← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 3921–3960 · переход к 3926.

стр. 3921

القسم الثالث من أقسام القرآن قسم المثاني ويتضمّن سور العنكبوت، الرّوم، لقمان، السّجدة، الأحزاب، سبأ، فاطر، يس، الصّافات، ص، الزّمر، غافر، فصّلت، الشّورى، الزّخرف، الدّخان، الجاثية، الأحقاف، محمّد، الفتح

стр. 3922

[مقدمة حول أقسام القرآن الكريم وتحديد قسمي المثاني والمفصل وسبب تسمية قسم المثاني بهذا الاسم] قال ابن كثير: (قال أبو عبيد: حدثنا هشام بن إسماعيل الدمشقي عن أحمد ابن شعيب عن سعيد بن بشير عن قتادة عن أبي المليح عن واثلة بن الأسقع عن النبي ﷺ قال: «أعطيت السبع الطول مكان التوراة، وأعطيت المئين مكان الإنجيل، وأعطيت المثاني مكان الزبور، وفضّلت بالمفصّل». هذا حديث غريب وسعيد بن أبي بشير فيه لين. وقد رواه أبو عبيد الله عن عبد الله بن صالح عن الليث عن سعيد بن أبي هلال قال: بلغنا أن رسول الله ﷺ قال، فذكره، والله أعلم. أقول: وقد وصف الغماري هذا الحديث بالحسن) أ. هـ. ومن خلال دراستنا للقرآن نجد فعلا أن للقرآن أقساما: فالقسم الأول الذي يشمل السبع الطوال، تجده يشكل نوعا من التكامل والتفصيل. والقسم الثاني المبدوء بسورة يونس، والمنتهي بسورة القصص، يشكّل نوعا من التكامل والتفصيل. إنك عند ما تبدأ تتلو سورة يونس تحسّ من خلال أوائل السورة أنك أمام قسم جديد، وعند ما تنتهي من سورة القصص تجد نفسك أنك أمام قسم جديد يبدأ ب (الم) .... إلا أنّ أيّ قسم لاحق لا يعني انفصالا عن قسم سابق بل كل قسم يفصّل معاني على حسب نظام معيّن، ونسق معيّن، هو النسق الذي خص الله به سورة البقرة، مع تكامل الأقسام مع بعضها. وقد رأينا أن الحديث الشريف الذي مرّ معنا قد ذكر أربعة أقسام: قسم الطول، وقسم المئين، وقسم المثاني، وقسم المفصّل، وفي اجتهادنا أنّه بسورة القصص ينتهي القسم الثاني- قسم المئين الذي جاء بعد قسم الطول- وبقي عندنا قسم المثاني، وقسم المفصّل، وللعلماء خلاف حول المفصّل من أين يبدأ. قال صاحب نيل الأوطار: (قال في الضياء: هو من سورة محمد ﷺ إلى آخر القرآن ... وذكر في القاموس أقوالا عشرة: من الحجرات إلى آخره ... أو من الجاثية، أو القتال، أو ق،

стр. 3923

أو الصافات، أو الصف، أو تبارك، أو الفتح، أو الأعلى، أو الضحى، ونسب بعض هذه الأقوال إلى من قال بها قال: وسمّي مفصلا لكثرة الفصول بين سوره أو لقلة المنسوخ) وقال في مراقي الفلاح- أحد كتب الحنفية-: (والمفصّل هو السبع السابع، وقيل: أوله- عند الأكثرين- من سورة الحجرات، وقيل: من سورة محمد ﷺ ، أو من الفتح، أو من ق. فالطوال (أي طوال المفصّل) من مبدئه إلى البروج، وأوساطه منها إلى (لم يكن) وقصاره منها إلى آخره ... ). ومن الاختلاف الكثير في المفصّل نعلم أنّ المسألة اجتهادية، وأكثر الأقوال أن المفصّل من بعد الحجرات، وعلى هذا القول فإن (ق) تكون من المفصّل إلا أننا نستبعد ذلك؛ لأنّنا نرى أن (ق) جزء مما قبلها؛ فهي امتداد للحواميم؛ بدليل أن سورة الشورى مبدوءة ب حم عسق وسنبرهن على هذا الموضوع فيما بعد، ومن ثمّ فإنّنا نرى أن المفصّل هو من بعد (ق) فهو إذن من سورة (الذاريات) فهو يشمل أربعة أجزاء ونيّفا، وذلك يعدل السبع إلا قليلا من مجموع القرآن. .... ولا شك أنّ الأقوال القائلة بأن بداية المفصّل من (الضحى) أو من (الأعلى) ليست صحيحة، لأنّه من المتعارف عليه أن سورة الملك يطلق عليها اسم (تبارك المفصّل)، وقد ورد ذلك في بعض الأحاديث، وأن الأقوال القائلة بأنّ ابتداء المفصّل من (إنا فتحنا)، أو من سورة محمد ﷺ مردودة؛ لأنّها قبل (ق) وهذا موضوع سنراه فيما بعد مع أدلته، وكذلك القول بأن بداية المفصّل من الجاثية مردود؛ لأن الجاثية من الحواميم، فهي جزء من مجموعة، بل هي آتية في وسط مجموعة وليست بداية لقسم. .... إنّ المفصّل في اجتهادنا يبدأ بسورة الذاريات، وسنبرهن على ذلك أكثر من مرّة، وعلى هذا فالقسم الثالث من أقسام القرآن- والمسمّى بالمثاني- يكون من سورة العنكبوت إلى نهاية سورة (ق). .... ومن تسمية القسم الثالث بالمثاني ندرك أن هناك معاني ستثنّى وتثنّى فيه. ومن ثمّ

стр. 3924

فإننا سنلاحظ- كما لاحظنا في القسم الثاني- أنه مؤلف من مجموعات، كل مجموعة تؤدّي دورها فيه ضمن السياق القرآني العام. .... ونحب ابتداء أن نسجّل ملاحظات، ندرك من خلالها لم سمي هذا القسم بالمثاني، إنّك تجد في المجموعة الأولى من هذا القسم والتي هي- كما سنرى- تمتدّ من سورة العنكبوت حتى نهاية سورة (يس) أربع سور مبدوءة ب (الم)، بينما قسم الطول لم ترد فيه (الم) إلا مرّتين، مرة في سورة البقرة، ومرة في سورة آل عمران. وفي هذه المجموعة ترد سورتان مبدوءتان ب (الحمد لله) بينما لا نجد في قسم الطول إلا سورة واحدة هي الأنعام مبدوءة ب (الحمد لله)، ولا تجد في قسم المئين إلا سورة واحدة مبدوءة ب (الحمد لله) هي الكهف. ونجد في قسم المثاني سبع سور مبدوءة ب (حم)؛ مما يشير إلى وحدة الزمرة، ووحدة معانيها. من مثل هذه الملاحظات نعرف بعض السرّ في تسمية هذا القسم بالمثاني. .... لقد استأنسنا في تحديدنا لأقسام القرآن بنصوص وبعلامات ثمّ بالمعاني، فمثلا وجود (الم) في بداية سورة العنكبوت، وعدد آيات سورة القصص، كل ذلك كان عاملا من عوامل تحديد بداية قسم المثاني، ونهاية قسم المئين، والمعاني هي التي أكملت الدليل كما رأينا وكما سنرى. يتألف قسم المثاني من خمس مجموعات، كل مجموعة تفصّل في سورة البقرة نوع تفصيل، فهي تبدأ في تفصيل الآية الأولى منها ثمّ وثمّ، ثمّ تأتي المجموعة الثانية، فتبدأ التفصيل من البداية وهكذا، وذلك كذلك سبب من أسباب تسمية هذا القسم بالمثاني، وسنرى كيف أن المعاني هي التي ستحدّد لنا بدايات المجموعات ونهاياتها. ولنبدأ بعرض المجموعة الأولى من قسم المثاني.

стр. 3925

المجموعة الأولى من القسم الثالث من أقسام القرآن المسمّى بقسم المثاني وتشمل سور: العنكبوت، والروم، ولقمان، والسجدة، والأحزاب، وسبأ، وفاطر، ويس

стр. 3926

كلمة في المجموعة الأولى من قسم المثاني: تفصّل هذه المجموعة في سورة البقرة ككل مجموعة، فالسور الأربع الأول منها تفصّل في مقدمة سورة البقرة؛ فكما أنّ سورة آل عمران مبدوءة ب الم وفصّلت مقدمة سورة البقرة، فكذلك هذه السور الأربع كلها مبدوءة ب (الم)، فإنّها تفصّل مقدمة سورة البقرة، وامتداداتها في السورة، ثم تأتي سورة الأحزاب، فتفصّل الحيّز الذي فصّلته سورتا النساء، والمائدة بآن واحد، أي أنها تفصّل من سورة البقرة من قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ... (الآية: ٢١) إلى أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ أي: إلى نهاية الآية (٢٧) فهي تفصّل ما فصّلته سورتا النساء والمائدة، ولكنّه تفصيل جديد وبشكل جديد سنراه. ثم تأتي سورتا سبأ وفاطر، فتفصلان ما فصلته سورة الأنعام، أي: تفصلان قوله تعالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ* هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (البقرة: ٢٨، ٢٩). سورة سبأ تفصل بشكل رئيسي الآية الأولى، وسورة فاطر تفصل بشكل رئيسي الآية الثانية، وتتكاملان مع بعضهما في تفصيل الآيتين، ولكن بشكل جديد سنراه. ثم تأتي سورة (يس) لتفصّل آية في أعماق سورة البقرة، فتفصل ما فصلته (الطاسينات) وهو قوله تعالى: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (البقرة: ٢٥٢) ولكنه تفصيل جديد وبشكل جديد سنراه. ومن التفصيل الذي سنراه في هذه المجموعة الأولى من قسم المثاني ندرك سرا من أسرار تسمية هذا القسم باسم المثاني. فما من سورة منه إلا وهي تثنّي تفصيل معنى من المعاني. فمقدمة سورة البقرة فصّلت من قبل، وهاهنا يثنى تفصيلها. وهكذا قل في آيات أخرى قد فصّلت من قبل، وسنرى أن مجموعات هذا القسم كثيرة، وكلها تثنى فيها بعض المعاني، وبعض التفصيل مرّة بعد مرّة. ...

