بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.
ثم تأتي آية: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ.
ثم جاء قوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً ... إن الصلة بين هذه الآية وتلك واضحة. فالمعنى واحد، ولكن سيق المعنى هناك للتدليل على وجود الله، وسيق هنا للتذكير باليوم الآخر، ولكن لم وجدت الآية الوسطى بينهما؟
إنّ الآيتين تضيئان على الآية التي جاءت بينهما. فنفهم من ذلك أنّه كما أن المطر تسبقه رياح مبشرات- وقد يأتي بعد احتباس- فكذلك نصر الله يأتي بعد ترقب واحتباس.
وإذ أخذ الله على اليائسين من رحمته يأسهم في موضوع المطر، فقد أعطى الله درسا للمؤمنين بألا ييأسوا من النّصر دون أن يخاطبهم بذلك مباشرة. وعلى هذا فما ذكره الله في سورة البقرة حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (البقرة: ٢١٤) صراحة قد ذكّر الله به المؤمنين هنا بشكل ضمني. ومما مر نعلم أن بين بداية المقطع الثالث ونهاية المقطع الثاني صلة واضحة.
٢ - كما أقام الله الحجج في المقطع الأول والثاني على مجئ اليوم الآخر. فقد أقام في المقطع الثالث الحجّة على ذلك، ثمّ إنّه بعد أن أقام الحجة على ذلك في الآيات الثلاث الأول انتقل السياق ليحدّثنا عن الطبيعة الكافرة الجحود التي لا ينفعها حجّة، ولا تنفع معها آية. وقد وصفهم الله بالموت والصّمم والعمى؛ تعزية لرسوله ﷺ وتسلية له، كما بيّن من هم الذين يستفيدون من الآيات، وهم المؤمنون بآيات الله. وهذا يذكّرنا بقوله تعالى في الآيات الأولى من سورة البقرة وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ (البقرة: ٤). إذ تبيّن الآية الأخيرة علامة الإيمان بالآيات وهي الإسلام إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ.
٣ - رأينا أن السورة في سياقها الرئيسي تتحدّث عن اليوم الآخر مباشرة أو من خلال الحديث عن الله، والإيمان بالله واليوم الآخر من أهمّ أركان الإيمان بالغيب. وقد حدّثنا المقطع الثالث عن الله، وعن اليوم الآخر، وعن الكفر والإيمان،
стр. 4062
وحدد طبيعة الكفر من موت وعمى وصمم وهذا يعني أن المؤمنين هم الأحياء السامعون المبصرون. ولم يبق عندنا في السورة إلا مقطع واحد هو المقطع الرابع والأخير وهو خاتمة السورة وقبل أن نذكره فلنذكر بعض فوائد المقطع الثالث.
فوائد:
١ - [المعجزة القرآنية بمناسبة آية اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً .. ]
إن في قوله تعالى عن الرياح اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً لمعجزة من معجزات القرآن. فلو أن إنسانا استطاع أن يرى الرياح وهي تثير ذرات البخار، ولو استطاع أن يرى ذرات البخار أول أخذ الرياح لها، لما رأى أشبه منها بذرات الغبار وهي تثيرها الرياح، فاستعمال لفظ (تثير) في هذا المقام معجزة لمن تأمّل.
٢ - [أنواع الرياح والرياح التي أهلكت عادا وتعليق المؤلف على كلام ابن كثير في ذلك]
بمناسبة قوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً قال ابن كثير: (روى ابن أبي حاتم ... عن عبد الله بن عمرو قال: الرياح ثمانية: أربعة منها رحمة، وأربعة منها عذاب، فأما الرحمة: فالناشرات، والمبشّرات، والمرسلات، والذاريات، وأما العذاب: فالعقيم، والصرصر- وهما في البر- والعاصف، والقاصف- وهما في البحر- فإذا شاء حرّكه بحركة الرحمة، فجعله رخاء ورحمة، وبشرى بين يدي رحمته، ولاقحا للسحاب، يلقّحه بحمله الماء كما يلقّح الذكر الأنثى بالحمل، وإن شاء حرّكه بحركة العذاب، فجعله عقيما، وأودعه عذابا أليما، وجعله نقمة على من يشاء من عباده، فيجعله صرصرا، وعاتيا، ومفسدا لما يمرّ عليه، والرياح مختلفة في مهابّها: صبا ودبور وجنوب وشمال، وفي منفعتها وتأثيرها أعظم اختلاف؛ فريح لينة رطبة تغذي النبات وأبدان الحيوان، وأخرى تجففه، وأخرى تهلكه وتعطبه، وأخرى تشدّه وتصلّبه، وأخرى توهنه وتضعفه).
