← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 3886–3925 · переход к 3891.

стр. 3886

وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بَصائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ لاحظ قوله تعالى: لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ وختمت الآيات السابقة بقوله تعالى وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ فالحكمة واحدة من بعثة موسى ﵇، وإنزال الكتاب عليه ومن بعثة محمد ﷺ وإنزال الكتاب عليه، وقد أقام الله الحجة على رسالة محمد ﷺ بالآيات السابقة، فكأن قصة موسى كانت المقدمة لهذه الآيات لإثبات رسالة محمد ﷺ ، فهذا القرآن الذي يقص علينا أدق التفاصيل عن قصص الأنبياء السابقين ما كان ليكون كذلك لولا أنه من عند الله، أنزله على محمد ﷺ لأن من سنته الإرسال وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ومن أجل أن ينذر به. وصلة ذلك بمحور السورة تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ واضحة، وبهذه المناسبة نحب أن نسجل هذه ال ملاحظة حول السياق القرآني: ملاحظة: من خلال دراسة قصة موسى في سورة القصص، نلاحظ أن القرآن يقص علينا أدق التفاصيل عن بعض الأمور بما تكتمل به تصوراتنا في شأن النبوة ونفهم به معنى الرسالات، ونعرف به سنن الله ، ونجد أن كل شئ في هذا المقام يصب في المصب نفسه الذي تصب به كل آيات القرآن، فإن تجد مثل هذا التكامل، وأن تجد مثل هذا الجلال الذي تعرف به كمال الرسل عليهم الصلاة والسلام، دون إخلال، فذلك علامة من علامات كون هذا القرآن من عند الله، بينما لا تجد مثل هذا في الكتب السابقة التي داخلها التحريف والتبديل، ومن ثم تجد كثيرا من التفصيلات في القرآن مما يساعد على استكمال التصورات الصحيحة مما لا تجده في الكتب السابقة، إما بسبب من كمال القرآن، أو بسبب من عدم وصول هذه الكتب إلينا على الكمال والتمام، ولنعد إلى السياق فإن الله يكمل الكلام عن الحكمة في إرسال محمد ﷺ والحجة فيها، وهو مراد رئيسي في السورة. وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ أي عقوبة بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ من الكفر والظلم، وقد استعملت كلمة الأيدي في هذا المقام بسبب أن أكثر الأعمال تزاول بالأيدي، فنسبت كل الأعمال إليها وإن كانت من أعمال القلب تغليبا للأكثر على الأقل فَيَقُولُوا عند العذاب رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا أي وأرسلته إلينا لتقيم علينا

стр. 3887

الحجة، فمن أجل ذلك أرسلنا؛ لينقطع عذرهم إذا جاءهم عذاب من الله بكفرهم، فلا يحتجوا بأنهم لم يأتهم رسول ولا نذير، ويدعوا أن لو كان رسول لاتبعوه فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ هذا تتمة كلامهم أي لو أنهم عوقبوا ولم يرسل الله إليهم لادعوا أنهم لو جاءهم رسول لكانوا يتبعون آيات الله ويؤمنون إذن فهذا كان موقفهم لو عاقبهم الله ولم يرسل رسولا فماذا كان موقفهم إذ أرسل الرسول: فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا أي القرآن أو الرسول المصدق بالكتاب المعجز قالُوا على وجه التعنت والعناد والكفر والجهل والإلحاد لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى قال ابن كثير: يعنون- والله أعلم- من الآيات الكثيرة: مثل العصا، واليد، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، ونقص الزروع والثمار مما يضيق على أعداء الله، وكفلق البحر، وتظليل الغمام وإنزال المن والسلوى إلى غير ذلك من الآيات الباهرة والحجج القاهرة، التي أجراها الله تعالى علي يدي موسى ﵇ حجة وبرهانا له على فرعون وملئه، وبني إسرائيل .. أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ أي أو لم يكفر البشر بما أوتي موسى من تلك الآيات العظيمة من قبل القرآن قالُوا في موسى وهارون سِحْرانِ تَظاهَرا أي تعاونا. جعلوا موسى وهارون عين السحر فقالوا سحر يعين سحرا وَقالُوا إِنَّا بِكُلٍّ أي بكل واحد منهما كافِرُونَ والمعنى: أن الكفر بالمرسلين ليس سببه قلة الآيات بل الكبر والعناد. وبهذا رد الله الرد الأول عليهم، ثم يأتي الرد الثاني قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أي أهدى من التوراة والقرآن أَتَّبِعْهُ فإنني لا أستكبر عن اتباع الهدى من الله إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أي فيما تدفعون به الحق، وتعارضون به من الباطل، وتتظاهرون به أنكم مخلصون في الرغبة في الوصول إلى الحقيقة، وقد جاء الجواب متضمنا مجموعة أمور: الأول: أن محمدا أوتي مثل ما أوتي موسى، وهو هذا القرآن، والثاني: أن الهدى الموجود في القرآن والتوراة هو وحده حجة، والثالث: أنهم ليسوا على هدى أصلا من الله ، حتى يستكبروا عن اتباع هدى القرآن، فالعلة فيهم وليس في ما أوحي إلى محمد ﷺ قصور فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ أي فإن لم يجيبوك عما قلت لهم ولم يتبعوا الحق. وقال النسفي. فإن لم يستجيبوا دعاءك إلى الإتيان بالكتاب الأهدى فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ أي بلا دليل ولا حجة. أي فاعلم أنهم قد ألزموا ولم تبق لهم حجة إلا اتباع الهوى وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ أي بغير حجة مأخوذة من كتاب الله إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ أي الذين يتبعون

стр. 3888

أهواءهم وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ قال النسفي: يعني: أن القرآن أتاكم متتابعا متواصلا، وعدا ووعيدا، وقصصا وعبرا ومواعظ وقال التوصيل: تكثير الوصل وتكريره لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ أي ليتذكروا فيتعظوا فيفلحوا. وبذلك انتهت المجموعة الثانية من القسم الثاني من السورة. كلمة في السياق: نلاحظ أن قصة موسى ختمت بقوله تعالى: لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ وأن المجموعة الأولى ختمت بقوله تعالى: لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ وأن المجموعة الثانية ختمت بقوله تعالى لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ فكأنه في كل مرة قامت بها الحجة تختم بهذه الكلمة. وواضح أن السورة تقرر مرة بعد مرة أن محمدا رسول الله، وأن القرآن آيات الله التي أنزلها على محمد ﷺ ، وأن رسالة محمد ﷺ واحدة من رسالات الله، وأن محمدا ﷺ من المرسلين، وصلة ذلك بالمحور واضحة تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ وواضح أن صلة المجموعتين بقصة موسى قبلهما قائمة، فهما تبنيان على ما ذكر في قصة موسى من قبل. فوائد: ١ - ذكرت المجموعة الأخيرة حكمة بعثة محمد ﷺ ، وبعثة المرسلين بأنها إقامة الحجة على الخلق، كما ذكرت المجموعة الأولى حكمة بعثة محمد ﷺ ، بأنها التذكير بما نسيه الخلق نتيجة لتطاول الزمن، فالمجموعتان إذا تتحدثان عن حكمة بعثة محمد ﷺ ، وكل من المجموعتين أقامت الحجة على الناس برسالته، وختمت المجموعة الثانية بذكر مظهر من مظاهر الإعجاز في القرآن في قوله تعالى وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ فالتوصيل كما فسره النسفي: تكثير الوصل وتكريره، فالله قد وصل بعضه ببعض، القصة بالموعظة بالتشريع وكل ذلك يربطه رباط واحد في السورة الواحدة وفي القرآن كله، وقد كان ذلك مع التكرار، بأن عرض المعنى بشكل ثم بشكل آخر، وفي ذلك من الإعجاز ما لا يخفى، وكل ذلك تقوم به الحجة، وكل ذلك من أجل أن يتذكر الناس، وأن يتعظوا، وقد جاءت هذه الآية بعد أن أقام الله الحجة على المعاندين مرة بعد مرة في الآيات الأخيرة.

стр. 3889

٢ - في قوله تعالى: وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ أكثر من اتجاه، وقد ذكرها كلها ابن كثير، ونحن ننقلها لاستكمال الفائدة، بعد أن اعتمدنا في صلب التفسير ما رأينا قال ابن كثير: (وقوله تعالى: وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ قال مجاهد: فصلنا لهم القول، وقال السدي بينا لهم القول، وقال قتادة: يقول تعالى أخبرهم كيف صنع بمن مضى وكيف هو صانع لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ قال مجاهد وغيره وَصَّلْنا لَهُمُ يعني قريشا وهذا هو الظاهر، لكن قال حماد بن سلمة ... عن رفاعة ابن قرظه القرظي- وجعله ابن مندة- رفاعة بن شموال خال صفية بنت حيي، وهو الذي طلق تميمة بنت وهب التي تزوجها بعده عبد الرحمن بن الزبير بن باطا، كذا ذكره ابن الأثير- قال: نزلت وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ في عشرة أنا أحدهم رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديثه. كلمة في السياق: رأينا أن محور سورة القصص هو: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ وقد قص الله علينا في هذه السورة من آياته، ثم أقام الحجة على رسالة محمد ﷺ ، وعلى أن هذا القرآن حق، وبعد ذلك تأتي، مجموعة تتحدث عن موقف أهل الكتاب المخلصين الصادقين من هذا القرآن، وأنهم يؤمنون به وفي ذلك حجة جديدة على أن هذا القرآن من عند الله، إذ يسلم له أهل الكتاب وفي الوقت نفسه فإن المجموعة تدعو أهل الكتاب للإيمان وهكذا تجد أن المجموعة تحقق أكثر من مقصد من خلال معانيها وسياقها. ***