стр. 3927

وهذه المجموعة تتكامل مع بعضها بحيث تؤدّي معنى متكاملا، فهي مع أدائها دورا في التفصيل الكلي للقرآن فإنّ لها دورها المستقل الذي تؤدّيه بحكم أنّها مجموعة متكاملة. وهكذا كل مجموعة من مجموعات الأقسام. وهكذا كل قسم من الأقسام. فالمجموعة داخل القسم لها دورها المستقل، والقسم بالنسبة للقرآن له دوره المستقل، ولكن المجموعة تؤدّي دورها في تكامل القسم، والقسم يؤدّي دوره في تكامل القرآن، ومن خلال هذا يظهر تشابه القرآن مع هذا الكون في حيثية من الحيثيات (١). إنّ هذا القرآن يشبه هذا الكون فهذا أثر قدرة الله، وهذا أثر صفة الكلام لله، فكما أن في هذا الكون تكاملا وتناسقا فيهما تظهر وحدته، فكذلك هذا القرآن فيه تكامل وتناسق فيهما تظهر وحدته، وكما أنّ الوحدة الكونية لا تنفي وحدة المجموعات، ولا تنفي أن تؤدّي هذه المجموعات دورا مستقلا ضمن الوحدة الكلية، فكذلك الوحدة الكلية في القرآن لا تنفي وحدة الأقسام، ووحدة المجموعات التي تؤدّي دورا خاصا ضمن الوحدة الكلية. ... وقد شرحنا موضوع التناسق والتكامل في الكون في كتابنا (الله ﷻ تحت عنوان ظاهرة الوحدة. فكل جزء في الكون يكمّل الآخر، ثمّ مرجع الأشياء كلها إلى وحدة كلية، وضمن هذه الوحدة الكلية تجد آلافا من الوحدات تؤلف فيما بينها كلّا متكاملا، فكذلك هذا القرآن. وكما أنك تستطيع من خلال أجزاء هذا الكون أن توجد ملايين المركبات، أو تفرز الشئ الواحد وتضمّه إلى بعضه فيخرج معك آلاف الأشياء، فكذلك هذا القرآن، إذا ركبت بعض مواضيعه إلى بعضها تجد ملايين المواضيع، وإذا فرزت مواضيعه كلّا على انفراد تجد ملايين المواضيع وهكذا، فما أحمق الذين يقترحون أن يكون القرآن على غير ما هو عليه، أو يعترضون على ما هو عليه، وما أحمق اعتراضهم على أنه لم تكن المواضيع القرآنية الواحدة بجانب بعضها. إنّ استخراج المواضيع ذات الصبغة الواحدة قد ترك للجهد البشري على مدى العصور؛ لأن المواضيع التي ينبغي أن تدرج بجانب بعضها تختلف باختلاف العصور، واحتياجات البشر فيها لا تتناهى، فإذا كان

стр. 3928

القرآن يحوي كل المواضيع غير المتناهية التي تحتاجها البشرية، كما أن الكون يحوي كل الأشياء التي تحتاجها البشرية. وإذا كانت الوحدة فيه كالوحدة في هذا الكون، فذلك دليل أنه من عند الله، وهو موضوع سنكرر الكلام فيه شيئا فشيئا حتى نعرف أبعاده. .... في هذا الكون تجد مجموعات ضمن الوحدة الكلية، كالمجموعة الشمسية بالنسبة لمجرّاتها، وتجد أقساما تضم مجموعات كالمجرّة بالنسبة للكون، وتجد الكون بمجموع مجرّاته، والمجموعة الشمسية تتألف من أجزاء كل جزء يشكّل وحدة مستقلة ضمن وحدة أكبر منها، وفي الجزء تجد وحدات أصغر منها، لها دورها المستقل ضمن وحدة كلية، فكذلك هذا القرآن، الآية ضمن السورة، والسورة ضمن المجموعة، والمجموعة ضمن القسم، والقسم ضمن القرآن، لكلّ دوره المستقل، مع أدائه دوره في الوحدة الأكبر منه، وهكذا نجد هذه المجموعة التي بين أيدينا، فلكل سورة منها محلّها ضمن مجموعتها، ومجموعتها تؤدّي دورا مستقلا ضمن إطار وحدة القسم، والقسم كله يؤدّي دورا. .... تبدأ المجموعة بسور أربع تتحدث عن الإيمان وأثره العملي، وتبيّن أبعاده، وتأتي سورة الأحزاب لتأمر بمراعاة معان كثيرة هي بمثابة الطريق للوصول إلى المعاني المذكورة في السور الأربع، وما تحدّثت عنه السور الخمس يوصل إلى مقام الشكر، ومن ثمّ تأتي سورة سبأ، لتتحدث عن الشكر، وشروط حصوله. ثم تأتي سورة فاطر، لتبين نقطة البداية في طريق الشكر. ثم تأتي سورة يس، لتكمّل البناء ضمن الكلام عن مهمة الرسل الذين رسموا طريق الشكر. .... وقد كان علينا من قبل أن نتحدّث عن موضوع الدور المستقل للسورة ضمن المجموعة، والدور المستقل للمجموعة ضمن القسم، ولكنّا أخرنا الكلام عن ذلك حتى لا يتشعّب الحديث، ولعلّنا بمناسبة الكلام عن هذه المجموعة نوفّي هذا الموضوع حقّه، لأن هذه المجموعة تكاد تكون نموذجا واضحا على ذلك. ....

стр. 3929

والملاحظ أنّ سورا أربعا في هذه المجموعة تبدأ ب (الم) وهذا يشير إلى أنّها تفصّل في مقدّمة سورة البقرة، وسنرى ذلك بشكل واضح، كما سنرى أنّ تفصيل كل من السور الأربع لهذه المقدّمة يكمّل تفصيل الأخرى، فسورة (العنكبوت) مثلا تفصّل في قضايا الإيمان بالغيب وبالكتاب، ومستلزمات ذلك بشكل أخصّ، بينما سورة (الروم) تفصّل في قضايا الإيمان باليوم الآخر بشكل أخصّ، وكلّ من السور الأربع تفصّل في جانب من مقدّمة سورة البقرة، وفي امتدادات ذلك في سورة البقرة نفسها، لذلك نلاحظ أن كلّا من السور الأربع قد فصّل في مقدمة سورة البقرة، وفي آيات منها قد جاءت بعد ذلك، وكل ذلك سنراه تفصيلا إن شاء الله.

стр. 3930

سورة العنكبوت وهي السّورة التاسعة والعشرون بحسب الرّسم القرآني وهي السّورة الأولى من المجموعة الأولى من قسم المثاني وآياتها تسع وستون آية وهي مكيّة وهي السّورة الأولى من زمرة (الم) في قسم المثاني

стр. 3931

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله وآله وأصحابه ربّنا تقبّل منّا، إنّك أنت السّميع العليم

стр. 3932

نقول في سورة العنكبوت: قال صاحب الظلال في تقديمه لسورة العنكبوت: (سورة العنكبوت مكية. وقد ذكرت بعض الروايات أن الإحدى عشرة آية الأولى مدنية. وذلك لذكر (الجهاد) فيها وذكر (المنافقين) .. ولكننا نرجّح أن السورة كلها مكية. وقد ورد في سبب نزول الآية الثامنة أنها نزلت في إسلام سعد ابن أبي وقاص كما سيجئ. وإسلام سعد كان في مكة بلا جدال. وهذه الآية ضمن الآيات الإحدى عشرة التي قيل إنها مدنية. لذلك نرجّح مكية الآيات كلها. أما تفسير ذكر الجهاد فيها فيسير. لأنها واردة بصدد الجهاد ضد الفتنة. أي جهاد النفس لتصبر ولا تفتن. وهذا واضح في السياق. وكذلك ذكر النفاق فقد جاء بصدد تصوير حالة نموذج من الناس. والسورة كلها متماسكة في خط واحد منذ البدء إلى الختام. إنها تبدأ بعد الحروف المقطّعة بالحديث عن الإيمان والفتنة، وعن تكاليف الإيمان الحقة التي تكشف عن معدنه في النفوس. فليس الإيمان كلمة تقال باللسان، إنما هو الصبر على المكاره والتكاليف في طريق هذه الكلمة المحفوفة بالمكاره والتكاليف. ويكاد هذا أن يكون محور السورة وموضوعها؛ فإن سياقها يمضي بعد ذلك المطلع يستعرض قصص نوح وإبراهيم ولوط وشعيب ﵈، وقصص عاد وثمود وقارون وفرعون وهامان، استعراضا سريعا يصوّر ألوانا من العقبات والفتن في طريق الدعوة إلى الإيمان. على امتداد الأجيال. ثم يعقّب على هذا القصص وما تكشّف فيه من قوى مرصودة في وجه الحق والهدى، بالتصغير من قيمة هذه القوى والتهوين من شأنها، وقد أخذها الله جميعا: فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً، وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا. ويضرب لهذه القوى كلها مثلا مصورا يجسّم وهنها وتفاهتها: مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً، وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ.

