← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 3851–3890 · переход к 3856.

стр. 3851

طس ثم القصص، وأيضا قد ذكر سبحانه في السورة السابقة من توبيخ الكفرة بالسؤال يوم القيامة ما ذكر، وذكر جل شأنه في هذه من ذلك ما هو أبسط وأكثر مما تقدم، وأيضا ذكر من أمر الليل والنهار هنا فوق ما ذكره سبحانه منه هناك، وقد يقال في وجه المناسبة أيضا: إنه تعالى فصل في تلك السورة أحوال بعض المهلكين من قوم صالح، وقوم لوط، وأجمل هنا في قوله تعالى: وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ الآيات، وأيضا بسط في الجملة هناك حال من جاء بالحسنة، وحال من جاء بالسيئة، وأوجز سبحانه هنا حيث قال تعالى: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ فلم يذكر من حال الأولين أمنهم من الفزع، ومن حال الآخرين كب وجوههم في النار، إلى غير ذلك مما يظهر للمتأمل. وقال صاحب الظلال في تقديمه لهذه السورة: (هذه السورة مكية، نزلت والمسلمون في مكة قلة مستضعفة، والمشركون هم أصحاب الحول والطول والجاه والسلطان. نزلت تضع الموازين الحقيقية للقوى والقيم، نزلت تقرر أن هناك قوة واحدة في هذا الوجود، هي قوة الله؛ وأن هناك قيمة واحدة في هذا الكون، هي قيمة الإيمان. فمن كانت قوة الله معه فلا خوف عليه ولو كان مجردا من كل مظاهر القوة، ومن كانت قوة الله عليه فلا أمن له ولا طمأنينة، ولو ساندته جميع القوى؛ ومن كانت له قيمة الإيمان فله الخير كله، ومن فقد هذه القيمة فليس بنافعه شئ أصلا. كلمة في سورة القصص ومحورها: قلنا: إن محور الطاسينات الثلاث هو قوله تعالى: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ فلنلاحظ الآن بعض ما ورد في سورة القصص مما يؤيد ما قلناه. تبدأ السورة بقوله تعالى: طسم تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ* نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ التشابه بين بداية السورة وآية المحور: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ يقابلها في السورة تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ يقابلها نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ فلنلاحظ التشابه الكامل بين

стр. 3852

البداية وبين محور السورة. وفي الآية السابعة يرد قوله تعالى: إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ وصلة ذلك بقوله تعالى في المحور: وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ واضحة، وبعد أن تنتهي قصة موسى يأتي مباشرة قوله تعالى: وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ* وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ لاحظ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ وصلة ذلك بآية المحور نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ. ثم يسير السياق مناقشا الذين يكفرون بآيات الله وبرسالة محمد ﷺ ، مقيما الحجة تلو الحجة عليهم، وكل ذلك نوع تفصيل لمحور السورة. فإذا وصلنا إلى الآية (٦٥) نجدها: وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ وصلة ذلك مع قوله تعالى: وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ لا تخفى. وتنتهي السورة بخطاب مباشر لرسول الله ﷺ الذي أنزل الله عليه آياته وجعله من المرسلين: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ* قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ* وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ* وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ* وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ* ... تبدأ السورة بتفصيل آية المحور من خلال قصة موسى في طفولته، ثم في شبابه، ثم وهو في مدين، وهو موضوع لم يذكره القرآن إلا هنا، ثم تقص علينا قصة موسى في عودته وما جرى بينه وبين فرعون، وهو موضوع يستغرق قسما كبيرا من سفر الخروج فيما يسمونه التوراة الحالية. ثم تبرهن السورة على رسالة محمد ﷺ ، فتتكلم عن التوراة، وعن موسى، لتقيم من خلال ذلك بعض الحجج على رسالة محمد ﷺ ، ثم تقص علينا السورة قصة قارون كرجل بغى من قوم موسى أنفسهم، بعد أن رأينا قصة الباغين على قوم موسى من غير أنفسهم، فترينا في قصة قارون نهاية الباغين على الرسل من أقوامهم. ثم تأتي خاتمة السورة مربية موجهة لسيد المرسلين.

стр. 3853

وإذ كانت الطاسينات الثلاث تفصل آية واحدة كما رأينا، فإن فيما بينها كثيرا من التشابه، ولكن لكل منها سياقا خاصا يخدم محور السورة بشكل يختلف هدفه في السورة عن سورة أخرى. وهو موضوع سنراه بعد انتهاء الكلام عن سورة القصص تحت عنوان: (كلمة عن زمرة الطاسينات). ومن ثم فلن نتحدث هنا عن السياق الخاص لسورة القصص بالنسبة للسياقين الآخرين، ولكنا نحب أن نقرر هنا إن هذا الذي ذكرناه مظهر من مظاهر الإعجاز في هذا القرآن، الذي لا تنتهي عجائبه ولا أسراره. ... تتألف السورة من قسمين: القسم الأول: وفيه قصة موسى، وهو يتألف من مقدمة، وخمسة مشاهد والقسم الثاني: ويتألف من خمس مجموعات، وسنعرض القسمين بشكل مجزأ. [القسم الاول] مقدمة السورة وهي مقدمة القسم الأول وتمتد من الآية (١) إلى نهاية الآية (٦) وهذه هي مع البسملة؛ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [سورة القصص (٢٨): الآيات ١ الى ٦] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ طسم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ (٦)

стр. 3854

التفسير: طسم تِلْكَ أي هذه آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ أي المبين خيره وبركته، أو المبين للحلال والحرام، والوعد والوعيد، والإخلاص والتوحيد، أو الواضح الجلي الكاشف عن حقائق الأمور، وعلم ما قد كان وما هو كائن نَتْلُوا عَلَيْكَ أي نقرأ عليك. أي يقرؤه جبريل بأمرنا مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ أي نتلو عليك بعض خبرهما بِالْحَقِّ نذكر لك الأمر على ما كان عليه كأنك تشاهد وكأنك حاضر لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ أي لمن سبق في علمنا أنه مؤمن، لأن التلاوة إنما تنفع هؤلاء دون غيرهم، ومن ثم فإنهم يأخذون العبرة، وفي ذلك إشارة إلى ضرورة أخذ دروس السورة. ... فائدة: في قوله تعالى: بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ إشارة إلى أن هذا هو الحق الخالص الذي يؤمن به المؤمنون بالقرآن، وذلك لأن الكتب السماوية السابقة كلها قد حرفت، كما أثبتنا في أكثر من مكان، وهذا القرآن هو الذي وضع الأمر في نصابه فيما تحدث عنه، فالمؤمن بهذا القرآن يعلم أن ما قصة هو الحق، وأن ما خالفه هو الباطل حيثما وجد سواء وجد، في كتب العهد القديم أو الجديد. أو في غير ذلك. .. إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ أي تكبر وتجبر وطغى وجاوز الحد في الظلم، واستكبر وافتخر بنفسه، ونسي العبودية فِي الْأَرْضِ أي أرض مملكته أي الأرض التي له سلطان عليها وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً أي فرقا من أجل أن يسهل عليه استعباد الجميع على قاعدة فرق تسد، أو فرقا يشايعونه على ما يريد، ويطيعونه ولا يملك أحد منهم أن يلوي عنقه، أو فرقا مختلفة، يكرم طائفة ويهين أخرى. يكرم الأقباط، ويهين الإسرائيليين يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ هم بنو إسرائيل يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ أي يقتل الأطفال الذكور ويترك البنات أحياء للخدمة إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ أي إن القتل ظلما هو فعل المفسدين إذ لا طائل تحته.

стр. 3855

فوائد: ١ - بمناسبة قوله تعالى: يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ قال ابن كثير: (يعني بني إسرائيل، وكانوا في ذلك الوقت خيار أهل زمانهم هذا، ولقد سلط عليهم هذا الملك الجبار العنيد، يستعملهم في أخس الأعمال، ويكدهم ليلا ونهارا في أشغاله، وأشغال رعيته، ويقتل مع هذا أبناءهم، ويستحيي نساءهم إهانة لهم واحتقارا، وخوفا من أن يوجد منهم الغلام الذي كان قد تخوف هو وأهل مملكته منه، أن يوجد منهم غلام يكون سبب هلاكه، وذهاب دولته على يديه. وكانت القبط قد تلقوا هذا من بني إسرائيل فيما كانوا يدرسونه من قول إبراهيم الخليل ﵇ حين ورد الديار المصرية، وجرى له مع جبارها ما جرى، حين أخذ سارة ليتخذها جارية، فصانها الله منه ومنعها منه بقدرته وسلطانه، فبشر إبراهيم ﵇ ولده أنه سيولد من صلبه وذريته من يكون هلاك ملك مصر على يديه، فكانت القبط تحدث بهذا عند فرعون فاحترز فرعون من ذلك، وأمر بقتل ذكور بني إسرائيل، ولن ينفع حذر من قدر، لأن أجل الله إذا جاء لا يؤخر ولكل أجل كتاب). أقول: لا ندري ما هو مصدر ابن كثير في روايته عن سبب حذر فرعون أو فعله، فقد يكون لتصرف فرعون أسباب غيرها. ٢ - في سفر الخروج في الإصحاح الأول: (وكلم ملك مصر قابلتي العبرانيات اللتين إحداهما شفرة واسم الأخرى فوعة وقال: حينما تولدان العبرانيات وتنظرانهن على الكراسي إن كان ابنا فاقتلاه وإن كان بنتا فتحيا) وفي نفس الإصحاح: (ثم أمر فرعون جميع شعبه قائلا كل ابن يولد تطرحونه في النهر لكن كل بنت تستحيونها). إلا أن الإصحاح يعلل فعله بخوفه من الإسرائيليين أن يكثروا، وأن يشايعوا أعداءه في اللحظات الحاسمة أثناء حروبه مع أعدائه، ونحن لا نستطيع أن نعطي أسفار التوراة الحالية شيئا من الثقة، تصلح للاعتماد، لكثرة التناقضات فيها، كما دللنا على ذلك من قبل، وكما سنرى أثناء الكلام عن هذه السورة. ... وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ أي نتفضل عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ أي بني إسرائيل وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً أي قادة يقتدى بهم في الخير، أو قادة إلى الخير وَنَجْعَلَهُمْ

стр. 3856

الْوارِثِينَ أي يرثون غيرهم في الملك والسلطان وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ أي نجعل لهم عليها سلطانا، بحيث ينفذ أمرهم فيها، وهل المراد في الأرض فلسطين وحدها أو الشام ومصر؟ من الملاحظ أن نفوذ بني إسرائيل وصل في زمن سليمان إلى كل هذه المناطق مع اليمن وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ أي من بني إسرائيل ما كانُوا يَحْذَرُونَ أي ما كانوا يتوقونه منهم. والمعنى: يرون منهم ما حذروه من قهر بني إسرائيل لهم. هذه هي مقدمة القصة: ونلاحظ أن هذه المقدمة هي التي تستغرق الإصحاح الأول من سفر الخروج في التوراة المحرفة الحالية. والآن يأتي المشهد الأول في القصة: ***

