Полный текст (6 440 стр.). Показаны 3956–3995 · переход к 3961.
стр. 3956
٢٩/ ٢٥ - ٣٥
стр. 3957
٢٩/ ٣٦ - ٤٤
التفسير:
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً قال ابن كثير: وظاهر السياق من الآية أنه مكث في قومه يدعوهم إلى الله ألف سنة إلا خمسين عاما فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ الطوفان: هو ما أطاف وأحاط بكثرة وغلبة من سيل، أو ظلال ليل، أو نحوهما، والمراد به هنا السيل وَهُمْ ظالِمُونَ أنفسهم بالكفر
فَأَنْجَيْناهُ أي نوحا وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ أي الذين آمنوا بنوح وَجَعَلْناها أي السفينة، أو الحادثة، أو القصّة آيَةً أي عبرة وعظة
стр. 3958
لِلْعالَمِينَ يتّعظون بها.
فوائد:
١ - [كلام الألوسي وصاحب الظلال وابن كثير عند آية فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا .. ]
قال الألوسي في الفاء في قوله تعالى: فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً: (والفاء للتعقيب، فالمتبادر أنّه ﵇ لبث في قومه عقيب الإرسال المدّة المذكورة، وقد جاء مصرّحا به في بعض الآثار ... ) ثمّ بعد كلام قال الألوسي:
(وقال ابن عطية: يحتمل أن يكون ما ذكر الله مدة إقامته ﵇ من لدن مولده إلى غرق قومه، وقيل: يحتمل أن يكون ذلك جميع عمره ﵇، ولا
يخفى أن المتبادر من الفاء التعقيبية ما تقدم؛ وجاء في بعض الآثار أنه ﵇ أطول الأنبياء ﵈ عمرا. أخرج ابن أبي الدنيا في كتاب ذم الدنيا عن أنس ابن مالك قال: «جاء ملك الموت إلى نوح ﵉ فقال: يا أطول النبيين عمرا كيف وجدت الدنيا ولذتها؟ قال: كرجل دخل بيتا له بابان فقال وسط الباب هنيهة، ثم خرج من الباب الآخر»، ولعل ما عليه النظم الكريم في بيان مدة لبثه ﵇ للدلالة على كمال العدد، وكونه متعينا نصا دون تجوز، فإن تسعمائة وخمسين قد يطلق على ما يقرب منه، ولما في ذكر الألف من تخييل طول المدة، لأنها أول ما تقرع السمع، فإن المقصود من القصة تسلية رسول الله ﷺ ، وتثبيته على ما كان عليه من مكابدة ما يناله من الكفرة، وإظهار ركاكة رأي الذين يحسبون أنهم يتركون بلا ابتلاء، واختلاف المميزين لما في التكرير في مثل هذا الكلام من البشاعة، والنكتة في اختيار السنة أولا: أنها تطلق على الشدة، والجدب، بخلاف العام، فناسب اختيار السنة لزمان الدعوة الذي قاسى ﵇ فيه ما قاسى من قومه).
وقال صاحب الظلال:
(والراجح أن فترة رسالته ﵇ التي دعا فيها قومه كانت ألف سنة إلا خمسين عاما. وقد سبقتها فترة قبل الرسالة غير محددة، وأعقبتها فترة كذلك بعد النجاة من الطوفان غير محددة. وهو عمر طويل مديد، يبدو لنا الآن غير طبيعي ولا مألوف في أعمار الأفراد. ولكننا نتلقّاه من أصدق مصدر في هذا الوجود- وهذا وحده برهان صدقه- فإذا أردنا له تفسيرا فإننا نستطيع أن نقول: إن عدد البشرية يومذاك كان قليلا ومحدودا، فليس ببعيد أن يعوض الله هذه الأجيال عن كثرة العدد
стр. 3959
طول العمر، لعمارة الأرض وامتداد الحياة. حتى إذا تكاثر الناس وعمرت الأرض لم يعد هناك داع لطول الأعمار. وهذه الظاهرة ملحوظة في أعمار كثير من الأحياء.
فكلما قلّ العدد وقلّ النسل طالت الأعمار، كما في النسور، وبعض الزواحف كالسلحفاة. حتى ليبلغ عمر بعضها مئات الأعوام. بينما الذباب الذي يتوالد بالملايين لا تعيش الواحدة منه أكثر من أسبوعين. والشاعر يعبر عن هذه الظاهرة بقوله:
بغاث الطير أكثرها فراخا ... وأم الصقر مقلاة نزور
ومن ثمّ يطول عمر الصقر. وتقل أعمار بغاث الطير. ولله الحكمة البالغة.
وكل شئ عنده بمقدار).
قال ابن كثير: (قال الثوري عن سلمة بن كهيل عن مجاهد قال:
قال لي ابن عمر: كم لبث نوح في قومه؟ قال: قلت ألف سنة إلا خمسين عاما.
قال: فإن الناس لم يزالوا في نقصان من أعمارهم وأحلامهم وأخلاقهم إلى يومك هذا:
٢ - [كلام المؤلف حول ما جاء في التوراة الحالية المحرفة عن فترة رسالة نوح ﵇]
تذكر التوراة الحالية المحرفة في الإصحاح التاسع: (وعاش نوح بعد الطوفان ثلاث مائة وخمسين سنة، فكانت كل أيام نوح تسع مائة وخمسين سنة ومات). وهذه الرواية أخذ بها قتادة، وقد رأينا أنّها إحدى روايات نقلها الألوسي، قال ابن كثير: وقال قتادة: يقال إن عمره كله ألف سنة إلا خمسين عاما، لبث فيهم قبل أن يدعوهم ثلاثمائة سنة، ودعاهم ثلاث مائة، ولبث بعد الطوفان ثلاث مائة سنة وخمسين عاما. قال ابن كثير: وهذا قول غريب).
أقول: ظاهر السياق أنه لبث فيهم يدعوهم إلى الله قبل الطوفان (٩٥٠) عاما ولا تصلح روايات التوراة الحالية للاعتماد حتى نصرف النّص عن ظاهره من أجلها، فمن قرأ سفر التكوين الذي فيه هذه الرواية رأى فيه من الطامّات والسخافات والبلايا ما لا يهضمه عقل ولا نقل، كما ذكرنا ذلك في أكثر من مكان من هذا التفسير خاصّة وهذا المكتوب لم يكتب إلا بعد مئات السنين كما أثبتنا ذلك في هذا التفسير فأنّى يطمئن إلى ما فيه.
٣ - [نقل عن العقاد حول حفريات ما بين النهرين وصلتها بقصة الطوفان]
كنا ذكرنا في مقدمة هذا التفسير كيف أنّ حفريات ما بين النّهرين ذكرت أن سلالات ملكية حكمت آلاف السنين ومن خلال هذه الروايات يفهم أن بعض ملوك تلك المرحلة كانوا يعمّرون وسطيا أكثر من ألف عام، وذكرنا هناك النقول،
стр. 3960
وذكرنا اسم صاحبها، وهاهنا ننقل ما ذكره العقاد في كتابه (إبراهيم أبو الأنبياء) قال:
(وفي متحف أشمول بإنجلترا أسماء الأسر التي حكمت بابل من بعد الطوفان إلى أيام سراجون، وقد جاء في الألواح التي حفظت أسماءها أن الأسرة الأولى تولى منها الملك ثلاثة وعشرون ملكا، وكانت مدّة حكمهم جميعا أربعة وعشرين ألف سنة وخمسمائة وعشر سنوات) [ص ١٧٠] ثم يذكر العقاد بعد ذلك كلاما عن أحد ملوك تلك المنطقة واسمه (دنقي) أو (شلقي) وكيف أنّه فرض على النّاس عبادته وقال: (ولم يكن دنقي بالوحيد الذي فرض عبادته على البلاد كلها، بل كان هذا شأن جميع الملوك التي أخضعوها لسلطان واحد) أقول: ودنقي هذا كانت عاصمته (أور) بلد الخليل ﵇ كما يذكر العقاد، ويبدو أنّ واحدا من حكامها الذين ادّعوا الربوبية هو نمروذ إبراهيم.
٤ - [نقل عن العقاد حول قصة الطوفان كما روتها ألواح عثر عليها في بلاد الرافدين]
وقد تحدّث العقاد عن قصة الطوفان كما روتها ألواح عثر عليها في بلاد الرافدين فقال: (والباقي من ألواح هذه القصة في المتحف البريطاني يحكيها على هذا المثال:
(ابن بيتا واصنع سفينة تحفظ النبات والحيوان، واخزن البذور واخزن معها بذور الحياة من كل نوع تحمله السفينة، وليكن طولها ستمائة قدم في ستين عرضا ...
وتدخل السفينة وتحكم إغلاقها، وتضع في وسطها الحبوب والمتاع والأزواد والخدم والجند، وتضع فيها كذلك أجناس الوحش لتحفظ ذريتها .. ).
( ... وقال الله ليلا! إني سأرسل السماء مدرارا، فادخل إلى جوف السفينة واغلق عليك بابها، وتغطى وجه الأرض، وهلك كل ما عليه من الأحياء، وفار الماء حتى بلغ السماء، ولم ينتظر أخ أخاه، ولم يعرف جار جاره. ستة أيام وست ليال، والريح تعصف والأنواء تطغى، ثم كان اليوم السابع فانقطع المطر، وسكنت العاصفة التي ماجت كموج الزلزال. سكنت العاصفة وانحسر البحر وانتهى الطوفان، وعجّ البحر بعد ذلك عجيجه، واستحال الناس طينا وطفت أجسادهم على وجه الماء)
(ثم استوت السفينة على جبل نيزار .. وأرسلت أنا الحمامة فذهبت وعادت ولم تجد من مقر تهبط عليه، فأرسلت عصفور السمانة فعاد وما هبط على مكان، وأرسلت الغراب فراح ينهش الجثث الطافية ولم يرجع، ثم أطلقت الحيوانات في الجهات الأربع، وبنيت على رأس الجبل مذبحا فقربت لديه قربانا وفرقته في آنية سبعة، وفرشت
стр. 3961
حوله الريحان، وشمت الأرباب رائحة جيدة فاجتمعت على القربان، ونظرت أعاظم الأرباب من بعيد، وارتفعت أقواس السحاب تحييها عند اقترابها).
وقد علم المنقّبون أن هذه القصة منسوخة من مصدر قديم أقدم منها، فهذه الألواح لا يقل تاريخها عن ألفين وخمسمائة سنة، والمصدر الذي نقلت منه يرجع إلى أوائل الألف الثالثة قبل الميلاد.
وعلم المنقّبون في جميع آثار الأرض التي كشفت في العالم القديم أو العالم الجديد أن قصة الطوفان عامة لا تنفرد بها الآثار البابلية، ولا يقل تاريخها في القدم عن تاريخها). ا. هـ كلام العقاد.
أقول: لاحظ كلمة العقاد حول إجماع روايات العالم القديم، حول حادثة الطوفان، ولاحظ أن هذه الرواية قد داخلها التحريف لوجود الشرك فيها، وكما ترى فهي منقولة عن ألواح أقدم منها بمئات السنين، ثمّ إن حادثة الطوفان على حسب روايات أحافير وادي الرافدين تدل على أنّها كانت قبل ذلك بآلاف كثيرة من السنين، ولقد جاءنا الله في أمرها بالحق الصراح، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
٥ - [كلام ابن كثير بمناسبة قوله تعالى وَجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ وتعليق المؤلف على ذلك]
في قوله تعالى: وَجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ قال ابن كثير: (أي وجعلنا تلك السفينة باقية إما عينها كما قال قتادة: إنها بقيت إلى أول الإسلام على جبل الجودي، أو نوعها جعله للناس تذكرة لنعمه على الخلق كيف أنجاهم من الطوفان).