стр. 3933

ويربط بعد ذلك بين الحق الذي في تلك الدعوات والحق الذي في خلق السماوات والأرض؛ ثم يوحّد بين تلك الدعوات جميعا ودعوة محمد- ﷺ فكلها من عند الله. وكلها دعوة واحدة إلى الله. ومن ثمّ يمضي في الحديث عن الكتاب الأخير وعن استقبال المشركين له؛ وهم يطلبون الخوارق غير مكتفين بهذا الكتاب وما فيه من رحمة وذكرى لقوم يؤمنون. ويستعجلون بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين. ويتناقضون في منطقهم: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ!. وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ!. فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ. ولكنهم مع هذا كله يشركون بالله ويفتنون المؤمنين. وفي ثنايا هذا الجدل يدعو المؤمنين إلى الهجرة فرارا بدينهم من الفتنة، غير خائفين من الموت، إذ كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ. غير خائفين من فوات الرزق: وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ. ويختم السورة بتمجيد المجاهدين في الله وطمأنتهم على الهدى وتثبيتهم: وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا، وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ. فيلتئم الختام مع المطلع وتتضح حكمة السياق في السورة، وتماسك حلقاتها بين المطلع والختام، حول محورها الأول وموضوعها الأصيل). وقال الألوسي في تقديمه لسورة العنكبوت: (أخرج ابن الضريس، والنحاس، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس رضي تعالى عنهما أنها نزلت بمكة. وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير نحو ذلك، وروى القول بأنها مكية عن الحسن وجابر وعكرمة. وعن بعضهم أنها آخر ما نزل بمكة. وفي البحر عن الحبر، وقتادة أنها مدنية. وقال يحيى بن سلام: هي مكية إلا من أولها إلى قوله وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ وذكر ذلك الجلال السيوطي في الإتقان ولم يعزه، وأنه لما أخرجه ابن جرير في سبب نزولها ثم قال: قلت: ويضم إلى ذلك وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ الآية لما أخرجه ابن أبي حاتم في سبب نزولها وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام في ذلك. وهي تسع وستون آية بالإجماع، كما قال الداني والطبرسي. وذكر الجلال في وجه اتصالها بما قبلها أنه تعالى أخبر في أول السورة السابقة عن فرعون أنه عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ

стр. 3934

أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وافتتح هذه بذكر المؤمنين الذين فتنهم الكفار وعذبوهم على الإيمان، بعذاب دون ما عذّب به فرعون بني إسرائيل بكثير، تسلية لهم بما وقع لمن قبلهم وحثّا على الصبر، ولذا قيل هنا وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وأيضا لما كان في خاتمة الأولى الإشارة إلى هجرة النبي ﷺ أي في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ على بعض الأقوال، وفي خاتمة هذه الإشارة إلى هجرة المؤمنين بقوله تعالى: يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ ناسب تتاليهما). كلمة في سورة العنكبوت ومحورها: تبدأ السورة ب الم فهي كآل عمران تفصّل في مقدمة سورة البقرة، وتفصّل ما استكن في هذه المقدمة من معان. ففي مقدمة سورة البقرة حديث عن المتقين، وعن الكافرين، وعن المنافقين. وفي سورة العنكبوت حديث عن المؤمنين، والكافرين، والمنافقين. وفي مقدمة سورة البقرة كلام عن الإيمان بالغيب. وتبدأ سورة العنكبوت بالكلام عن الامتحان لتحقيق الإيمان وتتحدث السورة مرّة ومرّة ومرّة عن الإيمان: إن سورة البقرة مبدوءة بقوله تعالى: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ... ونلاحظ أنه قد جاء في سورة العنكبوت قوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (الآية: ٧). وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (الآية: ٩). وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ* الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (الآيتان: ٥٨، ٥٩) ونلاحظ أن آخر آية في السورة هي قوله تعالى: وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ.

стр. 3935

ومما مرّ نلاحظ أن الكلام عن الإيمان، وما لأهله، وعن الطريق لتحقيق الإيمان يأخذ حيّزا كبيرا في السورة. .... ونجد في السورة قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ* وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ فالسورة إذن تتحدث عن مظهر من مظاهر النفاق وعلامة من علاماته، وصلة ذلك بمقدمة سورة البقرة واضحة. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ .... (الآية: ٨) .... وفي السورة قوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ* وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ (الآيتان: ١٢، ١٣). وفي السورة قوله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ وَلِقائِهِ أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (الآية: ٢٣). فمما تقدم ندرك أن السورة تتحدث عن المتقين والكافرين والمنافقين من خلال التفاعل اليومي لعملية السير المستمرة لأهل الإيمان، وما يحدث خلال ذلك. فالسورة عرض حركي لقضية الإيمان والكفر والنفاق، وهي كذلك عرض لما استكن في مقدمة سورة البقرة. ومن ثمّ ندرك أن قضية التفصيل في السياق القرآني العام ليست عملية تكرار لمعان، بل عملية تفصيل، وليس تفصيلا بالمعنى البشري للتفصيل، بل هو تفصيل عجيب هو أثر علم الله المحيط. ....

стр. 3936

إننا نجد في هذه الزمرة من سور هذه المجموعة تفصيلا لمقدمة سورة البقرة. ولكن كل سورة تفصّل شيئا في المقدمة نوع تفصيل، أو تفصّل أثرا عن معنى في المقدمة نوع تفصيل، أو تفصّل معنى مستكنا في المقدمة نوع تفصيل، ولكل سورة روحها الخاصة بها، وسياقها الخاص بها وأسلوبها. وفي ذلك آية على أن هذا القرآن جلّ أن يكون بشري المصدر. تتألف سورة العنكبوت من مقدّمة ومقطعين: تتحدّث المقدمة عن ابتلاء المؤمنين، وعقوبة الكافرين ثمّ تسير على وتيرة واحدة، متحدّثة عن أهل الإيمان وعن الكافرين إلى نهايتها ولذلك يتكرّر اسم الموصول فيها معطوفا بعضه على بعض: مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (آية: ٥) وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (آية: ٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ (آية: ٧) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (آية: ٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ وَلِقائِهِ أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي .. (آية: ٢٣) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً .. (آية: ٥٨) وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (آية: ٦٩) لاحظ أن الآية السادسة هي وَمَنْ جاهَدَ وأن آخر آية في السورة هي وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا، فالجهاد كلمة مشتركة بين الآيتين، فالسورة تكاد تكون مقطعا واحدا، ولكن آثرنا أن نعرضها على أنّها مقدّمة ومقطعان لسهولة العرض، خاصّة وأن المقطع الأول يغلب عليه التقرير، بينما يبدأ المقطع الثاني بأمر ونهي: اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ، وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ. .... يتألف المقطع الأول من مجموعتين، كل منهما مرتبطة بمقدمة السورة:

стр. 3937

المجموعة الأولى تعالج- من خلال عرض المعاني المجرّدة- قضية الابتلاء والتكليف. والمجموعة الثانية تضرب الأمثال، فتضرب أمثالا من التاريخ، ومثلا من عالم الواقع فيما يخدم المعاني التي جاءت في مقدّمة السورة، وفي المجموعة الأولى. ثمّ يأتي المقطع الثاني، وهو يتألف من مقدّمة، ومجموعتين، وخاتمة. وكل ذلك مرتبط ببعضه، وبمقدمة السورة، ومقطعها الأول: تبدأ مقدّمة المقطع الثاني فتأمر بتلاوة القرآن، وبإقام الصلاة، وبالذكر، وهذه الثلاث هي زاد الطريق في المحنة، ثمّ تأتي مجموعتان ترسمان الطريق لمعالجة مواقف كافرة، ثمّ تأتي الخاتمة، فتبيّن ظلم الكافرين، وتبيّن طريق الهداية للراغبين: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ* وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ. فلنبدأ عرض السورة. مقدمة السورة وتمتد حتى نهاية الآية (٤) وهذه هي مع البسملة: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٢٩/ ٤ - ١ التفسير: الم أَحَسِبَ أي: أظن النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ أي: وهم لا يمتحنون بشدائد التكليف، من مفارقة الأوطان،

