← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 3816–3855 · переход к 3821.

стр. 3816

المجموعة الرابعة من المقطع الأول وفيها قصة صالح ﵇ وتمتد من الآية (٤٥) إلى نهاية الآية (٥٣) وهذه هي: [سورة النمل (٢٧): الآيات ٤٥ الى ٥٣] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ (٤٥) قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٦) قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (٤٧) وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ (٤٨) قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصادِقُونَ (٤٩) وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥٢) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (٥٣) التفسير: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ في النسب صالِحاً كما أرسل داود وسليمان وموسى، وكما أرسل محمدا ﷺ أَنِ أي بأن اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ أي فإذا قوم صالح فريقان مؤمن به وكافر به يختصمون فيقول كل فريق

стр. 3817

الحق معي قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ أي بالعذاب الذي توعدون إذا لم تتوبوا؟ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ أي هلا تطلبون المغفرة من ربكم بأن تتوبوا وتؤمنوا قبل نزول العذاب بكم لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ بالإجابة. والمعنى: لم تدعون بحضور العذاب ولا تطلبون من الله رحمته قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ أي قالوا تشاء منا بك وبمن معك من المؤمنين. أي ما رأينا على وجهك ووجوه من اتبعك خيرا، وذلك لأنهم لشقائهم كان لا يصيب أحدا منهم سوء إلا قال: هذا من قبل صالح وأصحابه. قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أي سببكم الذي- يجئ منه خيركم وشركم عند الله، وهو قدره وقسمته، أو عملكم مكتوب عند الله، فإنما نزل بكم ما نزل عقوبة لكم وفتنة. قال النسفي: (وأصله أن المسافر إذا مر بطائر فيزجره فإن مر سانحا تيامن، وإذا مر بارحا تشاءم فلما نسبوا الخير والشر إلى الطائر استعير لما كان سببهما من قدر الله وقسمته، أو من عمل العبد الذي هو السبب في الرحمة والنقمة). والمعنى باختصار: أي الله يجازيكم على ذلك بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ أي تختبرون أو تعذبون بذنوبكم. قال ابن كثير: قال قتادة: تبتلون بالطاعة والمعصية. والظاهر أن المراد بقوله تُفْتَنُونَ أي تستدرجون فيما أنتم فيه من الضلال وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ أي في مدينة ثمود وهي الحجر تِسْعَةُ رَهْطٍ أي تسعة نفر، والرهط جمع لا واحد له، ولذا جاز تمييز التسعة به، فكأنه قال تسعة أنفس، والرهط في الأصل من الثلاثة إلى العشرة يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ يعني أن شأنهم الإفساد البحت الذي لا يختلط بشيء من الصلاح. فإذا كان بعض المفسدين قد يبدر منه بعض الصلاح فهؤلاء لا صلاح عندهم. وعن الحسن في تفسيرها: أي يظلمون الناس ولا يمنعون الظالمين من الظلم. وعن ابن عطاء: يتبعون معايب الناس ولا يسترون عوراتهم. قال ابن كثير: وإنما غلب هؤلاء على أمر ثمود لأنهم كانوا كبراءهم ورؤساءهم. قال العوفي عن ابن عباس: هؤلاء هم الذين عقروا الناقة أي الذين صدر ذلك عن رأيهم ومشورتهم قبحهم الله ولعنهم، وقد فعل ذلك. قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ أي تحالفوا وتعاهدوا وتبايعوا لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ أي لنقتلنه بياتا أي ليلا، هو وأهله أي ولده وتبعه ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ أي ثم لنقولن لولي دمه أي لعشيرته إذا طالبت بدمه ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ أي إهلاكهم أو مكان الإهلاك. أي لم نتعرض لأهله فكيف تعرضنا له؟ أو ما حضرنا موضع هلاكه فكيف نكون نحن الذين أهلكناه؟ وَإِنَّا لَصادِقُونَ أي فيما ذكرنا وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ بمكر الله، مكرهم ما

стр. 3818

أخفوه من تدبير الفتك بصالح وأهله، ومكر الله إهلاكهم من حيث لا يشعرون فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ أي فكان عاقبة مكرهم الدمار بالصيحة فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً أي خالية ولا زالت كذلك بِما ظَلَمُوا أي بسبب ظلمهم إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ أما الجاهلون فلا يعرفون ولا يتعظون وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا بصالح وَكانُوا يَتَّقُونَ عصيان أوامر الله. نقل: بمناسبة قول قوم صالح لصالح قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ قال صاحب الظلال: (والتطير: التشاؤم. مأخوذ من عادة الأقوام الجاهلة التي تجري وراء الخرافات والأوهام، لأنها لا تخرج منه إلى نصاعة الإيمان. فقد كان الواحد منهم إذا هم بأمر لجأ إلى طائر فزجره أي أشار إليه مطاردا. فإن مر سانحا عن يمينه إلى يساره استبشر ومضى في الأمر، وإن مر بارحا عن يساره إلى يمينه تشاءم وتوقع الضر؟. وما تدري الطير الغيب، وما تنبئ حركاتها التلقائية عن شئ من المجهول. ولكن النفس البشرية لا تستطيع أن تعيش بلا مجهول مغيب تكل إليه ما لا تعرفه وما لا تقدر عليه. فإذا لم تكل المجهول المغيب إلى الإيمان بعلام الغيوب وكلته إلى مثل هذه الأوهام والخرافات التي لا تقف عند حد، ولا تخضع لعقل، ولا تنتهي إلى اطمئنان ويقين. وحتى هذه اللحظة ترى الذين يهربون من الإيمان بالله، ويستنكفون أن يكلوا الغيب إليه، لأنهم- بزعمهم- قد انتهوا إلى حد من العلم لا يليق معه أن يركنوا إلى خرافة الدين- هؤلاء الذين لا يؤمنون بالله ولا بدينه ولا بغيبه .. نراهم يعلقون أهمية ضخمة على رقم ١٣، وعلى مرور قط أسود يقطع الطريق أمامهم، وعلى إشعال أكثر من لفافتين بعود ثقاب واحد ... إلى آخر هذه الخرافات الساذجة. ذلك أنهم يعاندون حقيقة الفطرة. وهي جوعتها إلى الإيمان، وعدم استغنائها عنه، وركونها إليه في تفسير كثير من حقائق هذا الكون التي لم يصل إليها علم الإنسان، وبعضها لن يصل إليه في يوم من الأيام، لأنه أكبر من الطاقة البشرية، ولأنه خارج عن اختصاص الإنسان، زائد على مطالب خلافته في الأرض، التي زود على قدرها بالمواهب والطاقات).

стр. 3819

فوائد: ١ - يذكر بعض المفسرين أسماء التسعة الذين شاركوا في عقر الناقة. ويذكرون اسم الذي باشر ذلك منهم، فيسمونه قدار بن سالف وليس في ذكر ذلك كبير فائدة والله أعلم بمصدر ذلك. ٢ - وصف الله التسعة رهط بأنهم يفسدون في الأرض ولا يصلحون وقد رأينا تفسير ذلك، إلا أن بعضهم ذكر نوعا من الإفساد استحقوا به ذلك الوصف قال ابن كثير: (روى عبد الرزاق عن عطاء- هو ابن أبي رباح- يقول: وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ قال: كانوا يقرضون الدراهم يعني: أنهم كانوا يأخذون منها وكأنهم كانوا يتعاملون بها عدا كما كان العرب يتعاملون. وروى الإمام مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنه قال: قطع الذهب والورق من الفساد في الأرض. وفي الحديث الذي رواه أبو داود وغيره أن رسول الله ﷺ نهى عن كسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس.) ٣ - بمناسبة قوله تعالى: قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصادِقُونَ قال ابن كثير: (أي تحالفوا وتبايعوا على قتل نبي الله صالح ﵇. فكادهم الله وجعل الدائرة عليهم، قال مجاهد تقاسموا وتحالفوا على هلاكه فلم يصلوا إليه حتى هلكوا وقومهم أجمعين، وقال قتادة: تواثقوا على أن يأخذوه ليلا فيقتلوه، وذكر لنا أنهم بينما هم معانيق إلى صالح ليفتكوا به إذ بعث الله عليهم صخرة فأهمدتهم، قال العوفي عن ابن عباس: هم الذين عقروا الناقة، قالوا حين عقروها لنبيتن صالحا وأهله فنقتله، ثم نقول لأولياء صالح: ما شهدنا من هذا شيئا، وما لنا به من علم فدمرهم الله أجمعين. وقال محمد بن إسحاق: قال هؤلاء التسعة بعد ما عقروا الناقة هلم فلنقتل صالحا فإن كان صادقا عجلناه قبلنا وإن كان كاذبا كنا قد ألحقناه بناقته، فأتوه ليلا ليبيتوه في أهله فدمغتهم الملائكة بالحجارة، فلما أبطئوا على أصحابهم أتوا منزل صالح فوجدوهم منشدخين قد رضخوا بالحجارة فقالوا لصالح: أنت قتلتهم، ثم هموا به فقامت عشيرته دونه، ولبسوا السلاح، وقالوا لهم: والله لا تقتلونه أبدا وقد وعدكم أن العذاب نازل بكم في ثلاث، فإن كان صادقا فلا تزيدوا ربكم عليكم غضبا، وإن كان كاذبا فأنتم من وراء ما تريدون فانصرفوا عنهم ليلتهم تلك.

