Полный текст (6 440 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.
стр. 4026
الكريم اللائق بالإنسان. الخليفة في الأرض. المستخلف بحكم ما في كيانه من روح الله). أي روح خلقها الله ونسبها لذاته تشريفا.
كلمة في السياق: [في صلة المجموعة الأولى من المقدمة بالمجموعة الثانية منها وبالسورة]
هذه الآيات مدخل إلى السورة. فمن خلال رؤية صدق الله في تحقق موعوده الذي ذكرته هذه الآيات وهو انتصار الروم على الفرس. يذكّر الله الخلق بأن وعده كله لا بد أن يتحقق، ومن ذلك وعده بقيام الساعة. فذكر الله موضوع الروم- وهو معجزة- مدخل للكلام عن وعده الكبير بإقامة اليوم الآخر، ومدخل للكلام عن اليوم الآخر. ومن ثمّ نلاحظ أن السياق يبدأ بعد ذلك بإثارة تفكير الإنسان للوصول إلى الإيقان بالآخرة كما سنرى في قوله تعالى:
أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ... وقبل أن ننتقل إلى المجموعة الثانية من مقدمة السورة فلنذكر بعض ال فوائد المتعلّقة بما مرّ.
فوائد:
١ - [من الروايات التي ذكرها ابن كثير حول موضوع إنزال الآيات الأولى من سورة الروم]
ذكر ابن كثير روايات كثيرة حول موضوع إنزال الآيات الأولى من سورة الروم، وفيها رهان أبي بكر والمشركين، ونحن نجتزئ من مجموع كلامه مقدّمة كلامه والرواية الأولى من رواياته، قال: (نزلت هذه الآيات حين غلب سابور ملك الفرس على بلاد الشام، وما والاها من بلاد الجزيرة، وأقاصي بلاد الروم، فاضطر هرقل ملك الروم حتى ألجأه إلى القسطنطينية، وحاصره فيها مدة طويلة، ثم عادت الدولة لهرقل كما سيأتى. وروى الإمام أحمد عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى:
الم* غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ قال: غلبت وغلبت، وقال: كان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم لانهم أصحاب أوثان. وكان المسلمون يحبّون أن تظهر الروم على فارس لأنهم أهل كتاب، فذكر ذلك لأبي بكر، فذكره أبو بكر لرسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : «أما إنهم سيغلبون» فذكره أبو بكر لهم فقالوا: اجعل بيننا وبينك أجلا فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا، وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا، فجعل أجل خمس سنين، فلم يظهروا، فذكر أبو بكر لرسول الله ﷺ فقال:
«ألا جعلتها إلى دون- أراه قال- لعشر» قال سعيد بن جبير: البضع: ما دون العشر، ثم ظهرت الروم بعد، قال: فذلك قوله: الم* غُلِبَتِ الرُّومُ* فِي أَدْنَى الْأَرْضِ
стр. 4027
وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ إلى قوله وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ.
وقد علّق النسفي على مقدمة سورة الروم وموضوع رهان أبي بكر بقوله:
(وهذه آية بينة على صحة نبوّته ﷺ وأنّ القرآن من عند الله، لأنّها إنباء عن علم الغيب، وكان ذلك قبل تحريم القمار، هذا عن قتادة. ومن مذهب أبي حنيفة ومحمّد: أنّ العقود الفاسدة كعقد الربا وغيره جائزة في دار الحرب بين المسلمين والكفار، وقد احتجّا على صحة ذلك بهذه القصة).
٢ - [كلام ابن كثير حول وقت نصرة الروم على فارس والخلاف فيه وتعليق المؤلف عليه]
قال ابن كثير: (وكانت نصرة الروم على فارس يوم وقعة بدر في قول طائفة كثيرة من العلماء كابن عباس والثوري والسدي وغيرهم، وقد ورد في الحديث الذي رواه الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم والبزار من حديث الأعمش عن عطية عن أبي سعيد قال: لما كان يوم بدر ظهرت الروم على فارس، فأعجب ذلك المؤمنين، ففرحوا به، وأنزل الله: وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ. وقال الآخرون: بل كان نصر الروم على فارس عام الحديبية).
أقول: وعلى القول بأن انتصار الروم على فارس كان سنة بدر ففي الآيات ثلاثة إنباءات عن الغيب: أن الروم سيغلبون، وأن ذلك كائن خلال بضع سنين، وأنّ عام
نصرهم سيكون نصرا للمسلمين أيضا. وكل ذلك على خلاف ما يتوقعه المتوقعون ساعة نزول النّص، فهذه من أعظم معجزات القرآن التي تدل على أنه من عند الله.
٣ - [الإخبار الغيبي عن حال الكافرين في كل زمان أنهم يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا فقط]
في قوله تعالى عن الكافرين: يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا نوع من الإخبار عن الواقع الذي يزداد وضوحه على مدى المستقبل، فهو نوع من الإخبار بالغيب. وها أنت ترى في عصرنا كيف أن الكافرين عرفوا من ظواهر الحياة الدنيا ومظاهرها الكثير، ولكنهم في أمور الغيب والآخرة، والدين والسلوك متناقضون جاهلون جاهليون.
وبمناسبة هذه الآية قال ابن كثير: (قال الحسن البصري: والله ليبلغ من أحدهم بدنياه أنّه يقلّب الدرهم على ظفره فيخبرك بوزنه وما يحسن أن يصلي. وقال ابن عباس في قوله تعالى: يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ يعني الكفار يعرفون عمران الدنيا وهم في أمر الدين جهّال).
стр. 4028
المجموعة الثانية من المقدمة وتمتد من الآية (٨) إلى نهاية الآية (١٠) وهذه هي:
٣٠/ ٨ - ١٠
كلمة في السياق:
هذه المجموعة تكاد تكون تعليقا على الآية الأخيرة في المجموعة الأولى من المقدمة؛ فالآية الأخيرة قالت عن الكفار يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ ثمّ قامت هذه الآيات لتهيّج على التفكير ولتبعث على النّظر.
التفسير:
أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ أي: أو لم يثبتوا التّفكر في أنفسهم، أو: أو لم يتفكروا في أنفسهم التي هي أقرب إليهم من غيرها من المخلوقات، وهم أعلم بأحوالها منهم بأحوال ما عداها، فيتدبروا ما أودعها الله ظاهرا وباطنا، من غرائب الحكمة الدالة على التدبير دون الإهمال، وأنه لا بدّ لها من الانتهاء إلى وقت تجازى فيه على الإحسان إحسانا وعلى الإساءة مثلها، حتى يعلموا عند ذلك أن سائر الخلائق كذلك أمرها، جار على الحكمة في التدبير، وأنه لا بد لها من الانتهاء إلى ذلك الوقت:
ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى أي أفلم
стр. 4029
يتفكروا فيعلموا هذين الشيئين: أنّ الله خلق السموات والأرض وما بينهما، مقرونة بالحق، مصحوبة بالحكمة، وبتقدير أجل مسمّى لا بدّ لها من أن تنتهي إليه، وهو قيام الساعة، ووقت الحساب والثواب والعقاب، والمعنى: أن من تفكر في خلق السموات والأرض وما بينهما، لا بد أن يصل إلى هاتين النتيجتين: أن السموات والأرض مخلوقة لحكمة، وأن لهما أجلا فلا يمكن أن يبقى نظام هذا الكون على ما هو عليه إلى ما لا نهاية وذلك لا يختلف عليه اثنان من علماء الكون الآن. فمن نظر نظرة صحيحة في الكون لا بدّ أن يصل إلى هذه النّتيجة: أنّه مصنوع بالحق، وأنّ له أجلا، وهذا وهذا يقتضيان وجود اليوم الآخر. ومن ثمّ ختم الله الآية بقوله:
وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ أي بالبعث والجزاء لَكافِرُونَ أي لجاحدون. وبعد أن أقام الحجة على مجئ اليوم الآخر وعظ الكافرين بقوله:
أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ قال ابن كثير: أي بأفهامهم وعقولهم ونظرهم وسماع أخبار الماضين. وقال النسفي: هو تقرير لسيرهم في البلاد ... فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كيف دمّروا واستؤصلوا كعاد وثمود وغيرهم من الأمم العاتية كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً بأجسامهم وَأَثارُوا الْأَرْضَ أي وحرثوها وَعَمَرُوها أي وعمرها هؤلاء المدمّرون أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها أي أكثر مما عمرها هؤلاء المكذبون وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فلم يؤمنوا فأهلكوا فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ أي فما كان تدميره إياهم ظلما لهم وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ أي ولكنهم ظلموا أنفسهم حيث عملوا ما أوجب تدميرهم
ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أي إنهم عوقبوا في الدنيا ثم كانت عاقبتهم العقوبة التي هي أسوأ العقوبات في الآخرة وهي النار التي أعدت للكافرين أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ أي ثم كان عاقبة الكافرين النار لتكذيبهم بآيات الله واستهزائهم بها.
فوائد:
١ - [معنى كلمة (السوأى) في آية ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى .. ]
السوأى: هي تأنيث الأسوأ وهو الأقبح، كما أن الحسنى تأنيث الأحسن.
٢ - [من مظاهر الإعجاز القرآني في آية كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ .. ]
في قوله تعالى عن الماضين: كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها مظهر من مظاهر الإعجاز في هذا القرآن، إذ تجد النص يسع الزمان والمكان، فعند ما ننظر إلى أن التفاضل بين قوة قريش وإثارتها الأرض
стр. 4030
وعمارتها، وبين ثمود وعاد، فإن التفاضل قائم، وهذا أضيق ما يفهم به النص، وفي عصرنا حيث عرفنا من آثار الأقدمين الكثير، نجد أن النص ينطبق على الحياة البشرية كلها، فمن رأى سدّ الصين والأهرامات، وآثار النوبة، وبقايا آثار الرومان، وشبكة المياه الجوفية في بلاد الشام، وعرف أن هناك مناطق- هي الآن قاحلة- كانت من أخصب بقاع الدنيا، عرف أن إثارة الماضين للأرض، وعمارتهم لها، كانت أكثر، وهذا شئ وموضوع التقدّم الصناعي شئ آخر ...
