثوان، أما كيف سرت الأنباء بهذه السرعة فالنمل وحده- بعد الله- الذي يعلم. وأحيانا يتجمع النمل المحارب في دوائر حول أفراد أكبر حجما يبدو أن لها أهمية خاصة، وأحيانا يتجمع على شكل كرة كبيرة حول جذور أحد الأشجار حيث يبدو كالنائم، ولكنه عند ما يزحف يقال عنه إنه أفظع جيش في العالم، ومن المؤكد أن جميع الحيوانات الأخرى تفر من أمامه وتخلي له الطريق. وعلى ذلك سواء كان النمل من النوع البناء، أو المقيم للحدائق، أو الحالب للحشرات، أو من النوع المحارب، فهو حقا صانع العجائب.) ٥ - في قول النملة وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ بعد قولها لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ دليل على أن جند سليمان جميعا كانوا في الذروة من الالتزام السلوكي

стр. 3804

المعروف، حتى عند الحيوان، وأنهم لا يتجاوزون إطار الحق والعدل والمباح إلى غيره. وهذا درس في السياسة مهم، فعلى رئيس الدولة أن يضبط جنده بضابط العدل. وهذا لا يتم إلا بفقه وتربية وإلزام وعقاب للمخالف. فليلاحظ هذا الدرس، وليضع الذين يكرمهم الله بالملك مثل هذا الدرس موضع التطبيق. ولنعد إلى التفسير: ... وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ التفقد: طلب ما غاب عنك فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ والمعنى: أنه تعرف الطير فلم يجد الهدهد فقال ما لي لا أراه، على معنى أنه لا يراه، وهو حاضر لساتر ستره، أو غير ذلك، ثم لاح له أنه غائب فأضرب عن ذلك وأخذ يقول بل هو غائب، ومن ثم قال: أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ قال ابن كثير أي: أخطأه بصري من الطير، أم غاب فلم يحضر؟ لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً لم يحدد القرآن نوع العذاب الشديد، وللمفسرين كلام كثير في تحديده، ويبدو أنهم أخذوه استنتاجا أو تلقيا عن أهل الكتاب، وقد لخص النسفي هذه الأقوال بقوله: بنتف ريشه، وإلقائه في الشمس، أو بالتفريق بينه وبين إلفه، أو بإلزامه خدمة أقرانه، أو بالحبس مع أضداده، وعن بعضهم أضيق السجون معاشرة الأضداد، أو بإيداعه القفص، أو بطرحه بين يدي النمل ليأكله، وحل له تعذيب الهدهد لما رأى فيه من المصلحة كما حل ذبح البهائم والطيور للأكل وغيره من المنافع، وإذا سخر له الطير لم يتم التسخير إلا بالتأديب والسياسة. أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ عقوبة له أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ أي بحجة له فيها عذر ظاهر على غيبته، ومعنى كلامه: ليكونن أحد الأمور، يعني: إن كان الإتيان بالسلطان لم يكن تعذيب، ولا ذبح، وإن لم يكن كان أحدهما. ... فوائد: ١ - في قوله تعالى: وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ درس من دروس الحكم؛ إذ دل ذلك على أن سليمان كان يعرف الصغيرة والكبيرة من أمر جنده، وعلى أن أي خلل يخل به أحد من جنده كان يعرفه ويشعر به ويبحث عن سببه. ٢ - وفي قول سليمان لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ

стр. 3805

مُبِينٍ درس آخر من دروس الحكم، بل دروس، فالخلل لا بد أن يعالج بالعقوبة، ومن ثم قال: لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ ولكن العذاب أو الذبح بعد إذ لم يكن عذر ومن ثم قال: أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ وإذن فقبل العقوبة لا بد من معرفة سبب الغياب، وهذا هو الدرس الثاني، والدرس الثالث: دقة كلام الحاكم وإحاطته واختصاره، وإظهار الغضب إذا وجد الخلل والتهديد بالعقوبة به بحيث يسمعها الجند. ٣ - قدم ابن كثير للكلام عن الهدهد وتفقد سليمان له بما يلي: (قال مجاهد وسعيد بن جبير وغيرهما عن ابن عباس وغيره: كان الهدهد مهندسا يدل سليمان ﵇ على الماء، إذا كان بأرض فلاة طلبه فنظر له الماء في تخوم الأرض كما يرى الإنسان الشئ الظاهر على وجه الأرض، ويعرف كم مساحة بعده من وجه الأرض، فإذا دلهم عليه أمر سليمان ﵇ الجان، فحفروا ذلك المكان حتى يستنبط الماء من قراره، فنزل سليمان ﵇ يوما بفلاة من الأرض فتفقد الطير ليرى الهدهد فلم يره فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ حدث يوما عبد الله بن عباس بنحو هذا، وفي القوم رجل من الخوارج يقال له نافع بن الأزرق، وكان كثير الاعتراض على ابن عباس فقال له: قف يا ابن عباس غلبت اليوم، قال ولم؟ قال أتخبر عن الهدهد أنه يرى الماء في تخوم الأرض، وإن الصبي ليضع له الحبة في الفخ، ويحثو على الفخ ترابا فيجئ الهدهد ليأخذها فيقع في الفخ، فيصيده الصبي، فقال ابن عباس: لولا أن يذهب هذا فيقول: رددت على ابن عباس لما أجبته، ثم قال له: ويحك إنه إذا نزل القدر عمي البصر وذهب الحذر، فقال له نافع: والله لا أجادلك في شئ من القرآن أبدا). أقول: إن ذكر هذه الخاصية عند الهدهد شئ ليس فيه نص في كتابنا، ولا عن رسولنا ﵊، وإنما هو كلام كبار المفسرين، ولا نعرف من أين أخذوه، هل هو استنباط أو تلق عن أهل الكتاب، وعلى كل حال فليس من المستبعد أن يكون عند بعض المخلوقات مثل هذه الخواص، ففي عصرنا صار بإمكان بعض الاختصاصيين بعلم الجيولوجيا أن يعرفوا من خلال دراسة التربة احتمالات وجود الماء أو البترول في باطن الأرض، كما أنه قد وجدت أجهزة تستطيع أن تستكشف الكثير مما هو في باطن الأرض، فلا يبعد أن تكون عند بعض المخلوقات مثل هذه الخواص، ألا ترى أن خاصية الرادار موجودة عند الوطواط.