стр. 3857

المشهد الأول ويمتد من الآية (٧) إلى نهاية الآية (١٣) وهذا هو: [سورة القصص (٢٨): الآيات ٧ الى ١٣] وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧) فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ (٨) وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٩) وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠) وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١١) وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ (١٢) فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٣) التفسير: وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى قال النسفي: بالإلهام أو بالرؤيا أو بإخبار ملك كما كان لمريم وليس هذا وحي رسالة، ولا تكون الأنثى رسولا أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ من القتل كأن يسمع الجيران صوته فينموا عليه فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ أي نيل

стр. 3858

مصر وَلا تَخافِي عليه من الغرق والضياع وَلا تَحْزَنِي بفراقه إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ بوجه لطيف وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ قال النسفي: (في هذه الآية أمران، ونهيان، وخبران، وبشارتان، والفرق بين الخوف والحزن: أن الخوف غم يلحق الإنسان لمتوقع، والحزن: غم يلحقه لواقع، وهو فراقه والإخطار به، فنهيت عنهما، وبشرت برده إليها وجعله من المرسلين) فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ أي أخذوه لِيَكُونَ لَهُمْ أي لنجعله لهم عَدُوًّا وَحَزَناً أي ليعاديهم ويحزنهم إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ أي كانوا مذنبين، فعاقبهم الله بأن ربي عدوهم ومن هو سبب هلاكهم على أيديهم، أو كانوا خاطئين في كل شئ فليس خطؤهم في تربية عدوهم ببدع منهم وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قال ابن كثير: (يعني أن فرعون لما رآه هم بقتله، خوفا من أن يكون من بني إسرائيل، فشرعت امرأته آسية بنت مزاحم تخاصم عنه، وتذب دونه، وتحببه إلى فرعون) فقالت: قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ أي به تطمئن أعيننا لا تَقْتُلُوهُ قال النسفي: خاطبته خطاب الملوك (أي بصيغة الجمع أو خاطبت القواد). ثم عللت لطلبها بقولها: عَسى أَنْ يَنْفَعَنا وقد نفعها الله بذلك، فكانت من أهل الإيمان أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً أي أو نتبناه وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ أي لا يدرون ما أراد الله منه بالتقاطهم إياه من الحكمة العظيمة البالغة، والحجة القاطعة، أو وهم لا يشعرون أنهم على خطأ عظيم بالنسبة لتصورهم في التقاطه ورجاء النفع منه وتبنيه وَأَصْبَحَ فُؤادُ أي قلب أُمِّ مُوسى فارِغاً أي صفرا من العقل، لما دهمها من فرط الجزع، لما سمعت بوقوعه في يد فرعون أو أصبح قلبها فارغا من كل شئ من أمور الدنيا إلا من موسى إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ أي إنه كادت من شدة وجدها وحزنها وأسفها لتظهر أنه ذهب لها ولد، وتخبر بحالها، لولا أن الله ثبتها وصبرها، ولذلك قال تعالى: لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها الربط على القلب: تقويته بإلهام الصبر لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أي من المصدقين، دل ذلك على أن الجزع المخرج عن التكليف يتنافى مع كمال الإيمان، وأن الصبر في النوازل من الإيمان. قال النسفي: قال يوسف بن الحسين: أمرت أم موسى بشيئين، ونهيت عن شيئين، وبشرت ببشارتين، فلم ينفعها الكل حتى تولى الله حياطتها فربط على قلبها وَقالَتْ لِأُخْتِهِ وتسميها التوراة الحالية مريم كما ورد في الإصحاح الخامس عشر من سفر الخروج قُصِّيهِ أي اتبعي أثره لتعلمي خبره فَبَصُرَتْ بِهِ أي أبصرته عَنْ جُنُبٍ أي عن بعد وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ أي أنها أخته وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ

стр. 3859

قال النسفي: تحريم منع لا تحريم شرع. أي منعناه أن يرضع ثديا غير ثدي أمه، فكان لا يقبل ثدي مرضع مِنْ قَبْلُ أي من قبل قصها أثره، أو من قبل أن نرده على أمه أو أزلا. قال ابن كثير: أي تحريما قدريا، وذلك لكرامته عند الله، وصيانته له أن يرتضع غير ثدي أمه ولأن الله جعل ذلك سببا إلى رجوعه إلى أمه لترضعه وهي آمنة بعد ما كانت خائفة، فلما رأتهم حائرين فيمن يرضعه فَقالَتْ أي أخته هَلْ أَدُلُّكُمْ أي أرشدكم عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ النصح: إخلاص العمل من شائبة الفساد فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها بالمقام معه وَلا تَحْزَنَ أي بفراقه وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ أي فيما وعدها من رده إليها. قال النسفي: أي وليثبت علمها مشاهدة كما علمت خبرا وعدها من رده إليها. قال النسفي: أي وليثبت علمها مشاهدة كما علمت خبرا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ أي أكثر الناس لا يَعْلَمُونَ أن وعد الله حق فيرتابون، أو لا يعلمون حكمة الله في أفعاله وعواقبها المحمودة التي هو المحمود عليها في الدنيا والآخرة. فربما يقع الأمر كريها إلى النفوس، وعاقبته محمودة في نفس الأمر. وبهذا انتهى المشهد الأول. فوائد: ١ - يتحدث الإصحاح الثاني من سفر الخروج في بدايته عن هذا المشهد، ولكنه يذكر بدلا من زوجة فرعون بنت فرعون. وهذا يدلنا على أن في هذا المقام كذبا، أو غلطا إلا إذا كان المراد أنها بنت فرعون سابق وعندئذ فلا ينبغي أن تكون زوجة لفرعون موسى. ومن المعلوم أن الفراعنة كانوا يتزوجون أخواتهم. فقد ذكر المؤرخون أن كليوباترا كانت حصيلة تزاوج أربعة عشر جيلا من الإخوة والأخوات. فإذا عرفنا هذا فلننقل النص بكامله: (وذهب رجل من بيت لاوي وأخذ بنت لاوي. فحبلت المرأة وولدت ابنا ولما رأته أنه حسن خبأته ثلاثة أشهر، ولما لم يمكنها أن تخبئه بعد أخذت له سفطا من البردي وطلته بالحمر والزفت. ووضعت الولد فيه. ووضعته بين الحلفاء على حافة النهر. ووقفت أخته من بعيد لتعرف ماذا يفعل به. فنزلت ابنة فرعون إلى النهر لتغتسل وكانت جواريها ماشيات على جانب النهر فرأت السفط بين الحلفاء فأرسلت أمتها وأخذته ولما فتحته رأت الولد وإذا هو صبى يبكي فرقت له وقالت هذا من أولاد العبرانيين. فقالت

стр. 3860

أخته لابنة فرعون: هل أذهب وأدعوا لك امرأة مرضعة من العبرانيات لترضع لك الولد، فقالت لها ابنة فرعون: اذهبي فذهبت الفتاة ودعت أم الولد فقالت لها ابنة فرعون اذهبي بهذا الولد وأرضعيه لي وأنا أعطي أجرتك، فأخذت المرأة الولد وأرضعته ولما كبر الولد إلى ابنة فرعون فصار لها ابنا ودعت اسمه موسى وقالت إني أنتشلته من الماء). هذا كل ما ذكرته التوراة عن هذا الموضوع. ونلاحظ أن ما ذكره القرآن على اختصاره هو الذي يعطينا التصور الأكمل للموضوع بدقائقه كلها، ويعطينا تفسيرات شاملة، مما يدل على أن هذا القرآن من عند الله، وما خالفه فهو الباطل. ٢ - نلاحظ أن الله أكرم أم موسى بإرجاع ولدها إليها مع الرزق الحسن قال ابن كثير: (فرجعت أم موسى بولدها راضية مرضية قد أبدلها الله بعد خوفها أمنا في عز وجاه ورزق دار، ولهذا جاء في الحديث: «مثل الذي يعمل ويحتسب في صنعته الخير كمثل أم موسى ترضع ولدها وتأخذ أجرها» ولم يكن بين الشدة والفرج إلا القليل يوم وليلة أو نحوه والله أعلم، فسبحان من بيده الأمر، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، الذي يجعل لمن اتقاه بعد كل هم فرجا، وبعد كل ضيق مخرجا). قال النسفي: (وإنما حل لها ما تأخذه من الدينار كل يوم- كما قال السدي- لأنه مال حربي، لا أنه أجرة على إرضاع ولدها). ٣ - يسمي العلماء اللام في قوله تعالى: لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً لام العاقبة. قال النسفي. أي ليصير الأمر إلى ذلك لا أنهم أخذوه لهذا، كقولهم للموت: ما تلده الوالدة وهي لم تلد لأن يموت ولدها ولكن المصير إلى ذلك كذا قاله الزجاج وعن هذا قال المفسرون: إن هذه لام العاقبة والصيرورة. وقال صاحب الكشاف هي لام كي التي معناها التعليل، كقولك: جئتك لتكرمني ولكن معنى التعليل فيها وارد على طريق المجاز؛ لأن ذلك لما كان نتيجة التقاطهم له شبه بالداعي الذي يفعل الفاعل الفعل لأجله وهو الإكرام الذي هو نتيجة المجيء). وقال ابن كثير: (قال محمد بن إسحاق وغيره اللام هنا لام العاقبة لا لام التعليل، لأنهم لم يريدوا بالتقاطه ذلك، ولا شك أن ظاهر اللفظ يقتضي ما قالوه، ولكن إذا نظر إلى معنى السياق فإنه تبقى اللام للتعليل، لأن معناه أن الله تعالى قيضهم لالتقاطه ليجعله عدوا لهم وحزنا فيكون أبلغ في إبطال حذرهم منه).