أقول: في هذا المقام يذكر ابن كثير حديثا حول الرياح التي أهلكت عادا، وأنها من الأرض الثانية. وقال عنه: هذا حديث غريب، ورفعه منكر، والأظهر أنه من كلام عبد الله بن عمرو ﵁، وإنما أشرنا إلى ذلك ليعلم أنّه باطل المعنى، منكر السند غريبه.
٣ - [تحقيق ابن كثير حول الآية فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى .. والمقصود بالموتى]
عند قوله تعالى: فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى ... ذكر ابن كثير تحقيقا وسبب التحقيق أنّ الآية أرادت أنهم موتى القلوب، ولا ينفي هذا أن الموتى يسمعون من عالم الأحياء لكنّه وجد من فهم هذا النص على ظاهره فاقتضى ذلك تحقيق
стр. 4063
ابن كثير. قال ابن كثير: (وقد استدلت أم المؤمنين عائشة ﵂ بهذه الآية فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى على توهيم عبد الله بن عمر في روايته مخاطبة النبي ﷺ القتلى الذين ألقوا في قليب بدر، بعد ثلاثة أيام، ومعاتبته إياهم وتقريعه لهم، حتى قال له عمر: يا رسول الله: ما تخاطب من قوم قد جيّفوا؟ فقال: «والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكن لا يجيبون». وتأوّلته عائشة على أنه قال: «إنهم الآن ليعلمون أن ما كنت أقول لهم حق». وقال قتادة: أحياهم الله له حتى سمعوا مقالته تقريعا وتوبيخا ونقمة، والصحيح عند العلماء رواية عبد الله بن عمر لما لها من الشواهد على صحتها من وجوه كثيرة، من أشهر ذلك ما رواه ابن عبد البر مصححا له عن ابن عباس مرفوعا: «ما من أحد يمر بقبر أخيه المسلم كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا ردّ الله عليه روحه حتى يرد ﵇». وثبت عنه ﷺ لأمته إذا سلموا على أهل القبور أن يسلموا عليهم سلام من يخاطبونه، فيقول المسلم:
السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وهذا خطاب لمن يسمع ويعقل، ولولا هذا الخطاب لكانوا بمنزلة خطاب المعدوم والجماد، والسلف مجمعون على هذا. وقد تواترت الآثار عنهم بأن الميت يعرف بزيارة الحي ويستبشر. فروى ابن أبي الدنيا في كتاب القبور عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «ما من رجل يزور قبر أخيه، ويجلس عنده إلا استأنس به، ورد عليه، حتى يقوم». وروي عن أبي هريرة ﵁ قال: إذا مرّ الرجل بقبر يعرفه فسلم عليه رد ﵇؛ وقد شرع السلام على الموتى، والسلام على من لم يشعر ولا يعلم بالمسلّم محال. وقد علّم النبي ﷺ أمته إذا رأوا القبور أن يقولوا: سلام عليكم أهل الديار من المؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، فهذا السلام والخطاب والنداء، لموجود يسمع، ويخاطب، ويعقل ويرد، وإن لم يسمع المسلّم الرد والله أعلم).
ولننتقل إلى المقطع الرابع والأخير.