стр. 3890

المجموعة الثالثة وتمتد من الآية (٥٢) إلى نهاية الآية (٥٥) وهذه هي: [سورة القصص (٢٨): الآيات ٥٢ الى ٥٥] الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤) وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ (٥٥) التفسير: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ أي من قبل القرآن هُمْ بِهِ أي بالقرآن يُؤْمِنُونَ أي يصدقون وذلك لمعرفتهم أن هذا التوافق بين القرآن وبين الحق في الكتب السابقة لا يمكن أن يكون إلا من عند الله، ولرؤيتهم أن هذا القرآن يحتوي الخير الذي دعا إليه الرسل جميعا وزيادة وَإِذا يُتْلى القرآن عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ أي بالقرآن إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ أي من قبل نزول القرآن مُسْلِمِينَ أي كائنين على دين الإسلام أي موحدين مخلصين لله مستجيبين له، وفي قولهم إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا تعليل للإيمان به، لأن كونه حقا من الله حقيق بأن يؤمن به أُولئِكَ المتصفون بهذه الصفة الذين آمنوا بالكتاب الأول ثم بالثاني يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا أي بصبرهم على الإيمان بالكتب السابقة، والإيمان بالقرآن، أو بصبرهم على أذى المشركين وأهل الكتاب، أو لاستطاعتهم التخلص من أسر الاستمرار على القديم، وتجشم اتباع الحق، وما يقتضيه ذلك من قطع كل الوشائج السابقة، وربط الذات بالوشائج الجديدة وفي ذلك ما فيه مما يحتاج معه إلى الصبر

стр. 3891

وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أي ويدفعون بالطاعة المعصية، أو بالحلم الأذى أي لا يقابلون السيئ بمثله، ولكن يعفون ويصفحون وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ أي ومن الذي رزقهم من الحلال ينفقون على خلق الله، يدخل في ذلك النفقات الواجبة لأهليهم وأقاربهم، والزكاة المفروضة، والتطوعات المستحبة من صدقات النفل والقربات وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أي الباطل أو الشتم من المشركين أَعْرَضُوا عَنْهُ وعن أهله فهم لا يخالطونهم ولا يعاشرونهم وَقالُوا للاغين لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ أي لكم منا أمان بألا نقابل لغوكم بمثله لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ أي لا نريد مخالطتهم وصحبتهم أي لا نريد طريق الجاهلين ولا نحبها. ... كلمة في السياق: دلت هذه الآيات على الأخلاق العليا التي ينبغي أن يتحقق بها من يدخل في هذا الدين من أهل الكتاب وهي أخلاق ينبغي أن يتحقق بها كل مؤمن، وكل ذلك في سياق التأكيد على أن هذا القرآن حق، وإذ قامت الحجة مرة ومرة ومرة ومرة على أن هذا القرآن حق، وأن محمدا رسول الله ﷺ ، تأتي مجموعة تخاطب الرسول ﷺ مباشرة، وتقيم الحجة على ما يطرحه الكافرون من أفكار، وقبل أن ننتقل إلى المجموعة الرابعة. فلننقل فوائد المجموعة الثالثة. فوائد: ١ - في سبب نزول المجموعة السابقة من الآيات يوجد أكثر من وجهة ذكرها ابن كثير وهذه هي: أ- قال سعيد بن جبير نزلت في سبعين من القسيسين بعثهم النجاشي، فلما قدموا على النبي ﷺ قرأ عليهم يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ حتى ختمها، فجعلوا يبكون وأسلموا، ونزلت فيهم هذه الآية الأخرى الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ* وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ

стр. 3892

ب- وقال محمد بن إسحاق في السيرة: ثم قدم على رسول الله ﷺ وهو بمكة عشرون رجلا أو قريب من ذلك من النصارى، حين بلغهم خبره من الحبشة، فوجدوه في المسجد فجلسوا إليه وكلموه وسألوه، ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة، فلما فرغوا من مساءلة رسول الله ﷺ عما أرادوا دعاهم إلى الله تعالى، وتلا عليهم القرآن، فلما سمعوا القرآن فاضت أعينهم من الدمع، ثم استجابوا لله وآمنوا به وصدقوه وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره، فلما قاموا عنه اعترضهم أبو جهل بن هشام في نفر من قريش، فقالوا لهم: خيبكم الله من ركب، بعثكم من وراءكم من أهل دينكم، ترتادون لهم، لتأتوهم بخبر الرجل فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه فيما قال، ما نعلم ركبا أحمق منكم- أو كما قالوا لهم- فقالوا لهم سلام عليكم، لا نجاهلكم، لنا ما نحن عليه ولكم ما أنتم عليه، لم نأل أنفسنا خيرا. قال: ويقال إن النفر النصارى من أهل نجران، فالله أعلم أي ذلك كان، قال: ويقال- والله أعلم- أن فيهم نزلت هذه الآيات: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ إلى قوله لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ قال: وسألت الزهري عن هذه الآيات فيمن نزلت؟: قال ما زلت أسمع من علمائنا أنهن نزلن في النجاشي وأصحابه ﵃ والآيات التي في سورة المائدة ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً إلى قوله فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ. ٣ - بمناسبة قوله تعالى: أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ قال ابن كثير (وقد ورد في الصحيح من حديث عامر الشعبي عن أبي بردة عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه ثم آمن بي، وعبد مملوك أدى حق الله وحق مواليه، ورجل كانت له أمة فأدبها فأحسن تأديبها ثم أعتقها فتزوجها». ...

стр. 3893

المجموعة الرابعة: وهي تتألف من جزءين وخاتمة الجزء الأول ويمتد من الآية (٥٦) إلى نهاية الآية (٧٥) وهذا هو: [سورة القصص (٢٨): الآيات ٥٦ الى ٧٥] إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦) وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٥٧) وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ (٥٨) وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلاَّ وَأَهْلُها ظالِمُونَ (٥٩) وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٠) أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٦١) وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٦٢) قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ (٦٣) وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذابَ لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ (٦٤) وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ (٦٦) فَأَمَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (٦٧) وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٨) وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ (٦٩) وَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٧٠) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ (٧٢) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٣) وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٧٤) وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٧٥)

стр. 3894

كلمة في السياق: تبدأ هذه المجموعة بقوله تعالى: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ وصلة ذلك بما قبلها واضحة، فبعد إذ تقرر أن محمدا رسول الله، وأن القرآن من عند الله، يأتي هذا التقرير، ليحدثنا أن الرسول ﷺ نفسه

стр. 3895

لو أحب هداية إنسان فلا يترتب على ذلك هدايته إلا إذا شاء الله ذلك ثم إن صلة هذه الآية في المحور كذلك واضحة: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ فمع أنه من المرسلين فمهمته التبليغ أما الهداية فهي لله وحده: وبعد إذ يتقرر أمر الهداية كما رأينا، يعرض السياق أبرع حجج الكفر قديما وحديثا، في الصرف عن الإسلام ويناقشها ويردها مرة بعد مرة فلنر التفسير: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ أي ليس ذلك إليك إنما عليك البلاغ، والله يهدي من يشاء، وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة فأنت لا تقدر أن تدخل في الإسلام كل من أحببت أن يدخل فيه قومك أو غيرهم وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ أي يخلق فعل الاهتداء في من يشاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ أي هو أعلم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الغواية، أو وهو أعلم بمن يختار الهداية ويقبلها ويتعظ بالدلائل والآيات: ... فائدة: قال الزجاج: أجمع المفسرون على أنها نزلت في أبي طالب. وقال ابن كثير في الآية (وفي الصحيحين أنها نزلت في أبي طالب عم رسول الله ﷺ وقد كان يحوطه وينصره، ويقوم في صفه ويحبه حبا شديدا طبعيا لا شرعيا فلما حضرته الوفاة وحان أجله، دعاه رسول الله ﷺ إلى الإيمان والدخول في الإسلام، فسبق القدر فيه واختطف من يده، فاستمر على ما كان عليه من الكفر ولله الحكمة التامة. قال الزهري ... عن المسيب بن حزن المخزومي ﵁ قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله ﷺ فوجد عنده أبا جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، فقال رسول الله ﷺ : «يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله» فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله ﷺ يعرضها عليه، ويعودان له بتلك المقالة، حتى كان آخر ما قاله: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول لا إله إلا الله، فقال رسول الله ﷺ : «لأستغفرن لك ما لم أنه عنك» فأنزل الله تعالى: ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى وأنزل في أبي طالب إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ أخرجاه من حديث الزهري، وهكذا رواه مسلم في صحيحه والترمذي من حديث يزيد بن كيسان عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: لما

стр. 3896

حضرت وفاة أبي طالب، أتاه رسول الله ﷺ فقال: «يا عماه قل لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة» فقال: لولا أن تعيرني بها قريش، يقولون: ما حمله عليه إلا جزع الموت، لأقررت بها عينك، لا أقولها إلا لأقر بها عينك نزل الله تعالى: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ وقال الترمذي حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث يزيد بن كيسان ورواه الإمام أحمد .. عن أبي هريرة بنحوه، وهكذا قال ابن عباس وابن عمر ومجاهد والشعبي وقتادة أنها نزلت في أبي طالب حين عرض عليه رسول الله ﷺ أن يقول لا إله إلا الله فأبى عليه ذلك وقال: أي ابن أخي ملة الأشياخ، وكان آخر ما قاله: هو على ملة عبد المطلب. وقال ابن أبي حاتم .. عن سعيد بن أبي راشد قال: كان رسول قيصر جاء إلي قال: كتب معي قيصر إلى رسول الله ﷺ كتابا فأتيته فدفعت الكتاب فوضعه في حجره ثم قال ممن الرجل قلت من تنوخ، قال: هل لك في دين أبيك إبراهيم: الحنيفية؟ قلت: إني رسول قوم، وعلى دينهم، حتى أرجع إليهم، فضحك رسول الله ﷺ ونظر إلى أصحابه وقال: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ. ... وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا يخبر تعالى في هذه الآية عن اعتذار بعض الكفار في عدم اتباع الهدى، حيث قالوا لرسول الله ﷺ : نخشى إن اتبعنا ما جئت به من الهدى، وخالفنا من حولنا من أحياء العرب المشركين، أن يقصدونا بالأذى والمحاربة، ويتخطفونا أينما كنا، وهي نفس الحجة التي يرددها اليوم ضعاف النفوس والمغرضون، فهم إذا ما أقمت عليهم الحجة بالإسلام قالوا: إذا أعلنا موقفنا من الإسلام كمؤمنين به تتكالب علينا دول العالم كلها، كأن دول العالم كلها ليست متكالبة علينا الآن، وقد رد قولهم أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يعني هذا الذي اعتذروا به كذب وباطل، لأن الله تعالى جعلهم في بلد أمين وحرم معظم آمن منذ وضع، فكيف يكون هذا الحرم أمنا لهم في حال كفرهم وشركهم، ولا يكون لهم أمنا وقد أسلموا وتابعوا الحق؟ يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ أي تجلب وتجمع إليه من كل الثمار، مما حوله من الطائف وغيره، ومن كل العالم الآن رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا أي من عندنا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ أي قليل منهم يقرون بأن ذلك رزق من عند الله، وأكثرهم جهلة لا يعلمون ذلك ولو علموا أنه من عند الله لعلموا أن الخوف والأمن من