٣ - [بعض المظاهر الدالة على إحاطة علم الله وإلهية المصدر القرآني]
إنّ من مظاهر الإعجاز في القرآن أنك لا تجد فيه أثرا للضعف البشري، وأنّك تحس أنّ صاحب هذا الكلام محيط علما بكلّ شئ، وأنّ كثيرا من الأمور ما كانت لتكون فيه لولا أنّه من عند الله، فلو أنّ هذا القرآن من عند محمّد ﷺ كما يزعم الكافرون- لما وجد فيه مثل هذا الإخبار عن مستقبل الصراع بين فارس والرّوم، إنّ محمّدا ﷺ وهو أعقل خلق الله- ما كان ليعرض نفسه ودعوته لامتحان لولا أنّ الأمر ربانيّ المصدر، والذين يشتغلون في قضايا البيان يعرفون الحدود التي يمكن أن تنطلق فيها آفاق الإنسان، فكتاب يتحدّث عن البحث عن نشأة الحياة:
قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ويتحدث عن القدماء بحق وصدق كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها ويتحدّث عن الكليّات، كما يتحدّث عن الجزئيات، لا يمكن أن يكون أثرا عن الجزيرة العربية أبدا، في أيّ منطق عاقل.
ادرس الإنتاج البشري المعاصر فكم من إنسان ينطلق في عصرنا للحديث عن الكليات الكبرى؟ وإذا وجدت بعض من يتكلم، فما هي حدود كلامه، وفي أي جانب؟
أما القرآن الكريم فالأمر فيه مختلف تماما وهذه كذلك بعض مظاهر الإعجاز.
...
كلمة في السياق: [حول صلة المجموعتين الأولى بالثانية]
١ - استدلت المجموعة الأولى من مقدمة سورة الروم بوقوع موعود الله في شأن الروم على وقوع موعوده في شأن الساعة؛ فقدمت السورة بذلك الدليل الأول على اليوم الآخر. إنّ اليوم الآخر قد وعد الله به، وكل وعد لله لا بدّ من أن
стр. 4031
يتحقق، وفي قصة الروم نموذج، ومع قوّة هذا الدليل فإن موقف أكثر الخلق من اليوم الآخر الكفر والغفلة. ومن ثمّ أقام الله الحجة عليهم مرة ثانية، ووعظهم في المجموعة الثانية.
٢ - في المجموعة الأولى من المقدمة ذكر أن أكثر الناس لا يعرفون إلا ظاهرا من الحياة الدنيا. وفي المجموعة الثانية ذكر مظهرا من مظاهر المعرفة الظاهرة الكثيرة للحياة الدنيا عند الماضين، وكيف أنهم عوقبوا ودمّروا وكان مصيرهم النار، وفي ذلك موعظة وإقامة حجة. وهكذا أقام الله الحجة بعد الحجة على مجئ اليوم الآخر في المقدمة، وها نحن بعد المقدمة أمام ظاهرة تتكرّر: إنّك تجد آيات في السورة مبدوءة باسم الجلالة (الله).
اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [آية: ١١].
ثم تجد الآية (٤٠) تقول: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ.
ثم تجد الآية (٤٨) تقول: اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ ....
ثم تجد الآية (٥٤) تقول: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ.
وفي كل مرة تجد آية مبدوءة باسم الجلالة (الله) تجد حجة جديدة في موضوع اليوم الآخر، فكأن السورة بعد المقدمة مؤلفة من مقاطع: علامة المقطع ابتداؤه بكلمة (الله)، وهذا يفيد أن موضوع اليوم الآخر مرتبط بموضوع الإيمان بالله ومعرفته، فهما موضوعان لا ينفصلان كما أثبتنا ذلك في كتابنا (الإسلام) من سلسلة الأصول الثلاثة في فصله الأخير. فإذا اتضح هذا نقول: إن السورة تتألف من مقدمة وأربعة مقاطع.
المقدمة هي ما رأيناه والمقاطع الأربعة كل منها مبدوء بلفظ الجلالة (الله) وموضوعها الرئيسي هو اليوم الآخر. فلنر المقطع الأوّل من السّورة.
стр. 4032
المقطع الأول ويمتد من الآية (١١) إلى نهاية الآية (٣٩) وهذا هو:
المجموعة الأولى ٣٠/ ٣٩ - ١١ المجموعة الثانية ٣٠/ ٢٠ - ٢٢
стр. 4033
٣٠/ ٢٣ - ٢٧ المجموعة الثالثة ٣٠/ ٢٨ - ٣٢
стр. 4034
المجموعة الرابعة ٣٠/ ٣٣ - ٣٩
تفسير المجموعة الأولى
اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ أي ينشئهم ثُمَّ يُعِيدُهُ أي يحييهم بعد الموت.
أي كما هو قادر على بداءة الخلق فهو قادر على إعادته ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ يوم القيامة فيجازي كل عامل بعمله.
كلمة في السياق:
بهذه الآية أقام الله الحجة على مجئ اليوم الآخر، فما دام الله هو الذي بدأ الخلق- وهذه مسلّمة تقوم عليها الأدلة كلها كما برهنّا على ذلك في كتابنا (الله
стр. 4035
جل جلاله) في ظاهرة الحدوث- فهو قادر على إعادته. ومن ثمّ فهو قادر على إعادة البشر، ومن ثمّ فهم راجعون إليه، فإذا استقر ذلك، وقامت الحجة يحدثنا الله الآن عن مآل الكافرين المجرمين، ثم عن مآلهم ومآل المؤمنين:
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ أي ييئس ويتحيّر، ويفتضح ويكتئب الْمُجْرِمُونَ أي المشركون
وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكائِهِمْ أي من الذين عبدوهم من دون الله شُفَعاءُ أي ما شفعت فيهم هذه الآلهة التي كانوا يعبدونها من دون الله تعالى، وكفروا بهم وخذلوهم أحوج ما كانوا إليهم وَكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ أي يكفرون بآلهتهم ويجحدونها يوم القيامة، أو وكانوا في الدنيا كافرين بسبب هذه الآلهة المزعومة
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ أي يتفرق الناس إلى مسلمين وكافرين. قال قتادة: هي والله الفرقة التي لا اجتماع بعدها، يعني: إنّه إذا رفع هذا إلى عليين، وخفض هذا إلى أسفل سافلين فتلك الفرقة
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ أي في جنة يُحْبَرُونَ أي يسرون. قال مجاهد وقتادة أي: ينعمون. وقال يحيى بن أبي كثير: يعني سماع الغناء. قال ابن كثير: والحبرة أعمّ من هذا كله
وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ أي بالبعث فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ أي مقيمون لا يغيبون عنه ولا يخفف عنهم، ثم لما ذكر الوعد والوعيد أتبعه بذكر ما يوصل إلى الوعد وينجي من الوعيد
فَسُبْحانَ اللَّهِ المراد بالتسبيح ظاهره الذي هو تنزيه الله عن السوء، والثناء عليه بالخير في هذه الأوقات لما يتجدّد فيها من نعم الله الظاهرة. أو المراد بالتسبيح الإشارة إلى الصلوات في هذه الأوقات فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ دخل في ذلك صلاة المغرب والعشاء وَحِينَ تُصْبِحُونَ أي في صلاة الفجر
وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ حقا له على المميزين كلهم من أهل السموات والأرض أن يحمدوه وَعَشِيًّا أي صلاة العصر وَحِينَ تُظْهِرُونَ أي صلاة الظهر
يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ أي يخرج النطفة من الغذاء الذي أصله تراب وهواء، أو يخرج المؤمن من الكافر وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ كالخلايا الميتة من الجسد الحي أو الكافر من المؤمن وَيُحْيِ الْأَرْضَ بالنبات بَعْدَ مَوْتِها أي يبسها وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ أي ومثل ذلك الإخراج تخرجون من قبوركم، والمعنى: إن الإبداء والإعادة يتساويان في قدرة من هو قادر على إخراج الميت من الحي وعكسه.
стр. 4036
كلمة في السياق:
١ - بدأ المقطع بقوله تعالى: اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وانتهت المجموعة الأولى منه وهي ما مر بقوله تعالى: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ بدأت المجموعة بالتدليل على اليوم الآخر. وانتهت بالتدليل على اليوم الآخر. وذكرت في الوسط حال الكافرين والمؤمنين يوم القيامة. وذكّرت باستحقاق الله التسبيح والتقديس والحمد.
فدلت بذلك على طريق النجاة. والتذكير بتقديس الله في هذا السياق فيه إشارة إلى أن في إقامة اليوم الآخر نعمة عظيمة جليلة خطيرة إذ وجود اليوم الآخر مظهر من مظاهر عدل الله وحكمته. وأثر عن كرمه وانتقامه، فاقتضى ذلك من المكلّف تسبيحا وحمدا.
٢ - إنّ سورة الروم وإن كانت تفصّل بشكل رئيسي في قوله تعالى من مقدمة سورة البقرة وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ إلا أنّها مع ذلك تفصّل في المقدمة كلها، فالكلام عن الله له صلة بقوله تعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ والكلام عن الصلوات الخمس في قوله تعالى: فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ ... له صلة بقوله تعالى: وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ ... فما أعظم هذا القرآن الذي وصفه الله بقوله: وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [القصص: ٥١].
٣ - لمّا كان الإيمان باليوم الآخر فرع الإيمان بالله، ولمّا كان التدليل على وجود الله وصفاته وأسمائه هو الأساس في التدليل على اليوم الآخر، فإن المجموعة الثانية في هذا المقطع، تأتي لتعرض علينا بعض آيات الله الدالّة عليه لتبني عليها ما يعمّق الإيمان باليوم الآخر.
وقبل أن نرى المجموعة الثانية من المقطع الأول فلننقل بين يدي ذلك هذا النقل:
نقل: [عن صاحب الظلال بمناسبة الآية (١٩) ومدى ترابطها بالآيات اللاحقة]
قال صاحب الظلال بين يدي الآية التي مرّت معنا والآيات التي ستمر في المجموعة الثانية ما يلي:
(إنها جولة ضخمة هائلة، لطيفة عميقة، بعيدة الآماد والأغوار. جولة تطوّف بالقلب البشري في الأمسيات والأصباح، والسماوات والأرض، والعشي والأظهار،
стр. 4037
وتفتح هذا القلب لتدبّر الحياة والموت والعمليات الدائبة في النشوء والدثور. وترتد به إلى نشأة الإنسان الأولى، وإلى ما ركب في فطرته من ميول ونوازع، وقوى وطاقات، وما يقوم بين زوجيه من علائق وروابط، وفق تلك الميول والنوازع وهذه القوى والطاقات. وتوجهه إلى آيات الله في خلق السماوات والأرض واختلاف الألسنة والألوان وفقا لاختلاف البيئة والمكان. وإلى تدبّر ما يعتري الكائن البشري من نوم ويقظة وراحة وكد. وإلى ما يعتري الكون من ظواهر البرق والمطر، وما تثيره في نفوس البشر من خوف وطمع، وفي بنية الأرض من حياة وازدهار. وتمضي هذه الجولة العجيبة في النهاية بالقلب البشري إلى قيام السماوات والأرض في هذا كله بأمر الله؛ وإلى توجه من في السماوات والأرض كلهم لله. وتنتهي بالحقيقة التي تتجلى حينئذ واضحة هينة يسيرة: إن الله هو يبدئ ويعيد. والإعادة أهون عليه. وله
المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم).
