Полный текст (6 440 стр.). Показаны 3991–4030 · переход к 3996.
стр. 3991
من الآيات ثبوت الدلالة، والآيات كلها في حكم آية واحدة في ذلك،
ثمّ قال تعالى مبينا كثرة جهلهم، وسخافة عقولهم، حيث طلبوا آيات تدلّهم على صدق محمّد ﷺ فيما جاءهم، وقد جاءهم بالكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، الذي هو أعظم من كل معجزة، إذ عجزت الفصحاء والبلغاء عن معارضته، بل عن معارضة عشر سور من مثله، بل عن معارضة سورة منه. فقال تعالى: أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ آية مغنية عن سائر الآيات، إن كانوا طالبين للحق، غير متعنّتين أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ أي هذا القرآن الذي تدوم تلاوته عليهم في كل مكان وزمان، فلا يزال معهم آية ثابتة، لا تزول كما تزول كل آية بعد كونها، أو تكون في مكان دون مكان. قال ابن كثير: (أي أو لم يكفهم آية أنا أنزلنا عليك الكتاب العظيم الذي فيه خبر ما قبلهم ونبأ ما بعدهم، وحكم ما بينهم، وأنت رجل أمي لا تقرأ ولا تكتب، ولم تخالط أحدا من أهل الكتاب، فجئتهم بأخبار ما في الصحف الأولى ببيان الصواب مما اختلفوا فيه، وبالحق الواضح البين الجلي إِنَّ فِي ذلِكَ أي في هذه الآية المستمرّة لكل مكان وزمان، إلى آخر الدهر لَرَحْمَةً أي لنعمة عظيمة، وأي رحمة أعظم من الرحمة ببيان الحق وإزاحة الباطل وَذِكْرى أي وتذكرة لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ دون المتعنتين، وإنّما كان القرآن مذكّرا، لما فيه من ذكر حلول النّقمات، ونزول العقاب بالمكذبين والعاصين، ولما فيه من ذكر الله وأسمائه وصفاته واليوم الآخر، وغير ذلك).
قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً أي شاهدا يصدق ما أدّعيه من الرسالة وذلك بإنزاله هذا القرآن عليّ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فهو مطّلع على أمري وأمركم، وعالم بحقّي وحقكم، وعالم بما تفيضون فيه من التكذيب، ويعلم ما أقول لكم من إخباري عنه بأنه أرسلني، فلو كنت كاذبا عليه لانتقم مني، وإنّما أنا صادق فيما أخبرتكم به، ولهذا أيّدني بالمعجزات الواضحات، والدلائل القاطعات وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وهو ما يعبدون من دون الله وَكَفَرُوا بِاللَّهِ وآياته أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ أي المغبونون في صفقتهم حيث اشتروا الكفر بالإيمان فهم الخاسرون يوم القيامة. وسيجزيهم على ما فعلوا، ويقابلهم على ما صنعوا في تكذيبهم بالحق واتّباعهم الباطل، ذلك أنّهم كذبوا برسل الله، مع قيام الأدلّة على صدقهم، وآمنوا بالطواغيت والأوثان بلا دليل فسيجزيهم على ذلك إنه حكيم عليم.
стр. 3992
كلمة في السياق:
١ - قلنا إن سورة العنكبوت تفصّل في مقدّمة سورة البقرة وامتدادات معانيها لاحظ ما يلي: جاء في مقدّمة سورة البقرة قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ (البقرة: ٤) ومن امتدادات هذا المعنى في سورة البقرة قوله تعالى: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (البقرة: ١٢١) لاحظ صلة ذلك بقوله تعالى هاهنا وَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ولاحظ قوله تعالى هنا وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ لاحظ كلمة (الخاسرون) هنا ولاحظها في آية سورة البقرة.
٢ - في سورة البقرة ورد وصف المتقين وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ (البقرة: ٤) وهاهنا يأتي البرهان والدّليل على أنّ هذا القرآن من عند الله،
وأنه يستحيل أن يكون من عند محمّد ﷺ وأنّ هذا القرآن آية كافية للدلالة على صحة رسالة محمّد ﷺ .
٣ - في سياق النهي عن جدال أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن دلّنا الله على ما نقيم به الحجة على أهل الكتاب وغيرهم في هذه الآيات.
٤ - تأتي هذه الآيات لتقيم الحجّة فتثبّت قلوب أهل الإيمان في سياق السورة التي تتحدث عن الامتحان، فالإيمان عند المحنة قد يتزلزل، فجاءت مؤكداته ودلائله لتثبّت.
٥ - وكما أنّ مقدمة سورة البقرة حدّثتنا عن المؤمنين والكافرين، فكذلك هذه السورة تحدّثنا عن الكافرين، وتقيم الحجة عليهم، هذا مع أنّ أصنافا من الكافرين لم يعد الإنذار يؤثّر فيهم، كما قالت مقدّمة سورة البقرة إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (البقرة: ٦) فهم يفرون من الحجج، ومن مظاهر فرارهم من الحجج ما سنراه في الآيات اللاحقة.
فلنعد إلى التفسير.
...
стр. 3993
المجموعة الثانية من المقطع الثاني
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ أي الكافرون بِالْعَذابِ أن يحل بهم وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى هو يوم القيامة أو وقت فنائهم بآجالهم لَجاءَهُمُ الْعَذابُ أي عاجلا.
والمعنى: ولولا أجل قد سمّاه الله، وبيّنه في اللوح لعذابهم، والحكمة تقتضي تأخيره إلى ذلك الأجل المسمّى، لجاءهم العذاب عاجلا وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ العذاب في الأجل المسمى بَغْتَةً أي فجاءة وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ بوقت مجيئه
يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ أي يستعجلون العذاب وهو واقع بهم لا محالة
يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ فالنار تغشاهم وتغطّيهم، وتحيط بهم من كل جهاتهم، وهذا أبلغ في العذاب الحسي وَيَقُولُ الله تهديدا وتقريعا وتوبيخا، ليجتمع لهم العذاب الحسي والمعنوي ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أي جزاء أعمالكم.
كلمة في السياق:
١ - لاحظ صلة هذه الآيات بمقدّمة سورة البقرة:
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ. إنّ الآيات هنا ترينا كيف يفر الكافرون من الحجج إلى طلب العذاب، كما أنّها تبيّن لنا ماهيّة العذاب العظيم الذي سيحيق بأهل النّار وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ.
٢ - بعد أن بيّن الله في المجموعة الأولى من المقطع الثاني خسار أهل الباطل، بيّن في هذه الآيات الثلاث ماهيّة خسارهم وبيّن جهلهم إذ يستعجلون العذاب وهو آت وما أشدّه. فالصلة بين الآيات الثلاث الأخيرة، وما جاء قبلها مباشرة واضحة.
فلنر صلتها بسياق السورة.
بدأت السورة بقوله تعالى:
الم* أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ* وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ* أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ
стр. 3994
يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ.
إن مقدّمة السورة عرضت علينا ظنا خاطئا يمكن أن يقع فيه بعض المؤمنين.
وعرضت علينا ظنا خاطئا يقع فيه الكافرون، وسارت السورة كما رأينا حتى وصلت إلى الآيات الثلاث، لتعرض علينا كيف أنّ الكافرين يستعجلون بالعذاب الذي وعدوا به، وكيف أنّ هذا العذاب آت لا محالة. وفي ذلك درس لأهل الإيمان أن يتحمّلوا لأداء المحنة، لأنّها مهما كانت قاسية فعذاب الله في الآخرة أشدّ، وهكذا نجد أنّ هذه الآيات تؤدّي أكثر من دور في محلّها.
وإذ وصل السياق إلى ما وصل إليه، فإن آيات تأتي الآن تخاطب المؤمنين خطابا مباشرا، فيه إشارة إلى الهجرة، ومحلّ ذلك في سياق السورة التي تتحدث عن الامتحان لا يخفى؛ فالهجرة قد تكون فرض المحنة، أو أثرا عنها، وهي في نفسها نوع امتحان، إذا اضطر إليها المؤمنون. فلنر الآيات:
يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ. قال ابن كثير:
(هذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين بالهجرة من البلد الذي لا يقدرون فيه على إقامة الدين، إلى أرض الله الواسعة، حيث يمكن إقامة الدين، بأن يوحّدوا الله، ويعبدوه كما أمرهم). وقال النسفي: (يعني أن المؤمن إذا لم يتسهّل له العبادة في بلد هو فيه، ولم يتمشّ له أمر دينه، فليهاجر عنه إلى بلد يقدّر أنّه فيه أسلم قلبا، وأصحّ دينا، وأكثر عبادة ... ) فالمعنى: إنّ أرضي واسعة فإن لم تخلصوا العبادة لي في أرض، فأخلصوها في غيرها. وإن لم تستطيعوا العبادة في أرض، فهاجروا إلى أخرى
كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ أي واجدة مرارته وكربه كما يجد الذائق طعم المذوق، وهذا تشجيع للنفس على الهجرة، لأنّ النّفس إذا تيقنت بالموت سهل عليها مفارقة وطنها ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ بعد الموت للثواب والعقاب. قال ابن كثير في الآية: (أي أينما كنتم يدرككم الموت؛ فكونوا في طاعة الله، وحيث أمركم الله، فهو خير لكم، فإنّ الموت لا بدّ منه، ولا محيد عنه،
ثمّ إلى الله المرجع والمآب، فمن كان مطيعا له جازاه أفضل الجزاء، ووافاه أتمّ الثواب، ولهذا قال تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ أي لننزلنهم مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً أي منازل عالية في الجنة تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ على اختلاف أصنافها من ماء وخمر وعسل ولبن، يصرّفونها ويجرونها حيث شاءوا، كما قال ابن كثير خالِدِينَ فِيها أي ماكثين فيها
стр. 3995
أبدا نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ أي نعمت هذه الغرف أجرا على أعمال المؤمنين
الَّذِينَ صَبَرُوا على مفارقة الأوطان، وعلى أذى المشركين، وعلى المحن والمصائب، وعلى الطاعات، وعن المعاصي وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ في أحوالهم كلها، في دينهم ودنياهم، ولم يتوكّلوا في جميع ذلك إلا على الله.
كلمة في السياق:
١ - إنّ الكلام عن الهجرة في سياق هذه السورة التي تبدأ بالكلام عن الامتحان لتحقيق الإيمان واضح المدلول. فالمحنة المستمرة قد يحتاج أصحابها إلى الهجرة، وقد تكون مصلحة الدّعوة نفسها في الهجرة، ومن ثمّ فقد تحدث الله عنها هنا، وفتح الباب إليها، وشجّع عليها بما أعدّ لأهلها.
٢ - نلاحظ أنّ قوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ* الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ قد جاء في سياق التشجيع على الهجرة، غير أنّ الآيتين قد بدئتا بالواو التي تشير إلى العطف. وعلى هذا فإنّها معطوفة على أمثالها في سياق السورة.
٣ - بدأت السورة بقوله تعالى: الم* أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ* وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ* أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ (الآيات: ١ - ٤)
ثم جاء قوله تعالى: مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ* وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ* وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (الآيات: ٥ - ٧) ثم بعد آية ورد قوله تعالى:
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (الآية: ٩).
