← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

مجزومة. النهي الأول: عن أكل الأموال بالباطل. والنهي الثاني: عن أكل الأموال بالباطل عن طريق الحكام. إما باستغلال ظاهر، أو برشوة قاض. وكل ذلك حرام. ولا تظهر التقوى بشيء كما تظهر بالتورع عن أكل الحرام. لأن النفس بطبيعتها تحب المال كثيرا. فإذا خالف الإنسان هواه في ذات الله، فذلك علامة التقوى. الفقرة الثالثة يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٩) أسباب النزول: ١ - قال معاذ بن جبل: يا رسول الله. ما بال الهلال يبدو دقيقا مثل الخيط ثم يزيد حتى يمتلئ. ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدأ، لا يكون على حالة واحدة كالشمس. فنزل: يَسْئَلُونَكَ. ٢ - عن جابر قال: «كانت قريش تدعي الحمس. وكانوا يدخلون من الأبواب في الإحرام. وكانت الأنصار وسائر العرب لا يدخلون من باب في الإحرام ... ». وقال محمد بن كعب: كان الرجل إذا اعتكف لم يدخل منزله من باب البيت فأنزل الله هذه الآية. وقال عطاء: كان أهل يثرب إذا رجعوا من عيدهم، دخلوا منازلهم من ظهورها. ويرون أن ذلك أدنى إلى البر. فقال الله: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا .... وقال الحسن البصري: كان أقوام من أهل الجاهلية إذا أراد أحدهم سفرا وخرج من بيته يريد سفره خرج له، ثم بدا له بعد خروجه أن يقيم ويدع سفره، لم يدخل البيت من بابه. ولكن يتسوره من قبل ظهره. فقال الله تعالى: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ .... المعنى الحرفي: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ: عن أسباب انتقالها من حال إلى حال. وهذه قضية

стр. 422

كونية، تعرف من خلال دراسة الكون العلمية. والدين لم يأت ليعلم الناس قوانين الظواهر الكونية. بل ليعلم الناس عقائدهم وعبادتهم، ومناهج حياتهم .. ولذلك كان الجواب بما ينسجم مع طبيعة الرسالة، ومهمة الرسول، وتعليم القرآن. قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ: أي هي معالم. يؤقت بها الناس صومهم، وعدة نسائهم، وأيام حيضهن، ومدة حملهن، ومحال ديونهم، وغير ذلك. كما أنها معالم للحج، يعرف بها وقته. وربط العبادات الإسلامية بمظاهر كونية كالشمس والقمر أدعى إلى المعرفة السهلة وأبعد عن التلاعب من أي مصدر كان وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها أي وليس البر بتحرجكم من دخول الباب في بعض أحوالكم، إذ هذه قضية غير معقولة المعنى، وأعمال البر كلها معقولة المعنى. وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى: ما حرم الله. فهل حرم الله عليكم دخول البيوت من أبوابها. فإذا لم يفعل فليس ما تفعلونه برا. وهذه هنا من تمام تصفية التصرفات كلها حتى تكون أثرا عن اتباع كتاب الله وهداه. وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها: معناها ظاهر. ولكنها في سياقها تفيد ما قاله النسفي أي: وباشروا الأمور من وجوهها التي يجب أن تباشر عليها ولا تعكسوا. وَاتَّقُوا اللَّهَ: فيما أمركم به، ونهاكم عنه. لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ: أي لتفوزوا في أمر دنياكم وأخراكم. المعنى العام: في الآية موضوعان: موضوع الأهلة. وموضوع دخول البيوت من أبوابها. والصلة بينهما من وجهين رئيسيين: أولا: لما سألوا عن الأهلة كان الجواب كأنه ما يلي: معلوم أن كل ما يفعله الله تعالى لا يكون إلا لحكمة. فدعوا السؤال عن السبب. وانظروا في الحكمة، ثم انظروا فيما هو أليق بكم كهذه الخصلة التي تفعلونها مما ليس من البر في شئ، وأنتم تحسبونها برا. ثانيا: لقد سألتم عن أسباب انتقال القمر من حال إلى حال. ولم ينزل الدين من أجل هذا. إذ سبيل هذا العلم بظواهر الكون من خلال التأمل والتجربة ومعرفة الأسباب. ففعلكم هذا يشبه إتيانكم البيوت من ظهورها. فكما أنكم أخطأتم هذا الموضوع بتصوركم. فقد أخطأتم في سؤالكم. وكما أن الصواب أن تأتوا البيوت من أبوابها، فكذلك الصواب فى هذا الموضوع أن تأتوا الأمور من وجوهها فتتعرفوا على ظواهر هذا الكون.

стр. 423

فالتقوى في هذا الموضوع ذات شقين: أن تعرفوا حكمة الأشياء. وهذا سبيله الدين. وأن تعرفوا حقيقة الأشياء الحسية عن طريق ذلك. ووجهه وبابه الدراسة والتأمل والعلم الكوني. فوائد: ١ - أفادت الآية أن جميع أفعاله تعالى حكمة وصواب. فعلينا الاعتقاد بذلك من غير اختلاج شبهة ولا اعتراض شك. ٢ - أخرج الحاكم في مستدركه وصححه قوله ﷺ : «جعل الله الأهلة مواقيت للناس. فصوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته. فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوما». ٣ - بمناسبة قوله تعالى عن الأهلة: قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ قال القرطبي: لا خلاف بين العلماء أن من باع معلوما من السلع بثمن معلوم إلى أجل معلوم من شهور العرب، أو إلى أيام معروفة العدد، أن البيع جائز. وكذلك قالوا في السلم إلى الأجل المعلوم. واختلفوا في من باع إلى الحصاد أو إلى الدياس، أو إلى العطاء وشبه ذلك. فقال مالك: ذلك جائز لأنه معروف. وبه قال أبو ثور. وقال أحمد: أرجو أن لا يكون به بأس. وكذلك إلى قدوم الغزاة. وعن ابن عمر أنه كان يبتاع إلى العطاء. وقالت طائفة: ذلك غير جائز، لأن الله تعالى وقت المواقيت، وجعلها علما لآجالهم في بيعاتهم ومصالحهم. كذلك قال ابن عباس، وبه قال الشافعي والنعمان. قال ابن المنذر: قول ابن عباس صحيح. ٤ - بمناسبة قوله تعالى: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها قال القرطبي: في هذه الآية بيان أن ما لم يشرعه الله قربة، ولا ندب إليه، لا يصير قربة بأن يتقرب به متقرب. قال ابن خويزمنداد: (إذا أشكل ما هو بر وقربة، بما ليس هو بر ولا قربة أن ينظر في ذلك العمل. فإن كان له نظير في الفرائض والسنن، فيجوز أن يكون، وإن لم يكن فليس ببر ولا قربة. قال: وبذلك جاءت الآثار عن النبي ﷺ . وذكر حديث ابن عباس قال: «بينما رسول الله ﷺ يخطب، إذا هو برجل قائم في

стр. 424

الشمس. فسأل عنه فقالوا: هو أبو إسرائيل. نذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم. فقال النبي ﷺ : مروه فليتكلم، وليستظل، وليقعد، وليتم صومه». فأبطل النبي ﷺ ما كان غير قربة مما لا أصل له في شريعته. وصحح ما كان قربة مما له نظير في الفرائض والسنن). محل الآية في السياق العام: رأينا أن السياق العام كله إما في شرح التقوى، أو في بيان الطرق المؤدية إليها، أو في تبيان آثارها. وهذه الآية تصحح مفهومين خاطئين، يمكن أن يقع فيهما الناس. والتقوى خلافهما: المفهوم الأول: الخلط بين معرفة الحكمة، ومعرفة القانون الكوني. والخلط بين مهمة الدين، ومهمة العلم التجريبي والتأملي. فجاءت الآية لتبين أن معرفة الحكمة من خلق الأشياء جزء من الدين. وأما معرفة الأشياء الحسية، فطريقها شئ آخر. فالدين يبين الحكمة والحكم. وقد أعطاك الله أيها الإنسان ما تستطيع به أن تعرف الأشياء، وتسخرها. فاسلك لذلك طريقه ضمن هداية الله إياك، وتوجيهه، وتنفيذ أوامره. المفهوم الثاني: التصرف المعقد غير المعقول المعنى. يظنه بعض الناس دينا. والدين ما نص عليه الشارع، وما كلف به الإنسان، لا ما اخترعه لنفسه، سواء شدد على نفسه به أو رخص. فالآية في محلها إذن تصفية لقضية التقوى من التطلعات الخاطئة، أو التصرفات الغالية. فائدة في صلة هذه الآية بما بعدها من المقطع: قال صاحب الظلال: والتسلسل في السياق واضح بين الحديث عن الأهلة، وأنها مواقيت للناس والحج، والحديث عن القتال في الأشهر الحرم، وعن المسجد الحرام، والحديث عن الحج والعمرة وشعائرهما. كلمة في السياق: تأتى الآن فقرة تتحدث عن القتال، والإنفاق. وتأخذ هذه الفقرة محلها في تصحيح

стр. 425

التصورات عن التقوى. فكما حدث قديما فسيحدث في هذه الأمة تصورات خاطئة عن التقوى. ومن نظر إلى مفاهيم الناس عن التقوى في عصرنا، أدرك بعض أسرار هذا السياق فما أكثر الذين يفهمون أن التقوى لا صلة لها بقتال، أو إنفاق، أو علم، أو جمع مال. ومن ثم فمجيء آيات القتال والإنفاق في سياق بناء التقوى. تقوى الأفراد والمجتمع واضح الملامح. لاحظ الآن أن الأمر: وَقاتِلُوا. وبعده الأمر: وَأَنْفِقُوا وبعده الأمر وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ ومن قبل وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها. ومن قبل: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ. هذه الأوامر والنواهي جاءت بعد ثلاث مرات ذكرت فيها الكلمة: كُتِبَ.* ومن بعد ثلاث مرات ذكرت فيها قضية التقوى كهدف: لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ* لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ.* مما يشير إلى أن الأوامر والنواهي في هذا السياق لها صلة ببناء التقوى. تقوى الفرد وتقوى الأمة. والملاحظ أنه يأتي هاهنا أمر بالقتال. وفي القسم الثالث فيما بعد ستذكر فريضة القتال. فما السر في ذلك؟. السر أن هذه آتية في سياق. وتلك في سياق. فتلك آتية في سياق إقامة الإسلام كله. فالإسلام لا يقوم بلا جهاد لتكون كلمة الله هي العليا، سواء قاتلنا الناس أو لم يقاتلونا. أما هذه فآتية في سياق بناء التقوى. فلا تقوى لأحد بلا جهاد وإنفاق. ثم هذه خصت من يقاتلوننا بالذكر. فالأمر هنا لتحقيق فريضة عينية. وهناك لتحقيق فريضة كفائية. وليس الأمر كما فهمه بعضهم من أن القتال المشروع في الإسلام هو القتال الدفاعي. بل هو أحد أنواع القتال المفروضة. «مقدمة في القتال» كثيرون من الناس لا يفهمون النصوص، ولا يمتلكون القدرة على فهمها. فتراهم يفهمون النصوص فهما مبتسرا، أو فهما خاطئا، فيعطلون العمل بنص غير منسوخ ويفهمون نصا آخر فهما غير صحيح. ومن أكثر ما حدث في هذا الشأن، ما حدث في فهم آيات القتال، وآيات السلام. فمثلا هناك قتال مفروض فرض عين، وقتال مفروض فرض كفاية. وهناك حالات يجوز فيها السلام والعهد. وحالات لا يجوز. ويأتي أصحاب الفهوم الخاطئة ليلغوا