وهذا أوان عرض المجموعة الثانية من المقطع الأول.
*** تفسير المجموعة الثانية
وَمِنْ آياتِهِ الدالة على عظمته وكمال قدرته أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ أنه خلق أباكم آدم من تراب، وخلقكم من تراب إذ خلقكم من غذاء، وخلق الغذاء من تراب ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ أي تتصرّفون فيما فيه معاشكم
وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها أي حواء خلقت من ضلع آدم ﵇، والنّساء بعدها كذلك خلقن من أصلاب الرجال، أو من شكل أنفسكم وجنسها لا من جنس آخر، وذلك لما بين الجنس الواحد من الإلف والسكون، وما بين الجنسين المختلفين من التنافر وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً قال النسفي:
التوادّ والتراحم بسبب الزواج، وعن الحسن: المودة كناية عن الجماع والرحمة كناية عن الولد وقيل: المودة للشابّة والرحمة للعجوز. وقيل: المودة والرحمة من الله.
والفرك من الشيطان: أي بغض المرأة زوجها، وبغض الزوج المرأة إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ فيعلمون بتفكّرهم أن قوام الدنيا بوجود التناسل، والتناسل يحتاج إلى عواطف وأنّ وجود هذا وتدبيره لا يمكن أن يكون إلا بالله
وَمِنْ آياتِهِ الدالة على قدرته العظيمة خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ أي
стр. 4038
اللغات، أو أجناس النطق وأشكاله وَأَلْوانِكُمْ كالسواد والبياض وغيرهما، فلاختلاف ذلك وقع التعارف، وإلا فلو تشاكلت واتفقت لوقع التجاهل والالتباس، ولتعطّلت المصالح، وفي ذلك آية بيّنة حيث ولدوا من أب واحد وهم مع الكثرة التي لا يعلمها إلا الله متفاوتون إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ فالعالمون يعلمون أنّ في ذلك دلالات كثيرة على الله
وَمِنْ آياتِهِ الدالّة على عظمته مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ أي ومن آياته منامكم بالليل وابتغاؤكم من فضله بالنهار إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ سماع تدبّر بآذان واعية. فهؤلاء يرون في وجود الليل والنهار آيات كثيرة تدل على الله
وَمِنْ آياتِهِ الدالة عليه يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً أي خائفين وطامعين وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ أي من السحاب ماءً أي مطرا فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ أي الذين يستعملون عقولهم فلا يعطّلونها، فمن تفكر بعقله في موضوع البرق وإنزال المطر، رأى في ذلك آيات كثيرة تدلّه على الله
وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ أي بإقامته وتدبيره وحكمته ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ للبعث دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ أي من قبوركم. والمعنى: ومن آياته قيام السموات والأرض واستمساكها بغير عمد، ثم خروج الموتى من القبور إذا دعاهم دعوة واحدة: يا أهل القبور اخرجوا. والمراد سرعة وجود ذلك من غير توقّف، وإنّما جرى العطف على قيام السموات والأرض بكلمة (ثمّ) بيانا لعظم ما يكون من ذلك الأمر واقتدار الله على مثله بأن يأمر أهل القبور بالقيام فلا تبقى نسمة من الأولين والآخرين إلا قامت تنظر
وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ أي منقادون أو مقرون بالعبودية
وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ أي البعث أيسر عليه عندكم، لأن الإعادة عندكم أسهل من الإنشاء، فلم أنكرتم الإعادة وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى أي وله الوصف الأعلى الذي ليس لغيره، وقد عرف به ووصف فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ على ألسنة الخلائق، وألسنة الدلائل، وهو أنه القادر الذي لا يعجز عن شئ من إنشاء وإعادة وغيرهما من المقدورات وَهُوَ الْعَزِيزُ أي القاهر لكل مقدور الْحَكِيمُ الذي يجري كل فعل على مقتضى حكمته وعلمه.
نقول:
١ - [كلام صاحب الظلال بمناسبة آية وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ .. آية (٢٢)]
عند قوله تعالى: وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قال صاحب الظلال: (وآية خلق السماوات والأرض كثيرا ما يشار إليها في القرآن، وكثيرا ما نمرّ
стр. 4039
عليها سراعا دون أن نتوقف أمامها طويلا .. ولكنها جديرة بطول الوقوف والتدبر العميق.
إن خلق السماوات والأرض معناه إنشاء هذا الخلق الهائل الضخم العظيم الدقيق؛ الذي لا نعرف عنه إلا أقل من القليل. هذا الحشد الذي لا يحصى من الأفلاك والمدارات والنجوم والكواكب والسدم والمجرات. تلك التي لا تزيد أرضنا الصغيرة عن أن تكون ذرة تائهة بينها تكاد أن تكون لا وزن لها ولا ظل! ومع الضخامة الهائلة ذلك التناسق العجيب بين الأفلاك والمدارات والدورات والحركات؛ وما بينها من مسافات وأبعاد تحفظها من التصادم والخلل والتخلف والاضطراب؛ وتجعل كل شئ في أمرها بمقدار.
ذلك كله من ناحية الحجم العام والنظام، فأما أسرار هذه الخلائق الهائلة وطبائعها وما يستكن فيها وما يظهر عليها؛ والنواميس الكبرى التي تحفظها وتحكمها وتصرفها ..
فهذا كله أعظم من أن يلم به الإنسان؛ وما عرف عنه إلا أقل من القليل. ودراسة هذا الكوكب الصغير الضئيل الذي نعيش على سطحه لم يتم منها حتى اليوم إلا القليل!
هذه لمحة خاطفة عن آية خلق السماوات والأرض التي نمرّ عليها سراعا.
بينما نتحدّث طويلا. وطويلا جدا. عن جهاز صغير يركبه علماء الإنسان؛ ويحتفظون فيه بالتناسق بين أجزائه المختلفة، لتعمل كلها في حركة منتظمة دون تصادم ولا خلل فترة من الزمان! ثم يستطيع بعض التائهين الضالين المنحرفين أن يزعم أن هذا الكون الهائل المنظم الدقيق العجيب وجد واستمر بدون خالق مدبّر. ويجد من يستطيع أن يسمع لهذا الهراء من العلماء).
٢ - [كلام صاحب الظلال بمناسبة آية وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ .. آية (٢٦)]
عند قوله تعالى وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ قال صاحب الظلال: (ولقد نرى أن الكثيرين من الناس لا قانتين ولا عابدين. ولكن هذا التقرير إنّما يعني خضوع كل من في السماوات والأرض لإرادة الله ومشيئته التي تصرفهم وفق السنة المرسومة التي لا تتخلف ولا تحيد. فهم محكومون بهذه السنة، ولو كانوا عصاة كافرين. إنّما تعصي عقولهم وتكفر قلوبهم ولكنهم مع هذا محكومون بالنّاموس، مأخوذون بالسنة، يتصرّف فيهم خالقهم وفق ما يريد تصرفه بباقي العبيد وهم لا يملكون إلا الخضوع والقنوت).
стр. 4040
٣ - [اتجاهات العلماء في تفسير كلمة أَهْوَنُ في الآية (٢٧) وقول الألوسي كنموذج على ذلك]
للعلماء في أفعل التفضيل في قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ أكثر من اتجاه فبعضهم يرى أنّ (أهون) هنا بمعنى (هيّن) وإذن فليست (أهون) هنا آتية للتفضيل، ومن العلماء من قال بأنّها للتفضيل، والذين ذهبوا بأنّها للتفضيل فسّروا الآية التّفسير المناسب لذلك وهذا نموذج لتفسيرهم:
قال الألوسي:
(و «أهون» للتفضيل أي والإعادة أسهل على الله تعالى من المبدأ، والأسهلية على طريقة التمثيل بالنسبة لما يفعله البشر مما يقدرون عليه، فإن إعادة شئ من مادته الأولى أهون عليهم من إيجاده ابتداء، والمراد التقريب لعقول الجهلة المنكرين للبعث وإلا فكل الممكنات بالنسبة إلى قدرته تعالى سواء، فكأنه قيل: وهو أهون عليه بالإضافة إلى قدركم والقياس على أصولكم).
كلمة في السياق: [حول صلة المجموعة الثانية بالأولى وبالمحور]
وهكذا دلّلت الآيات على وجود الله من خلال عرضها آياته التي تدل عليه، وعلى كمال قدرته، ثم قررت مرة ثالثة في هذا المقطع سهولة إعادة الخلق عليه. فعرّفتنا الآيات على الله وأقامت الحجة على مجئ اليوم الآخر.
ولقد رأينا من خلال السياق أن موضوع اليوم الآخر مرتبط بموضوع معرفة الله ، وعلى هذا فلا يكون الخلل في التصورات عن اليوم الآخر إلا بسبب الخلل في معرفة الله ، وأعظم خلل في معرفة الله هو الشرك، لذلك كان هو العامل الأكبر في اختلال تصورات الإنسان عن اليوم الآخر. إنّ الملحد الذي أشرك بالله الطبيعة إذ خلع عليها صفات الله، يكفر باليوم الآخر. والمشرك الذي آمن بإله مزعوم يأخذ عن سدنته وكهنته تسري إليه بسبب ذلك المغالطات عن اليوم الآخر. ومن ثمّ تأتي الآن مجموعتان كل مجموعة تقيم الحجة على الشرك وأهله. والملاحظ أنّ في كلّ من المجموعتين إقامة حجة وأوامر، فكلّ من المجموعتين منته بأوامر منبثقة عن التوحيد ومن هنا نفهم أن طاعة الأمر في الإسلام أثر عن الإيمان، فالتوحيد يستتبع إيمانا بالله واليوم الآخر، والإيمان بالله واليوم الآخر يستتبع طاعة والتزاما، والملاحظ أنّ الأوامر في المجموعة القادمة تنصبّ على جوانب في الإيمان والصلاة. وأن الأوامر في المجموعة التالية تنصب على الإنفاق، وكل ذلك في سياق السورة التي تعمّق موضوع الإيمان باليوم الآخر، فسياق السورة يربط بين الإيمان باليوم الآخر، والصلاة والإنفاق،
стр. 4041
وكل ذلك منسجم مع موضوع الآيات الأولى من سورة البقرة:
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ.
وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ.
فلنر المجموعتين الثالثة والرابعة من المقطع الأول.
*** تفسير المجموعة الثالثة
ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ أي تشهدونه وتفهمونه من أقرب شئ منكم وهي أنفسكم هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ أي هل يرضى أحدكم أن يكون عبده شريكا له في ماله، فهو وهو فيه سواء أي متساوون تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ أي تخافون معاشر السادة عبيدكم فيها، فلا تمضون فيها حكما دون إذنهم خوفا من لائمة تلحقكم من جهتهم، كخيفتكم أنفسكم.