стр. 3806

فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ أي مكث الهدهد بعد تفقد سليمان إياه مكثا غير بعيد أي غير طويل. قال النسفي: (ووصف مكثه بقصر المدة للدلالة على إسراعه خوفا من سليمان). أقول: (وفي هذا درس في فن الحكم، وهو أن يكون للدولة هيبتها) فلما رجع الهدهد سأله سليمان عما لقي في غيبته فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ قال ابن كثير: أي اطلعت على ما لم تطلع عليه أنت ولا جنودك. وقال النسفي في تفسير قول الهدهد: علمت شيئا من جميع جهاته. وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ أي بخبر صدق حق يقين. قال ابن كثير: وسبأ هم حمير وهم ملوك اليمن، ثم تابع الهدهد كلامه إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ قال النسفي: (هي بلقيس بنت شراحيل، وكان أبوها ملك أرض اليمن، ولم يكن له ولد غيرها، فغلبت على الملك، وكانت هي وقومها مجوسا يعبدون الشمس) وقال ابن كثير بعد أن ذكر أقوالا كثيرة للمفسرين في بلقيس وشأنها: (وقال عبد الرزاق أنبأنا معمر عن قتادة في قوله تعالى: إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ كانت من بيت مملكة، وكان أولو مشورتها ثلاثمائة واثنى عشر رجلا كل رجل منهم على عشرة آلاف رجل، وكانت بأرض يقال لها مأرب، على ثلاثة أميال من صنعاء، وهذا القول هو أقرب على أنه كثير على مملكة اليمن والله أعلم). وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أي من متاع الدنيا مما يحتاج إليه الملك المتمكن وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ أي سرير عظيم كبير مزخرف. وللمفسرين والمؤرخين كلام كثير حول السرير ووصفه، لسنا بحاجة إليه في مثل هذا التفسير. وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ أي عن طريق الحق أي عن سبيل التوحيد فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ أي إلى الحق، دل ذلك على أن الهدهد كان مدركا لقضية معرفة الله، ووجوب السجود له، وحرمة السجود للشمس، إلهاما من الله له أو كأثر من وضوح الرؤية عند كل جند سليمان أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ التقدير فصدهم الشيطان لئلا يسجدوا لله وفي الآية قراءات أخرى وتأويلات أخرى سنراها في الفوائد الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ أي المخبوء فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ أي يعلم ما يخفيه العباد وما يعلنونه من الأقوال والأفعال اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ فهو رب العرش الذي لا يوجد أعظم منه. قال ابن كثير عن العرش: ليس في المخلوقات أعظم منه: قال النسفي: وصف الهدهد عرش الله

стр. 3807

بالعظيم تعظيما له بالنسبة إلى سائر ما خلق من السموات والأرض ووصفه عرش بلقيس تعظيم له بالإضافة إلى عروش أبناء جنسها من الملوك وبهذا انتهى كلام الهدهد لسليمان وقبل أن نرى جواب سليمان ﵇ فلنذكر بعض ال فوائد: فوائد: ١ - قلنا إن في قوله تعالى: أَلَّا يَسْجُدُوا أكثر من قراءة وأكثر من تأويل. وقد لخص النسفي ذلك بقوله: أَلَّا يَسْجُدُوا بالتشديد أي فصدهم عن السبيل لئلا يسجدوا، فحذف الجار مع أن وأدغمت النون في اللام، ويجوز أن تكون لا مزيدة، ويكون المعني: فهم لا يهتدون إلى أن يسجدوا، وبالتخفيف يزيد وعلي إمامان من أئمة القراءات. وتقديره: ألا يا هؤلاء اسجدوا، فألا للتنبيه، ويا حرف نداء، ومناداه محذوف، فمن شدد لم يقف إلا على (العرش العظيم) ومن خفف وقف على: (فهم لا يهتدون) ثم ابتدأ (ألا يسجدوا) أو وقف على [ألا] ابتدأ [اسجدوا]. وسجدة التلاوة واجبة في القراءتين جميعا بخلاف ما يقوله الزجاج: إنه لا يجب السجود مع التشديد لأن مواضع السجدة إما أمر بها، أو مدح للآتي بها، أو ذم لتاركها. وإحدى القراءتين أمر، والأخرى ذم للتارك. ٢ - بمناسبة كلام الهدهد لسليمان. قال ابن كثير: ولما كان الهدهد داعيا إلى الخير، وعبادة الله وحدة، والسجود له نهي عن قتله، كما رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁ قال «نهى النبي ﷺ عن أربع من الدواب. النملة والنحلة والهدهد والصرد». وإسناده صحيح. والصرد: طير ضخم: الرأس أبيض البطن أصفر الظهر يصطاد صغار الطير. ٣ - نلاحظ من فعل الهدهد وكلامه شدة إخلاصه لنظام الدولة، وشدة إخلاصه لسليمان، وحرصه على خدمة النظام، ومحاربته لأعدائه، وذلك أثر عن معرفة كل جندي من جند سليمان واجبه وقيامه به. وهكذا تكون الدولة النموذجية أن يقوم كل فرد فيها بخدمتها، بحيث يكون المردود العام هو حصيلة جميع مجهود الأمة. ...