стр. 3897

عنده ولما خافوا التخطف قال صاحب الظلال في هذه الآية والآيتين بعدها: وَقالُوا: إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا. (فهم لا ينكرون أنه الهدى، ولكنهم يخافون أن يتخطفهم الناس. وهم ينسون الله، وينسون أنه وحده الحافظ، وأنه وحده الحامي، وأن قوى الأرض كلها لا تملك أن تتخطفهم وهم في حمى الله، وأن قوى الأرض كلها لا تملك أن تنصرهم إذا خذلهم الله. ذلك أن الإيمان لم يخالط قلوبهم، ولو خالطها لتبدلت نظرتهم للقوى، ولاختلف تقديرهم للأمور، ولعلموا أن الأمن لا يكون إلا في جوار الله، وأن الخوف لا يكون إلا في البعد عن هداه. وأن هذا الهدى موصول بالقوة موصول بالعزة، وأن هذا ليس وهما وليس قولا يقال لطمأنة القلوب. إنما هو .. حقيقة عميقة منشؤها أن اتباع هدى الله معناه الاصطلاح مع ناموس الكون وقواه والاستعانة بها وتسخيرها في الحياة. فالله خالق هذا الكون ومدبره وفق الناموس الذي ارتضاه له. والذي يتبع هدى الله يستمد مما في هذا الكون من قوى غير محدودة، ويأوي إلى ركن شديد، في واقع الحياة. إن هدى الله منهج حياة صحيحة حياة واقعة في هذه الأرض. وحين يتحقق هذا المنهج تكون له السيادة الأرضية إلى جانب السعادة الأخروية. وميزته أنه لا انفصال فيه بين طريق الدنيا وطريق الآخرة، ولا يقتضي إلغاء هذه الحياة الدنيا أو تعطيلها ليحقق أهداف الحياة الآخرة. إنما هو يربطهما معا برباط واحد؛ صلاح القلب، وصلاح المجتمع، وصلاح الحياة في هذه الأرض. ومن ثم يكون الطريق إلى الآخرة. فالدنيا مزرعة الآخرة، وعمارة جنة هذه الأرض وسيادتها وسيلة إلى عمارة جنة الآخرة والخلود فيها. بشرط اتباع هدى الله. والتوجه إليه بالعمل والتطلع إلى رضاه. وما حدث قط في تاريخ البشرية أن استقامت جماعة على هدى الله إلا منحها القوة والمنعة والسيادة في نهاية المطاف. بعد إعدادها لحمل هذه الأمانة. أمانة الخلافة في الأرض وتصريف الحياة. وإن الكثيرين ليشفقون من اتباع شريعة الله والسير على هداه. يشفقون من عداوة أعداء الله ومكرهم، ويشفقون من تألب الخصوم عليهم، ويشفقون من المضايقات الاقتصادية وغير الاقتصادية؟. وإن هي إلا أوهام كأوهام قريش يوم قالت لرسول الله ﷺ إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا فلما اتبعت هدى الله سيطرت على مشارق الأرض ومغاربها في ربع قرن أو أقل من الزمان. وقد رد الله عليهم في وقتها

стр. 3898

بما يكذب هذا العذر الموهوم. فمن الذي وهبهم الأمن؟ ومن الذي جعل لهم البيت الحرام؟ ومن الذي جعل القلوب تهوي إليهم تحمل من ثمرات الأرض جميعا؟ تتجمع في الحرم من كل أرض وقد تفرقت في مواطنها ومواسمها الكثيرة: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا؟ .. فما بالهم يخافون أن يتخطفهم الناس لو اتبعوا هدى الله والله هو الذي مكن لهم هذا الحرم الآمن منذ أيام أبيهم إبراهيم؟ أفمن أمنهم وهم عصاة، يدع الناس يتخطفونهم وهم نقاة؟! وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ .. لا يعلمون أين يكون الأمن، وأين تكون المخافة. ولا يعلمون أن مرد الأمر كله لله. فأما إن أرادوا أن يتقوا المهالك حقا، وأن يأمنوا التخطف حقا، فها هي ذي علة الهلاك فليتقوها: وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا، وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ .. إن بطر النعمة، وعدم الشكر عليها، هو سبب هلاك القرى. وقد أوتوا من نعمة الله ذلك الحرم الآمن؟ فليحذروا إذن أن يبطروا، وألا يشكروا، فيحل بهم الهلاك كما حل بالقرى التي يرونها ويعرفونها، ويرون مساكن أهلها الداثرين خاوية خالية .. لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وبقيت شاخصة تحدث عن مصارع أهلها، وتروي قصة البطر بالنعمة، وقد فني أهلها فلم يعقبوا أحدا، ولم يرثها بعدهم أحد وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ. على أن الله لم يهلك تلك القرى المتبطرة إلا وقد أرسل فيها رسولا. فتلك هي سنته التي كتبها على نفسه رحمة بعباده: وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا، وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وَأَهْلُها ظالِمُونَ .. ) فوائد: ١ - أخرج النسائي ... قال عمرو بن شعيب عن ابن عباس ولم يسمعه منه أن الحارث بن عامر بن نوفل هو الذي قال: إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا. ٢ - نلاحظ أن ذكر شبهة المشركين هذه جاءت بعد قوله تعالى إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ

стр. 3899

أَحْبَبْتَ .. وكأن في ذلك إشارة إلى أن الهداية إذا أرادها الله لإنسان فحلت قلبه فإنه لا يصرفه عنها صارف، أما الذي لا يريد الله هدايته فإنه يتعلل بكل علة، ولو كانت غير معقولة ولا مقبولة. ٣ - إن الشبهة التي عرضتها الآية السابقة هي حجة كافري اليوم في الانصراف عن الإسلام، ناسين أن الله هو الذي بيده الأمور كلها، وأن الله الذي بيده الأمور كلها. قد يعطي الأمن للكافرين فكيف لا يعطيه للمؤمنين، ثم أليست الدنيا دار ابتلاء، وعلينا أن نجاهد؟ ... وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها أي طغت وأشرت وكفرت نعم الله فيما أنعم به عليهم من الأرزاق، والبطر: سوء احتمال الغنى، وهو ألا يحفظ حق الله فيه فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ أي منازلهم باقية الآثار، يشاهدونها في الأسفار كبلاد ثمود، وقوم شعيب وغيرهم لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا من السكنى وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ لتلك المساكن من ساكنيها، فلا يملك التصرف فيها غيرنا أي رجعت خرابا ليس فيها أحد وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى كل وقت حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها أي أصلها ومعظمها أو عاصمتها رَسُولًا لإلزام الحجة وقطع المعذرة يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا أي وحينا وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وَأَهْلُها ظالِمُونَ أي وما أهلكناهم إلا وأهلها مستحقون العذاب بظلمهم وهو إصرارهم على كفرهم وعنادهم، ومكابرتهم بعد الإعذار إليهم. كلمة في السياق: هاتان الآيتان حذرتا الكافرين وأنذرتاهم. وفي الوقت نفسه هما رد جديد على الذين يتركون الإسلام خوف التخطف، فالله يذكرهم هنا بأنه قادر على إهلاكهم كما أهلك القرى المعرضة فليخافوا الله إذن عند ما يتركون الإسلام ولا يخافوا الناس إذا دخلوا في الإسلام. وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها أي وأي شئ أصبتموه من أسباب الدنيا فما هو إلا تمتع وزينة أياما قلائل وهي مدة الحياة الدنيا وَما عِنْدَ اللَّهِ أي ثوابه خَيْرٌ في نفسه من ذلك وَأَبْقى لأنه دائم أَفَلا تَعْقِلُونَ أي أفلا يعقل

стр. 3900

من يقدم الدنيا على الآخرة أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً أي الجنة فلا شئ أحسن منها لأنها دائمة ولذا سميت الجنة بالحسنى فَهُوَ لاقِيهِ أي رائيه ومدركه ومصيبه وهم المؤمنون المسلمون الصادقون كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ أي من الذين أحضروا النار وهم الكافرون المكذبون. كلمة في السياق: في هاتين الآيتين ترغيب للدخول في الإسلام، ولو لم يكن معه دنيا، وترهيب من الكفر ولو كان معه دنيا. وهو رد جديد على الذين يتركون الإسلام خوف التخطف فإن الإسلام إذا لم يكن معه دنيا أصلا فإنه خير من الكفر ولو رافقته الدنيا، لأن الآخرة خير من الدنيا، وإذ يقرر الله ذلك تأتي ثلاث فقرات، علامة كل منها هي قوله تعالى وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ* وكلها عرض لما يكون في الآخرة، بحيث يرى منها أن الأمر كل الأمر هناك. *** الفقرة الأولى: وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ أي واذكر يوم ينادي الله الكفار نداء توبيخ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ يعني أين الآلهة التي كنتم تعبدونها في الدار الدنيا من الأصنام والأنداد هل ينصرونكم أو ينتصرون؟ يقول هذا على سبيل التقريع والتهديد قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ يعني الشياطين والمردة والدعاة إلى الكفر ومعنى حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ وجب عليهم مقتضاه وثبت وهو قوله تعالى لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ* رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أي دعوناهم إلى الشرك وسولنا لهم الغي أَغْوَيْناهُمْ كَما أي مثلما أَغْوَيْنا يعنون أنا لم نغو إلا باختيارنا فهؤلاء كذلك غووا: باختيارهم لأن إغواءنا لهم لم يكن إلا وسوسة وتسويلا فلا فرق إذا بين غينا وغيهم، وإن كان تسويلنا داعيا لهم إلى الكفر، فقد كان في مقابلته دعاء الله لهم إلى الإيمان بما وضع فيهم من أدلة العقل، وما بعث إليهم من الرسل، وأنزل عليهم من الكتب، وهو كقوله وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ

стр. 3901

الْحَقِّ إلى قوله وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ منهم ومما اختاروه من الكفر ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ بل يعبدون أهواءهم ويطيعون شهواتهم وَقِيلَ للمشركين ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ أي ليخلصوكم من العذاب فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ أي فلم يجيبوهم وَرَأَوُا الْعَذابَ لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ أي فودوا حين عاينوا العذاب لو أنهم كانوا من المهتدين في الدنيا. ... كلمة في السياق: لاحظ ما ختمت به الفقرة وَرَأَوُا الْعَذابَ لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ لندرك الصلة بين الفقرة وبين المجموعة من بدايتها إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا ... فالفقرة تصور لنا كيف أن الكافرين يتمنون أن لو كانوا مسلمين يوم القيامة وفي ذلك رد جديد على من يتركون الإسلام خوف التخطف إذ إنهم يوم القيامة يتمنون أن لو كانوا مسلمين. ... الفقرة الثانية: وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ أي واذكر يوم ينادي الله المشركين فَيَقُولُ ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ قال ابن كثير: النداء الأول عن سؤال التوحيد وهذا فيه إثبات النبوات: ماذا كان جوابكم للمرسلين إليكم وكيف كان حالكم معهم؟. وهذا كما يسأل العبد في قبره: من نبيك وما دينك؟ فأما المؤمن فيشهد أنه لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وأما الكافر فيقول ها، ها، لا أدري. ولهذا لا جواب له يوم القيامة غير السكوت لأن من كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا» وقال النسفي: (حكى أولا ما يوبخهم به من اتخاذهم له شركاء ثم ما يقوله الشياطين أو أئمة الكفر عند توبيخهم لأنهم إذا وبخوا بعبادة الآلهة اعتذروا بأن الشياطين هم الذين استغووهم ثم ما يشبه الشماتة بهم لاستغاثتهم آلهتهم وعجزهم عن نصرتهم ثم ما يبكتون به من الاحتجاج عليهم بإرسال الرسل وإزاحة العلل) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ أي فعميت عليهم الحجج أي فخفيت عليهم الحجج أو الأخبار وقيل خفي عليهم الجواب فلم يدروا

стр. 3902

بماذا يجيبون إذ لم يكن عندهم جواب فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ أي لا يسأل بعضهم بعضا عن العذر والحجة رجاء أن يكون عنده عذر وحجة لأنهم يتساوون في العجز عن الجواب فَأَمَّا مَنْ تابَ من الشرك وَآمَنَ بربه وبما جاء من عنده وَعَمِلَ صالِحاً أي في الدنيا فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ أي يوم القيامة، وعسى من الله موجبة فإن هذا واقع بفضل الله ومنته. قال النسفي: وفيه بشارة للمسلمين على الإسلام وترغيب للكافرين على الإيمان. ... كلمة في السياق: وهكذا ذكرت الفقرة الثانية بحال من يكفرون بالرسل يوم القيامة وحال المؤمنين وفي ذلك تذكير للمنصرفين عن الإيمان بالحجج الواهية كي يتوبوا ويؤمنوا ويعملوا صالحا. ثم تأتي بعد ذلك الفقرة الثالثة ولكن بدلا من أن تأتي علامة الفقرة وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ في بدايتها فإنها تأتي في نهايتها وهذه الفقرة تذكر بحكمة الله ونعمته وفي ذلك دعوة إلى التسليم لله والدخول في دينه وترك التعلات الصارفة عن الإسلام، فمن عرف عظمة الله وحكمته سلم له ودخل في دينه وتوكل عليه ولم يخف أحدا. *** الفقرة الثالثة: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ فهو المتفرد بالخلق وأنه ليس له منازع ولا معقب في ذلك وَيَخْتارُ أي ما يشاء، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن. فالأمور كلها خيرها وشرها بيده ومرجعها إليه ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ أي ليس لهم أن يختاروا على الله شيئا وله الخبرة عليهم، فهو أعلم بوجوه الحكمة في أفعاله فليس لأحد من خلقه أن يختار عليه فكيف يرفضون دينه، وكيف يتركون دينه بتعلات كخوف التخطف وهو أنزله وأمر به وهو الأعلم والأحكم سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ أي الله برئ من إشراكهم وهو منزه عن أن يكون لأحد عليه اختيار وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُ

стр. 3903

صُدُورُهُمْ أي ما تضمره وَما يُعْلِنُونَ أي وما يبدون والآية في هذا المقام تحذر من إضمار السوء بالإسلام وأهله أو إعلان السوء بالإسلام وأهله وَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ أي هو المنفرد بالإلهية فلا معبود سواه كما لا رب يخلق ما يشاء ويختار سواه لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى أي في الدنيا وَالْآخِرَةِ لأنه المنعم وحده وَلَهُ الْحُكْمُ أي الحاكمية فهو المشرع وحده لأنه الخالق وحده وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أي جميعكم يوم القيامة، فيجزي كل عامل بعمله من خير وشر، ولا يخفى عليه منهم خافية في سائر الأعمال. ... كلمة في السياق: ذكرت هذه الآيات بانفراد الله الخالق وبكمال علمه وحكمته، وباستحقاقه الحمد وحده. وبكون الحاكمية له وحده. وفي هذا إقامة حجة جديدة على وجوب الدخول في الإسلام وترك التعلات المبعدة عن الدخول فيه. ثم يأمر الله رسوله ﷺ أن يتوجه بسؤالين فيهما تدليل على كمال حكمة الله وكمال إنعامه ورحمته وفي ذلك إقامة حجة جديدة. ... قُلْ أَرَأَيْتُمْ أي أخبروني إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً أي دائما إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ أي أخبروني من يقدر على هذا، وإذ كان الله وحده فعل هذا، وكان في ذلك من المصالح ما لا يعلمه إلا الله، فاعرفوا لله الرحمة والحكمة وأسلموا ولا تفروا من الإسلام بتعلة من التعلات قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أي تستريحون عن حركاتكم وأشغالكم أَفَلا تُبْصِرُونَ فتعرفون فاعل ذلك وتعطون ما يجب له. قال النسفي: (ولم يقل بنهار تتصرفون فيه كما قال بليل تسكنون فيه بل ذكر الضياء وهو ضوء الشمس، لأن المنافع التي تتعلق به متكاثرة ليس في المعاش وحده، والظلام ليس بتلك المنزلة، ومن ثم قرن بالضياء أَفَلا تَسْمَعُونَ لأن السمع يدرك ما لا يدركه البصر من ذكر منافعه، ووصف فوائده وقرن بالليل أَفَلا تُبْصِرُونَ لأن غيرك يبصر من منفعة الظلام ما تبصره أنت من

стр. 3904

السكون ونحوه وَمِنْ رَحْمَتِهِ بكم جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ أي خلق هذا وهذا لِتَسْكُنُوا فِيهِ بالليل وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ في النهار بالأسفار والترحال وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ الله بأنواع العبادات في الليل والنهار، فمن فاته شئ بالليل استدركه بالنهار، أو بالنهار استدركه بالليل. .... كلمة في السياق: وهكذا أقام الله الحجة على توحيده وكمال علمه، وكمال حكمته، وكمال إنعامه، وأنه يجب له الحمد والشكر. وأن له الحكم وفي ذلك حجة جديدة على من لم يهتد، أو يضع التعلات للفرار من الإسلام، وها هي علامة الفقرة تأتي هنا في أواخرها وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ. وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ أي في دار الدنيا قال النسفي: كرر التوبيخ لاتخاذ الشركاء ليؤذن أن لا شئ أجلب لغضب الله من الإشراك به، كما لا شئ أدخل في مرضاته من توحيده وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً أي رسولا، يعني: نبيهم لأن الأنبياء للأمم شهداء عليهم يشهدون بما كانوا عليه فَقُلْنا للمشركين هاتُوا بُرْهانَكُمْ أي على صحة ما ادعيتموه من أن الله شركاء فَعَلِمُوا حينئذ أَنَّ الْحَقَّ أي التوحيد لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ وغاب عنهم غيبة الشئ الضائع ما كانُوا يَفْتَرُونَ من ألوهية غير الله والشفاعة لهم، أي ذهبوا ولم ينفعوهم. وبهذا انتهت الفقرات الثلاث وبها ينتهي الجزء الأول من المجموعة الرابعة ويأتي الجزء الثاني وفيه قصة قارون وتعقيب عليها. كلمة في السياق: رأينا أن السورة كلها تنقسم إلى قسمين: الأول: قصة موسى، ثم القسم الثاني وهو الذي نحن فيه وهو يبنى على القسم الأول، وفي القسم الثاني أقام الله الحجة على رسالة رسوله، وعلى أن هذا القرآن من عند الله، ثم بين الله لرسوله ﷺ أنه لا يهدي من أحب، وإنما الهداية بيد الله لمن سلك أسبابها، ثم عرض الله شبهة من شبه