أقول:
إن كثيرا من المؤشرات في عصرنا تدل على أنّ السفينة نفسها باقية حتى الآن في منطقة على جبال أرارات، وقد استطاعت الأقمار الصناعية أن تصوّر المكان.
ومن قبل ذلك استطاع بعض سكان أرمينيا أن يصل إلى السفينة، إلا أنّ الاتحاد السوفياتي يرغب أن يسدل على هذا الموضوع، ستارا من الصمت، لأن في وجود السفينة آية يستدل بها أهل الإيمان، وهو ضد الإيمان وأهله، وما ذكرته عن تصوير الأقمار الصناعية. والكلام الذي نقل عن بعض سكان أرمينيا سمعته مرة في السجن من إذاعة إسرائيل، ولم يتح لي أن أسجل تاريخ السماع.
стр. 3962
كلمة في السياق: [حول صلة قصة نوح ﵇ ببداية السورة وما بعدها]
نلاحظ أن بداية السورة تحدثت عن الامتحان، ثم سار السياق فأشعرنا أنّ النصر في النهاية لأهل الإيمان. وجاءت بعد ذلك قصة نوح ﵇ لترينا مقدار صبر الأنبياء، وقوة استمرارهم مع شدة الظروف، وكيف أن العاقبة تكون لهم، ومن ثمّ ذكرت الآيتان اللتان مرّتا بقاء نوح يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، مع شدّة المقاومة والاستهزاء والامتحان والفتنة، هذا الزمن الطويل، ومع ذلك كان الصبر، وكان مع الصبر النصر، فهذا أول نموذج على صبر أهل الإيمان على الامتحان، ولهذا لم يرد تحديد للمدة التي قضاها نوح ﵇ إلا في هذه السورة. وفي قوله تعالى:
أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً نكتة عبّر عنها النسفي فقال: (ولم يقل تسعمائة وخمسين سنة؛ لأنّه لو قيل ذلك لجاز أن يتوهم إطلاق هذا العدد على أكثره، وهذا التوهم زائل هنا، فكأنه قيل تسعمائة وخمسين سنة كاملة، وافية العدد، إلّا أن ذلك أخصر وأعذب لفظا، وأملأ بالفائدة، ولأن القصة سيقت لما ابتلي به نوح ﵇ من أمّته، وما كابده من طول المصابرة تسلية لنبينا ﵊، فكان ذكر الألف أفخم وأوصل إلى الغرض).
ولنعد إلى التفسير. فبعد التمثيل بقصة نوح ﵇ يضرب الله المثل بإبراهيم:
...
وَإِبْراهِيمَ أي واذكر إبراهيم إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ أي أخلصوا له العبادة والخوف ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أي إذا فعلتم ذلك حصل لكم الخير في الدنيا والآخرة، واندفع عنكم الشرّ في الدنيا والآخرة.
إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً أي أصناما وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً أي وتصنعون كذبا. واختلاقهم الإفك تسميتهم الأوثان آلهة وشركاء لله إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً أي لا يستطيعون أن يرزقوكم شيئا من الرزق فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ فإنه هو الرزاق وحده لا يرزق غيره؛ فاطلبوا الرزق منه وحده وَاعْبُدُوهُ
وحده وَاشْكُرُوا لَهُ على ما أنعم به عليكم إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أي يوم القيامة فيجازي كل عامل بعمله
وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ كقوم نوح وإدريس وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ أي وإن تكذبوني فلا تضروني بتكذيبكم؛ فإنّ الرسل قبلي قد كذّبتهم أممهم
стр. 3963
وما ضرّوهم، وإنّما ضرّوا أنفسهم حيث حلّ بهم العذاب بسبب تكذيبهم، وأمّا الرّسول فقد تم أمره حيث بلّغ البلاغ المبين، الذي زال معه الشك، وهو اقترانه بآيات الله ومعجزاته. أي وإن كنت مكذّبا فيما بينكم، فلي في سائر الأنبياء أسوة، حيث كذّبوا، وعلى الرسول أن يبلّغ، وما عليه أن يصدّق أو يكذّب.
كلمة في السياق:
يلاحظ أنّه قد جاء في وسط قصة إبراهيم ﵇ الآية السابقة، وست آيات بعدها. ثم يأتي قوله تعالى: فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ ... فهل هذه الآيات السبع من جملة قول إبراهيم ﵇ لقومه؟ وهذا الذي رجّحه ابن كثير فقال:
(والظاهر من السياق أنّ كلّ هذا من كلام إبراهيم الخليل ﵇، يحتج عليهم لإثبات المعاد لقوله بعد هذا كله: فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ لكن ابن جرير يرى أن هذه الآيات السبع اعتراضية). وذكر النسفي الاحتمالين. وحاول الربط بين الآيات وما قبلها في حالة كونها اعتراضية، دون أن يرجّح أحد الاحتمالين على الآخر.
قال: (فإن قلت فالجمل الاعتراضية لا بد لها من اتصال بما وقعت معترضة فيه، فلا نقول: مكة وزيد قائم خير بلاد الله، قلت: نعم وبيانه أن إيراد قصة إبراهيم ﵇ ليس إلا إرادة للتنفيس عن رسول الله ﷺ ، وأن تكون مسلاة له بأن أباه إبراهيم ﵇ كان مبتلى بنحو ما ابتلي به من شرك قومه، وعبادتهم الأوثان، فاعترض بقوله: وإن تكذبوا على معنى: إنكم يا معشر قريش إن تكذبوا محمدا ﷺ فقد كذب إبراهيم قومه، وكل أمة نبيها، لأن قوله فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ لا بد من تناوله لأمة إبراهيم، وهو كما ترى اعتراض متصل، ثم سائر الآيات بعدها من توابعها لكونها ناطقة بالتوحيد ودلائله، وهدم الشرك وتوهين قواعده، وصفة قدرة الله تعالى وسلطانه ووضوح حجّته وبرهانه).
أقول: إن الذي أرجحه أن الآية الأولى من هذه الآيات السبع هي من تتمة قول إبراهيم ﵇ وهي: وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ والآيات الست بعدها اعتراضية هي من باب الإنكار عليهم وعلى أمثالهم، وإقامة حجّة عليهم وعلى أمثالهم. فهي تعليق من الله على ما ذكر من قصة نوح وإبراهيم ﵉، تؤدّي غرضا في السياق القريب فلنلاحظ ما يلي:
قبل قصة نوح وإبراهيم ﵉ ورد قوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا
стр. 3964
لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ* وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ وجاءت بعد ذلك قصة نوح وقصة إبراهيم ﵉ وقلنا: إن القصص في هذا السياق تأتي للتمثيل لكل المعاني السابقة من امتحان لأهل الإيمان، إلى كون العاقبة لهم، إلى غير ذلك، وهي في الوقت نفسه مرتبطة ارتباطا مباشرا بما قبلها من قول الكافرين للذين آمنوا: اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ .... ففي ذكر عاقبة قوم نوح، وفي دعوة إبراهيم ﵇ التي لا هوادة فيها، استمرار للرد على قول الكافرين. ومجئ الآيات الست الآن في وسط قصة إبراهيم يشير إلى أن المعاني المذكورة فيها معان ذكرها إبراهيم، أو هي معان تصلح للتعليق على قصة إبراهيم لارتباطها بما قبلها مباشرة. فلنر الآيات:
....
أَوَلَمْ يَرَوْا أي قد رأوا ذلك وعلموه كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فيستدلوا بذلك على صحة ما دعاهم إليه الرسل من أمر المعاد إِنَّ ذلِكَ أي الإعادة عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ أي سهل
قُلْ يا محمد- وإن كان من كلام إبراهيم فتقديره-: وأوحينا إليه أن قل سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ على كثرتهم واختلاف أحوالهم، وفي ذلك أمر بتعلّم علم المستحاثات وإيجاد متاحفه، كما سنرى في الفوائد. ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ قال النسفي:
(وهذا دليل على أنهما نشأتان، وأن لكل واحدة منهما إنشاء أي ابتداء واختراع وإخراج من العدم إلى الوجود، غير أن الآخرة إنشاء بعد إنشاء مثله، والأولى ليست كذلك، والقياس أن يقال: كيف بدأ الله الخلق ثم ينشئ النشأة الآخرة. لأن الكلام معهم وقع في الإعادة، فلما قررهم في الإبداء بأنه من الله احتج عليهم بأن الإعادة إنشاء مثل الإبداء، فإذا لم يعجزه الابتداء وجب أن لا يعجزه الإعادة، فكأنه قال: ثم ذلك الذي أنشأ النشأة الأولى هو الذي ينشئ النشأة الآخرة، فللتنبيه على هذا المعنى أبرز اسمه وأوقعه مبتدأ). إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أي قادر
يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ بالخذلان وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ بالهداية أو يعذب من يشاء بالحرص ويرحم من يشاء بالقناعة، أو أن تعذيبه ورحمته بسوء الخلق وحسنه، أو بالإعراض عن الله، وبالإقبال عليه، أو بمتابعة البدع، وبملازمة السّنة وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ أي تردّون وترجعون يوم القيامة
وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ربكم. أي لا تفوتونه إن هربتم من حكمه وقضائه
стр. 3965
فِي الْأَرْضِ الفسيحة وَلا فِي السَّماءِ التي هي أفسح منها وأبسط وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ يتولى أموركم وَلا نَصِيرٍ أي ولا ناصر يمنعكم من عذابه
وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أي بدلائله على وحدانيته، وكتبه، ومعجزاته وَلِقائِهِ أي باليوم الآخر أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي أي من جنتي وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ قال ابن كثير: أي موجع شديد في الدنيا والآخرة.
كلمة في السياق:
لفتت هذه الآيات النظر إلى رؤية البداية والنهاية، فمن رأى البداية والنهاية عبد الله وشكره، ولم يطلب الرزق إلا منه. وهي الدعوة التي ركّز عليها إبراهيم ﵇.
كما لفتت الآيات النظر إلى طلاقة المشيئة الإلهية في الرحمة والعذاب. وهذا يقتضي عبادة وشكرا، وطلبا منه وحده. كما لفتت الآيات النظر إلى عدم فوات الإنسان الله في السماء والأرض. وفي ذلك دفع للعبادة والشكر، وطلب الرزق من الله وحده.
وختمت الآيات بإيئاس الكافرين من رحمة الله، واستحقاقهم العذاب، وفي ذلك دفع نحو العبادة والشكر، فارتباط الآيات فيما مضى من قصة إبراهيم ﵇ واضح، كما أن في الآيات ردا على الكافرين في قولهم: اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ ...
فلو أن الكافرين رأوا البداية والنهاية، وعرفوا طلاقة المشيئة الإلهية في الرحمة والعذاب، وعرفوا عدم فواتهم لله، وعرفوا أن رحمته لا ينالها كافر، وأن العذاب آت، لو عرفوا هذا، ما تجرّءوا على الكفر والتكفير.