стр. 3808

قالَ أي سليمان سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أي في إخبارك هذا أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ أي في مقالتك، لتتخلص من الوعيد الذي أوعدتك، وفي ذلك درس جديد من دروس الحكم؛ أن يتثبت الحاكم من كل خبر يلقى إليه، سواء كان عن أوضاع خارجية أو داخلية. ثم قال سليمان للهدهد: اذْهَبْ بِكِتابِي هذا دل على أن سليمان قد كتب كتابا سنعرف صيغته فيما بعد فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ أي إلى بلقيس وقومها ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ أي ثم تنح عنهم إلى مكان قريب بحيث تراهم ولا يرونك ليكون ما يقولونه منك مسموعا فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ أي فانظر ما الذي يردونه من الجواب، وفي ذلك درس آخر من دروس الحكم، وهو أن تكون التعليمات واضحة للمكلف بمهمة، وأن تكون تصرفات العدو الخارجي معروفة من قبل الحاكم المسلم دون أن يشعر العدو قالَتْ لقومها بعد إذ قام الهدهد بمهمته يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ أي حسن مضمونه وما فيه، أو مختوم، أو لأنه من عند ملك كريم، ثم بينت مضمون الكتاب، واسم مرسله فقالت: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ أي لا تترفعوا علي ولا تتكبروا وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ أي مؤمنين أو منقادين. ومن معرفتنا لمضمون الكتاب ندرك أدبا من آداب الحكم وهو الاختصار في المراسلات الخارجية، مع الوضوح، ومن تلقي بلقيس الكتاب بمثل هذا الأدب، ندرك أننا أمام ملكة عاقلة، ومملكة عريقة، إذ لا يتأتى مثل هذا الأدب السياسي إلا باجتماع هذين، ومن فحوى رسالة سليمان ﵇ ندرك أن الحاكم المسلم عليه أن يخضع من يستطيع إخضاعه لسلطان الله، كما ندرك من كلام الهدهد السابق، ومن تصرف سليمان، أن ملك سليمان ونفوذه امتد خارج حدود فلسطين امتدادا واسعا قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ الملأ: هم أشراف القوم وأولو الرأي فيهم أَفْتُونِي فِي أَمْرِي أي أشيروا علي في الأمر الذي نزل بي ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً أي ما كنت فاصلة أو مقررة حكما حَتَّى تَشْهَدُونِ أي حتى تحضروني، أو حتى تشيروا علي، أو حتى تشهدوا أنه صواب، أي لا أبت الأمر إلا بمحضركم، وهذا يدل على أنها جمعت أولي الرأي من قومها بعد وصول الرسالة، كما يدل على عراقة المملكة، إذ لها مجلس شوراها، ومن كلام بلقيس ندرك أنها تعتبر شوراهم ملزمة لها، وذلك دليل كذلك على تعقلها في الأمور قالُوا مجيبين لها نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ أرادوا بالقوة قوة الأجساد والآلات، وبالبأس النجدة والبلاء في الحرب وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ أي موكول إليك، ونحن مطيعون لك فمرينا بأمرك، نطعك ولا

стр. 3809

نخالفك، كأنهم أشاروا عليها بالقتال، أو أرادوا نحن من أبناء الحرب لا من أبناء الرأي والمشورة، وأنت ذات الرأي والتدبير فَانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ أي فانظري ماذا ترين نتبع رأيك، وهذا يدل على أنهم كانوا واثقين من رأيها، كما يدل علي أن وضع المملكة كان وضعا مستقرا، فماذا كان جوابها ورأيها؟ قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أي عنوة وقهرا أَفْسَدُوها أي خربوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً أي أذلوا أعزتها، وأهانوا أشرافها، وقتلوا وأسروا وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ هل هذه الكلمة تصديق من الله لها فيكون هذا الكلام ليس لها؟ أو هو تتمة كلامها بمعنى: وهذه عادتهم المستمرة التي لا تتغير لأنها كانت في بيت الملك القديم فسمعت نحو ذلك ورأت؟ قولان للمفسرين. ولم يذكر ابن كثير إلا الأول، ورجح النسفي الثاني، ومن كلامها هذا يبدو أنها عازفة عن الحرب، ومخطئة لطريقه ثم قالت: وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ أي بقبولها أم بردها. فوائد: ١ - من المعلوم أن الرسول ﷺ قال: «ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة». وهذا يفيد أن السياسة العليا للدولة إذا أصبحت بيد المرأة فإن قراراتها لا بد أن يكون فيها خلل تسري آثاره على الأمة، وما من مرة في تاريخ هذا العالم حكمت فيه امرأة، ولو كانت أدهى النساء وأحزمهن، إلا تبينت بعد فترة، بعض الآثار السيئة لحكمهن، حتى فيكتوريا ملكة بريطانيا، وحتى كاترين ملكة روسيا، وهذه غولدا مائير وهذه أنديرا غاندي، وهذه باندارانيكا، والثلاث الأخيرات حكمن، وكل منهن سقطت وسقط معها حزبها، وقد عادت أنديرا إلى الحكم، ولكن وضع الهند متفجر والمستقبل كاشف، وفي قصة بلقيس مشاهد: لا شك أن فكرة الهدية فكرة سياسية رائعة، إذ من خلالها تستطيع بلقيس أن تتعرف بواسطة رسلها على وضع سليمان وقوته. إذ بحجة الهدية يستطيعون أن يتجسسوا ويتحسسوا، كما أن للهدية العظيمة أثرا في تليين نفوس الملوك، فهي رشوة قد تفعل فعلها، ومن ثم قال قتادة ﵀: «ما كان أعقلها في إسلامها وشركها؛ علمت أن الهدية تقع موقعا من الناس» ولكننا نلاحظ في الوقت نفسه أن قومها وقد أعلنوا استعدادهم للقتال، مع تفويض أمرهم إليها، لم تأمرهم بالإعداد، ولا بالاستعداد، بل ثبطت هممهم بقولها إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً ... ومن ثم فإنها لم تتخذ مجموعة