стр. 3820

كلمة في السياق: نلاحظ أن قصة موسى انتهت بقوله تعالى: فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ونلاحظ أن قصة صالح كان في أواخرها فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ لاحظ كيف أن الخطاب توجه إلى رسول الله ﷺ في كلتا المرتين، ولاحظ أنه قد جاء قبل قصة موسى الآية وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ وهي خطاب مباشر لرسول الله ﷺ ، ولاحظ أن آية المحور كانت خطابا مباشرا لرسول الله ﷺ تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ فالسورة سائرة على سنن مطرد في تفصيل محورها مع تكامل سياقها، ونلاحظ أن قصة صالح كان أواخرها قوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ مما يدل على أن السورة تذكر في كل قصة من القصص آية من آيات الله التي يتلوها الله على رسوله ﵊. ***

стр. 3821

المجموعة الخامسة من المقطع الأول وفيها قصة لوط ﵇ وتمتد من الآية (٥٤) إلى نهاية الآية (٥٨) وهذه هي: [سورة النمل (٢٧): الآيات ٥٤ الى ٥٨] وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٥٤) أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (٥٥) فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٥٦) فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الْغابِرِينَ (٥٧) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (٥٨) التفسير: وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ قال النسفي: أي واذكر وقت قول لوط أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ أي إتيان الذكور دون الإناث وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ أي تعلمون أنها فاحشة لم تسبقوا إليها، أو يرى ذلك بعضهم من بعض، لأنهم كانوا يرتكبونها في ناديهم معالنين بها، لا يتستر بعضهم من بعض مجانة وانهماكا في المعصية، أو وأنتم تبصرون آثار العصاة قبلكم، وما نزل بهم، أو وأنتم لكم بصر ونظر وعقل تستطيعون به إدراك فظاعتها وبشاعتها أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً أي للشهوة مِنْ دُونِ النِّساءِ أي أن الله تعالى إنما خلق الأنثى للذكر، ولم يخلق الذكر للذكر، ولا الأنثى للأنثى، ففعلكم مضادة لله في حكمه وحكمته بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ أي لا تعرفون شيئا لا طبعا ولا شرعا. أو المعنى: تفعلون فعل الجاهلين بأنها فاحشة مع علمكم بذلك، أو أريد بالجهل السفاهة والمجانة التي كانوا عليها، أو أريد جهلهم بحكمة الله في التحريم إذ لو استغنى الرجال بالرجال، والنساء بالنساء، لفني البشر فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ

стр. 3822

إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ أي لوط ومتبعيه مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ أي يتنزهون عن القاذورات، فانظر ما أوقحهم، يعرفون أن ما عليه لوط وآله طهارة، ويعتبرونها ذنبا يستحق النفي فَأَنْجَيْناهُ أي قدرنا فخلصناه من العذاب الواقع بالقوم وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْناها أي قدرنا كونها مِنَ الْغابِرِينَ أي من الهالكين مع قومها. قال ابن كثير: (لأنها كانت ردءا لهم على دينهم، وعلى طريقتهم في رضاها بأفعالهم القبيحة، فكانت تدل قومها على ضيفان لوط ليأتوا إليهم لا أنها كانت تفعل الفواحش تكرمة لنبي الله ﷺ لا كرامة لها) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً أي حجارة من سجيل منضود مسومة عند ربك فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ أي الذين قامت عليهم الحجة، ووصل إليهم الإنذار فخالفوا الرسول وكذبوه، وهموا بإخراجه من بينهم. وبهذا انتهى المقطع الأول. كلمة في سياق المقطع الأول: جاء المقطع الأول مؤلفا من خمس مجموعات: مقدمة وأربع قصص مرتبطة بالمقدمة من حيث إنه يظهر في القصص آثار علم الله وحكمته في موضوع الإلقاء إلى الرسل، والأخذ بيدهم، وكل ذلك في صيغة دروس تلقى لمحمد ﵊، وكان في المقدمة بيان لصفات المستفيدين من هذا القرآن الذى هو آيات الله المتلوة والمنزلة والملقاة على رسول الله ﷺ ، وإذ تحدث السياق في المقطع الأول عن رسل الله المصطفين في معرض إلقاء القرآن على محمد ﷺ فإننا نلاحظ أن المقطع الثاني يبدأ بتوجيه أمر مباشر لرسول الله ﷺ أن يقول: الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى. فالحمد لله على إلقائه القرآن وسلام على المرسلين الذين قص الله علينا في السورة نماذج عنهم. ثم تبدأ المجموعة الأولى من المقطع الثاني تعرفنا على الله منزل القرآن، والمصطفي من عباده من شاء، فلنر المقطع الثاني ثم نفسره متحدثين خلال ذلك عن السياق. ***

стр. 3823

المقطع الثاني ويمتد من الآية (٥٩) إلى نهاية الآية (٩٣) أي إلى نهاية السورة وهذا هو: [سورة النمل (٢٧): الآيات ٥٩ الى ٩٣] قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩) أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠) أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٦١) أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٣) أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٦٤) قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥) بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ (٦٦) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ (٦٧) لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٦٩) وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (٧٠) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٧١) قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ (٧٢) وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ (٧٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ (٧٤) وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٧٥) إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦) وَإِنَّهُ لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٧٨) فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩) إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠) وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٨١) وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ (٨٢) وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ (٨٣) حَتَّى إِذا جاؤُ قالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨٤) وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ (٨٥) أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٨٦) وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ (٨٧) وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ (٨٨) مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (٨٩) وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٠) إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (٩٢) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٣)

стр. 3824

كلمة في السياق: نلاحظ أن الآية الأولى في المقطع هي: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى ... وأن الآية الأخيرة في المقطع والسورة هي: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ الآية الأولى مبدوءة ب (قل) والأخيرة

стр. 3825

ب (وقل) فكأنها معطوفة عليها، ومضمون القول في الأولى: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى فالحمد جزء منه، ومضمون القول في الثانية: الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها .. فالحمد جزء منه. الأولى فيها ذكر المرسلين، والثانية فيها ذكر الآيات. وهذا يدلنا على ما يلي: ١ - على وحدة المقطع بدليل وحدة المبدأ والختام. ٢ - وأن المقطع يبني على المقدمة والمقطع الأول في موضوع الآيات والمرسلين. ٣ - وأن المقطع والسورة يفصلان المحور الذي ذكرناه تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ. ٤ - وأن المقطع الثاني يحدد ما ينبغي ذكره وتذكره، نتيجة لما ورد في المقطع الأول. فلنعرض المقطع الثاني على مجموعات، لنرى تتمة السورة، وصلة مقطعها الأول بالثاني والعكس، ومحل ذلك كله في السياق العام. ١ - المجموعة الأولى التفسير: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ على نعمة إنعامه هذا القرآن، وعلى إفاضته على عباده النعم التي لا تعد ولا تحصى، وعلى ما أتصف به من الصفات العلى والأسماء الحسنى وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى أي الذين اصطفاهم واختارهم وهم رسله وأنبياؤه الكرام. قال ابن كثير: (والقصد أن الله تعالى أمر رسوله ومن اتبعه بعد ذكره لهم ما فعله بأوليائه من النجاة والنصر والتأييد، وما أحل بأعدائه من الخزي والنكال والقهر أن يحمدوه على جميع أفعاله، وأن يسلموا على عباده المصطفين الأخيار) وقال النسفي: (أمر رسوله محمدا ﷺ بتحميده، ثم بالصلاة على المصطفين من عباده، توطئة لما يتلوه من الدلالة على وحدانيته، وقدرته على كل شئ وهو تعليم لكل متكلم في كل أمر ذي بال بأن يتبرك بهما ويستظهر بمكانهما) .. كلمة في السياق: نلاحظ أن ابن كثير ذكر محل آية قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى بالنسبة لما قبلها، وأن النسفي ذكر محلها بالنسبة لما بعدها، وبالجمع بين

стр. 3826

القولين ندرك أن الآية جسر بين ما قبلها وما بعدها، فما بعدها حديث عن الله واليوم الآخر، وما قبلها حديث عن الدعاة لله واليوم الآخر، وهم المرسلون ولنسر قليلا: آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ قال ابن كثير (في هذا النص: استفهام إنكار على المشركين في عبادتهم مع الله آلهة أخرى). وقال النسفي: (ولا خير فيما أشركوه أصلا حتى يوازن بينه وبين من هو خالق كل شئ وإنما هو إلزام لهم، وتهكم بحالهم، وذلك أنهم آثروا عبادة الأصنام على عبادة الله تعالى ولا يؤثر عاقل شيئا على شئ إلا لداع يدعوه إلى إيثاره، من زيادة خير، ومنفعة فقيل لهم مع العلم بأنه لا خير فيما آثروه وأنهم لم يؤثروه لزيادة الخير، ولكن هوى وعبثا، لينبهوا على الخطأ المفرط، والجهل المورط، وليعلموا أن الإيثار يجب أن يكون للخير الزائد، وكان ﵊ إذا قرأها قال: «بل الله خير وأبقى وأجل وأكرم). قال ابن كثير: ثم شرع تعالى يبين أنه المتفرد بالخلق والرزق والتدبير دون غيره فقال: أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أي على هذه الحكمة والإحكام وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ أي السحاب السَّماءِ أي مطرا فَأَنْبَتْنا بِهِ بالماء حَدائِقَ أي بساتين ذاتَ بَهْجَةٍ أي ذات حسن لأن الناظر يبتهج به ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أراد أن تأتي إنبات الأصناف والألوان والطعوم والأشكال مع الحسن بماء واحد، وبمثل هذا الإتقان والإحكام محال من غيره أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ أي أغيره يقرن به ويجعل شريكا!؟ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ أي يجعلون لله عدلا ونظيرا أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً أي لا تميد ولا تضطرب، إذ لو كانت كذلك لما طاب عليها العيش والحياة، وليس في الآية ما ينفي الدوران ولا الميدان الجزئي الذي يحدث لقطعة من الأرض حال الزلزال وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً أي جعل فيها الأنهار العذبة الطيبة، شقها في خلالها، وصرفها فيها ما بين أنهار كبار وصغار، وبين ذلك، وسيرها شرقا وغربا، وجنوبا وشمالا بحسب مصالح عباده في أقاليمهم وأقطارهم، حيث ذرأهم في أرجاء الأرض، وسخر لهم أرزاقهم بحسب ما يحتاجون إليه وَجَعَلَ لَها أي للأرض رَواسِيَ أي جبالا تمنعها من الميدان والاضطراب وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ العذب والمالح حاجِزاً أي مانعا يمنعهما من الاختلاط. قال ابن كثير: لئلا يفسد هذا بهذا وهذا بهذا. فإن الحكمة الإلهية تقتضي بقاء كل منهما على صفته المقصودة منه فإن البحر الحلو هو هذه الأنهار السارحة الجارية بين الناس.