ثمّ جاء قوله تعالى (في الآية: ٥٨): وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ* الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ.
فهذا يشير إلى أن الآية الأخيرة معطوفة على ما قبلها، فهي وما قبلها ممّا عطفت
стр. 3996
عليه تحدّد خصائص أهل الإيمان الصادق، وتبشرهم وتبين لهم طريق النجاح في الامتحان. ويؤكّد هذا المعنى أنّ آخر آية في السورة هي:
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ لاحظ صلتها بالآية الخامسة وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ فالآية الأخيرة تحدّد طريق الهداية، وهي معطوفة على مثيلاتها في السورة، وهي ومثيلاتها تدل على الطريق.
ولنعد الآن إلى التفسير:
بعد أن تحدّثت السورة عن الهجرة، وشجّعت عليها ذكرت الصبر والتوكل، فهما زادا المهاجر الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. فالهجرة تحتاج إلى صبر، وتحتاج إلى توكل، ولمّا كان أهم ما يفكّر فيه المهاجر هو الرزق، فقد جاء الكلام عن الرزق في هذا السياق:
...
وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ أي وكم من دابة، والدابة: كل نفس دبت على وجه الأرض، عقلت أو لم تعقل لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا أي لا تطيق أن تحمله لضعفها عن حمله، أو لا تدّخره، وإنما تصبح فيرزقها الله اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ أي لا يرزق تلك الدوابّ الضعاف إلا الله، ولا يرزقكم أيضا أيها الأقوياء إلا هو، وإن كنتم مطيقين لحمل أرزاقكم وكسبها، لأنّه لو لم يقدّر كم ولم يقدّر لكم أسباب الكسب لكنتم أعجز من الدواب التي لا تحمل وَهُوَ السَّمِيعُ لأقوال عباده ومنها قولهم نخشى الفقر والعيلة الْعَلِيمُ بما في ضمائركم وحركاتكم وسكناتكم. قال النسفي في سبب نزول الآية: (لما أمر رسول الله ﷺ من أسلم من مكة بالهجرة خافوا الفقر والضيعة فنزلت) وكلام النسفي هذا يدل على ما ذهبنا إليه من أن ارتباط هذه الآيات بالذي قبلها من حيث صلة موضوع الرزق بموضوع الهجرة.
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ أي سألت هؤلاء المشركين مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ على ما هي عليه وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ أي ومن سخّر الشمس والقمر لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ أي فكيف يصرفون عن توحيد الله مع إقرارهم بهذا كله. والآية هذه- مع أنها تقيم الحجة على الكافرين الذين يضطهدون المسلمين حتى يضطروهم إلى الهجرة- فهي درس للمسلمين في قضية الرزق والتوكل على الله. فالله الذي خلق
стр. 3997
السموات والأرض، وسخّر الشمس والقمر، لا يعجزه أن يرزقكم أيها المهاجرون في سبيل الله؛ فتوكلوا عليه. والدليل على أن الآية فيها هذا المعنى ذكر الرزق في الآية اللاحقة
اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ أي يبسط لمن يشاء، ويضيّق على من يشاء إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فهو يعلم ما يصلح العباد وما يفسدهم. فإذا كان موضوع القبض والبسط بيد الله فعليه فليتوكّل عباده، وليطيعوا أمره
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ أي هم مقرون بذلك قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ شكرا له على نعمه، وعلى إنزاله الماء لإحياء الأرض، أو قل الحمد لله على أن رزقك أن تقرّ بنحو ما أقروا به، ثم نفعك ذلك في توحيد الله، ونفي الشركاء عنه، ولم يكن إقرارا عاطلا عن العمل كإقرار المشركين بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ أي لا يتدبرون بما فيهم من العقول فيما يريهم الله من الآيات، ويقيم عليهم من الدلالات
وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ اللهو: ما يتلذّذ به الإنسان فيلهيه ساعة، ثمّ ينقضي. وفي النّص إخبار من الله عن حقارة الدنيا وزوالها وانقضائها، وأنها لا دوام لها، وغاية ما فيها لهو ولعب وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ أي الحياة الدائمة الدوام الحق الذي لا زوال له ولا انقضاء، بل هي مستمرة أبد الآباد لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ولكن الكافر لا علم عنده إلا بظواهر الدنيا.
كلمة في السياق:
إن الآيات الأخيرة تؤدّي أكثر من غرض في سياقها. فهي تخدم قضية الهجرة في الكلام عن كون الله وحده هو الرزاق؛ فليطمئن المهاجر، وهي تخدم قضية الهجرة في كونها تلفت النظر إلى حقيقة الحياة الدنيا بالنسبة للآخرة، وهذا محلّها في السياق القريب، وأمّا محلّ الآيات في سياق السّورة: فمن حيث إنّ السورة تتحدّث عن كون الكافرين يفتنون المؤمنين ويؤذونهم فيسقط في الامتحان الكاذبون والمنافقون، لأسباب شتى، من جملتها الرزق، ومن جملتها العذاب، فالآيات هذه بينت أن الرزق بيد الله، وأن الدنيا كلها بجنب الآخرة لا تساوي شيئا. فلا تكن الدنيا أو الرزق عاملا من عوامل الفتنة. ولنعد إلى التفسير:
....
فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ أي مع أنّهم على ما وصفوا به من الشرك والعناد،
стр. 3998
فإذا ركبوا في السفينة دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ أي كائنين في صورة من يخلص الدين لله من المؤمنين، حيث لا يذكرون إلا الله، ولا يدعون معه إلها آخر فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ وأمنوا إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ أي عادوا إلى الشرك
لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا أي لكي يكفروا، ولكي يتمتعوا. والمعنى:
يعودون إلى شركهم ليكونوا بالعود إلى شركهم كافرين بنعمة النّجاة، قاصدين التمتّع بها، والتلذّذ لا غير، على خلاف عادة المؤمنين المخلصين؛ فإنّهم يشكرون نعمة الله إذا أنجاهم، ويجعلون نعمة النجاة ذريعة إلى ازدياد الطاعة، لا إلى التلذّذ والتّمتع فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ سوء تدبيرهم عند تدميرهم.
كلمة في السياق:
في هذه الآية إقامة حجة على المشركين من خلال موقف من مواقفهم وهم في ساعة اضطرار، كما أنّ في الآية تبكيتا لهم على تناقضهم، فالآية تضيف حجة جديدة إلى حجج التوحيد، لتصبّ في النّهاية في معنى سنراه:
...
أَوَلَمْ يَرَوْا أي المشركون أَنَّا جَعَلْنا مكة حَرَماً أي ممنوعا مصونا آمِناً أي يأمن داخله وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أي يستلبون قتلا وسبيا أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ أي أفبالشيطان والأصنام يؤمنون وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ أي وبرسول الله ﷺ وبما جاء به يكفرون!.
كلمة في السياق:
بدأ المقطع الثاني بقوله تعالى: اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ* وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ.
ثم جاءت مجموعة أولى بدئت بقوله تعالى: وَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ ....
وختمت بقوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ.
стр. 3999
ثم جاءت مجموعة ثانية بدئت بقوله تعالى:
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ ....
وختمت بقوله تعالى: أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ.
لاحظ التشابه بين الخاتمتين:
وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ.
أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ.
فالسياق كله يقوّي موضوع الإيمان ويقيم الحجج على صدق رسول الله ﷺ ، وعلى صحة نسبة هذا القرآن إلى الله تعالى، وعلى التوحيد. فإذ كان محور السورة يدور حول قضية الإيمان، فإن المقطع الثاني في مجموعتيه يقيم البرهان على ذلك، وحتى لا يغيب عن أحد ارتباط الإيمان الصادق بآثاره التي تحدث عنها المقطع الأول، فإنه في ثنايا المقطع الثاني وجد كلام مرتبط بآثار الإيمان الواردة في المقطع الأول، وهو ما رأيناه من كلام عن الهجرة والصبر والتوكل .. ، وهكذا نجد أنّ الوشائج التي تربط بين الآيات، والمجموعات، ومقطعي السورة، ومقدّمتها، كثيرة.
وقد بقيت عندنا آيتان من السورة هما خاتمة المقطع الثاني فلنر الآية الأولى منهما:
....
خاتمة المقطع الثاني
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أي لا أحد أظلم ممن كذب على الله؛ فقال إن الله أوحى إليه ولم يوح إليه شئ، ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله، ومن جعل لله شريكا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ أي بنبوة محمد ﷺ والكتاب لَمَّا جاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ هذا تقرير لمكوثهم في النار، يعني ألا يثوون فيها وقد افتروا مثل هذا التكذيب على الله، وكذّبوا بالحق مثل هذا التكذيب. أو المعنى:
ألم يصح عندهم أنّ في جهنم مثوى للكافرين حين اجترءوا مثل هذه الجراءة.
كلمة في السياق:
وهكذا حكم الله على أهل الباطل بأنهم أظلم الخلق، وأنّ جهنم مثوى لهم. والآية
стр. 4000
- كما ترى- تصل بسبب إلى قوله تعالى في المحور وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ (البقرة: ٤) إذ إنّها تبيّن أنّه لا يوجد أظلم ممّن لم يؤمن بالحق الذي أنزله الله على محمّد ﵊، كما أنّ قوله تعالى قبل ذلك:
وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ. يصل بسبب إلى قوله تعالى في مقدمة سورة البقرة: وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (البقرة: ٤) وقد بقيت معنا آية في السورة تربط مقدمة السورة بنهايتها، وتفصّل في المحور وهذه هي:
....
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا أي في حقنا ومن أجلنا ولوجهنا خالصا، وقد أطلق المجاهدة ليتناول كل ما تجب مجاهدته من النفس والشيطان وأعداء الدين لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا أي لنبصّرنّهم طرقنا في الدنيا والآخرة، أو لنزيدنّهم هداية إلى سبل الخير وتوفيقا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ بالنصرة والمعونة في الدنيا، وبالثواب والمغفرة في العقبى.
كلمة في السياق:
١ - بدأت مقدمة السورة بتصحيح تصورين: تصور المؤمنين في ظنهم أنّهم لا يبتلون، وتصور الكافرين في ظنهم أنهم لا يعاقبون. ثم جاء قوله تعالى:
مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ* وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ.
ثم سار السياق حتى ختمت السورة بهذه الآية التي ترينا الجزاء العاجل لمن جاهد في الله، وهكذا نجد أن أوائل السورة مرتبط بآخرها وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ. آية قالت للمؤمن: إنّ منفعة جهادك عائدة عليك، والآية الأخيرة تقول له: إذا جاهدت فإني سأمنحك وأعطيك وأنصرك، وهكذا بيّنت السورة أن الجهاد خلق المسلم، وأن الامتحان مرتبط بالإيمان، وأن الصبر هو علامة صدق المؤمن، قال ﵊ في الحديث الصحيح: «فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، ليس وراء ذلك من الإيمان حبّة خردل».
стр. 4001
٢ - رأينا أنّ سورة العنكبوت فصّلت في مقدمة سورة البقرة: ففصّلت في موضوع الإيمان بالغيب، وإقام الصلاة، والإيمان بما أنزل على رسول الله ﷺ ، وهذا كله قد رأيناه. والآن لنلاحظ ملاحظة أخيرة: لقد ختم الكلام عن المتقين في أوائل سورة البقرة بقوله تعالى: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (البقرة: ٥) ونلاحظ أنّ آخر آية في سورة العنكبوت كانت وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا لاحظ كلمة الهداية المشتركة بين آخر آية في سورة العنكبوت وآخر آية في الآيات التي وصفت المتقين في سورة البقرة.