стр. 3810

القرارات الضرورية للموقف، وقد علق الحسن البصري على تفويض قومها لها، وذم حلها فقال: «فوضوا أمرهم إلى علجة تضطرب ثدياها». ونحن لا نقول هذا الكلام رغبة منا في أن يكون موقفها أحزم تجاه نبي فهذا كفر، وإنما لنثبت أن المرأة مهما كانت عاقلة فتركيبها النفسي لا يؤهلها لاتخاذ القرارات العليا في سياسة الدولة. ٢ - بمناسبة الكلام عن رسالة سليمان إلى بلقيس قال ابن كثير: (وهذا الكتاب في غاية البلاغة والوجازة والفصاحة فإنه حصل المعنى بأيسر عبارة وأحسنها. قال العلماء: لم يكتب أحدبسم الله الرحمن الرحيم قبل سليمان ﵇، وقد روى ابن أبي حاتم في ذلك حديثا في تفسيره عن ابن بريدة عن أبيه قال: كنت أمشي مع رسول الله ﷺ فقال: «إني أعلم آية لم تنزل على نبي قبلي بعد سليمان بن داود، قلت يا نبي الله أي آية؟ قال: «سأعلمكها قبل أن أخرج من المسجد» قال فانتهى إلى الباب، فأخرج إحدى قدميه فقلت نسي ثم التفت إلي وقال: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ هذا حديث غريب وإسناده ضعيف. وقال ميمون بن مهران: كان رسول الله ﷺ يكتب باسمك اللهم، حتى نزلت هذه الآية. فكتب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. ٣ - قال ابن عباس وغير واحد: إن بلقيس قالت لقومها: إن قبل الهدية فهو ملك فقاتلوه، وإن لم يقبلها فهو نبي فاتبعوه وليس في سياق القصة ما يشير إلى هذا والله أعلم. ... فَلَمَّا جاءَ رسولها بمن معه سُلَيْمانَ دل ذلك على أنها نفذت اقتراحها وأرسلت قالَ سليمان منكرا عليهم أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ أي أتصانعونني بمال لأترككم على شرككم وملككم؟ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ أي الذي أعطاني الله من النبوة والملك والمال والجنود خير مما أنتم فيه بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ قال ابن كثير: (أي أنتم الذين تنقادون للهدايا والتحف، وأما أنا فلا أقبل منكم إلا الإسلام أو السيف). وقال النسفي في الآية: (والمعني: أن ما عندي خير مما عندكم، وذلك أن الله آتاني الدين الذي فيه الحظ الأوفر، والغنى الأوسع، وآتاني من الدنيا ما لا يستزاد عليه فكيف- يرضى مثلي بأن يمد بمال بل أنتم قوم لا تعلمون إلا ظاهرا من الحياة الدنيا، فلذلك تفرحون بما تزادون ويهدى إليكم، لأن ذلك مبلغ همتكم، وحالي

стр. 3811

خلاف حالكم وما أرضى منكم بشيء ولا أفرح به إلا بالإيمان وترك المجوسية). ارْجِعْ إِلَيْهِمْ أي ائت بلقيس وقومها والخطاب للرسول، أو للهدهد محملا كتابا آخر إليهم فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها أي لا طاقة لهم بها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أي من بلادهم سبإ أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ أي مهانون مدحورون. قال النسفي: (الذل: أن يذهب عنهم ما كانوا فيه من العز والملك. والصغار: أن يقعوا في أسر واستعباد) عندئذ قررت بلقيس الاستسلام. فوائد: ١ - يذكر المفسرون كلاما كثيرا حول الهدية ونوعها، واختبارات جعلتها فيها بلقيس، وقد ذكرها ابن كثير، ثم علق عليها بقوله: (وأكثره مأخوذ من الإسرائيليات. والظاهر أن سليمان ﵇ لم ينظر إلى ما جاءوا به بالكلية ولا اعتنى به بل أعرض عنه). ٢ - إن رفض سليمان الهدية سببه- والله أعلم- أنها رشوة، وأنه أراد إعلامهم أنه ليس طالب دنيا، وإنما هو طالب نصرة دين. ٣ - نلاحظ أن سليمان قد ركز على نقطة الضعف التي أظهرتها بلقيس، وهي خوفها أن يجعل أعزة قومها أذلة. ومن ثم قال: وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ وكان في ذلك استسلامها، ومن ثم ندرك أهمية المعرفة الكاملة للخصم، وتأثير ذلك على إحراز النصر. ... من السياق ندرك أن بلقيس استسلمت وسارت لتقديم الولاء وإعلان الاستسلام وقبل وصولها قال سليمان: قالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ أي مستسلمين. قال النسفي: (أراد أن يريها بذلك بعض ما خصه الله تعالى به من إجراء العجائب على يده، مع اطلاعها على عظم قدرة الله تعالى، وعلى ما يشهد لنبوة سليمان، أو أراد أن يأخذه قبل أن تسلم لعلمه أنها إذا أسلمت لم يحل له أخذ مالها، وهذا بعيد عند أهل التحقيق، أو أراد أن يؤتى به فينكر ويغير ثم ينظر أتثبته أم تنكره اختبارا لعقلها.