стр. 426

القتال المفروض فرض كفاية بحجة الآيات التي تذكر القتال المفروض فرض عين. ويحملون الآيات التي تجيز السلام على حالات لا يجوز فيها السلام. فالقتال ابتداء من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا فرض كفاية. والقتال إذا هو جمنا فرض عين. ثم إنه حيثما كنا قادرين على قهر خصمنا، فلا نقبل منه إلا الحرب أو الجزية، أو الإسلام. فإذا تساوت القوتان، جاز السلام، فإذا رجحت قوتهم جاز السلام كذلك على أن تكون النظرات التي تحكمنا نظرات إسلامية، وسنرى ذلك كله تفصيلا وإنما ذكرنا ذلك لأن الآيات التي بين أيدينا تحدثنا عما ينبغي فعله- إذا قوتلنا من قتال وسهر ومتابعة للعدو حتى نخرجه من حيث أخرجنا، وأن ننهي شوكته ليكون السلطان لله. وأنه يحق لنا أن نستعمل مع خصمنا الوسائل التي يستعملها معنا. فإن اعتدى بضرب القنابل على المدن الآمنة، كان لنا أن نفعل ذلك معه، هذا مع تبيان الأحكام الخاصة في القتال في الحرم والأشهر الحرام. والآيات تبين أنه حيث أخذت أرضنا فلا قرار. وحيث قوتلنا فمرحبا بالقتال. فالآيات هنا إذن تبين وضعا من الأوضاع التي يمكن أن يواجهها المسلمون. وتبين لهم كيف ينبغي أن يواجهوها. وهناك آيات أخرى تبين أوضاعا أخرى. ومهمة طالب العلم أن يحمل كل نص على الحالة التي ينطبق عليه النص. فلنر الفقرة الرابعة على ضوء المقدمة. الفقرة الرابعة [سورة البقرة (٢): الآيات ١٩٠ الى ١٩٥] وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (١٩١) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٢) وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣) الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤) وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)

стр. 427

كلمة في هذه الفقرة: بين الكلام عن القتال والإنفاق صلة. لاحتياج القتال إلى مال. وقد جاءت آية الإنفاق بين آيات القتال، وآيات الحج. والحج نوع جهاد، ويحتاج إلى مال. وقد جاءت آيات القتال، وآية الإنفاق لتصفي قضية التقوى من التصورات الخاطئة- كما فعلت الآية السابقة على هذه الفقرة- ولتعطي المسلم التصورات الصحيحة عن التقوى، ولتوجهه إلى التقوى في كل حال. في سلمه وحربه. إن هناك تصورات كثيرة خاطئة تصححها هذه الآيات. منها: أن يظن الإنسان أن من التقوى ألا يقاتل، وألا يقدم إلا السلام للآخرين في كل حال. ومنها: أن يظن الإنسان أن التقوى لا يرافقها غلبة، ولا نصر، ولا ظهور. ومنها: أن يركن الإنسان إلى السلام، والعمل، والأمن، والحين حين جهاد. إن آيات هذه الفقرة جاءت لتصحيح ذلك كله، وتصحيح غيره. كما أنها تعطينا بيانا وهداية في شئون كثيرة. المعنى: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ: أي قاتلوا الذين يناصبونكم القتال دون من ليس من أهل المناصبة من الشيوخ، والصبيان، والرهبان، والنساء، وليكن قتالكم في سبيل الله، لا في سبيل غيره. ومن سبيل الله في القتال، أن يكون القتال لتكون كلمة الله هي العليا فقط. وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ: أي لا تعتدوا في قتالكم، بارتكاب ما نهيتم عنه في القتال، من المثلة، وقتل النساء، والصبيان، والشيوخ، الذين لا رأي لهم، ولا قتال فيهم، والرهبان وأصحاب

стр. 428

الصوامع، وتحريق الأشجار، وقتل الحيوان لغير مصلحة، والغلول. فكل ذلك تجاوز لأمر الله في القتال، واعتداء. والله لا يحب المعتدين، الذين يتجاوزون حدوده. هذا الاتجاه في تفسير الآية هو الذي رجحه ابن كثير، ورد الاتجاه الذي يقول إن هذه الآية منسوخة. ذكر ابن كثير: (عن أبي العالية في قوله تعالى: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ: قال: هذه أول آية نزلت في القتال بالمدينة. فلما نزلت، كان رسول الله ﷺ يقاتل من قاتله. ويكف عمن كف عنه، حتى نزلت سورة براءة. وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، حتى قال- أي الرازي- هذه منسوخة بقوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ. (سورة التوبة) وفي هذا نظر. لأن قوله تعالى: الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ: إنما هو تهييج، وإغراء بالأعداء الذين همهم قتال الإسلام وأهله. أي كما يقاتلونكم فاقتلوهم أنتم). ثم استشهد ابن كثير بالآية التالية للآية الأولى على صحة ما ذهب إليه بعدم النسخ: وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ. فهي تشبه الآية التي قيل عنها إنها ناسخة، وهي قوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ. يبقى أن يقال: إن هذه الآية قد يفهم منها معنى زائد على آية براءة. وهو أن الذين يناجزوننا القتال، يقدم قتالهم على غير المناجزين، مع حل قتال الجميع وإذ يقاتل المسلمون الكفرة غير المعاهدين، فلا اعتداء. والآية على هذا الفهم فيها أمر بقتال كل كافر غير معاهد. لأن كل كافر إنما هو مقاتل لنا إن استطاع. وعلى كل فإن قتال من يقاتلنا فريضة والآية نص في ذلك وهي ليست منسوخة. أحاديث: ١ - روى الإمام مسلم عن بريدة أن رسول الله ﷺ كان يقول: «اغزوا في سبيل الله. قاتلوا من كفر بالله. اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا الوليد، ولا أصحاب الصوامع». ٢ - في الصحيحين عن ابن عمر قال: «وجدت امرأة في بعض مغازي النبي ﷺ مقتولة. فأنكر رسول الله ﷺ قتل النساء والصبيان». ٣ - قال ﷺ : «إن قوما كانوا أهل ضعف ومسكنة. قاتلهم أهل تجبر وعداوة فأظهر الله أهل الضعف عليهم. فعمدوا إلى عدوهم، فاستعملوهم، وسلطوهم

стр. 429

فأسخطوا الله عليهم إلى يوم القيامة» رواه الإمام أحمد. قال ابن كثير: هذا حديث حسن الإسناد. ومعناه أن هؤلاء الضعفاء لما قدروا على الأقوياء، فاعتدوا عليهم، واستعملوهم فيما لا يليق بهم، أسخطوا الله عليهم بسبب هذا الاعتداء. اه. كلام ابن كثير. لكني أفهم من الحديث أن الكافر إذا ظهرت عليه فلا تسلمه مقاليد الأمور، ولا تستعمله على المسلمين. فإذا فعلت فإنك تستحق سخط الله. وهاهنا أسئلة: إذا كان الراهب، أو المرأة، أو الشيخ، أو الصبي يشارك في المعركة برأيه، أو بفعله، فما حكم قتله؟ الفتوى على جواز القتل. بعض العمليات الفدائية المعاصرة قد يقتل فيها النساء، والشيوخ والأطفال تبعا بسبب أنها تكون عن طريق التسلل والخفاء، لعدم التكافؤ بين المسلمين وعدوهم. فما حكم ذلك؟. الفتوى على الجواز إذا تعين ذلك طريقا للصراع مع الكفر وأهله. في الحرب الحديثة نرمي العدو من بعد. فنرمي مدنه، ومستعمراته، وقراه. فما حكم ذلك؟. الفتوى على الجواز إن كان هو يفعل بنا ذلك أو يستحله ويعمل له. وهناك أسئلة كثيرة أخرى يمكن أن تثار بمناسبة الحديث عن القتال في عصرنا. وأدبنا في هذا التفسير ألا نستقصي المسائل حرصا على الاختصار. ولأن هذا التفسير جزء من سلسلة الأساس في المنهج التي منها (الأساس في السنة وفقهها) وهناك معنا أجوبة على الكثير من المسائل. فللتنويه بذلك أشرنا هذه الإشارة. وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ: أي حيث وجدتموهم. والثقف: الوجود على وجه الأخذ والغلبة. وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ: أخرجوكم من مكة، فأخرجوهم منها. وأخرج اليهود فى عصرنا المسلمين من فلسطين. فليخرجوهم منها. قال ابن كثير: (أي لتكن همتكم منبعثة على قتالهم، كما همتهم منبعثة على قتالكم. وعلى إخراجهم من بلادكم التي أخرجوكم منها قصاصا). يفهم من هذا أن المسلم لا يستكين. فإذا أراد عدو الله أن يؤذيه، أو أراد به شرا من أجل أن يميت فيه روح الإسلام فإنه يقابل ذلك بما يكافئه. ولما كان ما أمر الله به في هذه الآية فيه إزهاق النفوس، وقتل الرجال. نبه تعالى على أن ما هم مشتملون عليه

стр. 430

من الكفر بالله والشرك به، والصد عن سبيله والعمل على تكفير أهل الإيمان وفتنتهم عن دينهم أبلغ وأشد، وأعظم، وأطم من القتل. فمن استعظم أن يقتل أعداء الله الذين يكفرون المسلمين وذراريهم فإنه لم يعرف دين الله. لذلك قال تعالى بعد ما تقدم: وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ: أي وإقامتهم على شركهم وكفرهم، وإنزالهم المحنة والبلاء بأهل الإيمان لإيمانهم، أعظم من القتل الذي يحل بهم منكم. وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ: أي لا تبدءوا بقتالهم في الحرم حتى يبدءوا. وفي الآية دليل لمن ذهب إلى أن المسجد الحرام يقع على الحرم كله. فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ: فإن بدءوكم بالقتال فيه فلكم حينئذ قتالهم، وقتلهم. كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ: القتل. نفهم من ذلك أن الكفر جريمة. بل هو أعظم الجرائم على الإطلاق. ومن ثم جاز لنا أن نقاتل الكافرين ابتداء لارتكابهم أكبر جريمة على الإطلاق، وهي الكفر. كما جاز لنا قتلهم ابتداء إلا أن يسلموا، أو يخضعوا بدفع الجزية، إلا وثنيي العرب. فإنهم لا يقبل منهم إلا الإسلام، أو القتل. فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ: أي فإن انتهوا عن الشرك والقتال، وأنابوا إلى الإسلام والتوبة، فإن الله يغفر ذنوبهم ولو كانوا قد قتلوا المسلمين في حرم الله تعالى. فإنه تعالى لا يتعاظمه ذنب أن يغفره، إلا ما استثناه من الشرك. فهو غفور لما سلف من طغيانهم، رحيم بقبول توبتهم وإيمانهم. وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ: أي شرك وكفر غالبان، ظاهران، عاليان. بحيث يقدران على فتنة المسلم عن دينه. وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ: أي يكون دين الله هو الظاهر العالي على سائر الأديان. فبالله هل نحن مسلمون حقا، والكفر والشرك، والفتنة هم الأعلون. والإسلام وأهله هم الأضعفون. ولا قتال، ولا جهاد؟. فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ قال عكرمة وقتادة: الظالم الذي أبى أن يقول لا إله إلا الله. فصار معنى الآية: فإن امتنعوا عن الكفر فلا تقاتلوهم فإنه لا عدوان إلا على الظالمين. ولم يبقوا ظالمين بعد أن أسلموا. سمى جزاء الظالمين عدوانا للمشاكلة، من باب فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ. وفي قوله تعالى: فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ أكبر رد على من فهم أن قوله تعالى: وَلا تَعْتَدُوا في أول هذه الآيات أن المراد بها تبدءوا غيركم بالقتال. ثم فهم الآيات كلها بأن المراد منها، القتال الدفاعي فقط.