إنّ آخر آية في سورة العنكبوت دلّتنا على أنّ الهداية تحتاج إلى مجاهدة. ومن هنا ندرك أنّ تفصيل سورة العنكبوت لمقدمة سورة البقرة تفصيل ذو طعم خاص، فإذا كانت الآيات هناك قد وصفت المتقين، فهذه السورة تضع قواعد وموازين وعلامات، وتبيّن حكما ومواصفات وضروريات للتحقق بالصفات.
ولا يفوتنا هنا أن نؤكد على التسلسل في السّورة في موضوع تفصيل آيات المحور، فالمقطع الأول فصّل في موضوع آثار الإيمان بالغيب، والمقطع الثاني فصّل في موضوع الصلاة والإيمان بالكتاب كله، وفي الطريق إلى الهداية، ولننقل الآن بعض ال فوائد حول المقطع الثاني:
فوائد:
١ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ]
بمناسبة قوله تعالى: وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ قال ابن كثير: (وقد جاء في الحديث من رواية عمران بن الحصين قال:
سئل النبي ﷺ عن قول الله: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ قال:
«من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، فلا صلاة له». وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد بها من الله إلا بعدا». وروى ابن جرير ... عن ابن عباس في قوله تعالى: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ قال: فمن لم تأمره صلاته بالمعروف، وتنهاه عن المنكر، لم يزدد بصلاته من الله إلا بعدا. فهذا موقوف. روى ابن جرير ... عن ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: «لا صلاة لمن لم يطع الصلاة» وطاعة الصلاة أن تنهاه عن الفحشاء والمنكر. قال ابن جرير: وقال سفيان قالُوا يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ قال: فقال سفيان: أي والله تأمره وتنهاه).
стр. 4002
٢ - [كلام ابن كثير والنسفي حول قوله تعالى وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وتعليق المؤلف على ذلك]
وبمناسبة قوله تعالى: وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ قال ابن كثير: (وقال علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ يقول: ولذكر الله لعباده أكبر إذا ذكروه من ذكرهم إياه. وكذا روى غير واحد عن ابن عباس وبه قال مجاهد وغيره: وروى ابن أبي حاتم عن رجل عن ابن عباس وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ قال: ذكر الله عند طعامك وعند منامك، قلت: فإن صاحبا لي في المنزل يقول غير الذي تقول، قال: وأي شئ يقول؟ قلت: قال: يقول الله تعالى فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ فلذكر الله إيانا أكبر من ذكرنا إياه، قال: صدق. وروى أيضا عن ابن عباس في قوله تعالى:
وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ قال: لها وجهان. قال: ذكر الله عند ما حزب. قال: وذكر الله إياكم أعظم من ذكركم إياه. وروى ابن جرير ... عن عبد الله بن ربيعة قال: قال لي ابن عباس هل تدري ما قوله تعالى: وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ؟ قال: قلت نعم. قال:
فما هو؟ قلت: التسبيح والتحميد والتكبير في الصلاة وقراءة القرآن ونحو ذلك، قال: لقد قلت قولا عجيبا، وما هو كذلك، ولكنّه إنّما يقول ذكر الله إياكم عند ما أمر به أو نهى عنه إذا ذكرتموه أكبر من ذكركم إيّاه. وقد روي هذا من غير وجه عن ابن عباس، وروي أيضا عن ابن مسعود، وأبي الدرداء، وسلمان الفارسي وغيرهم واختاره ابن جرير).
وقال النسفي: (أي والصلاة أكبر من غيرها من الطاعات، وإنما قال ولذكر الله؛ ليستقل بالتعليل كأنه قال: والصلاة أكبر لأنها ذكر الله، وعن ابن عباس ﵄ ولذكر الله إياكم برحمته أكبر من ذكركم إياه بطاعته، وقال ابن عطاء: ذكر الله لكم أكبر من ذكركم له الآن؛ لأن ذكره بلا علة، وذكركم مشوب بالعلل والأماني، ولأن ذكره لا يفنى، وذكركم لا يبقى، وقال سلمان: ذكر الله أكبر من كل شئ وأفضل، فقد قال ﵊: «ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير من إعطاء الذهب والفضة، وأن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟» قالوا وما ذاك يا رسول الله؟ قال: «ذكر الله». وسئل: أي الأعمال أفضل قال: «أن تفارق الدنيا ولسانك رطب بذكر الله» أو ذكر الله أكبر من أن تحويه أفهامكم وعقولكم، أو ذكر الله أكبر من أن تلقى معه معصية، أو ذكر الله أكبر في النهي عن الفحشاء والمنكر من غيره).
أقول: وإنني أميل إلى الظاهر في فهم الآية أن ذكر الله الدائم أثره في النهي
стр. 4003
عن الفحشاء والمنكر أكبر من كل شئ، والصلاة ذكر، وهي أعظم الذكر، فهي وحدها تستقل بالنهي عن الفحشاء والمنكر، والذكر معها يؤدّي إلى نتيجة أكبر، ولا يعني هذا أن الذكر بدون صلاة يؤدي دوره كاملا، لأن الله لا يقبل نافلة ما لم تؤدّ الفريضة.
٣ - [زاد المؤمن المجاهد هو تلاوة القرآن، والصلاة، والذكر]
قال تعالى: اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ إن هذه الآية في سياقها تفيد أن زاد المؤمن المجاهد تلاوة القرآن والصلاة والذكر، وأن زاد المؤمن في حياته تلاوة القرآن والصلاة والذكر، وأن هذه الثلاث زاده في محنته، ومن ثمّ فعلى المريّين أن يعوّدوا المسلم من لحظة الابتداء على تلاوة القرآن والصلاة والذكر، فلا يمر يوم بدون تلاوة قرآن، ولا يمر يوم إلا وقد أخذ القلب حظه من الصلاة، فرائضها، ونوافلها، ولا يمر يوم إلا وقد أقام المسلم فيه أوراده المأثورة، من استغفار، وصلاة على الرسول ﷺ ، وتهليل، وغير ذلك. وهو موضوع يعرف المسلم تفصيلاته من كتابنا (جند الله ثقافة وأخلاقا) وفي رسالة (المأثورات) للأستاذ البنا ما يشفي.
٤ - [كلام ابن كثير حول مجادلة أهل الكتاب وكيفيته وتعليق المؤلف على ذلك]
عند قوله تعالى: وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ. قال ابن كثير: (قال قتادة وغير واحد: هذه الآية منسوخة بآية السيف، ولم يبق معهم مجادلة، وإنما هو الإسلام أو الجزية أو السيف. وقال آخرون: بل هي باقية محكمة لمن أراد الاستبصار منهم في الدين؛ فيجادل بالتي هي أحسن ليكون أنجع فيه، كما قال تعالى: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ الآية.
[النحل: ١٢٥] وقال تعالى لموسى وهارون حين بعثهما إلى فرعون: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى [طه: ٤٤]. وهذا القول اختاره ابن جرير وحكاه عن ابن زيد وقوله تعالى: إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ أي حادوا عن وجه الحق، وعموا عن واضح المحجّة، وعاندوا وكابروا، فحينئذ ينتقل من الجدال إلى الجلاد، ويقاتلون بما يمنعهم ويردعهم. قال الله : لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ إلى قوله: إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحديد: ٢٥]. قال جابر: أمرنا من خالف كتاب الله أن نضربه بالسيف. قال مجاهد إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ: يعني أهل
стр. 4004
الحرب، ومن امتنع منهم من أداء الجزية. وقوله تعالى: وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ يعني إذا أخبروا بما لا نعلم صدقه ولا كذبه فهذا لا نقدم على تكذيبه، لأنه قد يكون حقا، ولا تصديقه فلعله أن يكون باطلا، ولكن نؤمن به إيمانا مجملا، معلّقا على شرط، وهو أن يكون منزلا لا مبدّلا ولا مؤوّلا. روى البخاري ﵀ ... عن أبي هريرة ﵁ قال: كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية، ويفسّرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : «لا تصدّقوا أهل الكتاب ولا تكذّبوهم، وقولوا آمنّا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم، وإلهنا وإلهكم واحد، ونحن له مسلمون». وهذا الحديث تفرّد به البخاري. روى الإمام أحمد ...
عن أبي نملة الأنصاري أنه بينا هو جالس عند رسول الله ﷺ جاءه رجل من اليهود فقال: يا محمد هل تتكلم هذه الجنازة؟ فقال رسول الله ﷺ : «الله أعلم» قال اليهودي: أنا أشهد أنها تتكلم، فقال رسول الله ﷺ : «إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدّقوهم ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله وكتبه ورسله، فإن كان حقا لم تكذّبوهم، وإن كان باطلا لم تصدّقوهم». (قال ابن كثير): وأبو نملة هذا هو عمارة، وقيل عمار، وقيل عمرو بن معاذ بن زرارة الأنصاري ﵁. ثم ليعلم أن أكثر ما يتحدثون به غالبه كذب وبهتان، لأنه قد دخله تحريف، وتبديل، وتغيير، وتأويل، وما أقل الصدق فيه، ثم ما أقل فائدة كثير منه، لو كان صحيحا.
روى ابن جرير ... عن ابن مسعود قال: لا تسألوا أهل الكتاب عن شئ؛ فإنّهم لن يهدوكم وقد ضلّوا، إما أن تكذّبوا بحقّ، أو تصدقوا بباطل، فإنه ليس أحد من أهل الكتاب إلا وفي قلبه تالية (أي بقية) تدعوه إلى دينه كتالية المال، وروى البخاري ...
عن ابن عباس قال: كيف تسألون أهل الكتاب عن شئ وكتابكم الذي أنزل إليكم على رسول الله ﷺ أحدث، تقرءونه محضا لم يشب، وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدّلوا وغيّروا، وكتبوا بأيديهم الكتاب، وقالوا: هو من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا؟
ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم؟ لا والله ما رأينا منهم رجلا يسألكم عن الذي أنزل عليكم. وروى البخاري وأبو اليمان ... عن حميد بن عبد الرحمن أنّه سمع معاوية يحدّث رهطا من قريش بالمدينة وذكر كعب الأحبار فقال: إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب، وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب.
قال ابن كثير: (معناه أن يقع منه الكذب لغة من غير قصد، لأنّه يحدّث عن صحف هو يحسن بها الظن، وفيها أشياء موضوعة ومكذوبة، لأنهم لم يكن في ملتهم
стр. 4005
حفّاظ متقنون كهذه الأمة العظيمة، ومع ذلك، وقرب العهد، وضعت أحاديث كثيرة في هذه الأمة لا يعلمها إلا الله ، ومن منحه الله تعالى علما بذلك كل بحسبه. ولله الحمد والمنّة).