стр. 3812

قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ قال مجاهد: أي مارد من الجن أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ أي من مجلس حكمك وقضائك وَإِنِّي عَلَيْهِ أي على حمله والإتيان به لَقَوِيٌّ أَمِينٌ أي لقوي على حمله، أمين على ما فيه. قال ابن كثير: (فقال سليمان ﵇: أريد أعجل من ذلك) من هذا يظهر أن سليمان أراد بإحضار هذا السرير، إظهار عظمة ما وهب الله له من الملك، وما سخر له من الجنود، وهو شئ لم يعطه أحد قبله، ولا يكون لأحد من بعده، وليتخذ ذلك حجة على نبوته عند بلقيس وقومها لأن هذا خارق عظيم أن يأتي بعرشها كما هو من بلادها قبل أن يقدموا عليه، مع أنها قد حجبته بالأغلاق والأقفال والحفظة قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أكثر المفسرين على أنه آصف بن برخيا. قال ابن عباس: وهو آصف كاتب سليمان، وكذا روى محمد بن إسحاق عن يزيد بن رومان أنه آصف بن برخاء، وكان صديقا يعلم الاسم الأعظم، وقال قتادة: وكان مؤمنا من الإنس واسمه آصف. والكتاب هو التوراة. ويبدو أنه كان يعرف الكثير من أسراره أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ أي ارفع بصرك، وانظر مدى بصرك مما تقدر عليه، فإنك لا يكل بصرك إلا والعرش حاضر عندك فَلَمَّا رَآهُ أي العرش مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ أي ثابتا لديه غير مضطرب قالَ هذا أي حصول مرادي وهو حضور العرش في مدة ارتداد الطرف مِنْ فَضْلِ رَبِّي علي وإحسانه إلي بلا استحقاق مني، بل هو فضل خال من العوض صاف من الغرض لِيَبْلُوَنِي أي ليمتحنني أَأَشْكُرُ إنعامه أَمْ أَكْفُرُ فلا أشكر، ثم قرر وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ لأنه يحط به عنها عبء الواجب، ويصونها عن سمة الكفران، ويستجلب به المزيد وتربط به النعمة. فالشكر قيد للنعمة الموجودة وصيد للنعمة المفقودة وَمَنْ كَفَرَ بترك الشكر على النعمة فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ عن الشكر كَرِيمٌ بالإنعام على من يكفر نعمه، وهكذا نلاحظ أن سليمان يجدد لله شكرا كلما أحدث الله له نعمة قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها أي غيروا بعض صفاته نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ أي أتهتدي إلى معرفة عرشها، أو أتهتدي للجواب الصواب إذا سئلت عنه أم أنها لا تهتدي إلى ذلك، ويبدو أن سليمان ﵇ أراد أن يختبر عقلها من ناحية، وأن يضعها في وضع نفسي يصل به إلى إسلامها فَلَمَّا جاءَتْ أي بلقيس قِيلَ أَهكَذا عَرْشُكِ قال النسفي: لم يقل هذا عرشك، ولكن أمثل هذا عرشك، لئلا يكون تلقينا قال ابن كثير: (فكان فيها ثبات وعقل ولها لب ودهاء وحزم، فلم

стр. 3813

تقدم على أنه هو لبعد مسافته عنها، ولا أنه غيره لما رأت من آثاره وصفاته وإن غير وبدل ف قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ أي يشبهه ويقاربه وهذا غاية في الذكاء والحزم). وقال النسفي: (فأجابت أحسن جواب، فلم تقل هو هو، ولا ليس به، وذلك من رجاحة عقلها، حيث لم تقطع في المحتمل للأمرين، أو لما شبهوا عليها بقولهم: أهكذا عرشك شبهت عليهم بقولها كأنه هو مع أنها علمت أنه عرشها). فقال سليمان تعليقا وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها وَكُنَّا مُسْلِمِينَ وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ القول الراجح: أن هذا كله كلام سليمان، ويحتمل أن يكون وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها وَكُنَّا مُسْلِمِينَ من كلام سليمان، وأن يكون ما بعده كلاما مستأنفا لله . والمعنى: أنها أوتيت علما وذكاء، ولكن الله أعطانا قبلها علما مع كوننا مسلمين. ويبدو أن رؤية العرش لم تكن كافية لإسلامها لتأصل الكفر، وعبادة الشمس عندها، ومن ثم وضعها سليمان في وضع نفسي آخر: قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ أي القصر أو صحن الدار فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً أي ماء عظيما وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها من أجل أن تخوض فيه قالَ لها إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ أي مملس مستو ومنه الأمرد مِنْ قَوارِيرَ من الزجاج عندئذ أسلمت فقالت: قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي بعبادة الشمس وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ وبهذا تنتهي القصة بنهاية عرفنا فيها كيف أن سليمان يسخر كل شئ من أجل الإسلام. فوائد: ١ - في مقام الحديث عن بلقيس نجد بعض المفسرين ينقل ما هب ودب، مما لا يفهم من السورة، ومما ليس فيه نص عن رسولنا عليه الصلاة السلام. وقد نقل مثل هذه الأقوال ابن كثير ثم علق على ذلك بقوله: (والأقرب في مثل هذه السياقات أنها متلقاة عن أهل الكتاب، مما وجد في صحفهم، كروايات كعب ووهب سامحهما الله تعالى فيما نقلاه إلى هذه الأمة من أخبار بني إسرائيل من الأوابد والغرائب والعجائب، مما كان وما لم يكن، ومما حرف وبدل ونسخ، وقد أغنانا الله سبحانه عن ذلك بما هو أصح منه وأنفع وأوضح وأبلغ ولله الحمد والمنة). أقول: ومن كلام ابن كثير نفهم قيمة ما يورده المفسرون في هذا المقام، من كون بلقيس بنت جنية، وكون سليمان أقام