أي كما يخاف بعض الأحرار بعضا فيما هو مشترك بينهم، فإذا لم ترضوا بذلك لأنفسكم فكيف ترضون لرب الأرباب، ومالك الأحرار والعبيد، أن تجعلوا بعض عبيده له شركاء. قال أبو مجلز: إن مملوكك لا تخاف أن يقاسمك مالك، وليس له ذاك.
كذلك الله لا شريك له. والمعنى: إن أحدكم يأنف من ذلك، فكيف تجعلون لله الأنداد من خلقه؟.
قال ابن كثير: هذا مثل ضربه الله تعالى للمشركين به العابدين معه غيره، الجاعلين له شركاء، وهم مع ذلك معترفون أن شركاءه من الأصنام والأنداد عبيد له، ملك له كما كانوا يقولون: (لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك ... ) فنبه الله بهذا المثل على براءته تعالى، ونزاهته عن الشريك كَذلِكَ أي مثل هذا التفصيل نُفَصِّلُ
الْآياتِ
أي نبيّنها لأنّ التمثيل يكشف المعاني ويوضّحها لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ أي يتدبرون الأمثال.
ثم قال تعالى: بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنفسهم بما أشركوا أَهْواءَهُمْ أي في عبادتهم الأنداد بِغَيْرِ عِلْمٍ أي جاهلين فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ أي من أضله الله، أي فلا أحد يهديهم إذا كتب الله ضلالهم وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ من العذاب.
أي ليس لهم من قدرة الله منقذ ولا مجير، لأنّه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.
стр. 4042
نقل:
قال صاحب الظلال عند قوله تعالى: ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ: هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ، تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ؟ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ:
(ضرب هذا المثل لمن كانوا يتخذون من دون الله شركاء خلقا من خلقه: جنا أو ملائكة أو أصناما أو أشجارا. وهم لا يرتضون أن يشاركهم مواليهم في شئ مما تحت أيديهم من مال. ولا يسوون عبيدهم بأنفسهم في شئ من الاعتبار. فيبدو أمرهم عجبا. يجعلون لله شركاء من عبيده وهو الخالق الرازق وحده. ويأنفون أن يجعلوا لأنفسهم من عبيدهم شركاء في مالهم. ومالهم ليس من خلقهم إنما هو من رزق الله. وهو تناقض عجيب في التصور والتقدير.
وهو يفصّل لهم هذا المثل خطوة خطوة ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ ليس بعيدا عنكم، ولا يحتاج إلى رحلة أو نقلة لملاحظته وتدبره هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ؟. وهم لا يرضون أن يشاركهم ما ملكت أيمانهم في شئ من الرزق فضلا عن أن يساووهم فيه تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ. أي تحسبون حسابهم معكم كما تحسبون حساب الشركاء الأحرار، وتخشون أن يجوروا عليكم، وتتحرجوا كذلك من الجور عليهم، لأنهم أكفاء لكم وأنداد؟ هل يقع شئ من هذا في محيطكم القريب وشأنكم الخاص؟ وإذا لم يكن شئ من هذا يقع فكيف ترضونه في حق الله وله المثل الأعلى؟
وهو مثل واضح بسيط حاسم لا مجال للجدل فيه، وهو يرتكن إلى المنطق البسيط وإلى العقل المستقيم: كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ).
كلمة في السياق:
رأينا أن السياق قد سار حتى استقر على إقامة الحجة على الشرك بعد أن عرّف على الله، وأقام الأدلة على أن اليوم الآخر حق، وإذا استقر هذا كله يأتي الآن التوجيه بوجوب إقامة الوجه لدين الله وحده.
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً أي مائلا عن الأديان كلها إلى الدين الحق، أي فقوّم وجهك له، وعدّله غير ملتفت عنه يمينا ولا شمالا. قال النسفي: وهو تمثيل
стр. 4043
لإقباله على الدين، واستقامته عليه، واهتمامه بأسبابه، فإنّ من اهتم بالشئ عقد عليه طرفه وسدّد إليه نظره، وقوّم له وجهه فِطْرَتَ اللَّهِ أي خلقة الله الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها أي خلقهم عليها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ أي ما ينبغي أن تبدّل تلك الفطرة أو تغيّر. والمعنى: إن إقامة الوجه للدين حنيفا، هذا هو الذي ينسجم مع الفطرة التي فطر النّاس عليها، وأنّه لا أحد يستطيع أن يبدّل خلق الله، فالفطرة البشرية منسجمة أبدا مع إقامة الدين لله حنيفا ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ أي المستقيم.
أي التمسّك بالشريعة والفطرة السليمة هو الدين القيم المستقيم، أو الدين المستقيم هو الدين المتجاوب مع الفطرة البشرية المنسجم معها. وعلى هذا فمعنى الآية: أن الله خلق عباده قابلين للتوحيد والإسلام، غير نائين عنه، ولا منكرين له، لكونه مجاوبا للعقل، مساوقا للنظر الصحيح، حتى لو تركوا لما اختاروا عليه دينا آخر، ومن غوى منهم فبإغواء شياطين الجن والإنس وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ حقيقة ذلك فأكثر الخلق جاهلون أن الفطرة البشرية لا تنسجم إلا مع إقامة الوجه للدين حنيفا.
ثم أتمّ الله الأمر والتوجيه بقوله: مُنِيبِينَ إِلَيْهِ أي راجعين إليه والمعنى:
الزموا فطرة الله منيبين إليه أو فأقيموا وجوهكم للدين حنيفين منيبين إليه، لأنّ الأمر له ﵊ أمر لأمّته، والأمر بالإنابة إليه في هذا السياق يوحي أن الإنابة إلى الله هي الخلق الدائم المنسجم مع الفطرة وَاتَّقُوهُ أي خافوه وراقبوه وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ أي أدوها في أوقاتها، محافظين على فرائضها وسننها وآدابها وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ أي ممّن يشرك به غيره في العبادة، بل كونوا من الموحّدين المخلصين له العبادة لا يريدون بها سواه
مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً أي فرقا كل واحدة تشايع إمامها الذي أضلّها، أي لا تكونوا من المشركين الذين قد فرّقوا دينهم أي بدّلوه وغيّروه، وآمنوا ببعض وكفروا ببعض. قال ابن كثير: وقرأ بعضهم: فارقوا دينهم أي تركوه وراء ظهورهم، وهؤلاء كاليهود، والنصارى، والمجوس، وعبدة الأوثان، وسائر أهل الأديان الباطلة، مما عدا أهل الإسلام كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ أي كل حزب منهم فرح بمذهبه مسرور يجد باطله حقا.
وقد دلّت الآية على أن الشرك رأس العلل: منه يحدث تفريق الدين والتفرق، ومنه تنشأ العصبية للباطل.
كلمة في السياق:
الإيمان بالكتاب والإيمان باليوم الآخر، يدخلان في الإيمان بالغيب، بل رأس الإيمان
стр. 4044
بالغيب الإيمان بالله واليوم الآخر، وقد سار سياق سورة الروم معمّقا الإيمان بالله واليوم الآخر، حتى وصل إلى الأمر بإقامة الوجه للدين حنيفا، ثم أمر بالصلاة، وها
هي مجموعة أخرى تأتي، وفيها أمر بالإنفاق، ولذلك صلته بقوله تعالى في مقدمة سورة البقرة: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ولكن هذا التفصيل جاء في سياق السّورة الخاص الذي ينصبّ التفصيل فيه انصبابا أوليا على الإيمان باليوم الآخر.
*** تفسير المجموعة الرابعة من المقطع الأول
وَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ أي شدّة من هزال أو مرض أو قحط أو غير ذلك دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ أي يعودون إلى ذروة التوحيد: وهو الدّعاء مع الإنابة ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً أي خلاصا من الشدة إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ في العبادة
لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ من النّعم فَتَمَتَّعُوا بكفركم وهو أمر وعيد فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ وبال تمتعكم، وبهذا أقام الله الحجة على المشركين من مواقفهم المتناقضة. فتارة موحدون، وتارة مشركون، يشركون في الرّخاء، ويوحّدون في الشدة، إن توحيدهم في الشدة دليل على أنهم مفتقرون إلى الله وحده، وذلك من أعظم الأدلة على وجود الفطرة البشرية، وعلى أنّها موحّدة في الأصل. وبعد أن هددهم على شركهم تابع السياق إقامة الحجة عليهم
أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً أي حجة فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ قال ابن كثير: وهذا استفهام إنكار، أي لم يكن لهم شئ من ذلك، فكيف يشركون، ولا سلطان لهم من الله على الشرك وهم مفتقرون إلى الله وحده، ولا يدعون غيره في الأزمات، وبعد أن أقام السياق الحجة على فساد الشرك وإبطاله، تابع السياق الحديث عن طبيعة الإنسان التي لا يلائمها إلا التوحيد.
وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً أي نعمة من مطر أو سعة أو صحة أو غير ذلك فَرِحُوا بِها أي بطروا بسببها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ أي بلاء من جدب أو ضيق أو مرض بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ أي بسبب شؤم معاصيهم إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ من الرحمة. وهكذا نجد الطبيعة البشرية في حال نأيها عن الله مريضة في النّعمة والنّقمة.
ومن ثمّ قال الله : أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ أي ويضيّق. قال النسفي: أنكر عليهم بأنهم قد علموا بأنه القابض الباسط، فما لهم
стр. 4045
يقنطون من رحمته، وما لهم لا يرجعون إليه تائبين عن المعاصي التي عوقبوا بالشدّة من أجلها، حتى يعيد إليهم رحمته. أقول: أو فما لهم لا يتوبون ويرجعون إلى الله، ويثقون بالله في الشدة، ويشكرونه في الرخاء، والله هو القابض الباسط إِنَّ فِي ذلِكَ في البسط والقبض لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ وهكذا أقامت الآيات الحجة على الشرك من خلال توحيد الإنسان لله في الشدة. ومن خلال عدم إعطاء الله سلطانا لأحد في الشرك، ومن خلال طبيعة الإنسان التي لا يواتيها إلا التوحيد، ومن خلال ظاهرتي القبض والبسط في الرزق.
كلمة في السياق:
من إقامة الحجة على المشركين بالتوحيد يصل السياق في الآيات الآتية إلى الأمر بالإنفاق. وقد كان الجسر الذي عبر عليه السياق من التوحيد إلى الإنفاق هو آية أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ فما دام الله هو الباسط القابض؛ فأنفقوا في سبيله، وما دام الله هو المنعم؛ فأنفقوا في سبيله.
...
فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ أي اعط قريبك حقه من البرّ والصّلة وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ أي اعطهما نصيبهما من الصدقة، وابن السبيل هو المسافر المحتاج إلى نفقته وما يحتاج إليه في سفره ذلِكَ إيتاء هؤلاء حقوقهم خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ أي يقصدون بمعروفهم إياه وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ في الدنيا والآخرة.
كلمة في السياق:
جاء في مقدمة سورة البقرة قوله تعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ثم جاء قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ثم جاء قوله تعالى: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.
وقد رأينا أن سياق سورة الروم فصّل في قضية الإيمان بالله واليوم الآخر. ثم أمر بالصلاة. ثم فصّل في التوحيد. ثم أمر بالإنفاق بعد أن علل للأمر به وختم الآية بقوله تعالى: وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ فهذه هي نفس الخاتمة التي ختمت بها الآيات الأولى من مقدمة سورة البقرة. ثم تأتي الآن آية أخيرة في المجموعة الأخيرة، وفي المقطع
стр. 4046
كله تبيّن وضع الطرفين المتقابلين: الربا والإنفاق عند الله فالربا هو مظهر الشح والبخل والجشع، والإنفاق هو مظهر زكاة النفس وطهارتها وكرمها.
...
وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ أي وما أعطيتم أكلة الربا من ربا ليربوا في أموالهم فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ أي فلا يزكو عند الله ولا يبارك فيه، أو ما أعطيتم من مال بالربا ليزداد في أموال الناس، فإنه لا يزداد عند الله بل الله يمحقه، ولنا عودة على الآية في ال فوائد . وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ أي من صدقة تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ أي تريدون بها وجهه خالصا لا تطلبون بها مكافأة ولا رياء ولا سمعة فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ أي هم ذوو الإضعاف من الحسنات. أي فأهلها هم الذين يضاعف لهم الثواب يعطون بالحسنة عشر أمثالها إلى ما شاء الله، وبهذا انتهى المقطع الأول في السورة.
فوائد:
١ - [كلام ابن كثير بمناسبة قوله تعالى فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ .. ]
بمناسبة قوله تعالى: فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ* وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ قال ابن كثير:
(وروى الإمام أحمد عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ألا أخبركم لم سمّى الله إبراهيم خليله «الذي وفّى؟» لأنه كان يقول كلّما أصبح وكلّما أمسى: سبحان الله حين تمسون وحين تصبحون، وله الحمد في السموات والأرض وعشيا وحين تظهرون». وروى الطبراني عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ قال: «من قال حين يصبح: سبحان الله حين تمسون وحين تصبحون، وله الحمد في السموات والأرض وعشيا وحين تظهرون، الآية بكمالها، أدرك ما فاته في يومه، ومن قالها حين يمسي أدرك ما فاته في ليلته»).
٢ - [حديث حول خلق آدم ﵇ بمناسبة آية وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ .. ]
بمناسبة قوله تعالى: وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ قال ابن كثير: (وروى الإمام أحمد عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، جاء منهم الأبيض والأحمر والأسود، وبين ذلك، والخبيث والسهل والحزن، وبين ذلك»).
٣ - [حديث بمناسبة قوله تعالى وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ .. ]
بمناسبة قوله تعالى: وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ
стр. 4047
مِنْ فَضْلِهِ. قال ابن كثير: روى الطبراني عن زيد بن ثابت ﵁ قال:
أصابني أرق من الليل فشكوت ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال: «قل: اللهم غارت النجوم، وهدأت العيون، وأنت حي قيوم، يا حي يا قيوم أنم عيني، وأهدئ ليلي» فقلتها فذهب عني.
٤ - [حديث عن القنوت بمناسبة آية وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ .. ]
بمناسبة قوله تعالى: وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ قال ابن كثير: وفي حديث دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد مرفوعا: «كل حرف في القرآن يذكر فيه القنوت فهو الطاعة».
٥ - [كلام النسفي حول تفسيره كلمة أَهْوَنُ في آية وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ .. ]
في قوله تعالى: وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ من آية وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ قال النسفي: (وقال أبو عبيدة والزجاج وغيرهما:
(الأهون بمعنى الهين فيوصف به الله ، وكان ذلك على الله يسيرا، كما قالوا الله أكبر أي كبير، والإعادة في نفسها عظيمة، ولكنها هوّنت بالقياس إلى الإنشاء، أو هو أهون على الخلق من الإنشاء، لأن قيامهم بصيحة واحدة أسهل من كونهم نطفا، ثم علقا، ثم مضغا، إلى تكميل خلقهم).
٦ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى .. ]
وعند قوله تعالى: وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قال ابن كثير: قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس كقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وقال قتادة: مثله: أنه لا إله إلا هو، ولا رب غيره، وقال مثل هذا ابن جرير.
فهو العزيز الذي لا يغالب ولا يمانع، بل قد غلب كل شئ، وقهر كل شئ بقدرته وسلطانه، الحكيم في أقواله وأفعاله، شرعا وقدرا، وعن مالك في تفسيره المروي عنه عن محمد بن المنكدر في قوله تعالى: وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى قال: «لا إله إلا الله».
٧ - [كلام ابن كثير والمؤلف بمناسبة آية وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ]
وقال ابن كثير في قوله تعالى: وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ كقوله تعالى: وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ [الحج: ٦٥]. وقوله: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا [فاطر: ٤١]. وكان عمر بن الخطاب ﵁ إذا اجتهد في اليمين قال:
والذي تقوم السماء والأرض بأمره، أي: هي قائمة ثابتة بأمره لها، وتسخيره إياها، ثم إذا كان يوم القيامة بدّلت الأرض غير الأرض والسموات، وخرجت الأموات من قبورها أحياء بأمره تعالى، ودعائه إياهم.
стр. 4048
أقول: مراده بكلمة (ثابتة) أي وجودها ثابت وليس مراده عدم الحركة.
٨ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً .. وتعليق المؤلف على ذلك]
بمناسبة قوله تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها قال ابن كثير: يقول تعالى: فسدّد وجهك، واستمر على الدين الذي شرعه الله لك، من الحنيفية ملة إبراهيم ﵇ الذي هداك الله لها، وكمّلها لك غاية الكمال، وأنت مع ذلك لازم فطرتك السليمة، التي فطر الله الخلق عليها، فإنّه تعالى فطر خلقه على معرفته وتوحيده، وأنه لا إله غيره كما تقدم عند قوله تعالى:
وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قالُوا بَلى (الأعراف: ١٧٢) وفي الحديث:
«إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم». وسنذكر في الأحاديث أن الله تعالى فطر خلقه على الإسلام، ثم طرأ على بعضهم الأديان الفاسدة، كاليهودية، والنصرانية، والمجوسية. وقوله تعالى: لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ قال بعضهم معناه: لا تبدّلوا خلق الله؛ فتغيّروا الناس عن فطرتهم التي فطرهم الله عليها، فيكون خبرا بمعنى الطلب كقوله تعالى: وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً [آل عمران: ٩٧] وهو معنى حسن صحيح، وقال آخرون هو خبر على بابه ومعناه: أنه تعالى ساوى بين خلقه كلهم في الفطرة على
الجبلّة المستقيمة، لا يولد أحد إلا على ذلك، ولا تفاوت بين الناس في ذلك. ولهذا قال ابن عباس، وإبراهيم النخعي، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، وقتادة، والضحاك، وابن زيد، في قوله: لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ أي لدين الله، وقال البخاري قوله: لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ لدين الله، خلق الأوّلين: دين الأولين، الدّين والفطرة: الإسلام. وبسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من مولود يولد إلا على الفطرة، فأبواه يهوّدانه، أو ينصّرانه، أو يمجّسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسّون فيها من جدعاء». ثم يقول:
فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ورواه مسلم.
روى الإمام أحمد ... عن الأسود بن سريع قال: أتيت رسول الله- ﷺ وغزوت معه فأصبت ظفرا، فقاتل الناس يومئذ حتى قتلوا الولدان، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: «ما بال أقوام جاوزهم القتل اليوم حتى قتلوا الذريّة». فقال رجل: يا رسول الله أما هم أبناء المشركين؟ فقال: «لا إنما خياركم أبناء المشركين» ثم قال:
«لا تقتلوا ذرية لا تقتلوا ذرية». وقال: «كل نسمة تولد على الفطرة حتى يعرب عنها لسانها فأبواها يهودانها أو ينصرانها». ورواه النسائي. روى الإمام أحمد ...
عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «كل مولود يولد على الفطرة
стр. 4049
حتى يعرب عنه لسانه فإذا عبّر عنه لسانه إما شاكرا وإما كفورا». روى الإمام أحمد ... عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ سئل عن أولاد المشركين فقال: «الله أعلم بما كانوا عاملين إذ خلقهم». وروى الإمام أحمد ... عن ابن عباس قال: أتى عليّ زمان وأنا أقول أولاد المسلمين مع المسلمين، وأولاد المشركين مع المشركين، حتى حدّثني فلان عن فلان أن رسول الله ﷺ سئل عن أولاد المشركين فقال: «الله أعلم بما كانوا عاملين». قال: فلقيت الرجل فأخبرني فأمسكت عن قولي، ومنهم عياض بن حمار المجاشعي. روى الإمام أحمد ... عن عياض ابن حمار أن رسول الله ﷺ خطب ذات يوم فقال في خطبته: «إنّ ربّي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم، ممّا علمني في يومي هذا: كل مال نحلته عبادي حلال.
وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فأضلتهم عن دينهم، وحرّمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزّل به سلطانا، ثمّ إنّ الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم، عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب، وقال:
إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء تقرؤه نائما ويقطان، ثم إن الله أمرني أن أحرّق قريشا، فقلت: يا رب، إذا يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة، قال: استخرجهم كما استخرجوك، واغزهم نغزك، وأنفق فسننفق عليك، وابعث جيشا نبعث خمسة أمثاله، وقاتل بمن أطاعك من عصاك. قال: وأهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، ورجل عفيف متعفّف ذو عيال- قال- وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زبر له، الذين هم فيكم تبعا، لا يبتغون أهلا ولا مالا، والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دقّ إلا خانه، ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك، وذكر البخيل والكذّاب، والشنظير: الفحاش».
أقول: ينبغي أن يلاحظ القارئ بدقة قوله ﵊: «وقاتل بمن أطاعك من عصاك» فإنها كلمة دلالتها كبيرة، فليتق الله مسلم أن يكون ذا ورع كاذب، أو أن يكون خارجيا، يكفّر حيث لا كفر، ويقتل حيث لا يحل.