стр. 431

في الصحيحين عنه ﷺ «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله. فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها. وحسابهم على الله». وهذا في مشركي العرب خاصة. أما غير مشركي العرب، فالقتال، أو الإسلام، أو الجزية كما سنرى في محله. ولا شك أن المراد بالسياق من خلال أسباب النزول قريش أولا ولكن كما هو معلوم فإن خصوص السبب لا يمنع عموم اللفظ. فائدة: من تطبيقاته ﷺ لقوله تعالى: وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ ما حدث يوم الحديبية، فإنه ﵊ لم يقاتل ولم ينو القتال حتى بلغه إشاعة مقتل عثمان، فعندئذ بايع أصحابه على القتال تحت الشجرة، خاصة بعد أن اتضح تألب قريش، ومن والاهم على قتاله. ثم تم صلح الحديبية. وتبين أن عثمان لم يقتل ولم يكن قتال. حديث: جاء في الصحيحين عنه ﷺ : «إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض. فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة. ولم يحل إلا ساعة من نهار. وإنها ساعتي هذه، حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة. ولا يعضد شجره، ولا يختلى خلاه. فإن أحد ترخص بقتال رسول الله فقولوا إن الله أذن لرسوله، ولم يأذن لكم». فمن فهم هذا الحديث، وعرف أن المشركين هم الذين بدءوا بالقتال في المسجد الحرام إذ قتلوا حلفاء رسول الله ﷺ بني خزاعة. عرف كيف يطبق هذه الآيات على الوضع الخاص في زمنه ﷺ . وكيف يجمع بين قوله تعالى: وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وبين وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ. فالحرم له أحكامه الخاصة ولرسوله ﷺ خصوصياته. والأمر: أَخْرِجُوهُمْ عام. ويدخل فيه الحرم بالنسبة لرسول الله ﷺ وحده. وقوله تعالى: وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ عام استثني منه رسول الله ﷺ . الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ: أراد المشركون القتال قبيل صلح الحديبية في الشهر الحرام وهو ذو العقدة. ثم تم الصلح. وكان من جملة بنوده، أن يرجع المسلمون عامهم ذاك ويعتمروا في عام لاحق. فلما خرج المسلمون لعمرة القضاء. وكان ذلك في ذى القعدة أيضا. وقريش هي قريش. أنزل الله هذه الآية مبينا فيها أن

стр. 432

هذا الشهر بذلك الشهر وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ: أي وهتكه بهتكه. يعني تهتكون حرمته عليهم كما هتكوا حرمته عليكم إذ كل حرمة يجري فيها القصاص. فمن هتك حرمة، أي حرمة كانت، اقتص منه بأن تهتك له حرمة. فحين هتكوا حرمة شهركم فافعلوا بهم نحو ذلك. ولا تبالوا. وهذا كله مع الالتزام بالعهود، والوعود، والاستقامة على أمر الله. فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ. أي فعاقبوه بعقوبة مماثلة لعدوانه، بعدوان مثل عدوانه. وَاتَّقُوا اللَّهَ: في كل حال. وفي حال كونكم منتصرين على من اعتدى عليكم. فلا تعتدوا إلى ما لا يحل لكم. وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ: بالنصر، والتأييد في الدنيا والآخرة. فوائد: ١ - اتجه بعضهم إلى أن قوله تعالى: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ نزل بمكة. وأنه منسوخ بآية القتال. وقد رد هذا القول ابن جرير. وقال: بل الآية مدنية بعد عمرة القضاء. وعزا ذلك إلى مجاهد ﵀. ٢ - أخرج الإمام أحمد عن جابر بن عبد الله قال: «لم يكن رسول الله ﷺ يغزو في الشهر الحرام، إلا أن يغزى، وتغزوا. فإذا حضره أقام حتى ينسلخ». قال ابن كثير. هذا إسناد صحيح. والذي يبدو أن رسول الله ﷺ كان يفعل هذا مراعاة لأعراف سائدة بما لا يعطل قضية الجهاد. وبما لا تتضرر منه مصلحة المسلمين. ٣ - نفهم من قوله تعالى: الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ: أنه إذا خالف غير المسلمين عرفا عاما فإن المسلمين في هذه الحالة يستطيعون أن يردوا بالمثل. ونتساءل الآن في عصرنا بعد أن أصبح صاحب الضربة الأولى هو المنتصر هل ينتظر المسلمون الضربة الظالمة إذا تأكدوا من وجودها؟ وهل تكفير أبنائنا الذي هو أشد من القتل يبيح لنا قتل أبناء الذين يكفرونهم إذا كانوا غير بالغين كنوع من أنواع الضغط على الكافرين ليراجعوا خططهم وطريقهم؟ الجواب على السؤالين: وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ: التهلكة والهلاك والهلك واحد. وفي هذا النص أمر ونهي. أمر بالإنفاق في سبيل الله فدخل في ذلك التصدق

стр. 433

للجهاد وغيره. وأما النهي عن إهلاك النفس. فإذا نظرنا إلى النص مجردا كان له معنى. وإذا نظرنا إليه من خلال الآية التي هو فيها، أعطانا معنى آخر. وإذا انظرنا إليه أنه جزء من السياق أعطانا معنى جديدا. وكل هذه المعاني مرادة. وكلها قد ذكرها أئمة التفسير عند شرح هذه الآية. فإذا نظرنا إلى النص مجردا فهمنا منه أنه نهي عن قتلنا أنفسنا. أي لا تقتلوا أنفسكم بأيديكم كما يقال: أهلك فلان نفسه بيده. إذا تسبب لهلاكها. وهل يدخل في ذلك لو أن الإنسان أمر المسلمين بمعروف، أو نهاهم عن منكر فقتلوه؟. الجواب: لا. بل هو مأجور. نص على ذلك فقهاء الحنفية. وهل يدخل في إلقاء النفس إلى التهلكة لو أن إنسانا هجم على الكافرين ملقيا نفسه عليهم فقتلوه؟. قال الحنفية: إن كان بعمله هذا ينكي فيهم، ويلقي الرعب في قلوبهم فهو مأجور. ولا يدخل في النهي. وإن كان لا ينكي فيهم بل يزيد من جرأتهم على المسلمين فلا يحل له ذلك. ويدخل في النهي. وإذا نظرنا إلى هذا النهي ووروده بعد الأمر بالإنفاق، فهمنا منه أنه نهي عن ترك الإنفاق في سبيل الله. لأنه سبب للهلاك. ذهب إلى ذلك كثير. أخرج البخاري عن حذيفة في الآية قال: «نزلت في النفقة». وقال ابن عباس في الآية: «قال ليس ذلك في القتال. إنما هو في النفقة أن تمسك بيدك عن النفقة في سبيل الله. ولا تلقي بيدك إلى التهلكة». وعن الضحاك بن أبي جبير قال: «كانت الأنصار يتصدقون وينفقون من أموالهم، فأصابتهم سنة، فأمسكوا عن النفقة في سبيل الله، فنزلت: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ؛ وقال الحسن البصري: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ: قال: «هو البخل». وإذا نظرنا إلى هذا النهي من خلال وروده بعد آيات القتال، فهمنا منه أنه نهي عن ترك الجهاد. وأن ترك الجهاد هو الهلاك. وهكذا فسرها أبو أيوب الأنصاري. روى أبو داود والترمذي والنسائي عن أسلم أبي عمران قال: حمل رجل من المهاجرين بالقسطنطينية على صف العدو حتى خرقه. ومعنا أبو أيوب الأنصاري فقال ناس: ألقى بيده إلى التهلكة. فقال أبو أيوب: نحن أعلم بهذه الآية. إنما نزلت فينا. صحبنا رسول الله ﷺ وشهدنا معه المشاهد، ونصرناه. فلما فشا الإسلام، وظهر اجتمعنا معشر الأنصار تحببا. فقلنا قد أكرمنا الله بصحبة نبيه ﷺ وشهدنا معه المشاهد ونصرناه حتى فشا الإسلام وكثر أهله. وكنا قد آثرناه على الأهلين، والأموال، والأولاد. وقد

стр. 434

وضعت الحرب أوزارها. فنرجع إلى أهلينا، وأولادنا فنقيم فيهما. فنزل فينا: وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ. فكانت التهلكة في الإقامة في الأهل والمال، وترك الجهاد). وقد لاحظنا أن هذه الاتجاهات الثلاثة الرئيسية في فهم هذا النص، سببها ملاحظة النص مجردا، أو السياق القريب، أو السياق العام. وهذا قد يكون أبرز مثال من خلال كلام أئمة التفسير لما حاولنا إبرازه سابقا من أن هذا القرآن معانيه لا تتناهى. فمن خلال المعنى المجرد للنص، ومن خلال السياق القريب، والسياق العام، والوحدة القرآنية، ومن خلال عبارة النص، ومن خلال إشارة النص، تتولد معاني لا تتناهى. وكل يأخذ من كتاب الله على قدر ما قسمه الله له وهذه المعاني كلها حق. فما أكثر جناية من كفر بهذا القرآن. وهناك اتجاهان آخران في فهم قوله تعالى: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ: اتجاه يفهم من خلال النص المجرد واتجاه من خلال السياق القريب. الاتجاه الأول: تفسير الهلاك بالهلاك الأخروي. وذلك بالذنب، والاستمرار عليه. وهو تفسير النعمان بن بشير ﵁. قال: «إنها في الرجل يذنب الذنب فيعتقد أنه لا يغفر له. فيلقي بيده إلى التهلكة. أي يستكثر من الذنوب فيهلك». وكذلك فسرها البراء قال: «ولكن التهلكة، أن يذنب الرجل الذنب. فيلقي بيده إلى التهلكة ولا يتوب». والاتجاه الثاني: ذكره النسفي من جملة الأقوال في تفسير النهي في الآية. فقال: والمعنى: النهي ... عن الإسراف في النفقة حتى يفقر نفسه، ويضيع عياله. وكأنه أخذه من السياق. وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ. وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ، والإحسان فسره رسول الله ﷺ قال: «أن تعبد الله كأنك تراه. فإن لم تكن تراه فإنه يراك». والإحسان فعل الحسن والأحسن. فالأمر بالإحسان هنا يقتضي أن ننفق، وأن نجاهد، وأن يكون ذلك بإتقان وإحسان مع الإخلاص لله والمراقبة. المعنى العام للآية: أمر الله المؤمنين في هذه الآية بالإنفاق في سبيل الله في سائر وجوه

стр. 435

القربات، ووجوه الطاعات. وخاصة صرف الأموال في قتال الأعداء، وبذلها فيما يقوى به المسلمون على عدوهم. ونهاهم عن البخل وترك الجهاد. إذ بذلك هلاكهم وقوة عدوهم عليهم. ثم عطف الأمر بالإحسان. وهو من أعلى مقامات الطاعة. وبذلك انتهت هذه الفقرة. لتبدأ فقرة جديدة مضمونها الحج والعمرة. وقد تحدثنا في ابتداء هذه الفقرة، عن محل هذه الفقرة في السياق العام. وأنه تصحيح لمفاهيم خاطئة عن التقوى. وقد رأينا ذلك من خلال الشرح. ونقول هنا: إن هذه الفقرة جزء من الهدى الذي أنزله الله فى كتابه لهداية المؤمنين، في شئونهم كلها. ومن صفات المتقين أنهم يهتدون بهذا القرآن. فلا تقوى إلا بقتال، وإنفاق، وعمل مكافئ لعمل أعداء الله ضدنا، وانتقام من أعداء الله، وبذل جهد لنصرة دين الله، ومن لم يفهم التقوى كذلك لم يفهم كتاب الله. فوائد: ١ - في تعامل المسلمين مع بعضهم، هناك مقامان. مقام العدل، ومقام الفضل. فمن ضربك من المسلمين، جاز لك أن تقتص منه. والأولى أن تعفو رحمة وفضلا. إلا إذا أصبحت الإساءة خلقا لصاحبها، فالأولى الانتصار منه. كما نص على ذلك ابن العربي. وأما في تعاملنا كأمة مع أعداء الله، إذا كنا نمتلك القدرة، فمقام واحد، الرد بالمثل: الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ. فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ. وهذا حيث لا نستطيع الإخضاع ابتداء من خلال الجهاد. ٢ - ستتضح لنا قضية القتال في الإسلام من خلال النصوص شيئا فشيئا. وسنرى كيف يحمل كل نص على ما يدخل فيه. وهاهنا نقول كلمة باختصار: لقد كلفت هذه الأمة أن تبذل جهدا متواصلا لإقامة دين الله في العالم كله. وهذا من الفرائض بحسب الاستطاعة. وقد توجد ظروف غير مكافئة، يكون المسلمون فيها ضعفاء، فلهم في هذه الحالة ألا يقاتلوا. ولكن إذا هوجمت أراضيهم، فلا بد من القتال. وتختلف شدة الفرضية فيما إذا كان وراءهم أحد، أم لا؟ فالحالة الثانية أشد في الفرضية. فلا بد في هذه الحالة من القتال. ويصبح القتال في هذه الحالة فرض عين على كل قادر رجلا كان أو امرأة. وفي هذه الحالة لا يشترط التكافؤ ولا غيره، ولا يصح للإنسان الفرار، ولو كان أعداء الإسلام أضعاف أضعافه، على خلاف حالة الهجوم، وحالة ما إذا كان

стр. 436

وراءنا من نتحيز له. والأمر دقيق سنراه في محله. والتضحيات في هذه الحالة لا تضيع. لأن مثل هذا يعطي الكافرين دروسا في ألا يدخلوا مع المسلمين في تجربة. ٣ - عند قوله تعالى: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ يقول صاحب الظلال: (إنه القتال لله، لا لأي هدف آخر من الأهداف التي عرفتها البشرية في حروبها الطويلة. القتال في سبيل الله. لا في سبيل الأمجاد، والاستعلاء فى الأرض، ولا فى سبيل المغانم والمكاسب، ولا فى سبيل الأسواق والخامات، ولا في سبيل تسويد طبقة على طبقة، أو جنس على جنس. إنما هو القتال لتلك الأهداف التي من أجلها شرع الجهاد في الإسلام. القتال لإعداء كلمة الله في الأرض، وإقرار منهجه في الحياة، وحماية المؤمنين به أن يفتنوا عن دينهم، أو أن يجرفهم الضلال والفساد. وما عدا هذه، فهي حرب غير مشروعة في حكم الإسلام، وليس لمن يخوضها أجر عند الله، ولا مقام). ٤ - رأينا أنه من المستثنين من الأمر بالقتال، الذين لا يقاتلون. فدخل فى ذلك أصناف من الناس. وفي هؤلاء الأصناف يقول القرطبي: (والقتال لا يكون في النساء، ولا في الصبيان، ومن أشبههم، كالرهبان والزمنى، والشيوخ، والأجراء، فلا يقتلون. وبهذا أوصى أبو بكر الصديق ﵁ يزيد ابن أبي سفيان حين أرسله إلى الشام. إلا أن يكون لهؤلاء إذاية. أخرجه مالك وغيره. وللعلماء فيهم صور ست: الأولى: النساء. إن قاتلن، قتلن، قال سحنون: في حالة المقاتلة وبعدها. لعموم قوله تعالى: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ. وللمرأة آثار عظيمة في القتال. منها الإمداد بالأموال، ومنها التحريض على القتال. وقد يخرجن ناشرات شعورهن، نادبات مثيرات معيرات بالفرار. وذلك يبيح قتلهن. غير أنهن إذا حصلن فى الأسر، فالاسترقاق، أنفع لسرعة إسلامهن ورجوعهن عن أديانهن. وتعذر فرارهن إلى أوطانهن بخلاف الرجال. الثانية: الصبيان. فلا يقتلون للنهي الثابت عن قتل الذرية، ولأنه لا تكليف عليهم، فإن قاتل الصبي قتل. الثالثة: الرهبان لا يقتلون ولا يسترقون. بل يترك لهم ما يعيشون به من أموالهم.