стр. 3814

الصرح ليرى سلامة ساقيها .. وأمثال هذا الكلام التافه الذي ننزه كتب الإسلام عنه، وبهذه المناسبة نذكر أن بعضهم يذكر أثرا حول صنع النورة، وأنها صنعت من أجل بلقيس وإزالة شعرها، ويذكر في هذا الأثر كلاما طويلا عن ابن عباس قال عنه أبو بكر ابن أبي شيبة: ما أحسنه من حديث» قال ابن كثير رادا: بل هو منكر غريب جدا، ولعله من أوهام عطاء بن السائب على ابن عباس. ٢ - بمناسبة قول الله سبحانه على لسان سليمان وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ قال النسفي: (وفي كلام بعضهم إن كفران النعمة بوار، وقلما أقشعت نافرة فرجعت في نصابها فاستدع شاردها بالشكر، واستدم راهنها بكرم الجوار. واعلم أن سبوغ ستر الله تعالى متقلص عما قريب إذا أنت لم ترج لله وقارا، أي لم تشكر لله نعمة) وبمناسبة هذه الآية قال ابن كثير: وفي صحيح مسلم «يقول الله تعالى: يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه». ٣ - هل كان الصرح معجزة من المعجزات، أم هو أثر جهد في عالم الأسباب؟ وإذا كان- كما هو الواقع- عملا داخلا في عالم الأسباب فماذا يرمز؟ إن قصة بلقيس تدلنا على أنها كانت في أمة ذات مدنية عريقة، ومن ثم فقد أراها سليمان في الصرح أنها أمام مدنية أعرق وأعظم؛ فخضعت. قال ابن كثير: (وروى محمد بن إسحاق عن يزيد بن رومان: ثم قال لها ادخلي الصرح، ليريها ملكا هو أعز من ملكها، وسلطانا هو أعظم من سلطانها، فلما رأته حسبته لجة، وكشفت عن ساقيها، لا تشك أنه ماء تخوضه، فقيل لها إنه صرح ممرد من قوارير، فلما وقفت على سليمان دعاها إلى عبادة الله وحده، وعاتبها في عبادتها الشمس من دون الله). وهذا الدرس العظيم الذي نأخذه من سليمان يفيد أن المدنية الإسلامية يجب أن تكون أرقى المدنيات، لأن في ذلك إخضاعا نفسيا لبقية المدنيات وأهلها ومن المعروف أن من أسباب الردة المعاصرة تفوق الكافرين على المسلمين مدنيا، مما أدى إلى وجود عقدة نقص عند المسلمين، ومما جعل الكافرين يستغلون ذلك ليهاجموا الإسلام وأهله،

стр. 3815

ويتفاخروا بالكفر وأنظمته. ٤ - نلاحظ في كتب العهد القديم في سفر الملوك الأول، في الإصحاح التاسع، إشارة إلى بلقيس، ومجيئها إلى سليمان، واعترافها له بالحكمة، وإقرارها بصحة دينه، وتقديمها الهدايا الكثيرة له، وليس في ذلك شئ من التفصيلات المذكورة في القرآن، ورواية العهد القديم ظاهرة الابتسار، ومردودة السياق؛ إذ إنها تذكر أن سبب مجيء بلقيس هو مجرد الرغبة في أن تسمع حكمة سليمان. فأي كلام مثل هذا؟! أتأتي ملكة من اليمن إلي فلسطين دون مقدمات، لمجرد أنها سمعت بحكمة سليمان، فجاءت تختبره، إن التفصيل القرآني الذي يظهر فيه سمت الأنبياء، وتظهر فيه معجزاتهم، وتظهر فيه طريقتهم، إن هذا وحده آية من آيات الله على أن هذا القرآن من عند الله. كلمة في السياق: قلنا إن سورة النمل تتألف من مقطعين، وكل مقطع يتألف من مجموعات، وأن المجموعة الأولى من المقطع الأول هي مقدمة السورة، وهي تنتهي بقوله تعالى: وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ثم تأتي بعد ذلك في المقطع الأول أربع مجموعات: مجموعة تتحدث عن موسى ﵇، ومجموعة تتحدث عن داود وسليمان ﵉، ومجموعة تتحدث عن صالح ﵇، ومجموعة تتحدث عن لوط ﵇. وفي كل من المجموعات الأربع يوجد رسول تلقى عن الله، وفي كل مجموعة تجد مظاهر من حكمة الله وعلمه، وفي كل مجموعة تجد نموذجا لرسالة من رسالات الله وكلاما عن المرسلين، وفي كل مجموعة تجد آية من آيات الله وذلك كله يفصل قوله تعالى: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ففي كل مجموعة تجد آيات من آيات الله يتلوها على محمد ﷺ مؤكدة رسالته، وقد مرت معنا المقدمة ومجموعتان، والآن تأتي المجموعتان الأخيرتان من المقطع الأول فلنرهما: ***