٩ - [كلام ابن كثير بمناسبة قوله تعالى وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ]
بمناسبة قوله تعالى: وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ قال ابن كثير: روى ابن جرير ... عن يزيد بن أبي مريم قال: مرّ عمر ﵁ بمعاذ بن جبل فقال عمر: ما قوام هذه الأمة؟ قال معاذ: ثلاث وهن المنجيات: الإخلاص وهي الفطرة
стр. 4050
فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها والصلاة وهي الملّة، والطاعة وهي العصمة، فقال عمر: صدقت.
وهكذا لخّص معاذ قوام الإسلام بأنه الإخلاص. والصلاة. والطاعة. وهي كلمة جامعة فبدون إخلاص لا قبول، وبدون صلاة فلا إيمان، وبدون طاعة فلا جماعة، وبدون جماعة فلا عصمة «وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية».
١٠ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً .. ]
بمناسبة قوله تعالى: وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ. قال ابن كثير: هذا إنكار على الإنسان من حيث هو، إلا من عصمه الله ووفّقه، فإن الإنسان إذا أصابته نعمة بطر. وقال ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ [هود: ١٠] أي يفرح في نفسه، ويفخر على غيره، وإذا أصابته شدة قنط وأيس أن يحصل له بعد ذلك خير بالكلية. قال الله تعالى: إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أي صبروا في الضراء، وعملوا الصالحات في الرخاء، كما ثبت في الصحيح: «عجبا للمؤمن لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرا له، إن أصابته سرّاء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضرّاء صبر فكان خيرا له».
١١ - [وجه آخر من تفسير آية وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً .. ]
ذكرنا عند قوله تعالى: وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وجهين ممّا تحتمله الآية. وذكر ابن كثير: وجها آخر لم يذكره غيره. وهذا كلامه: قال: أي من أعطى عطية يريد أن يرد عليه الناس أكثر مما أهدى لهم، فهذا لا ثواب له عند الله- بهذا فسره ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، وعكرمة، ومحمد بن
كعب، والشعبي- وهذا الصنيع مباح وإن كان لا ثواب فيه، إلا أنه قد نهى عنه رسول الله ﷺ خاصة. قاله الضحاك، واستدل بقوله تعالى: وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ [المدثر: ٦٠] أي لا تعط العطاء تريد أكثر منه؛ وقال ابن عباس: الربا رباءان، فربا لا يصح، يعني ربا البيع، وربا لا بأس به، وهو هدية الرجل يريد فضلها وأضعافها. ثم تلا هذه الآية وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وإنما الثواب عند الله في الزكاة. ولهذا قال تعالى: وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ أي الذين يضاعف الله لهم الثواب والجزاء، كما جاء في الصحيح: «وما تصدّق أحد بعدل تمرة من كسب طيّب إلا أخذها الرحمن بيمينه، فيربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوّه
стр. 4051
- أو فصيله- حتى تصير التمرة أعظم من أحد».
...
والآن فلننتقل إلى المقطع الثاني في السورة. وكما بدأ المقطع الأول بقوله تعالى:
اللَّهُ فإن المقطع الثاني يبدأ كذلك. وكما بدأ المقطع الأول بالكلام عن قدرة الله على الخلق والإعادة فكذلك المقطع الثاني، مع زيادة معان تربط بداية المقطع بما قبلها، فلنذكر المقطع الثاني ثم نتحدث عنه.
***
стр. 4052
المقطع الثاني ويمتد من الآية (٤٠) إلى نهاية الآية (٤٧) وهذا هو:
٣٠/ ٤٧ - ٤٠
التفسير:
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ أي هو المختص بالخلق والرزق، والإماتة والإحياء، والخلق والرزق والإماتة كلها مشاهدة للإنسان، وكلها مما يدرك الإنسان قدرة الله فيه. وهذا يدل الإنسان على قدرة الله على الإحياء الثاني
стр. 4053
يوم القيامة هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ أي من معبوديكم الذي زعمتم أنهم شركاء لله مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ أي من الخلق والرزق والإماتة والإحياء مِنْ شَيْءٍ من تلك الأفعال، فلم يجيبوا عجزا، فقال تعالى استبعادا سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ.
قال ابن كثير: (أي تعالى، وتقدّس، وتنزّه وتعاظم، وجلّ وعزّ عن أن يكون له شريك أو نظير أو مساو، أو ولد أو والد، بل هو الأحد الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد).
كلمة في السياق:
هذه الآية قد لخّصت المعاني الرئيسية في السورة، من تقرير أن الله هو المبدئ والمعيد، وأنّ الخلق راجعون إليه، وأنّه هو الرزاق، وأن المشركين لا حجة لهم، وأنّ الشركاء لله منفيّون، وأنّه منزّه عن أقوال المشركين فيما ذهبوا إليه من الشّرك، وهي معان تؤكّد ما تمّ تفصيله من قبل. والآن تأتي آية تبيّن الآثار الفظيعة للشرك على الحياة البشرية، ثم تأتي آية تأمر بالاعتبار بحال المشركين السابقين، ثم تأتي آية تؤكّد الأمر بإقامة الوجه لدين الله؛ استعدادا لليوم الآخر، ثم بيّن الله حكمة اليوم الآخر، ثم تأتي آيتان يختم بهما المقطع وسنرى محلّهما من السياق. فلنر تتمة المقطع.
...
ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قال مجاهد: فساد البر: قتل ابن آدم، وفساد البحر: أخذ السفينة غصبا. وروى مالك عن زيد بن أسلم: أن المراد بالفساد هاهنا الشرك. قال ابن كثير: وفيه نظر. أقول: إن الفساد أثر الشرك، وهذا الذي يدلّنا عليه السياق بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ أي بسبب معاصيهم وشركهم لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا أي ليذيقهم وبال بعض أعمالهم في الدنيا قبل أن يعاقبهم بجميعها في الآخرة لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ عمّا هم عليه من المعاصي. وهكذا فهمنا من الآية أن كل فساد يقع في الأرض سببه الانحراف عن أمر الله، وسببه الشرك والكفر، وأن الفساد عذاب جعله الله ليدرك الإنسان خطأه في السير والشرك، ومن عرف عالمنا ومآسيه أدرك حاجة الإنسان إلى الإسلام.
قال النسفي: (ثمّ أكّد الله تسبيب المعاصي لغضب الله ونكاله بقوله: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ أمرهم بأن يسيروا فينظروا كيف أهلك الله الأمم، وأذاقهم سوء العاقبة بمعاصيهم، وبذلك استقر أن الشرك والمعاصي يترتب
стр. 4054
عنهما فساد عريض في الحياة البشرية، وأن في ذلك عذابا للإنسان، وأن الشرك والمعاصي بهما يستحقّ الإنسان عذاب الله،
ثمّ يأتي الآن أمر هو بمثابة التأكيد للأمر الذي ورد في المقطع السابق فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ أي البليغ الاستقامة، الذي لا يتأتّى فيه عوج مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ أي من قبل أن يأتي من الله يوم لا يرده أحد، أو لا يرده هو بعد أن يجئ به، أي لا مرد له من جهته يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ أي يتصدّعون أي يتفرقون
مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ أي فعليه وبال كفره وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ أي يسوون لأنفسهم ما يسوّيه الذي يمهّد لنفسه فراشه ويوطئه، لئلا يصيبه في مضجعه ما
ينغّص عليه مرقده من نتوء وغيره. والمعنى أنّه يمهد لهم الجنة بسبب أعمالهم فأضيف إليهم.
ثم علل الله لما مرّ بقوله: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْ فَضْلِهِ أي من عطائه إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ ومع هذا فهو العادل الذي لا يجوز. دلّ ذلك على أن حكمة وجود يوم القيامة هو مجازاة المؤمنين العاملين في الدرجة الأولى. اللهم اجعلنا منهم.
كلمة في السياق:
١ - لاحظنا أنه في المقطع السابق أقيمت الحجة على الشرك، ثم صدرت أوامر، وهاهنا أقيمت الحجة على الشرك، وذكرت آثاره السيئة في الحياة البشرية عامة، وعلى أهله خاصة، ثمّ صدرت أوامر، والملاحظ أن أمرا متشابها قد ورد في المقطعين وهو: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً إلا أن ورود الأمر في كل مرة كان في سياق.
ففي المرة الأولى صدر الأمر بإقامة الوجه للدين لأن هذا هو الوضع الذي ينسجم مع الفطرة البشرية، وفي المرة الثانية صدر الأمر بإقامة الوجه للدين استعدادا لليوم الآخر.
فالتوحيد يقتضي إقامة الوجه لدين الله، واليوم الآخر يقتضي إقامة الوجه لدين الله.
٢ - نلاحظ أن المقطع الأول بدئ بمعان قريبة من معاني المقطع الثاني، مع زيادة في بداية المقطع الثاني لها علاقة بالرزق، وهي الصلة المباشرة التي تصل بداية المقطع الثاني بنهاية المقطع الأول.
كانت بداية المقطع الأول: اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وكانت بداية المقطع الثاني: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ...
وما قبل بداية المقطع الثاني كانت الآيات التي تتحدث عن الرزق والإنفاق:
стр. 4055
أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إلى قوله تعالى: فَآتِ ذَا الْقُرْبى ....
٣ - نلاحظ أن الكلام عن التفريق الذي يحدث يوم القيامة بين الكافرين والمؤمنين قد تكرر في المقطعين، مع زيادة في المقطع الثاني. هذه الزيادة تفيد أنّ حكمة مجئ اليوم الآخر هي أن يجزي المؤمنين على إيمانهم وعملهم الصالح.
وقد بقيت آيتان لكل منهما محله في السياق القريب.
فلنر كلّا من الآيتين:
...
وَمِنْ آياتِهِ التي تدلّ على وجوده، وكمال قدرته أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ أي يرسلها للبشارة بالغيث وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ أي ولإذاقتكم الرحمة، وهي نزول المطر، وحصول الخصب الذي يتبعه، والروح الذي يرافق هبوب الريح وزكاء الأرض وغير ذلك وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ في البحر عند هبوبها بِأَمْرِهِ أي بتدبيره أو بتكوينه وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ أي بتجارة البحر والسير من إقليم لإقليم وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أي ولتشكروا نعمة الله فيها.
...