стр. 437

وهذا إذا انفردوا عن أهل الكفر. لقول أبي بكر ليزيد. (وستجد أقواما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم لله. فذرهم وما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم له). فإن كانوا مع الكفار في الكنائس، قتلوا. ولو ترهبت المرأة، فروى أشهب أنها لا تهاج. وقال سحنون: لا يغير الترهب حكمها. قال القاضي أبو بكر بن العربي: والصحيح عندي رواية أشهب، لأنها داخلة تحت قوله: فذرهم وما حبسوا أنفسهم له. الرابعة: الزمنى. قال سحنون: يقتلون. وقال ابن حبيب: لا يقتلون. والصحيح أن تعتبر أحوالهم. فإن كانت فيهم إذاية قتلوا، وإلا تركوا وما هم بسبيله من الزمانة، وصاروا حالا على حالهم وحشوة. الخامسة: الشيوخ. قال مالك في كتاب محمد: لا يقتلون. والذي عليه جمهور الفقهاء: إن كان شيخا كبيرا، هرما، لا يطيق القتال، ولا ينتفع به في رأي، ولا مدافعة، فإنه لا يقتل. وبه قال مالك، وأبو حنيفة. وللشافعي قولان: أحدهما، مثل قول الجماعة. والثاني: يقتل هو والراهب. والصحيح الأول. لقول أبي بكر ليزيد ولا مخالف له. فثبت أنه إجماع. وأيضا فإنه ممن لا يقاتل، ولا يعين العدو. فلا يجوز قتله كالمرأة. وأما إن كان ممن تخشى مضرته بالحرب أو الرأي، أو المال فهذا إذا أسر يكون الإمام فيه مخيرا بين خمسة أشياء: القتل، أو المن، أو الفداء، أو الاسترقاق، أو عقد الذمة على أداء الجزية. السادسة: العسفاء. وهم الأجراء والفلاحون. فقال مالك في كتاب محمد: لا يقتلون. وقال الشافعي: يقتل الفلاحون، والأجراء، والشيوخ، والكبار، إلا أن يسلموا، أو يؤدوا الجزية. والأول أصح. لقوله ﷺ في حديث رباح بن الربيع: «الحق بخالد بن الوليد، فلا يقتلن ذرية، ولا عسيفا». وقال عمر بن الخطاب: «اتقوا الله في الذرية والفلاحين الذين لا ينصبون لكم الحرب». وكان عمر بن عبد العزيز لا يقتل حراثا. ذكره ابن المنذر. وحتى لا يدخل أحد أصنافا يجب قتلهم في هؤلاء الذين منعنا من قتلهم. يقول القرطبي: (فأما المرتدون، فليس إلا القتل أو التوبة. وكذلك أهل الزيغ والضلال. ليس إلا السيف أو التوبة. ومن أسر الاعتقاد بالباطل، ثم ظهر فهو كالزنديق، يقتل ولا يستتاب. وأما الخوارج على أئمة العدل، فيجب قتالهم حتى يرجعوا إلى الحق)

стр. 438

٥ - في قوله تعالى: وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ: يقال: إن هذه الآية تنطبق على حالة مضت وانقضت. وهي حالة كون مكة دار حرب في أول الإسلام. أما الآن، فالإجماع قد تقرر بأن عدوا لو استولى على مكة وقال لأقاتلنكم وأمنعكم من الحج، ولا أبرح من مكة. فقد وجب قتاله، وإن لم يبدأ بالقتال. ٦ - عند قوله تعالى: وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ: قال الألوسي: (واستدل الشافعي بالآية على أن القاتل يقتل بمثل ما قتل به من محدد، أو خنق، أو حرق، أو تجويع، أو تغريق، حتى لو ألقاه في ماء عذب، لم يلق في ماء ملح. واستدل بها أيضا على أن من غصب شيئا يلزمه رد مثله. ثم إن المثل قد يكون من طريق الصورة، كما في ذوات الأمثال. وقد يكون من طريق المعنى، كالقيمة فيما لا مثل له). وبمناسبة هذه الآية ذكر القرطبي مسألة ما إذا كان لإنسان حق عند آخر والآخر يجحده. فهل يحق لصاحب الحق إذا وقع بيده مال للآخر، سواء كان من جنس ماله، أو من غير جنسه، أن يأخذ صاحب الحق حقه دون علم الآخر، حتى ولو كان المال أمانة عنده؟. ذكر القرطبي الأقوال في ذلك وذكر من جملة من جوز الأخذ، الشافعي. أقول: والفتوى عند الحنفية على ذلك. ٧ - عند قوله تعالى: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ. قال القرطبي: (وقال محمد بن الحسن: لو حمل رجل واحد على ألف رجل من المشركين وهو وحده، لم يكن بذلك بأس إذا كان يطمع في نجاة، أو نكاية في العدو. فإن لم يكن كذلك فهو مكروه. لأنه عرض نفسه للتلف في غير منفعة للمسلمين، فإن كان قصده تجرئة المسلمين عليهم حتى يصنعوا مثل صنيعه، فلا يبعد جوازه، ولأن فيه منفعة للمسلمين على بعض الوجوه، وإن كان قصده إرهاب العدو وليعلم صلابة المسلمين في الدين فلا يبعد جوازه، وإذا كان فيه نفع للمسلمين، فتلفت نفسه لإعزاز دين الله، وتوهين الكفر فهو المقام الشريف الذي مدح الله به المؤمنين في قوله إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ الآية (سورة التوبة). إلى غيرها من آيات المدح التي مدح الله بها من بذل نفسه. وعلى ذلك ينبغي أن يكون حكم الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، أنه متى رجا نفعا في الدين فبذل نفسه فيه حتى قتل، كان في أعلى درجات الشهداء. قال الله تعالى: وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَ

стр. 439

ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (سورة لقمان). وقد روى عكرمة عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: «أفضل الشهداء حمزة بن عبد المطلب. ورجل تكلم بكلمة حق عند سلطان جائر فقتله». ٨ - عند قوله تعالى: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ. قال الألوسي: (واستدل بالآية على تحريم الإقدام على ما يخاف منه تلف النفس، وجواز الصلح مع الكفار والبغاة إذا خاف الإمام على نفسه، أو على المسلمين). الفقرة الخامسة: [سورة البقرة (٢): الآيات ١٩٦ الى ٢٠٣] وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (١٩٦) الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ (١٩٧) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩) فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ (٢٠٠) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ (٢٠١) أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (٢٠٢) وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٠٣)

стр. 440

كلمة في الفقرة والسياق: ١ - بهذه الفقرة المعدودة الآيات عرض علينا القرآن موضوع المناسك وقد مر معنا من قبل كيف أن إبراهيم وإسماعيل دعوا الله : وَأَرِنا مَناسِكَنا. وهذا ربنا يتفضل على ذرية إبراهيم وإسماعيل وعلى العالم كله فيريهم مناسك الحج والعمرة. ويدلهم مع ذلك على أحكام، ويهديهم إلى آداب، ويبين لهم حكما كثيرة ويذكرهم. وكل ذلك في آيات معدودات تسع ما لا يخطر على بال بشر. وبشكل معجز لا يتطاول إليه أحد من البشر- إلا إذا كان مجنونا أو كالمجنون. ٢ - في الآيات أمر بإتمام الحج والعمرة. وإذن فهناك أمور واضحة، متى ذكر الحج والعمرة فهي معروفة. ومن ثم فالآية تأمر بالإتمام. وهذا يوحي بأن المعاني الآتية، لها صلة بهذا الإتمام، ومن الإتمام إيقاع الحج في أشهر الحج. ومن الإتمام الوقوف بالمزدلفة بعد الإفاضة من عرفات، ومن الإتمام أن تكون الإفاضة من عرفات بعد الوقوف بها. لا كما كانت قريش تفعل، ومن الإتمام ألا يرافق الحج رفث، أو جدال، أو فسوق، ومن الإتمام الاستغفار والدعاء فى أمر الدنيا والآخرة، وكثرة الذكر، ومن الإتمام إقامة أيام منى بأداء حق الله فيهن وفي منى.

стр. 441

٣ - ومن الآيات عرفنا أشياء كثيرة. كجواز التمتع، وماذا يفعل المحصر، وماذا يفعل المتمتع، ولمن يجوز التمتع. وعرفنا جواز التجارة في الحج. وبعض عادات الجاهلية، وجواز التعجل فى النفر من منى. وعرفنا كثيرا من الآداب والأخلاق. وكل ذلك بعض ما في هذه الفقرة التى تشرح بعض معالم الرحلة إلى كعبة إبراهيم، وتبين كثيرا من معالم الحكمة في شريعة الحج، حيث يتجمع المسلمون في عرفات، لينطلقوا منها في أعظم مظاهرة لتعظيم بيت الله. معلنين الحرب قبل ذلك على الشر في رجمهم المكان الذي وسوس فيه الشيطان لأبينا إبراهيم ﵇. ٤ - وإذا كنا ذكرنا من قبل أن مقاطع القسم الأول مهدت لمعاني القسم الثاني. فإن باستطاعتنا هنا أن نذكر أن مقطع إبراهيم ﵇، ومقطع القبلة، والمقطع الذي جاء فيه ذكر الصفا والمروة. كل ذلك قد وطأ لهذه الفقرة التى كانت بدايتها: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ. وإن البداية لتشعرنا وكأنها استمرار لحديث سابق. ٥ - والمناسبة بين هذه الفقرة وما قبلها واضحة كوضوح المناسبة بين الحج والقتال. فالقتال يحتاج إلى بذل جهد ومال. والحج بذل جهد ومال. وتجد الصلة بين الحج والجهاد في كثير من النصوص من مثل: «ولكن أفضل الجهاد حج مبرور». أما محل هذه الفقرة في السياق الكبير فدقيقة جدا. من المعلوم أن الإسلام أركان وبناء. فالأركان: الشهادتان، والصلاة، والزكاة، والصوم، والحج. والبناء أحكام الإسلام. وتفصيل ذلك في أول كتابنا (الإسلام). وقد بدأت سورة البقرة بذكر أركان ثلاثة. الإيمان بالغيب، والصلاة، والإنفاق. وذكرت أن القرآن هو الهدى للمتقين. فذكرت من الأركان، وذكرت الأصل في البناء. وسارت السورة لتعمق هذا وهذا. وذكرت الصوم في بداية هذا المقطع كطريق للتقوى. فزادت ركنا رابعا. وبنت عليه بعد ذلك قضايا في الأموال، والتصورات، والسلوك، والجهاد. ليأتي الركن الخامس في نفس القسم الذي ذكر فيه الصوم. ففي