стр. 3905

الكافرين، في انصرافهم عن الإسلام، ورد عليها بشكل ثم بآخر، وفي هذا السياق تأتي قصة قارون لترينا عقوبة من عقوبات الله، تحل في إنسان هو من قوم رسول بسبب بغيه، وفي ذلك تحذير جديد لمن يبغي من هذه الأمة على هذه الأمة رافضا هدى الله، كافرا برسالة الرسول، إن الصلة بين قصة قارون وبين قوله تعالى وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا واضحة، إنها تحذير لكل فرد من هذه الأمة من أن يبغي على هذه الأمة: ***

стр. 3906

الجزء الثاني من المجموعة الرابعة وفيه قصة قارون وتعقيب عليها وتمتد من الآية (٧٦) إلى نهاية الآية (٨٤) وهذه هي: [سورة القصص (٢٨): الآيات ٧٦ الى ٨٤] إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦) وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧) قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨) فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩) وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً وَلا يُلَقَّاها إِلاَّ الصَّابِرُونَ (٨٠) فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ (٨١) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ (٨٢) تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣) مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٨٤)

стр. 3907

التفسير: إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فهو إسرائيلي فَبَغى عَلَيْهِمْ أي ظلم وتكبر وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ أي الأموال ما إِنَّ مَفاتِحَهُ جمع مفتح وهو ما يفتح به لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ أي الأشداء، والعصبة الجماعة الكثيرة، أي إن مفاتيح مغاليق كنوزه لتثقل العصبة الأقوياء إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ أي لا تبطر بكثرة المال وقد علموا أنه لا يفرح بالدنيا إلا من رضي بها واطمأن، وأما من قلبه إلى الآخرة ويعلم أنه يتركها عن قريب فلا يفرح بها إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ أي البطرين الأشرين، الذين لا يشكرون الله على ما أعطاهم وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ من الغنى والثروة الدَّارَ الْآخِرَةَ بأن تتصدق على الفقراء، وتصل الرحم، وتصرف إلى أبواب الخير، أي استعمل ما وهبك الله من هذا المال الجزيل، والنعمة الطائلة، في طاعة ربك، والتقرب إليه بأنواع القربات، التي يحصل لك بها الثواب في الدنيا والآخرة وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا قال ابن كثير (أي مما أباح الله فيها من المآكل والمشارب، والملابس والمساكن والمناكح فإن لربك عليك حقا، ولنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، ولزوجك عليك حقا فآت كل ذي حق حقه) وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ أي وأحسن إلى خلقه كما أحسن هو إليك، أو وأحسن بشكرك وطاعتك لخالق الأنام كما أحسن إليك بالإنعام وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ بالظلم والبغي، والصد عن سبيل الله، أي لا تكن همتك بما أنت فيه أن تفسد به في الأرض وتسيء إلى خلق الله إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ بل يبغضهم، هذه سنته وهذا شأنه قالَ قارون إِنَّما أُوتِيتُهُ أي المال عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أي على استحقاق لما في

стр. 3908

من العلم، الذي فضلت به على الناس، وهو علم جني المال وتثميره، أو المعنى: إنما أعطاني الله هذا المال لعلمه بأني أستحقه، ولمحبته لي فتقديره: إنما أعطيته لعلم الله في أني أهل له، قال الله ردا عليه ما ادعاه من اعتناء الله به، فيما أعطاه من المال أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً أي من هو أقوى منه وأغنى، أي قد كان من هو أكثر من ذلك لا عن محبة منا لهم، وقد أهلكناهم بكفرهم، وعدم شكرهم وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ أي لعلمه تعالى بهم، بل يدخلون النار بغير حساب ويقذفون بها بغير سؤال، أو يعرفون بسيماهم فلا يسألون، أو لا يسألون لتعلم ذنوبهم من جهتهم، بل يسألون سؤال توبيخ أو لا يسأل عن ذنوب الماضين المجرمون من هذه الأمة فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ الكاملة قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا ممن لا فقه عندهم يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ تمنوا ذلك على سبيل الرغبة في اليسار كعادة البشر. قالوا ذلك غبطة. والغابط هو الذي يتمنى مثل نعمة صاحبه من غير أن تزول عنه، كهذه الآية والحاسد هو الذي يتمنى أن تكون نعمة صاحبه له دونه وهو كقوله تعالى: وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ. إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ أي جد وبخت عَظِيمٍ أي وافر من الدنيا. فلما سمع مقالتهم أهل العلم النافع زجروهم وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ بالثواب والعقاب وفناء الدنيا وبقاء العقبى قالوا لغابطي قارون وَيْلَكُمْ هذه كلمة تستعمل في الأصل للدعاء بالهلاك ثم استعملت في الزجر والردع والبعث على ترك ما لا يرضى ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً قال ابن كثير: أي جزاء الله لعباده المؤمنين الصالحين في الدار الآخرة خير مما ترون. كما في الحديث الصحيح «يقول الله تعالى أعددت لعبادي الصالحين. ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب، واقرءوا إن شئتم: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ وَلا يُلَقَّاها إِلَّا الصَّابِرُونَ قال السدي: ولا يلقى الجنة إلا الصابرون وكأنه جعل ذلك من تمام كلام الذين أوتوا العلم، قال ابن جرير: ولا يلقى هذه الكلمة إلا الصابرون عن محبة الدنيا الراغبون في الدار الآخرة وكأنه جعل ذلك مقطوعا من كلام أولئك وجعله من كلام الله وإخباره بذلك. والصابرون هم الذين صبروا على الطاعات وعن الشهوات وزينة الدنيا وعلى ما قسم الله من القليل عن الكثير فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ عقوبة له على بغيه فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ أي جماعة يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي يمنعونه من عذاب الله وَما

стр. 3909

كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ أي على موسى أو من الممتنعين من عذاب الله. قال ابن كثير: أي ما أغنى عنه ماله ولا جمعه ولا خدمه وحشمه ولا دفعوا عنه نقمة الله وعذابه ونكاله ولا كان هو في نفسه منتصرا لنفسه فلا ناصر له من نفسه ولا من غيره وَأَصْبَحَ أي وصار الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ أي منزلته من الدنيا بِالْأَمْسِ أي قبل ذلك يقولون «وي» هي كلمة تنبه على الخطأ وتندم، يستعملها النادم بإظهار ندامته وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ أي يوسع ويضيق على حسب المشيئة لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ وإن كانوا أغنياء تنبه القوم على خطئهم في تمنيهم مال قارون، وعلموا أن المال ليس بدال على رضا الله عن صاحبه فإن الله يعطي المال من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الإيمان إلا من يحب، وبعد أن قص الله علينا قصة قارون أعطانا وعدا، وعلمنا على سنة من سننه فقال: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ التي سمعت بذكرها وبلغك وصفها نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا أي بغيا وظلما وكبرا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً أي عملا بالمعاصي أو قتلا للنفس بغير حق أو صدا عن سبيل الله، ولم يعلق الموعد بترك العلو والفساد ولكن بترك إرادتهما وميل القلوب إليهما وَالْعاقِبَةُ المحمودة لِلْمُتَّقِينَ الله بترك ما نهى، وفعل ما أمر مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ أي يوم القيامة فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها أي ثواب الله خير من حسنة العبد فكيف والله يضاعفه أضعافا كثيرة. وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلَّا مثل ما كانُوا يَعْمَلُونَ وذلك من كمال فضله ألا يجزي السيئة إلا بمثلها ويجزي الحسنة بعشر أمثالها إلى ما يشاء. وبهذا انتهت قصة قارون والتعليق عليها. ولم يبق عندنا من المجموعة الرابعة إلا آية واحدة هي خاتمة المجموعة. ***

стр. 3910

خاتمة المجموعة الرابعة وهي آية واحدة هي الآية (٨٥) وهذه هي: [سورة القصص (٢٨): آية ٨٥] إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٨٥) التفسير إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ أي أوجب عليك تلاوته وتبليغه والعمل بما فيه لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ أي يوم القيامة، فيسألك عن ذلك، أو إلى مكة بعد إخراجك منها قُلْ للناس جميعا رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى يعني محمدا وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ أي واضح وهم المشركون. قال ابن كثير: (أي قل لمن خالفك وكذبك يا محمد من قومك من المشركين، ومن تبعهم على كفرهم، قل ربي أعلم بالمهتدي منكم ومني وستعلمون لمن تكون له عاقبة الدار، ولمن تكون العاقبة والنصرة في الدنيا والآخرة) وبهذا ختمت المجموعة الرابعة: كلمة في السياق: لاحظ الصلة بين أول آية في المجموعة الرابعة وآخر آية: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ لاحظ وجود كلمة الهداية في الآيتين. ولاحظ أن الآية الأخيرة تعزية على ما ورد في الأولى، وتذكير بالواجب الأول وهو التذكير، ومن هنا نعلم أن المجموعة الرابعة كل متكامل، ففيها تقرير أمر الهداية، والرد على دعوى صارفة عن الدخول في الإسلام وهي خوف التخطف التي عولجت بالرد المباشر، وبالترغيب والترهيب والتذكير بعذاب الآخرة، وعذاب الدنيا، والتي ختمت بذكر القاعدة أن الدار الآخرة لا تكون إلا للمتقين، وأن إرادة العلو والفساد في الأرض لا يكون معها نيل ثواب الله في الآخرة، وأن الحسنة