ثم يعود السياق إلى قصة إبراهيم ﵇:
فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ أي قوم إبراهيم حين دعاهم إلى الإيمان إِلَّا أَنْ قالُوا أي قال بعضهم لبعض اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فاتفقوا على تحريقه بعد أن قامت عليهم الحجة، ولزمهم البرهان فعدلوا، شأن الطغاة إلى استعمال عزّ السلطان ضد الإيمان فَأَنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ حين قذفوه فيها إِنَّ فِي ذلِكَ أي في فعلهم وفعل الله لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ أما الكافرون فإنهم لا ينتفعون بآية أبدا.
...
كلمة في السياق:
فيما قصّه الله علينا من قصة إبراهيم ﵇ نموذج للمحنة والفتنة التي يختبر الله بها عباده، ونموذج على نصرة الله لعباده المؤمنين، ونموذج لثبات المؤمنين
стр. 3966
الصادقين، وانسجام ذلك مع السياق الخاص للسورة واضح، ومحل ذلك في تفصيل قضية الإيمان والكفر- التي هي محور السورة- واضح كذلك، ومن ثمّ ختمت آخر آية مرّت معنا بقوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ.
ولنعد إلى التفسير:
...
وَقالَ إبراهيم لقومه إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا أي لتتوادّوا بينكم، وتتواصلوا لاجتماعكم على عبادتها واتفاقكم عليها، كما يتفق الناس على مذهب، فيكون ذلك سبب تحابّهم ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ينعكس الحال فتصبح هذه الصداقة والمودة بغضا وشنآنا، ولذلك قال: يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ أي تتجاحدون ما كان بينكم وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أي يلعن الأتباع المتبوعين، والمتبوعون الأتباع وَمَأْواكُمُ النَّارُ أي هي مأوى العابد والمعبود، والتابع والمتبوع وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ ينصرونكم أو ينقذونكم من عذاب الله.
كلمة في السياق:
١ - [موقف إبراهيم ﵇ من قضية الدعوة واحد قبل المحنة وبعدها]
قال إبراهيم ﵇ قبل المحنة لقومه:
إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً.
وقال ﵇ بعد المحنة:
إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْواكُمُ النَّارُ ....
فالدّعوة واحدة، والموقف واحد، قبل المحنة وبعدها، وفي ذلك درس للمؤمنين فالمؤمن لا تتغيّر حاله قبل المحنة وبعدها، على خلاف الكاذب المنافق الذي يترك دين الله لأدنى فتنة يتعرّض لها.
وصلة هذا الموضوع بسياق السورة واضحة:
أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ.
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ.
стр. 3967
٢ - [صلة قصة نوح بقصة إبراهيم ﵉، وصلتهما بما جاء قبلهما من آيات]
جاء قبل قصة نوح وإبراهيم ﵉ قوله تعالى:
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ ....
وفي قصة إبراهيم:
وَقالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْواكُمُ النَّارُ.
والصلة بين الآيتين قائمة مما يؤكد ما ذكرناه، من أنّ هذه القصص تأتي كنماذج على معان جاءت من قبل.
وقبل أن نستمر في عرض القصص نحب أن نذكر بعض ال فوائد حول ما مرّ:
فوائد:
١ - [حديث بمناسبة آية يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ وتعليق المؤلف على ذلك]
بمناسبة قوله تعالى: يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ ذكر ابن كثير الحديث الذي رواه أهل السنن: «إن الله لو عذب أهل سماواته، وأهل أرضه لعذّبهم وهو غير ظالم لهم». أقول: وهذا الحديث دليل لعلماء التوحيد في تقسيمهم الواجب، والجائز، والمستحيل في حق الله، إلى عقلي، وشرعي. فقد يكون الشيء جائزا عقلا على الله، ولكنه واجب شرعي. فجائز عقلا تعذيب المطيع، ولكن لورود الشرع أن الله لا يعذّب من أطاعه أصبح تعذيب المطيع مستحيل الوقوع بإخبار الشارع جلّ وعلا.
٢ - [كلام المؤلف وصاحب الظلال بمناسبة آية قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ]
في قوله تعالى: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ معجزة من معجزات القرآن، ودليل على أنّ هذا القرآن يسع الزمان والمكان، وذلك أن الأمر بالسير في الأرض والنظر في كيفية بدء الخلق فيه إشارة إلى ضرورة دراسة علم المستحاثات. (أي علم دراسة الحياة في طبقات الأرض)؛ لمعرفة نشوئها وتطورها وهو علم حديث النّشأة في تاريخ العالم، والأمر القرآني في مداه الواسع يشمل البحث عن أول نوع من أنواع الحياة ظهرت على الأرض، وتحقيق الأمر يقتضي إيجاد متاحف للمستحاثات، حتى يراها من يسير في الأرض بقصد الاعتبار، إن وجود مثل هذه النّصوص في القرآن الكريم لدليل واضح على أنّ القرآن من عند الله.
قال صاحب الظلال في قوله تعالى:
стр. 3968
قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ.
(إنّ التعبير هنا بلفظ الماضي كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ بعد الأمر بالسير في الأرض لينظروا كيف بدأ الخلق. يثير في النفس خاطرا معينا .. ترى هنالك في الأرض ما يدل على نشأة الحياة الأولى، وكيفية بدء الخليقة فيها. كالحفريات التي يتتبعها بعض العلماء اليوم ليعرفوا منها خط الحياة؛ كيف نشأت! وكيف انتشرت؟ وكيف ارتقت؟
- وإن كانوا لم يصلوا إلى شيء في معرفة سر الحياة: ما هي؟. ومن أين جاءت إلى الأرض؟ وكيف وجد فيها أول كائن حي؟ - ويكون ذلك توجيها من الله للبحث عن نشأة الحياة الأولى، والاستدلال به عند معرفتها على النشأة الآخرة ..
ويقوم بجانب هذا الخاطر خاطر آخر. ذلك أن المخاطبين بهذه الآية أول مرة لم يكونوا مؤهّلين لمثل هذا البحث العلمي الذي نشأ حديثا؛ فلم يكونوا بمستطيعين يومئذ أن يصلوا من ورائه إلى الحقيقة المقصودة به- لو كان ذلك هو المقصود- فلا بد أن القرآن كان يطلب منهم أمرا آخر داخلا في مقدورهم، يحصلون منه على ما ييسّر لهم تصور النشأة الآخرة. ويكون المطلوب حينئذ أن ينظروا كيف تبدأ الحياة في النبات والحيوان والإنسان في كل مكان. ويكون السير في الأرض- كما أسلفنا- لتنبيه الحواس والمشاعر برؤية المشاهد الجديدة، ودعوتها إلى التأمل والتدبّر في آثار قدرة الله على إنشاء الحياة التي تبرز في كل لحظة من لحظات الليل والنهار.
وهناك احتمال أهمّ يتمشى مع طبيعة هذا القرآن؛ وهو أنه يوجّه توجيهاته التي تناسب حياة الناس في أجيالهم جميعا، ومستوياتهم جميعا، وملابسات حياتهم جميعا، ووسائلهم جميعا. ليأخذ كل منها بما تؤهله له ظروف حياته ومقدراته. ويبقى فيها امتداد يصلح لقيادة الحياة ونموها أبدا. ومن ثمّ لا يكون هناك تعارض بين الخاطرين. هذا أقرب وأولى إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ... ).
٣ - [إحدى المعجزات القرآنية العظمى بمناسبة آية وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ]
في قوله تعالى: وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ معجزة قرآنية عظمى، فذكر السماء في الآية هو أثر العلم بأنّ الإنسان سيصعد إلى السماء، ومن ثمّ يخاطبه الله أنك لن تعجزني في أرضي ولا في سمائي، ودليل الإعجاز القطعي أن كلمة (في السماء) لم ترد في سورة الشورى في قوله تعالى: وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ إن ذكر (في السماء) في هذه السورة لمعجزة من معجزات هذا القرآن تدلّ على أنّ الله المحيط علما بكل شئ
стр. 3969
هو الذي أنزله.
٤ - [كلام ابن كثير بمناسبة قوله تعالى عن إبراهيم ﵇ فَأَنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ]
بمناسبة قوله تعالى: فَأَنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ قال ابن كثير:
(وذلك أنهم حشدوا في جمع أحطاب عظيمة مدة طويلة، وحوّطوا حولها، ثم أضرموا فيها النار، فارتفع لها لهب إلى عنان السماء، ولم توقد نار قط أعظم منها، ثم عمدوا
إلى إبراهيم فكتّفوه، وألقوه في كفة المنجنيق، ثم قذفوه فيها، فجعلها الله عليه بردا وسلاما، وخرج منها سالما بعد ما مكث فيها أياما، ولهذا وأمثاله جعله الله للناس إماما. فإنه بذل نفسه للرحمن، وجسده للنيران، وسخا بولده للقربان، وجعل ماله للضيفان، ولهذا اجتمع على محبته جميع أهل الأديان).
٥ - [كلام ابن كثير بمناسبة قول الله للكافرين وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ]
بمناسبة قوله تعالى: وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ قال ابن كثير: (وهذا حال الكافرين، وأما المؤمنون فبخلاف ذلك. روى ابن أبي حاتم عن أم هانئ أخت علي بن أبي طالب قالت: قال لي النبي ﷺ :
«أخبرك أن الله تعالى يجمع الأولين والآخرين يوم القيامة في صعيد واحد، فمن يدري أين الطرفين؟ قالت: قلت: الله ورسوله أعلم- ثم ينادي مناد من تحت العرش يا أهل التوحيد فيشرئبّون- قال أبو عاصم: يرفعون رءوسهم- ثم ينادي يا أهل التوحيد، ثم ينادي الثالثة: يا أهل التوحيد إن الله قد عفا عنكم- قال- فيقول الناس قد تعلق بعضهم ببعض في الظلمات الدنيا- يعني المظالم- ثم ينادي يا أهل التوحيد ليعف بعضكم عن بعض وعلى الله الثواب»).
....
ولنعد إلى التفسير:
فَآمَنَ لَهُ أي لإبراهيم لُوطٌ قال ابن كثير: (يقال: إنه ابن أخي إبراهيم، يقولون: هو لوط بن هاران بن آزر وَقالَ إبراهيم إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي فهاجر كما قال النسفي من كوثى وهي من سواد الكوفة إلى حران، ثم منها إلى فلسطين وهي من برية الشام، ومن ثمّ قالوا: لكل نبي هجرة، ولإبراهيم هجرتان. وكان معه في هجرته لوط وسارة، وقد تزوّجها إبراهيم. وعلى هذا فمعنى إِلى رَبِّي أي إلى حيث أمرني ربي بالهجرة إليه إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الذي يمنعني من أعدائي الْحَكِيمُ الذي لا يأمرني إلا بما هو خير
وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ ولدا
стр. 3970
وَيَعْقُوبَ ولد ولد. قال النسفي: ولم يذكر إسماعيل لشهرته. قال ابن كثير:
لمّا فارق قومه أقرّ الله عينه بوجود ولد صالح نبي، وولد له ولد صالح نبي في حياة جدّه. وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ أي في ذرية إبراهيم النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ أي جنس الكتاب يعني: التوراة والإنجيل والزبور والفرقان. قال ابن كثير: (هذه خلعة سنية عظيمة، مع اتخاذ الله إياه خليلا وجعله للناس إماما، أن جعل في ذريته النبوة والكتاب فلم يوجد بني بعد إبراهيم ﵇ إلا وهو من سلالته. فجميع أنبياء بني إسرائيل من سلالة يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم حتى كان آخرهم عيسى بن مريم، فقام في ملئهم مبشرا بالنّبي العربي القرشي الهاشمي، خاتم الرسل على الإطلاق، وسيد ولد آدم في الدنيا والآخرة، الذي اصطفاه الله من صميم العرب العرباء، من سلالة إسماعيل بن إبراهيم ﵉. ولم يوجد نبي من سلالة إسماعيل سواه ﷺ .
وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا من ثناء حسن، وصلاة عليه إلى آخر الدهر، ومحبة أهل الملل له، وغير ذلك. وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ أي من أهل الجنة. قال ابن كثير: (أي جمع الله له بين سعادة الدنيا الموصولة بسعادة الآخرة، فكان له في الدنيا الرزق الواسع الهني، والمنزل الرحب، والمورد العذب، والزوجة الحسنة الصالحة، والثناء الجميل، والذكر الحسن وكل أحد يحبه ويتولاه ... مع القيام بطاعة الله من جميع الوجوه).
كلمة في السياق:
إن في قصة إبراهيم ﵇ نموذجا على امتحان الله عباده المؤمنين، وعلى تكفيره لسيئاتهم، وإثابته إياهم، وإدخالهم في الصالحين، وعلى نصرته لهم في الدنيا والآخرة. وهي المعاني التي تعرضت لها السورة في جولتها الأولى، وكانت قصة إبراهيم ﵇ نموذجا لبعض مضامين معانيها، وهذا من مظاهر صلة قصة إبراهيم بالسياق الخاص للسورة، وفي قصة إبراهيم نموذج على الإيمان الصادق بالغيب، وهذا مظهر من مظاهر صلة القصة بمحور السّورة من سورة البقرة، ولا ننسى أنّ من امتدادات مقدّمة سورة البقرة في السورة قصّة إبراهيم ﵇ هناك، وهاهنا تأتي قصة إبراهيم كذلك، وفيها تفصيلات جديدة.
стр. 3971
الفوائد:
١ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ]
بمناسبة قوله تعالى: فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ قال ابن كثير:
(لكن يقال: كيف الجمع بين هذه الآية وبين الحديث الوارد في الصحيح:
«أن إبراهيم حين مرّ على ذلك الجبار فسأل إبراهيم عن سارة ما هي منه فقال أختي، ثم جاء إليها فقال لها: إني قد قلت له إنك أختي، فلا تكذبيني فإنه ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك، فأنت أختي في الدين» وكأن المراد من هذا- والله أعلم- أنه ليس على الأرض زوجان على الإسلام غيري وغيرك، فإن لوطا ﵇ آمن به من قومه وهاجر معه إلى بلاد الشام، ثم أرسل في حياة الخليل إلى أهل سدوم وأقام بها، وكان من أمرهم ما تقدم وما سيأتي).
٢ - [كلام ابن كثير بمناسبة قوله تعالى على لسان إبراهيم وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي]
وبمناسبة قوله تعالى: وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي قال ابن كثير:
(قال قتادة: هاجرا من كوثى وهي من سواد الكوفة إلى الشام، وقال: وذكر لنا أن نبي الله ﷺ قال: «إنها ستكون هجرة بعد هجرة، ينحاز أهل الأرض إلى مهاجر إبراهيم، ويبقى في الأرض شرار أهلها حتى تلفظهم أرضهم وتقذرهم روح الله ، وتحشرهم النار مع القردة والخنازير، وتبيت معهم إذا باتوا، وتقيل معهم إذا قالوا وتأكل ما سقط منهم»).
ثمّ قال ابن كثير:
(وقد أسند الإمام أحمد هذا الحديث فرواه مطولا من حديث عبد الله بن عمرو ابن العاص عن شهر بن حوشب قال: لما جاءتنا بيعة يزيد بن معاوية قدمت الشام فأخبرت بمقام يقومه نوف البكالي، فجئته إذ جاء رجل، فانتبذ الناس، وعليه خميصة وإذا هو عبد الله بن عمرو بن العاص، فلما رآه نوف أمسك عن الحديث فقال عبد الله: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنها ستكون هجرة بعد هجرة فينحاز الناس إلى مهاجر إبراهيم لا يبقى في الأرض إلا شرار أهلها فتلفظهم أرضهم، تقذرهم نفس الرحمن، تحشرهم النار مع القردة والخنازير، فتبيت معهم إذا باتوا، وتقيل معهم إذا قالوا، وتأكل من تخلّف منهم»، قال: وسمعت رسول الله ﷺ يقول: «سيخرج أناس من أمتي من قبل المشرق، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، كلما خرج منهم قرن قطع، كلما خرج منهم قرن قطع- حتى عدها زيادة على عشرة مرات- كلما خرج
стр. 3972
منهم قرن قطع حتى يخرج الدجال في بقيتهم». ورواه الإمام أحمد عن أبي داود وعبد الصمد كلاهما عن هشام الدستوائي عن قتادة به، وقد رواه أبو داود في سننه فقال في كتاب الجهاد (باب ما جاء في سكنى الشام): عن شهر بن حوشب عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «ستكون هجرة بعد هجرة، فخيار أهل الأرض ألزمهم مهاجر إبراهيم، ويبقى في الأرض شرار أهلها تلفظهم أرضوهم وتقذرهم نفس الرحمن، وتحشرهم النار مع القردة والخنازير». وروى الإمام أحمد عن شهر بن حوشب قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: لقد رأيتنا وما صاحب الدينار والدرهم بأحق به من أخيه المسلم، ثم لقد رأيتنا بآخرة الآن والدينار والدرهم أحب إلى أحدنا من أخيه المسلم، ولقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لئن اتبعتم أذناب البقر، وتبايعتم بالعينة، وتركتم الجهاد في سبيل الله، ليلزمنكم الله مذلة في أعناقكم لا تنزع منكم حتى ترجعوا إلى ما كنتم عليه، وتتوبوا إلى الله تعالى»، وسمعت رسول الله ﷺ يقول: «لتكونن هجرة بعد هجرة إلى مهاجر أبيكم إبراهيم حتى لا يبقى في الأرض إلا شرار أهلها، وتلفظهم أرضهم وتقذرهم روح الرحمن، وتحشرهم النار مع القردة والخنازير، تقيل حيث يقيلون، وتبيت حيث يبيتون، وما سقط منهم فلها»، ولقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يخرج قوم من أمتي يسيئون الأعمال، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم- قال يزيد لا أعلمه إلا قال- يحقر أحدكم علمه مع علمهم، يقتلون أهل الإسلام، فإذا خرجوا فاقتلوهم، ثم إذا خرجوا فاقتلوهم، ثم إذا خرجوا فاقتلوهم، فطوبى لمن قتلهم، وطوبى لمن قتلوه، كلما طلع منهم قرن قتله الله» فردد ذلك رسول الله ﷺ عشرين مرة أو أكثر وأنا أسمع، وروى الحافظ أبو بكر البيهقي بسنده عن نافع، عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: «سيهاجر أهل الأرض هجرة بعد هجرة إلى مهاجر إبراهيم، حتى لا يبقى إلا شرار أهلها، تلفظهم الأرضون، وتقذرهم روح الرحمن؛ وتحشرهم النار مع القردة والخنازير، تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا، لها ما سقط منهم» غريب من حديث نافع.
والظاهر أن الأوزاعي قد رواه عن شيخ له من الضعفاء والله أعلم. وروايته من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أقرب إلى الحفظ.
ولنعد إلى التفسير.
...
стр. 3973
وَلُوطاً أي واذكر لوطا إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ أي الفعلة البالغة في القبح وهي: اللواطة ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ هذه جملة مقرّرة لفحاشة تلك الفعلة، كأن قائلا قال: لم كانت فاحشة؟ فقيل: لأن أحدا قبلهم لم يقدم عليها
أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ أي بالقتل وأخذ المال، كما هو عمل قطاع الطريق وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ أي مجلسكم. ولا يقال للمجلس ناد إلا ما دام فيه أهله الْمُنْكَرَ أي تفعلون ما لا يليق من الأقوال والأفعال في مجالسكم التي تجتمعون فيها، لا ينكر بعضكم على بعض شيئا. واختلفت أقوال المفسرين في هذا المنكر الذي يفعلونه في ناديهم. قال النسفي في تفسيره:
(أي المضارطة، والمجامعة، والسباب، والفحش في المزاح، والخذف بالحصى، ومضغ العلك، والفرقعة ... ). فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ أي فيما تعدنا من نزول العذاب. وهذا من كفرهم واستهزائهم وعنادهم. ولهذا استنصر عليهم نبي الله ف:
قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بإنزال العذاب عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ الذين يفسدون الناس بحملهم على ما كانوا عليه من المعاصي والفواحش
وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى أي بالبشارة لإبراهيم بالولد والنّافلة يعني: إسحاق ويعقوب قالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ أي قرية سدوم إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ هذا يفيد أن الظلم قد استمر منهم في الأيام السالفة، وهم عليه مصرّون، وظلمهم كفرهم، وأنواع معاصيهم
قالَ إبراهيم إِنَّ فِيها لُوطاً أي أتهلكونهم وفيهم من هو برئ من الظلم وهو لوط قالُوا أي الملائكة نَحْنُ أَعْلَمُ منك بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ أي من الهالكين لأنها كانت تمالئهم على كفرهم وبغيهم وأفعالهم، ثم ساروا من عنده فدخلوا على لوط في صورة شبّان حسان
وَلَمَّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ أي ساءه مجيئهم. والتركيب يفيد أنه بمجرد أن أحسّ بمجيئهم فاجأته المساءة، من غير ريث؛ خيفة عليهم من قومه أن يتناولوهم بالفجور وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً أي وضاق بشأنهم وبتدبير أمرهم ذرعه، أي طاقته. والمعنى: أنّه اغتمّ بأمرهم، فهو إن أضافهم خاف عليهم من قومه، وإن لم يضفهم خشي عليهم منهم وَقالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ أي وننجي أهلك إِلَّا امْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ أي من الهالكين
إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً أي عذابا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ أي بفسقهم وخروجهم عن طاعة الله ورسوله
стр. 3974
وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها أي من القرية آيَةً بَيِّنَةً أي واضحة. قال ابن كثير: (وذلك أنّ جبريل ﵇ اقتلع قراهم من قرار الأرض، ثم رفعها إلى عنان السماء، ثم قلبها عليهم، وأرسل الله عليهم حجارة من سجيل منضود، مسوّمة عند ربك، وما هي من الظالمين ببعيد، وجعل الله مكانها بحيرة خبيثة منتنة، وجعلهم عبرة إلى يوم التناد، وهم من أشد الناس عذابا يوم المعاد) لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ فمن عقل عرف الآية واتّعظ بها.