стр. 3827

والمقصود منها أن تكون عذبة زلالا يسقى الحيوان والنبات والثمار منها، والبحار المالحة هي المحيطة بالأرجاء والأقطار من كل جانب والمقصود منها أن يكون ماؤها ملحا أجاجا لئلا يفسد الهواء بريحها كما قال تعالى وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ التوحيد فلا يؤمنون أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ المضطر: الذي أحوجه مرض أو فقر أو نازلة من نوازل الدهر إلى اللجوء إلى الله، والتضرع إليه، أو المذنب إذا استغفر، أو المظلوم إذا دعا، أو من رفع يديه ولم ير لنفسه حسنة غير التوحيد، وهو منه على خطر وَيَكْشِفُ السُّوءَ أي الضر أو الجور. قال ابن كثير: أي من هو الذي لا يلجأ المضطر إلا إليه، والذي لا يكشف ضر المضرورين سواه وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ أي خلفاء فيها أي يخلف قرنا لقرن قبلهم خلفا لسلف. قال النسفي: وذلك توارثهم سكناها، والتصرف فيها، قرنا بعد قرن أو أراد بالخلافة الملك والتسلط أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ أي تتذكرون تذكرا قليلا. قال ابن كثير: أي ما أقل تذكرهم فيما يرشدهم إلى الحق ويهديهم إلى الصراط المستقيم أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ أي بما خلق من الدلائل السماوية والأرضية بالنجوم وبالعلامات الكثيرة في الليل والنهار وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أي قدام المطر أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ فإنه أعظم من أن يشرك به المشركون أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ أي ينشؤه ثُمَّ يُعِيدُهُ قال النسفي: وإنما قيل لهم ثُمَّ يُعِيدُهُ وهم منكرون للإعادة لأنه أزيحت علتهم بالتمكين من المعرفة والإقرار، فلم يبق لهم عذر في الإنكار وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ قال النسفي: المطر وَالْأَرْضِ قال النسفي النبات أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ أي حجتكم على إشراككم إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أي في دعواكم أن مع الله إلها آخر، وبهذا انتهت المجموعة الأولى. ... نقل: بمناسبة قوله تعالى: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ قال صاحب الظلال: (فالمضطر

стр. 3828

في لحظات الكربة والضيق لا يجد له ملجأ إلا الله يدعوه ليكشف عنه الضر والسوء ذلك حين تضيق الحلقة، وتشتد الخنقة، وتتخاذل القوى، وتتهاوى الأسناد؛ وينظر الإنسان حواليه فيجد نفسه مجردا من وسائل النصرة وأسباب الخلاص. لا قوته، ولا قوة في الأرض تنجده. وكل ما كان يعده لساعة الشدة قد زاغ عنه أو تخلى؛ وكل من كان يرجوه للكربة قد تنكر له أو تولى .. في هذه اللحظة تستيقظ الفطرة فتلجأ إلى القوة الوحيدة التي تملك الغوث والنجدة، ويتجه الإنسان إلى الله ولو كان قد نسيه من قبل في ساعات الرخاء. فهو الذي يجيب المضطر إذا دعاه. هو وحده دون سواه. يجيبه ويكشف عنه السوء، ويرده إلى الأمن والسلامة، وينجيه من الضيقة الآخذة بالخناق. والناس يغفلون عن هذه الحقيقة في ساعات الرخاء، وفترات الغفلة. يغفلون عنها فيلتمسون القوة والنصرة والحماية في قوة من قوى الأرض الهزيلة. فأما حين تلجئهم الشدة، ويضطرهم الكرب، فتزول عن فطرتهم غشاوة الغفلة، ويرجعون إلى ربهم منيبين مهما يكونوا من قبل غافلين أو مكابرين. والقرآن يرد المكابرين الجاحدين إلى هذه الحقيقة الكامنة في فطرتهم، ويسوقها لهم في مجال الحقائق الكونية التي ساقها من قبل. حقائق خلق السماوات والأرض، وإنزال الماء من السماء، وإنبات الحدائق البهيجة، وجعل الأرض قرارا، والجبال رواسي، وإجراء الأنهار، والحاجز بين البحرين. فالتجاء المضطر إلى الله، واستجابة الله له دون سواه حقيقة كهذه الحقائق. هذه في الآفاق وتلك في الأنفس سواء بسواء. ويمضي في لمس مشاعرهم بما هو واقع في حياتهم: وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ .. فمن يجعل الناس خلفاء الأرض؟ أليس هو الله الذي استخلف جنسهم في الأرض أولا. ثم جعلهم قرنا بعد قرن، وجيلا بعد جيل، يخلف بعضهم بعضا في مملكة الأرض التي جعلهم فيها خلفاء؟ أليس هو الله الذي فطرهم وفق النواميس التي تسمح بوجودهم في هذه الأرض، وزودهم بالطاقات والاستعدادات التي تقدرهم على الخلافة فيها، وتعدهم لهذه المهمة الضخمة الكبرى. النواميس التي تجعل الأرض لهم قرارا؛ والتي تنظم الكون كله متناسقا بعضه مع بعض بحيث تتهيأ للأرض تلك الموافقات والظروف المساعدة للحياة. ولو اختل شرط واحد من الشروط الكثيرة المتوافرة في تصميم هذا الوجود وتنسيقه

стр. 3829

لأصبح وجود الحياة على هذه الأرض مستحيلا. وأخيرا أليس هو الله الذي قدر الموت والحياة؛ واستخلف جيلا بعد جيل؛ ولو عاش الأولون لضاقت الأرض بهم وبالآخرين؛ ولأبطأ سير الحياة والحضارة والتفكير، لأن تجدد الأجيال هو الذي يسمح بتجدد الأفكار والتجارب والمحاولات، وتجدد أنماط الحياة، بغير تصادم بين القدامى والمحدثين إلا في عالم الفكر والشعور. فأما لو كان القدامى أحياء لتضخم التصادم والاعتراض! ولتعطل موكب الحياة المندفع إلى الإمام! إنها كلها حقائق في الأنفس كتلك الحقائق في الآفاق. فمن الذي حقق وجودها وأنشأها؟ من؟ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ؟ .. إنهم لينسون ويغفلون. وهذه الحقائق كامنة في أعماق النفوس، مشهودة في واقع الحياة: قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ! ولو تذكر الإنسان وتدبر مثل هذه الحقائق لبقي موصولا بالله صلة الفطرة الأولى. ولما غفل عن ربه، ولا أشرك به أحدا). كلمة في السياق: نلاحظ أنه قد ورد في الآية الأولى من هذه المجموعة قوله تعالى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ بعد قوله تعالى قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى ومن محض العقل، ومن السياق نعرف الجواب: أن الله خير، بدليل ما قبل الآية مما يفعل الله لرسله وأوليائه بينما لا تنفع الآلهة المزعومة أصحابها، وبدليل ما ذكر في بقية المجموعة من كون الله خالقا ومنعما ومجيبا وهاديا ومبدئا ومعيدا ورازقا، وغيره لا يخلق ولا ينعم ولا يجيب ولا يهدي ولا يبدئ ولا يعيد ولا يرزق. وهكذا نجد الآية الأولى في المجموعة جسرا بين ما قبلها وما بعدها، ويلاحظ أنه حيث ورد قوله تعالى: أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ يكون التقدير: أإله مع الله يعبد، أو أإله مع الله فعل هذا؟ وهذا يدل على أن المجموعة كلها مسوقة لتوكيد التوحيد الذي دعا إليه الرسل عليهم الصلاة والسلام، كما رأينا ذلك في المقطع الأول، وفي الآيات كذلك تعليل للأمر الذي ورد في أول المجموعة قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى فالله الذي هذا فعله يستحق الحمد، ورسله الذين اصطفاهم لتبليغ رسالاته يستأهلون السلام ونلاحظ أن الآية الثانية في المجموعة ختمت بقوله: بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ والثالثة بقوله: بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ والرابعة بقوله: قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ والخامسة بقوله: تَعالَى اللَّهُ عَمَّا

стр. 3830

يُشْرِكُونَ والسادسة بقوله: قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فدل ذلك على أن أسباب الشرك تعود إلى مساواة الله بغيره. وإلى الجهل وعدم التذكر، وعدم معرفة عظمة الله، وإلى الجهل بالدليل، فإذا اتضحت هذه المعاني الكبرى في المجموعة. فقد آن لنا أن نقول: بدأت السورة بقوله تعالى: طس تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ وبعد آيات قررت أن مصدر هذا القرآن هو الله وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ وبعد أن ضرب الله أمثلة على إلقائه الوحي، وإنعامه على الرسل، أمر رسوله ﷺ أن يحمده، ثم أقام الدليل على عظمته وتوحيده واستحقاقه الحمد ﷻ فعرفنا على ذاته العظيمة من خلال خلقه وعرفنا على حكمته وعلمه من خلال تعريفنا على أفعاله، وعرفنا على استحقاق رسله عليهم الصلاة والسلام للسلام، كيف لا وهم الذين بعثوا بالآيات والهداية، لاحظ صلة ذلك بقوله تعالى: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ. ولاحظ كيف تكمل مجموعات السورة ومقاطعها بعضها بعضا؛ فالمجموعة الأخيرة عرفتنا على الله منزل القرآن وناصر الرسل. والمجموعات الأربع التي سبقتها أرتنا نماذج على وحي الله ونصرة الرسل، وكل ذلك بعد المقدمة التي قررت أن هذا القرآن مصدره الله ، وأنه هو الذي أنزله على محمد ﷺ ، والآن تأتي مجموعة جديدة لتخدم السياق الخاص للسورة، والسياق العام للقرآن بشكل معجز، ككل ما في هذا القرآن. إن المجموعة الجديدة تبدأ بالأمر قُلْ كما بدأت المجموعة الأولى، وهي تبني علي المجموعة الأولى وتناقش من لا يؤمنون بالآخرة، لأن عدم الإيقان بالآخرة علة لرفض القرآن، وتقيم الحجة على اليوم الآخر، وعلى كون هذا القرآن من عند الله، ومن خلال دراستها سنرى كيف أن مجموعات المقطع الثاني تخدم كل منها ما ورد في المقدمة بشكل من الأشكال، وكل ذلك يأتي بما يخدم محور السورة، وبما يحدد التكاليف المترتبة على ما تقرر في محور السورة، وكلها قضايا سنرى تفصيلاتها فيما يأتي. فلنر الآن المجموعة الثانية من المقطع الثاني. المجموعة الثانية قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ أي لا يعلم أحد الغيب إلا الله. والغيب هنا هو ما لم يقم عليه دليل، ولا اطلع عليه مخلوق، كما قال النسفي.