стр. 3911

تجزى بخير منها. فادخلوا في الإسلام وجاهدوا واعملوا ولا تتلكئوا فأجركم كائن، ثم جاءت الآية الأخيرة وعدا بالنصر، وتعزية لرسول الله ﷺ ، وأمرا له بتحديد الموقف الفاصل، وقد بقيت معنا. مجموعة واحدة من السورة هي المجموعة الخامسة. فوائد: ١ - تحدث المفسرون عن قارون، وهو أنه قارون بن يصهب بن قاهث، وهو المذكور في التوراة المحرفة الحالية باسم قورح بن يصهار بن قهاث بن لاوي. والتوراة الحالية تذكر قورح هذا في الإصحاح السادس عشر، من سفر العدد، وفي هذا السفر تقول التوراة الحالية (وفتحت الأرض فاها وابتلعتهم وبيوتهم وكل من كان لقورح مع كل الأموال ..... وكل إسرائيل الذين حولهم هربوا من صوتهم، لأنهم قالوا لعل الأرض تبتلعنا) إلا أن التوراة الحالية لا تذكر التفصيلات التي ذكرها النص القرآني لكنها ذكرت بغي قورح ومن معه وتمرده على موسى وهارون وقومهما، وليس لنا من التوراة الحالية ما نأخذه إلا ما وافق القرآن والسنة؛ فإنها كتبت بعد أزمان متطاولة فلم يبق فيها من الوحي الصادق إلا قليل. ٢ - قال ابن كثير بمناسبة قول قارون: إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي (وقد روي عن بعضهم أنه أراد إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أي أنه كان يعاني علم الكيمياء، وهذا القول ضعيف لأن علم الكيمياء في نفسه علم باطل، لأن قلب الأعيان لا يقدر أحد عليها إلا الله قال الله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: «يقول الله ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي فليخلقوا ذرة، فليخلقوا شعيرة» وهذا ورد في المصورين الذين يشبهون بخلق الله، في مجرد الصورة الظاهرة، أو الشكل، فكيف بمن يدعي أنه يحيل ماهية هذه الذات إلى ماهية ذات أخرى، هذا زور محال، وجهل وضلال، وإنما يقدرون على الصبغ في الصورة الظاهرة وهي كذب وزغل وتمويه وترويج أنه صحيح في نفس الأمر وليس كذلك قطعا لا محالة، ولم يثبت بطريق شرعي أنه صح مع أحد من الناس من هذه الطريقة التي يتعاطاها هؤلاء الجهلة الفسقة الأفاكون وأن ما يجريه الله سبحانه من خرق العوائد على يدي بعض الأولياء من قلب بعض الأعيان ذهبا أو فضة أو نحو ذلك، فهذا أمر لا ينكره مسلم،

стр. 3912

ولا يرده مؤمن، ولكن هذا ليس من قبيل الصناعات وإنما هذا عن مشيئة رب الأرض والسموات واختياره وفعله، كما روى عن حيوة بن شريح المصري ﵀ أنه سأله سائل فلم يكن عنده ما يعطيه، ورأى ضرورته فأخذ حصاة من الأرض، فأجالها في كفه، ثم ألقاها إلى ذلك السائل، فإذا هي ذهب أحمر، والأحاديث والآثار في هذا كثيرة جدا يطول ذكرها) أقول: ما قاله ابن كثير في شأن تحويل العناصر فيه نظر فقد أصبح بالإمكان في عصرنا تحويل العنصر إلى عنصر آخر وذلك جائز شرعا. ٣ - بمناسبة قوله تعالى: فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ قال ابن كثير: (كما ثبت في الصحيح عند البخاري من حديث الزهري عن سالم أن اباه حدثه أن رسول الله ﷺ قال: «بينما رجل يجر إزاره خسف به فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة» ثم رواه من حديث جرير بن زيد عن سالم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بنحوه، وروى الإمام أحمد عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : «بينما رجل ممن كان قبلكم خرج في بردين أخضرين يختال فيهما، أمر الله الأرض فأخذته، فإنه ليتجلجل فيها إلى يوم القيامة». تفرد به أحمد وإسناده حسن، وروى الحافظ أبو يعلى الموصلي ... عن أنس ابن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «بينما رجل ممن كان قبلكم خرج في بردين فاختال فيهما فأمر الله الأرض فأخذته فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة» ٤ - بمناسبة قوله تعالى: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً قال ابن كثير: وروى ابن جرير عن علي قال: إن الرجل ليعجبه من شراك نعله أن يكون أجود من شراك نعل صاحبه فيدخل في قوله تعالى: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ وهذا محمول على ما إذا أراد بذلك الفخر والتطاول على غيره، فإن ذلك مذموم، كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «إنه أوحي إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد» وأما إذا أحب ذلك لمجرد التجمل فهذا لا بأس به، فقد ثبت أن رجلا قال: يا رسول الله إني أحب أن يكون ردائي حسنا ونعلي حسنة أفمن الكبر ذلك؟ فقال: «لا، إن الله جميل يحب الجمال» ٥ - في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ أكثر من اتجاه عند المفسرين وقد ذكرها ابن كثير وهذا كلامه (وقال السدي عن أبي صالح عن ابن عباس إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ يقول: لرادك إلى الجنة، ثم

стр. 3913

سائلك عن القرآن. قاله السدي وقال أبو سعيد مثلها، وقال الحاكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ قال إلى يوم القيامة. ورواه مالك عن الزهري. وقال الثوري عن الأعمش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ إلى الموت، هذه طرق عن ابن عباس ﵄، وفي بعضها لرادك إلى معدنك من الجنة. وقال مجاهد يحييك يوم القيامة. وكذا روي عن عكرمة وعطاء وسعيد ابن جبير وأبي قزعة وأبي مالك وأبي صالح، وقال الحسن البصري، أي والله إن له لمعادا فيبعثه الله يوم القيامة ثم يدخله الجنة، وقد روي عن ابن عباس غير ذلك. كما روى البخاري في التفسير من صحيحه عن ابن عباس لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ قال إلى مكة. وهكذا رواه النسائي في تفسير سننه وابن جرير من حديث يعلى وهو ابن عبيد الطنافسي به وكذا العوفي رواه عن ابن عباس لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ أي لرادك إلى مكة كما أخرجك منها. وقال محمد ابن إسحاق عن مجاهد في قوله لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ إلى مولدك بمكة. وقال ابن أبي حاتم: وقد روي عن ابن عباس ويحيى بن الجزار وسعيد بن جبير وعطية والضحاك نحو ذلك. وحدثنا أبي حدثنا ابن أبي عمر قال: قال سفيان فسمعناه من مقاتل منذ سبعين سنة عن الضحاك قال: لما خرج النبي ﷺ من مكة فبلغ الجحفة اشتاق إلى مكة فأنزل الله عليه إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ إلى مكة وهذا من كلام الضحاك يقتضي أن هذه الآية مدنية، وإن كان مجموع السورة مكيا والله أعلم. وقد قال عبد الرزاق حدثنا معمر عن قتادة في قوله تعالى لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ قال: هذه مما كان ابن عباس يكتمها. وقد روى ابن أبي حاتم بسنده عن نعيم القاري أنه قال في قوله لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ قال: إلى بيت المقدس، وهذا والله أعلم يرجع إلى قول من فسر ذلك بيوم القيامة، لأن بيت المقدس هو أرض المحشر والمنشر، والله الموفق للصواب. ووجه الجمع بين هذه الأقوال أن ابن عباس فسر ذلك تارة برجوعه إلى مكة، وهو الفتح الذي هو عند ابن عباس أمارة على اقتراب أجل النبي ﷺ كما فسر ابن عباس سورة إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ إلى آخر السورة أنه أجل رسول الله نعي إليه. وكان ذلك بحضرة عمر بن الخطاب ووافقه عمر على ذلك وقال: لا أعلم منها غير الذي تعلم. ولهذا فسر ابن عباس تارة أخرى قوله لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ بالموت، وتارة بيوم القيامة، الذي هو بعد الموت، وتارة بالجنة التي هي جزاؤه ومصيره على أداء رسالة الله وإبلاغها إلى الثقلين الإنس والجن، ولأنه أكمل خلق الله وأفصح خلق الله وأشرف خلق الله على الإطلاق)

стр. 3914

المجموعة الخامسة من القسم الثاني وتمتد من الآية (٨٦) إلى نهاية السورة أي إلى نهاية الآية (٨٨) وهذه هي: [سورة القصص (٢٨): الآيات ٨٦ الى ٨٨] وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ (٨٦) وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٨٧) وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨) ملاحظة حول السياق: نلاحظ أن القسم الثاني من هذه السورة بدأ بقوله تعالى: وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ ... واستمر حتى وصل إلى ما نحن فيه. فلنلاحظ أن بداية هذه المجموعة- وهي خاتمة السورة- مبدوءة بقوله تعالى: وَما كُنْتَ. لقد بدأت المجموعة الأولى بالحديث عما تثبت به نبوة محمد ﷺ بالبناء على ما ورد في القسم الأول وتأتي هذه المجموعة في خاتمة القسم الثاني لتذكر محمدا ﷺ بنعمة الله عليه، وهي نعمة لم يكن يتوقعها ويرجوها، ثم تأمره بمجموعة أوامر ونواه هي الشكر المقابل لهذه النعمة. فالسياق كله يصب في طريق واحد فلنر تفسير المجموعة: وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ أي وما كنت تظن قبل إنزال الوحي إليك أن الوحي سينزل عليك إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ أي ولكن رحمة من ربك أنزل إليك أي إنما أنزل الوحي عليك من الله من رحمته بك وبالعباد بسببك فإذا منحك هذه النعمة العظيمة فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً أي معينا لِلْكافِرِينَ قال ابن كثير: ولكن فارقهم ونابذهم وخالفهم.

стр. 3915

كلمة في السياق: نلاحظ أنه قد ورد في القسم الأول من السورة على لسان موسى قوله: رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ وهاهنا يأمر الله رسوله ﷺ فيقول: فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ وهذا يشير إلى أن من مقاصد السورة الرئيسية التربية على هذا المعنى، كما يشير إلى أن القسم الثاني يبنى على ما ورد في القسم الأول. وَلا يَصُدُّنَّكَ أي ولا يمنعنك هؤلاء عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ أي عن العمل بالقرآن وَادْعُ إِلى رَبِّكَ أي إلى توحيده وعبادته وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ انتسابا أو مشاركة أو عملا أو اعتقادا. كلمة في السياق: بدأت السورة بقوله تعالى: طسم تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ وفي هذه الآية ورد قوله تعالى: وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ فالصلة بين مقدمة السورة وخاتمتها لا تخفى، وكنا ذكرنا أن محور هذه السورة هو قوله تعالى: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ وقد رأينا كيف أن قوله تعالى: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ .. توجيه لصاحب الرسالة. وهاهنا نرى الخطاب لمن أنزلت عليه الآيات ألا يصده أحد عن هذه الآيات. فالصلة بين السورة ومحورها واضحة، كما أن السياق الخاص للسورة واضح الترابط. ثم تختم السورة بقوله تعالى: .. وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ أي لا تليق العبادة إلا له، ولا تنبغي الإلهية الا لعظمته كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ قال ابن كثير: إخبار بأنه الدائم الباقي الحي القيوم الذي تموت الخلائق ولا يموت ... لَهُ الْحُكْمُ أي القضاء في خلقه والأمر والنهي والتشريع والملك والتصرف ولا معقب لحكمه وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أي يوم القيامة فيجزيكم بأعمالكم إن خيرا فخير وإن شرا فشر.