أقول: بعد إذ فهمنا نقول ابن كثير فإنني أرجّح أنّ الآية غير منسوخة لأن الجدال بيننا وبين أهل الكتاب لا تنقطع صوره إلى نزول عيسى بن مريم، فقد يصادف المسلم ذميا يحاوره، وقد يسافر المسلم إلى ديار الكفر فيحاورونه، ففي الآية توجيه دائم للمسلم في كل العصور وتعريف له على أدب الجدال مع أهل الكتاب.
٥ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ .. ]
بمناسبة قوله تعالى: وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ قال ابن كثير: (ومن زعم من متأخري الفقهاء- كالقاضي أبي الوليد الباجي ومن تابعه- أنّه ﵊ كتب يوم الحديبية: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله فإنما حمله على ذلك رواية في صحيح البخاري: ثم أخذ فكتب. وهذه محمولة على الرواية الأخرى: ثم أمر فكتب. ولهذا اشتدّ النكير من فقهاء المشرق والمغرب على من قال بقول الباجي، وتبرءوا منه، وأنشدوا في ذلك أقوالا، وخطبوا به في محافلهم. وإنما أراد الرجل- أعني الباجي- فيما يظهر عنه أنه كتب ذلك على وجه المعجزة، لا أنه كان يحسن الكتابة، كما قال رسول الله ﷺ إخبارا عن الدجال:
«مكتوب بين عينيه كافر»، وفي رواية: «ك ف ر، يقرؤها كل مؤمن» وما أورده بعضهم من الحديث أنه لم يمت ﷺ حتى تعلّم الكتابة فضعيف لا أصل له).
٦ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ]
بمناسبة قوله تعالى: بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ قال ابن كثير: (أي هذا القرآن آيات بيّنة واضحة في الدلالة على الحقّ، أمرا ونهيا وخبرا، يحفظه العلماء، يسّره الله عليهم حفظا وتلاوة وتفسيرا، كما قال تعالى:
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر: ١٧] وقال رسول الله ﷺ : «ما من نبي إلا وقد أعطي ما آمن على مثله البشر، وإنّما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا» وفي حديث عياض بن حمّاد في صحيح مسلم: يقول الله تعالى: «إنّي مبتليك ومبتل بك، ومنزّل عليك كتابا لا يغسله الماء، تقرؤه نائما ويقظانا» أي لو غسل الماء المحلّ المكتوب فيه لما احتيج إلى ذلك المحلّ، لأنّه قد جاء في الحديث الآخر: «لو كان القرآن في إهاب ما أحرقته النار» ولأنه محفوظ في الصدور، ميسّر على الألسنة، مهيمن على القلوب، معجز لفظا
стр. 4006
ومعنى، ولهذا جاء في الكتب المتقدمة في صفة هذه الأمة: (أناجيلهم في صدورهم). واختار ابن جرير أن المعنى في قوله تعالى: بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ بل العلم بأنك ما كنت تتلو من قبل هذا الكتاب كتابا، ولا تخطّه بيمينك، آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب، ونقله عن قتادة وابن جرير وحكى الأول عن الحسن البصري فقط. (قال ابن كثير) وهو الذي رواه العوفي عن ابن عباس وقاله الضحاك وهو الأظهر والله أعلم).
٧ - [كلام ابن كثير والألوسي بمناسبة آية أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ .. ]
بمناسبة قوله تعالى: أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ ذكر ابن كثير الحديث الذي رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم عن رسول الله ﷺ : «ما من الأنبياء من نبي، إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة». وعند الآية نفسها قال الألوسي:
(وأخرج عبد الرزاق. والبيهقي أيضا عن أبي قلابة أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه مرّ برجل يقرأ كتابا فاستمعه ساعة فاستحسنه، فقال للرجل: اكتب لي من هذا الكتاب، قال: نعم فاشترى أديما فهيأه، ثم جاء به إليه فنسخ له في ظهره وبطنه، ثم أتى النبي صلّى الله تعالى عليه وسلم، فجعل يقرؤه عليه، وجعل وجه رسول الله ﷺ يتلوّن، فضرب رجل من الأنصار الكتاب وقال: ثكلتك أمك يا ابن الخطاب، ألا ترى وجه رسول الله ﷺ منذ اليوم وأنت تقرأ عليه هذا الكتاب، فقال النبي صلّى الله تعالى عليه وسلم عند ذلك: «إنما بعثت فاتحا وخاتما، وأعطيت جوامع الكلم وخواتمه، واختصر لي الحديث اختصارا، فلا يهلكنكم المتهوكون» أي الواقعون في كل أمر بغير رويّة، وقيل: المتحيرون، إلى ذلك من الأخبار، وحقق بعضهم أن المنع إنما هو عند خوف فساد في الدين، وذلك مما لا شبهة فيه فيه في صدر الإسلام، وعليه تحمل الأخبار، وقد تقدم الكلام في ذلك فتذكر).
٨ - [تفسير غريب لآية وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ ورد ابن كثير على ذلك]
بمناسبة قوله تعالى: وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ يذكر ابن كثير:
أن بعض المفسرين يذكرون أن البحر هو جهنم، أي ستكون مكانه جهنم؛ ويستشهد على هذا بحديث يردّه ابن كثير ويردّ معه هذا التفسير يقول: هذا تفسير غريب وحديث غريب جدا.
٩ - [الأمر بالهجرة من البلد التي لا يقدر المؤمن فيها على إقامة الدين بمناسبة الآية (٥٦)]
بمناسبة قوله تعالى: يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ
стр. 4007
فَاعْبُدُونِ قال ابن كثير: (هذا أمر من الله لعباده المؤمنين بالهجرة من البلد الذي لا يقدرون فيه على إقامة الدين، إلى أرض الله الواسعة، حيث يمكن إقامة الدين، بأن يوحّدوا الله ويعبدوه كما أمرهم. ولهذا قال تعالى: يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ. روى الإمام أحمد ... عن أبي يحيى مولى الزبير ابن العوام قال: قال رسول الله ﷺ : «البلاد بلاد الله، والعباد عباد الله. فحيثما أصبت خيرا فأقم». ولهذا لما ضاق على المستضعفين بمكة مقامهم بها خرجوا مهاجرين إلى أرض الحبشة؛ ليأمنوا على دينهم هناك، فوجدوا خير المنزلين هناك أصحمة النجاشي ملك الحبشة رحمه الله تعالى، فآواهم وأيّدهم بنصره، وجعلهم سيوما ببلاده، ثم بعد ذلك هاجر رسول الله ﷺ والصحابة الباقون إلى المدينة النبوية يثرب المطهرة).
١٠ - [حديث بمناسبة قوله تعالى لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً]
بمناسبة قوله تعالى: لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً قال ابن كثير: (روى ابن أبي حاتم ... عن أبي مالك الأشعري أن رسول الله ﷺ حدّثه: «أنّ في الجنّة غرفا يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها. أعدّها الله تعالى، لمن أطعم الطعام، وأطاب الكلام، وتابع الصلاة والصيام، وقام بالليل والناس نيام»).
١١ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا .. ]
بمناسبة قوله تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ قال ابن كثير: (وقد قال الشافعي في جملة كلام له في الأوامر: كقول النبي ﷺ : «سافروا تصحوا وترزقوا» روى البيهقي ... عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «سافروا تصحوا وتغنموا» قال: ورويناه عن ابن عباس. وقال الإمام أحمد ... عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «سافروا تربحوا، وصوموا تصحوا، واغزوا تغنموا» وقد ورد مثل حديث ابن عمر عن ابن عباس مرفوعا، وعن معاذ بن جبل موقوفا، وفي لفظ: «سافروا مع ذوي الجد والميسرة». قال:
ورويناه عن ابن عباس).
١٢ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ .. ]
بمناسبة قوله تعالى: فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ قال ابن كثير: (وقد ذكر محمد بن إسحاق، عن عكرمة بن أبي جهل، أنه لما فتح رسول الله ﷺ مكة ذهب فارّا منها. فلما ركب في البحر ليذهب إلى الحبشة اضطربت بهم السفينة، فقال أهلها: يا قوم أخلصوا لربكم الدعاء؛ فإنه لا ينجي هاهنا إلا هو. فقال عكرمة: والله لئن كان لا ينجي في البحر غيره، فإنه لا ينجي في البرّ أيضا غيره، اللهم لك عليّ عهد لئن خرجت لأذهبن فلأضعنّ يدي في يد محمد
стр. 4008
فلأجدنّه رءوفا رحيما، فكان كذلك).
١٣ - [كلام ابن كثير والنسفي والمؤلف حول آية وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا]
عند قوله تعالى: وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا قال ابن كثير: (وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا يعني الرسول ﷺ وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا أي لنبصّرنّهم سبلنا، أي طرقنا في الدنيا والآخرة. روى ابن أبي حاتم ... عن عباس الهمداني أبو أحمد من أهل عكاء في قول الله تعالى:
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ قال: الذين يعملون بما يعلمون، يهديهم الله لما لا يعلمون، قال أحمد بن أبي الحواري فحدثت به أبا سليمان الداراني فأعجبه وقال: ليس ينبغي لمن ألهم شيئا من الخير أن يعمل به حتى يسمعه في الأثر، فإذا سمعه في الأثر عمل به، وحمد الله حتى وافق ما في قلبه).
وقال النسفي: (وعن الداراني: والذين جاهدوا فيما علموا لنهدينهم إلى ما لم يعلموا، فقد قيل: من عمل بما علم وفق لما لا يعلم. وقيل: إن الذي نرى من جهلنا بما لا نعلم إنما هو لتقصيرنا فيما نعلم. وعن فضيل: والذين جاهدوا في طلب العلم لنهدينهم سبل العمل به. وعن سهل: والذين جاهدوا في إقامة السنة لنهدينهم سبل الجنة. وعن ابن عطاء: جاهدوا في رضانا لنهدينهم الوصول إلى محل الرضوان، وعن ابن عباس: جاهدوا في طاعتنا لنهدينهم سبل ثوابنا، وعن الجنيد:
جاهدوا في التوبة لنهدينهم سبل الإخلاص، أو جاهدوا في خدمتنا لنفتحن عليهم سبل المناجاة معنا، والأنس بنا، أو جاهدوا في طلبنا تحرّيا لرضانا لنهدينهم سبل الوصول إلينا).
أقول: إن من فهم هذه الآية في محلها وسياقها، وعرف معناها، وعمل بمقتضاها، حصّل خيرا كثيرا. وتأمّل فيما يأتي:
قال رسول الله ﷺ في الحديث الحسن: «والمجاهد من جاهد نفسه في ذات الله» وجهاد النفس: حملها على أمر الله في كل شئ. ومن ذلك جهاد الشيطان، وجهاد العدو. والآية تبيّن أن من جاهد في ذات الله هداه الله إلى سبله الموصّلة إليه. ليكن هذا منك على ذكر، وامض معي.
قال تعالى في سورة القتال: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ (الآية: ١٧) إن هذه الآية تبيّن أنّ التقوى منحة من الله ومكافأة منه للعبد على اهتدائه.