стр. 3831

وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ أي وما يعلمون متى ينشرون. قال ابن كثير: أي وما يشعر الخلائق الساكنون في السموات والأرض بوقت الساعة بَلِ ادَّارَكَ أي استحكم عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ أي في شأنها والمعني: أن أسباب استحكام العلم وتكامله بأن القيامة كائنة قد حصلت لهم، ومكنوا من معرفته، وهم شاكون جاهلون. ومن ثم قال: بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها أي شاكون في وجودها ووقوعها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ أي في عماية وجهل كبير في شأنها وأمرها. قال النسفي: (ووجه ملاءمة مضمون هذه الآية، وهو وصف المشركين بإنكارهم البعث، مع استحكام أسباب العلم والتمكن من المعرفة بما قبله، وهو اختصاصه تعالى بعلم الغيب، وأن العباد لا علم لهم بشيء منه، أنه لما ذكر أن العباد لا يعلمون الغيب، وكان هذا بيانا لعجزهم، ووصفا لقصور علمهم، وصل به أن عندهم عجزا أبلغ منه، وهو أنهم يقولون للكائن الذي لا بد من كونه، وهو وقت جزاء أعمالهم لا يكون، مع أن عندهم أسباب معرفة كونه، واستحكام العلم به). .. نقل: بمناسبة الكلام عن الآخرة في هذا السياق قال صاحب الظلال: (والإيمان بالبعث والحشر، وبالحساب والجزاء، عنصر أصيل في العقيدة، لا يستقيم منهجها في الحياة إلا به. فلا بد من عالم مرتقب، يكمل فيه الجزاء، ويتناسق فيه العمل والأجر، ويتعلق به القلب، وتحسب حسابه النفس، ويقيم الإنسان نشاطه في هذه الأرض على أساس ما ينتظره هناك. ولقد وقفت البشرية في أجيالها المختلفة ورسالاتها المتوالية موقفا عجيبا من قضية البعث والدار الآخرة، على بساطتها وضرورتها. فكان أعجب ما تدهش له أن ينبئها رسول أن هناك بعثا بعد الموت وحياة بعد الدثور. ولم تكن معجزة بدء الحياة الواقعة التي لا تنكر تلهم البشرية أن الحياة الأخرى أهون وأيسر. ومن ثم كانت تعرض عن نذير الآخرة، وتستمرئ الجحود والمعصية، وتستطرد في الكفر والتكذيب. والآخرة غيب. ولا يعلم الغيب إلا الله. وهم كانوا يطلبون تحديد موعدها أو يكذبوا بالنذر، ويحسبوها أساطير، سبق تكرارها ولن تحقق أبدا!

стр. 3832

فهنا يقرر أن الغيب من أمر الله، وأن علمهم عن الآخرة منته محدود). كلمة في السياق: كما كانت الآية الأولى في المجموعة الأولى جسرا للانتقال من الكلام عن المرسلين إلى الكلام عن الله ، فإن الآية الأولى في المجموعة الثانية كانت جسرا للكلام عن اليوم الآخر. فبعد أن عرفتنا المجموعة الأولى على الله، ذكرت الآية الأولى من المجموعة الثانية أنه وحده الذي يعلم الغيب، ودليل ذلك ما ورد في المجموعة الأولى، وعلم الله بكل شئ يقابله جهل الإنسان بأكبر الأشياء، وهو اليوم الآخر. ومن ثم يأتي الآن الكلام عن موقف الكافرين من اليوم الآخر والرد عليه. ... وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ أي من قبورنا أحياء لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ أي من قبل محمد ﷺ ، أي ما زلنا نسمع بهذا نحن وآباؤنا، ولا نرى له حقيقة ولا وقوعا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ أي ما هذا الوعد بإعادة الأبدان إلا خرافات الأولين وأكاذيبهم، أخذه قوم عمن قبلهم، وتلقاه بعض عن بعض، وليس له حقيقة، والجواب قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ أي آخر أمر الكافرين، أي المكذبين بالرسل، وبما جاءوهم به من أمر المعاد وغيره، كيف حلت بهم نقمة الله وعذابه ونكاله، ونجى الله من بينهم رسله الكرام، ومن اتبعهم من المؤمنين، فدل ذلك على صدق ما جاء به الرسل وصحته، ومن ذلك اليوم الآخر، ففي الآية تدليل وتحذير. ثم قال الله لرسوله ﷺ مسليا ومطمئنا له، وفي هذه التسلية والتطمين تثبت له على الحق الذي يحمله وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ بسبب كفرهم باليوم الآخر، وما يلزم على ذلك من عذاب وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ أي ولا تكن في حرج صدر من مكرهم وكيدهم، فإن الله جاعل لك مخرجا، وهو سيرد مكرهم عليهم. كلمة في السياق: ١ - ورد في مقدمة السورة قوله تعالى: وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ* إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ* أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ

стр. 3833

وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ جاء ذلك في معرض الكلام عمن يهتدون بهذا القرآن، وعمن يستحقون البشارة به، فإن نجد مجموعة تتحدث عن اليوم الآخر وعن الكافرين به وترد عليهم فذلك يتفق مع سياق السورة وموضوعها الرئيسي، لاحظ الصلة بين قوله تعالى عن الذين لا يؤمنون بالآخرة في مقدمة السورة: فَهُمْ يَعْمَهُونَ وبين قوله تعالى في هذه المجموعة بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ ٢ - لقد جاء في الآيات الأربع الأخيرة رد على موقف للكافرين من اليوم الآخر والآن يأتي تساؤل للكافرين ورد عليه. ... وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ أي وعد العذاب، أو وعد مجيء اليوم الآخر إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في دعواكم أنه آت أي حددوا له وقتا قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ أي قرب ودنا أو أزف لكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ دل على أن طلبهم تحديد الوعد استعجال منهم لمجيئه، فقيل لهم: عسى أن يكون ردفكم، أي لحقكم بعضه بما يسلطه الله عليهم في الدنيا. قال النسفي: وعسى، ولعل، وسوف، في وعد الملوك ووعيدهم يدل على صدق الأمر وجده، فعلى ذلك جرى وعد الله ووعيده وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ أي في إسباغه نعمه عليهم مع ظلمهم لأنفسهم، واستحقاقهم العذاب وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ أي أكثرهم لا يعرفون حق النعمة، ولا يشكرونه، فيكفرون ويستعجلون العذاب وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ أي ما تخفي وَما يُعْلِنُونَ أي وما يظهرون من القول، فليس تأخير العذاب عنهم لخفاء حالهم، ولكن له وقت مقدر، أو أنه يعلم ما يخفون وما يعلنون من عداوة رسول الله ﷺ ومكايدهم، وهو معاقبهم على ذلك بما يستحقونه وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ يعني وما من شئ يغيب ويخفى في الأرض أو في السماء إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ أي ظاهر بين لمن ينظر فيه من الملائكة، وهو اللوح المحفوظ. والمعنى: وما من شئ شديد الغيبوبة إلا وقد علمه الله وأحاط به وأثبته في اللوح المحفوظ. أقول: ويحتمل أن يكون المراد بالكتاب المبين القرآن، الذي وصف بذلك في أول السورة، فيكون المعنى: أن هذا القرآن تحدث عن كل غيب في السماء والأرض، ويرجح هذا الاتجاه أن الآية بعده تتحدث عن القرآن إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي

стр. 3834

إِسْرائِيلَ أي يبين لهم أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ وذلك دليل على أنه من عند الله وَإِنَّهُ أي وإن القرآن لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ فهو هدى لقلوبهم وذواتهم، وهو رحمة لهم إن أقاموه في الدنيا والآخرة إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ أي يفصل بين من آمن بالقرآن، ومن كفر به بِحُكْمِهِ أي بقضائه العادل وَهُوَ الْعَزِيزُ فلا يرد قضاؤه الْعَلِيمُ بمن يقضي عليه، أو العزيز في انتقامه من المبطلين، العليم بالفصل بينهم وبين المحقين. وبهذا انتهت المجموعة الثانية. نقل: بمناسبة قوله تعالى: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ قال صاحب الظلال: ولقد اختلف النصارى في المسيح- ﵇ وفي أمه مريم. قالت جماعة: إن المسيح إنسان محض، وقالت جماعة: إن الأب والابن وروح القدس إن هي إلا صور مختلفة أعلن الله بها نفسه للناس. فالله- بزعمهم- مركب من أقانيم ثلاثة، الأب والابن وروح القدس (والابن هو عيسى) فانحدر الله الذي هو الأب في صورة روح القدس، وتجسد في مريم إنسانا، وولد منها في صورة يسوع! وجماعة قالت: إن الابن ليس أزليا كالأب بل هو مخلوق من قبل العالم، ولذلك هو دون الأب وخاضع له! وجماعة أنكروا كون روح القدس أقنوما! وقرر مجمع نيقية سنة ٣٢٥ ميلادية، ومجمع القسطنطينية سنة ٣٨١ بأن الابن وروح القدس مساويان للأب في وحدة اللاهوت، وأن الابن قد ولد منذ الأزل من الأب، وأن الروح القدس منبثق من الأب. وقرر مجمع طليطلة سنة ٥٨٩ بأن روح القدس منبثق من الابن أيضا. فاختلفت الكنيسة الشرقية والكنيسة الغربية عند هذه النقطة، وظلتا مختلفتين .. فجاء القرآن الكريم يقول كلمة الفصل بين هؤلاء جميعا. وقال عن المسيح: إنه كلمة الله ألقاها إلى مريم وروح منه وإنه بشر .. إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ وكان هذا فصل الخطاب فيما كانوا فيه يختلفون. واختلفوا في مسألة صلبه مثل هذا الاختلاف. منهم من قال: إنه صلب حتى مات ودفن، ثم قام من قبره بعد ثلاثة أيام وارتفع إلى السماء. ومنهم من قال: إن يهوذا أحد حوارييه الذي خانه ودل عليه ألقي عليه شبه المسيح وصلب. ومنهم من قال: ألقي شبهه على الحواري سيمون وأخذ به .. وقص القرآن الكريم الخبر اليقين فقال: وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ

стр. 3835

شُبِّهَ لَهُمْ وقال: يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ .. وكانت كلمة الفصل في ذلك الخلاف. ومن قبل حرف اليهود التوراة، وعدلوا تشريعاتها الإلهية؛ فجاء القرآن الكريم يثبت الأصل الذي أنزله الله: وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ .. وحدثهم حديث الصدق عن تاريخهم وأنبيائهم، مجردا من الأساطير الكثيرة التي اختلفت فيها رواياتهم، مطهرا من الأقذار التي ألصقتها هذه الروايات بالأنبياء، والتي لم يكد نبي من أنبياء بني إسرائيل يخرج منها نظيفا! .. إبراهيم- بزعمهم- قدم امرأته لأبي مالك ملك الفلسطينيين، وإلى فرعون ملك مصر باسم أنها أخته لعله ينال بسببها نعمة في أعينهما! ويعقوب الذي هو إسرائيل أخذ بركة جده إبراهيم من والده إسحاق بطريق السرقة والحيلة والكذب؛ وكانت بزعمهم هذه البركة لأخيه الأكبر عيصو.! ولوط- بزعمهم- أسكرته بنتاه كل منهما ليلة ليضطجع معها لتنجب منه كيلا يذهب مال أبيهما إذ لم يكن له وارث ذكر. وكان ما أرادتا! وداود رأى من سطوح قصره امرأة جميلة عرف أنها زوجة أحد جنده، فأرسل هذا الجندي إلى المهالك ليفوز- بزعمهم- بامرأته! وسليمان مال إلى عبادة (بعل) بزعمهم. مجاراة لإحدى نسائه التي كان يعشقها ولا يملك معارضتها! وقد جاء القرآن فطهر صفحات هؤلاء الرسل الكرام مما لوثتهم به الأساطير الإسرائيلية التي أضافوها إلى التوراة المنزلة، كما صحح تلك الأساطير عن عيسى ابن مريم- ﵇. كلمة في السياق: ١ - نلاحظ أن هذه المجموعة بدأت بقوله تعالى: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وورد في أواخرها قوله تعالى: وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ وفيها وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ وفيها إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ وذلك من مظاهر علمه بالغيب. وختمت بقوله تعالى إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ فالتدليل على علم الله من خلال المعاني المذكورة شئ

стр. 3836

رئيسي في السياق، وإن صلة ذلك بقوله تعالى في المقدمة وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ لواضحة. ٢ - نلاحظ أنه قد ورد قوله تعالى إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ في سياق الكلام عن اليوم الآخر. ومن المعروف كما تفيد نصوص العهد الجديد أن اليهود قد اختلفوا في شأن اليوم الآخر اختلافا كثيرا، ففي رسالة أعمال الرسل، الإصحاح الثالث والعشرون (لأن الصدوقيين يقولون إنه ليس قيامة ولا ملاك ولا روح وأما الفريسيون فيقرون بذلك). إن مجيء الآية في سياق الحديث عن اليوم الآخر يشير إلى اختلاف اليهود في موضوع اليوم الآخر، وأن الحق والفصل فيه هو ما ذكره الله في القرآن، إن مثل وجود هذه الدقائق في هذا القرآن لمظهر من مظاهر الإعجاز فيه. ٣ - يلاحظ أن السورة بدأت بالكلام عن القرآن ووصفته بأنه هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ونلاحظ أن المجموعة التي بين أيدينا اتجهت في أواخرها للكلام عن هذا القرآن ومما وصفته به وَإِنَّهُ لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ فهي تؤكد ما ورد في المقدمة مما يدل على وحدة السياق في السورة. ونكتفي بهذه الملاحظات حول السياق لأن لنا عودة مفصلة على سياق السورة فيما بعد. ... المجموعة الثالثة بعد أن قرر الله في المجموعة الأولى أمر التوحيد. وقرر في المجموعة الثانية أمر اليوم الآخر، وبين لنا سفاهة المشركين والملحدين باليوم الآخر، يأمر رسوله ﷺ بقوله: فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ أمره بالتوكل على الله، وقلة المبالاة بأعداء الدين، لإقامة وتبليغ رسالات الله، وعلل للأمر بالتوكل بأنه على الحق الأبلج، وهو الدين الواضح الذي لا يتعلق به شك، وفيه بيان أن صاحب الحق حقيق بالوثوق بالله وبنصرته إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ* وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ قال النسفي: لما كانوا لا يعون ما يسمعون، ولا به ينتفعون شبهوا بالموتى وهم أحياء صحاح الحواس، وبالصم الذين ينعق بهم فلا يسمعون، وبالعمي حيث يضلون الطريق، ولا يقدر أحد أن ينزع ذلك عنهم،

стр. 3837

ويجعلهم هداة بصراء إلا الله تعالى، ثم أكد حال الصم بقوله إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ لأنه إذا تباعد عن الداعي بأن تولى عنه مدبرا كان أبعد عن إدراك صوته. إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا أي ما يجدي إسماعك إلا للذين علم الله أنهم يؤمنون بآياته أي يصدقون بها فَهُمْ مُسْلِمُونَ أي مستسلمون لله مخلصون له. ... كلمة في السياق: بدأت السورة بقوله تعالى: طس تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ* هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ* الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ... فبينت المقدمة أن المتصفين بهذه الصفات هم المهتدون بالقرآن، وهذه المجموعة بينت أن الموتى والصم والعمي هم الذين لا يسمعون ولا يهتدون بهذا القرآن، وأن المؤمنين بالآيات المستسلمين لله هم الذين يسمعون ويهتدون. فالصلة بين المقدمة وهذه المجموعة واضحة، ولنا عودة على السياق، وإنما نسجل الآن جزئيات فيه. فلنسر في التفسير. ... المجموعة الرابعة بعد أن أقام السياق الحجة على اليوم الآخر، وأمر بالموقف المقابل للجحود، وبين أسباب الجحود، يعود السياق للحديث عن اليوم الآخر، مبتدئا بذكر شرط من أشراط الساعة، وعلامة من علاماتها. وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أي إذا وقع ما وعدوا من قيام الساعة والعذاب، والمراد به مشارفة الساعة، وظهور أشراطها، حين لا تنفع التوبة أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ هذه الدابة يخرجها الله مقدمة للحدث الضخم، وهو قيام القيامة تُكَلِّمُهُمْ أي تحدثهم أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ أي إن هذا الحدث يكون بسبب عدم إيقان الناس بالقرآن، ثم إنه بعد أن ذكر الله هذه العلامة من علامات الساعة، ذكر مشهدا من مشاهد يوم القيامة فقال: وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً أي واذكر يوم نجمع من كل أمة من الأمم

стр. 3838

زمرة مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا المنزلة على أنبيائنا فَهُمْ يُوزَعُونَ أي يحبس أولهم على آخرهم، حتى يجتمعوا، ثم يساقون إلى موضع الحساب حَتَّى إِذا جاؤُ أي حتى إذا حضروا موقف الحساب والسؤال قالَ لهم تهديدا أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي المنزلة على رسلي وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً أي أكذبتم بادئ الرأي من غير فكر ولا نظر يؤدي إلى إحاطة العلم بكنهها، وأنها حقيقة بالتصديق أو بالتكذيب؟ أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ حيث لم تتفكروا فيها، فإنكم لم تخلقوا عبثا وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ أي يغشاهم العذاب الموعود بسبب ظلمهم، وهو التكذيب بآيات الله فيشغلهم عن النطق والاعتذار وبعد أن أرانا الله حالهم يوم القيامة فإنه يذكر حجة من حجج مجيء يوم القيامة أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ أي ليطمئنوا في ظلام الليل، فتسكن حركاتهم بسببه، وتهدأ أنفاسهم، ويستريحوا من نصب التعب في نهارهم وَالنَّهارَ مُبْصِراً أي منيرا مشرقا فبسبب ذلك يتصرفون في المعايش والمكاسب، والأسفار والتجارات، وغير ذلك من شئونهم التي يحتاجون إليها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ أي يصدقون فيعتبرون. قال النسفي: (وفيه دليل على صحة البعث لأن معناه: ألم يعلموا أنا جعلنا الليل والنهار قواما لمعاشهم في الدنيا، ليعلموا أن ذلك لم يجعل عبثا، بل محنة وابتلاء، ولا بد عند ذلك من ثواب وعقاب فإذا لم يكونا في هذه الدار، فلا بد من دار أخرى للثواب والعقاب) وهكذا نقلنا السياق من جو اليوم الآخر إلى ذكر الدليل عليه. والآن يعود السياق لينقلنا إلى جو اليوم الآخر، ثم ينقلنا إلى ذكر دليل عليه: وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ أي واذكر يوم ينفخ في الصور فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ والمراد فزعهم عند النفخة الأولى حين يصعقون إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ أي إلا من ثبت الله قلبه من الملائكة، قالوا: هم جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت ﵈، وقيل الشهداء وقيل الحور، وخزنة النار، وحملة العرش وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ أي صاغرين. ومعنى الإتيان: حضورهم الموقف، ورجوعهم إلى أمره تعالى، وانقيادهم له، وبعد أن نقلنا السياق إلى أجواء اليوم الآخر، يعود للتدليل عليه بآية هي معجزة؛ إذ أنها تشير إلى دوران الأرض على رأي وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً أي واقفة ممسكة عن الحركة وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ أي وهي تمر مثل مر السحاب تراه واقفا وهو يتحرك صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ أي أحكم خلق كل شئ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ أي هو عليم بما يفعل عباده من خير

стр. 3839

وشر، وسيجازيهم عليه أتم جزاء، في الآية تدليل على اليوم الآخر، فالله الذي جعل الأرض ببالغ حكمته كذلك ما فعل هذا عبثا، وما فعل هذا إلا بكمال علم، ومن كان كذلك لا يعجزه أن يبعث وأن يجازي، ومن ثم ختمت الآية بقوله تعالى إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ إذ فيها تهديد بالمجازاة يوم القيامة، ومن ثم يعود السياق إلى تلخيص المجازاة يوم القيامة مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ أي لا إله إلا الله فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها أي حاصل من جهتها وهو الجنة، أو الخيرية بكثرة المكافأة، إذ له عشر أمثال الحسنة وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ أي يوم القيامة آمِنُونَ فلا يخافون وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ أي بالشرك فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ أي ألقوا في النار، ويقال لهم تبكيتا عند الكب: هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أي في الدنيا من الشرك والمعاصي. وبهذا تنتهي المجموعة الرابعة. ... نقل: قال صاحب الظلال عند قوله تعالى: أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ: (وقد ورد ذكر خروج الدابة المذكورة هنا في أحاديث كثيرة، بعضها صحيح، وليس في هذا الصحيح وصف للدابة. إنما جاء وصفها في روايات لم تبلغ حد الصحة. لذلك نضرب صفحا عن أوصافها. وحسبنا أن نقف عند النص القرآني والحديث الصحيح الذي يفيد أن خروج الدابة من علامات الساعة، وأنه إذا انتهى الأجل الذي تنفع فيه التوبة؛ وحق القول على الباقين فلم تقبل منهم توبة بعد ذلك؛ وإنما يقضى عليهم بما هم عليه .. عندئذ يخرج الله لهم دابة تكلمهم. والدواب لا تتكلم، أو لا يفهم عنها الناس. ولكنهم اليوم يفهمون، ويعلمون أنها الخارقة المنبئة باقتراب الساعة. وقد كانوا لا يؤمنون بآيات الله، ولا يصدقون باليوم الموعود. ومما يلاحظ أن المشاهد في سورة النمل مشاهد حوار وأحاديث بين طائفة من الحشرات والطير والجن وسليمان ﵇. فجاء ذكر «الدابة» وتكليمها الناس متناسقا مع مشاهد. السورة وجوها، محققا لتناسق التصوير في القرآن، وتوحيد الجزئيات التي يتألف منها المشهد العام).