стр. 442

جولة من السورة، ذكرت ثلاثة أركان، وبناء. وفي جولة أخرى ذكر ركنان، وبناء. ليتضح الإسلام كله شيئا فشيئا، ولتتضح التقوى شيئا فشيئا بطريق مدهش متشابك لا يشبه طرق البشر في الشرح والعرض؛ وبطريق مرب، لا يشبه طرق البشر في التربية. وذلك أن هذا الإسلام مشروح في الكتاب والسنة، وهو واسع كبير لم يترك شاردة ولا واردة إلا وقد بين حكم الله فيها. وما يطالب به كل مسلم من هذا الإسلام يختلف باختلاف استعداده ومسئولياته. والذي يطالب به كل مسلم هو أن يكون تقيا باطنا وظاهرا، حقيقة وسلوكا. وإذا كان من أهداف القرآن البيان، فمن أهدافه إيصال المؤمن إلى التقوى. وهذه الطريقة التي رأيناها في سورة البقرة تجمع بين البيان والعرض. وبين التربية التي تخلص من الشوائب. فإذا جاءت الآية فإنها تأتي بعد أن يكون ما قبلها مهد لها نفسيا وعقليا. ويأتي ما بعدها يغذيها ويقويها. إن أرض نفسك تفلحها آية، وتبذر بها آية، وتسقيها آية. فإذا كانت أرض نفسك صالحة، ظهر الثمر. إن هذا القرآن عجيب، مدهش، لا يشبهه شئ من كتب البشر. ومع ذلك يكفر به كثيرون مما يدل على أن العلة في الإنسان. ومن مظاهر ارتباط هذه الفقرة بالسياق العام، ما نلاحظ من أن الجولة الأولى من السياق ابتدأت بالأركان الثلاثة التي تلازم الإنسان كالإيمان، والصلاة، والإنفاق، ثم جاء الصوم وهو طريق سنوي لتحقيق التقوى، ثم جاء الحج، وهو ركن العمر، ولا شك أنه طريق من طرق التقوى. فكما أن في الصوم يعتاد الإنسان على التقوى من حيث إن بالصوم يكف الإنسان في فترة معينة عن أعتى شهواته. وبالتالي يعتاد على ضبطها. فكذلك بالحج يعتاد على الاستسلام لله في كل أمر. ويعتاد على تعظيم الله. وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (سورة الحج:) وبالصلاة اليومية، وبالإنفاق اليومي والسنوي، وبالصوم السنوي، والنافلة، وبالحج العمري، وبالاتباع الكامل لكتاب الله، وبالعبادة، وبالجهد الفردي، وبعمل الدولة المسلمة تقوم التقوى في المجتمع الإسلامي على مستوى الفرد، وعلى مستوى المجتمع، وعلى مستوى الدولة. المعنى الحرفي لآيات الفقرة: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ: أي وأدوهما تامين شرائطهما، وفرائضهما لوجه

стр. 443

الله تعالى بلا توان، ولا نقصان. هذا الاتجاه الأول فى تفسير هذا النص. الاتجاه الثاني: أي: إذا شرعتم في الحج أو العمرة فأتموهما. فهو دليل على أن من شرع فيهما ألزمه إتمامهما قال ابن كثير: ولهذا اتفق العلماء على أن الشروع فى الحج والعمرة ملزم، سواء قيل بوجوب العمرة أو باستحبابها كما هما قولان للعلماء. وفسر علي ﵁ الإتمام فقال: «أن تحرم من دويرة أهلك». وفسره سفيان الثوري: «أن تحرم (أي تنوي) من أهلك لا تريد إلا الحج والعمرة. وتهل من الميقات (أي تلبي وتنشئ الإحرام) ليس أن تخرج (أي ابتداء) لتجارة، ولا لحاجة. حتى إذا كنت قريبا من مكة قلت لو حججت، أو اعتمرت وذلك يجزئ، ولكن الإتمام أن تخرج له ولا تخرج لغيره ومرجع هذا القول إلى القول الأول. أي الإتمام بمعنى: الأداء الكامل. ويدخل في ذلك أن تكون النفقة حلالا. ويقتضي المقام أن نعرف الحج والعمرة. الحج لغة: القصد إلى معظم. وشرعا: زيارة مكان مخصوص، في زمن مخصوص، بفعل مخصوص. وهو فرض في العمر مرة على من استطاع الزاد والراحلة، فائضة عن حاجات أهله. أما العمرة ففيها خلاف: هل هي واجبة، أو مستحبة. وهي إحرام وطواف وسعي بين الصفا والمروة، ثم تحلل. فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ: قال النسفي: يقال أحصر فلان إذا منعه أمر من خوف، أو مرض، أو عجز، وحصر إذا حبسه عدو عن المضي. وعند الحنفية، الإحصار يثبت بكل منع، من عدو، أو مرض، أو غيرهما. ويشهد لهم الحديث الذي رواه الإمام أحمد، وأصحاب السنن عنه ﷺ : «من كسر أو وجع، أو عرج فقد حل، وعليه حجة أخرى». وعند الشافعي: الإحصار بالعدو وحده. وهذان الاتجاهان في تفسير الإحصار عليهما مدار الاختلاف بين العلماء، قال النسفي: وظاهر النص يدل على أن الإحصار يتحقق في العمرة أيضا. لأنه ذكر عقبهما. فإذا أحصر الإنسان بعد تلبسه بالإحرام، فماذا يفعل؟. قال تعالى: فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ. أي فما تيسر من الهدي. والهدي. جمع هدية. وهدية البيت، بعير، أو بقرة، أو شاة من المعز والضأن. فصار المعنى العام: فإن منعتم من المضي إلى

стр. 444

البيت وأنتم محرمون بحج أو عمرة، فعليكم إذا أردتم التحلل أن تهدوا إلى البيت ما تيسر من بعير أو بقرة أو شاة. والمناسبة بين ذكر الإحصار وما قبله واضحة. فبعد أن أمر بإتمام الحج والعمرة ذكر ما يمكن أن يعرض دون هذا الإتمام. وما هو الحل لو حدث هذا العارض. وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ. هل هذا الخطاب مرتبط بما قبله مباشرة فيكون خطابا للمحصرين، أو هو معطوف على وَأَتِمُّوا فيكون خطابا للحجاج والمعتمرين؟ فإن كان الخطاب للمحصرين، وهو الذي رجحه ابن جرير، وهو مذهب الحنفية، كان المعنى: لا تحلوا من إحرامكم بحلق الرأس حتى تعلموا أن الهدي الذي بعثتموه إلى الحرم قد بلغ محله، أي: مكانه الذي يجب نحره فيه، وهو الحرم. إذ عند الحنفية لا يذبح دم الإحصار إلا في الحرم. وعلى الاتجاه الثاني يكون المعنى: ولا يجوز لكم أن تحلقوا رءوسكم بعد إحرامكم حتى تنحروا هديكم يوم النحر. وذلك يكون بعد الإفاضة من عرفات ثم مزدلفة. وبعد رمي جمرة العقبة في يوم النحر. والمحصر على من فهم النص هذا الفهم كالشافعية ينحر حيث أحصر. ولكن لا إحصار عندهم إلا من عدو. واستدلوا لمذهبهم بنحر رسول الله ﷺ يوم الحديبية خارج الحرم. والقضية خلافية. والربط بين هذا النص والذي قبله على الاتجاه الأول قد رأيناه. وأما على الاتجاه الثاني، فإن السياق يكون قد اتجه بعد الأمر بالإتمام إلى التفصيل في الأحكام. وقد فهمنا من النص السابق أن التحلل من الإحرام إنما يكون بالحلق. وهذا يعني أنه لا حلق أثناء الإحرام. فإذا وجدت الضرورة فما العمل؟. قال تعالى: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ أي: فمن كان منكم به مرض يحوجه إلى الحلق، أو به أذى من رأسه كالقمل، والجراحة التى تحوج إلى الحلق، فعليه إذا حلق فدية. هذه الفدية إما صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع من بر أي: ما يعدل كيلوين حنطة، أو يذبح شاة. وهو المراد بالنسك. ومذهب الأئمة الأربعة وعامة العلماء أنه يخير في هذا المقام، إن شاء صام، وإن شاء تصدق، وإن شاء ذبح شاة وتصدق بها على الفقراء. أي ذلك فعل أجزأه. وإذا كان النص في معرض بيان الرخصة، فقد جاء بالأسهل فالأسهل. أخرج الإمام أحمد عن كعب بن عجرة قال: أتى علي النبي ﷺ وأنا أو قد تحت قدر. والقمل يتناثر على وجهي، أو قال حاجبي فقال: «يؤذيك هوام رأسك»؟ قلت: نعم. قال: «فاحلقه وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو

стр. 445

انسك نسيكة». قال أيوب:- أحد رواة الحديث- لا أدري بأيتهن بدأ. وبعض الروايات الصحيحة تعين البداءة بالنسيكة، ثم بالإطعام، ثم بالصوم. ولذلك قال ابن كثير: ولما أمر النبي ﷺ كعب بن عجرة بذلك، أرشده إلى الأفضل فقال: «انسك شاة، أو أطعم ستة مساكين، أو صم ثلاثة أيام». فكل حسن في مقامه. وهذه الذبيحة لا يشترط لها مكان معين. ولكن يجب التصدق بها للفقراء. أمرتنا الآية التي ندرسها، أولا بإتمام الحج والعمرة. وبينت لنا ماذا نفعل في حالة الإحصار. ثم بينت لنا كيف أن التحلل من الإحرام إنما يكون بالحلق. فلا حلق مع الإحرام. فإذا وجدت ضرورة للحلق، فقد بينت الحكم. والآن ينتقل السياق إلى موضوع جديد. وذلك أنه في الأحوال العادية، المسلم مخير بين أن يحج مفردا بالحج، أو يقرن الحج بعمرة. فيعتمر أولا، ثم يبقى محرما. فيقوم بأعمال الحج ثم يتحلل من الجميع، أو أن يعتمر أولا ثم يتحلل من عمرته. ثم يحرم من الحرم بحج. هذه أشكال ثلاثة للحج. فجاء السياق بنص له علاقة بهذا الموضوع. قال تعالى: فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ: ولكي نفهم النص لا بد من لفت النظر إلى مسألة. وهي أنه في زمن النبوة لم يكن يفرق بين حج القران، وحج التمتع. بل يطلق اسم التمتع والقران كل منهما على الآخر. لأن المعنى اللغوي يسعهما. ولكنه بعد ذلك أخذ كل من الاسمين معناه الاصطلاحي. فصار للقران مضمون غير مضمون التمتع. فالتمتع: أن يتحلل الإنسان بين عمرته وحجه. فيتمتع أياما بين عمرته وحجه بإحلاله. والقران: ألا يتمتع بين عمرته وحجه، بل يجمع بينهما. ولكن هذا التفريق بهذه الدقة لم يكن موجودا زمن النبوة. ولذلك فإن قوله تعالى: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ. يشمل في هذه الحالة القران والتمتع بالاصطلاح المعروف حاليا. فإذا اتضح هذا صار بالإمكان أن نفهم كلام ابن كثير في شرح الآية: أي: فإذا تمكنتم من أداء المناسك. فمن كان منكم متمتعا بالعمرة إلى الحج وهو يشمل من أحرم بهما أو أحرم بالعمرة أولا. فلما فرغ منها أحرم بالحج ... فليذبح ما قدر عليه من الهدي، وأقله شاة. وقد ذكر ابن كثير الدليل على أنه لم يكن يفرق بين القران والتمتع في زمن رسول الله ﷺ . قال: (فإن من الرواة من يقول: تمتع رسول الله ﷺ . وآخر يقول: قرن. ولا خلاف أنه ساق هديا). أي كان قارنا. وقد كان