стр. 3938

ومجاهدة الأعداء، وسائر الطاعات الشاقة، وهجر الشهوات، وبالفقر والقحط، وأنواع المصائب في الأنفس والأموال، ومصابرة الكفار على أذاهم وكيدهم. والاستفهام في أول الآية للتوبيخ والإنكار، وهذا يفيد أنّ هذا الظن والحسبان في منتهى الخطأ. والمعنى الحرفي تقديره: أحسبوا تركهم غير مفتونين لقولهم آمنا. قال ابن كثير: (ومعناه أنّ الله لا بدّ أن يبتلي عباده المؤمنين، بحسب ما عندهم من الإيمان، كما جاء في الحديث الصحيح «أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في البلاء»)، وَلَقَدْ فَتَنَّا أي اختبرنا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي بأنواع الفتن. فمنهم من يوضع المنشار على رأسه فيفرق فرقتين، ما يصرفه ذلك عن دينه، ومنهم من يمشّط بأمشاط الحديد، ما يصرفه ذلك عن دينه فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ بالامتحان الَّذِينَ صَدَقُوا في دعوى الإيمان وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ في هذه الدعوى. قال النسفي: (ومعنى علمه تعالى وهو عالم بذلك فيما لم يزل أن يعلمه موجودا عند وجوده، كما علمه قبل وجوده أنّه يوجد) والمعنى: وليتميّز الصادق منهم من الكاذب. وقال ابن كثير: (والله يعلم ما كان وما لم يكن لو كان كيف يكون، وهذا مجمع عليه عند أئمة السنة والجماعة ... يقول ابن عباس وغيره في مثل قوله إِلَّا لِنَعْلَمَ:* إلا لنرى وذلك لأن الرؤية إنما تتعلق بالموجود، والعلم أعم من الرؤية، فإنه يتعلق بالمعدوم والموجود). أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أي الشرك والمعاصي أَنْ يَسْبِقُونا أي أن يفوتونا يعني: إن الجزاء يلحقهم لا محالة ساءَ ما يَحْكُمُونَ أي ساء الحكم حكمهم، وورود كلمة أَمْ التي تفيد الإضراب في الآية يفيد أن هذا الحسبان أبطل من الحسبان الأول، لأن صاحب الحسبان الأول يقدّر أنّه لا يمتحن لإيمانه، وهذا يظنّ أنه لا يجازى بمساويه، فالأول بالمؤمنين، والثاني في الكافرين. قال ابن كثير في الآية: (أي لا يحسبن الذين لم يدخلوا في الإيمان أنهم يتخلصون من هذه الفتنة والامتحان فإن من ورائهم من العقوبة والنكال ما هو أغلظ من هذا وأطمّ). وقال الألوسي: (وظاهر الآثار يدل على أن هذه الآية نزلت في شأن الكفرة، فعن ابن عباس ﵄ أنه قال: يريد سبحانه بالذين يعملون السيئات الوليد بن المغيرة، وأبا جهل، والأسود، والعاصي بن هشام، وشيبة، وعتبة، والوليد بن عتبة، وعقبة

стр. 3939

ابن أبي معيط، وحنظلة بن وائل، وأنظارهم من صناديد قريش، وفي البحر أن الآية- وإن نزلت على سبب- فهي تعم جميع من يعمل السيئات من كافر ومسلم). فوائد: ١ - [مقدمة السورة تبيان لمدى صدق العبد من كذبه في أوقات الرخاء والبلاء] بمناسبة الآيات السابقة قال النّسفي: (قال ابن عطاء: يتبيّن صدق العبد من كذبه في أوقات الرخاء والبلاء، فمن شكر في أيام الرّخاء، وصبر في أيام البلاء، فهو من الصادقين، ومن بطر في أيام الرخاء، وجزع في أيام البلاء فهو من الكاذبين) ٢ - [كلام الألوسي عند قوله تعالى أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا .. ] وعند قوله تعالى: أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ قال الألوسي: (والمراد إنكار حسبانهم أن يتركوا غير مفتونين بمجرد أن يقولوا آمنا، واستبعاد له، وتحقيق أنه تعالى يمتحنهم بمشاق التكاليف، كالمهاجرة، والمجاهدة، ورفض الشهوات، ووظائف الطاعات، وفنون المصائب في الأنفس والأموال، ليتميز المخلص من المنافق، والراسخ في الدين من المتزلزل فيه؛ فيعامل كلّ بما يقتضيه، ويجازيهم سبحانه بحسب مراتب أعمالهم، فإن مجرد الإيمان- وإن كان عن خلوص- لا يقتضي غير الخلاص من الخلود في النار. وذكر بعضهم أنه سبحانه لو أثاب المؤمن يوم القيامة من غير أن يفتنه في الدنيا لقال الكافر المعذّب: ربي لو أنك كنت فتنته في الدنيا لكفر مثلي فإيمانه الذي تثيبه عليه مما لا يستحق الثواب له فبالفتنة يلجم الكافر عن مثل هذا القول، ويعوّض المؤمن بدلها ما يعوّض، بحيث يتمنى لو كانت فتنته أعظم مما كانت، والآية على ما أخرج عبد ابن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن الشعبي نزلت في أناس كانوا بمكة قد أقروا بالإسلام، فكتب إليهم أصحاب رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم من المدينة لما نزلت آية الهجرة، أنه لا يقبل منكم إقرار ولا إسلام حتى تهاجروا، فخرجوا عامدين إلى المدينة، فاتبعهم المشركون فردوهم، فنزلت فيهم هذه الآية، فكتبوا إليهم أنزلت فيكم آية كذا وكذا فقالوا: نخرج فإن اتبعنا أحد قاتلناه، فخرجوا فاتبعهم المشركون فقاتلوهم فمنهم من قتل، ومنهم من نجا، فأنزل الله تعالى فيهم ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ. (النحل: ١١).

стр. 3940

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: سمعت ابن عمير وغيره يقولون: كان أبو جهل يعذب عمار بن ياسر وأمه، ويجعل على عمار درعا من حديد في اليوم الصائف، وطعن في فرج أمه برمح، ففي ذلك نزلت أَحَسِبَ النَّاسُ الخ، وقيل: نزلت في مهجع مولى عمر بن الخطاب قتل ببدر، فجزع عليه أبواه وامرأته، وقال فيه رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم: «سيد الشهداء مهجع، وهو أول من يدعى إلى باب الجنة»، وقيل: نزلت في عياش أخي أبي جهل، غدر وعذب ليرتد كما سيأتي خبره إن شاء الله تعالى، وفسر الناس بمن نزلت فيهم الآية، وقال الحسن: الناس هنا المنافقون). ٣ - [كلام صاحب الظلال حول آيات مقدمة السورة] وفي آيات المقدّمة قال صاحب الظلال: (إن الإيمان ليس كلمة تقال إنما هو حقيقة ذات تكاليف؛ وأمانة ذات أعباء؛ وجهاد يحتاج إلى صبر، وجهد يحتاج إلى احتمال. فلا يكفي أن يقول الناس: آمنا. وهم لا يتركون لهذه الدعوى، حتى يتعرضوا للفتنة فيثبتوا عليها ويخرجوا منها صافية عناصرهم خالصة قلوبهم. كما تفتن النار الذهب لتفصل بينه وبين العناصر الرخيصة العالقة به- وهذا هو أصل الكلمة اللغوي وله دلالته وظله وإيحاؤه- وكذلك تصنع الفتنة بالقلوب. هذه الفتنة على الإيمان أصل ثابت، وسنة جارية، في ميزان الله سبحانه: وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ. والله يعلم حقيقة القلوب قبل الابتلاء؛ ولكن الابتلاء يكشف في عالم الواقع ما هو مكشوف لعلم الله، مغيب عن علم البشر؛ فيحاسب الناس إذن على ما يقع من عملهم لا على مجرد ما يعلمه سبحانه من أمرهم. وهو فضل من الله من جانب، وعدل من جانب، وتربية للناس من جانب، فلا يأخذوا أحدا إلا بما استعلن من أمره، وبما حققه فعله. فليسوا بأعلم من الله بحقيقة قلبه!. ونعود إلى سنة الله في ابتلاء الذين يؤمنون وتعريضهم للفتنة حتى يعلم الذين صدقوا منهم ويعلم الكاذبين. إن الإيمان أمانة الله في الأرض، لا يحملها إلا من هم لها أهل وفيهم على حملها قدرة، وفي قلوبهم تجرد لها وإخلاص. وإلا الذين يؤثرونها على الراحة والدعة، وعلى

стр. 3941

الأمن والسلامة، وعلى المتاع والإغراء. وإنها لأمانة الخلافة في الأرض، وقيادة الناس إلى طريق الله، وتحقيق كلمته في عالم الحياة. فهي أمانة كريمة؛ وهي أمانة ثقيلة؛ وهي من أمر الله يضطلع بها الناس؛ ومن ثمّ تحتاج إلى طراز خاص يصبر على الابتلاء. ومن الفتنة أن يتعرض المؤمن للأذى من الباطل وأهله؛ ثم لا يجد النصير الذي يسانده ويدفع عنه، ولا يملك النصرة لنفسه ولا المنعة؛ ولا يجد القوة التي يواجه بها الطغيان. وهذه هي الصورة البارزة للفتنة، المعهودة في الذهن حين تذكر الفتنة. ولكنها ليست أعنف صور الفتنة. فهناك فتن كثيرة في صور شتى، ربما كانت أمر وأدهى. هناك فتنة الأهل والأحبّاء الذين يخشى عليهم أن يصيبهم الأذى بسببه، وهو لا يملك عنهم دفعا. وقد يهتفون به ليسالم أو ليستسلم؛ وينادونه باسم الحب والقرابة، واتقاء الله في الرحم التي يعرضها للأذى أو الهلاك. وقد أشير في هذه السورة إلى لون من هذه الفتنة مع الوالدين وهو شاق عسير. وهناك فتنة إقبال الدنيا على المبطلين، ورؤية الناس لهم ناجحين مرموقين، تهتف لهم الدنيا، وتصفّق لهم الجماهير، وتتحطّم في طريقهم العوائق، وتصاغ لهم الأمجاد، وتصفو لهم الحياة. وهو مهمل منكر لا يحس به أحد، ولا يحامي عنه أحد، ولا يشعر بقيمة الحق الذي معه إلا القليلون من أمثاله الذين لا يملكون من أمر الحياة شيئا. وهنالك فتنة الغربة في البيئة والاستيحاش بالعقيدة، حين ينظر المؤمن فيرى كل ما حوله وكل من حوله غارقا في تيار الضلالة؛ وهو وحده موحش غريب طريد. وهناك فتنة من نوع آخر قد نراها بارزة في هذه الأيام. فتنة أن يجد المؤمن أمما ودولا غارقة في الرذيلة، وهي مع ذلك راقية في مجتمعها، متحضرة في حياتها، يجد الفرد فيها من الرعاية والحماية ما يناسب قيمة الإنسان. ويجدها غنية قوية، وهي مشاقة لله!. وهنالك الفتنة الكبرى. أكبر من هذا كله وأعنف. فتنة النفس والشهوة. وجاذبية الأرض، وثقلة اللحم والدم، والرغبة في المتاع والسلطان، أو في الدعة والاطمئنان. وصعوبة الاستقامة على صراط الإيمان والاستواء على مرتقاه، مع المعوقات والمثبّطات في أعماق النفس، وفي ملابسات الحياة، وفي منطق البيئة، وفي تصورات