стр. 3861

٤ - احتج عمر بن العزيز على القدرية، أي الذين يكذبون بالقدر بآية لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً على إثبات القدر، وعلى خطئهم في زعمهم الكافر. قال ابن كثير: (وقد روي عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ﵁ أنه كتب كتابا إلى قوم من القدرية، في تكذيبهم بكتاب الله، وبأقداره النافذة في علمه السابق: وموسى في علم الله السابق لفرعون عدو وحزن قال الله تعالى: وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ وقلتم أنتم لو شاء فرعون أن يكون لموسى وليا وناصرا والله تعالى يقول: لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً). ٥ - نلاحظ من سياق القصة أن الله إذا أراد إنقاذ أمة هيأ لها المنقذ، ومن ثم فإن وجود الرسول، أو المجدد، أو الوارث، أو الخليفة، أو القائد، له دوره الكامل في نقل الأمة من حال إلى حال، كما نلاحظ أن الله إذا أراد شيئا هيأ له أسبابه، وأن كل معاندة مهما كان شأنها لا يمكن أن تخدم إلا مراد الله، ومن كلام ابن كثير في هذا المقام: (أراد فرعون بحوله وقوته أن ينجو من موسى، فما نفعه من ذلك مع قدرة الملك العظيم الذي لا يخالف أمره القدري ولا يغلب، بل نفذ حكمه، وجرى قلمه في القدم بأن يكون هلاك فرعون على يديه، بل يكون هذا الغلام الذي احترزت من وجوده، وقتلت بسببه ألوفا من الولدان إنما منشؤه ومرباه على فراشك، وفي دارك، وغذاؤه من طعامك، وأنت تربيه وتدلّله وتتفداه، وحتفك وهلاكك وهلاك جنودك على يديه، لتعلم أن رب السموات العلى هو القاهر الغالب العظيم، القوي العزيز، الشديد المحال، الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن). ٦ - في المشهد الأول من هذه السورة دروس كثيرة لهذه الأمة في التعريف على أهمية القيادة، وفي الاطمئنان إلى فعل الله بعباده المؤمنين، وفي التدليل على صحة الإلهام، وفي ضرورة التوكل مع الأخذ بالأسباب، وغير ذلك من الدروس فلننتقل إلى المشهد الثاني في القصة: ***

стр. 3862

المشهد الثاني ويمتد من الآية (١٤) إلى نهاية الآية (٢٢) [سورة القصص (٢٨): الآيات ١٤ الى ٢٢] وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٤) وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥) قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٦) قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ (١٧) فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قالَ لَهُ مُوسى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (١٨) فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما قالَ يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (١٩) وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (٢٠) فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢١) وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ (٢٢)

стр. 3863

التفسير: وَلَمَّا بَلَغَ موسى أَشُدَّهُ أي نهاية القوة وتمام العقل وَاسْتَوى أي واعتدل وتم استحكامه آتَيْناهُ حُكْماً أي حكمة أو نبوة وَعِلْماً فقها أو علما بمصالح الدارين وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ أي كما فعلنا بموسى وأمه نفعل بالمؤمنين. قال الزجاج: جعل الله تعالى إيتاء العلم والحكمة مجازاة على الإحسان، لأنهما يؤديان إلى الجنة التي هي جزاء المحسنين، والعالم الحكيم من يعمل بعلمه وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ أي مدينة فرعون وعاصمته عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها هو بين العشاءين، أو وقت القائلة يعني انتصاف النهار فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ أي ممن شايعه على دينه من بني إسرائيل، إذ شيعة الرجل أتباعه وأنصاره وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ أي من مخالفيه من القبط فَاسْتَغاثَهُ أي فاستنصره الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى قال مجاهد: أي طعنه بجمع كفه (أي لكمه باصطلاح عصرنا)، قال النسفي: أو بأطراف أصابعه (على طريقة بعض ضربات لعبة الكاراتية) وقال قتادة: وكزه بعصا كانت معه فَقَضى عَلَيْهِ أي فقتله، أي كان فيها حتفه فمات قالَ موسى هذا أي القتل مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ أي من وسوسته أو طريقته قال النسفي: (وإنما جعل قتل الكافر من عمل الشيطان، وسماه ظلما لنفسه، واستغفر منه؛ لأنه كان مستأمنا فيهم، ولا يحل قتل الكافر الحربي المستأمن، أو لأنه قتله قبل أن يؤذن له في القتل، وعن ابن جريح ليس لنبي أن يقتل ما لم يؤمر). إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ أي ظاهر العداوة قالَ موسى رَبِّ أي يا رب إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي بما فعلت فَاغْفِرْ لِي زلتي فَغَفَرَ لَهُ زلته إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ بإقالة الزلل الرَّحِيمُ بإزالة الخجل قالَ موسى رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ أي بما جعلت لي من الجاه والعز والنعمة فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً أي معينا لِلْمُجْرِمِينَ أي الكافرين بك، أو المخالفين لأمرك من شيعته، وعد ربه ألا يعين كافرا، وألا يواليه وألا ينصره، وهل قوله بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ قسم أو استعطاف ودعاء؟ قولان فَأَصْبَحَ بعد قتله القبطي فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً على نفسه من قتله القبطي أن يؤخذ به يَتَرَقَّبُ أي يتوقع المكروه، وهو الاستقادة منه، أو ينتظر الأخبار، أو يترقب ما يقال فيه، أو يتلفت ويتوقع ما يكون من هذا الأمر. قال النسفي: (وفيه دليل على أنه لا بأس بالخوف من دون الله، بخلاف ما يقوله بعض

стр. 3864

الناس إنه لا يسوغ الخوف من دون الله). أقول: لكن ينبغي أن يغالب الخوف بالتوكل على الله فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ أي على ذلك القبطي يَسْتَصْرِخُهُ أي يستغيثه. والمعنى: أن الإسرائيلي الذي خلصه موسى استغاث به ثانيا من قبطي آخر قالَ لَهُ مُوسى أي قال موسى للإسرائيلي إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ أي أي ضال عن الرشد، ظاهر الغواية، كثير الشر فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما أي بالقبطي الذي هو عدو لموسى وللإسرائيلي قالَ الإسرائيلي ظانا أن موسى يريد أن يبطش به يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ يعني القبطي القتيل قال ابن كثير: وذلك لأنه لم يعلم به إلا هو وموسى ﵇ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ أي قتالا في الغضب وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ أي في كظمك الغيظ، وقتلك من يستحق القتل. قال النسفي: (وكان قتل القبطي بالأمس قد شاع، ولكن خفي قاتله، فلما أفشى الإسرائيلى على موسى ﵇ علم القبطي الثاني أن قاتله أي القبطي الأول موسى فأخبر فرعون فهموا بقتله) وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى أي يسرع في مشيه. قال ابن كثير: وصفه بالرجولية لأنه خالف الطريق، فسلك طريقا أقرب من طريق الذين بعثوا وراءه، فسبق إلى موسى قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ أي يأمر بعضهم بعضا بقتلك، أو يتشاورون فيك ليقتلوك فَاخْرُجْ من المدينة إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ أي المخلصين لك النصيحة فَخَرَجَ موسى مِنْها من المدينة خائِفاً يَتَرَقَّبُ أي يتلفت، أو يترقب التعرض له في الطريق، أو يترقب أن يلحقه من يقتله قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ أي من فرعون وملائه وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ أي نحوها، ومدين قرية شعيب ولم تكن في سلطان فرعون قالَ موسى عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ أي وسطه، ومعظم نهجه، أي الطريق الأقوم ففعل الله به ذلك، وهداه إلى الصراط المستقيم في الدنيا والآخرة، فجعله هاديا مهديا وبهذا انتهى المشهد الثاني: فوائد: ١ - هذا المشهد تجده في الإصحاح الثاني من سفر الخروج، ولكن كالعادة قد اختلط فيه الحق بالباطل، والخطأ بالصواب، لتقادم العهد على زمن النسخ- ولأسباب أخرى- فجاءنا الله بهذا القرآن مصححا للأخطاء وهاديا للصواب.

стр. 3865

فمثلا نلاحظ في النص التوراتي الغلط في كون المتخاصمين في المرة الثانية كانا عبرانيين. كما نلاحظ أن النص التوراتي الحالي أغفل كثيرا من الحيثيات التي هي ضرورية لمعرفة نفسية المرشح للنبوة قبلها، وهذا الكمال في النص القرآني دليل على أن هذا القرآن من عند الله، كما أن الغلط في النص التوراتي إنما هو أثر عن كون التوراة الحالية- كما أثبتنا في أكثر من مكان- قد داخلها التحريف والغلط، إما بسبب سوء النية، أو بسبب البعد الزماني الذي كان بين نزول التوراة وتسجيلها هذا الذي وصلنا. ٢ - من الدروس التي نأخذها من هذا المشهد، دروس التوبة، والفتوة، والشجاعة، والدفاع عن الحقوق، ومقاومة العدوان، والبطش به، وحرص المؤمن، على المؤمن واللجوء إلى الله في كل أمر. ٣ - قال الألوسي عند قوله تعالى: رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ (واحتج أهل العلم بهذه الآية على المنع من معونة الظلمة وخدمتهم، أخرج عبد بن حميد. وابن المنذر. وابن أبي حاتم عن عبيد الله بن الوليد الرصافي أنه سأل عطاء بن أبي رباح عن أخ له كاتب فقال له: إن أخي ليس له من أمور السلطان شئ، إلا أنه يكتب له بقلم ما يدخل وما يخرج، فإن ترك قلمه صار عليه دين واحتاج، وإن أخذ به كان له فيه غنى، قال: لمن يكتب؟ قال: لخالد بن عبد الله القسري قال: ألم تسمع إلى ما قال العبد الصالح رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ فلا يهتم أخوك بشيء، وليرم بقلمه، فإن الله تعالى سيأتيه برزق، وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي حنظلة جابر بن حنظلة الضبي الكاتب قال: قال رجل لعامر: يا أبا عمرو إني رجل كاتب أكتب ما يدخل وما يخرج، آخذ رزقا أستغني به أنا وعيالي قال: فلعلك تكتب في دم يسفك قال: لا. قال: فلعلك تكتب في مال يؤخذ قال: لا. قال: فلعلك تكتب في دار تهدم قال: لا. قال: أسمعت بما قال موسى ﵇ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ قال: أبلغت إلي يا أبا عمرو، والله لا أخط لهم بقلم أبدا، قال: والله تعالى لا يدعك الله سبحانه بغير رزق أبدا. وقد كان السلف يجتنبون كل الاجتناب عن خدمتهم. أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن سلمة بن نبيط قال: بعث عبد الرحمن بن مسلم إلى الضحاك فقال: اذهب بعطاء أهل بخارى فأعطهم، فقال: اعفني فلم يزل يستعفيه حتى أعفاه، فقال له، بعض أصحابه: ما عليك أن تذهب فتعطيهم وأنت لا ترزؤهم شيئا، فقال: لا أحب أن أعين

стр. 3866

الظلمة في شئ من أمرهم، إذا صح حديث «ينادي مناد يوم القيامة أين الظلمة، وأشباه الظلمة، وأعوان الظلمة حتى من لاق لهم دواة، أو برى لهم قلما، فيجمعون في تابوت من حديد، فيرمى بهم في جهنم» فليبك من علم أنه من أعوانهم على نفسه، وليقلع عما هو عليه قبل حلول رمسه، ومما يقصم الظهر ما روي عن بعض الأكابر أن خياطا سأله فقال: أنا ممن يخيط للظلمة، فهل أعد من أعوانهم؟ فقال: لا. أنت منهم، والذي يبيعك الإبرة من أعوانهم، فلا حول ولا قوة إلا بالله تعالى العلي العظيم، ويا حسرتا على من باع دينه بدنياه، واشترى رضا الظلمة بغضب مولاه. هذا وقد بلغ السيل الزبى وجرى الوادي فطم على القرى*) اه. أقول: العبرة في الأعمال للفتوى من أهلها، والورع طيب. *** المشهد الثالث ويمتد من الآية (٢٣) إلى نهاية الآية (٢٨) وهذا هو: [سورة القصص (٢٨): الآيات ٢٣ الى ٢٨] وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣) فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤) فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٥) قالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦) قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧) قالَ ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ (٢٨)