стр. 446

عمر ينهى عن التمتع. وتعليل ابن كثير لذلك هو: لم يكن عمر ﵁ ينهى عنها، محرما لها. إنما كان ينهى عنها ليكثر قصد الناس للبيت حاجين معتمرين كما قد صرح به ﵁. في الصحيحين عن عمران بن حصين قال: لما نزلت آية المتعة في كتاب الله، وفعلناها مع رسول الله ﷺ . ثم لم ينزل قرآن يحرمها، ولم ينه عنها حتى مات. قال رجل برأيه ما شاء. قال البخاري: يقال إنه عمر. والقران عند الحنفية أفضل. لأنه أشق. والتمتع عند الحنابلة أفضل للحض عليه من رسول الله ﷺ . وقال المالكية: إن الإفراد أفضل. والإجماع منعقد على جواز كل من التمتع أو القرآن، أو الإفراد. وهل دم التمتع، أو القران، دم شكر، أو جزاء؟. وإذا كان هذا أو هذا، فماذا يترتب على ذلك من جواز ذبحه قبل يوم النحر، أو فيه؟. ومن حل أكل صاحبه منه أولا؟. الجواب: الحنفية يقولون: إن هدي المتعة نسك، يؤكل منه. ويذبح يوم النحر والشافعية قالوا: يذبح قبل يوم النحر. ولا يجوز الأكل منه. وسمي الجمع بين العمرة والحج في أشهره- سواء فصل بين ذلك بإحلال أو لا- تمتعا لانتفاع المسلم بالتقرب بالعمرة إلى الله قبل انتفاعه بالتقرب بالحج. وخص الفقهاء اسم التمتع بمن أحل من إحرامه بعد العمرة بسبب ما ينتفع به الحاج من استباحة ما كان محرما عليه إلى أن يحرم بالحج. فهمنا من النص أن التمتع أو القارن عليه أن يذبح. فإذا لم يجد فماذا يفعل؟. قال تعالى: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ أي: فمن لم يجد الهدي، فعليه صيام ثلاثة أيام في وقت الحج وهو أشهره ما بين إحرام العمرة ويوم النحر، وسبعة إذا فرغ من أفعال الحج. فصار مجموع الصيام البديل عن الهدي عشرة كاملة وذكره كامِلَةٌ بعد عشرة، إما إشارة إلى وقوعها بدلا كاملا عن الهدي في الثواب، أو لرفع أي إيهام يمكن أن يتصور في أنها أقل من عشرة. أو هي للتأكيد. وفي وقت الأيام الثلاثة خلاف كثير. فبعضهم جوز صيامها من أول شوال إذا كان الإنسان متلبسا بالعمرة. ومنهم من جوز صيامها بعد يوم النحر في ثلاثة أيام التشريق. والمفتى به عند علماء الشافعية والحنفية أنه إذا لم يصم الثلاثة أيام حتى يوم النحر، فإنه لا يجزئه إلا الهدي. ولا شك أن صيام الثلاثة أيام قبل التلبس بإحرام العمرة مردود. بقي إذن الوقت المحدد لصيام الثلاثة أيام ما بين التلبس بإحرام العمرة إلى يوم النحر. قال ابن عباس: «إذا لم يجد هديا فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج قبل يوم عرفة. فإذا كان يوم عرفة الثالث فقد تم صومه. وسبعة إذا رجع إلى أهله».

стр. 447

وأما السبعة أيام، فليس شرطا أن تصام بعد العودة إلى الوطن. بل بمجرد فراغه من أفعال الحج يستطيع البدء بها. على أن لا تكون يوم النحر لأنه لم يفرغ من أفعال الحج. ويحرم فيه الصوم. ولا في أيام التشريق لعدم جواز صومها عند الشافعية، أو لكراهة صومها تحريما عند الحنفية. روى مسلم عن رسول الله ﷺ قال: «أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله ». ولنرجع إلى السياق: ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أي: هذه الرخصة في التمتع هي للآفاقي الذي هو خارج المواقيت. أما من كان داخل المواقيت، فلا يحل له القران أو التمتع، هذا مذهب الحنفية. وقال الشافعي: إنهم أهل الحرم، ومن كان منه على مسافة لا يقصر فيها الصلاة. لأن من كان كذلك، يعد حاضرا لا مسافرا فهؤلاء عند الشافعي لا يحل لهم التمتع. وكان ابن عباس يقول: يا أهل مكة لا متعة لكم. أحلت لأهل الآفاق، وحرمت عليكم. إنما يقطع أحدكم واديا، أو يجعل بينه وبين الحرم واديا. ثم يهل بعمرة. وَاتَّقُوا اللَّهَ: فيما أمركم به، ونهاكم عنه في الحج وغيره. وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ أي: لمن خالف أمره، وارتكب ما عنه زجره. فائدة: في آيات القتال قال تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ: وهاهنا قال: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ. فهذان أمران أمرنا بهما في حق معرفة الله. كما أمرنا أن نعلم أنه لا إله إلا الله. فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ (سورة محمد) فمن لم يحقق في قلبه العلم بهذا كله لا يكون عارفا بالله. الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ أي: وقت الحج أشهر معروفات عند الناس لا يشكلن عليهم. وهي شوال، وذو القعدة، وعشر ذي الحجة. وفائدة توقيت الحج بهذه الأشهر أن شيئا من أفعال الحج، لا يصح إلا فيها. وكذا الإحرام عند الشافعي ﵀، وعند الحنفية ينعقد قبلها، لكنه مكروه. قال ابن عباس: من السنة ألا يحرم بالحج إلا في أشهره. قال ابن جرير: وصح إطلاق الجمع على شهرين وبعض الثالث كما تقول العرب: رأيته العام، ورأيته اليوم. وإنما وقع ذلك في العام، واليوم. وذهب الإمام مالك إلى أن ذا الحجة كله من أشهر الحج. وبناء عليه فقد كره العمرة في بقية ذي الحجة. فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ قال ابن جرير: أجمعوا على أن المراد من

стр. 448

الفرض هاهنا، الإيجاب والإلزام. وقال ابن عباس في تفسيره: «من أحرم بحج أو عمرة» فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ أي: من أحرم بالحج أو العمرة فليجتنب الرفث، وهو الجماع ودواعيه، من المباشرة، والتقبيل، ونحو ذلك، وكذلك التكلم به بحضرة النساء. ويدخل فيه الكلام الفاحش. وليتجنب الفسوق: وهو المعاصي عامة. ويدخل في ذلك السباب. لقوله ﷺ في الحديث الصحيح: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر». ومن الفسوق التنابز بالألقاب لقوله تعالى: بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ (سورة الحجرات). واختار ابن جرير أن الفسوق هنا هو ارتكاب ما نهي عنه في الإحرام من قتل الصيد، وحلق الشعر، وقلم الأظافر، ونحو ذلك. وهي داخلة فيما ذكرنا. فائدة: في الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من حج هذا البيت، فلم يرفث، ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه». وكما يجتنب الرفث والفسوق، فإنه يجتنب الجدال. والجدال هو المراء مع الرفقاء والخدم، والسائقين. وإنما أمرنا باجتناب الرفث والفسوق والجدال- وهو واجب الاجتناب في كل حال- لأنه مع الحج أسمج كلبس الحرير في الصلاة، والتطريب في قراءة القرآن. روى الإمام أحمد عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «من قضى نسكه، وسلم المسلمون من لسانه ويده، غفر له ما تقدم من ذنبه». وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ: لما نهاهم عن إتيان القبيح قولا، وفعلا. وحثهم على فعل الجميل. وأخبرهم أنه عالم به. وسيجزيهم عليه أوفر الجزاء يوم القيامة. ففي هذا النص إخبار منه تعالى بعلمه الجزئيات والكليات ومن السياق يفهم أن في النص حثا على الخير، عقيب النهي عن الشر. فكأنه أمرهم أن يستعملوا مكان القبيح من الكلام، الحسن. ومكان الفسوق، البر والتقوى. ومكان الجدال، الوفاق والأخلاق الجميلة. ثم أمرهم بالتزود إذا سافروا لحجهم. قال تعالى: وَتَزَوَّدُوا. في البخاري عن ابن عباس قال: «كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون. ويقولون: نحن المتوكلون. فأنزل الله: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى». وكان ابن عمر يقول: «إن من كرم الرجل، طيب زاده في السفر». فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى: لما أمرهم بالزاد للسفر في الدنيا. أرشدهم إلى زاد الآخرة، وهو استصحاب التقوى

стр. 449

إليها. فكأن معنى قوله تعالى في هذا المقام: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى: تزودوا، واتقوا الاستطعام، وإبرام الناس، والتثقيل عليهم. وتزودوا للمعاد، باتقاء المحظورات. فإن خير زاد الآخرة اتقاؤها. قال مقاتل بن حيان: لما نزلت هذه الآية: وَتَزَوَّدُوا. قام رجل من فقراء المسلمين فقال: يا رسول الله. ما نجد ما نتزوده. فقال رسول الله ﷺ : «تزود ما تكف به وجهك عن الناس. وخير ما تزودتم التقوى». رواه ابن أبي حاتم. وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ أي: واتقوا عقابي ونكالي، وعذابي لمن خالفني، ولم يأتمر بأمري يا ذوي العقول والأفهام. فهم من النص أن قضية اللب الذي هو العقل، تقوى الله. ومن لم يتقه فكأنه لا لب له. لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ أي: ليس عليكم إثم في أن تبتغوا في مواسم الحج عطاء وتفضلا. وهو النفع والربح بالتجارة والكراء، روى البخاري عن ابن عباس فى سبب نزول هذه الآية قال: كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقا في الجاهلية. فتأثموا أن يتجروا في الموسم. فنزلت: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ. وروى الإمام أحمد عن أبي أمامة التيمي قال: قلت لابن عمر: إنا نكرى. فهل لنا من حج؟ قال: أليس تطوفون بالبيت وتأتون المعرف، وترمون الجمار، وتحلقون رءوسكم؟ قال: قلنا بلى. فقال ابن عمر: جاء رجل إلى النبي ﷺ فسأله عن الذي سألتني، فلم يجبه حتى نزل عليه جبرائيل بهذه الآية: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ. وأخرج ابن جرير عن أبي صالح مولى عمر. قال: قلت يا أمير المؤمنين: كنتم تتجرون في الحج؟. قال: وهل كانت معايشهم إلا في الحج؟!! .. وقال النسفي من أئمة الحنفية عند هذه الآية: ونزل في قوم زعموا أن لا حج لحمال، وتاجر. وقالوا: هؤلاء، الداج وليسوا بالحاج لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ .... لكن قال الحنفية في كتبهم: (من نوى الحج والتجارة لا ثواب له إن كانت نية التجارة غالبة أو مساوية). والظاهر أنه لا ثواب كاملا. وإلا فلا يقول قائل: إن من تاجر ولم يشارك في أفعال الحج، كمن تاجر وشارك في أفعاله. وهذا من باب الحض على تغليب نية الآخرة على عمل الدنيا. فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ: دل قوله تعالى: فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ على وجوب الوقوف في عرفات. والإفاضة من عرفات

стр. 450

إنما تكون لمزدلفة. فدل ذلك على أن الوقوف بمزدلفة من شعائر الحج. ونلاحظ أن في الفقرة تسلسلا في أفعال الحج. فقد رأينا أن في قوله تعالى: فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ ما يشير إلى الإحرام الذي هو الركن الأول من أركان الحج. ويأتي بعد ذلك الوقوف بعرفات. وهو الركن الثاني من أركان الحج، ثم الإفاضة إلى المزدلفة، وهو النسك الذي يلي الوقوف بعرفات. وقبل أن نشرح الآية شرحا حرفيا فلنقرأ هذه النقول: قال علي بن أبي طالب: (بعث الله جبريل ﵇ إلى إبراهيم ﷺ فحج به حتى إذا أتى عرفة، قال: عرفت. وكان قد أتاها مرة قبل ذلك. فلذلك سميت عرفة). وقال عطاء: «إنما سميت عرفة، أن جبريل كان يري إبراهيم المناسك، فيقول: عرفت، عرفت. فسميت عرفات» .. وروي نحوه عن ابن عباس، وابن عمر، وأبي مجلز. وعرفة موضع الوقوف في الحج. وهي عمدة أفعال الحج. ولهذا روى الإمام أحمد وأصحاب السنن، بإسناد صحيح إلى رسول الله ﷺ قال: «الحج عرفات- ثلاثا- فمن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك. وأيام منى ثلاثة. فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه. ومن تأخر فلا إثم عليه». ووقت الوقوف من الزوال يوم عرفة، إلى طلوع الفجر الثاني من يوم النحر. لأن النبي ﷺ وقف في حجة الوداع بعد أن صلى الظهر إلى أن غربت الشمس وقال: «لتأخذوا عني مناسككم». وهذا مذهب مالك، وأبي حنيفة، والشافعي ﵏. وذهب الإمام أحمد إلى أن وقت الوقوف من أول يوم عرفة، مستدلا بقوله ﵇: «من شهد صلاتنا هذه، فوقف معنا حتى ندفع- وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلا أو نهارا- فقد تم حجه، وقضى تفثه». رواه الإمام أحمد وأهل السنن. وصححه الترمذي. وأما المشعر الحرام، فإنه المزدلفة. قال ابن عمر: (المشعر الحرام: المزدلفة كلها) قال ابن كثير: (والمشاعر: هي المعالم الظاهرة. وإنما سميت المزدلفة: المشعر الحرام؛ لأنها داخل الحرم. وهل الوقوف بها ركن في الحج، لا يصح إلا به، كما ذهب إليه طائفة من السلف، وبعض أصحاب الشافعي؟ .. أو واجب كما هو أحد قولي الشافعي يجبر بدم؟ .. أو مستحب؛ لا يجب بتركه شئ كما هو القول الآخر في ذلك. ثلاثة أقوال للعلماء). اه.