فائدة: [كلام الألوسي بمناسبة قوله تعالى عن قوم لوط وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ]
قال الألوسي عند قوله تعالى: وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ:
(أخرج أحمد، والترمذي وحسنه، والحاكم وصححه، والطبراني، والبيهقي في الشعب، وغيرهم عن أم هانئ بنت أبي طالب قالت: «سألت رسول الله ﷺ عن قوله تعالى: وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فقال: «كانوا يجلسون بالطريق فيخذفون أبناء السبيل ويسخرون منهم» وعن مجاهد، ومنصور، والقاسم بن محمد، وقتادة، وابن زيد: هو إتيان الرجال في مجالسهم يرى بعضهم بعضا. وعن مجاهد أيضا:
هو لعب الحمام، وتطريف الأصابع بالحناء، والصفير، والخذف، ونبذ الحياء في جميع أمورهم. وعن ابن عباس: هو تضارطهم وتصافعهم فيها، وفي رواية أخرى عنه هو الخذف بالحصى، والرمي بالبنادق، والفرقعة، ومضغ العلك، والسواك بين الناس، وحل الإزار، والسباب، والفحش في المزاح. ولم يأت في قصة لوط ﵇ أنه دعا قومه إلى عبادة الله تعالى، كما جاء في قصة إبراهيم، وكذا في قصة شعيب الآتية؛ لأن لوطا كان من قوم إبراهيم، وفي زمانه، وقد سبقه إلى الدعاء لعبادة الله تعالى وتوحيده، واشتهر أمره عند الخلق، فذكر لوط ﵇ ما اختص به من المنع من الفاحشة وغيرها، وأما إبراهيم وشعيب ﵉ فجاءا بعد انقراض من كان يعبد الله ويدعو إليه سبحانه، فلذلك دعا كل منهما قومه إلى عبادته تعالى كذا في البحر).
كلمة في السياق: [حول صلة قصة لوط ﵇ بالسياق الخاص للسورة وبالمحور]
لقد رأينا أن مقدمة السورة تحدثت عن سنة الله في امتحان أهل الإيمان، ثم تحدّثت عن كون الكافرين لا يفلتون من عذاب الله أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ ثم سار السياق حتى وصل إلى قصة لوط عليه السلام
стр. 3975
التي فيها نموذج للمؤمن الصادق، الذي يحمل دعوة الله في كل الظروف. ونموذج على كون الكافرين لا يفلتون، ونموذج على نوع من نصر الله للمؤمنين، والآن تأتي قصة شعيب ﵇ لنرى فيها نموذجا لما يدعو إليه الرسل، ونموذج على كون الكافرين لا يفلتون من عذاب الله:
....
وَإِلى مَدْيَنَ أي وأرسلنا إلى مدين أَخاهُمْ شُعَيْباً فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ أي وافعلوا ما ترجون به الثواب في العاقبة أو خافوه وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ أي قاصدين الفساد
فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ أي الزلزلة الشديدة فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ أي بلدهم وأرضهم جاثِمِينَ أي ميّتين، أو باركين على الركب، ميتين. قال ابن كثير متحدثا عن شعيب ﵇: (نهاهم عن العيث في الأرض بالفساد: وهو السعي فيها والبغي على أهلها؛ وذلك أنهم كانوا ينقصون المكيال والميزان، ويقطعون الطريق على الناس، وهذا مع كفرهم بالله ورسوله، فأهلكهم الله برجفة عظيمة، زلزلت عليهم بلادهم، وصيحة أخرجت القلوب من حناجرهم. وعذاب يوم الظلّة الذي أزهق الأرواح من مستقرها، إنه كان عذاب يوم عظيم، وقد تقدمت قصتهم مبسوطة في سورة الأعراف وهود والشعراء).
وبعد قصة شعيب يحدّثنا الله عمّا فعل بعاد وثمود وقارون وفرعون وهامان. وفي ذلك مثل على أنّ الكافرين لا يفوتون الله .
وَعاداً وَثَمُودَ أي وأهلكنا عادا وثمود وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ إهلاكهم مِنْ جهة مَساكِنِهِمْ إذا نظرتم إليها عند مروركم بها وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ من الكفر والمعاصي فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ أي الطريق المستقيم الذي أمروا بسلوكه وهو الإيمان بالله ورسله، والاستسلام لله في حكمه وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ أي عقلاء متمكّنين من النظر، وتمييز الحق من الباطل، ولكنّهم لم يفعلوا، أو كانوا مستبصرين بالمعنى الذي يطلقه الكفرة على أنفسهم بأنّهم مستنيرون، إلا أن استبصارهم لم يكن إلّا في أمر ظواهر الدنيا فقط
وَقارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ أي وأهلكنا هؤلاء وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ أي بالمعجزات والدلائل الواضحات فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَما كانُوا سابِقِينَ
стр. 3976
أي وما كانوا فائتين، أدركهم أمر الله فلم يفوتوه.
كلمة في السياق:
في قوله تعالى وَما كانُوا سابِقِينَ دليل لما ذكرناه من أن السياق يعرض علينا الآن نموذجا ومثلا على كون الكافرين لا يفوتون الله ، وهو المعنى الذي ورد في مقدمة السورة أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ لاحظ أَنْ يَسْبِقُونا في المقدمة وَما كانُوا سابِقِينَ في آخر آية مرّت معنا.
...
فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فيه دليل على أن الله لا يأخذ إلا بذنب فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً هي الريح العاصف التي فيها حصباء، وهي لقوم لوط وعاد وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ فأخمدت منهم الأصوات والحركات، وهم مدين وثمود وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ يعني قارون وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا يعني قوم نوح وفرعون وهامان وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ أي ليعاقبهم بغير ذنب وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ بالكفر والطغيان.
....
كلمة في السياق:
نلاحظ أنّ مقدمة السورة تحدّثت عن سنة الله في امتحان المؤمنين، وعن كون الكافرين لا يسبقون الله، بل سيلحقهم عذابه، ثمّ تحدّثت المجموعة الأولى عن خصائص الإيمان الصادق ودواعيه، وعن علامات الإيمان الكاذب وما يدلّ عليه، كما حدثتنا عن محاولة الكافرين أن يصرفوا المؤمنين عن الإيمان. ثم جاء دور ضرب المثل، فانصبّت الأمثال على توضيح نقطتين رئيسيتين: ثبات المؤمنين وصبرهم على الامتحان، ولحاق عقوبات الله بالكافرين، وكلّ ذلك شديد التلاحم مع بعضه، وبعد ضرب الأمثال بوقائع من تاريخ الإنسان، يأتي الآن مثل، ثمّ تأتي بعده تقريرات:
وللمثل علاقة بكون الكافرين لا يفوتون الله ولا يعجزونه.
...
стр. 3977
مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ أي آلهة يعني مثل من أشرك بالله الأوثان في الضعف وسوء الاختيار كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً أي كمثل العنكبوت فيما تتّخذه لنفسها من بيت، فإنّ ذلك بيت لا يدفع عنها الحرّ والبرد، ولا يقي ما تقي البيوت، فكذلك الأوثان لا تنفعهم في الدنيا والآخرة وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ فلا بيت أوهن من بيتها لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ أنّ هذا مثلهم، وأنّ أمر دينهم بالغ هذه الغاية من الوهن. وقيل مثل المشرك الذي يعبد الوثن بالقياس إلى المؤمن الذي يعبد الله مثل عنكبوت تتخذ بيتا، بالإضافة إلى رجل يبني بيتا بآجرّ وجص، أو ينحته من صخر، وكما أن أوهن البيوت إذا استقريتها بيتا بيتا بيت العنكبوت. كذلك أضعف الأديان إذا استقريتها دينا دينا عبادة غير الله.
إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ أي الذي يعبدونه مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ أي الغالب الذي لا شريك له الْحَكِيمُ في ترك المعاجلة بالعقوبة، وفيه تجهيل لهم حيث عبدوا جمادا لا علم له، ولا قدرة، وتركوا عبادة القادر القاهر على كل شيء، الحكيم الذي يفعل بحكمة وتدبير. قال ابن كثير في الآيتين: (هذا مثل ضربه الله تعالى للمشركين في اتخاذهم آلهة من دون الله، يرجون نصرهم، ورزقهم، ويتمسّكون بهم في الشدائد، فهم في ذلك كبيت العنكبوت في ضعفه ووهنه، فليس في أيدي هؤلاء من آلهتهم إلا كمن يتمسك ببيت العنكبوت، فإنه لا يجدي عنه شيئا. فلو علموا هذا الحال لما اتخذوا من دون الله أولياء، وهذا بخلاف المؤمن المسلم قلبه لله وهو مع ذلك يحسن العمل في اتباع الشرع، فإنه متمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها لقوتها وثباتها.
وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ نبيّنها للناس وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ أي يفهمها ويتدبّرها إلا الراسخون في العلم المتضلّعون منه، قال النسفي في قوله تعالى وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ: (به وبأسمائه وصفاته، أي لا يعقل صحتها وحسنها، ولا يفهم فائدتها إلا هم؛ لأن الأمثال والتشبيهات إنما هي الطرق إلى المعاني المستورة، حتى تبرزها وتصورها للأفهام كما صور هذا التشبيه الفرق بين حال المشرك وحال الموحد، وعن النبي ﷺ أنه تلا هذه الآية فقال: «العالم من عقل عن الله فعمل بطاعته واجتنب سخطه» ودلت الآية على فضل العلم على العقل)،
خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ أي محقا، يعني لم يخلقهما باطلا بل لحكمة. يعني لا على وجه العبث واللعب إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ أي لدلالة واضحة على أنه تعالى المتفرد بالخلق والتدبير والإلهية، وخصّ المؤمنين بالذّكر لانتفاعهم وحدهم بالآيات.
стр. 3978
نقل:
قال صاحب الظلال في الآيات الأخيرة ومحلها في السياق:
(والآن. وعلى مصارع العتاة البغاة من الكفرة والظلمة والفسقة على مدار القرون ... والآن. وبعد الحديث في مطالع السورة عن الفتنة والابتلاء والإغراء .. الآن يضرب المثل لحقيقة القوى المتصارعة في هذا المجال .. إن هنالك قوة واحدة هي قوة الله. وما عداها من قوة الخلق فهو هزيل واهن، من تعلق به أو احتمى، فهو كالعنكبوت الضعيفة تحتمي ببيت من خيوط واهية. فهي وما تحتمي به سواء:
مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً، وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ* إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ* وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ، وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ ..
إنه تصوير عجيب صادق لحقيقة القوى في هذا الوجود. الحقيقة التي يغفل عنها الناس أحيانا، فيسوء تقديرهم لجميع القيم، ويفسد تصورهم لجميع الارتباطات، وتختل
في أيديهم جميع الموازين. ولا يعرفون إلى أين يتوجهون. ماذا يأخذون وماذا يدعون؟
وعندئذ تخدعهم قوة الحكم والسلطان يحسبونها القوة القادرة التي تعمل في هذه الأرض، فيتوجهون إليها بمخاوفهم ورغائبهم، ويخشونها ويفزعون منها، ويترضونها ليكفّوا عن أنفسهم أذاها، أو يضمنوا لأنفسهم حماها!
وتخدعهم قوة المال، يحسبونها القوة المسيطرة على أقدار الناس وأقدار الحياة.
ويتقدمون إليها في رغب وفي رهب؛ ويسعون للحصول عليها ليستطيلوا بها ويتسلّطوا على الرقاب كما يحسبون!
وتخدعهم قوة العلم يحسبونها أصل القوة وأصل المال، وأصل سائر القوى التي يصول بها من يملكها ويجول، ويتقدمون إليها خاشعين كأنهم عباد في المحاريب!