стр. 3916

فوائد: ١ - يفسر العلماء قوله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ بأن المراد بالوجه هنا الذات. ولبعضهم اتجاه آخر في تفسير الآية. وقد نقل ابن كثير هذه الاتجاهات فقال وقوله كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ إخبار بأنه الدائم الباقي الحي القيوم الذي تموت الخلائق ولا يموت، كما قال تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ معبر بالوجه عن الذات وهكذا قوله هاهنا كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ أي إلا إياه وقد ثبت في الصحيح من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: ألا كل شئ ما خلا الله باطل» وقال مجاهد والثوري في قوله: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ أي إلا ما أريد به وجهه، وحكاه البخاري في صحيحه كالمقرر له. قال ابن جرير: ويستشهد من قال ذلك بقول الشاعر: أستغفر الله ذنبا لست محصيه ... رب العباد إليه الوجه والعمل وهذا القول لا ينافي القول الأول فإن هذا إخبار عن كل الأعمال بأنها باطلة إلا ما أريد به وجه الله تعالى من الأعمال الصالحة المطابقة للشريعة، والقول الأول مقتضاه أن كل الذوات فانية وزائلة إلا ذاته تعالى وتقدس، فإنه الأول والآخر، الذي هو قبل كل شئ وبعد كل شئ. ٢ - وبمناسبة قوله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ذكر ابن كثير ما ذكره ابن أبي الدنيا في كتاب (التفكر والاعتبار) بسنده إلى الوليد قال: كان ابن عمر إذا أراد أن يتعاهد قلبه يأتي الخربة، فيقف على بابها، فينادي بصوت حزين فيقول: أين أهلك؟ ثم يرجع إلى نفسه فيقول: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ. ٣ - ونختم الفوائد بتعليقات للنسفي حول معان في قصة قارون قال: قال سهل ما نظر أحد إلى نفسه فأفلح، والسعيد من صرف بصره عن أقواله وأفعاله وفتح له سبيل رؤية منة الله تعالى عليه في جميع الأفعال والأقوال، والشقي من زين في عينه أفعاله وأقواله وأحواله، ولم يفتح له سبيل رؤية منة الله، فافتخر بها وادعاها لنفسه، فشؤمه يهلكه يوما كما خسف بقارون لما ادعى لنفسه فضلا.

стр. 3917

كلمة في القسم الثاني من السورة: رأينا أن القسم الأول تلا علينا آيات الله في قصة موسى وفرعون، وفي هذه التلاوة معجزة تدل على أن هذا القرآن من عند الله. ثم جاء القسم الثاني ليبني على ذلك أن هذا القرآن من عند الله، وأن محمدا رسول الله ﷺ ، وأقام الحجة على ذلك مرة، بعد مرة فإذا استقر ذلك بين الله لرسوله أن الهداية لا تكون إلا بأمر الله، وأنها جارية على سنن، وأن مجرد محبته ﵊ لهداية إنسان ليست كافية لهدايته، ثم ناقش أحد الصوارف عن هذا الدين، وهو خوف التخطف، ورد عليه ثم حذر من البغي على رسوله وأمته. ثم بشر. ثم ذكر رسوله ﷺ بنعمته عليه بإنزاله عليه هذا القرآن وأمره- وهو أمر لكل أمته- بمجموعة أوامر هي الشكر على هذه النعمة. كلمة في سورة القصص: بدأت السورة بقوله تعالى: طسم تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ* نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ وبعد أن قص الله علينا هذه الآيات بنى عليها ما تقوم به الحجة على رسالة محمد ﷺ ، وعلى أن هذا القرآن من عند الله، وأن موقف أهل العلم التسليم لرسالة محمد ﷺ ، ثم بينت السورة أن الهداية بيد الله، وليست بيد أحد، وفي هذا السياق يأتي عرض الشبهة القطيعة المستمرة، وهي ترك الإسلام بحجة الأمن. وترد السورة على هذه الشبهة شيئا فشيئا وبطريقة بعد طريقة وترد في السياق إنذارات وتحذيرات من خلال عرض ما يكون في الآخرة، ومن خلال عرض أخذ قارون. ثم تأمر السورة في أواخرها رسول الله ﷺ عدة أوامر، يؤدي بها شكر نعمة الله عليه بإنزال هذا القرآن. ... وقد أوردت السورة خصيصة من خصائص هذا القرآن وكانت السورة نموذجا عليها، هذه الخصيصة هي قوله تعالى: وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ فقد وصل الله هذا القرآن بأن وصل المعنى بالمعنى. فتجد القصة بجانب التقرير، بجانب الموعظة، بجانب الإنكار يربطه رباط جامع هو سياق السورة الخاص ضمن محورها في السياق القرآني العام. وقد رأينا في هذه السورة نموذج ذلك. فمشاهد قصة موسى، ومجموعات القسم الثاني كل منها يعرض معنى، ويأتي ليعضد

стр. 3918

الأول ويكمله وهكذا، وما يحتاج إلى تكرار كثير كرر. وما يحتاج إلى تكرار أقل كرر بقدر ذلك. ... إن سورة القصص آتية تفصل الآية الآتية في حيز الأمر ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ومن ثم تجد فيها ما يخدم هذا الموضوع، كتحطيم الأفكار التي تناهضه كقول الكافرين وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا كما أن السورة من خلال القصة والعرض في قسميها تعطينا الكثير من القيم الإسلامية، والآداب الإسلامية، والمواقف الإسلامية، والأحكام الإسلامية، ومن ذلك بعض القضايا التي تعتبر قضايا دستورية، كموضوع اللجوء السياسي في قصة موسى ﵇ في ذهابه إلى مدين. ... والسورة في سياقها الرئيسي تبين لنا ظاهرة الرسالة وخصائصها، كما تذكر لنا أخلاق المرشحين لها قبلها، وقد جاء ذلك من خلال التعرض لأكبر رسالتين في التاريخ: رسالة موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام. كلمة في الطاسينات الثلاث ومجموعتها: الطاسينات الثلاث هي آخر المجموعة الثالثة من القسم الثاني من أقسام القرآن، أي المجموعة المبدوءة ب (طه) ولئن كانت سورة (طه) تحدثت عن موسى، فإن الطاسينات الثلاث تحدثت عن موسى كذلك، وذلك لأن الموضوع الذي عالجته سورة طه قريب من الموضوع الذي عالجته الطاسينات الثلاث. إلا أن سورة طه عالجته كبداية، والطاسينات عالجته كنهاية. فسورة (طه) فصلت قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ والطاسينات فصلت قوله تعالى: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ مما يشير إلى أن قضية الإيمان بالقرآن والرسول هي البداية والنهاية. لقد فصلت الطاسينات الثلاث آية واحدة هي: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ولكن كل من السور الثلاث فصل هذه الآية بجرس وأسلوب ومعان يكمل بعضها بعضا، ولكنها كلها تصب فيها، وتفصلها ضمن حيز ورود آية المحور في سورة البقرة، والملاحظ أن آية المحور لم تفصل قبل ذلك في القرآن، فجاء تفصيلها بهذا

стр. 3919

الشكل المتكرر في مكان واحد، في نهاية المجموعة الثالثة من القسم الثاني، وفي نهاية القسم الثاني كله؛ لأنها تؤدي معنى هو مسك الختام في السياق الخاص والعام للقرآن، إذ تؤكد على كثرة المعجزات في رسالة محمد ﷺ وتؤكد على صحة رسالة رسولنا ﵊. ... إن المجموعة الثالثة من القسم الثاني من أقسام القرآن وهي المبدوءة ب (طه) والمنتهية (بالطاسينات) هي خاتمة القسم الثاني قسم المئين. ومن ثم نلاحظ في هذه المجموعة تركيزها في بدايتها ونهايتها على قضية الإيمان وعرضها في الوسط لمواضيع تميزت بها عن المجموعتين السابقتين. ففي المجموعتين السابقتين لم ترد سورة مبدوءة ب (يا أيها ... ) كما كان في القسم الأول. ولكن في المجموعة الثالثة وجد ذلك، وفي المجموعتين السابقتين لم ترد سورة كاملة حول قضايا تشريعية كما وجد ذلك في القسم الأول، ولكن في المجموعة الثالثة وجدت سورة كسورة النور، وهكذا نجد أن المجموعة الثالثة دورها دور مكمل لموضوع القسم كله، بحيث يرى فيها تشابه قسم المئين مع قسم الطول، وقد استكمل هذا الشبه من خلال هذه المجموعة، فكأن المجموعتين السابقتين كانتا مقدمتين للمجموعة الثالثة، وجاءت المجموعة الثالثة لتبني عليهما. ... إن معرفة أسرار التربية القرآنية، وطرائق القرآن في التربية، لا يدرك أبعادها الإنسان إلا بقدر إدراكه لأسرار القرآن، وبقدر ما نبني هذه الأمة على ضوء المعرفة الصحيحية لكتاب الله نكون سائرين في طريق بناء الإنسان البناء الصحيح لأن الله منزل القرآن هو الأعلم بالإنسان. كلمة في القسم الثاني من أقسام القرآن: رأينا أن القسم الثاني من أقسام القرآن يبدأ بسورة يونس وينتهي بسورة القصص، وهو القسم الذي أطلق عليه الرسول ﷺ اسم المئين. هذا القسم فصل سورة البقرة تفصيلا بعد تفصيل، فصل سورة البقرة في مجموعته الأولى بما يصلح أن يكون مقدمة للمجموعة