كلمة في السياق:
يلاحظ أن المقطع الأول ذكر مجموعة من الآيات كلها مبدوء بقوله تعالى:
وَمِنْ آياتِهِ ... وهاهنا وجدت آية واحدة مبدوءة بقوله تعالى: وَمِنْ آياتِهِ ... فكلّ من المقطعين يدلّل على الله في سياقه. والآن فلنتساءل ما محلّ هذه الآية في السياق القريب؟
إن التدليل على وجود الله ، وعلى كمال قدرته، في سياق الكلام عن الله واليوم الآخر، سنّة مطردة في هذا القرآن، ولكن هذه الآية جاءت هنا بعد الأمر فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً ... مما يشير إلى أنّ الآية تحقّق أكثر من غرض فكما أنها دلّلت على الله لتأكيد مجئ اليوم الآخر، فقد جاءت في سياقها لتشير إلى أنّ إقامة الوجه لدين الله يقتضيه الشكر لله على نعمه، التي منها ما تحدثت عنه الآية،
стр. 4056
ولذلك فقد ختمت الآية بقوله تعالى: وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وهكذا نفهم من مجموع السورة: أن التوحيد يقتضي إقامة الوجه لدين الله، وأن اليوم الآخر يقتضي إقامة الوجه لدين الله، وأن الشكر لله يقتضي إقامة الوجه لدين الله. وبهذا عرفنا محل الآية في السياق القريب للسورة، ومحلها في سياق السورة العام. فلنر الآية الأخيرة في المقطع الثاني.
...
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ أي بالمعجزات الواضحات، والدلائل المبصرات، فآمن قوم بهم، وكفر قوم فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا أي كفروا. وانتقام الله منهم كان بالإهلاك في الدنيا وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ أي هو حق أوجبه الله على نفسه؛ تكرّما وتفضّلا. ومن السياق نفهم أن نصرة الله لرسله قد تكون في الانتقام من أعدائهم بإهلاكهم.
...
كلمة في السياق:
رأينا في مقدمة سورة الروم قوله تعالى: وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ. والآن يأتي قوله تعالى: وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ. فالكلام عن النصر جزء من سياق السورة التي تحدّثت عنها مقدمتها.
ولكن ما محل الآية الأخيرة في السياق القريب؟ إن الآية آتية في سياق الأمر فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وهذا يفيد أن إقامة الوجه لدين الله هي الخير، وفيها النصر، لا كما يتوهمه بعض الناس، أن إقامة الوجه لدين الله تعني الخسارة، كما أنها تشير إلى أن ما ورد قبلها من آيات هي من نوع البيّنات، فهي تهديد للكافرين بعد أن وعظوا بقوله تعالى: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ.
فوائد:
١ - [حديث بمناسبة آية اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ .. ]
بمناسبة قوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ... قال ابن كثير:
روى الإمام أحمد ... عن حبّة وسواء ابني خالد قالا: دخلنا على النبي ﷺ وهو يصلح
стр. 4057
شيئا فأعناه فقال: «لا تيأسا من الرزق ما تهزهزت رءوسكما؛ فإنّ الإنسان تلده أمه أحمر ليس عليه قشرة، ثم يرزقه الله ».
٢ - [اتجاهان في تفسير آية ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ]
في قوله تعالى: ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ اتجاهان:
الأول: أنّ المراد بالفساد هنا هو ما يترتب على المعاصي والشرك من آثار سيئة ثمرتها العذاب والحياة النكد.
والثاني: أن المراد به نقص البركات في البر والبحر. وقد رجّحنا الأول أثناء التفسير. وقد قال ابن كثير في الآية: أي بأن النقص في الزروع والثمار بسبب المعاصي.
وقال أبو العالية: من عصى الله في الأرض فقد أفسد في الأرض؛ لأن صلاح الأرض والسماء بالطاعة. ولهذا جاء في الحديث الذي رواه أبو داود: «لحدّ يقام في الأرض أحب إلى أهلها من أن يمطروا أربعين صباحا»، والسبب في هذا أن الحدود إذا أقيمت انكف الناس، أو أكثرهم، أو كثير منهم عن تعاطى المحرمات، وإذا تركت المعاصي كان سببا في حصول البركات من السماء والأرض. ولهذا إذا نزل عيسى بن مريم ﵇ في آخر الزمان يحكم بهذه الشريعة المطهرة في ذلك الوقت، من قتل الخنزير، وكسر الصليب، ووضع الجزية: وهو تركها؛ فلا يقبل إلا الإسلام أو السيف، فإذا أهلك الله في زمانه الدّجال وأتباعه، ويأجوج ومأجوج، قيل للأرض أخرجي بركتك، فيأكل من الرمانة الفئام من الناس، ويستظلون بقحفها، ويكفي لبن اللقحة الجماعة من الناس، وما ذاك إلا ببركة تنفيذ شريعة محمد ﷺ ، فكلما أقيم العدل كثرت البركات والخير. ولهذا ثبت في الصحيحين «أن الفاجر إذا مات يستريح منه العباد والبلاد، والشجر والدواب».
٣ - [حديث بمناسبة آية وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ]
بمناسبة قوله تعالى: وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ قال ابن كثير:
وروى ابن أبي حاتم ... عن أبي الدرداء ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من امرئ مسلم، يردّ عن عرض أخيه، إلا كان حقا على الله أن يردّ عنه نار جهنّم يوم القيامة».
٤ - [بعض مظاهر نصرة الله للمؤمنين]
رأينا في بداية السورة مظهرا من مظاهر نصر الله وهو الغلبة العسكرية، ومن سياق قوله تعالى: وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ نفهم أن من مظاهر نصر الله الانتقام المباشر من الكافرين. ومن الحديث الذي ذكرناه في الفائدة السابقة نفهم
стр. 4058
أنّ نصرة الله للمؤمنين كائنة لا محالة، وعلى هذا فنصرة الله للمؤمنين كائنة. ولكن صورها كثيرة. فقد ينصرهم بتعذيب خصومهم، وقد ينصرهم بتسليطهم على عدوّهم.
كلمة في المقطع الثاني [وصلته بالمحور]:
إن المقطع الثاني أضاف تفصيلا جديدا لقوله تعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ. إن في تعريفنا على الله، أو في التدليل عليه، أو في وجوب إقامة الدين لوجه الله، أو في آثار الإيمان، أو فيما أعد الله للمؤمنين الصالحين. لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ. وكل ذلك ضمن سياق السورة الخاص. والآن يأتي مقطع جديد قصير مبدوء بكلمة اللَّهُ كبداية المقطعين السابقين وعلى نفس النّسق.
***
стр. 4059
المقطع الثالث ويمتدّ من الآية (٤٨) إلى نهاية الآية (٥٣) وهذا هو:
٣٠/ ٥٣ - ٤٨
التفسير:
اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً عن البحر وغيره فَيَبْسُطُهُ أي السحاب فِي السَّماءِ أي في سمت السماء وشقّها أي في الجوّ كَيْفَ يَشاءُ أي على الوضع الذي يريده
وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً
أي قطعا. أي يجعله منبسطا يأخذ وجه السماء مرة، ويجعله قطعا متفرّقة غير منبسطة مرة فَتَرَى الْوَدْقَ أي المطر يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ أي من ثناياه فَإِذا أَصابَ بِهِ أي بالمطر مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ بأن أصاب بلادهم وأراضيهم إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ أي يفرحون أي لحاجتهم إليه يفرحون بنزوله عليهم، ووصوله إليهم
وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ أي المطر مِنْ قَبْلِهِ كرّر للتأكيد. ومعنى التوكيد فيها الدلالة على أن عهدهم بالمطر قد تطاول، فاستحكم يأسهم، فكان
стр. 4060
الاستبشار على قدر اغتمامهم بذلك لَمُبْلِسِينَ أي آيسين
فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ أي المطر كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بالنبات وأنواع الثمار بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ ذلِكَ أي الله لَمُحْيِ الْمَوْتى يعني أن ذلك القادر الذي يحيي الأرض بعد موتها هو الذي يحيي الناس بعد موتهم. فهذا استدلال بإحياء الموات على إحياء الأموات وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أي وهو على كل شئ من المقدورات قادر، والبعث من جملة المقدورات بدليل الإنشاء
وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً فَرَأَوْهُ أي فرأوا أثر رحمة الله، لأن رحمة الله هي الغيث، وأثرها النبات مُصْفَرًّا أي فرأوا النبات مصفرّا بعد اخضراره، أو فرأوا السّحاب مصفرا، لأنّ السّحاب الأصفر لا يمطر لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ أي من بعد اصفراره يَكْفُرُونَ أي يجحدون ما نقدم إليهم من النعم.
قال النسفي: (ذمّهم الله تعالى بأنه إذا حبس عنهم المطر قنطوا من رحمته، وضربوا أذقانهم على صدورهم مبلسين، فإذا أصابهم برحمته، ورزقهم المطر، استبشروا، فإذا أرسل ريحا فضرب زروعهم بالصفار ضجوا، وكفروا بنعمة الله فهم في جميع هذه الأحوال على الصفة المذمومة، وكان عليهم أن يتوكلوا على الله وفضله فقنطوا، وأن يشكروا نعمته ويحمدوه عليها ففرحوا، وأن يصبروا على بلائه فكفروا).
فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى أي موتى القلوب. فكأن هؤلاء في حكم الموتى، فلا تطمع أن يقبلوا منك وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ أي النداء إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ إذا ذهبوا معرضين. قال النسفي: (فإن قلت: الأصم لا يسمع مقبلا أو مدبرا فما فائدة هذا التخصيص؟ قلت: هو إذا كان مقبلا يفهم بالرمز والإشارة، فإذا ولّى لا يسمع ولا يفهم بالإشارة)
وَما أَنْتَ بِهادِ الْعُمْيِ أي عمى القلوب عَنْ ضَلالَتِهِمْ التي هم عليها إِنْ تُسْمِعُ أي ما تسمع إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا أي القرآن فَهُمْ مُسْلِمُونَ أي خاضعون منقادون مستجيبون مطيعون، فأولئك هم الذين يسمعون الحق ويتّبعونه. وهذا حال المؤمنين. والأول مثل الكافرين.
كلمة في المقطع الثالث والسياق: [حول صلة المقاطع الثلاثة الأولى ببعضها وصلة المقطع الثالث بالمقطعين الثاني والرابع]
١ - نلاحظ أنّ الآية الأولى في المقطع الذي مرّ معنا متصلة المعنى بالآية التي قبل الأخيرة من المقطع السابق عليه. فالآية قبل الأخيرة من ذلك المقطع هي:
وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ
стр. 4061
بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.
ثم تأتي آية: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ.
ثم جاء قوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً ... إن الصلة بين هذه الآية وتلك واضحة. فالمعنى واحد، ولكن سيق المعنى هناك للتدليل على وجود الله، وسيق هنا للتذكير باليوم الآخر، ولكن لم وجدت الآية الوسطى بينهما؟
إنّ الآيتين تضيئان على الآية التي جاءت بينهما. فنفهم من ذلك أنّه كما أن المطر تسبقه رياح مبشرات- وقد يأتي بعد احتباس- فكذلك نصر الله يأتي بعد ترقب واحتباس.