стр. 3867

التفسير: وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ أي ولما وصل إلى مدين وورد ماءها، وكان لها بئر يرده رعاء الشاء وَجَدَ عَلَيْهِ أي جانب البئر أُمَّةً أي جماعة مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ أي مواشيهم وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ أي في مكان أسفل من مكانهم، أو في مكان أبعد من مكانهم امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ أي تكفكفان غنمهما لكيلا ترد مع غنم أولئك الرعاء لئلا يؤذيا قالَ ما خَطْبُكُما أي ما شأنكما أي ما خبركما لا تردان مع هؤلاء قالَتا لا نَسْقِي غنمنا حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ أي لا يحصل لنا سقي إلا بعد فراغ هؤلاء وَأَبُونا شَيْخٌ لا يمكنه سقي الأغنام كَبِيرٌ أي في السن لا يقدر على رعي الغنم أي فهذا الحال الملجئ لنا إلى ما ترى فَسَقى لَهُما غنمهما رغبة في المعروف وإغاثة للملهوف ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ أي إلى ظل شجرة. قال النسفي: وفيه دليل جواز الاستراحة في الدنيا بخلاف ما يقوله بعض المتقشفة فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ أي إني فقير لأي شئ قليل أو كثير، غث أو سمين تبعثه إلي من خير، وكان قد بلغ به الجهد أشده لأنه لم يكن لديه شئ إذ خرج من مصر، فكان قوته في رحلته ما يجده. قال النسفي: ولما طال عليه البلاء أنس بالشكوى إذ لا نقص في الشكوى إلى المولى فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ أي مستحيية. قال النسفي: (وهذا دليل كمال إيمانها وشرف عنصرها لأنها كانت تدعوه إلى ضيافتها ولم تعلم أيجيبها أم لا، فأتته مستحيية، قد استترت بكم درعها، وما في (ما سقيت) مصدرية أي جزاء سقيك روي أنهما لما رجعتا إلى أبيهما قبل الناس وأغنامهما حفل قال لهما: ما أعجلكما قالتا وجدنا رجلا صالحا رحمنا فسقى لنا، فقال لإحداهما اذهبي فادعيه لي فتبعها موسى ﵇ فألزقت الريح ثوبها بجسدها فوصفته فقال لها: امشي خلفي وانعتي لي الطريق) قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا أي ليثيبك ويكافئك على سقيك لغنمنا فَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ أي ذكر له ما كان من أمره وما جرى له من السبب الذي خرج من أجله من بلده قالَ له لا تَخَفْ

стр. 3868

نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ إذ لا سلطان لفرعون بأرضنا. قال النسفي: وفيه دليل جواز العمل بخبر الواحد ولو عبدا أو أنثى، والمشي مع الأجنبية مع ذلك الاحتياط والتورع، وأما أخذ الأجر على البر والمعروف فقيل إنه لا بأس به عند الحاجة، كما كان لموسى ﵇ قالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ أي اتخذه أجيرا إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ لأنه إذا اجتمعت هاتان الخصلتان: الكفاية والأمانة في القائم بأمرك فقد فرغ بالك وتم مرادك قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ أي أزوجك إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ قال النسفي: (قوله هاتَيْنِ يدل على أنه كان له غيرهما) أقول: التوراة الحالية تذكر أن له سبع بنات قال النسفي: وهذه مواعدة منه، ولم يكن ذلك عقد نكاح إذ لو كان عقد لقال قد أنكحتك عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي أي على أن تكون أجيرا لي ثَمانِيَ حِجَجٍ أي ثماني سنين. قال النسفي- وهو حنفي: (والتزوج على رعي الغنم جائز بالإجماع، لأنه من باب القيام بأمر الزوجية فلا مناقضة، بخلاف التزوج على الخدمة) أي على خدمة الزوجة فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ أي فإن أكملت عمل عشر حجج فذلك تفضل منك ليس بواجب عليك، أو فإتمامه من عندك وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ ولا أحتم عليك، ولكنك إن فعلته فهو منك تفضل وتبرع سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ في حسن المعاملة، والمراد بذكره مشيئة الله فيما وعد من الصلاح الاتكال على توفيق الله فيه ومعونته، لأنه إن شاء فعل، وإن لم يشأ لم يفعل ذلك قالَ موسى ذلِكَ إشارة إلى ما عاهده عليه شعيب بَيْنِي وَبَيْنَكَ يعني ذلك الذي قلته وعاهدتني فيه وشارطتني عليه قائم بيننا جميعا، لا يخرج كلانا عنه، لا أنا فيما شرطت علي ولا أنت فيما شرطت على نفسك أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ العشر أو الثمان فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ أي لا يعتدى علي في طلب الزيادة عليه. قال المبرد: قد علم أنه لا عدوان عليه في أيهما، ولكن جمعهما ليجعل الأقل كالأتم في الوفاء، وكما أن طلب الزيادة على الأتم عدوان، فكذلك طلب الزيادة على الأقل وَاللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ أي شاهد ورقيب. وبهذا انتهى المشهد الثالث. نقل: قال صاحب الظلال عند قوله تعالى: قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ

стр. 3869

سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ: (وهكذا في بساطة وصراحة عرض الرجل إحدى ابنتيه من غير تحديد- ولعله كان يشعر كما أسلفنا- أنها محددة، وهي التي وقع التجاوب والثقة بين قلبها وقلب الفتى. عرضها في غير تحرج ولا التواء. فهو يعرض نكاحا لا يخجل منه، يعرض بناء أسرة وإقامة بيت وليس في هذا ما يخجل. ولا ما يدعو إلى التحرج والتردد والإيماء من بعيد، والتصنع والتكلف مما يشاهد في البيئة التي تنحرف عن سواء الفطرة وتخضع لتقاليد مصطنعة باطلة سخيفة، تمنع الولد أو ولي الأمر من التقدم لمن يرتضي خلقه ودينه وكفايته لابنته أو أخته أو قريبته، وتحتم أن يكون الزوج أو وليه أو وكيله هو الذي يتقدم، أو لا يليق أن يجئ العرض من الجانب الذي فيه المرأة، ومن مفارقات مثل هذه البيئة المنحرفة أن الفتيان والفتيات يلتقون ويتحدثون ويختلطون ويتكشفون بعضهم لبعض في غير ما خطبة ولا نية نكاح. فأما حين تعرض الخطبة أو يذكر النكاح، فيهبط الخجل المصطنع، وتقوم الحوائل المتكلفة وتمتنع المصارحة والبساطة والإبانة. ولقد كان الآباء يعرضون بناتهم على الرجال على عهد رسول الله ﷺ بل كانت النساء تعرض نفسها على النبي ﷺ أو من يرغب في تزويجهن منهم. كان يتم هذا في صراحة ونظافة وأدب جميل، لا تخدش معه كرامة ولا حياء .. عرض عمر- ﵁ ابنته حفصة على أبي بكر فسكت، وعلى عثمان فاعتذر، فلما أخبر النبي ﷺ بهذا طيب خاطره عسى أن يجعل الله لها نصيبا فيمن هو خير منهما. ثم تزوجها ﷺ وعرضت امرأة نفسها على رسول الله ﷺ فاعتذر لها. فألقت إليه ولاية أمرها يزوجها ممن يشاء. فزوجها رجلا لا يملك إلا سورتين من القرآن، يعلمها إياهما فكان هذا صداقها. وبمثل هذه البساطة والوضاءة سار المجتمع الإسلامي يبني بيوته ويقيم كيانه. في غير ما تلعثم ولا جمجمة ولا تصنع ولا التواء). فوائد: ١ - ذكر ابن كثير بسند صحيح إلى عمر بن الخطاب أن موسى ﵇ لما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون، قال فلما فرغوا أعادوا الصخرة على البئر، ولا يطيق رفعها إلا عشرة رجال، فإذا هو بامرأتين تذودان قال: ما خطبكما؟

стр. 3870

فحدثتاه فأتى الحجر فرفعه ثم لم يستق إلا ذنوبا واحدا حتى رويت الغنم. إسناده صحيح. ٢ - ذكر ابن كثير بمناسبة قوله تعالى: ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ ما قاله ابن جرير بسنده عن عبد الله بن مسعود قال: أحثثت على جمل ليلتين حتى أصبحت مدين فسألت عن الشجرة التي أوى إليها موسى فإذا هي شجرة خضراء ترف، فأهوى إليها جملي وكان جائعا فأخذها جملي فعالجها ساعة ثم لفظها، فدعوت الله لموسى ﵇ ثم انصرفت، وفي رواية عن ابن مسعود أنه ذهب إلى الشجرة التي كلم الله منها موسى- كما سيأتي إن شاء الله- والله أعلم. أقول: إن صحت هذه الرواية فإن أهل مدين يكونون قد بقوا يتوارثون قصة موسى والشجرة التي جلس عليها حتى صدر الإسلام. ٣ - بمناسبة رعي الفتاتين للغنم قال النسفي: (وإنما رضي شعيب ﵇ أقول هذا على القول بأن شعيبا هو صاحب موسى في القصة والتحقيق أنه ليس كذلك- لابنتيه بسقي الماشية لأن هذا الأمر في نفسه ليس بمحظور، والدين لا يأباه، وأما المروءة فعادات الناس في ذلك متباينة وأحوال العرب فيه خلاف أحوال العجم، ومذهب أهل البدو فيه غير مذهب أهل الحضر خصوصا إذا كانت الحالة حالة ضرورة). ٤ - حقق ابن كثير في اسم الرجل الذي أوى إليه موسى فقال: (وقد اختلف المفسرون في هذا الرجل من هو؟ على أقوال: أحدها أنه شعيب النبي ﵇ الذي أرسل إلى أهل مدين، هذا هو المشهور عند كثير من العلماء، وقد قاله الحسن البصري وغير واحد. ورواه ابن أبي حاتم عن مالك بن أنس أنه بلغه أن شعيبا هو الذي قص عليه موسى القصص قال لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وقد روى الطبراني عن سلمة بن سعد العنزي أنه وفد على رسول الله ﷺ فقال له: «مرحبا بقوم شعيب وأختان موسى هديت» وقال آخرون: بل كان ابن أخي شعيب: وقيل: رجل مؤمن من قوم شعيب. وقال آخرون: كان شعيب قبل زمان موسى ﵇ بمدة طويلة، لأنه قال لقومه وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ وقد كان هلاك قوم لوط في زمن الخليل ﵇ بنص القرآن، وقد علم أنه كان بين الخليل وموسى ﵉ مدة طويلة تزيد على أربعمائة سنة، كما ذكره غير واحد. وما قيل إن شعيبا عاش مدة طويلة إنما هو- والله أعلم- احتراز من هذا الإشكال، ثم من المقوي لكونه ليس بشعيب أنه لو كان إياه لأوشك أن ينص على اسمه في القرآن هاهنا، وما جاء في بعض الأحاديث من التصريح بذكره في قصة