وتخدعهم هذه القوى الظاهرة. تخدعهم في أيدي الأفراد وفي أيدي الجماعات وفي أيدي الدول، فيدورون حولها، ويتهافتون عليها، كما يدور الفراش على المصباح،
стр. 3979
وكما يتهافت الفراش على النار!
وينسون القوة الوحيدة التي تخلق سائر القوى الصغيرة، وتملكها، وتمنحها، وتوجهها، وتسخّرها كما تريد، حيثما تريد.
وينسون أن الالتجاء إلى تلك القوى سواء كانت في أيدي الأفراد، أو الجماعات، أو الدول .. كالتجاء العنكبوت إلى بيت العنكبوت ... حشرة ضعيفة رخوة واهنة لا حماية لها من تكوينها الرخو، ولا وقاية لها من بيتها الواهن.
وليس هنالك إلا حماية الله، وإلا حماه، وإلا ركنه القوي الركين.
هذه الحقيقة الضخمة هي التي عنى القرآن بتقريرها في نفوس الفئة المؤمنة، فكانت بها أقوى من جميع القوى التي وقفت في طريقها؛ وداست بها على كبرياء الجبابرة في الأرض ودكّت بها المعاقل والحصون.
لقد استقرت هذه الحقيقة الضخمة في كل نفس، وعمرت كل قلب، واختلطت بالدم، وجرت معه في العروق، ولم تعد كلمة تقال باللسان، ولا قضية تحتاج إلى جدل. بل بديهة مستقرة في النفس، لا يجول غيرها في حس ولا خيال.
قوة الله وحدها هي القوة. وولاية الله وحدها هي الولاية. وما عداها فهو واهن ضئيل هزيل؛ مهما علا واستطال، ومهما تجبّر وطغى، ومهما ملك من وسائل البطش والطغيان والتنكيل.
إنها العنكبوت: وما تملك من القوى ليست سوى خيوط العنكبوت وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ.
وإن أصحاب الدعوات الذين يتعرّضون للفتنة والأذى. وللإغراء والإغواء.
لجديرون أن يقفوا أمام هذه الحقيقة الضخمة ولا ينسوها لحظة، وهم يواجهون القوى المختلفة. هذه تضربهم وتحاول أن تسحقهم. وهذه تستهويهم وتحاول أن تشتريهم ..
وكلها خيوط العنكبوت في حساب الله، وفي حساب العقيدة حين تصح العقيدة، وحين تعرف حقيقة القوى وتحسن التقويم والتقدير.
إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ.
إنهم يستعينون بأولياء يتخذونهم من دون الله والله يعلم حقيقة هؤلاء الأولياء.
стр. 3980
وهي الحقيقة التي صورت في المثل السابق .. عنكبوت تحتمي بخيوط العنكبوت!
وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ هو وحده العزيز القادر القادر الحكيم المدبر لهذا الوجود.
وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ.
فلقد اتخذها جماعة من المشركين المغلقي القلوب والعقول مادة للسخرية والتهكّم.
وقالوا: إن رب محمد يتحدث عن الذباب والعنكبوت. ولم يهز مشاعرهم هذا التصوير العجيب لأنهم لا يعقلون ولا يعلمون وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ.
*** ثم يربط تلك الحقيقة الضخمة التي قدمها بالحق الكبير في تصميم هذا الكون كله على طريقة القرآن في ربط كل حقيقة بذلك الحق الكبير:
خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ. إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ.
وهكذا تجئ هذه الآية عقب قصص الأنبياء، وعقب المثل المصور لحقيقة القوى في الوجود، متناسقة معها مرتبطة بها، بتلك الصلة الملحوظة. صلة الحقائق المتناثرة كلها بالحق الكامن في خلق السماوات والأرض؛ والذي قامت به السماوات والأرض، في ذلك النظام الدقيق الذي لا يتخلّف ولا يبطئ ولا يختلف ولا يصدم بعضه بعضا، لأنه حق متناسق لا عوج فيه!
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ.
الذين تتفتّح قلوبهم لآيات الله الكونية المبثوثة في تضاعيف هذا الكون وحناياه) ..
كلمة في السياق:
إن المثل المضروب في الآيات الأخيرة يبيّن أنّ أحدا لا يحمي الكافرين من الله، وبالتالي فإنّهم لا يفوتونه، وبهذا يكون السياق قد اكتمل في تبيان قضية الصدق في الإيمان، وقضية أن الكافرين لا يفوتون الله. وختمت الآيات- كما رأينا- بقوله تعالى: خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ .. وهذا الختام يضئ على المقطع كله، ففيه تعليل لسبب الامتحان، وتعليل لتعذيب الكافرين، فالله لم يخلق السموات والأرض عبثا.
стр. 3981
وبعد ذلك يأتي المقطع الثاني ويبدأ بالأمر بتلاوة القرآن، وإقامة الصلاة، وإدامة الذكر وهي زاد المؤمن في العبور إلى الله.
...
فائدة: بمناسبة قوله تعالى: وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ
قال ابن كثير: (روى الإمام أحمد ... عن عمرو بن العاص ﵁ قال: عقلت عن رسول الله ﷺ ألف مثل، وهذه منقبة عظيمة لعمرو بن العاص ﵁.
حيث يقول الله تعالى: وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ).
أقول: إن فيما ذكره عمرو بن العاص لدرسا بليغا إذ دلّ على أن الرسول ﷺ كان يكثر من ضرب الأمثال إلى حد كبير لتقريب المعاني إلى الأذهان وتعميقها في القلوب، وهو درس يجب أن يعرفه الدعاة إلى الله.
كلمة في المقطع الأول من السورة:
قلنا: إنّ سورة العنكبوت تفصّل في مقدمة سورة البقرة. ومقدمة سورة البقرة- كما نعرف- وصفت المتقين والكافرين والمنافقين، لاحظ الآن ما يلي:
بدأت سورة البقرة بقوله تعالى:
الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ.
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وقد بدأت سورة العنكبوت بعرض علامة الإيمان الصادق، ثمّ تحدّثت عن علامة الإيمان الكاذب، وعن موقف الكافرين من أهل الإيمان، ومثّلت لأمّهات المعاني، وكل ذلك قد رأيناه، وارتباطه بما ذكرناه من أوائل سورة البقرة واضح، وبعد قوله تعالى في سورة البقرة الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ جاء قوله تعالى: وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ ونلاحظ الآن أن بداية المقطع الثاني هي اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ وبعد الكلام عن إقام الصلاة في مقدمة سورة البقرة جاء قوله تعالى: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ولا نجد حديثا عنها في سورة العنكبوت، ولكن يوجد في السورة كلام عن العمل الصالح، وبعد الكلام عن الإنفاق في مقدمة سورة البقرة يأتي قوله تعالى وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ
стр. 3982
وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ. ونجد في المقطع الثاني من سورة العنكبوت قوله تعالى: وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ ... ثم يأتي في خاتمة وصف المتقين من مقدمة سورة البقرة قوله تعالى: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.
ونجد في سورة العنكبوت قوله تعالى: وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ.
ومن هذا العرض المبدئي السريع نعلم كيف أن سورة العنكبوت تفصّل في مقدمة سورة البقرة نوع تفصيل. وسنرى ذلك. وإنما استعجلنا في عرض هذه المعاني ليكون الدارس على بينة في معرفة الخط العام للسورة. والسورة بمجموعها تتألف من مقدمة، ومقطعين. وقد مرّ معنا مقدّمة السورة، والمقطع الأول منها، ولم يبق معنا إلا المقطع الثاني، وهذا أوان عرضه:
***
стр. 3983
المقطع الثاني ويمتدّ من الآية (٤٥) إلى نهاية الآية (٦٩) أي إلى نهاية السورة. وهذا هو:
٢٩/ ٦٩ - ٤٥
стр. 3984
٢٩/ ٥٤ - ٦٨
стр. 3985
٢٩/ ٦٩
بين يدي المقطع الثاني:
يتألف المقطع الثاني من مقدّمة، ومجموعتين، وخاتمة:
المقدمة وهي آية واحدة، وفيها أمران: أمر بالتلاوة، وأمر بالصلاة. وفيها حض على ذكر الله، وهذه الثلاث هي زاد الطريق في المحنة.
المجموعة الأولى وتبدأ بقوله تعالى: وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ.
وتنتهي بقوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ.
والمجموعة الثانية وتبدأ بقوله تعالى: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ ....
وتنتهي بقوله تعالى: أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ.
لاحظ التشابه بين خاتمتي المجموعتين:
إن المجموعتين تبيّنان لنا كيف نعالج مواقف الكافرين، وكيف نردّ عليها ثمّ تأتي خاتمة المقطع، وفيها تبيان لظلم الكافرين، وتبيان لطريق الهداية.
التفسير:
مقدّمة المقطع الثاني
اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ تقرّبا إلى الله تعالى بقراءة كلامه، ولتقف على ما أمر به ونهى عنه. ويدخل في الأمر- والله أعلم- تلاوته للبلاغ وَأَقِمِ الصَّلاةَ أي دم على إقامتها إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ أي الفعلة القبيحة كالزنا مثلا وَالْمُنْكَرِ هو ما ينكره الشرع والعقل. قال ابن كثير: (يعني أن الصلاة تشتمل على شيئين: على ترك الفواحش، والمنكرات، أي مواظبتها تحمل على ترك ذلك) وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، للعلماء في هذا المقام كلام كثير وظاهر النص أن الذكر الدائم لله أكبر في النهي عن الفحشاء والمنكر من مجرد ذكر الله في الصلاة
стр. 3986
وحدها وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ من الخير والطاعة، فيثيبكم أحسن الثواب، قال الألوسي في تفسير قوله تعالى وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ بعد أن ذكر اتجاهات للعلماء في الآية: (وقيل: أي ولذكر العبد لله تعالى أكبر من سائر أعماله، وروي عن جماعة من السلف ما يقتضيه. أخرج أحمد في الزهد. وابن المنذر عن معاذ بن جبل قال:
ما عمل آدمي عملا أنجى له من عذاب الله تعالى من ذكر الله تعالى، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله تعالى، ولا أن يضرب بسيفه حتى ينقطع، لأن الله تعالى يقول في كتابه: وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير عن أبي الدرداء قال: (ألا أخبركم بخير أعمالكم، وأحبها إلى مليككم، وأسماها في درجاتكم، وخير من أن تغزوا عدوكم فيضربوا رقابكم وتضربوا رقابهم، وخير من إعطاء الدنانير والدراهم؟ قالوا: وما هو يا أبا الدرداء؟ قال: ذكر الله تعالى وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ). وأخرج ابن جرير عن سلمان أنه سئل أي العمل أفضل؟ قال: أما تقرأ القرآن؟ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ لا شئ أفضل من ذكر الله. ونسب في البحر إلى أبي الدرداء، وسلمان رضي الله تعالى عنهما القول الذي ذكرناه أولا عمن سمعت. ولعل ذلك إحدى روايتين عنهما. وجاء عن ابن عباس أيضا رواية تشعر بأن المراد بذكر الله تعالى ذكر العبد له سبحانه.
أخرج سعيد بن منصور. وابن أبي شيبة. وابن المنذر. والحاكم في الكنى.
والبيهقي في شعب الإيمان عن عنترة قال: قلت لابن عباس رضي الله تعالى عنهما أي العمل أفضل؟ قال: ذكر الله أكبر، وما قعد قوم في بيت من بيوت الله تعالى يدرسون كتاب الله ويتعاطونه بينهم إلا أظلتهم الملائكة بأجنحتها، وكانوا أضياف الله تعالى ما داموا فيه حتى يفيضوا في حديث غيره، وما سلك رجل طريقا يلتمس فيه العلم إلا سهّل الله تعالى له طريقا إلى الجنة).