стр. 3942

أهل الزمان!. فإذا طال الأمد، وأبطأ نصر الله، كانت الفتنة أشد وأقسى. وكان الابتلاء أشد وأعنف. ولم يثبت إلا من عصم الله. وهؤلاء هم الذين يحققون في أنفسهم حقيقة الإيمان، ويؤتمنون على تلك الأمانة الكبرى، أمانة السماء في الأرض، وأمانة الله في ضمير الإنسان. وما بالله- حاشا لله- أن يعذب المؤمنين بالابتلاء، وأن يؤذيهم بالفتنة. ولكنه الإعداد الحقيقي لتحمّل الأمانة. فهي في حاجة إلى إعداد خاص لا يتم إلا بالمعاناة العملية للمشاق؛ وإلا بالاستعلاء الحقيقي على الشهوات، وإلا بالصبر الحقيقي على الآلام، وإلا بالثقة الحقيقية في نصر الله أو في ثوابه، على الرغم من طول الفتنة وشدة الابتلاء. والنفس تصهرها الشدائد فتنفي عنها الخبث؛ وتستجيش كامن قواها المذخورة فتستيقظ وتتجمع. وتطرقها بعنف وشدة فيشتد عودها ويصلب ويصقل. وكذلك تفعل الشدائد بالجماعات، فلا يبقى صامدا إلا أصلبها عودا، وأقواها طبيعة، وأشدها اتصالا بالله، وثقة فيما عنده من الحسنيين: النصر أو الأجر، وهؤلاء هم الذين يسلّمون الراية في النهاية. مؤتمنين عليها بعد الاستعداد والاختبار. وإنهم ليتسلمون الأمانة وهي عزيزة على نفوسهم بما أدوا لها من غالي الثمن؛ وبما بذلوا لها من الصبر على المحن؛ وبما ذاقوا في سبيلها من الآلام والتضحيات. والذي يبذل من دمه وأعصابه، ومن راحته واطمئنانه، ومن رغائبه ولذاته. ثم يصبر على الأذى والحرمان؛ يشعر- ولا شك- بقيمة الأمانة التي بذل فيها ما بذل؛ فلا يسلمها رخيصة بعد كل هذه التضحيات والآلام. فأما انتصار الإيمان والحق في النهاية فأمر تكفّل به وعد الله. وما يشك مؤمن في وعد الله. فإن أبطأ فلحكمة مقدّرة، فيها الخير للإيمان وأهله. وليس أحد بأغير على الحق وأهله من الله. وحسب المؤمنين الذين تصيبهم الفتنة، ويقع عليهم البلاء، أن يكونوا هم المختارين من الله، ليكونوا أمناء على حق الله. وأن يشهد الله لهم بأن في دينهم صلابة فهو يختارهم للابتلاء: جاء في الصحيح: «أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل،

стр. 3943

يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد له في البلاء» .. وأما الذين يفتنون المؤمنين، ويعملون السيئات، فما هم بمفلتين من عذاب الله ولا ناجين. مهما انتفخ باطلهم وانتفش، وبدا عليه الانتصار والفلاح. وعد الله كذلك وسنته في نهاية المطاف: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا؟ ساءَ ما يَحْكُمُونَ!. فلا يحسبن مفسد أنه مفلت ولا سابق، ومن يحسب هذا فقد ساء حكمه، وفسد تقديره، واختل تصوّره. فإن الله الذي جعل الابتلاء سنة ليمتحن إيمان المؤمن ويميز بين الصادقين والكاذبين؛ هو الذي جعل أخذ المسيئين سنّة لا تتبدل ولا تتخلف ولا تحيد). كلمة في السياق: [حول تصحيح مفهومين هامين في موضوع الابتلاء] صحّحت الآيات السابقة تصوّرين هامّين. الأول: تصور من يظن أن الإيمان لا يرافقه امتحان. والثاني: تصور الكافر أنّه إذا لم يمتحن فإنه يفلت من عذاب الله . فالآيات إذن تصحّح مفاهيم، وتقرر سننا لها علاقة بقضية الإيمان والكفر، وارتباط ذلك بمقدمة سورة البقرة واضح: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ فالإيمان ليس مجرد دعوى، وكيلا يقول قائل: ما دام الإيمان كذلك فلنتخلّ عن الإيمان، فقد بيّن الله أن تصور الكافر أنّه يفوت الله- خطأ أكبر. ولما كان تصحيح هذا التصور مهما جدا، فقد ورد هذا التصحيح في سورة البقرة في قوله تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ إلا أن التصحيح الوارد في سورة البقرة ورد في سياق الأمر بالدخول في الإسلام كله، لأنه هو الذي تترتب عليه المحن الحقيقية، وهو علامة الشكر الصادق على الإسلام، وهو الذي تكون عاقبته الظفر، أما هنا فقد ورد في سياق التفصيل المباشر لمقدمة سورة البقرة ليفيد أنّ دعوى الإيمان يترتب عليها الامتحان. وهاهنا نذكّر بشيء: قلنا: إنّ كلّ سورة في القرآن- ما عدا سورتي الفاتحة والبقرة- لها محور

стр. 3944

في سورة البقرة، وأنّ السورة عند ما تفصّل في محورها فإنها تفصّل في هذا المحور وفي امتدادات معانيه الألصق به وقد رأينا أنّه في سورة البقرة جاءت المقدمة، وجاء بعدها الأمر بالتوحيد، ثم جاء بعد ذلك الأمر بتبشير الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ثمّ جاء بعد آيات كثيرة قوله تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ ... ونلاحظ هنا أنّ سورة العنكبوت تفصّل في هذا وغيره، ضمن محورها الخاص. ولننتقل إلى المقطع الأول: يتألف المقطع الأوّل من مجموعتين: مجموعة تتحدّث عن المعاني المجردة، ومجموعة تضرب الأمثال، وسنعرض المجموعتين كلّا على حدة: ***

стр. 3945

[المقطع الأوّل وهو الآيات (٥ - ٤٤) ويتألف من مجموعتين] المجموعة الأولى من المقطع الأول وتمتد من الآية (٥) إلى نهاية الآية (١٣) وهذه هي: ٢٩/ ٥ - ١٣ التفسير: مَنْ كانَ يَرْجُوا أي: يأمل أو يخاف لِقاءَ اللَّهِ أي: ثوابه أو عقابه

стр. 3946

فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ المضروب للثواب والعقاب لَآتٍ لا محالة، فليبادر للعمل الصالح الذي يصدّق رجاءه ويحقّق أمله وَهُوَ السَّمِيعُ لما يقوله عباده الْعَلِيمُ بما يفعلونه، فلا يفوته شئ ما وَمَنْ جاهَدَ نفسه بالصبر على طاعة الله، وجاهد الشيطان بدفع وساوسه، وجاهد الكفار لإعلاء كلمة الله فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ لأن منفعة ذلك ترجع إليها إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ وعن طاعتهم ومجاهدتهم، وإنّما أمر ونهى رحمة لعباده. ثم أخبر تعالى أنه- مع غناه عن الخلائق جميعهم ومع بره وإحسانه بهم- يجازي الذين آمنوا وعملوا الصالحات أحسن الجزاء، بأن يكفّر عنهم أسوأ الذي عملوا، ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون، فيقبل القليل من الحسنات، ويثيب عليها الواحدة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، ويجزي على السيئة بمثلها، أو يعفو ويصفح وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ أي الشرك والمعاصي بالإيمان والتوبة وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ أي أحسن جزاء أعمالهم في الإسلام. نقل: [عن صاحب الظلال بمناسبة قوله تعالى وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ] عند قوله تعالى: وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ قال صاحب الظلال رابطا بين ذكر الجهاد هنا، وذكر الابتلاء في مقدّمة السورة: (فلا يقفنّ أحد في وسط الطريق، وقد أمضى في الجهاد شوطا يطلب من الله ثمن جهاده ويمنّ عليه وعلى دعوته، ويستبطئ المكافأة على ما ناله فإن الله لا يناله من جهاده شئ. وليس في حاجة إلى جهد بشر: إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ وإنما هو فضل من الله أن يعينه في جهاده، وأن يستخلفه في الأرض به، وأن يأجره في الآخرة بثوابه). كلمة في السياق: [حول صلة مقدمة السورة بالمجموعة الأولى من المقطع الأول] دلتنا المقدمة على أن الإيمان يرافقه امتحان. وأن علامة الصدق في الإيمان النجاح في الامتحان. ودلنا قوله تعالى في المجموعة مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ على أن هدف المؤمن هو ثواب الله في اليوم الآخر، فمن كان له هدف في الإيمان غير ذاك فإنه ليس من أهل حقيقة الإيمان، كما دلت آية وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ

стр. 3947

لِنَفْسِهِ على أنّ الإيمان لا بدّ أن يرافقه جهاد، وأن مصلحة الجهاد لا تعود إلا على صاحبها. أما الله فغني عن العالمين. وبهذا قررت السورة أن الإيمان يلازمه الصبر على الامتحان، ويلازمه رجاء الله واليوم الآخر، ويلازمه الجهاد. فمن فاته الصبر، أو رجاء الله واليوم الآخر، أو الجهاد بمعناه الواسع العريض، فإنه ليس من أهل الصدق في الإيمان. وبعد إذ تقرر هذا كله، أعلمنا الله ما أعده لمن اجتمع له الإيمان والعمل الصالح. وصلة هذه المعاني بمقدمة سورة البقرة واضحة، وخاصة بقوله تعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ فعلامة الصدق بالإيمان بالغيب النجاح في الامتحان، وأن لا يريد الإنسان بعمله إلا وجه الله، وأن يجاهد نفسه وشيطانه وأعداء الله ، فالإيمان بالغيب لا بد أن يأخذ مداه العملي في مثل هذا، ثم الإيمان بالغيب لا بد أن يرافقه عمل صالح فذلك علامة على استقراره في القلب، وبتقرير ما أعد الله لمن آمن وعمل صالحا، جاء أوان أن يعرض الله علينا أمره في شأن الوالدين، فمن أعظم أبواب الامتحان الوالدان، ومن أعظم الأعمال الصالحة برهما. .... وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً لأنهما سبب وجود الإنسان، ولهما عليه غاية الإحسان. فالوالد بالإنفاق، والوالدة بالإشفاق، والوصية في الآية تفيد الأمر، أي وأمرنا الإنسان. وقوله حُسْناً أي فعلا ذا حسن، أو فعلا هو الحسن بعينه؛ لفرط جماله وكماله وَإِنْ جاهَداكَ أيها الإنسان لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ أي لا علم لك بإلهيته، أي وإن جاهداك لتشرك بالله شيئا لا يصح أن يكون إلها وكل ما سوى الله كذلك فَلا تُطِعْهُما أي في ذلك؛ إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ أي مرجع من آمن ومن أشرك، فأجازيكم حق جزائكم فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ قال النسفي: (وفي ذكر المرجع وعيد وتحذير من متابعتهما على الشرك، وحث على الثبات والاستقامة في الدين) وإذن فمع الوصية بالرأفة والرحمة، والإحسان إلى الوالدين، في مقابلة إحسانهما المتقدم بيّن الله أنّه إن حرصا على أن تتابعهما على دينهما إذا كانا مشركين فإياك وإياهما، فلا تطعهما في ذلك؛ فإنّ مرجعكم أيها الناس إليّ يوم القيامة، فيجزيك الله أيها المؤمن بإحسانك إليهما، وصبرك على دينك، ويحشرك مع الصالحين، لا في زمرة والديك، وإن كنت

стр. 3948

أقرب الناس إليهما في الدنيا، فإن المرء إنما يحشر يوم القيامة مع من أحب حبا دينيا. ومن ثمّ أتبع هذه الآية قوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ أي في جملتهم. فوائد: ١ - [كلام الألوسي وابن كثير بمناسبة آية وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً] عند قوله تعالى وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً قال الألوسي: (والآية نزلت في سعد بن أبي وقاص، وذلك أنه ﵁ حين أسلم قالت أمه حمنة بنت أبي سفيان بن أمية بن عبد شمس: يا سعد بلغني أنك صبأت، فو الله لا يظلني سقف بيت من الضح والريح، وأن الطعام والشراب عليّ حرام حتى تكفر بمحمد- صلّى الله تعالى عليه وسلم-، وكان أحب ولدها إليها، فأبى سعد، وبقيت ثلاثة أيام كذلك، فجاء سعد إلى رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم فشكا إليه، فنزلت هذه الآية، والتي في لقمان، والتي في الأحقاف، فأمره رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم أن يداريها ويترضّاها بالإحسان. وروى أنها نزلت في عياش بن أبي ربيعة المخزومي، وذلك أنه هاجر مع عمر ابن الخطاب رضي الله تعالى عنهما متوافقين حتى نزلا المدينة، فخرج أبو جهل ابن هشام، والحرث بن هشام أخواه لأمه أسماء بنت مخرمة امرأة من بني تميم من بني حنظلة، فنزلا بعياش وقالا له: إن من دين محمد صلة الأرحام، وبر الوالدين، وقد تركت أمك لا تطعم ولا تشرب ولا تأوي بيتا حتى تراك، وهي أشد حبا لك منا، فاخرج معنا وفتلا منه في الذروة والغارب، فاستشار عمر رضي الله تعالى عنه فقال هما يخدعانك، ولك عليّ أن أقسّم مالي بيني وبينك، فما زالا به حتى أطاعهما وعصى عمر ﵁، فقال عمر رضي الله تعالى عنه: أما إذ عصيتني فخذ ناقتي فليس في الدنيا بعير يلحقها، فإن رابك منهم ريب فارجع، فلما انتهوا إلى البيداء قال أبو جهل: إن ناقتي قد كلّت فاحملني معك، قال: نعم. فنزل ليوطئ لنفسه له، فأخذاه فشدّاه وثاقا وجلده كل واحد مائة جلدة، وذهبا به إلى أمه، فقالت لا تزال بعذاب حتى ترجع عن دين محمد صلّى الله تعالى عليه وسلم فنزلت). وقال ابن كثير عند الآية نفسها: (وروى الترمذي عند تفسير هذه الآية ... عن سماك بن حرب قال: سمعت

стр. 3949

مصعب بن سعد يحدّث عن أبيه سعد قال: نزلت فيّ أربع آيات، فذكر قصته وقال: قالت أم سعد أليس الله قد أمرك بالبر؟ والله لا أطعم طعاما، ولا أشرب شرابا، حتى أموت أو تكفر، قال: فكانوا إذا أرادوا أن يطعموها شجروا فاها، فنزلت وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً* وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما). ٢ - [كلام النسفي بمناسبة قوله تعالى لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ] بمناسبة قوله تعالى: لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ قال النسفي: (والصلاح من أبلغ صفات المؤمنين وهو متمنى الأنبياء ﵈ قال سليمان ﵇: وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ. [النمل: ١٩] وقال يوسف ﵇: تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [يوسف: ١٠١]، أي: في مدخل الصالحين وهو الجنة). كلمة في السياق: [حول أصعب الامتحانات التي يمر بها المؤمن المجاهد وكيفية التصرف فيها وصلة ذلك بالمحور] من أصعب الامتحانات التي يمرّ بها المؤمن المجاهد موقف والديه منه، ومن أصعب الأمور أن يتصرّف التصرف المناسب في مثل هذا الموطن، ومن ثمّ ألزم الله المؤمن هنا بشيئين: الإحسان، وعدم الطاعة في المعصية وهما أمران لا يستطيعهما معا إلا موفّق، ومن ثمّ ذكر الله في هذا السياق ما أعده لمن آمن وعمل صالحا، وعلى هذا فإن السياق- حتى الآن- يعرض علينا علامات الصدق في الإيمان، وهي الصبر على الامتحان، ورجاء ثواب الله، والجهاد، والعمل الصالح، والإحسان إلى الوالدين، مع الرفض لكل أمر فيه معصية لله، وإذا كان هذا الشأن مع الوالدين، فمن باب أولى أن يكون الأمر كذلك مع غيرهما. إن السورة حتى الآن إذن تعرض علينا في سياقها الرئيسي علامات الصدق في الإيمان بالغيب التي هي الصفة الأولى من صفات المتقين، كما عرضت في مقدّمة سورة البقرة وقد آن الأوان لنتحدّث شيئا ما عن مقدمة سورة البقرة: عرضت مقدمة سورة البقرة صفات المتقين. ثم تحدثت عن الكافرين. ثم عرضت صفات المنافقين، وعند ما تكلّمت عن صفات المتقين بدأت بصفة الإيمان الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ. وعند ما تحدّثت عن المنافقين بدأت بكذبهم في دعوى الإيمان:

стр. 3950

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ* يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ* فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ. وكما رأينا فإن سورة العنكبوت بدأت في الكلام عن علامة الصدق في الإيمان والكذب به فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ وسار السياق ليحدّثنا عن علامات الصدق في الإيمان، مع التبشير لأهل ذلك، وها نحن بعد ذلك قد وصلنا إلى أن يعطينا السياق علامة الإيمان الكاذب، وهو السقوط في الامتحان، وكما بدأ الحديث في مقدمة سورة البقرة عن المنافقين، بقوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ ... فههنا يبدأ كذلك بقوله: وَمِنَ النَّاسِ ... .... وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ قال النسفي: (أي إذا مسّه أذى من الكفار جزع من ذلك كما يجزع من عذاب الله تعالى). وقال ابن كثير: (إذا جاءتهم محنة وفتنة في الدنيا اعتقدوا أن هذا من نقمة الله تعالى بهم، فارتدوا عن الإسلام). وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أي وإذا نصر الله المؤمنين ومكّنهم وغنّمهم اعترضوهم، وقالوا: إنّا كنّا معكم، أي متابعين لكم في دينكم، ثابتين عليه بثباتكم، فأعطونا نصيبنا من الغنم أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ أي أو ليس الله بأعلم بما في قلوبهم، وما تكنّه ضمائرهم، وإن أظهروا الموافقة؟ أي هو أعلم بما في صدور العالمين، من العالمين بما في صدورهم، ومن ذلك ما في صدور هؤلاء من النفاق، وما في صدور المؤمنين من الإخلاص، ثم وعد المؤمنين، وأوعد المنافقين بقوله: وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ. قال ابن كثير: (أي وليختبر الله الناس بالضراء والسراء؛ ليتميّز هؤلاء من هؤلاء، من يطيع الله في الضراء والسّراء، ومن يطيعه في حظ نفسه). وقال صاحب الظلال بمناسبة هاتين الآيتين اللتين تتحدّثان عن نموذج من الناس يراه الإنسان كثيرا: (ذلك النموذج من الناس، يعلن كلمة الإيمان في الرخاء يحسبها خفيفة الحمل، هينة المئونة، لا تكلف إلا نطقها باللسان، فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ بسبب الكلمة التي قالها وهو آمن معافى جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ فاستقبلها في جزع،