اجمع بين هذه الآية والآية السابقة تكون النتيجة: التقوى تأتي بعد الهداية، والهداية تأتي كأثر
стр. 4009
عن المجاهدة، فالطريق إذن مجاهدة، يكافئ الله عليها بهداية. وهداية يكافئ الله عليها بتقوى، فنقطة البداية إذن مجاهدة النفس، ولا شك أنّ ممّا يعين على مجاهدة النفس تلاوة القرآن، والصلاة، والذكر. قال ﵊ لمن سأله مرافقته في الجنة: «أعني على نفسك بكثرة السجود» وكثرة السجود تعني كثرة الصلاة، وكثرة الصلاة تعني كثرة الذكر، وقراءة القرآن.
تأمّل معي الآن مقدمة سورة البقرة:
الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ* وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ* أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.
ألست تجد في هذه الآيات وصفا للتقوى وأهلها وأركانها؟
فإذا كان الأمر كذلك، وكان الطريق إلى التقوى هو مجاهدة النفس كما رأينا، فإنّ ذلك وحده كاف للتدليل على مجموعة أمور:
١ - على صلة سورة العنكبوت بالآيات الأولى من سورة البقرة.
٢ - وعلى أنّ سورة العنكبوت تعتبر درسا في موضوع التحقق بالتقوى. ولعلّك بذلك تدرك مظهرا من مظاهر الكمال في هذا القرآن وسرا من أسرار الإعجاز.
وبمناسبة الكلام عن آية المجاهدة نقول: إن ختم الآية بقوله تعالى: وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ يفيد أنه بقدر ما يكون الإحسان يكون التوفيق والفتح والهداية.
١٤ - [كلام المؤلف حول الصلة بين آية المجاهدة وبين موضوعات سورة العنكبوت الأخرى]
سورة العنكبوت مكية، والجهاد المفروض في مكة هو جهاد النفس وجهاد الكافرين باللسان، ثم فرض الله الجهاد باليد في المدينة، والملاحظ أن كلمة الجهاد التي وردت مرّتين في سورة العنكبوت لم تقيّد بنوع من أنواع الجهاد. ممّا يشير إلى أنّ كلّ ما يدخله الله تحت كلمة الجهاد يدخل في ذلك، ولكن تبقى مجاهدة النفس هي المراد الأول في الآية، ولا شك أن الجهاد باليد هو نوع من مجاهدة النفس إذ إنّ حمل النفس على الموت في سبيل الله من أعظم أنواع المجاهدة، ومن هذا ندرك أنّ المؤمن لا يصدق في إيمانه إلا بجهاد: للنفس وللشيطان ولأعداء الله، وهذا الذي يدل عليه الحديث الصحيح: «ما من نبي بعثه الله في أمّة قبلي إلا كان له من أمّته حواريون
стр. 4010
وأصحاب يأخذون بسنّته، ويقتدون بأمره، ثمّ إنّها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» أخرجه مسلم عن ابن مسعود.
كلمة أخيرة في سورة العنكبوت:
رأينا من خلال عرضنا للسورة أن السورة تفصّل قوله تعالى من سورة البقرة: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ* وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ* أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (البقرة: ١ - ٤) وكان تفصيلها أن فصّلت في لوازم الإيمان بالغيب فذكرت:
الامتحان، ورجاء لقاء الله، والجهاد، والعمل الصالح، وبر الوالدين، والصبر على الأذى، وعدم الخضوع لتأثيرات الكافرين.
وفصّلت في لوازم الإيمان بالكتب السماوية كلها فذكرت:
عدم مجادلة أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن.
وفصّلت في الطريق لتحقيق الإيمان الصادق، وتحقيق التقوى: فذكرت تلاوة القرآن، وإقامة الصلاة، والذكر، والعمل الصالح، والصبر، والتوكل، والمجاهدة، والإحسان.
وفصّلت في إقامة الحجّة على أنّ هذا القرآن من عند الله.
وفصّلت في تبيان نعم الله، وما تقتضيه في موازين الإيمان، ورسمت الطريق لتحقيق الإيمان ابتداء بالجهاد، وتوسطا بالصبر، وانتهاء بالهجرة والصبر والتوكل.
...
وكما فصّلت في صفات المتقين فصّلت في ما يقابل ذلك من الكفر، والنفاق، وهي المواضيع التي تحدّثت عنها مقدمة سورة البقرة.
فعرفنا علامة النفاق، وعرفنا بعض لوازم الكفر وآثاره.
стр. 4011
وعرفنا بعض ما أعدّ الله للمؤمنين، وبعض ما أعدّ للكافرين.
وعرفنا الفارق الكبير بين ما يركن إليه أهل الإيمان، وبين ما يركن إليه أهل الكفر:
مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ.
...
هذه المعاني وغيرها موجودة في سورة العنكبوت، وهي نوع تفصيل لمقدمة سورة البقرة، وسورة العنكبوت هي واحدة من أربع سور في هذه المجموعة كلها مبدوء ب الم وهذه السور الأربع كلّها تفصّل في مقدمة سورة البقرة، وكل منها يفصّل في هذه المقدمة تفصيلا يكمّل تفصيل الآخر؛ فسورة العنكبوت فصّلت في موضوع لوازم الإيمان بالغيب، والكتاب، بشكل أخصّ. وسنرى أنّ سورة الروم تفصّل في موضوع الإيمان باليوم الآخر بشكل أخص. وهكذا كل سورة من هذه السور الأربع. وقد رأينا من قبل أن سورتا طه والأنبياء فصّلتا مقدمة سورة البقرة. ومن قبل رأينا سورة يونس فصّلت في مقدمة سورة البقرة. ومن قبلها رأينا سورة آل عمران فصّلت في مقدمة سورة البقرة، وكل منها فصّل في هذه المقدمة تفصيلا يكمّل تفصيل الآخر.
إن هذا الترابط والتناسق والتكامل والصلة والوحدة في هذا القرآن لكاف في أن يعرف الإنسان استحالة كون هذا الكتاب من عند بشر. فكيف إذا كان هذا واحدا من آلاف من مظاهر الإعجاز في هذا القرآن؟ نسأل الله ألا يضلّنا، ونسأله أن يفتح علينا في فهم كتابه، وأن يتوفانا على الإيمان، ويدخلنا الجنة، ويزحزحنا عن النار، ويغفر ويستر.
...
إن سورة العنكبوت عالجت أهم قضيتين يخطئ الناس فيهما:
القضية الأولى: أن الإيمان لا يرافقه امتحان وهو فهم خاطئ لا زلنا نراه عند بني الإنسان، إذ يظنّون أن الدخول في الإسلام لا يرافقه خوف ولا أذى، ولا تقتير
стр. 4012
رزق، ولا غير ذلك من معاني الابتلاء. بل إنّ بعض الناس يعتبرون وجود مثل هذه الأشياء علامة على الخطأ في السير، فما أكثر جهلهم؟ لقد بيّنت السورة خطأ هذا التصور وعالجته.
القضية الثانية: ظن الكافر أنّه يفوت الله، فلا يناله عقابه في دنيا، أو في أخرى ومعالجة هذه القضية لها صلة بمعالجة القضية الأولى لأنّه قد يقول قائل: ما دمت إذا دخلت في الإسلام فسأمتحن، وسأعذّب، وسأوذى، وسيسلّط الله عليّ، فلأبق على الكفر، ومن ثمّ بيّن الله أن ابتلاء الله للمؤمنين في الدنيا أهون بكثير من عقاب الله للكافرين في الدنيا والآخرة.
لقد عالجت السورة هاتين القضيتين في سياقها الخاص معالجة كاملة إن في العرض أو في ذكر الأمثلة، أو في الدلالة على الطريق والعمل. ولقد غفل الناس في عصرنا عن كثير من مضامين هذه السورة. فبدلا من أن يعتبروا الامتحان ظاهرة عاديّة أصبحوا يعتبرون الامتحان علامة خطأ على السير، وصاروا ينافقون فرارا من الامتحان مقلّدين إخوانهم المنافقين الأوّلين، بل إنّ بعض أولئك نافقوا عند الإيذاء، وبعض هؤلاء ينافق قبل وجود الإيذاء، ثمّ إنّ هناك غفلة عند الكثيرين عن التحقّق في المعاني التي تعرّضت لها السورة، والتي هي زاد الطريق من المجاهدة، وبر الوالدين في غير معصية، والهجرة، والصبر، والتوكل، والجمع بين تلاوة القرآن والذكر، وإقام الصلاة، والحذر من الدعوات الكافرة وأهلها.
....
ونحب هنا أن نؤكّد على ناحية ذكرناها أثناء التفسير وهي أنّ على المربي أن يبدأ بالعلم، وأن يركّز في الابتداء على التلاوة، والصلاة، والذكر، والتركيز على التلاوة يقتضي تعليم علم التجويد، والتركيز على الصلاة يقتضي تعليم فقهها، والتركيز على الذكر يقتضي دراسة الأذكار المسنونة. كما يقتضي إيجاد الأجواء المناسبة، والبيئة المناسبة التي تجعل مريد وجه الله ينصهر في هذه الأشياء الثلاثة، إنّنا إذا صهرنا المسلم في لحظة إقباله بهذه المعاني الثلاثة نكون قد وضعناه في طريق الجنة بإذن الله.
....
إنّ قضية الإيمان هي أغلى القضايا وأعظمها، وسورة العنكبوت فصّلت في هذه
стр. 4013
القضية في سياقها الرئيسي، وركزتها لتكون مدخلا إلى السورة التي تأتي بعدها، ولتكون أساسا لها، ومن ثمّ فإنك تلاحظ أن سورة العنكبوت تحدّثت في بدايتها عن
الامتحان والإيذاء. وقالت: وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ وهذه سورة الروم تقول في بدايتها يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وفي أواخرها وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ومن هذه الملاحظة نعرف كيف تكمّل السور الأربع المبدوءة ب (الم) في هذه المجموعة بعضها، وكيف أنها كلها تصبّ في مصبّ واحد، وتفصّل مقاما واحدا هو مقدّمة سورة البقرة.
***
стр. 4014
سورة الرّوم
وهي السّورة الثلاثون بحسب الرّسم القرآني وهي السّورة الثانية من المجموعة الأولى من قسم المثاني، وآياتها ستّون آية وهي مكيّة
وهي السّورة الثانية من زمرة (الم) في قسم المثاني
стр. 4015
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله وآله وأصحابه ربّنا تقبّل منّا، إنّك أنت السّميع العليم
стр. 4016
قال الألوسي ﵀ في تقديمه لسورة الروم:
(مكية، كما روي عن ابن عباس، وابن الزبير رضي الله تعالى عنهم، بل قال ابن عطية، وغيره: لا خلاف في مكيتها، ولم يستثنوا منها شيئا، وقال الحسن:
هي مكية إلا قوله تعالى: فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ الآية، وهو خلاف مذهب الجمهور، والتفسير المرضي كما سيأتي إن شاء الله تعالى بيانه. وآيها ستون، وعند بعض تسع وخمسون. ووجه اتصالها بالسورة السابقة على ما قاله الجلال السيوطي أنها ختمت بقوله تعالى: وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وافتتحت هذه بوعد من غلب من أهل الكتاب بالغلبة والنصر، وفرح المؤمنين بذلك، وأن الدولة لأهل الجهاد فيه، ولا يضرهم ما وقع لهم من قبل ذلك من هزيمة، هذا مع تواخيها لما قبلها في الافتتاح ب (الم) ولا يخفى أن قتال أهل الكتاب ليس من المجاهدة في الله ، وبذلك تضعف المناسبة، ومن وقف على أخبار سبب النزول ظهر له أن ما افتتحت به هذه السورة متضمنا نصرة المؤمنين بدفع شماتة أعدائهم المشركين، وهم لم يزالوا مجاهدين في الله تعالى ولأجله ولوجهه ، ولا يضر عدم جهادهم بالسيف عند النزول، وهذا في المناسبة أوجه فيما أرى من الوجه الذي ذكره الجلال. فتأمل).