стр. 3816

المجموعة الرابعة من المقطع الأول وفيها قصة صالح ﵇ وتمتد من الآية (٤٥) إلى نهاية الآية (٥٣) وهذه هي: [سورة النمل (٢٧): الآيات ٤٥ الى ٥٣] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ (٤٥) قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٦) قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (٤٧) وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ (٤٨) قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصادِقُونَ (٤٩) وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥٢) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (٥٣) التفسير: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ في النسب صالِحاً كما أرسل داود وسليمان وموسى، وكما أرسل محمدا ﷺ أَنِ أي بأن اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ أي فإذا قوم صالح فريقان مؤمن به وكافر به يختصمون فيقول كل فريق

стр. 3817

الحق معي قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ أي بالعذاب الذي توعدون إذا لم تتوبوا؟ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ أي هلا تطلبون المغفرة من ربكم بأن تتوبوا وتؤمنوا قبل نزول العذاب بكم لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ بالإجابة. والمعنى: لم تدعون بحضور العذاب ولا تطلبون من الله رحمته قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ أي قالوا تشاء منا بك وبمن معك من المؤمنين. أي ما رأينا على وجهك ووجوه من اتبعك خيرا، وذلك لأنهم لشقائهم كان لا يصيب أحدا منهم سوء إلا قال: هذا من قبل صالح وأصحابه. قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أي سببكم الذي- يجئ منه خيركم وشركم عند الله، وهو قدره وقسمته، أو عملكم مكتوب عند الله، فإنما نزل بكم ما نزل عقوبة لكم وفتنة. قال النسفي: (وأصله أن المسافر إذا مر بطائر فيزجره فإن مر سانحا تيامن، وإذا مر بارحا تشاءم فلما نسبوا الخير والشر إلى الطائر استعير لما كان سببهما من قدر الله وقسمته، أو من عمل العبد الذي هو السبب في الرحمة والنقمة). والمعنى باختصار: أي الله يجازيكم على ذلك بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ أي تختبرون أو تعذبون بذنوبكم. قال ابن كثير: قال قتادة: تبتلون بالطاعة والمعصية. والظاهر أن المراد بقوله تُفْتَنُونَ أي تستدرجون فيما أنتم فيه من الضلال وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ أي في مدينة ثمود وهي الحجر تِسْعَةُ رَهْطٍ أي تسعة نفر، والرهط جمع لا واحد له، ولذا جاز تمييز التسعة به، فكأنه قال تسعة أنفس، والرهط في الأصل من الثلاثة إلى العشرة يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ يعني أن شأنهم الإفساد البحت الذي لا يختلط بشيء من الصلاح. فإذا كان بعض المفسدين قد يبدر منه بعض الصلاح فهؤلاء لا صلاح عندهم. وعن الحسن في تفسيرها: أي يظلمون الناس ولا يمنعون الظالمين من الظلم. وعن ابن عطاء: يتبعون معايب الناس ولا يسترون عوراتهم. قال ابن كثير: وإنما غلب هؤلاء على أمر ثمود لأنهم كانوا كبراءهم ورؤساءهم. قال العوفي عن ابن عباس: هؤلاء هم الذين عقروا الناقة أي الذين صدر ذلك عن رأيهم ومشورتهم قبحهم الله ولعنهم، وقد فعل ذلك. قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ أي تحالفوا وتعاهدوا وتبايعوا لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ أي لنقتلنه بياتا أي ليلا، هو وأهله أي ولده وتبعه ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ أي ثم لنقولن لولي دمه أي لعشيرته إذا طالبت بدمه ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ أي إهلاكهم أو مكان الإهلاك. أي لم نتعرض لأهله فكيف تعرضنا له؟ أو ما حضرنا موضع هلاكه فكيف نكون نحن الذين أهلكناه؟ وَإِنَّا لَصادِقُونَ أي فيما ذكرنا وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ بمكر الله، مكرهم ما