стр. 3840

كلمة في السياق: نلاحظ أن مقدمة السورة كان فيها: إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ* أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ وقد جاءت المجموعة الرابعة لتحدثنا عن بعض أشراط الساعة، وعن حال الكافرين بالساعة يوم تقوم، كما أن المجموعة أقامت الحجة على هؤلاء في ثنايا ذلك، وهكذا بينت السورة أن هذا القرآن آيات لله تتلى، وأنه ألقاه إلى محمد ﷺ ، كما بينت من هم المستفيدون بهذا القرآن، وضربت أمثلة على رسالات سابقة لله، وأقامت الحجة على كل ما يخدم هذه المعاني، أو ما يقويها وكل ذلك سنراه بالتفصيل. والآن فلنلاحظ ما يلي: إن السياق الرئيسي للسورة هو مجموعة خطابات لرسول الله ﷺ طس تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ ... وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى .. قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ .. فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ. وفي هذا السياق الرئيسي الذي ينسجم مع محور السورة: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ تأتي الآن خاتمة السورة، وهي تتوجه كلها بالخطاب لرسول الله، ﷺ ولكنها تأتي وكأنها على لسانه لتشعرنا بأن محمدا ﷺ قائم بذلك فعلا فلنرها: ...

стр. 3841

المجموعة الخامسة وهي خاتمة السورة إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ أي مكة الَّذِي حَرَّمَها أي جعلها حرما آمنا يأمن فيها اللاجئ إليها ولا يختلى خلاها، ولا يعضد شوكها، ولا ينفر صيدها، وإضافة الربوبية إلى البلدة على سبيل التشريف لها، والاعتناء بها وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ أي فهو مع ربوبيته لهذه البلدة مالك الدنيا والآخرة وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أي الموحدين المخلصين المنقادين لأمره المطيعين له وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ أي على الناس أبلغهم إياه فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ أي فمن اهتدى باتباعه إياي فيما أنا بصدده من توحيد الله، ونفي الشركاء عنه، والدخول في الملة الحنيفية، واتباع ما أنزل علي من الوحي، فمنفعة اهتدائه راجعة إليه وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ أي ومن ضل ولم يتبعني فلا علي، وما أنا إلا رسول منذر وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها أمر الله رسوله ﷺ أن يحمده على ما خوله من نعمة النبوة التي لا توازيها نعمة، وأن يهدد أعداءه بما سيريهم الله من آياته في الآخرة فيستيقنون بها، وقيل المراد بآياته: انشقاق القمر والدخان وما حل بهم من نقمات الله في الدنيا، ويمكن أن يكون المراد بإراءتهم آياته ما سيكشفه لهم من مضامين القرآن في الكون والآفاق، مما تلزمهم به الحجة، ثم ختم الله السورة بقوله: وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ أي بل هو شهيد على كل شئ، فكل عمل يعملونه فإن الله عالم به، غير غافل عنه. فالغفلة والسهو لا يجوزان عليه ﷻ . كلمة في السياق: رأينا أن محور السورة هو قوله تعالى: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ وفي مقابل هذه النعمة أمر الله رسوله ﷺ بالعبادة والإنذار والشكر، والوعيد لأعداء الله، وهذا الذي نراه في الخاتمة، ومن هنا تظهر صلة الخاتمة بمحور السورة. ورأينا أنه في بداية السورة قد جاء: وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ وفي مقابل هذه النعمة فعلى رسول الله ﷺ أن يفعل أشياء كثيرة منها، ما ورد في خاتمة السورة، ومنها ما ورد قبل ذلك بشكل أوامر، وهذا مظهر من مظاهر ارتباط الخاتمة بسياق السورة ولا زال لنا كلام حول سياق السورة، سنراه في الكلمة الأخيرة عنها. وإذ لم ننقل شيئا من فوائد المقطع الثاني: فلننقل الفوائد:

стр. 3842

فوائد: ١ - بمناسبة قوله تعالى: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ قال ابن كثير: (روى الإمام أحمد عن أبي تميمة الهجيمي عن رجل من بلهجيم قال: قلت يا رسول الله إلام تدعو؟ قال: «أدعو إلى الله وحده الذي إن مسك ضر فدعوته كشف عنك، والذي إن أضللت بأرض قفر فدعوته رد عليك، والذي إن أصابتك سنة فدعوته أنبت لك» قال: قلت أوصني قال: «لا تسبن أحدا، ولا تزهدن في المعروف، ولو أن تلقى أخاك وأنت منبسط إليه وجهك، ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستقي، واتزر إلى نصف الساق، فإن أبيت فإلى الكعبين، وإياك وإسبال الإزار، فإن إسبال الإزار من المخيلة، وإن الله لا يحب المخيلة». وقد رواه الإمام أحمد من وجه آخر، فذكر اسم الصحابي فقال .. عن جابر بن سليم الهجيمي قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو محتب بشملة، وقد وقع هدبها على قدميه، فقلت: أيكم محمد رسول الله؟ فأومأ بيده إلى نفسه، فقلت: يا رسول الله أنا من أهل البادية، وفي جفاؤهم، فأوصني قال: «لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك ووجهك منبسط، ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستقي، وإن امرؤ شتمك بما يعلم فيك فلا تشتمه بما تعلم فيه، فإنه يكون لك أجره وعليه وزره، وإياك وإسبال الإزار، فإن إسبال الإزار من المخيلة، وإن الله لا يحب المخيلة، ولا تسبن أحدا» قال: فما سببت بعده أحدا ولا شاة ولا بعيرا. وقد روى أبو داود والنسائي لهذا الحديث طرقا وعندهما طرف صالح منه، روى ابن أبي حاتم عن عبد الله بن أبي صالح قال: دخل علي طاوس يعودني فقلت له: ادع الله لي يا أبا عبد الرحمن فقال: ادع لنفسك فإنه يجيب المضطر إذا دعاه. وقال وهب بن منبه قرأت في الكتاب الأول إن الله تعالى يقول: بعزتي إنه من اعتصم بي فإن كادته السموات بمن فيهن، والأرض بمن فيهن، فإني أجعل له من بين ذلك مخرجا، ومن لم يعتصم بي فإني أخسف به من تحت قدميه الأرض فأجعله في الهواء فأكله إلى نفسه»). ٢ - بمناسبة قوله تعالى: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ قال ابن كثير: (وروى ابن أبي حاتم عن عائشة ﵂ قالت: من زعم أنه يعلم- يعني النبي ﷺ ما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية، لأن الله تعالى يقول: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وقال قتادة: إنما جعل الله هذه النجوم لثلاث خصال: جعلها زينة للسماء، وجعلها يهتدى بها،

стр. 3843

وجعلها رجوما للشياطين، فمن تعاطى فيها غير ذلك فقد قال برأيه، وأخطأ حظه، وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به. وإن أناسا جهلة بأمر الله، قد أحدثوا من هذه النجوم كهانة، من أعرس بنجم كذا وكذا كان كذا وكذا. ومن سافر بنجم كذا وكذا، كان كذا وكذا ومن ولد بنجم كذا وكذا كان كذا وكذا. ولعمري ما من نجم إلا يولد به الأحمر والأسود، والقصير والطويل، والحسن والدميم. وما علم هذا النجم وهذه الدابة وهذا الطير بشيء من الغيب، وقضى الله تعالى أنه لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله، وما يشعرون أيان يبعثون. رواه ابن أبي حاتم عنه بحروفه وهو كلام جليل متين صحيح). ٣ - بمناسبة قوله تعالى: وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ قال ابن كثير: (هذه الدابة تخرج في آخر الزمان عند فساد الناس، وتركهم أوامر الله، وتبديلهم الدين الحق، يخرج الله لهم دابة من الأرض قيل من مكة، وقيل من غيرها- كما سيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى- فتكلم الناس على ذلك، قال ابن عباس والحسن وقتادة، ويروى عن علي ﵁: تكلمهم كلاما أي تخاطبهم مخاطبة، وقال عطاء الخراساني: تكلمهم فتقول لهم: إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون، ويروى هذا عن علي، واختاره ابن جرير، وفي هذا القول نظر لا يخفى والله أعلم. وقال ابن عباس في رواية: تجرحهم، وعنه رواية قال: كلا تفعل، يعني: هذا وهذا، وهذا قول حسن ولا منافاة، والله أعلم. وقد ورد في ذكر الدابة أحاديث كثيرة، فلنذكر منها ما تيسر وبالله المستعان: روى قال الإمام أحمد عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال: أشرف علينا رسول الله ﷺ من غرفة ونحن نتذاكر أمر الساعة فقال: «لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات: طلوع الشمس مغربها، والدخان والدابة وخروج يأجوج ومأجوج وخروج عيسى ابن مريم ﵇، والدجال، وثلاثة خسوف: خسف بالمغرب، وخسف بالمشرق، وخسف بجزيرة العرب، ونار تخرج من قعر عدن، تسوق أو تحشر الناس، تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا» وهكذا رواه مسلم وأهل السنن من طرق عن حذيفة مرفوعا، وقال الترمذي حسن صحيح، ورواه مسلم أيضا عن أبي الطفيل موقوفا ثم ذكر ابن كثير روايات أخرى لهذا الحديث، كما ذكر أحاديث أخرى في هذا الباب فليراجع.