стр. 3951

واختلّت في نفسه القيم، واهتزت في ضميره العقيدة؛ وتصوّر أن لا عذاب بعد هذا الأذى الذي يلقاه، حتى عذاب الله؛ وقال في نفسه: ها هو ذا عذاب شديد أليم ليس وراءه شئ، فعلام أصبر على الإيمان، وعذاب الله لا يزيد على ما أنا فيه من عذاب؟ وإن هو إلا الخلط بين أذى يقدر على مثله البشر، وعذاب الله الذي لا يعرف أحد مداه. هذا موقف ذلك النموذج من الناس في استقبال الفتنة في ساعة الشدة. وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ: إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ! إنا كنا معكم ... وذلك كان موقفهم في ساعة العسرة من التخاذل والتهافت والتهاوي، وسوء التصوير وخطأ التقدير. ولكن حين يجئ الرخاء تنبعث الدعوى العريضة. وينتفش المنزوون المتخاذلون، ويستأسد الضعفاء المهزومون، فيقولون: إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ! أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ. أو ليس يعلم ما تنطوي عليه تلك الصدور من صبر أو جزع، ومن إيمان أو نفاق؟ فمن الذي يخدعه هؤلاء وعلى من يموّهون؟ وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ. وليكشفنهم فيعرفون؛ فما كانت الفتنة إلا ليتبين الذين آمنوا ويتبين المنافقون. ونقف لحظة أمام التعبير القرآني الدقيق وهو يكشف عن موضع الخطأ في هذا النموذج من الناس حين يقول: جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ. فليست الغلطة أن صبرهم قد ضعف عن احتمال العذاب، فمثل هذا يقع للمؤمنين الصادقين في بعض اللحظات- وللطاقة البشرية حدود- ولكنهم يظلون يفرقون تفرقة واضحة في تصورهم وشعورهم بين كل ما يملكه البشر لهم من أذى وتنكيل، وبين عذاب الله العظيم؛ فلا يختلط في حسّهم أبدا عالم الفناء الصغير، وعالم الخلود الكبير، حتى في اللحظة التي يتجاوز عذاب الناس لهم مدى الطاقة، وجهد الاحتمال ... إن الله في حسّ المؤمن لا يقوم له شئ، مهما تجاوز الأذى طاقته واحتماله ... وهذا هو مفرق الطريق بين الإيمان في القلوب والنفاق).

стр. 3952

كلمة في السياق: بهاتين الآيتين أعطانا الله الميزان الذي يعرف به الصادق من الكاذب، والمؤمن من المنافق، ترك الإسلام خوف الإيذاء، أو عند الإيذاء، وليس المراد بذلك الترك الاضطراري مع بقاء الصدر منشرحا بالإسلام، وهكذا نجد السياق حتى الآن قد فصّل لنا من مقدمة سورة البقرة موضوع علامة الصدق بالإيمان بالغيب، والكذب فيه. والآن يصل السياق إلى الحديث عن المحاولات التي يحاولها الكافرون لصرف أهل الإيمان. .... وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا أي ارجعوا عن دينكم إلى ديننا واتّبعوا طريقنا الذي نحن عليه وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ أي وعلينا وفي رقابنا آثامكم إن كانت لكم آثام في ذلك، كما يقول القائل: افعل هذا وخطيئتك في رقبتي، قال الله تكذيبا لهم وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ أي فيما قالوه إنهم يحملون عن أولئك خطاياهم، فإنّه لا يحمل أحد وزر أحد وَلَيَحْمِلُنَّ أي هؤلاء الدعاة إلى الكفر أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ أي أوزار أنفسهم، وأوزارا أخر، بسبب ما أضلّوا من الناس، من غير أن ينقص من أوزار أولئك شيئا وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ أي يختلقون من الأكاذيب والأباطيل. فوائد: ١ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ .. ] بمناسبة قوله تعالى: وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ ... قال ابن كثير: (وفي الصحيح: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتّبعه إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه إلى يوم القيامة، من غير أن ينقص من آثامهم شيئا». وفي الصحيح: «ما قتلت نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها، لأنه أوّل من سنّ القتل». وقوله تعالى: وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ أي يكذبون ويختلقون من البهتان، وقد ذكر ابن أبي حاتم هاهنا حديثا فروى عن أبي أمامة ﵁ أن رسول الله ﷺ بلّغ ما أرسل به ثم قال: «إياكم والظلم، فإنّ الله يعزم يوم القيامة فيقول: وعزتي وجلالي لا يجوزني اليوم ظلم، ثم ينادي مناد فيقول:

стр. 3953

أين فلان بن فلان؟ فيأتي يتبعه من الحسنات أمثال الجبال، فيشخص الناس إليها أبصارهم، حتى يقوم بين يدي الرحمن ، ثم يأمر المنادي فينادي: من كانت له تباعة أو ظلامة عند فلان بن فلان فهلمّ، فيقبلون حتى يجتمعوا قياما بين يدي الرحمن، فيقول الرحمن: اقضوا عن عبدي، فيقولون: كيف نقضي عنه؟ فيقول: خذوا لهم من حسناته، فلا يزالون يأخذون منها حتى لا يبقى منها حسنة وقد بقي من أصحاب الظلامات. فيقول: اقضوا عن عبدي فيقولون: لم يبق له حسنة، فيقول: خذوا من سيئاتهم فاحملوها عليه ثمّ فزّع النبي ﷺ بهذه الآية الكريمة وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ». وهذا الحديث له شاهد في الصحيح من غير هذا الوجه: «إن الرجل ليأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال، وقد ظلم هذا، وأخذ مال هذا، وأخذ من عرض هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإذا لم تبق له حسنة، أخذ من سيئاتهم فطرح عليه» وروى ابن أبي حاتم عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : «يا معاذ إن المؤمن يسأل يوم القيامة عن جميع سعيه، حتى عن كحل عينيه، وعن فتات الطينة بأصبعيه، فلا ألفينك تأتي يوم القيامة وأحد أسعد بما أتاك الله منك»). ٢ - [كلام الألوسي بمناسبة آية وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا .. ] وقال الألوسي عند قوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ: (والآية على ما أخرج جماعة عن مجاهد نزلت في كفار قريش، قالوا لمن آمن منهم: لا نبعث نحن ولا أنتم فاتبعونا، فإن كان عليكم شئ فعلينا. وأخرج ابن أبي شيبة. وابن المنذر عن ابن الحنفية قال: كان أبو جهل وصناديد قريش يتلقون الناس إذا جاءوا إلى النبي صلّى الله تعالى عليه وسلم يسلمون يقولون: إنه يحرّم الخمر، ويحرّم الزنا، ويحرّم ما كانت تصنع العرب، فارجعوا فنحن نحمل أوزاركم. فنزلت هذه الآية، وقيل: قائل ذلك أبو سفيان بن حرب. وأمية بن خلف قالا لعمر رضي الله تعالى عنه: إن كان في الإقامة على دين الآباء إثم فنحن نحمله عنك. وقيل: قائله الوليد بن المغيرة، ونسبة ما صدر عن الواحد للجمع شائعة، وقد تقدم الكلام غير مرة في وجه ذلك).

стр. 3954

كلمة في السياق: [وفيها عرض سريع لمضمون الآيات السابقة من السورة وصلتها بالمحور] دلتنا الآيات السابقة من سورة العنكبوت على أن الكافرين لا يتركون سبيلا لصرف أهل الإيمان عن دينهم إلا فعلوه، من دعوة باللسان، إلى الإيذاء بكل أنواع الإيذاء، وأن المؤمن الصادق هو الذي يستمر على الإسلام والإيمان، متجاوزا أمثال هذه الفتن والمحن كلها، وأن المنافق يسقط لأوّل صدمة أو محنة. ولذلك كله صلة بمقدمة سورة البقرة التي حدثتنا عن الإيمان والكفر والنفاق فههنا نجد أن هذه الآيات تحدّثنا عن الإيمان والنفاق والكفر، عن الكفر وجهده ضد الإيمان. وعن الإيمان الصادق وآثاره العملية، وعن الإيمان الكاذب وعلاماته. وفي سياق ذلك عرفنا حكمة الامتحان والفتنة، وهي أن يتميّز المؤمن الصادق من الكاذب، وصلة هذه المعاني بمقدمة سورة البقرة مما لا يخفى. والآن وبعد أن تقررت المعاني السابقة، يأتي دور التمثيل، فيستغرق هو والتعليق عليه بقية المقطع الأول من السورة. ***

стр. 3955

المجموعة الثانية من المقطع الأول وتمتدّ من الآية (١٤) إلى نهاية الآية (٤٤) وهذه هي: ٢٩/ ١٤ - ٤٤

стр. 3956

٢٩/ ٢٥ - ٣٥

стр. 3957

٢٩/ ٣٦ - ٤٤ التفسير: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً قال ابن كثير: وظاهر السياق من الآية أنه مكث في قومه يدعوهم إلى الله ألف سنة إلا خمسين عاما فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ الطوفان: هو ما أطاف وأحاط بكثرة وغلبة من سيل، أو ظلال ليل، أو نحوهما، والمراد به هنا السيل وَهُمْ ظالِمُونَ أنفسهم بالكفر فَأَنْجَيْناهُ أي نوحا وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ أي الذين آمنوا بنوح وَجَعَلْناها أي السفينة، أو الحادثة، أو القصّة آيَةً أي عبرة وعظة