стр. 3818

أخفوه من تدبير الفتك بصالح وأهله، ومكر الله إهلاكهم من حيث لا يشعرون فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ أي فكان عاقبة مكرهم الدمار بالصيحة فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً أي خالية ولا زالت كذلك بِما ظَلَمُوا أي بسبب ظلمهم إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ أما الجاهلون فلا يعرفون ولا يتعظون وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا بصالح وَكانُوا يَتَّقُونَ عصيان أوامر الله. نقل: بمناسبة قول قوم صالح لصالح قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ قال صاحب الظلال: (والتطير: التشاؤم. مأخوذ من عادة الأقوام الجاهلة التي تجري وراء الخرافات والأوهام، لأنها لا تخرج منه إلى نصاعة الإيمان. فقد كان الواحد منهم إذا هم بأمر لجأ إلى طائر فزجره أي أشار إليه مطاردا. فإن مر سانحا عن يمينه إلى يساره استبشر ومضى في الأمر، وإن مر بارحا عن يساره إلى يمينه تشاءم وتوقع الضر؟. وما تدري الطير الغيب، وما تنبئ حركاتها التلقائية عن شئ من المجهول. ولكن النفس البشرية لا تستطيع أن تعيش بلا مجهول مغيب تكل إليه ما لا تعرفه وما لا تقدر عليه. فإذا لم تكل المجهول المغيب إلى الإيمان بعلام الغيوب وكلته إلى مثل هذه الأوهام والخرافات التي لا تقف عند حد، ولا تخضع لعقل، ولا تنتهي إلى اطمئنان ويقين. وحتى هذه اللحظة ترى الذين يهربون من الإيمان بالله، ويستنكفون أن يكلوا الغيب إليه، لأنهم- بزعمهم- قد انتهوا إلى حد من العلم لا يليق معه أن يركنوا إلى خرافة الدين- هؤلاء الذين لا يؤمنون بالله ولا بدينه ولا بغيبه .. نراهم يعلقون أهمية ضخمة على رقم ١٣، وعلى مرور قط أسود يقطع الطريق أمامهم، وعلى إشعال أكثر من لفافتين بعود ثقاب واحد ... إلى آخر هذه الخرافات الساذجة. ذلك أنهم يعاندون حقيقة الفطرة. وهي جوعتها إلى الإيمان، وعدم استغنائها عنه، وركونها إليه في تفسير كثير من حقائق هذا الكون التي لم يصل إليها علم الإنسان، وبعضها لن يصل إليه في يوم من الأيام، لأنه أكبر من الطاقة البشرية، ولأنه خارج عن اختصاص الإنسان، زائد على مطالب خلافته في الأرض، التي زود على قدرها بالمواهب والطاقات).

стр. 3819

فوائد: ١ - يذكر بعض المفسرين أسماء التسعة الذين شاركوا في عقر الناقة. ويذكرون اسم الذي باشر ذلك منهم، فيسمونه قدار بن سالف وليس في ذكر ذلك كبير فائدة والله أعلم بمصدر ذلك. ٢ - وصف الله التسعة رهط بأنهم يفسدون في الأرض ولا يصلحون وقد رأينا تفسير ذلك، إلا أن بعضهم ذكر نوعا من الإفساد استحقوا به ذلك الوصف قال ابن كثير: (روى عبد الرزاق عن عطاء- هو ابن أبي رباح- يقول: وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ قال: كانوا يقرضون الدراهم يعني: أنهم كانوا يأخذون منها وكأنهم كانوا يتعاملون بها عدا كما كان العرب يتعاملون. وروى الإمام مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنه قال: قطع الذهب والورق من الفساد في الأرض. وفي الحديث الذي رواه أبو داود وغيره أن رسول الله ﷺ نهى عن كسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس.) ٣ - بمناسبة قوله تعالى: قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصادِقُونَ قال ابن كثير: (أي تحالفوا وتبايعوا على قتل نبي الله صالح ﵇. فكادهم الله وجعل الدائرة عليهم، قال مجاهد تقاسموا وتحالفوا على هلاكه فلم يصلوا إليه حتى هلكوا وقومهم أجمعين، وقال قتادة: تواثقوا على أن يأخذوه ليلا فيقتلوه، وذكر لنا أنهم بينما هم معانيق إلى صالح ليفتكوا به إذ بعث الله عليهم صخرة فأهمدتهم، قال العوفي عن ابن عباس: هم الذين عقروا الناقة، قالوا حين عقروها لنبيتن صالحا وأهله فنقتله، ثم نقول لأولياء صالح: ما شهدنا من هذا شيئا، وما لنا به من علم فدمرهم الله أجمعين. وقال محمد بن إسحاق: قال هؤلاء التسعة بعد ما عقروا الناقة هلم فلنقتل صالحا فإن كان صادقا عجلناه قبلنا وإن كان كاذبا كنا قد ألحقناه بناقته، فأتوه ليلا ليبيتوه في أهله فدمغتهم الملائكة بالحجارة، فلما أبطئوا على أصحابهم أتوا منزل صالح فوجدوهم منشدخين قد رضخوا بالحجارة فقالوا لصالح: أنت قتلتهم، ثم هموا به فقامت عشيرته دونه، ولبسوا السلاح، وقالوا لهم: والله لا تقتلونه أبدا وقد وعدكم أن العذاب نازل بكم في ثلاث، فإن كان صادقا فلا تزيدوا ربكم عليكم غضبا، وإن كان كاذبا فأنتم من وراء ما تريدون فانصرفوا عنهم ليلتهم تلك.

стр. 3820

كلمة في السياق: نلاحظ أن قصة موسى انتهت بقوله تعالى: فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ونلاحظ أن قصة صالح كان في أواخرها فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ لاحظ كيف أن الخطاب توجه إلى رسول الله ﷺ في كلتا المرتين، ولاحظ أنه قد جاء قبل قصة موسى الآية وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ وهي خطاب مباشر لرسول الله ﷺ ، ولاحظ أن آية المحور كانت خطابا مباشرا لرسول الله ﷺ تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ فالسورة سائرة على سنن مطرد في تفصيل محورها مع تكامل سياقها، ونلاحظ أن قصة صالح كان أواخرها قوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ مما يدل على أن السورة تذكر في كل قصة من القصص آية من آيات الله التي يتلوها الله على رسوله ﵊. ***
следующие страницы →