стр. 3844

٤ - بمناسبة قوله تعالى: وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ قال ابن كثير: (روى الإمام مسلم ابن الحجاج، عن عروة بن مسعود الثقفي، سمعت عبد الله بن عمرو ﵄ وقد جاءه رجل فقال: ما هذا الحديث الذي تحدث أن الساعة تقوم إلى كذا وكذا؟ فقال: سبحان الله- أو لا إله إلا الله أو كلمة نحوهما- لقد هممت أن لا أحدث أحدا شيئا أبدا- إنما قلت: إنكم سترون بعد قليل أمرا عظيما، يخرب البيت، ويكون ويكون- ثم قال- قال رسول الله ﷺ : «يخرج الدجال في أمتي فيمكث أربعين- لا أدري أربعين يوما أو أربعين شهرا أو أربعين عاما- فيبعث الله عيسى ابن مريم كأنه عروة بن مسعود، فيطلبه فيهلكه، ثم يمكث الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله ريحا باردة من قبل الشام، فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته، حتى لو أن أحدكم دخل في كبد جبل لدخلته عليه حتى تقبضه، قال سمعتها من رسول الله ﷺ وقال: «فيبقى شرار الناس في خفة الطير، وأحلام السباع، لا يعرفون معروفا، ولا ينكرون منكرا، فيتمثل لهم الشيطان فيقول: ألا تستجيبون؟ فيقولون: فما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان، وهم في ذلك دار رزقهم، حسن عيشهم، ثم ينفخ في الصور، فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا ورفع ليتا- قال: وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله، قال: فيصعق ويصعق الناس، ثم يرسل الله- أو قال- ينزل الله مطرا كأنه الطل- أو قال الظل (شعبة الشاك) فتنبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، ثم يقال: يا أيها الناس هلموا إلى ربكم، وقفوهم إنهم مسئولون، ثم يقال: أخرجوا بعث النار فيقال كم؟ فيقال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون، قال: فذلك يوم يجعل الولدان شيبا، وذلك يوم يكشف عن ساق» وقوله ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا ورفع ليتا، الليت: هو صفحة العنق، أي أمال عنقه ليسمعه من السماء جيدا، فهذه نفخة الفزع، ثم بعد ذلك نفخة الصعق وهو الموت، ثم بعد ذلك نفخة القيام لرب العالمين وهو النشور من القبور لجميع الخلائق.) ٥ - وبمناسبة قوله تعالى: إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها قال ابن كثير: (أي الذي إنما صارت حراما شرعا وقدرا بتحريمه لها، كما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة: «إن هذا البلد

стр. 3845

حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها ولا يختلى خلاها» الحديث بتمامه. وقد ثبت في الصحاح والحسان والمسانيد من طرق جماعة تفيد القطع، كما هو مبين في موضعه من كتاب الأحكام ولله الحمد والمنة) (عضد الشئ: أي قطعه بالمعضد وهو السكين الكبير) (اختلى العشب- جزّه) (الخلى: الواحدة خلاة، وجمعها أخلاء وهو العشب) ٦ - في قوله تعالى وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ ... اتجاهان: اتجاه يقول: إن هذه الآية تتحدث عن شئ سيكون يوم القيامة، واتجاه يقول: إن الآية تتحدث عن ما هو كائن، وعلى هذا الرأى ففي الآية تصريح بدوران الأرض، ويشهد لهذا القول مجيء كلمة الإتقان في الآية صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ثم إن الجبال يوم القيامة تسير لتنسف وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً. ٧ - بمناسبة قوله تعالى: وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ قال ابن كثير: روى ابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «يا أيها الناس لا يغترن أحدكم بالله، فإن الله لو كان غافلا شيئا لأغفل البعوضة والخردلة والذرة». وروى أيضا عن عمر بن عبد العزيز قال: فلو كان الله مغفلا شيئا لأغفل ما تعفي الرياح من أثر قدمي ابن آدم، وقد ذكر عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه كان ينشد هذين البيتين إما له أو لغيره: إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل ... خلوت ولكن قل علي رقيب ولا تحسبن الله يغفل ساعة ... ولا أن ما يخفى عليه يغيب كلمة في سورة النمل: ذكرنا أن سورة النمل تتألف من مقطعين، كل منهما يرتبط بالآخر بأوثق رباط، وذكرنا أن محور سورة النمل هو قوله تعالى في سورة البقرة: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ الآتية في حيز قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وعلى ضوء ذلك فلنلق نظرة شاملة:

стр. 3846

تبدأ السورة بقوله تعالى: طس تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ* هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ* الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ* إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ* أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ* وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ هذه المقدمة تحدد مسار السورة، مفصلة محورها في حيزه، إذ تأتي قصة موسى ﵇ وفيها آية من آيات هذا القرآن التي تتحدث عن مظاهر حكمة الله وعلمه، ثم تأتي قصة داود وسليمان ﵉ وهي تعرض آية من آيات هذا القرآن. ثم تأتي قصة صالح ﵇ وهي تعرض آية من آيات هذا القرآن، ثم تأتي قصة لوط ﵇ وهي تعرض آية من آيات الله، ثم تأتي مجموعة تحدثنا عن الله هي في بابها آية من آيات هذا القرآن، وهي تعرض علينا ما يدل على حكمة الله الذي أنزل هذا القرآن، ثم تأتي مجموعة تحدثنا عن علم الله، فتم بذلك الكلام عن العليم الحكيم، الذي أنزل هذا القرآن، ثم انتقل السياق إلى الكلام عن اليوم الآخر، الذي بدون اليقين به لا يهتدي أحد بهذا القرآن. ثم جاء حديث عن ما ينبغي أن يكون عليه رسول الله ﷺ الذي أنزل عليه القرآن، ثم جاء كلام عن حال الفارين من الهداية، وصممهم وعماهم، وعن حال الذين يهتدون بهذا القرآن، وكما أنه في المقدمة تكرر الكلام عن اليوم الآخر، فإن السياق يأتي هاهنا بكلام عن اليوم الآخر وأدلته، وحال الكافرين به يوم القيامة، ثم تنتهي السورة بعرض بعض ما أمر به رسول الله ﷺ الذي أنزلت عليه الآيات: العبادة، والإسلام، والإنذار بهذا القرآن، فتكون آخر الآيات أمرا لرسول الله ﷺ بالشكر والإنذار. ... وعلى هذا فالسورة عرضت لآيات من آيات الله التي أنزلها على محمد ﷺ ، وخصائص المهتدين بها، وأنواع العقوبات التي أعدها الله لمن لا تتوافر فيه هذه الخصائص، وما يلزم الذي أنزلت عليه الآيات. وفي آيات السورة كلام عن آداب من الإسلام، وكلام عن معان من الإسلام تعرض علينا من خلال الكلام عن المرسلين أو من خلال العرض المباشر، وأهم ذلك موضوع التوحيد واليوم الآخر. وقد عرضت السورة نماذج من عطاء الله للمرسلين، ونماذج من مهمات المرسلين، ونماذج من الآيات التي أنزلها الله على المرسلين، كما تحدثت السورة عن بعض خصائص هذا القرآن المعجز، كما ذكرت ما يعتبر مجرد ذكره معجزة، كالإشارة إلى اختلاف بني إسرائيل في

стр. 3847

اليوم الآخر، وكالإشارة إلى دوران الأرض، وفي قصة سليمان ذكرت ما يدل على أن خوارق العادات قد يعطاها غير النبي، كما أعطتنا ما يدل على بعض خصائص الجن، وخصائص المخلوقات الأخرى غير الإنسان. ... والملاحظ بشكل عام أن مجموعات السورة كل منها ترتبط بمقدمة السورة برباط ما فالمقدمة تحدثت عن مجموعة معان مترابطة مع بعضها، ثم جاءت مجموعات السورة كل مجموعة تخدم شيئا في المقدمة، وترتبط بها بنوع رباط، وواضح في السورة أنها تنقسم إلى قسمين متكاملين: قسم القصص، وقسم المعاني المجردة. والربط بين القسمين واضح، والانتقال من القسم الأول إلى القسم الثاني كان من الروعة في المكان الأعلى. إن السورة نموذج على الكمال في وحدة السورة القرآنية، إذ تجدها مؤلفة من مجموعات واضحة متمايزة، بينها خيط ينتظمها، وفي كل منها آية من آيات الله ، تدل على أن هذا القرآن من عند الله، وأن محمدا رسول الله ﷺ . ***

стр. 3848

سورة القصص وهي السورة الثامنة والعشرون بحسب الرسم القرآني وهي السورة التاسعة من المجموعة الثالثة من قسم المئين وآياتها ثمان وثمانون آية وهي مكية وهي السورة الثالثة من زمرة الطاسينات وهي آخر سورة في زمرتها وفي مجموعتها وفي قسمها، فبها ينتهي قسم المئين

стр. 3849

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم

стр. 3850

قال الألوسي في تقديمه لسورة القصص: (مكية كلها على ما روي عن الحسن. وعطاء وطاوس. وعكرمة، وقال مقاتل: فيها من المدني قوله تعالى: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ إلى قوله تعالى: لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ فقد أخرج الطبراني عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها نزلت هي وآخر الحديد في أصحاب النجاشي الذين قدموا وشهدوا واقعة أحد، وفي رواية عنه رضي الله تعالى عنه أن الآية المذكورة نزلت بالجحفة في خروجه ﵊ للهجرة، وقيل: نزلت بين مكة والجحفة، وقال المدائني في كتاب العدد عن يحيى بن سلام قال بلغني أن النبي ﷺ حين هاجر نزل عليه جبريل ﵊ بالجحفة وهو متوجه من مكة إلى المدينة فقال: أتشتاق يا محمد إلى بلدك التي ولدت فيها؟ قال: نعم قال إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ الآية وهي ثمان وثمانون آية بالاتفاق، ووجه مناسبتها لما قبلها اشتمالها على شرح بعض ما أجمل فيه من أمر موسى ﵇. قال الجلال السيوطي: إنه سبحانه لما حكى في الشعراء قول فرعون لموسى ﵇: أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ* وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ إلى قول موسى ﵇ فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ. ثم حكى سبحانه في (طس) قول موسى ﵇ لأهله إِنِّي آنَسْتُ ناراً إلى آخره الذي هو في الوقوع بعد الفرار، وكان الأمران على سبيل الإشارة والإجمال، فبسط جل وعلا في هذه السورة ما أوجزه سبحانه في السورتين، وفصل تعالى شأنه ما أجمله فيهما على حسب ترتيبهما، فبدأ بشرح تربية فرعون له مصدرا بسبب ذلك من علو فرعون، وذبح أبناء بني إسرائيل الموجب لإلقاء موسى ﵇ عند ولادته في اليم خوفا عليه من الذبح، وبسط القصة في تربيته، وما وقع فيها إلى كبره، إلى السبب الذي من أجله قتل القبطي، إلى قتل القبطي وهي الفعلة التي فعل، إلى النم عليه بذلك الموجب لفراره إلى مدين، إلى ما وقع له مع شعيب ﵇، تزوجه بابنته، إلى أن سار بأهله، وآنس من جانب الطور نارا، فقال لأهله امكثوا إني آنست نارا، إلى ما وقع له فيها من المناجاة لربه ﷻ ، وبعثه تعالى إياه رسولا وما استتبع ذلك إلى آخر القصة، فكانت هذه السورة شارحة لما أجمل في السورتين معا على الترتيب، وبذلك عرف وجه الحكمة من تقديم (طس) على هذه، وتأخيرها عن الشعراء في الذكر في المصحف، وكذا في النزول، فقد روي عن ابن عباس. وجابر بن زيد: أن الشعراء نزلت، ثم