стр. 3920

الثانية. وفصل سورة البقرة في مجموعته الثانية بانيا على المجموعة الأولى، ومقدما للثالثة. وفصل سورة البقرة في مجموعته الثالثة، بما يكمل تفصيل المجموعتين السابقتين. ولقد فصلت كل مجموعة سورة البقرة نوع تفصيل بحيث لا يتعارض تفصيلان بل يتكاملان، وبهذا أكمل القسم الثاني من أقسام القرآن ما بناه القسم الأول. ... جاءت فاتحة القرآن تلخص معاني القرآن كله، ثم جاءت سورة البقرة فعرضت الإسلام كله عرضا محكما مجملا، كما قال ﵊ عنها: «إن كادت لتستحصي الدين كله»، ثم جاءت السور السبع بعدها ففصلت الكثير مما أجمل فيها على ترتيب وروده فيها ثم جاء القسم الثاني: ففصل الكثير مما أجمل فيها: جاءت المجموعة الأولى من هذا القسم ففصلت بعض ما أجمل في سورة البقرة على ترتيب وروده فيها، ثم جاءت المجموعة الثانية ففصلت الكثير مما أجمل في سورة البقرة على ترتيب وروده فيها، ثم جاءت المجموعة الثالثة ففصلت كذلك الكثير مما أجمل فيها على ترتيب وروده، ولقد رأينا كثيرا من المعاني قد كررت مرة ومرة ومرة، مما يشير إلى أهميتها أو يشير إلى ضرورة عرضها مرات، بحسب احتياج النفس البشرية، وقد تحدثنا عن تفصيلات ذلك كله أثناء الكلام عن السور، وعن المجموعات وعن الأقسام بما يكفي ويغني عن أن نقول أكثر مما قلناه. فلننتقل إلى القسم الثالث من أقسام القرآن، وهو المسمى في الحديث النبوي بقسم المثاني.

стр. 3921

القسم الثالث من أقسام القرآن قسم المثاني ويتضمّن سور العنكبوت، الرّوم، لقمان، السّجدة، الأحزاب، سبأ، فاطر، يس، الصّافات، ص، الزّمر، غافر، فصّلت، الشّورى، الزّخرف، الدّخان، الجاثية، الأحقاف، محمّد، الفتح

стр. 3922

[مقدمة حول أقسام القرآن الكريم وتحديد قسمي المثاني والمفصل وسبب تسمية قسم المثاني بهذا الاسم] قال ابن كثير: (قال أبو عبيد: حدثنا هشام بن إسماعيل الدمشقي عن أحمد ابن شعيب عن سعيد بن بشير عن قتادة عن أبي المليح عن واثلة بن الأسقع عن النبي ﷺ قال: «أعطيت السبع الطول مكان التوراة، وأعطيت المئين مكان الإنجيل، وأعطيت المثاني مكان الزبور، وفضّلت بالمفصّل». هذا حديث غريب وسعيد بن أبي بشير فيه لين. وقد رواه أبو عبيد الله عن عبد الله بن صالح عن الليث عن سعيد بن أبي هلال قال: بلغنا أن رسول الله ﷺ قال، فذكره، والله أعلم. أقول: وقد وصف الغماري هذا الحديث بالحسن) أ. هـ. ومن خلال دراستنا للقرآن نجد فعلا أن للقرآن أقساما: فالقسم الأول الذي يشمل السبع الطوال، تجده يشكل نوعا من التكامل والتفصيل. والقسم الثاني المبدوء بسورة يونس، والمنتهي بسورة القصص، يشكّل نوعا من التكامل والتفصيل. إنك عند ما تبدأ تتلو سورة يونس تحسّ من خلال أوائل السورة أنك أمام قسم جديد، وعند ما تنتهي من سورة القصص تجد نفسك أنك أمام قسم جديد يبدأ ب (الم) .... إلا أنّ أيّ قسم لاحق لا يعني انفصالا عن قسم سابق بل كل قسم يفصّل معاني على حسب نظام معيّن، ونسق معيّن، هو النسق الذي خص الله به سورة البقرة، مع تكامل الأقسام مع بعضها. وقد رأينا أن الحديث الشريف الذي مرّ معنا قد ذكر أربعة أقسام: قسم الطول، وقسم المئين، وقسم المثاني، وقسم المفصّل، وفي اجتهادنا أنّه بسورة القصص ينتهي القسم الثاني- قسم المئين الذي جاء بعد قسم الطول- وبقي عندنا قسم المثاني، وقسم المفصّل، وللعلماء خلاف حول المفصّل من أين يبدأ. قال صاحب نيل الأوطار: (قال في الضياء: هو من سورة محمد ﷺ إلى آخر القرآن ... وذكر في القاموس أقوالا عشرة: من الحجرات إلى آخره ... أو من الجاثية، أو القتال، أو ق،

стр. 3923

أو الصافات، أو الصف، أو تبارك، أو الفتح، أو الأعلى، أو الضحى، ونسب بعض هذه الأقوال إلى من قال بها قال: وسمّي مفصلا لكثرة الفصول بين سوره أو لقلة المنسوخ) وقال في مراقي الفلاح- أحد كتب الحنفية-: (والمفصّل هو السبع السابع، وقيل: أوله- عند الأكثرين- من سورة الحجرات، وقيل: من سورة محمد ﷺ ، أو من الفتح، أو من ق. فالطوال (أي طوال المفصّل) من مبدئه إلى البروج، وأوساطه منها إلى (لم يكن) وقصاره منها إلى آخره ... ). ومن الاختلاف الكثير في المفصّل نعلم أنّ المسألة اجتهادية، وأكثر الأقوال أن المفصّل من بعد الحجرات، وعلى هذا القول فإن (ق) تكون من المفصّل إلا أننا نستبعد ذلك؛ لأنّنا نرى أن (ق) جزء مما قبلها؛ فهي امتداد للحواميم؛ بدليل أن سورة الشورى مبدوءة ب حم عسق وسنبرهن على هذا الموضوع فيما بعد، ومن ثمّ فإنّنا نرى أن المفصّل هو من بعد (ق) فهو إذن من سورة (الذاريات) فهو يشمل أربعة أجزاء ونيّفا، وذلك يعدل السبع إلا قليلا من مجموع القرآن. .... ولا شك أنّ الأقوال القائلة بأن بداية المفصّل من (الضحى) أو من (الأعلى) ليست صحيحة، لأنّه من المتعارف عليه أن سورة الملك يطلق عليها اسم (تبارك المفصّل)، وقد ورد ذلك في بعض الأحاديث، وأن الأقوال القائلة بأنّ ابتداء المفصّل من (إنا فتحنا)، أو من سورة محمد ﷺ مردودة؛ لأنّها قبل (ق) وهذا موضوع سنراه فيما بعد مع أدلته، وكذلك القول بأن بداية المفصّل من الجاثية مردود؛ لأن الجاثية من الحواميم، فهي جزء من مجموعة، بل هي آتية في وسط مجموعة وليست بداية لقسم. .... إنّ المفصّل في اجتهادنا يبدأ بسورة الذاريات، وسنبرهن على ذلك أكثر من مرّة، وعلى هذا فالقسم الثالث من أقسام القرآن- والمسمّى بالمثاني- يكون من سورة العنكبوت إلى نهاية سورة (ق). .... ومن تسمية القسم الثالث بالمثاني ندرك أن هناك معاني ستثنّى وتثنّى فيه. ومن ثمّ

стр. 3924

فإننا سنلاحظ- كما لاحظنا في القسم الثاني- أنه مؤلف من مجموعات، كل مجموعة تؤدّي دورها فيه ضمن السياق القرآني العام. .... ونحب ابتداء أن نسجّل ملاحظات، ندرك من خلالها لم سمي هذا القسم بالمثاني، إنّك تجد في المجموعة الأولى من هذا القسم والتي هي- كما سنرى- تمتدّ من سورة العنكبوت حتى نهاية سورة (يس) أربع سور مبدوءة ب (الم)، بينما قسم الطول لم ترد فيه (الم) إلا مرّتين، مرة في سورة البقرة، ومرة في سورة آل عمران. وفي هذه المجموعة ترد سورتان مبدوءتان ب (الحمد لله) بينما لا نجد في قسم الطول إلا سورة واحدة هي الأنعام مبدوءة ب (الحمد لله)، ولا تجد في قسم المئين إلا سورة واحدة مبدوءة ب (الحمد لله) هي الكهف. ونجد في قسم المثاني سبع سور مبدوءة ب (حم)؛ مما يشير إلى وحدة الزمرة، ووحدة معانيها. من مثل هذه الملاحظات نعرف بعض السرّ في تسمية هذا القسم بالمثاني. .... لقد استأنسنا في تحديدنا لأقسام القرآن بنصوص وبعلامات ثمّ بالمعاني، فمثلا وجود (الم) في بداية سورة العنكبوت، وعدد آيات سورة القصص، كل ذلك كان عاملا من عوامل تحديد بداية قسم المثاني، ونهاية قسم المئين، والمعاني هي التي أكملت الدليل كما رأينا وكما سنرى. يتألف قسم المثاني من خمس مجموعات، كل مجموعة تفصّل في سورة البقرة نوع تفصيل، فهي تبدأ في تفصيل الآية الأولى منها ثمّ وثمّ، ثمّ تأتي المجموعة الثانية، فتبدأ التفصيل من البداية وهكذا، وذلك كذلك سبب من أسباب تسمية هذا القسم بالمثاني، وسنرى كيف أن المعاني هي التي ستحدّد لنا بدايات المجموعات ونهاياتها. ولنبدأ بعرض المجموعة الأولى من قسم المثاني.

стр. 3925

المجموعة الأولى من القسم الثالث من أقسام القرآن المسمّى بقسم المثاني وتشمل سور: العنكبوت، والروم، ولقمان، والسجدة، والأحزاب، وسبأ، وفاطر، ويس
следующие страницы →