كلمة في السياق: [حول صلة مقدمة المقطع بالسياق العام للسورة]
بعد أن بيّن الله أنّه لا بدّ من فتنة وامتحان؛ ليتميّز الصادق من الكاذب. جاء هذا الأمر الذي يأمر بتلاوة القرآن والصلاة والذكر، وكأنه يدلنا على الزاد في المحنة أو على طريقة تلقيها للنجاح في تجاوزها: تلاوة القرآن فإنها الزاد المذكّر، وإقامة الصلاة والمحافظة عليها فإنّها نعم المعين، قال تعالى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ [البقرة: ٤٥] وذكر الله الدائم فإنّه نعم الأنيس فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ
стр. 3987
[البقرة: ١٥٢] وكلّ من دخل في نوع من أنواع المحن عرف أهمّية هذه الثلاثة في تجاوز المحنة، ولقد رأينا بعض إخوتنا يمرون على محنة فيخرجون منها أصلب عودا، لأخذهم هذا الزاد، في الوقت الذي كان يجنّ، أو يتحطم، أو يكفر آخرون، لقلة الزاد، إذا أدركنا أنّ هذه الثلاث هي زاد المسلم في المحنة، عرفنا محلّ هذه الآية في السياق الخاص للسورة. وأمّا محل الآية في السياق العام فإنّ السّورة- كما قلنا- تفصّل في مقدمة سورة البقرة: فصّلت في المرحلة الأولى في موضوع الإيمان بالغيب، ثم فصّلت هاهنا في موضوع إقامة الصلاة، وحكمتها، وسنرى أنّها ستفصّل في جزء آخر من المقدمة.
ولنستمر في التفسير.
المجموعة الأولى من المقطع الثاني
وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ أي إلا بالخصلة التي هي أحسن للثواب، وهي مقابلة الخشونة باللين، والغضب بالكظم إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فأفرطوا في الاعتداء والعناد، ولم يقبلوا النّصح، ولم ينفع فيهم الرفق، فاستعملوا معهم الغلظة. والآية تدلّ على جواز المناظرة مع الكفرة في الدين.
وعلى جواز تعلّم العلم الذي به نستطيع أن نقيم به الحجة وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ في هذا تعليم لنا لنوع الكلام الذي ينبغي أن نقوله أثناء عملية الجدال بالتي هي أحسن. أن نعلن لهم إيماننا بالوحي الذي أنزله الله، ومن ذلك إيماننا بالتوراة والإنجيل والزبور، وإيماننا بالله ربنا وربهم. وأن نعلن مع ذلك إسلامنا لله وحده.
كلمة في السياق:
١ - قلنا: إنّ سورة العنكبوت تفصّل في مقدّمة سورة البقرة وامتدادات معانيها الأكثر لصوقا بها، ولنتذكر الآن أنّه قد جاء في مقدمة سورة البقرة قوله تعالى وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ (البقرة: ٤) ثم جاء قوله تعالى قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ (البقرة: ١٣٦) إلى قوله تعالى لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ثم جاء أيضا فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ ... (البقرة: ١٥٠) تذكّر هذا كله ثمّ تأمل
стр. 3988
الآية التي مرّت معنا آنفا: وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ إنك إذا تأملت هذه الآية وتأملت ما ذكرناه من سورة البقر فإنّك تجد واضحا ما ذكرناه من أنّ سورة العنكبوت تفصّل في مقدمة سورة البقرة، وفي امتدادات معانيها الأشدّ لصوقا بها.
٢ - لقد جاء النهي عن مجادلة أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن في سياق هذه السورة التي تتحدث- في سياقها الرئيسي- عن الامتحان، وذلك يفيد أنّ علينا ألّا نتخلى عن آدابنا في كل الظروف، ومن ذلك طريقة خطابنا لأهل الكتاب في المحنة وفيما قبلها وفيما بعدها.
....
نقول: [عن صاحب الظلال والألوسي حول النهي عن مجادلة أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن]
عند قوله تعالى:
وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ، وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ...
قال صاحب الظلال:
(إن دعوة الله التي حملها نوح- ﵇ والرسل بعده حتى وصلت إلى خاتم النبيين محمد- ﷺ لهي دعوة واحدة من عند إله واحد، ذات هدف واحد، هو ردّ البشرية الضالة إلى ربها، وهدايتها إلى طريقه، وتربيتها بمنهاجه. وإن المؤمنين بكل رسالة لإخوة للمؤمنين بسائر الرسالات: كلهم أمة واحدة، تعبد إلها واحدا.
وإن البشرية في جميع أجيالها لصنفان اثنان: صنف المؤمنين وهم حزب الله. وصنف المشاقّين لله وهم حزب الشيطان، بغضّ النظر عن تطاول الزمان وتباعد المكان. وكل جيل من أجيال المؤمنين هو حلقة في تلك السلسلة الطويلة الممتدة على مدار القرون.
هذه هي الحقيقة الضخمة العظيمة الرفيعة التي يقوم عليها الإسلام؛ والتي تقررها هذه الآية من القرآن؛ هذه الحقيقة التي ترفع العلاقات بين البشر عن أن تكون مجرد علاقة دم أو نسب، أو جنس، أو وطن، أو تبادل، أو تجارة. ترفعها عن هذا كله لتصلها بالله، ممثلة في عقيدة واحدة تذوب فيها الأجناس والألوان؛ وتختفي فيها القوميات والأوطان؛ ويتلاشى فيها الزمان والمكان. ولا تبقى إلا العروة الوثقى في الخالق الديان.
стр. 3989
ومن ثمّ يكشف المسلمين عن مجادلة أهل الكتاب إلا بالحسنى؛ لبيان حكمة مجئ الرسالة الجديدة، والكشف عما بينها وبين الرسالات قبلها من صلة، والإقناع بضرورة الأخذ بالصورة الأخيرة من صور دعوة الله، الموافقة لما قبلها من الدعوات، المكملة لها وفق حكمة الله وعلمه بحاجة البشر .. إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فانحرفوا عن التوحيد الذي هو قاعدة العقيدة الباقية؛ وأشركوا بالله وأخلوا بمنهجه في الحياة.
فهؤلاء لا جدال معهم ولا محاسنة. وهؤلاء هم الذين حاربهم الإسلام عند ما قامت له دولة في المدينة.
وإن بعضهم ليفتري على رسول الله- ﷺ أنه حاسن أهل الكتاب وهو في مكة مطارد من المشركين. فلما أن صارت له قوة في المدينة حاربهم، مخالفا كل ما قاله فيهم وهو في مكة! وهو افتراء ظاهر يشهد هذا النص المكي عليه. فمجادلة أهل الكتاب بالحسنى مقصورة على من لم يظلم منهم، ولم ينحرف عن دين الله.
وعن التوحيد الخالص الذي جاءت به جميع الرسالات.).
وقال الألوسي في الآية نفسها:
(وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ من اليهود والنصارى، وقيل: من نصارى نجران إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ أي بالخصلة التي هي أحسن كمقابلة الخشونة باللين، والغضب بالكظم، والمشاغبة بالنصح، والسورة بالأناة كما قال سبحانه:
ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ.* إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ بالإفراط في الاعتداء والعناد، ولم يقبلوا النصح، ولم ينفع فيهم الرفق فاستعملوا معهم الغلظة، وأخرج ابن جرير عن مجاهد أن الذين ظلموا هم الذين أثبتوا الولد والشريك، أو قالوا يد الله تعالى مغلولة، أو الله سبحانه فقير، أو آذوا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم، وهذه الغلظة التي تفهم الآية الإذن بها لا تصل إلى القتال لأولئك الظالمين من أهل الكتاب على أي وجه من الوجوه المذكورة كان ظلمهم؛ لأن ظاهر كون السورة مكية أن هذه الآية مكية، والقتال في المشهور لم يشرع بمكة، وليست الغلظة محصورة فيه كما لا يخفى، وقيل المعنى: ولا تجادلوا الداخلين في الذمة المؤدّين للجزية إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا فنبذوا الذمة ومنعوا الجزية فإن أولئك مجادلتهم بالسيف. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد ما يقرب منه، وتعقب بأن السورة
مكية والحرب والجزية مما شرع بالمدينة، وكون الآية بيانا لحكم آت بعد بعيد، وأيضا
стр. 3990
لا قرينة على التخصيص).
ولنعد إلى التفسير:
وَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ أي ومثل ذلك الإنزال أنزلنا إليك الكتاب أي أنزلناه مصدقا لسائر الكتب السماوية، أو كما أنزلنا الكتب إلى من قبلك أنزلنا إليك الكتاب. قال ابن جرير: يقول الله تعالى: كما أنزلنا الكتب على من قبلك يا محمد من الرسل، كذلك أنزلنا إليك الكتاب. فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ أي الذين أخذوا الكتاب السابق فتلوه حق تلاوته يؤمنون بهذا القرآن. وينطبق هذا على عبد الله بن سلام، وسلمان الفارسي وأمثالهما، وَمِنْ هؤُلاءِ يعني العرب مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ أي بالقرآن وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا مع ظهورها، وزوال الشبهة عنها إِلَّا الْكافِرُونَ أي إلا المتوغّلون في الكفر، المصمّمون عليه
وَما كُنْتَ تَتْلُوا أي تقرأ مِنْ قَبْلِهِ أي من قبل القرآن مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ أي ما كنت قرأت كتابا من الكتب ولا كنت كاتبا إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ أي لو كان شئ من ذلك، أي من التلاوة والخط لارتاب المبطلون من أهل الكتاب، وقالوا: الذي نجد نعته في كتبنا أمّي لا يكتب ولا يقرأ، وليس به، أو لارتاب الكافرون وقالوا: لعلّه تعلّمه أو كتبه بيده، وقد سمّاهم مبطلين لإنكارهم نبوّته. قال ابن كثير في الآية: (أي لو كنت تحسنها «أي الكتابة والقراءة» لارتاب بعض الجهلة من الناس فيقول: إنّما تعلّم هذا من كتب قبله مأثورة عن الأنبياء، مع أنهم قالوا ذلك مع علمهم بأنّه أمّي لا يحسن الكتابة)
بَلْ هُوَ أي القرآن آياتٌ بَيِّناتٌ أي واضحات الدلالة على الحق أمرا ونهيا وخبرا فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أي في صدور العلماء به وحفّاظه، وهما من خصائص القرآن، كون آياته بيّنات الإعجاز، وكونه محفوظا في الصدور وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا الواضحة إِلَّا الظَّالِمُونَ أي المتوغّلون في الظلم. قال ابن كثير: أي ما يكذّب بها، ويبخس حقّها، ويردّها إلا الظالمون، أي المعتدون المكابرون، الذين يعلمون الحق ويحيدون عنه
وَقالُوا أي الكافرون لَوْلا أي هلّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ أي مثل النّاقة والعصا قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ ينزل أيتها شاء، ولست أملك شيئا منها وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ أي كلّفت الإنذار وإبانته بما أعطيت من الآيات، وليس لي أن أقول أنزل عليّ آية كذا، دون آية كذا، مع علمي أنّ المراد
стр. 3991
من الآيات ثبوت الدلالة، والآيات كلها في حكم آية واحدة في ذلك،
ثمّ قال تعالى مبينا كثرة جهلهم، وسخافة عقولهم، حيث طلبوا آيات تدلّهم على صدق محمّد ﷺ فيما جاءهم، وقد جاءهم بالكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، الذي هو أعظم من كل معجزة، إذ عجزت الفصحاء والبلغاء عن معارضته، بل عن معارضة عشر سور من مثله، بل عن معارضة سورة منه. فقال تعالى: أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ آية مغنية عن سائر الآيات، إن كانوا طالبين للحق، غير متعنّتين أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ أي هذا القرآن الذي تدوم تلاوته عليهم في كل مكان وزمان، فلا يزال معهم آية ثابتة، لا تزول كما تزول كل آية بعد كونها، أو تكون في مكان دون مكان. قال ابن كثير: (أي أو لم يكفهم آية أنا أنزلنا عليك الكتاب العظيم الذي فيه خبر ما قبلهم ونبأ ما بعدهم، وحكم ما بينهم، وأنت رجل أمي لا تقرأ ولا تكتب، ولم تخالط أحدا من أهل الكتاب، فجئتهم بأخبار ما في الصحف الأولى ببيان الصواب مما اختلفوا فيه، وبالحق الواضح البين الجلي إِنَّ فِي ذلِكَ أي في هذه الآية المستمرّة لكل مكان وزمان، إلى آخر الدهر لَرَحْمَةً أي لنعمة عظيمة، وأي رحمة أعظم من الرحمة ببيان الحق وإزاحة الباطل وَذِكْرى أي وتذكرة لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ دون المتعنتين، وإنّما كان القرآن مذكّرا، لما فيه من ذكر حلول النّقمات، ونزول العقاب بالمكذبين والعاصين، ولما فيه من ذكر الله وأسمائه وصفاته واليوم الآخر، وغير ذلك).
قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً أي شاهدا يصدق ما أدّعيه من الرسالة وذلك بإنزاله هذا القرآن عليّ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فهو مطّلع على أمري وأمركم، وعالم بحقّي وحقكم، وعالم بما تفيضون فيه من التكذيب، ويعلم ما أقول لكم من إخباري عنه بأنه أرسلني، فلو كنت كاذبا عليه لانتقم مني، وإنّما أنا صادق فيما أخبرتكم به، ولهذا أيّدني بالمعجزات الواضحات، والدلائل القاطعات وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وهو ما يعبدون من دون الله وَكَفَرُوا بِاللَّهِ وآياته أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ أي المغبونون في صفقتهم حيث اشتروا الكفر بالإيمان فهم الخاسرون يوم القيامة. وسيجزيهم على ما فعلوا، ويقابلهم على ما صنعوا في تكذيبهم بالحق واتّباعهم الباطل، ذلك أنّهم كذبوا برسل الله، مع قيام الأدلّة على صدقهم، وآمنوا بالطواغيت والأوثان بلا دليل فسيجزيهم على ذلك إنه حكيم عليم.
стр. 3992
كلمة في السياق:
١ - قلنا إن سورة العنكبوت تفصّل في مقدّمة سورة البقرة وامتدادات معانيها لاحظ ما يلي: جاء في مقدّمة سورة البقرة قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ (البقرة: ٤) ومن امتدادات هذا المعنى في سورة البقرة قوله تعالى: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (البقرة: ١٢١) لاحظ صلة ذلك بقوله تعالى هاهنا وَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ولاحظ قوله تعالى هنا وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ لاحظ كلمة (الخاسرون) هنا ولاحظها في آية سورة البقرة.
٢ - في سورة البقرة ورد وصف المتقين وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ (البقرة: ٤) وهاهنا يأتي البرهان والدّليل على أنّ هذا القرآن من عند الله،
وأنه يستحيل أن يكون من عند محمّد ﷺ وأنّ هذا القرآن آية كافية للدلالة على صحة رسالة محمّد ﷺ .
٣ - في سياق النهي عن جدال أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن دلّنا الله على ما نقيم به الحجة على أهل الكتاب وغيرهم في هذه الآيات.
٤ - تأتي هذه الآيات لتقيم الحجّة فتثبّت قلوب أهل الإيمان في سياق السورة التي تتحدث عن الامتحان، فالإيمان عند المحنة قد يتزلزل، فجاءت مؤكداته ودلائله لتثبّت.
٥ - وكما أنّ مقدمة سورة البقرة حدّثتنا عن المؤمنين والكافرين، فكذلك هذه السورة تحدّثنا عن الكافرين، وتقيم الحجة عليهم، هذا مع أنّ أصنافا من الكافرين لم يعد الإنذار يؤثّر فيهم، كما قالت مقدّمة سورة البقرة إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (البقرة: ٦) فهم يفرون من الحجج، ومن مظاهر فرارهم من الحجج ما سنراه في الآيات اللاحقة.
فلنعد إلى التفسير.
...
стр. 3993
المجموعة الثانية من المقطع الثاني
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ أي الكافرون بِالْعَذابِ أن يحل بهم وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى هو يوم القيامة أو وقت فنائهم بآجالهم لَجاءَهُمُ الْعَذابُ أي عاجلا.
والمعنى: ولولا أجل قد سمّاه الله، وبيّنه في اللوح لعذابهم، والحكمة تقتضي تأخيره إلى ذلك الأجل المسمّى، لجاءهم العذاب عاجلا وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ العذاب في الأجل المسمى بَغْتَةً أي فجاءة وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ بوقت مجيئه
يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ أي يستعجلون العذاب وهو واقع بهم لا محالة
يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ فالنار تغشاهم وتغطّيهم، وتحيط بهم من كل جهاتهم، وهذا أبلغ في العذاب الحسي وَيَقُولُ الله تهديدا وتقريعا وتوبيخا، ليجتمع لهم العذاب الحسي والمعنوي ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أي جزاء أعمالكم.
كلمة في السياق:
١ - لاحظ صلة هذه الآيات بمقدّمة سورة البقرة:
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ. إنّ الآيات هنا ترينا كيف يفر الكافرون من الحجج إلى طلب العذاب، كما أنّها تبيّن لنا ماهيّة العذاب العظيم الذي سيحيق بأهل النّار وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ.
٢ - بعد أن بيّن الله في المجموعة الأولى من المقطع الثاني خسار أهل الباطل، بيّن في هذه الآيات الثلاث ماهيّة خسارهم وبيّن جهلهم إذ يستعجلون العذاب وهو آت وما أشدّه. فالصلة بين الآيات الثلاث الأخيرة، وما جاء قبلها مباشرة واضحة.
فلنر صلتها بسياق السورة.
بدأت السورة بقوله تعالى:
الم* أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ* وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ* أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ
стр. 3994
يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ.
إن مقدّمة السورة عرضت علينا ظنا خاطئا يمكن أن يقع فيه بعض المؤمنين.
وعرضت علينا ظنا خاطئا يقع فيه الكافرون، وسارت السورة كما رأينا حتى وصلت إلى الآيات الثلاث، لتعرض علينا كيف أنّ الكافرين يستعجلون بالعذاب الذي وعدوا به، وكيف أنّ هذا العذاب آت لا محالة. وفي ذلك درس لأهل الإيمان أن يتحمّلوا لأداء المحنة، لأنّها مهما كانت قاسية فعذاب الله في الآخرة أشدّ، وهكذا نجد أنّ هذه الآيات تؤدّي أكثر من دور في محلّها.
وإذ وصل السياق إلى ما وصل إليه، فإن آيات تأتي الآن تخاطب المؤمنين خطابا مباشرا، فيه إشارة إلى الهجرة، ومحلّ ذلك في سياق السورة التي تتحدث عن الامتحان لا يخفى؛ فالهجرة قد تكون فرض المحنة، أو أثرا عنها، وهي في نفسها نوع امتحان، إذا اضطر إليها المؤمنون. فلنر الآيات:
يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ. قال ابن كثير:
(هذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين بالهجرة من البلد الذي لا يقدرون فيه على إقامة الدين، إلى أرض الله الواسعة، حيث يمكن إقامة الدين، بأن يوحّدوا الله، ويعبدوه كما أمرهم). وقال النسفي: (يعني أن المؤمن إذا لم يتسهّل له العبادة في بلد هو فيه، ولم يتمشّ له أمر دينه، فليهاجر عنه إلى بلد يقدّر أنّه فيه أسلم قلبا، وأصحّ دينا، وأكثر عبادة ... ) فالمعنى: إنّ أرضي واسعة فإن لم تخلصوا العبادة لي في أرض، فأخلصوها في غيرها. وإن لم تستطيعوا العبادة في أرض، فهاجروا إلى أخرى
كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ أي واجدة مرارته وكربه كما يجد الذائق طعم المذوق، وهذا تشجيع للنفس على الهجرة، لأنّ النّفس إذا تيقنت بالموت سهل عليها مفارقة وطنها ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ بعد الموت للثواب والعقاب. قال ابن كثير في الآية: (أي أينما كنتم يدرككم الموت؛ فكونوا في طاعة الله، وحيث أمركم الله، فهو خير لكم، فإنّ الموت لا بدّ منه، ولا محيد عنه،
ثمّ إلى الله المرجع والمآب، فمن كان مطيعا له جازاه أفضل الجزاء، ووافاه أتمّ الثواب، ولهذا قال تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ أي لننزلنهم مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً أي منازل عالية في الجنة تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ على اختلاف أصنافها من ماء وخمر وعسل ولبن، يصرّفونها ويجرونها حيث شاءوا، كما قال ابن كثير خالِدِينَ فِيها أي ماكثين فيها
стр. 3995
أبدا نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ أي نعمت هذه الغرف أجرا على أعمال المؤمنين
الَّذِينَ صَبَرُوا على مفارقة الأوطان، وعلى أذى المشركين، وعلى المحن والمصائب، وعلى الطاعات، وعن المعاصي وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ في أحوالهم كلها، في دينهم ودنياهم، ولم يتوكّلوا في جميع ذلك إلا على الله.
كلمة في السياق:
١ - إنّ الكلام عن الهجرة في سياق هذه السورة التي تبدأ بالكلام عن الامتحان لتحقيق الإيمان واضح المدلول. فالمحنة المستمرة قد يحتاج أصحابها إلى الهجرة، وقد تكون مصلحة الدّعوة نفسها في الهجرة، ومن ثمّ فقد تحدث الله عنها هنا، وفتح الباب إليها، وشجّع عليها بما أعدّ لأهلها.
٢ - نلاحظ أنّ قوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ* الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ قد جاء في سياق التشجيع على الهجرة، غير أنّ الآيتين قد بدئتا بالواو التي تشير إلى العطف. وعلى هذا فإنّها معطوفة على أمثالها في سياق السورة.
٣ - بدأت السورة بقوله تعالى: الم* أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ* وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ* أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ (الآيات: ١ - ٤)
ثم جاء قوله تعالى: مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ* وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ* وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (الآيات: ٥ - ٧) ثم بعد آية ورد قوله تعالى:
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (الآية: ٩).
ثمّ جاء قوله تعالى (في الآية: ٥٨): وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ* الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ.
فهذا يشير إلى أن الآية الأخيرة معطوفة على ما قبلها، فهي وما قبلها ممّا عطفت
следующие страницы →