стр. 3851

طس ثم القصص، وأيضا قد ذكر سبحانه في السورة السابقة من توبيخ الكفرة بالسؤال يوم القيامة ما ذكر، وذكر جل شأنه في هذه من ذلك ما هو أبسط وأكثر مما تقدم، وأيضا ذكر من أمر الليل والنهار هنا فوق ما ذكره سبحانه منه هناك، وقد يقال في وجه المناسبة أيضا: إنه تعالى فصل في تلك السورة أحوال بعض المهلكين من قوم صالح، وقوم لوط، وأجمل هنا في قوله تعالى: وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ الآيات، وأيضا بسط في الجملة هناك حال من جاء بالحسنة، وحال من جاء بالسيئة، وأوجز سبحانه هنا حيث قال تعالى: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ فلم يذكر من حال الأولين أمنهم من الفزع، ومن حال الآخرين كب وجوههم في النار، إلى غير ذلك مما يظهر للمتأمل. وقال صاحب الظلال في تقديمه لهذه السورة: (هذه السورة مكية، نزلت والمسلمون في مكة قلة مستضعفة، والمشركون هم أصحاب الحول والطول والجاه والسلطان. نزلت تضع الموازين الحقيقية للقوى والقيم، نزلت تقرر أن هناك قوة واحدة في هذا الوجود، هي قوة الله؛ وأن هناك قيمة واحدة في هذا الكون، هي قيمة الإيمان. فمن كانت قوة الله معه فلا خوف عليه ولو كان مجردا من كل مظاهر القوة، ومن كانت قوة الله عليه فلا أمن له ولا طمأنينة، ولو ساندته جميع القوى؛ ومن كانت له قيمة الإيمان فله الخير كله، ومن فقد هذه القيمة فليس بنافعه شئ أصلا. كلمة في سورة القصص ومحورها: قلنا: إن محور الطاسينات الثلاث هو قوله تعالى: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ فلنلاحظ الآن بعض ما ورد في سورة القصص مما يؤيد ما قلناه. تبدأ السورة بقوله تعالى: طسم تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ* نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ التشابه بين بداية السورة وآية المحور: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ يقابلها في السورة تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ يقابلها نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ فلنلاحظ التشابه الكامل بين

стр. 3852

البداية وبين محور السورة. وفي الآية السابعة يرد قوله تعالى: إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ وصلة ذلك بقوله تعالى في المحور: وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ واضحة، وبعد أن تنتهي قصة موسى يأتي مباشرة قوله تعالى: وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ* وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ لاحظ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ وصلة ذلك بآية المحور نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ. ثم يسير السياق مناقشا الذين يكفرون بآيات الله وبرسالة محمد ﷺ ، مقيما الحجة تلو الحجة عليهم، وكل ذلك نوع تفصيل لمحور السورة. فإذا وصلنا إلى الآية (٦٥) نجدها: وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ وصلة ذلك مع قوله تعالى: وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ لا تخفى. وتنتهي السورة بخطاب مباشر لرسول الله ﷺ الذي أنزل الله عليه آياته وجعله من المرسلين: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ* قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ* وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ* وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ* وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ* ... تبدأ السورة بتفصيل آية المحور من خلال قصة موسى في طفولته، ثم في شبابه، ثم وهو في مدين، وهو موضوع لم يذكره القرآن إلا هنا، ثم تقص علينا قصة موسى في عودته وما جرى بينه وبين فرعون، وهو موضوع يستغرق قسما كبيرا من سفر الخروج فيما يسمونه التوراة الحالية. ثم تبرهن السورة على رسالة محمد ﷺ ، فتتكلم عن التوراة، وعن موسى، لتقيم من خلال ذلك بعض الحجج على رسالة محمد ﷺ ، ثم تقص علينا السورة قصة قارون كرجل بغى من قوم موسى أنفسهم، بعد أن رأينا قصة الباغين على قوم موسى من غير أنفسهم، فترينا في قصة قارون نهاية الباغين على الرسل من أقوامهم. ثم تأتي خاتمة السورة مربية موجهة لسيد المرسلين.

стр. 3853

وإذ كانت الطاسينات الثلاث تفصل آية واحدة كما رأينا، فإن فيما بينها كثيرا من التشابه، ولكن لكل منها سياقا خاصا يخدم محور السورة بشكل يختلف هدفه في السورة عن سورة أخرى. وهو موضوع سنراه بعد انتهاء الكلام عن سورة القصص تحت عنوان: (كلمة عن زمرة الطاسينات). ومن ثم فلن نتحدث هنا عن السياق الخاص لسورة القصص بالنسبة للسياقين الآخرين، ولكنا نحب أن نقرر هنا إن هذا الذي ذكرناه مظهر من مظاهر الإعجاز في هذا القرآن، الذي لا تنتهي عجائبه ولا أسراره. ... تتألف السورة من قسمين: القسم الأول: وفيه قصة موسى، وهو يتألف من مقدمة، وخمسة مشاهد والقسم الثاني: ويتألف من خمس مجموعات، وسنعرض القسمين بشكل مجزأ. [القسم الاول] مقدمة السورة وهي مقدمة القسم الأول وتمتد من الآية (١) إلى نهاية الآية (٦) وهذه هي مع البسملة؛ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [سورة القصص (٢٨): الآيات ١ الى ٦] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ طسم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ (٦)

стр. 3854

التفسير: طسم تِلْكَ أي هذه آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ أي المبين خيره وبركته، أو المبين للحلال والحرام، والوعد والوعيد، والإخلاص والتوحيد، أو الواضح الجلي الكاشف عن حقائق الأمور، وعلم ما قد كان وما هو كائن نَتْلُوا عَلَيْكَ أي نقرأ عليك. أي يقرؤه جبريل بأمرنا مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ أي نتلو عليك بعض خبرهما بِالْحَقِّ نذكر لك الأمر على ما كان عليه كأنك تشاهد وكأنك حاضر لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ أي لمن سبق في علمنا أنه مؤمن، لأن التلاوة إنما تنفع هؤلاء دون غيرهم، ومن ثم فإنهم يأخذون العبرة، وفي ذلك إشارة إلى ضرورة أخذ دروس السورة. ... فائدة: في قوله تعالى: بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ إشارة إلى أن هذا هو الحق الخالص الذي يؤمن به المؤمنون بالقرآن، وذلك لأن الكتب السماوية السابقة كلها قد حرفت، كما أثبتنا في أكثر من مكان، وهذا القرآن هو الذي وضع الأمر في نصابه فيما تحدث عنه، فالمؤمن بهذا القرآن يعلم أن ما قصة هو الحق، وأن ما خالفه هو الباطل حيثما وجد سواء وجد، في كتب العهد القديم أو الجديد. أو في غير ذلك. .. إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ أي تكبر وتجبر وطغى وجاوز الحد في الظلم، واستكبر وافتخر بنفسه، ونسي العبودية فِي الْأَرْضِ أي أرض مملكته أي الأرض التي له سلطان عليها وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً أي فرقا من أجل أن يسهل عليه استعباد الجميع على قاعدة فرق تسد، أو فرقا يشايعونه على ما يريد، ويطيعونه ولا يملك أحد منهم أن يلوي عنقه، أو فرقا مختلفة، يكرم طائفة ويهين أخرى. يكرم الأقباط، ويهين الإسرائيليين يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ هم بنو إسرائيل يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ أي يقتل الأطفال الذكور ويترك البنات أحياء للخدمة إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ أي إن القتل ظلما هو فعل المفسدين إذ لا طائل تحته.

стр. 3855

فوائد: ١ - بمناسبة قوله تعالى: يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ قال ابن كثير: (يعني بني إسرائيل، وكانوا في ذلك الوقت خيار أهل زمانهم هذا، ولقد سلط عليهم هذا الملك الجبار العنيد، يستعملهم في أخس الأعمال، ويكدهم ليلا ونهارا في أشغاله، وأشغال رعيته، ويقتل مع هذا أبناءهم، ويستحيي نساءهم إهانة لهم واحتقارا، وخوفا من أن يوجد منهم الغلام الذي كان قد تخوف هو وأهل مملكته منه، أن يوجد منهم غلام يكون سبب هلاكه، وذهاب دولته على يديه. وكانت القبط قد تلقوا هذا من بني إسرائيل فيما كانوا يدرسونه من قول إبراهيم الخليل ﵇ حين ورد الديار المصرية، وجرى له مع جبارها ما جرى، حين أخذ سارة ليتخذها جارية، فصانها الله منه ومنعها منه بقدرته وسلطانه، فبشر إبراهيم ﵇ ولده أنه سيولد من صلبه وذريته من يكون هلاك ملك مصر على يديه، فكانت القبط تحدث بهذا عند فرعون فاحترز فرعون من ذلك، وأمر بقتل ذكور بني إسرائيل، ولن ينفع حذر من قدر، لأن أجل الله إذا جاء لا يؤخر ولكل أجل كتاب). أقول: لا ندري ما هو مصدر ابن كثير في روايته عن سبب حذر فرعون أو فعله، فقد يكون لتصرف فرعون أسباب غيرها. ٢ - في سفر الخروج في الإصحاح الأول: (وكلم ملك مصر قابلتي العبرانيات اللتين إحداهما شفرة واسم الأخرى فوعة وقال: حينما تولدان العبرانيات وتنظرانهن على الكراسي إن كان ابنا فاقتلاه وإن كان بنتا فتحيا) وفي نفس الإصحاح: (ثم أمر فرعون جميع شعبه قائلا كل ابن يولد تطرحونه في النهر لكن كل بنت تستحيونها). إلا أن الإصحاح يعلل فعله بخوفه من الإسرائيليين أن يكثروا، وأن يشايعوا أعداءه في اللحظات الحاسمة أثناء حروبه مع أعدائه، ونحن لا نستطيع أن نعطي أسفار التوراة الحالية شيئا من الثقة، تصلح للاعتماد، لكثرة التناقضات فيها، كما دللنا على ذلك من قبل، وكما سنرى أثناء الكلام عن هذه السورة. ... وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ أي نتفضل عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ أي بني إسرائيل وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً أي قادة يقتدى بهم في الخير، أو قادة إلى الخير وَنَجْعَلَهُمْ
следующие страницы →