стр. 451

قال ابن جريج: قلت لعطاء: أين المزدلفة؟. قال: (إذا أفضت من مأزمي عرفة فذلك إلى محسر. قال: وليس المأزمان مأزما عرفة من المزدلفة. ولكن مفضاهما قال: فقف بينهما إن شئت. قال: وأحب أن تقف دون قزح. هلم إلينا من أجل طريق الناس). وسمي المشعر الحرام: مزدلفة، لأن الناس يزدلفون فيها إلى بيت الله. ويتقربون إليه بذلك. وسمي جمعا لأن الناس يجمعون فيها بين الصلاتين. صلاة المغرب والعشاء. المعنى الحرفي للنص: فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ: أي دفعتم أنفسكم بكثرة من عرفات. فَاذْكُرُوا اللَّهَ أي: بالتلبية، والتهليل، والتكبير، والثناء، والدعوات. أو بصلاة المغرب والعشاء. عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ: عند جبل قزح في المزدلفة. ولا يعني هذا أنه لا يصح الوقوف إلا عند الجبل. بل المزدلفة كلها موقف إلا بطن محسر. ولكن خير الموقف ما كان عند قزح. والدفع من عرفات إنما يكون بعد الغروب. والوقوف الواجب في مزدلفة عند الحنفية بعد الفجر. والدفع من مزدلفة إلى منى قبل شروق الشمس. هكذا فعل رسول الله ﷺ . فوائد: ١ - ذكر حتى الآن في هذه الآية من مناسك الحج: الإحرام، والوقوف بعرفات، والوقوف بالمزدلفة. والإحرام الركن عند الحنفية هو نية الحج والتلبية. أما لبس غير المخيط، وكونه من الميقات، فواجبان. والوقوف- الركن- بعرفات عند الحنفية، الكون في عرفات ولو لحظة ما بين الزوال والفجر نائما، أو مستيقظا ولو مارا إذا كان ناويا الحج. وأن يكون جزء منه بالليل، وجزء منه في النهار؛ فهذا واجب. ويجب عندهم تأخير المغرب إلى العشاء، وصلاتهما في المزدلفة. والوقوف في مزدلفة عندهم واجب. والوقوف الواجب: هو الكون في المزدلفة بعد الفجر، وقبل الشمس، ولو لحظة واحدة. ٢ - روى الحاكم في مستدركه، وابن مردويه عن المسور بن مخرمة قال: «خطبنا رسول الله ﷺ وهو بعرفات فحمد الله، وأثنى عليه ثم قال: أما بعد- وكان إذا خطب خطبة قال أما بعد- فإن هذا اليوم الحج الأكبر. ألا وإن أهل الشرك والأوثان

стр. 452

كانوا يدفعون في هذا اليوم قبل أن تغيب الشمس إذا كانت الشمس في رءوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوهها، وإنا ندفع بعد أن تغيب الشمس. وكانوا يدفعون من المشعر الحرام بعد أن تطلع الشمس إذا كانت الشمس في رءوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوهها. وإنا ندفع قبل أن تطلع الشمس مخالفا هدينا هدي أهل الشرك». هذا لفظ ابن مردويه. وفي صحيح مسلم عن جابر في وصف حجته ﷺ : «فلم يزل واقفا- يعني بعرفة- حتى غربت الشمس. وبدت الصفرة قليلا حتى غاب القرص. وأردف أسامة خلفه، ودفع رسول الله ﷺ وقد أرخى للقصواء الزمام حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله ويقول بيده اليمنى: «أيها الناس: السكينة، السكينة» كلما أتى جبلا من الجبال أرخى لها قليلا حتى تصعد. حتى أتى مزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين. ولم يسبح بينهما شيئا (أي لم يتنفل). ثم اضطجع حتى طلع الفجر. فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة. فدعا الله، وكبره، وهلله، ووحده. فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا. فدفع قبل أن تطلع الشمس». هذان الحديثان يفسران لنا النص الذي بين أيدينا. الدفع من عرفات، وذكر الله عند المشعر الحرام على الكمال والتمام. وبمناسبة الكلام عن الحج نحب أن نتحدث عن ضرورة الفقه، فنحن نلاحظ في هذه السورة حديثا عن الحج. ولكن ليس حديثا عن كل ما له علاقة به. بل هناك حديث عنه في (سورة آل عمران) وحديث عما له علاقة به في (سورة المائدة)، وكلام في (سورة براءة)، وكلام في (سورة الحج)،. فالكلام عن الحج متفرق في القرآن. ومنه ما له علاقة في الأحكام، ومنه ما له علاقة بنواح أخرى من العظة والتذكير. والكلام في كتب السنة عن الحج متفرق فيها. وهو يشمل الأحكام وغيرها. وفي كتب السنة لا تذكر الآيات القرآنية المتعلقة بالموضوع مع شرحها. فاقتضى ذلك وجود الكتب التي تتحدث عن الأحكام المتعلقة بالحج، المأخوذة من الكتاب، ومن السنة عامة جامعة الشئ إلى نظيره، ضمن تبويب، وتأليف. وهذا هو الفقه. وهذا هو سبب وجوده، وسبب وجود كتبه. وسيختلف حتما الفقهاء في الفهم لكتاب الله، أو لسنة رسوله ﷺ . لأنه توجد نصوص يختلف الناس في بعض تفسيراتها، أو في بعض تطبيقاتها. ويختلفون في بعض طرق الاعتماد للسنة؛ لأسباب

стр. 453

متعددة. وتجد مسائل ليس فيها نص صريح في الكتاب والسنة تتعلق بهذه الأبواب لا بد من ذكرها في مواطنها ليسهل الرجوع إليها لمن يريد. هذا كله يمثل الضرورة لوجود الفقه، ولوجود المدارس الفقهية. فمن غلا في الكتاب، فألغى السنة ضل. ومن غلا، فضلل الأمة بسبب المدارس الفقهية فقد ضل. ومن ألغى دراسة الكتاب والسنة بحجة الفقه، فقد جعل الفرع أصلا، فلا بد من دراسة الكتاب، ولا بد من دراسة السنة، ولا بد من دراسة للفقه. ولنعد إلى السياق وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ أي: اذكروه ذكرا حسنا كما هداكم هداية حسنة. أو اذكروه كما علمكم كيف تذكرونه، ولا تعدلوا عنه. هذا تنبيه لنا على ما أنعم الله به علينا من الهداية والبيان والإرشاد إلى مشاعر الحج وغيرها. ولا يعرف مقدار هذه الهداية إلا من قارن بين ما كان عليه الناس في الجاهلية وما جاء به الإسلام، وإلا من قارن بين الإسلام وغيره من الأديان. وسنعرض لهذا الموضوع شيئا فشيئا في هذا التفسير. وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ: الضمير في (قبله) يعود على الهدى، على القول الراجح. وقيل يعود إلى القرآن. وقيل يعود إلى الرسول. والكل متقارب ومتلازم وصحيح. إنه بدون هذا الهدى، كنا ضالين عن مشاعر إبراهيم ودينه. وكنا ضالين عن طريق الله. وعما يقربنا إليه. وكنا ضالين عن السلوك الصحيح في شئون الحياة. وكنا ضالين عن المعرفة الحق لله، والغيب، والإنسان ... قال النسفي: وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ «أي: الجاهلين. لا تعرفون كيف تذكرونه وتعبدونه». ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ: أخرج البخاري عن عائشة قالت: كانت قريش، ومن دان دينها؛ يقفون بالمزدلفة وكانوا يسمون الحمس. وسائر العرب يقفون بعرفات. فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه ﷺ أن يأتي عرفات، ثم يقف بها، يفيض منها. فذلك قوله: مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ قال ابن كثير: وكذا قال ابن عباس، ومجاهد، وعطاء، وقتادة، والسدي، وغيرهم. واختاره ابن جرير. وحكى عليه الإجماع. والآن نتساءل، لماذا جاءت: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ هنا مع أنه

стр. 454

عزّ وجل قد تحدث من قبل عن الوقوف بعرفات. ففصل في الحديث عن عرفات، بالوقوف في مزدلفة؟. الجواب- والله أعلم- يكمن في ترتيب هذا القول على ما قبله مباشرة: وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ. فمن نماذج ضلالهم التي هداهم الله إلى تركها هذا الوضع الشاذ الذي كانت عليه قريش بأن تميز نفسها عن الناس، فلا تقف بعرفات مع أهمية الوقوف فيها وفي ذلك ما فيه من تميز باطل وفي ذلك ما فيه من الإخلال بالحكمة في وقوف الناس عامة في عرفات لينطلقوا بأعظم مظاهرة تعرفها البشرية، معظمة الله وشعائره، وبيته. ومهينة عدو الله، إبليس. وإذن فهذه الآية أمر من ناحية. وفي هذا الأمر نموذج على الهداية من الضلال المذكور سابقا. بقي أن نعرف أن (ثم) التي هي حرف عطف، تعطف هذه الآية على ماذا؟ الظاهر أنها تعطفها على قوله تعالى: وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ فيكون الترتيب من حيث المعنى وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ .. ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس. وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ. المعنى الحرفي: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ أي: ثم لتكن إفاضتكم من حيث أفاض الناس من عرفات. فهذا أمر لقريش خاصة بسبب الوضع الشاذ الذي كان لها، ولكل إنسان عامة. وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أي: واستغفروا الله من مخالفتكم في الموقف، ونحو ذلك من جاهليتكم، أو من التقصير في أعمال الحج إن الله غفور لكم إذا استغفر تموه، رحيم بكم، يعلم ضعفكم. فوائد: ١ - من مظاهر الحج في الجاهلية أن المرأة من غير أهل الحرم كانت تطوف عارية عريا تاما إلا إذا كستها امرأة من أهل الحرم، ومن مظاهر الحج عندهم أن قريشا كانت تميز نفسها عن بقية الناس فلا تقف مع الناس في عرفات، وأن السعي بين الصفا والمروة كان سعيا بين صنمين إساف ونائلة، وأن البيت كان محفوفا بالأصنام من فوقه ومن حوله، قارن ذلك كله بالحج في الإسلام، لترى فضل الله على الإنسان في هدايته إلى معالم العبادة الصحيحة، وسنرى، في سورة الحج موضوع الحج عند الأمم لندرك الفارق الكبير بين عبادة تربي وتهذب، وتكمل وتحقق بالكمالات في كل حركة

стр. 455

وشعيرة، وبين عبادة ينتكس فيها الإنسان ويرتكس. ورأينا فيما نقلنا عن الصوم عند الأمم كيف أن نوعا من الناس يدعون في صيامهم ما يزعمون أنه مظهر صفات الله النسوية في مختلف مظاهرها فأي جهل وجاهلية يكون عليها الإنسان بلا إسلام؟ ٢ - يلاحظ أنه ما من عبادة أمرنا الله بها إلا وقد أمرنا الله بذكره عقبها رأينا ذلك في آيات الصوم ونراه في آيات الصلاة بمجموعها. ونراه هنا في بحث الحج، وما ذلك إلا ليبقى العبد في عبادة دائمة، ولنلاحظ أنه هنا في آيات الحج أمرنا بالاستغفار مع الأمر بالإفاضة من عرفات. فكأن المراد من ذلك أن يستشعر العبد قصوره في هذه المواطن كيلا يستشعر عجبا بعد أداء العبادة. وبمناسبة الأمر بالاستغفار نذكر ثلاثة أحاديث في الاستغفار وهي الفائدة الثالثة. ا- قال ﷺ : «من لازم الاستغفار، جعل الله له من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب». ب- قال ﷺ : «سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت. أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. من قالها في ليلة فمات في ليلته دخل الجنة. ومن قالها في يومه، فمات دخل الجنة». أخرجاه في الصحيحين ج- في الصحيحين عن عبد الله بن عمر أن أبا بكر قال: «يا رسول الله؛ علمني دعاء أدعو به في صلاتي. فقال: قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا. ولا يغفر الذنوب إلا أنت. فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني. إنك أنت الغفور الرحيم». فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً. فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ* وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ* أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ: بعد الإفاضة من مزدلفة إلى منى، يرمي الحجيج عادة جمرة العقبة. فإذا رموها، ذبحوا هديهم، ثم حلقوا، وقد حل لهم كل شئ إلا النساء. ثم يطوفون طواف الإفاضة، وقد حل لهم كل شئ حتى النساء. ولم يبق عليهم إلا المبيت في منى، ورمي