стр. 3871

موسى لم يصح إسناده- كما سنذكره قريبا إن شاء الله- ثم من الموجود في كتب بني إسرائيل أن هذا الرجل اسمه يثرون والله أعلم. ٥ - تتحدث التوراة الحالية عن هذا المشهد وتسمي الرجل رعوئيل، وتسميه يثرون وتصفه بكاهن مدين. وتذكر أن البنات اللواتي كن يسقين سبع، وهذا مما حرف وبدل. ولننقل النص بحروفه كما ورد في الإصحاح الثاني من سفر الخروج وكان لكاهن مديان سبع بنات، فأتين واستقين وملأن الأجران ليسقين غنم أبيهن فأتى الرعاة وطردوهن، فنهض موسى وأنجدهن وسقى غنمهن، فلما أتين إلى رعوئيل أبيهن. قال: ما بالكن أسرعتن في المجيء اليوم؟ فقلن: رجل مصري أنقذنا من أيدي الرعاة، وإنه استقى لنا أيضا وسقى الغنم، فقال لبناته: وأين هو؟ لماذا تركتن الرجل؟ ادعونه ليأكل طعاما، فارتضى موسى أن يسكن مع الرجل، فأعطى موسى صفورة ابنته، فولدت ابنا فدعا اسمه جرشوم؛ لأنه قال: كنت نزيلا في أرض غريبة) ونلاحظ أن النص التوراني المحرف ليس فيه كثير من التفصيلات التي ذكرها القرآن مع مخالفته للحق الذي أكرم الله به هذه الأمة. ٦ - بمناسبة قوله تعالى: فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ قال ابن كثير: (كما روي عن أمير المؤمنين عمر ﵁ أنه قال: جاءت مستترة بكم درعها، وقال ابن أبي حاتم عن عمرو بن ميمون قال: قال عمر ﵁: جاءت تمشي على استحياء قائلة بثوبها على وجهها ليست بسلفع من النساء، دلاجة، ولاجة، خراجة. هذا إسناد صحيح. قال الجوهري: السلفع من الرجال الجسور، ومن النساء الجارية السليطة، ومن النوق الشديدة). ٧ - بمناسبة قوله تعالى: إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ قال ابن كثير: (وروى سفيان الثوري عن عبد الله بن مسعود قال: أفرس الناس ثلاثة: أبو بكر حين تفرس في عمر، وصاحب يوسف حين قال أكرمي مثواه، وصاحبة موسى حين قالت: يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين). ٨ - بمناسبة قوله تعالى حكاية عن صاحب موسى عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ قال ابن كثير: (وقد استدل أصحاب أبي حنيفة بهذه الآية على صحة البيع فيما إذا قال: بعتك أحد هذين العبدين بمائة فقال: اشتريت. أنه يصح والله أعلم .... وقد استدلوا بهذه الآية الكريمة لمذهب الأوزاعي فيما إذا قال: بعتك هذا بعشرة نقدا، أو بعشرين نسيئة، أنه يصح، ويختار المشتري بأيهما أخذ صح. وحملوا

стр. 3872

الحديث المروي في سنن أبي داود: «من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا» على هذا المذهب وفي الاستدلال بهذه الآية وهذا الحديث على هذا المذهب نظر ليس هذا موضع بسطه لطوله والله أعلم. ثم قد استدل أصحاب الإمام أحمد ومن تبعهم في صحة استئجار الأجير بالطعمة والكسوة بهذه الآية، واستأنسوا في ذلك بما رواه ابن ماجه في كتابه السنن حيث قال: باب استئجار الأجير على طعام بطنه ... عن عتبة بن المنذر السلمي قال: كنا عند رسول الله ﷺ فقرأ طسم حتى إذا بلغ قصة موسى قال: «إن موسى آجر نفسه ثماني سنين أو عشرة سنين على عفة فرجه وطعام بطنه». قال ابن كثير: وهذا الحديث من هذا الوجه ضعيف ... ولكن قد روي من وجه آخر وفيه نظر .. ). ٩ - روى البخاري .. عن سعيد بن جبير قال: سألني يهودي من أهل الحيرة: أي الأجلين قضى موسى؟ فقلت: لا أدري حتى أقدم على حبر العرب فأسأله فقدمت على ابن عباس ﵁ فسألته، فقال: قضى أكثرهما وأطيبهما، إن رسول الله إذا قال فعل. هكذا رواه حكيم بن جبير وغيره عن سعيد بن جبير، ووقع في حديث الفتون من رواية القاسم بن أبي أيوب عن سعيد بن جبير أن الذي سأله رجل من أهل النصرانية والأول أشبه، والله أعلم. وقد روي من حديث ابن عباس مرفوعا وروى ابن جرير .. عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «سألت جبريل أي الأجلين قضى موسى؟ قال: أتمهما وأكملهما». ١٠ - أخرج البزار بسنده إلى أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ سئل أي الأجلين قضى موسى؟ قال أوفاهما وأبرهما» قال: «وإن سئلت أي المرأتين تزوج؟ فقل: الصغرى منهما» ثم قال البزار لا نعلم يروى عن أبي ذر إلا بهذا الإسناد. ١١ - تروي التوراة الحالية المحرفة في قصة يعقوب في سفر التكوين (أن يعقوب عند ما أراد فراق أبي زوجته، جعل له أبو زوجته كل شاة لها لون معين، وأن يعقوب جعل عصيا ملونة بذلك اللون عند سقي الغنم وأن الغنم ولدت كلها من اللون الذي ليعقوب) ينقل ابن كثير مثل هذه الحادثة على أنها حدثت لموسى، ويذكر بعضهم حديثا في الموضوع وبعد أن ذكر ابن كثير الحديث قال: مدار هذا الحديث على عبد الله بن لهيعة المصري. وفي حفظه سوء وأخشى أن يكون رفعه خطأ. أقول: إن هذه الحادثة هي من روايات أهل الكتاب- والله أعلم- وحدث فيها خلط فإما أن هناك نسخا قديمة تذكر هذه الحادثة لموسى أو أن الذي رواها عنهم غلط.

стр. 3873

المشهد الرابع ويمتد من الآية (٢٩) إلى نهاية الآية (٣٥) وهذا هو: [سورة القصص (٢٨): الآيات ٢٩ الى ٣٥] فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩) فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٣٠) وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (٣١) اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (٣٢) قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣) وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (٣٤) قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ (٣٥) ***

стр. 3874

نقل: عند قوله تعالى: فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ ... قال صاحب الظلال: (نقف قليلا أمام تدبير الله لموسى- ﵇ في هذه السنوات العشر، وفي هذه الرحلة ذهابا وجيئة، في هذا الطريق .. لقد نقلت يد القدرة خطى موسى- ﵇ خطوة خطوة، منذ أن كان رضيعا في المهد حتى هذه الحلقة، ألقت به في اليم ليلتقطه آل فرعون، وألقت عليه المحبة في قلب امرأته لينشأ في كنف عدوه، ودخلت به المدينة على حين غفلة من أهلها ليقتل منهم نفسا، وأرسلت إليه بالرجل المؤمن من آل فرعون ليحذره وينصحه بالخروج منها، وصاحبته في الطريق الصحراوي من مصر إلى مدين وهو وحيد مطارد على غير زاد ولا استعداد. وجمعته بالشيخ الكبير ليأجره هذه السنوات العشر ثم ليعود بعدها فيتلقى التكليف .. هذا خط طويل من الرعاية والتوجيه، ومن التلقى والتجريب، قبل النداء وقبل التكليف .. تجربة الرعاية والحب والتدليل، وتجربة الاندفاع تحت ضغط الغيظ الحبيس، وتجربة الندم والتحرج والاستغفار، وتجربة الخوف والمطاردة والفزع، وتجربة الغربة والوحدة والجوع، وتجربة الخدمة ورعي الغنم بعد حياة القصور، وما يتخلل هذه التجارب الضخمة من شتى التجارب الصغيرة، والمشاعر المتباينة، والخوالج والخواطر، والإدراك والمعرفة .. إلى جانب ما آتاه الله حين بلغ أشده من العلم والحكمة. إن الرسالة تكليف ضخم شاق متعدد الجوانب والتبعات؛ يحتاج صاحبه إلى زاد ضخم من التجارب والإدراك والمعرفة والتذوق في واقع الحياة العملي. إلى جانب هبة الله اللدنية، ووحيه وتوجيهه للقلب والضمير. ورسالة موسى بالذات قد تكون أضخم تكليف تلقاه بشر- عدا رسالة محمد ﷺ فهو مرسل إلى فرعون الطاغية المتجبر، أعتى ملوك الأرض في زمانه، وأقدمهم عرشا، وأثبتهم ملكا، وأعرقهم حضارة، وأشدهم تعبدا للخلق واستعلاء في الأرض. وهو مرسل لاستنقاذ قوم من كئوس الذل حتى استمرءوا مذاقه فمردوا عليه واستكانوا دهرا طويلا. والذل يفسد الفطرة البشرية حتى تأسن وتتعفن، ويذهب بما فيها من الخير والجمال والتطلع ومن الاشمئزاز من العفن والنتن والرجس والدنس. فاستنقاذ قوم