وإذ أخذ الله على اليائسين من رحمته يأسهم في موضوع المطر، فقد أعطى الله درسا للمؤمنين بألا ييأسوا من النّصر دون أن يخاطبهم بذلك مباشرة. وعلى هذا فما ذكره الله في سورة البقرة حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (البقرة: ٢١٤) صراحة قد ذكّر الله به المؤمنين هنا بشكل ضمني. ومما مر نعلم أن بين بداية المقطع الثالث ونهاية المقطع الثاني صلة واضحة.
٢ - كما أقام الله الحجج في المقطع الأول والثاني على مجئ اليوم الآخر. فقد أقام في المقطع الثالث الحجّة على ذلك، ثمّ إنّه بعد أن أقام الحجة على ذلك في الآيات الثلاث الأول انتقل السياق ليحدّثنا عن الطبيعة الكافرة الجحود التي لا ينفعها حجّة، ولا تنفع معها آية. وقد وصفهم الله بالموت والصّمم والعمى؛ تعزية لرسوله ﷺ وتسلية له، كما بيّن من هم الذين يستفيدون من الآيات، وهم المؤمنون بآيات الله. وهذا يذكّرنا بقوله تعالى في الآيات الأولى من سورة البقرة وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ (البقرة: ٤). إذ تبيّن الآية الأخيرة علامة الإيمان بالآيات وهي الإسلام إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ.
٣ - رأينا أن السورة في سياقها الرئيسي تتحدّث عن اليوم الآخر مباشرة أو من خلال الحديث عن الله، والإيمان بالله واليوم الآخر من أهمّ أركان الإيمان بالغيب. وقد حدّثنا المقطع الثالث عن الله، وعن اليوم الآخر، وعن الكفر والإيمان،
стр. 4062
وحدد طبيعة الكفر من موت وعمى وصمم وهذا يعني أن المؤمنين هم الأحياء السامعون المبصرون. ولم يبق عندنا في السورة إلا مقطع واحد هو المقطع الرابع والأخير وهو خاتمة السورة وقبل أن نذكره فلنذكر بعض فوائد المقطع الثالث.
فوائد:
١ - [المعجزة القرآنية بمناسبة آية اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً .. ]
إن في قوله تعالى عن الرياح اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً لمعجزة من معجزات القرآن. فلو أن إنسانا استطاع أن يرى الرياح وهي تثير ذرات البخار، ولو استطاع أن يرى ذرات البخار أول أخذ الرياح لها، لما رأى أشبه منها بذرات الغبار وهي تثيرها الرياح، فاستعمال لفظ (تثير) في هذا المقام معجزة لمن تأمّل.
٢ - [أنواع الرياح والرياح التي أهلكت عادا وتعليق المؤلف على كلام ابن كثير في ذلك]
بمناسبة قوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً قال ابن كثير: (روى ابن أبي حاتم ... عن عبد الله بن عمرو قال: الرياح ثمانية: أربعة منها رحمة، وأربعة منها عذاب، فأما الرحمة: فالناشرات، والمبشّرات، والمرسلات، والذاريات، وأما العذاب: فالعقيم، والصرصر- وهما في البر- والعاصف، والقاصف- وهما في البحر- فإذا شاء حرّكه بحركة الرحمة، فجعله رخاء ورحمة، وبشرى بين يدي رحمته، ولاقحا للسحاب، يلقّحه بحمله الماء كما يلقّح الذكر الأنثى بالحمل، وإن شاء حرّكه بحركة العذاب، فجعله عقيما، وأودعه عذابا أليما، وجعله نقمة على من يشاء من عباده، فيجعله صرصرا، وعاتيا، ومفسدا لما يمرّ عليه، والرياح مختلفة في مهابّها: صبا ودبور وجنوب وشمال، وفي منفعتها وتأثيرها أعظم اختلاف؛ فريح لينة رطبة تغذي النبات وأبدان الحيوان، وأخرى تجففه، وأخرى تهلكه وتعطبه، وأخرى تشدّه وتصلّبه، وأخرى توهنه وتضعفه).
أقول: في هذا المقام يذكر ابن كثير حديثا حول الرياح التي أهلكت عادا، وأنها من الأرض الثانية. وقال عنه: هذا حديث غريب، ورفعه منكر، والأظهر أنه من كلام عبد الله بن عمرو ﵁، وإنما أشرنا إلى ذلك ليعلم أنّه باطل المعنى، منكر السند غريبه.
٣ - [تحقيق ابن كثير حول الآية فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى .. والمقصود بالموتى]
عند قوله تعالى: فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى ... ذكر ابن كثير تحقيقا وسبب التحقيق أنّ الآية أرادت أنهم موتى القلوب، ولا ينفي هذا أن الموتى يسمعون من عالم الأحياء لكنّه وجد من فهم هذا النص على ظاهره فاقتضى ذلك تحقيق
стр. 4063
ابن كثير. قال ابن كثير: (وقد استدلت أم المؤمنين عائشة ﵂ بهذه الآية فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى على توهيم عبد الله بن عمر في روايته مخاطبة النبي ﷺ القتلى الذين ألقوا في قليب بدر، بعد ثلاثة أيام، ومعاتبته إياهم وتقريعه لهم، حتى قال له عمر: يا رسول الله: ما تخاطب من قوم قد جيّفوا؟ فقال: «والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكن لا يجيبون». وتأوّلته عائشة على أنه قال: «إنهم الآن ليعلمون أن ما كنت أقول لهم حق». وقال قتادة: أحياهم الله له حتى سمعوا مقالته تقريعا وتوبيخا ونقمة، والصحيح عند العلماء رواية عبد الله بن عمر لما لها من الشواهد على صحتها من وجوه كثيرة، من أشهر ذلك ما رواه ابن عبد البر مصححا له عن ابن عباس مرفوعا: «ما من أحد يمر بقبر أخيه المسلم كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا ردّ الله عليه روحه حتى يرد ﵇». وثبت عنه ﷺ لأمته إذا سلموا على أهل القبور أن يسلموا عليهم سلام من يخاطبونه، فيقول المسلم:
السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وهذا خطاب لمن يسمع ويعقل، ولولا هذا الخطاب لكانوا بمنزلة خطاب المعدوم والجماد، والسلف مجمعون على هذا. وقد تواترت الآثار عنهم بأن الميت يعرف بزيارة الحي ويستبشر. فروى ابن أبي الدنيا في كتاب القبور عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «ما من رجل يزور قبر أخيه، ويجلس عنده إلا استأنس به، ورد عليه، حتى يقوم». وروي عن أبي هريرة ﵁ قال: إذا مرّ الرجل بقبر يعرفه فسلم عليه رد ﵇؛ وقد شرع السلام على الموتى، والسلام على من لم يشعر ولا يعلم بالمسلّم محال. وقد علّم النبي ﷺ أمته إذا رأوا القبور أن يقولوا: سلام عليكم أهل الديار من المؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، فهذا السلام والخطاب والنداء، لموجود يسمع، ويخاطب، ويعقل ويرد، وإن لم يسمع المسلّم الرد والله أعلم).
ولننتقل إلى المقطع الرابع والأخير.
***
стр. 4064
المقطع الرابع ويمتدّ من الآية (٥٤) إلى نهاية الآية (٦٠) أي إلى نهاية السورة. وهذا هو:
٣٠/ ٦٠ - ٥٤
التفسير:
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ أي من النطف حتى حال الشباب ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً يعني حال الشباب، وبلوغ الأشدّ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يعني حال الشيخوخة والهرم يَخْلُقُ ما يَشاءُ من ضعف وقوّة، وشباب وشيبة وَهُوَ الْعَلِيمُ بأحوالهم الْقَدِيرُ على تغييرهم. قال النسفي:
(وهذا الترديد في الأحوال أبين دليل على الصانع العليم القدير)
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أي القيامة، سمّيت بذلك لأنّها تقوم في آخر ساعة من ساعات الدنيا، أو لأنّها تقع بغتة يُقْسِمُ أي يحلف الْمُجْرِمُونَ أي الكافرون ما لَبِثُوا أي في القبور، أو في الدنيا غَيْرَ ساعَةٍ استقلّوا مدّة لبثهم في القبور أو في الدنيا؛
стр. 4065
لهول يوم القيامة، وطول مقامهم في شدائدها، أو ينسون أو يكذبون، وهو الذي يدلّ عليه السّياق. قال ابن كثير: (يخبر تعالى عن جهل الكفار في الدنيا والآخرة؛ ففي
الدنيا فعلوا ما فعلوا من عبادة الأوثان، وفي الآخرة يكون منهم جهل عظيم أيضا، فمنه إقسامهم بالله أنهم ما لبثوا غير ساعة واحدة في الدنيا، ومقصودهم بذلك عدم قيام الحجة عليهم، وأنهم لم ينظروا حتى يعذر إليهم). كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ أي يصرفون، أي مثل ذلك الصرف كانوا يصرفون عن الصدق إلى الكذب في الدنيا
وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ قال النسفي: هم الأنبياء والملائكة والمؤمنون لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ أي في علم الله المثبت في اللوح، أو في حكم الله وقضائه إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ لا كما زعمتم من لبثكم القصير، ردّوا عليهم ما قالوه وحلفوا عليه، وأطلعوهم على الحقيقة. قال ابن كثير: (أي فيرد عليهم المؤمنون العلماء في الآخرة، كما أقاموا عليهم حجة الله في الدنيا). ثمّ وصلوا ذلك بتقريعهم على إنكار البعث بقولهم فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ وتقدير الكلام: إن كنتم منكرين البعث فهذا يوم البعث الذي أنكرتموه وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ في الدنيا لا تَعْلَمُونَ أنه حق لتفريطكم في طلب الحق واتباعه
فَيَوْمَئِذٍ أي يوم القيامة لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أي كفروا مَعْذِرَتُهُمْ أي اعتذارهم عمّا فعلوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ أي لا يقال لهم: ارضوا ربكم بتوبة، من قولك استعتبني فلان فأعتبته، أي استرضاني فأرضيته.
كلمة في السياق:
١ - إن الصلة بين الآيات التي مرّت معنا واضحة، فقوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ... يشير إلى الزمن الطويل المتراخي الذي يقضيه الإنسان على الأرض، بما يكفيه للاعتبار ومع ذلك، فإنّه يوم القيامة يقسم أنه لم يعش إلا ساعة، وهذه الساعة- في زعمه- لم تكن كافية لتقوم عليه الحجّة. وقد كذب.
٢ - في قوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ دليل على وجود الله من خلال انتقال الإنسان من حال إلى حال، كما يراه في نفسه، فهذا لا يمكن أن يكون لولا أن الله العليم القدير هو الذي يفعل ذلك، إنّ هذا تقتضيه بداهة
следующие страницы →