стр. 3958

لِلْعالَمِينَ يتّعظون بها. فوائد: ١ - [كلام الألوسي وصاحب الظلال وابن كثير عند آية فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا .. ] قال الألوسي في الفاء في قوله تعالى: فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً: (والفاء للتعقيب، فالمتبادر أنّه ﵇ لبث في قومه عقيب الإرسال المدّة المذكورة، وقد جاء مصرّحا به في بعض الآثار ... ) ثمّ بعد كلام قال الألوسي: (وقال ابن عطية: يحتمل أن يكون ما ذكر الله مدة إقامته ﵇ من لدن مولده إلى غرق قومه، وقيل: يحتمل أن يكون ذلك جميع عمره ﵇، ولا يخفى أن المتبادر من الفاء التعقيبية ما تقدم؛ وجاء في بعض الآثار أنه ﵇ أطول الأنبياء ﵈ عمرا. أخرج ابن أبي الدنيا في كتاب ذم الدنيا عن أنس ابن مالك قال: «جاء ملك الموت إلى نوح ﵉ فقال: يا أطول النبيين عمرا كيف وجدت الدنيا ولذتها؟ قال: كرجل دخل بيتا له بابان فقال وسط الباب هنيهة، ثم خرج من الباب الآخر»، ولعل ما عليه النظم الكريم في بيان مدة لبثه ﵇ للدلالة على كمال العدد، وكونه متعينا نصا دون تجوز، فإن تسعمائة وخمسين قد يطلق على ما يقرب منه، ولما في ذكر الألف من تخييل طول المدة، لأنها أول ما تقرع السمع، فإن المقصود من القصة تسلية رسول الله ﷺ ، وتثبيته على ما كان عليه من مكابدة ما يناله من الكفرة، وإظهار ركاكة رأي الذين يحسبون أنهم يتركون بلا ابتلاء، واختلاف المميزين لما في التكرير في مثل هذا الكلام من البشاعة، والنكتة في اختيار السنة أولا: أنها تطلق على الشدة، والجدب، بخلاف العام، فناسب اختيار السنة لزمان الدعوة الذي قاسى ﵇ فيه ما قاسى من قومه). وقال صاحب الظلال: (والراجح أن فترة رسالته ﵇ التي دعا فيها قومه كانت ألف سنة إلا خمسين عاما. وقد سبقتها فترة قبل الرسالة غير محددة، وأعقبتها فترة كذلك بعد النجاة من الطوفان غير محددة. وهو عمر طويل مديد، يبدو لنا الآن غير طبيعي ولا مألوف في أعمار الأفراد. ولكننا نتلقّاه من أصدق مصدر في هذا الوجود- وهذا وحده برهان صدقه- فإذا أردنا له تفسيرا فإننا نستطيع أن نقول: إن عدد البشرية يومذاك كان قليلا ومحدودا، فليس ببعيد أن يعوض الله هذه الأجيال عن كثرة العدد

стр. 3959

طول العمر، لعمارة الأرض وامتداد الحياة. حتى إذا تكاثر الناس وعمرت الأرض لم يعد هناك داع لطول الأعمار. وهذه الظاهرة ملحوظة في أعمار كثير من الأحياء. فكلما قلّ العدد وقلّ النسل طالت الأعمار، كما في النسور، وبعض الزواحف كالسلحفاة. حتى ليبلغ عمر بعضها مئات الأعوام. بينما الذباب الذي يتوالد بالملايين لا تعيش الواحدة منه أكثر من أسبوعين. والشاعر يعبر عن هذه الظاهرة بقوله: بغاث الطير أكثرها فراخا ... وأم الصقر مقلاة نزور ومن ثمّ يطول عمر الصقر. وتقل أعمار بغاث الطير. ولله الحكمة البالغة. وكل شئ عنده بمقدار). قال ابن كثير: (قال الثوري عن سلمة بن كهيل عن مجاهد قال: قال لي ابن عمر: كم لبث نوح في قومه؟ قال: قلت ألف سنة إلا خمسين عاما. قال: فإن الناس لم يزالوا في نقصان من أعمارهم وأحلامهم وأخلاقهم إلى يومك هذا: ٢ - [كلام المؤلف حول ما جاء في التوراة الحالية المحرفة عن فترة رسالة نوح ﵇] تذكر التوراة الحالية المحرفة في الإصحاح التاسع: (وعاش نوح بعد الطوفان ثلاث مائة وخمسين سنة، فكانت كل أيام نوح تسع مائة وخمسين سنة ومات). وهذه الرواية أخذ بها قتادة، وقد رأينا أنّها إحدى روايات نقلها الألوسي، قال ابن كثير: وقال قتادة: يقال إن عمره كله ألف سنة إلا خمسين عاما، لبث فيهم قبل أن يدعوهم ثلاثمائة سنة، ودعاهم ثلاث مائة، ولبث بعد الطوفان ثلاث مائة سنة وخمسين عاما. قال ابن كثير: وهذا قول غريب). أقول: ظاهر السياق أنه لبث فيهم يدعوهم إلى الله قبل الطوفان (٩٥٠) عاما ولا تصلح روايات التوراة الحالية للاعتماد حتى نصرف النّص عن ظاهره من أجلها، فمن قرأ سفر التكوين الذي فيه هذه الرواية رأى فيه من الطامّات والسخافات والبلايا ما لا يهضمه عقل ولا نقل، كما ذكرنا ذلك في أكثر من مكان من هذا التفسير خاصّة وهذا المكتوب لم يكتب إلا بعد مئات السنين كما أثبتنا ذلك في هذا التفسير فأنّى يطمئن إلى ما فيه. ٣ - [نقل عن العقاد حول حفريات ما بين النهرين وصلتها بقصة الطوفان] كنا ذكرنا في مقدمة هذا التفسير كيف أنّ حفريات ما بين النّهرين ذكرت أن سلالات ملكية حكمت آلاف السنين ومن خلال هذه الروايات يفهم أن بعض ملوك تلك المرحلة كانوا يعمّرون وسطيا أكثر من ألف عام، وذكرنا هناك النقول،

стр. 3960

وذكرنا اسم صاحبها، وهاهنا ننقل ما ذكره العقاد في كتابه (إبراهيم أبو الأنبياء) قال: (وفي متحف أشمول بإنجلترا أسماء الأسر التي حكمت بابل من بعد الطوفان إلى أيام سراجون، وقد جاء في الألواح التي حفظت أسماءها أن الأسرة الأولى تولى منها الملك ثلاثة وعشرون ملكا، وكانت مدّة حكمهم جميعا أربعة وعشرين ألف سنة وخمسمائة وعشر سنوات) [ص ١٧٠] ثم يذكر العقاد بعد ذلك كلاما عن أحد ملوك تلك المنطقة واسمه (دنقي) أو (شلقي) وكيف أنّه فرض على النّاس عبادته وقال: (ولم يكن دنقي بالوحيد الذي فرض عبادته على البلاد كلها، بل كان هذا شأن جميع الملوك التي أخضعوها لسلطان واحد) أقول: ودنقي هذا كانت عاصمته (أور) بلد الخليل ﵇ كما يذكر العقاد، ويبدو أنّ واحدا من حكامها الذين ادّعوا الربوبية هو نمروذ إبراهيم. ٤ - [نقل عن العقاد حول قصة الطوفان كما روتها ألواح عثر عليها في بلاد الرافدين] وقد تحدّث العقاد عن قصة الطوفان كما روتها ألواح عثر عليها في بلاد الرافدين فقال: (والباقي من ألواح هذه القصة في المتحف البريطاني يحكيها على هذا المثال: (ابن بيتا واصنع سفينة تحفظ النبات والحيوان، واخزن البذور واخزن معها بذور الحياة من كل نوع تحمله السفينة، وليكن طولها ستمائة قدم في ستين عرضا ... وتدخل السفينة وتحكم إغلاقها، وتضع في وسطها الحبوب والمتاع والأزواد والخدم والجند، وتضع فيها كذلك أجناس الوحش لتحفظ ذريتها .. ). ( ... وقال الله ليلا! إني سأرسل السماء مدرارا، فادخل إلى جوف السفينة واغلق عليك بابها، وتغطى وجه الأرض، وهلك كل ما عليه من الأحياء، وفار الماء حتى بلغ السماء، ولم ينتظر أخ أخاه، ولم يعرف جار جاره. ستة أيام وست ليال، والريح تعصف والأنواء تطغى، ثم كان اليوم السابع فانقطع المطر، وسكنت العاصفة التي ماجت كموج الزلزال. سكنت العاصفة وانحسر البحر وانتهى الطوفان، وعجّ البحر بعد ذلك عجيجه، واستحال الناس طينا وطفت أجسادهم على وجه الماء) (ثم استوت السفينة على جبل نيزار .. وأرسلت أنا الحمامة فذهبت وعادت ولم تجد من مقر تهبط عليه، فأرسلت عصفور السمانة فعاد وما هبط على مكان، وأرسلت الغراب فراح ينهش الجثث الطافية ولم يرجع، ثم أطلقت الحيوانات في الجهات الأربع، وبنيت على رأس الجبل مذبحا فقربت لديه قربانا وفرقته في آنية سبعة، وفرشت
следующие страницы →