стр. 3875

كهؤلاء عمل شاق عسير. وهو مرسل إلى قوم لهم عقيدة قديمة، انحرفوا عنها، وفسدت صورتها في قلوبهم فلا هي قلوب خامة تتقبل العقيدة الجديدة ببراءة وسلامة ولا هي باقية على عقيدتها القديمة. ومعالجة مثل هذه القلوب شاقة عسيرة. والالتواءات فيها والرواسب والانحرافات تزيد المهمة مشقة وعسرا وهو في اختصار مرسل لإعادة بناء أمة، بل لإنشائها من الأساس. فلأول مرة يصبح بنو إسرائيل شعبا مستقلا، له حياة خاصة تحكمها رسالة. وإنشاء الأمم عمل ضخم شاق عسير. ولعله لهذا المعنى كانت عناية القرآن الكريم بهذه القصة، فهي نموذج كامل لبناء أمة على أساس دعوة، وما يعترض هذا العمل من عقبات خارجية وداخلية. وما يعتوره من انحرافات وانطباعات وتجارب وعراقيل. فأما تجربة السنوات العشر فقد جاءت لتفصل بين حياة القصور التي نشأ فيها موسى ﵇ وحياة الجهد الشاق في الدعوة وتكاليفها العسيرة. إن لحياة القصور جوا خاصا، وتقاليد خاصة، وظلالا خاصة تلقيها على النفس وتطبعها بها مهما تكن هذه النفس من المعرفة والإدراك والشفافية، والرسالة معاناة الجماهير من الناس فيهم الغني والفقير، والواجد والمحروم، وفيهم النظيف والوسخ. والمهذب والخشن، وفيهم الطيب والخبيث والشرير. وفيهم القوي والضعيف، والصابر والجزوع .. وفيهم وفيهم ... وللفقراء عادات خاصة في أكلهم وشربهم ولبسهم ومشيهم، وطريقة فهمهم للأمور، وطريقة تصورهم للحياة، وطريقة حديثهم وحركتهم، وطريقة تعبيرهم عن مشاعرهم .. وهذه العادات تثقل على نفوس المنعمين، ومشاعر الذين تربوا في القصور، ولا يكادون يطيقون رؤيتها فضلا على معاناتها وعلاجها، مهما تكن قلوب هؤلاء الفقراء عامرة بالخبر مستعدة للصلاح، لأن مظهرهم وطبيعة عاداتهم لا تفسح لهم في قلوب أهل القصور! وللرسالة تكاليفها من المشقة والتجرد والشظف أحيانا .. وقلوب أهل القصور- مهما تكن مستعدة للتضحية بما اعتادته من الخفض والدعة والمتعة. لا تصبر طويلا على الخشونة والحرمان والمشقة عند معاناتها في واقع الحياة. فشاءت القدرة التي تنقل خطى موسى- ﵇ أن تخفض مما اعتادته نفسه من تلك الحياة، وأن تزج به في مجتمع الرعاة، وأن تجعله يستشعر النعمة في أن يكون

стр. 3876

راعي غنم يجد القوت والمأوى، بعد الخوف والمطاردة والمشقة والجوع. وأن ينزع من حسه روح الاشمئزاز من الفقر والفقراء، وروح التأفف من عاداتهم وأخلاقهم وخشونتهم وسذاجتهم، وروح الاستعلاء على جهلهم وفقرهم ورثاثة هيئتهم ومجموعة عاداتهم وتقاليدهم. وأن تلقي به في خضم الحياة كبيرا بعد ما ألقت به في خضم الأمواج صغيرا ليمرن على تكاليف دعوته قبل أن يتلقاها .. فلما أن استكملت نفس موسى- ﵇ تجاربها، وأكملت مرانتها ودربتها، بهذه التجربة الأخيرة في دار الغربة، قادت يد القدرة خطاه مرة أخرى عائدة به إلى مهبط رأسه، ومقر أهله وقومه ومجال رسالته وعمله، يتلقاها، سالكة به الطريق التي سلكها أول مرة وحيدا طريدا خائفا يتلفت. فما هذه الجيئة والذهوب في ذات الطريق؟ إنها التدريب والمرانة والخبرة حتى بشعاب الطريق. والطريق الذي سيقود فيه خطى قومه بأمر ربه، كي يستكمل صفات الرائد وخبرته، حتى لا يعتمد على غيره ولو في ريادة الطريق. فقومه كانوا في حاجة إلى رائد يقودهم في الصغيرة والكبيرة، بعد أن أفسدهم الذل والقسوة والتسخير، حتى فقدوا القدرة على التدبير والتفكير. وهكذا ندرك كيف صنع موسى على عين الله، وكيف أعدته القدرة لتلقي التكليف. فلنتتبع خطى موسى تنقلها يد القدرة الكبرى، في طريقه إلى هذا التكليف). *** التفسير: فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ أي الأكمل منهما وَسارَ بِأَهْلِهِ أي بامرأته نحو مصر آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً أي رأى نارا تضيء على بعد قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً أي حتى أذهب إليها لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أي عن الطريق لأنه قد ضل الطريق أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ أي قطعة منها لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ أي تستدفئون بها من البرد فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ أي من جانب الوادي مما يلي الجبل عن يمينه من ناحية الغرب فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ بتكليم الله تعالى فيها مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ أي الذي يخاطبك ويكلمك هو رب العالمين وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ أي ونودي أن ألق عصاك فألقاها فقلبها الله ثعبانا فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ أي تتحرك كَأَنَّها جَانٌّ أي حية في سعيها وهي ثعبان في جثتها

стр. 3877

وَلَّى مُدْبِراً أي هرب منهزما وَلَمْ يُعَقِّبْ أي ولم يكن يلتفت لأن طبع البشرية ينفر من ذلك فقال الله له يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ أي أمنت أن ينالك مكروه من الحية فرجع فوقف في مقامه الأول أَسْئَلَكَ أي أدخل يَدَكَ فِي جَيْبِكَ أي في جيب قميصك أي في فتحة العنق أي في عبك تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ أي من غير برص قال ابن كثير: أي إذا أدخلت يدك في جيب درعك ثم أخرجتها فإنها تخرج تتلألأ كأنها قطعة قمر في لمعان البرق وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ أي من الخوف، والمعنى: واضمم يدك إلى صدرك يذهب ما بك من فرق أي لأجل الحية فَذانِكَ أي قلب العصا حية وخروج يده بيضاء بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ أي حجتان نيرتان، ودليلان قاطعان واضحان على قدرة الفاعل المختار وصحة نبوة من جرى هذا الخارق على يديه إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ أي وقومه من الرؤساء والكبراء والأتباع إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ أي خارجين عن طاعة الله، مخالفين لأمره ودينه قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً يعني ذلك القبطي فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ أي: إذا رأوني وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً قال ابن كثير: وذلك أن موسى ﵇ كان في لسانه لثغة بسبب ما كان تناول تلك الجمرة حين خير بينها وبين التمرة أو الدرة، فأخذ الجمرة فوضعها على لسانه، فحصل فيه شدة في التعبير فَأَرْسِلْهُ أي هارون مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي أي عونا قال ابن كثير: أي وزيرا ومعينا ومقويا لأمري يصدقني فيما أقوله، وأخبر به عن الله لأن خبر الاثنين أنجع في النفوس من خبر الواحد. قال النسفي: ومعنى تصديقه موسى إعانته إياه بزيادة البيان في مظان الجدال إن احتاج إليه ليثبت دعواه لا أن يقول له صدقت ألا ترى إلى قوله هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ وفضل الفصاحة إنما يحتاج إليه لتقرير البرهان، لا لقوله صدقت فسحبان وباقل فيه يستويان إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ هذا تعليل لسؤاله الله أن يكرمه بأخيه قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ أي سنقوي أمرك ونعز جانبك بأخيك الذي سألت له أن يكون نبيا معك وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً أي حجة قاهرة، أو غلبة وتسلطا وهيبة في قلوب الأعداء فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا قال ابن كثير: أي لا سبيل لهم إلى الوصول إلى أذاكما بسبب إبلاغكما آيات الله أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ أي القاهرون فهذه بشارة بالنصر. وبهذا انتهى المشهد الرابع.

стр. 3878

فوائد: ١ - هذا المشهد تتحدث عنه التوراة الحالية المحرفة في سفر الخروج، في إصحاحاته الثاني والثالث والرابع، ويظهر أن أقلام النساخ الكاذبة التي تحدث عنها أرميا والتي كتبت هذه الأسفار بعد مئات السنين من حياة موسى كما برهنا على ذلك من قبل، يظهر أن هذه الأقلام لم يكن عندها تصور واضح عما حدث، ومن ثم نلاحظ في هذه الإصحاحات الخلط والخبط الكثيرين، ومما يدلك على فكرة الخلط فيها ما ذكره الإصحاح الرابع في أواخره (وحدث في الطريق في المنزل أن الرب التقاه وطلب أن يقتله فأخذت صفورة صوانة وقطعت غرلة ابنها ومست رجليه فقالت إنك عريس دم لي فانفك عنه حينئذ قالت عريس دم من أجل الختان) أهذا كلام؟ ومن الخلط أن موسى ﵇ نزل عليه الوحي وهو يرعى غنم يثرون على جبل حوريب، وبعد ذلك ذهب وأتى بزوجته عائدا إلى مصر، مع أن البعد بين حوريب ومدين كثير جدا أفمن المعقول أن يرعى إنسان غنمه على بعد مئات الأميال بعيدا عن أهله وزوجته، ومع كل الخلط الموجود في الإصحاحات فقد يكون مناسبا أن ننقل منها هذه الفقرة في الإصحاح الثالث: (وظهر له الرب بلهيب نار من وسط عليقة فنظر وإذا العليقة تتوقد بالنار والعليقة لم تكن تحترق فقال موسى أميل لأنظر هذا المنظر العظيم لماذا لا تحترق العليقة، فلما رأى الرب أنه مال. لينظر ناداه الله من وسط العليقة وقال: موسى، فقال: ها أنا ذا، فقال: لا تقترب إلى هاهنا، اخلع حذاءك من رجليك، لأن الموضع الذي أنت واقف فيه عليه أرض مقدسة، ثم قال أنا إله أبيك، إله إبراهيم، وإله إسحاق، وإله يعقوب، فغطى موسى وجهه؛ لأنه خاف أن ينظر إلى الله، فقال الرب: إني قد رأيت مذلة شعبي الذي في مصر، وسمعت صراخهم من أجل مسخريهم، إني علمت أوجاعهم؛ فنزلت لأنقذهم من أيدي المصريين، وأصعدهم من تلك الأرض إلى أرض جيدة وواسعة، إلى أرض تفيض لبنا وعسلا، إلى مكان الكنعانيين والحثيين والأموريين والفرزيين والحويين واليبوسيين). ٢ - بمناسبة قوله تعالى: وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ قال ابن كثير: (قال مجاهد من الفزع، وقال قتادة: من الرعب، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وابن جرير: مما حصل لك من خوفك من الحية، والظاهر أن المراد أعم من هذا،

стр. 3879

وهو أنه أمر ﵇ إذا خاف من شئ أن يضم إليه جناحه من الرهب وهو يده فإذا فعل ذلك ذهب عنه ما يجده من الخوف، وربما إذا استعمل أحد ذلك على سبيل الاقتداء، فوضع يده على فؤاده فإنه يزول عنه ما يجده أو يخف إن شاء الله تعالى وبه الثقة. روى ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: كان موسى ﵇ قد ملئ قلبه رعبا من فرعون فكان إذا رآه قال: اللهم إني أدرأ بك في نحره، وأعوذ بك من شره، فنزع الله ما كان في قلب موسى ﵇ وجعله في قلب فرعون فكان إذا رآه بال كما يبول الحمار). ٣ - نقل النسفي عن رؤية موسى النار ما قاله جعفر: أبصر نارا دلته على الأنوار لأنه رأى النور في هيئة النار، فلما دنا منها شملته أنوار القدس وأحاطت به جلابيب الأنس فخوطب بألطف خطاب واستدعى منه أحسن جواب، فصار بذلك مكلما شريفا أعطي ما سأل وأمن مما خاف. ***