وقال صاحب الظلال في تقديمه للسورة:
(نزلت الآيات الأولى من هذه السورة بمناسبة معيّنة. ذلك حين غلبت فارس على الروم فيما كانت تضع يدها من جزيرة العرب. وكان ذلك في إبان احتدام الجدل حول العقيدة بين المسلمين السابقين إلى الإسلام في مكة قبل الهجرة والمشركين .. ولما كان الروم في ذلك الوقت أهل كتاب، دينهم النصرانية، وكان الفرس غير موحّدين، ديانتهم المجوسية، فقد وجد المشركون من أهل مكة في الحادث فرصة لاستعلاء عقيدة الشرك على عقيدة التوحيد، وفألا بانتصار ملة الكفر على ملة الإيمان.
ومن ثمّ نزلت الآيات الأولى من هذه السورة تبشّر بغلبة أهل الكتاب من الروم في بضع سنين غلبة يفرح لها المؤمنون، الذين يودّون انتصار ملّة الإيمان من كل دين.
ولكن القرآن لم يقف بالمسلمين وخصومهم عند هذا الوعد، ولا في حدود ذلك الحادث. إنما كانت هذه مناسبة لينطلق بهم إلى آفاق أبعد وآماد أوسع من ذلك الحادث الموقوت، وليصلهم بالكون كله، وليربط بين سنة الله في نصر العقيدة السماوية والحق
стр. 4017
الكبير الذي قامت عليه السماوات والأرض وما بينهما، وليصل بين ماضي البشرية وحاضرها ومستقبلها. ثم يستطرد بها إلى الحياة الأخرى بعد هذه الحياة الدنيا، وإلى العالم الآخر بعد عالم الأرض المحدود. ثم يطوف بهم في مشاهد الكون، وفي أغوار النفس، وفي أحوال البشر، وفي عجائب الفطر .. فإذا هم في ذلك المحيط الهائل الضخم الرحيب يطّلعون على آفاق من المعرفة ترفع حياتهم وتطلقها، وتوسع آمادها وأهدافها، وتخرجهم من تلك العزلة الضيقة. عزلة المكان والزمان والحادث.
إلى فسحة الكون كله: ماضيه وحاضره ومستقبله، وإلى نواميس الكون وسننه وروابطه.
ومن ثمّ يرتفع تصورهم لحقيقة الارتباطات وحقيقة العلاقات في هذا الكون الكبير. ويشعرون بضخامة النواميس التي تحكم هذا الكون، وتحكم فطرة البشر، ودقة السنن التي تصرّف حياة الناس وأحداث الحياة، وتحدد مواضع النصر ومواضع الهزيمة، وعدالة الموازين التي تقدّر بها أعمال الخلق، ويقوّم بها نشاطهم في هذه الأرض، ويلقون على أساسها الجزاء في الدنيا والآخرة.
وفي ظل ذلك التصوّر المرتفع الواسع الشامل تتكشف عالمية هذه الدعوة وارتباطها بأوضاع العالم كله من حولها- حتى وهي ناشئة في مكة محصورة بين شعابها وجبالها- ويتسع مجالها فلا تعود مرتبطة بهذه الأرض وحدها، إنما هي مرتبطة كذلك بفطرة هذا الكون ونواميسه الكبرى، وفطرة النفس البشرية وأطوارها، وماضي هذه البشرية ومستقبلها. لا على هذه الأرض وحدها، ولكن كذلك في العالم الآخر الوثيق الصلة بها والارتباط.
وكذلك يرتبط قلب المسلم بتلك الآفاق والآماد؛ ويتكيف على ضوئها شعوره وتصوره للحياة والقيم؛ ويتطلع إلى السماء والآخرة؛ ويتلفت حواليه على العجائب والأسرار، وخلفه وقدامه على الحوادث والمصائر. ويدرك موقفه هو وموقف أمته في ذلك الخضم الهائل؛ ويعرف قيمته هو وقيمة عقيدته في حساب الناس وحساب
الله، فيؤدّي حينئذ دوره على بصيرة، وينهض بتكاليفه في ثقة وطمأنينة واهتمام).
كلمة في سورة الروم ومحورها:
قلنا إن محور السور الأربع: (العنكبوت، والروم، ولقمان، والسجدة)
стр. 4018
هو مقدمة سورة البقرة، وقلنا: إنّ كلّا من هذه السور تفصّل في المقدمة تفصيلا، يكمّل بعضه بعضا. وقلنا: إنّ سورة العنكبوت فصّلت في موضوع الإيمان بالغيب وآثاره، وموضوع الإيمان بالكتاب، ولم تتوسّع في موضوع الإيمان باليوم الآخر، وهاهنا نلاحظ أنّ السياق الرئيسي لسورة الروم يكاد يكون منصبّا على موضوع اليوم الآخر.
فالآية (٧) تقول: يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ والآية (١٢) تقول: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ والآية (١٤) تقول: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ. والآية (٥٥) تقول: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ.
وتتحدث السورة عن الله بما يذكّر بالآخرة:
فالآية (١١) تقول: اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.
والآية (٢٧) تقول: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
والآية (٤٠) تقول: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ.
والآية (٥٠) تقول: فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
ولاحظ الآن هذه الملاحظة: وهي أن الآيات التي وصفت المتقين من سورة البقرة قالت في جملة ما قالت: وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ.
وهذه آخر آية في سورة الروم تقول:
وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ. لاحظ كلمة (يوقنون) في المكانين.
....
فالسورة تكمّل سورة العنكبوت وتفصّل بشكل أخص من مقدمة سورة البقرة ما لم تتوسع فيه سورة العنكبوت في تفصيلها لهذه المقدمة.
....
стр. 4019
ومن الملاحظ أن هناك شبها بين آخر آية في سورة يونس التي فصّلت كذلك في مقدمة سورة البقرة وبين آخر آية في سورة الروم.
فآخر آية في سورة يونس هي: وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ.
وآخر آية في سورة الروم: فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ.
وهذا يؤكّد أن طريقتنا في فهم الوحدة القرآنية والسياق القرآني صحيحة. فليس في كلامنا في هذا الشأن افتئاتا على القرآن بغير علم بل هو شئ تقودنا إليه المعاني.
...
قلنا أثناء الكلام عن سورة العنكبوت: إن سورة العنكبوت فصّلت بشكل أخص قوله تعالى من مقدمة سورة البقرة:
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ ....
وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ.
وهاهنا نقول:
إنّ سورة الروم تفصّل بشكل أخص قوله تعالى من مقدّمة سورة البقرة:
وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ* أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.
لاحظ أنّ في الآية الأخيرة من مقدمة سورة البقرة وعدا هو:
وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.
ولاحظ أنّ آخر آية في سورة الروم فيها ذكر للوعد:
فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ.
...
إنّ من عجائب القرآن ما ورد في بداية سورة الروم، فإنّ فيها وعدا أن ينصر الله الروم على الفرس وهو وعد قد تحقق بعد نزول السورة بفترة، وقد دلّل الله عزّ وجل
стр. 4020
على وقوع وعده هذا بوقوع وعده في اليوم الآخر. ثم سار السياق للتدليل على اليوم الآخر، ومن ثمّ نجد في بداية السورة:
وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ* يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ.
وتختم السورة بقوله تعالى:
فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ. ومن عرف هذه النقطة فقد أدرك السياق الرئيسي لسورة الروم.
...
ولا نريد أن نستبق الكلام عن تفصيلات السياق، وإنّما نتكلم هنا ضمن الحدود التي نعرف بها السورة ومحورها بشكل مجمل. وقد اتضح مما ذكرناه الموضوع الرئيسي لسورة الروم، واتضح لنا محورها. وسنرى التفصيلات أثناء شرحها. ولنتذكر قبل أن ننتقل إلى عرض سورة الروم:
الآيات الأولى من سورة البقرة التي هي محور هذه السور الأربع:
الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ.
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ.
وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ* أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.
...
تتألف سورة الروم من مقدمة وأربعة مقاطع، والمقاطع الأربعة كل منها مبدوء بلفظ الجلالة (الله) والمقدمة تتألف من مجموعتين.
стр. 4021
مقدمة السورة [وهي الآيات (١ - ١٠)] وتتألف من مجموعتين:
المجموعة الأولى وتمتد من الآية (١) إلى نهاية الآية (٧) وهذه هي:
٣٠/ ١ - ٧
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
التفسير:
الم غُلِبَتِ الرُّومُ غلبتها فارس
فِي أَدْنَى الْأَرْضِ أي في أقرب أرض العرب، لأن الأرض المعهودة عند العرب أرضهم. والمعنى: غلبوا في أدنى أرض العرب منهم: وهي أطراف الشام، أو في أدنى أرض الروم إلى عدوّهم وَهُمْ أي الروم مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ أي من بعد غلبة فارس إياهم سَيَغْلِبُونَ فارس
فِي بِضْعِ سِنِينَ البضع: ما بين الثلاث إلى العشر لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ أي من قبل كل شئ. ومن بعد كل شئ، أو المراد من قبل الغلب ومن بعده، يعني: إن كونهم مغلوبين أولا، وغالبين آخرا، ليس إلا بأمر الله وقضائه وَيَوْمَئِذٍ أي ويوم تغلب الروم فارس يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ
بِنَصْرِ اللَّهِ كأن في هذا النص بشارة خاصة للمسلمين أنهم وقتذاك يكونون منصورين على عدوهم. أو المراد بنصر الله، نصره من له كتاب على من لا كتاب له. أو المراد فرح المؤمنين بظهور صدقهم فيما أخبروا به عن الله يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ
стр. 4022
أي الغالب على أعدائه الرَّحِيمُ العاطف على أوليائه
وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ أي هذا الذي أخبرناك به يا محمد من أنّا سننصر الروم على الفرس وعد من الله حق، وخبر صدق لا يخلف، ولا بد من كونه ووقوعه؛ لأن الله قد جرت سنته أن يجعل الأيام دولا وأن يجعل العاقبة لأهل الحق أو لمن هم أقرب إلى الحق وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ صدق وعد الله
يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا أي أكثر الناس ليس لهم علم إلا بالظاهر من الحياة الدنيا. وهذا يفيد أن للدنيا ظاهرا وباطنا. فظاهرها ما يعرفه الجهّال من زخارفها وقوانينها وأسبابها، وباطنها أنّها مجاز إلى الآخرة يتزوّد فيها بالطاعة والعمل الصالح، وأنّها تدل على الله وأسمائه وصفاته. قال النسفي: (وتنكير الظاهر يفيد أنهم لا يعلمون إلا ظاهرا واحدا من جملة ظواهرها. وقال: وفيه بيان أنه لا فرق بين عدم العلم الذي هو الجهل وبين وجود العلم الذي لا يتجاوز عن تحصيل الدنيا) وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ فيه بيان أنهم معدن الغفلة عن الآخرة ومقرّها.