стр. 456

الجمرات وطواف الوداع وأن يذكروا الله، وألا يشتغلوا بعادة من عادات الجاهلية. وإذ كان التحلل من الإحرام قد تعقبه غفلة؛ فقد نبه في الآيات على الذكر الكثير، ونبه على خلق خطر، وهو حصر الدعوات في هذه الأيام بطلب الدنيا، ونبه على أفضل دعوة يدعى بها في تلك الأيام. وهل المراد بقوله تعالى: فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ المراد به قضاء المناسك كلها، فيكون هذا توجيها لما ينبغي أن يكون عليه الوضع عند القفول؟. أو المراد به قضاء المناسك يوم النحر بما في ذلك طواف الإفاضة؟. أو المراد به قضاء المناسك يوم النحر دون طواف الإفاضة؟. يدل على الأخير أن رسول الله ﷺ كان يدعو في طوافه: «ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار». فإذا اعتبرنا هذا تطبيقا للآية كان المراد بقضاء المناسك؛ الذبح يوم النحر. ويمكن أن يراد بالآية قضاء المناسك بما في ذلك الطواف. ويدل عليه ما ذكره النسفي: «كانوا إذا قضوا مناسكهم وقفوا بين المسجد بمنى، وبين الجبل، فيعدون فضائل آبائهم، ويذكرون محاسن أيامهم». وقال ابن عباس: كان أهل الجاهلية يقفون في الموسم. فيقول الرجل منهم: كان أبي يطعم، ويحمل الحمالات، ويحمل الديات. ليس لهم ذكر غير فعال آبائهم. فأنزل الله على محمد ﷺ : فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً. لكن الأرجح عندنا أن الآيات لها علاقة بما بعد قضاء مناسك يوم النحر، ما عدا الطواف، وعلى هذا فيكون ذكر المناسك هنا من باب ذكر الكل وإرادة الجزء. المعنى الحرفي: فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً: فإذا قضيتم مناسك يوم النحر فاذكروا الله ذكرا مثل ذكركم آباءكم. والمعنى: فأكثروا من ذكر الله، وبالغوا فيه كما تفعلون في ذكر آبائكم. ومفاخرهم وأيامهم أو كما يلهج الصبي بذكر أبيه وأمه. و (أو) في النص أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً لتحقيق المماثلة في المخبر عنه أو أزيد منه. ثم إنه تعالى أرشد إلى دعائه بعد كثرة ذكره فإنه مظنة الإجابة، وذم من

стр. 457

لا يسأله إلا في أمر دنياه، وهو معرض عن أخراه. وذلك أن قوما من الأعراب يجيئون إلى الموقف فيقولون: اللهم اجعله عام غيث، وعام ولاد حسن. لا يذكرون من أمر الآخرة شيئا. فأنزل الله فيهم: فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا أي: من الذين يشهدون الحج من لا يسأل الله إلا حظوظ الدنيا كالجاه والدنيا وغير ذلك. وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ أي: من نصيب لأن همه مقصور على الدنيا، لكفره بالآخرة. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ أي: ومن الذين يشهدون الحج من يقول: ربنا آتنا في الدنيا نعمة، وعافية، وعلما، وعبادة، ونحو ذلك، وفي الآخرة عفوا، ومغفرة، وجنة، ونحو ذلك. واحفظنا من عذاب جهنم. فصار المعنى العام: أكثروا ذكر الله ودعاءه. لأن الناس من بين مقل لا يطلب بذكر الله إلا أغراض الدنيا، ومكثر يطلب خير الدارين. فكونوا من المكثرين الذكر، الطالبين خيري الدنيا والآخرة. أُولئِكَ أي: الداعون بالحسنتين. لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا أي: من جنس ما كسبوا من الأعمال الحسنة، وهو الثواب الذي هو المنافع الحسنة. وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ: وصف نفسه بسرعة حساب الخلائق على كثرة عددهم، وكثرة أعمالهم، ليدل على كمال قدرته، ووجوب الحذر من نقمته. فوائد: ١ - روى الحاكم في مستدركه عن سعيد بن جبير قال: «جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إني آجرت نفسي من قوم على أن يحملوني، ووضعت لهم من أجرتي على أن يدعوني أحج معهم. أفيجزي ذلك ذلك. فقال: أنت من الذين قال الله: أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ». ٢ - أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «ما مررت على الركن إلا رأيت عليه ملكا يقول: آمين. فإذا مررتم عليه فقولوا: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار». ٣ - قال ابن كثير: (فجمعت هذه الدعوة كل خير في الدنيا، وصرفت كل شر. فإن الحسنة في الدنيا تشمل كل مطلوب دنيوي، من عافية، ودار رحيبة وزوجة حسنة، ورزق واسع، وعلم نافع، وعمل صالح، ومركب هين، وثناء جميل، إلى غير ذلك مما اشتملت عليه عبارات المفسرين. ولا منافاة بينهما. فإنها كلها مندرجة في

стр. 458

الحسنة في الدنيا. وأما الحسنة في الآخرة؛ فأعلى ذلك دخول الجنة، وتوابعه من الأمن من الفزع الأكبر في العرصات، وتيسير الحساب، وغير ذلك من أمور الآخرة. وأما النجاة من النار؛ فهو يقتضي تيسير أسبابه في الدنيا؛ من اجتناب المحارم والآثام، وترك الشبهات والحرام، وقال القاسم أبو عبد الرحمن: «من أعطي قلبا شاكرا، وجسدا صابرا فقد أوتي في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة ووقي عذاب النار». ٤ - وإذا كانت هذه الدعوة رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً ... قد علمنا أن نقولها في أشرف المواطن، وفي أنقى الأحوال، وأحسنها. فإنه من المناسب أن ندعو الله بها دائما، وفي كل أحوالنا. وبهذا وردت السنة: روى البخاري عن أنس بن مالك قال: كان النبي ﷺ يقول: «اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار». وفي مسند الإمام أحمد سأل قتادة أنسا: أي دعوة كان أكثر ما يدعوها النبي ﷺ ؟. قال: يقول: «اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار». وفي صحيح مسلم: (وكان أنس إذا أراد أن يدعو بدعوة، دعا بها. وإذا أراد أن يدعو بدعاء دعا بها فيه). أخرج ابن أبي حاتم عن أبي طالوت قال: «كنت عند أنس بن مالك فقال له ثابت: إن إخوانك يحبون أن تدعو لهم. فقال: اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وتحدثوا ساعة حتى إذا أرادوا القيام قال: يا أبا حمزة إن إخوانك يريدون القيام فادع الله لهم. فقال: أتريدون أن أشقق لكم الأمور. إذا آتاكم الله في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ووقاكم عذاب النار؛ فقد آتاكم الخير كله» وروى الإمام أحمد عن أنس أن رسول الله ﷺ عاد رجلا من المسلمين قد صار مثل الفرخ. فقال له رسول الله ﷺ : «هل تدعو الله بشيء أو تسأله إياه؟. قال: نعم؛ كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا. فقال رسول الله ﷺ : «سبحان الله. لا تطيقه- أو لا تستطيعه- فهلا قلت: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، قال: فدعا الله فشفاه» ورواه مسلم. روى الإمام الشافعي عن عبد الله بن السائب أنه سمع النبي ﷺ يقول فيما بين ركن بني جمح، والركن الأسود: «ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار».

стр. 459

ولنعد إلى السياق: وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ. وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى. وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ في النص السابق على هذه الآية رأينا أمرا بالذكر بعد قضاء مناسك يوم النحر، وبعد يوم النحر تأتي أيام التشريق الثلاثة، والنسك الذي يتم بها هو رمي الجمار الثلاثة يوميا فيها، ورمي الجمار نفسه ذكر. لأنه طاعة لله. ويرافقه ذكر ودعاء. والدعاء ذكر. جاء في الحديث الذي رواه أبو داود وغيره: «إنما جعل الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمار، لإقامة ذكر الله ». فإذا اتضح هذا عرفنا أن المراد بالأمر بالذكر في الأيام المعدودات- والله أعلم- إقامة نسك هذه الأيام، وهو رمي الجمار وما يرافقه، بدليل قوله تعالى بعد الأمر بالذكر: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ مما يشير إلى أن الأمر له علاقة بالمبيت بمنى، وما يرافق ذلك. المعنى الحرفي: وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ: قال ابن عباس: (الأيام المعدودات: أيام التشريق). وأيام التشريق هي الأيام الثلاثة بعد يوم النحر. بدليل الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن رسول الله ﷺ قال: «يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام. وهي أيام أكل وشرب». فدل أن أيام التشريق بعد يوم النحر. وذكر التعجل في يومين دليل على أنها ثلاثة. وذكر الله فيها رمي الجمار، والذكر أثناء الرمي. والدعاء بعده فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ: من هذه الأيام الثلاثة، فلم يمكث حتى يرمي في اليوم الثالث فيذكر الله بالرمي فيه واكتفى برمي الجمار في يومين من هذه الأيام الثلاثة فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ أي: فلا يأثم بهذا التعجل. وَمَنْ تَأَخَّرَ حتى رمى في اليوم الثالث. فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى أي: لا يأثم بهذا التأخير. فالمؤمن مخير في التعجل والتأخر. وإن كان التأخر أفضل، فقد يقع التخيير بين الفاضل والأفضل كما خير المسافر بين الصوم والإفطار، وإن كان الصوم أفضل. ثم ختم الله آيات المناسك بأمرين: التقوى، والعلم بالحشر فقال: وَاتَّقُوا اللَّهَ في جميع الأمور والأحوال، خاصة وأنتم قد أديتم حجكم الذي به ترجعون كيوم ولدتكم أمهاتكم.

стр. 460

وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ أي: تجمعون إليه حين تبعثون من قبوركم، فاعلموا هذا خاصة وقد رأيتم نموذجا من الحشر الدنيوي الاختياري في موافقكم بعرفات وغيرها مما يذكركم بالحشر الأخروي الإجباري. فوائد ومسائل وآثار: ١ - .. مر معنا في هذا القسم قوله تعالى وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وقوله تعالى وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ وفي كل من الأمرين نلحظ إرادة وجه الله ، والعمل له بما شرع، وهذا مفرق الطريق بين الإسلام وغيره، فلم يزل الناس ولا يزالون يقاتلون ويحجون، ولكن أن يكون القتال لله وفي سبيله، وأن يكون الحج لله وفي شريعة الحق، فذلك هو ميزة المسلم فكل أعماله لله وبأمره وضمن شريعته وفي ذلك كمال الإنسان. ٢ - في مقطع إبراهيم ﵇ رأينا الحكمة في بناء الكعبة: أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ فهذا البيت بني للطواف والعكوف، والركوع والسجود، وجاء بعد مقطع إبراهيم ﵇ مقطع القبلة لنرى أول مظهر من مظاهر القيام بحقوق البيت، وفي هذا القسم يأتي الأمر بالحج والعمرة ليستكمل المسلم إقامة أمر الله في شأن البيت، ونلاحظ أنه قد جاء الأمر بالحج والعمرة متأخرا كثيرا عن مقطع إبراهيم، وذلك ليأتي بعد كل المقدمات اللازمة له، ففي الحج تعظيم البيت، وفيه رمي الجمار، حيث وسوس إبليس، والحج هو الركن الخامس من أركان الإسلام، فمحله بعد الصوم، وحتى لا تغلب قدسية الحج واجب القتال في الحرم إذا اقتضى الأمر جاء الأمر بالحج مسبوقا بمقطع إبراهيم، ومقطع القبلة، ومقطع الصفا والمروة، ومقطع النهي عن متابعة خطوات الشيطان، وسبق في مقطعه بموضوع الصوم وحكمة وجود الأهلة، وموضوع القتال والإنفاق. ٣ - ومن خلال الحج ندرك مظهرا من مظاهر جعل الله إبراهيم إماما قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً فالسعي بين الصفا والمروة إحياء لفعل أمنا هاجر سرية إبراهيم ﵇، ورمي الجمار إحياء لفعل إبراهيم إذ رجم إبليس عند ما وسوس أثناء إقامة إبراهيم أمر الله في شأن الذبح. والطواف بالبيت فيه تحقيق الحكمة من بناء البيت. ٤ - واضح أن المقصد الأعظم في الحج هو الطواف بالبيت، وإنما بين رسول الله
следующие страницы →