стр. 3880

المشهد الخامس ويمتد من الآية (٣٦) إلى نهاية الآية (٤٣) وهذا هو: [سورة القصص (٢٨): الآيات ٣٦ الى ٤٣] فَلَمَّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُفْتَرىً وَما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ (٣٦) وَقالَ مُوسى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٣٧) وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ (٣٨) وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ (٣٩) فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ (٤١) وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (٤٢) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بَصائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٣) التفسير: فَلَمَّا جاءَهُمْ أي جاء فرعون وملأه مُوسى بِآياتِنا بمعجزاتنا بَيِّناتٍ أي واضحات قالُوا ما هذا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرىً أي سحر تعمله أنت ثم تفتريه على

стр. 3881

الله؛ أو سحر موصوف بالافتراء كسائر أنواع السحر، وليس بمعجزة من عند الله، أي هو مفتعل مصنوع وَما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ يعنون عبادة الله وحده لا شريك له، يقولون ما رأينا أحدا من آبائنا على هذا الدين، ولم نر الناس إلا يشركون مع الله آلهة أخرى. فقال موسى ﵇ مجيبا لهم وَقالَ مُوسى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ يعني مني ومنكم، وسيفصل بيني وبينكم ولهذا قال وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ أي من النصرة والظفر والتأييد إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ أي المشركون بالله وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي قصد بنفي علمه بإله غيره نفي وجوده أي ما لكم من إله غيري، أو هو على ظاهره وأن إلها غيره غير معلوم عنده فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ أي اطبخ لي الآجر واتخذه فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً أي قصرا عاليا لَعَلِّي أَطَّلِعُ أي أصعد فأرى إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ أي وإني لأظن موسى كاذبا في دعواه أن له إلها وأنه أرسله إلينا رسولا. قال النسفي: (وقد تناقض المخذول فإنه قال: ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي ثم أظهر حاجته إلى هامان، وأثبت لموسى إلها وأخبر أنه متيقن بكذبه وَاسْتَكْبَرَ أي وتعظم هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ أرض مصر بِغَيْرِ الْحَقِّ أي بالباطل، فالاستكبار بالحق لله تعالى، فهو المتكبر على الحقيقة، وذلك من كمال ذاته وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ أي اعتقدوا أنه لا قيامة ولا معاد فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ أي أغرقناهم في البحر في صبيحة واحدة فلم يبق منهم أحد وقد شبههم استقلالا لعددهم وإن كانوا الجم الغفير بحصيات أخذهن آخذ بكفه فطرحهن في البحر فَانْظُرْ يا محمد وحذر قومك فإنك منصور عليهم كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ في الدنيا قبل الآخرة وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً أي: قادة يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ أي: إلى عمل أهل النار وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ من العذاب فاجتمع عليهم خزي الدنيا موصولا بذل الآخرة وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً أي ألزمناهم طردا وإبعادا عن الرحمة، أو شرع الله لعنتهم ولعنة ملكهم فرعون على ألسنة المؤمنين من عباده المتبعين لرسله، فهم ملعونون على ألسنة الأنبياء وأتباعهم وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ أي المطرودين المبعدين أو الهالكين المشوهين وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ أي التوراة مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى أي قوم نوح وهود وصالح ولوط ﵈ بَصائِرَ لِلنَّاسِ أي أنوارا فالبصيرة نور القلب الذي يبصر به الرشد والسعادة، كما أن البصر نور العين الذي يبصر به الأجساد، وقد جعل الله التوراة نورا للقلب لأنه

стр. 3882

بدونها أعمى لا يستبصر، ولا يعرف حقا من باطل وَهُدىً أي وإرشادا للناس لأنهم كانوا يخبطون في ضلال وَرَحْمَةً أي لمن اتبعها لأنهم إذا عملوا بها وصلوا إلى نيل الرحمة لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ أي لعلهم يتعظون. وبهذا انتهى المشهد الخامس والأخير من قصة موسى في هذه السورة. ... فائدة: بمناسبة قوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى يذكر ابن كثير الحديث الذي رواه البزار عن أبي سعيد رفعه إلى النبي ﷺ قال: «ما أهلك الله قوما بعذاب من السماء ولا من الأرض إلا من قبل موسى» ثم قرأ وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بَصائِرَ لِلنَّاسِ وعلى فرض صحة الحديث فالمراد به عذاب الاستئصال لقوم بأسرهم، لا لجزء من قوم، كما حدث لقرية أيلة أو لأمثالها من القرى كالخسف بأغادير في عصرنا. كلمة في السياق: رأينا أن محور السورة هو قوله تعالى: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ورأينا أن بداية السورة كانت قوله تعالى: طسم تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ* نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ وإذن فقد قص الله علينا من آياته إذ قص علينا هذه المشاهد الخمسة من قصة موسى بما يخدم قضية الرسالة، ومن ثم فإننا نرى المجموعة اللاحقة من القسم الثاني تبني على ما قصه الله علينا فيما سبق من أجل إثبات رسالة محمد ﷺ ثم يسير السياق على نفس السنن في المجموعة الثانية. ***

стр. 3883

[القسم الثاني] المجموعتان الأولى والثانية من القسم الثاني وتمتدان من الآية (٤٤) إلى نهاية الآية (٥١) وهذه هي: [سورة القصص (٢٨): الآيات ٤٤ الى ٥١] وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٤٤) وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٤٥) وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٦) وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧) فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا وَقالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ (٤٨) قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٩) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠) وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥١) ***

стр. 3884

التفسير: وَما كُنْتَ يا محمد بِجانِبِ الجبل الْغَرْبِيِّ وهو المكان الواقع في شق الغرب وهو الذي وقع فيه ميقات موسى إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ أي كلمناه وكلفناه وأرسلناه وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ أي من جملة الشاهدين للإيحاء إليه أي لم تقف من جهة المشاهدة على ما جرى من أمر موسى في ميقاته وَلكِنَّا أَنْشَأْنا أي بعد موسى قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أي طالت أعمارهم وفترت النبوة، وكادت الأخبار تخفى واندرست العلوم، ووقع التحريف في كثير منها، فأرسلناك يا محمد مجددا لتلك الأخبار، مبينا ما وقع فيه التحريف، وأعطيناك العلم بقصص الأنبياء. ومن ذلك قصة موسى، كأنه قال: وما كنت شاهدا لموسى وما جرى عليه، ولكنا أوحيناه إليك. فالآيات مسوقة للتدليل على نبوة محمد ﷺ وحكمتها، وأن الله أوحى إليه ذلك ليكون حجة وبرهانا على قرون قد تطاول عهدها، فنسي الناس حجج الله عليهم وما أوحاه إلى الأنبياء المتقدمين، ويستمر السياق على هذا النحو وَما كُنْتَ ثاوِياً أي مقيما فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا أي وما كنت مقيما في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا حين أخبرت عن نبيها وما قال لقومه وما ردوا عليه وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ أي ولكن نحن أوحينا إليك وأرسلناك إلى الناس رسولا، أي ولكنا أرسلناك وأخبرناك بها وعلمناكها وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا موسى وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ أي ما كنت مشاهدا لشئ من ذلك، ولكن الله تعالى أوحاه إليك وأخبرك به رحمة منه بك وبالعباد بإرسالك إليهم لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ قال النسفي: في زمان الفترة بينك وبين عيسى ... لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ أي لعلهم يهتدون بما جئتهم به من عند الله. فوائد: ١ - في هذه الآيات يذكر الله برهانا على نبوة محمد ﷺ ، وحكمتها، ومن ثم قدم ابن كثير لهذه الآيات بقوله: يقول تعالى منبها على برهان نبوة محمد ﷺ حيث أخبر بالغيوب الماضية خبرا كأن سامعه شاهد وراء لما تقدم، وهو رجل أمي لا يقرأ شيئا من الكتب، نشأ بين قوم لا يعرفون شيئا من ذلك كما أنه لما أخبره عن مريم وما

стр. 3885

كان من أمرها فقال تعالى: وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ الآية أي وما كنت حاضرا لذلك، ولكن الله أوحاه إليك، وهكذا لما أخبره عن نوح وقومه، وما كان من إنجاء الله له وإغراق قومه ثم قال تعالى: تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ الآية. وقال في آخر السورة ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ وقال بعد ذكر قصة يوسف ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ الآية، وقال في سورة طه كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ الآية، وقال هاهنا بعد ما أخبر عن قصة موسى من أولها إلى آخرها، وكيف كان ابتداء إيحاء الله إليه وتكليمه له وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ يعني ما كنت يا محمد بجانب الجبل الغربي الذي كلم الله موسى من الشجرة التي هي شرقية على شاطئ الوادي وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ لذلك ولكن الله أوحى إليك ذلك ليكون حجة وبرهانا على قرون قد تطاول عهدهم، ونسوا حجج الله عليهم، وما أوحاه إلى الأنبياء المتقدمين. ٢ - في تفسير قوله تعالى: وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا أكثر من اتجاه وقد ذكرنا في صلب التفسير ما هو الأولى، وهو الذي رجحه ابن كثير بعد أن نقل الأقوال الأخرى. وهذا كلامه كله: (روى أبو عبد الرحمن النسائي في التفسير من سننه. عن أبي هريرة ﵁ وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا قال: نودوا أن يا أمة محمد أعطيتكم قبل أن تسألوني وأجبتكم قبل أن تدعوني» وهكذا رواه ابن جرير وابن أبي حاتم. وقال مقاتل بن حيان وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا أمتك في أصلاب آبائهم أن يؤمنوا بك إذا بعثت، وقال قتادة: وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا موسى، وهذا والله أعلم أشبه بقوله تعالى: وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ ثم أخبر هاهنا بصيغة أخرى أخص من ذلك وهو النداء كما قال تعالى وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى وقال تعالى: إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً وقال تعالى: وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا: كلمة في السياق: نلاحظ أن قصة موسى ختمت بقوله تعالى:

стр. 3886

وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بَصائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ لاحظ قوله تعالى: لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ وختمت الآيات السابقة بقوله تعالى وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ فالحكمة واحدة من بعثة موسى ﵇، وإنزال الكتاب عليه ومن بعثة محمد ﷺ وإنزال الكتاب عليه، وقد أقام الله الحجة على رسالة محمد ﷺ بالآيات السابقة، فكأن قصة موسى كانت المقدمة لهذه الآيات لإثبات رسالة محمد ﷺ ، فهذا القرآن الذي يقص علينا أدق التفاصيل عن قصص الأنبياء السابقين ما كان ليكون كذلك لولا أنه من عند الله، أنزله على محمد ﷺ لأن من سنته الإرسال وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ومن أجل أن ينذر به. وصلة ذلك بمحور السورة تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ واضحة، وبهذه المناسبة نحب أن نسجل هذه ال ملاحظة حول السياق القرآني: ملاحظة: من خلال دراسة قصة موسى في سورة القصص، نلاحظ أن القرآن يقص علينا أدق التفاصيل عن بعض الأمور بما تكتمل به تصوراتنا في شأن النبوة ونفهم به معنى الرسالات، ونعرف به سنن الله ، ونجد أن كل شئ في هذا المقام يصب في المصب نفسه الذي تصب به كل آيات القرآن، فإن تجد مثل هذا التكامل، وأن تجد مثل هذا الجلال الذي تعرف به كمال الرسل عليهم الصلاة والسلام، دون إخلال، فذلك علامة من علامات كون هذا القرآن من عند الله، بينما لا تجد مثل هذا في الكتب السابقة التي داخلها التحريف والتبديل، ومن ثم تجد كثيرا من التفصيلات في القرآن مما يساعد على استكمال التصورات الصحيحة مما لا تجده في الكتب السابقة، إما بسبب من كمال القرآن، أو بسبب من عدم وصول هذه الكتب إلينا على الكمال والتمام، ولنعد إلى السياق فإن الله يكمل الكلام عن الحكمة في إرسال محمد ﷺ والحجة فيها، وهو مراد رئيسي في السورة. وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ أي عقوبة بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ من الكفر والظلم، وقد استعملت كلمة الأيدي في هذا المقام بسبب أن أكثر الأعمال تزاول بالأيدي، فنسبت كل الأعمال إليها وإن كانت من أعمال القلب تغليبا للأكثر على الأقل فَيَقُولُوا عند العذاب رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا أي وأرسلته إلينا لتقيم علينا

стр. 3887

الحجة، فمن أجل ذلك أرسلنا؛ لينقطع عذرهم إذا جاءهم عذاب من الله بكفرهم، فلا يحتجوا بأنهم لم يأتهم رسول ولا نذير، ويدعوا أن لو كان رسول لاتبعوه فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ هذا تتمة كلامهم أي لو أنهم عوقبوا ولم يرسل الله إليهم لادعوا أنهم لو جاءهم رسول لكانوا يتبعون آيات الله ويؤمنون إذن فهذا كان موقفهم لو عاقبهم الله ولم يرسل رسولا فماذا كان موقفهم إذ أرسل الرسول: فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا أي القرآن أو الرسول المصدق بالكتاب المعجز قالُوا على وجه التعنت والعناد والكفر والجهل والإلحاد لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى قال ابن كثير: يعنون- والله أعلم- من الآيات الكثيرة: مثل العصا، واليد، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، ونقص الزروع والثمار مما يضيق على أعداء الله، وكفلق البحر، وتظليل الغمام وإنزال المن والسلوى إلى غير ذلك من الآيات الباهرة والحجج القاهرة، التي أجراها الله تعالى علي يدي موسى ﵇ حجة وبرهانا له على فرعون وملئه، وبني إسرائيل .. أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ أي أو لم يكفر البشر بما أوتي موسى من تلك الآيات العظيمة من قبل القرآن قالُوا في موسى وهارون سِحْرانِ تَظاهَرا أي تعاونا. جعلوا موسى وهارون عين السحر فقالوا سحر يعين سحرا وَقالُوا إِنَّا بِكُلٍّ أي بكل واحد منهما كافِرُونَ والمعنى: أن الكفر بالمرسلين ليس سببه قلة الآيات بل الكبر والعناد. وبهذا رد الله الرد الأول عليهم، ثم يأتي الرد الثاني قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أي أهدى من التوراة والقرآن أَتَّبِعْهُ فإنني لا أستكبر عن اتباع الهدى من الله إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أي فيما تدفعون به الحق، وتعارضون به من الباطل، وتتظاهرون به أنكم مخلصون في الرغبة في الوصول إلى الحقيقة، وقد جاء الجواب متضمنا مجموعة أمور: الأول: أن محمدا أوتي مثل ما أوتي موسى، وهو هذا القرآن، والثاني: أن الهدى الموجود في القرآن والتوراة هو وحده حجة، والثالث: أنهم ليسوا على هدى أصلا من الله ، حتى يستكبروا عن اتباع هدى القرآن، فالعلة فيهم وليس في ما أوحي إلى محمد ﷺ قصور فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ أي فإن لم يجيبوك عما قلت لهم ولم يتبعوا الحق. وقال النسفي. فإن لم يستجيبوا دعاءك إلى الإتيان بالكتاب الأهدى فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ أي بلا دليل ولا حجة. أي فاعلم أنهم قد ألزموا ولم تبق لهم حجة إلا اتباع الهوى وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ أي بغير حجة مأخوذة من كتاب الله إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ أي الذين يتبعون

стр. 3888

أهواءهم وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ قال النسفي: يعني: أن القرآن أتاكم متتابعا متواصلا، وعدا ووعيدا، وقصصا وعبرا ومواعظ وقال التوصيل: تكثير الوصل وتكريره لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ أي ليتذكروا فيتعظوا فيفلحوا. وبذلك انتهت المجموعة الثانية من القسم الثاني من السورة. كلمة في السياق: نلاحظ أن قصة موسى ختمت بقوله تعالى: لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ وأن المجموعة الأولى ختمت بقوله تعالى: لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ وأن المجموعة الثانية ختمت بقوله تعالى لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ فكأنه في كل مرة قامت بها الحجة تختم بهذه الكلمة. وواضح أن السورة تقرر مرة بعد مرة أن محمدا رسول الله، وأن القرآن آيات الله التي أنزلها على محمد ﷺ ، وأن رسالة محمد ﷺ واحدة من رسالات الله، وأن محمدا ﷺ من المرسلين، وصلة ذلك بالمحور واضحة تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ وواضح أن صلة المجموعتين بقصة موسى قبلهما قائمة، فهما تبنيان على ما ذكر في قصة موسى من قبل. فوائد: ١ - ذكرت المجموعة الأخيرة حكمة بعثة محمد ﷺ ، وبعثة المرسلين بأنها إقامة الحجة على الخلق، كما ذكرت المجموعة الأولى حكمة بعثة محمد ﷺ ، بأنها التذكير بما نسيه الخلق نتيجة لتطاول الزمن، فالمجموعتان إذا تتحدثان عن حكمة بعثة محمد ﷺ ، وكل من المجموعتين أقامت الحجة على الناس برسالته، وختمت المجموعة الثانية بذكر مظهر من مظاهر الإعجاز في القرآن في قوله تعالى وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ فالتوصيل كما فسره النسفي: تكثير الوصل وتكريره، فالله قد وصل بعضه ببعض، القصة بالموعظة بالتشريع وكل ذلك يربطه رباط واحد في السورة الواحدة وفي القرآن كله، وقد كان ذلك مع التكرار، بأن عرض المعنى بشكل ثم بشكل آخر، وفي ذلك من الإعجاز ما لا يخفى، وكل ذلك تقوم به الحجة، وكل ذلك من أجل أن يتذكر الناس، وأن يتعظوا، وقد جاءت هذه الآية بعد أن أقام الله الحجة على المعاندين مرة بعد مرة في الآيات الأخيرة.

стр. 3889

٢ - في قوله تعالى: وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ أكثر من اتجاه، وقد ذكرها كلها ابن كثير، ونحن ننقلها لاستكمال الفائدة، بعد أن اعتمدنا في صلب التفسير ما رأينا قال ابن كثير: (وقوله تعالى: وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ قال مجاهد: فصلنا لهم القول، وقال السدي بينا لهم القول، وقال قتادة: يقول تعالى أخبرهم كيف صنع بمن مضى وكيف هو صانع لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ قال مجاهد وغيره وَصَّلْنا لَهُمُ يعني قريشا وهذا هو الظاهر، لكن قال حماد بن سلمة ... عن رفاعة ابن قرظه القرظي- وجعله ابن مندة- رفاعة بن شموال خال صفية بنت حيي، وهو الذي طلق تميمة بنت وهب التي تزوجها بعده عبد الرحمن بن الزبير بن باطا، كذا ذكره ابن الأثير- قال: نزلت وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ في عشرة أنا أحدهم رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديثه. كلمة في السياق: رأينا أن محور سورة القصص هو: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ وقد قص الله علينا في هذه السورة من آياته، ثم أقام الحجة على رسالة محمد ﷺ ، وعلى أن هذا القرآن حق، وبعد ذلك تأتي، مجموعة تتحدث عن موقف أهل الكتاب المخلصين الصادقين من هذا القرآن، وأنهم يؤمنون به وفي ذلك حجة جديدة على أن هذا القرآن من عند الله، إذ يسلم له أهل الكتاب وفي الوقت نفسه فإن المجموعة تدعو أهل الكتاب للإيمان وهكذا تجد أن المجموعة تحقق أكثر من مقصد من خلال معانيها وسياقها. ***

стр. 3890

المجموعة الثالثة وتمتد من الآية (٥٢) إلى نهاية الآية (٥٥) وهذه هي: [سورة القصص (٢٨): الآيات ٥٢ الى ٥٥] الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤) وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ (٥٥) التفسير: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ أي من قبل القرآن هُمْ بِهِ أي بالقرآن يُؤْمِنُونَ أي يصدقون وذلك لمعرفتهم أن هذا التوافق بين القرآن وبين الحق في الكتب السابقة لا يمكن أن يكون إلا من عند الله، ولرؤيتهم أن هذا القرآن يحتوي الخير الذي دعا إليه الرسل جميعا وزيادة وَإِذا يُتْلى القرآن عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ أي بالقرآن إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ أي من قبل نزول القرآن مُسْلِمِينَ أي كائنين على دين الإسلام أي موحدين مخلصين لله مستجيبين له، وفي قولهم إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا تعليل للإيمان به، لأن كونه حقا من الله حقيق بأن يؤمن به أُولئِكَ المتصفون بهذه الصفة الذين آمنوا بالكتاب الأول ثم بالثاني يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا أي بصبرهم على الإيمان بالكتب السابقة، والإيمان بالقرآن، أو بصبرهم على أذى المشركين وأهل الكتاب، أو لاستطاعتهم التخلص من أسر الاستمرار على القديم، وتجشم اتباع الحق، وما يقتضيه ذلك من قطع كل الوشائج السابقة، وربط الذات بالوشائج الجديدة وفي ذلك ما فيه مما يحتاج معه إلى الصبر
следующие страницы →