نقول:
[١، ٢ - كلام الألوسي وصاحب الظلال بمناسبة الآيات الثلاث الأولى من السورة]
١ - بمناسبة قوله تعالى: الم* غُلِبَتِ الرُّومُ* فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ* فِي بِضْعِ سِنِينَ قال الألوسي:
(وفي البحر: كان شيخنا الأستاذ أبو جعفر بن الزبير يحكي عن أبي الحكم ابن برجان أنه استخرج من قوله تعالى: الم غُلِبَتِ الرُّومُ إلى سِنِينَ افتتاح المسلمين بيت المقدس، معيّنا زمانه ويومه، وكان إذ ذاك بيت المقدس قد غلبت عليه النصارى، وأن ابن برجان مات قبل الوقت الذي عيّنه للفتح، وأنه بعد موته بزمان افتتحه المسلمون في الوقت الذي عينه أبو الحكم وكان أبو جعفر يعتقد في أبي الحكم هذا أنه كان يتطلع على أشياء من المغيبات يستخرجها من كتاب الله تعالى. انتهى).
أقول: يظهر أنّ الشيخ المذكور استخرج ذلك من خلال حساب الجمل ولكن ليس لذلك ما يستأنس له إلّا الرواية المذكورة في أوائل سورة الشورى، وهي رواية غريبة، على أنّ في هذا القرآن من العجائب الكثير.
٢ - قال صاحب الظلال في قوله تعالى: الم* غُلِبَتِ الرُّومُ* فِي أَدْنَى
стр. 4023
الْأَرْضِ ... : (بدأت السورة بالأحرف المقطعة: (ألف. لام. ميم) التي اخترنا في تفسيرها أنها للتنبيه إلى أن هذا القرآن- ومنه هذه السورة- مصوغ من مثل هذه الأحرف، التي يعرفها العرب؛ وهو مع هذا معجز لهم، لا يملكون صياغة مثله، والأحرف بين أيديهم، ومنها لغتهم.
ثم جاءت النبوءة الصادقة الخاصة بغلبة الروم في بضع سنين. وقد روى ابن جرير- بإسناده- عن عبد الله بن مسعود- ﵁ قال: كانت فارس ظاهرة على الروم. وكان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم؛ وكان المسلمون يحبون أن تظهر الروم على فارس، لأنهم أهل كتاب، وهم أقرب إلى دينهم. فلما نزلت:
الم* غُلِبَتِ الرُّومُ* فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ* فِي بِضْعِ سِنِينَ. قالوا: يا أبا بكر. إن صاحبك يقول: إن الروم تظهر على فارس في بضع سنين. قال: صدق. قالوا: هل لك أن نقامرك؟ فبايعوه على أربع قلائص إلى سبع سنين. فمضت السبع ولم يكن شئ. ففرح المشركون بذلك، فشق على المسلمين؛ فذكر ذلك للنبي- ﷺ فقال: «ما بضع سنين عندكم؟» قالوا: دون العشر.
قال: «اذهب فزايدهم وازدد سنتين في الأجل». قال: فما مضت السنتان حتى جاءت الركبان بظهور الروم على فارس. ففرح المؤمنون بذلك.
وقد وردت في هذا الحادث روايات كثيرة اخترنا منها رواية الإمام ابن جرير.
وقبل أن نتجاوز الحادث إلى ما وراءه في السورة من التوجيهات نحب أن نقف أمام بعض إيحاءاته القوية.
وأول هذه الإيحاءات ذلك الترابط بين الشرك والكفر في كل مكان وزمان أمام دعوة التوحيد والإيمان. ومع أن الدول قديما لم تكن شديدة الاتصال. والأمم لم تكن وثيقة الارتباط كما هو الشأن في عصرنا الحاضر. مع هذا فإن المشركين في مكة كانوا يحسّون أن انتصار المشركين في أي مكان على أهل الكتاب هو انتصار لهم، وكان المسلمون كذلك يحسون أن هناك ما يربطهم بأهل الكتاب، وكان يسوءهم أن ينتصر المشركون في أي مكان؛ وكانوا يدركون أن دعوتهم وأن قضيتهم ليست في عزلة عما يجري في أنحاء العالم من حولهم، ويؤثّر في قضية الكفر والإيمان.
وهذه الحقيقة البارزة هي التي يغفل عنها الكثيرون من أهل زماننا، ولا ينتبهون إليها كما انتبه المسلمون والمشركون في عصر رسول الله ﷺ منذ حوالي أربعة عشر
стр. 4024
قرنا. ومن ثمّ ينحصرون داخل حدود جغرافية أو جنسية؛ ولا يدركون أن القضية في حقيقتها هي قضية الكفر والإيمان؛ وأن المعركة في صميمها هي المعركة بين حزب الله وحزب الشيطان.
وما أحوج المسلمين اليوم في جميع بقاع الأرض أن يدركوا طبيعة المعركة وحقيقة القضية؛ فلا تلهيهم عنها تلك الأعلام الزائفة التي تتستّر بها أحزاب الشرك والكفر، فإنهم لا يحاربون المسلمين إلا على العقيدة، مهما تنوّعت العلل والأسباب.
والإيحاء الآخر هو تلك الثقة المطلقة في وعد الله، كما تبدو في قولة أبي بكر- ﵁ في غير تلعثم ولا تردد، والمشركون يعجبونه من قول صاحبه؛ فما يزيد على أن يقول: صدق. ويراهنونه فيراهن وهو واثق. ثم يتحقق وعد الله، في الأجل الذي حدده: فِي بِضْعِ سِنِينَ .. وهذه الثقة المطلقة على هذا النحو الرائع هي التي ملأت قلوب المسلمين قوة ويقينا وثباتا في وجه العقبات والآلام والمحن، حتى تمت كلمة الله، وحقّ وعد الله. وهي عدة كل ذي عقيدة في الجهاد الشاق الطويل.
والإيحاء الثالث هو في تلك الجملة المعترضة في مساق الخبر، من قول الله سبحانه:
لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ. والمسارعة برد الأمر كله لله. في هذا الحادث وفي سواه. وتقرير هذه الحقيقة الكلية، لتكون ميزان الموقف وميزان كل موقف.
فالنصر والهزيمة، وظهور الدول ودثورها، وضعفها وقوتها. شأنه شأن سائر ما يقع في هذا الكون من أحداث ومن أحوال، مرده كله إلى الله، يصرّفه كيف شاء، وفق حكمته ووفق مراده. وما الأحداث والأحوال إلا آثار لهذه الإرادة المطلقة، التي ليس لأحد عليها من سلطان).
٣ - وقال صاحب الظلال عند قوله تعالى: لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ إلى يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ:
(فالأمر له من قبل ومن بعد. وهو ينصر من يشاء. لا مقيد لمشيئته سبحانه.
والمشيئة التي تريد النتيجة هي ذاتها التي تيسّر الأسباب. فلا تعارض بين تعليق النصر بالمشيئة ووجود الأسباب. والنواميس التي تصرّف هذا الوجود كله صادرة عن المشيئة الطليقة. وقد أرادت هذه المشيئة أن تكون هناك سنن لا تتخلّف؛ وأن تكون هناك
стр. 4025
نظم لها استقرار وثبات. والنصر والهزيمة أحوال تنشأ عن مؤثّرات، وفق تلك السنن التي اقتضتها تلك المشيئة الطليقة.
والعقيدة الإسلامية واضحة ومنطقية في هذا المجال. فهي ترد الأمر كله إلى الله.
ولكنها لا تعفي البشر من الأخذ بالأسباب الطبيعية التي من شأنها أن تظهر النتائج إلى عالم الشهادة والواقع. أما أن تتحقق تلك النتائج فعلا أو لا تتحقق فليس داخلا في
التكليف، لأن مرد ذلك في النهاية إلى تدبير الله. ولقد ترك الأعرابي ناقته طليقة على باب مسجد رسول الله ﷺ ودخل يصلّي قائلا: (توكلت على الله) فقال له رسول الله ﷺ : «اعقلها وتوكّل». فالتوكّل في العقيدة الإسلامية مقيّد بالأخذ بالأسباب، ورد الأمر بعد ذلك إلى الله).
٤ - وبمناسبة قوله تعالى وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ قال صاحب الظلال:
(والغفلة عن الآخرة تجعل كل مقاييس الغافلين تختل؛ وتؤرجح في أكفّهم ميزان القيم؛ فلا يملكون تصور الحياة وأحداثها وقيمها تصورا صحيحا؛ ويظل علمهم بها ظاهرا سطحيا ناقصا، لأن حساب الآخرة في ضمير الإنسان يغيّر نظرته لكل ما يقع في هذه الأرض. فحياته على الأرض إن هي إلا مرحلة قصيرة من رحلته الطويلة في الكون. ونصيبه في هذه الأرض إن هو إلا قدر زهيد من نصيبه الضخم في الوجود.
والأحداث والأحوال التي تتم في هذه الأرض إن هي إلا فصل صغير من الرواية الكبيرة. ولا ينبغي أن يبني الإنسان حكمه على مرحلة قصيرة من الرحلة الطويلة، وقدر زهيد من النصيب الضخم، وفصل صغير من الرواية الكبيرة!
ومن ثمّ لا يلتقي إنسان يؤمن بالآخرة ويحسب حسابها، مع آخر يعيش لهذه الدنيا وحدها ولا ينتظر ما وراءها. لا يلتقي هذا وذاك في تقدير أمر واحد من أمور هذه الحياة، ولا قيمة واحدة من قيمها الكثيرة؛ ولا يتّفقان في حكم واحد على حادث أو حالة أو شأن من الشئون. فلكل منهما ميزان، ولكل منهما زاوية للنظر، ولكل منهما ضوء يرى عليه الأشياء والأحداث والقيم والأحوال .. هذا يرى ظاهرا من الحياة الدنيا؛ وذلك يدرك ما وراء الظاهر من روابط وسنن، ونواميس شاملة للظاهر والباطن، والغيب والشهادة، والدنيا والآخرة، والموت والحياة، والماضي والحاضر والمستقبل، وعالم الناس والعالم الأكبر الذي يشمل الأحياء وغير الأحياء .. وهذا هو الأفق البعيد الواسع الشامل الذي ينقل الإسلام البشرية إليه؛ ويرفعها فيه إلى المكان
стр. 4026
الكريم اللائق بالإنسان. الخليفة في الأرض. المستخلف بحكم ما في كيانه من روح الله). أي روح خلقها الله ونسبها لذاته تشريفا.
كلمة في السياق: [في صلة المجموعة الأولى من المقدمة بالمجموعة الثانية منها وبالسورة]
هذه الآيات مدخل إلى السورة. فمن خلال رؤية صدق الله في تحقق موعوده الذي ذكرته هذه الآيات وهو انتصار الروم على الفرس. يذكّر الله الخلق بأن وعده كله لا بد أن يتحقق، ومن ذلك وعده بقيام الساعة. فذكر الله موضوع الروم- وهو معجزة- مدخل للكلام عن وعده الكبير بإقامة اليوم الآخر، ومدخل للكلام عن اليوم الآخر. ومن ثمّ نلاحظ أن السياق يبدأ بعد ذلك بإثارة تفكير الإنسان للوصول إلى الإيقان بالآخرة كما سنرى في قوله تعالى:
أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ... وقبل أن ننتقل إلى المجموعة الثانية من مقدمة السورة فلنذكر بعض ال فوائد المتعلّقة بما مرّ.
فوائد:
١ - [من الروايات التي ذكرها ابن كثير حول موضوع إنزال الآيات الأولى من سورة الروم]
ذكر ابن كثير روايات كثيرة حول موضوع إنزال الآيات الأولى من سورة الروم، وفيها رهان أبي بكر والمشركين، ونحن نجتزئ من مجموع كلامه مقدّمة كلامه والرواية الأولى من رواياته، قال: (نزلت هذه الآيات حين غلب سابور ملك الفرس على بلاد الشام، وما والاها من بلاد الجزيرة، وأقاصي بلاد الروم، فاضطر هرقل ملك الروم حتى ألجأه إلى القسطنطينية، وحاصره فيها مدة طويلة، ثم عادت الدولة لهرقل كما سيأتى. وروى الإمام أحمد عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى:
الم* غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ قال: غلبت وغلبت، وقال: كان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم لانهم أصحاب أوثان. وكان المسلمون يحبّون أن تظهر الروم على فارس لأنهم أهل كتاب، فذكر ذلك لأبي بكر، فذكره أبو بكر لرسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : «أما إنهم سيغلبون» فذكره أبو بكر لهم فقالوا: اجعل بيننا وبينك أجلا فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا، وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا، فجعل أجل خمس سنين، فلم يظهروا، فذكر أبو بكر لرسول الله ﷺ فقال:
«ألا جعلتها إلى دون- أراه قال- لعشر» قال سعيد بن جبير: البضع: ما دون العشر، ثم ظهرت الروم بعد، قال: فذلك قوله: الم* غُلِبَتِ الرُّومُ* فِي أَدْنَى الْأَرْضِ
стр. 4027
وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ إلى قوله وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ.
وقد علّق النسفي على مقدمة سورة الروم وموضوع رهان أبي بكر بقوله:
(وهذه آية بينة على صحة نبوّته ﷺ وأنّ القرآن من عند الله، لأنّها إنباء عن علم الغيب، وكان ذلك قبل تحريم القمار، هذا عن قتادة. ومن مذهب أبي حنيفة ومحمّد: أنّ العقود الفاسدة كعقد الربا وغيره جائزة في دار الحرب بين المسلمين والكفار، وقد احتجّا على صحة ذلك بهذه القصة).
٢ - [كلام ابن كثير حول وقت نصرة الروم على فارس والخلاف فيه وتعليق المؤلف عليه]
قال ابن كثير: (وكانت نصرة الروم على فارس يوم وقعة بدر في قول طائفة كثيرة من العلماء كابن عباس والثوري والسدي وغيرهم، وقد ورد في الحديث الذي رواه الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم والبزار من حديث الأعمش عن عطية عن أبي سعيد قال: لما كان يوم بدر ظهرت الروم على فارس، فأعجب ذلك المؤمنين، ففرحوا به، وأنزل الله: وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ. وقال الآخرون: بل كان نصر الروم على فارس عام الحديبية).
أقول: وعلى القول بأن انتصار الروم على فارس كان سنة بدر ففي الآيات ثلاثة إنباءات عن الغيب: أن الروم سيغلبون، وأن ذلك كائن خلال بضع سنين، وأنّ عام
نصرهم سيكون نصرا للمسلمين أيضا. وكل ذلك على خلاف ما يتوقعه المتوقعون ساعة نزول النّص، فهذه من أعظم معجزات القرآن التي تدل على أنه من عند الله.
٣ - [الإخبار الغيبي عن حال الكافرين في كل زمان أنهم يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا فقط]
في قوله تعالى عن الكافرين: يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا نوع من الإخبار عن الواقع الذي يزداد وضوحه على مدى المستقبل، فهو نوع من الإخبار بالغيب. وها أنت ترى في عصرنا كيف أن الكافرين عرفوا من ظواهر الحياة الدنيا ومظاهرها الكثير، ولكنهم في أمور الغيب والآخرة، والدين والسلوك متناقضون جاهلون جاهليون.
وبمناسبة هذه الآية قال ابن كثير: (قال الحسن البصري: والله ليبلغ من أحدهم بدنياه أنّه يقلّب الدرهم على ظفره فيخبرك بوزنه وما يحسن أن يصلي. وقال ابن عباس في قوله تعالى: يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ يعني الكفار يعرفون عمران الدنيا وهم في أمر الدين جهّال).
стр. 4028
المجموعة الثانية من المقدمة وتمتد من الآية (٨) إلى نهاية الآية (١٠) وهذه هي:
٣٠/ ٨ - ١٠
كلمة في السياق:
هذه المجموعة تكاد تكون تعليقا على الآية الأخيرة في المجموعة الأولى من المقدمة؛ فالآية الأخيرة قالت عن الكفار يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ ثمّ قامت هذه الآيات لتهيّج على التفكير ولتبعث على النّظر.
التفسير:
أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ أي: أو لم يثبتوا التّفكر في أنفسهم، أو: أو لم يتفكروا في أنفسهم التي هي أقرب إليهم من غيرها من المخلوقات، وهم أعلم بأحوالها منهم بأحوال ما عداها، فيتدبروا ما أودعها الله ظاهرا وباطنا، من غرائب الحكمة الدالة على التدبير دون الإهمال، وأنه لا بدّ لها من الانتهاء إلى وقت تجازى فيه على الإحسان إحسانا وعلى الإساءة مثلها، حتى يعلموا عند ذلك أن سائر الخلائق كذلك أمرها، جار على الحكمة في التدبير، وأنه لا بد لها من الانتهاء إلى ذلك الوقت:
ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى أي أفلم
стр. 4029
يتفكروا فيعلموا هذين الشيئين: أنّ الله خلق السموات والأرض وما بينهما، مقرونة بالحق، مصحوبة بالحكمة، وبتقدير أجل مسمّى لا بدّ لها من أن تنتهي إليه، وهو قيام الساعة، ووقت الحساب والثواب والعقاب، والمعنى: أن من تفكر في خلق السموات والأرض وما بينهما، لا بد أن يصل إلى هاتين النتيجتين: أن السموات والأرض مخلوقة لحكمة، وأن لهما أجلا فلا يمكن أن يبقى نظام هذا الكون على ما هو عليه إلى ما لا نهاية وذلك لا يختلف عليه اثنان من علماء الكون الآن. فمن نظر نظرة صحيحة في الكون لا بدّ أن يصل إلى هذه النّتيجة: أنّه مصنوع بالحق، وأنّ له أجلا، وهذا وهذا يقتضيان وجود اليوم الآخر. ومن ثمّ ختم الله الآية بقوله:
وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ أي بالبعث والجزاء لَكافِرُونَ أي لجاحدون. وبعد أن أقام الحجة على مجئ اليوم الآخر وعظ الكافرين بقوله:
أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ قال ابن كثير: أي بأفهامهم وعقولهم ونظرهم وسماع أخبار الماضين. وقال النسفي: هو تقرير لسيرهم في البلاد ... فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كيف دمّروا واستؤصلوا كعاد وثمود وغيرهم من الأمم العاتية كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً بأجسامهم وَأَثارُوا الْأَرْضَ أي وحرثوها وَعَمَرُوها أي وعمرها هؤلاء المدمّرون أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها أي أكثر مما عمرها هؤلاء المكذبون وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فلم يؤمنوا فأهلكوا فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ أي فما كان تدميره إياهم ظلما لهم وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ أي ولكنهم ظلموا أنفسهم حيث عملوا ما أوجب تدميرهم
ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أي إنهم عوقبوا في الدنيا ثم كانت عاقبتهم العقوبة التي هي أسوأ العقوبات في الآخرة وهي النار التي أعدت للكافرين أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ أي ثم كان عاقبة الكافرين النار لتكذيبهم بآيات الله واستهزائهم بها.
فوائد:
١ - [معنى كلمة (السوأى) في آية ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى .. ]
السوأى: هي تأنيث الأسوأ وهو الأقبح، كما أن الحسنى تأنيث الأحسن.
٢ - [من مظاهر الإعجاز القرآني في آية كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ .. ]
في قوله تعالى عن الماضين: كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها مظهر من مظاهر الإعجاز في هذا القرآن، إذ تجد النص يسع الزمان والمكان، فعند ما ننظر إلى أن التفاضل بين قوة قريش وإثارتها الأرض
стр. 4030
وعمارتها، وبين ثمود وعاد، فإن التفاضل قائم، وهذا أضيق ما يفهم به النص، وفي عصرنا حيث عرفنا من آثار الأقدمين الكثير، نجد أن النص ينطبق على الحياة البشرية كلها، فمن رأى سدّ الصين والأهرامات، وآثار النوبة، وبقايا آثار الرومان، وشبكة المياه الجوفية في بلاد الشام، وعرف أن هناك مناطق- هي الآن قاحلة- كانت من أخصب بقاع الدنيا، عرف أن إثارة الماضين للأرض، وعمارتهم لها، كانت أكثر، وهذا شئ وموضوع التقدّم الصناعي شئ آخر ...
٣ - [بعض المظاهر الدالة على إحاطة علم الله وإلهية المصدر القرآني]
إنّ من مظاهر الإعجاز في القرآن أنك لا تجد فيه أثرا للضعف البشري، وأنّك تحس أنّ صاحب هذا الكلام محيط علما بكلّ شئ، وأنّ كثيرا من الأمور ما كانت لتكون فيه لولا أنّه من عند الله، فلو أنّ هذا القرآن من عند محمّد ﷺ كما يزعم الكافرون- لما وجد فيه مثل هذا الإخبار عن مستقبل الصراع بين فارس والرّوم، إنّ محمّدا ﷺ وهو أعقل خلق الله- ما كان ليعرض نفسه ودعوته لامتحان لولا أنّ الأمر ربانيّ المصدر، والذين يشتغلون في قضايا البيان يعرفون الحدود التي يمكن أن تنطلق فيها آفاق الإنسان، فكتاب يتحدّث عن البحث عن نشأة الحياة:
قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ويتحدث عن القدماء بحق وصدق كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها ويتحدّث عن الكليّات، كما يتحدّث عن الجزئيات، لا يمكن أن يكون أثرا عن الجزيرة العربية أبدا، في أيّ منطق عاقل.
ادرس الإنتاج البشري المعاصر فكم من إنسان ينطلق في عصرنا للحديث عن الكليات الكبرى؟ وإذا وجدت بعض من يتكلم، فما هي حدود كلامه، وفي أي جانب؟
أما القرآن الكريم فالأمر فيه مختلف تماما وهذه كذلك بعض مظاهر الإعجاز.
...
كلمة في السياق: [حول صلة المجموعتين الأولى بالثانية]
١ - استدلت المجموعة الأولى من مقدمة سورة الروم بوقوع موعود الله في شأن الروم على وقوع موعوده في شأن الساعة؛ فقدمت السورة بذلك الدليل الأول على اليوم الآخر. إنّ اليوم الآخر قد وعد الله به، وكل وعد لله لا بدّ من أن
следующие страницы →