***
стр. 4064
المقطع الرابع ويمتدّ من الآية (٥٤) إلى نهاية الآية (٦٠) أي إلى نهاية السورة. وهذا هو:
٣٠/ ٦٠ - ٥٤
التفسير:
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ أي من النطف حتى حال الشباب ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً يعني حال الشباب، وبلوغ الأشدّ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يعني حال الشيخوخة والهرم يَخْلُقُ ما يَشاءُ من ضعف وقوّة، وشباب وشيبة وَهُوَ الْعَلِيمُ بأحوالهم الْقَدِيرُ على تغييرهم. قال النسفي:
(وهذا الترديد في الأحوال أبين دليل على الصانع العليم القدير)
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أي القيامة، سمّيت بذلك لأنّها تقوم في آخر ساعة من ساعات الدنيا، أو لأنّها تقع بغتة يُقْسِمُ أي يحلف الْمُجْرِمُونَ أي الكافرون ما لَبِثُوا أي في القبور، أو في الدنيا غَيْرَ ساعَةٍ استقلّوا مدّة لبثهم في القبور أو في الدنيا؛
стр. 4065
لهول يوم القيامة، وطول مقامهم في شدائدها، أو ينسون أو يكذبون، وهو الذي يدلّ عليه السّياق. قال ابن كثير: (يخبر تعالى عن جهل الكفار في الدنيا والآخرة؛ ففي
الدنيا فعلوا ما فعلوا من عبادة الأوثان، وفي الآخرة يكون منهم جهل عظيم أيضا، فمنه إقسامهم بالله أنهم ما لبثوا غير ساعة واحدة في الدنيا، ومقصودهم بذلك عدم قيام الحجة عليهم، وأنهم لم ينظروا حتى يعذر إليهم). كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ أي يصرفون، أي مثل ذلك الصرف كانوا يصرفون عن الصدق إلى الكذب في الدنيا
وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ قال النسفي: هم الأنبياء والملائكة والمؤمنون لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ أي في علم الله المثبت في اللوح، أو في حكم الله وقضائه إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ لا كما زعمتم من لبثكم القصير، ردّوا عليهم ما قالوه وحلفوا عليه، وأطلعوهم على الحقيقة. قال ابن كثير: (أي فيرد عليهم المؤمنون العلماء في الآخرة، كما أقاموا عليهم حجة الله في الدنيا). ثمّ وصلوا ذلك بتقريعهم على إنكار البعث بقولهم فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ وتقدير الكلام: إن كنتم منكرين البعث فهذا يوم البعث الذي أنكرتموه وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ في الدنيا لا تَعْلَمُونَ أنه حق لتفريطكم في طلب الحق واتباعه
فَيَوْمَئِذٍ أي يوم القيامة لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أي كفروا مَعْذِرَتُهُمْ أي اعتذارهم عمّا فعلوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ أي لا يقال لهم: ارضوا ربكم بتوبة، من قولك استعتبني فلان فأعتبته، أي استرضاني فأرضيته.
كلمة في السياق:
١ - إن الصلة بين الآيات التي مرّت معنا واضحة، فقوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ... يشير إلى الزمن الطويل المتراخي الذي يقضيه الإنسان على الأرض، بما يكفيه للاعتبار ومع ذلك، فإنّه يوم القيامة يقسم أنه لم يعش إلا ساعة، وهذه الساعة- في زعمه- لم تكن كافية لتقوم عليه الحجّة. وقد كذب.
٢ - في قوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ دليل على وجود الله من خلال انتقال الإنسان من حال إلى حال، كما يراه في نفسه، فهذا لا يمكن أن يكون لولا أن الله العليم القدير هو الذي يفعل ذلك، إنّ هذا تقتضيه بداهة
стр. 4066
الفطرة التي تحسّ بقانون السببية في أعماقها. كما أن في الآية تذكيرا بعلم الله وقدرته، فعلم الله المحيط بالأشياء لا تغيب عنه ذرات الإنسان وقدرة الله الكاملة لا يعجزها أن تعيد هذا الإنسان. ومن ثمّ فبعد هذه الآية مباشرة جاء الكلام عن اليوم الآخر.
فالمقطع إذن كبقية المقاطع؛ من حيث إنه حديث عن الله واليوم الآخر بل إنك لتجد تشابها كاملا بين بداية المقطع هنا وبداية المقطع الأول، لاحظ أنّه قد جاء في بداية المقطع الأول:
اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ ... ولاحظ هنا اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ... وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ ....
٣ - إن الصلة بين الآيات التي مرّت معنا من المقطع الرابع، وبين ما قبلها مباشرة واضحة. فبعد أن حدثنا الله عن صمم الكافرين وعماهم، وموت قلوبهم، وعظ الإنسان هذه الموعظة البليغة. فذكّره بعجزه أولا، وعجزه آخرا.
وذكّره بتنقيله له من حال إلى حال. وذكّره بما سيقوله يوم القيامة، وكل ذلك ليتعظ هذا الإنسان ويتذكّر. ولذلك نجد الآية التي تأتي بعد هذا مباشرة هي قوله تعالى:
وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فلنمض في التفسير:
...
وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ أي قد بيّنا لهم الحقّ ووضّحناه لهم، وضربنا لهم من الأمثال ليستبينوا الحق ويتّبعوه وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ أي لو رأوا أي آية كانت- سواء كانت باقتراحهم أو غيره- لا يؤمنون بها، ويعتقدون أنها سحر وباطل. قال النسفي في الآية:
(أي ولقد وصفنا لهم كل صفة كأنها مثل في غرابتها، وقصصنا عليهم كل قصة عجيبة الشأن، كصفة المبعوثين يوم القيامة وقصتهم، وما يقولون، وما يقال لهم، وما لا ينفع من اعتذارهم، ولا يسمع من استعتابهم، ولكنهم لقسوة قلوبهم إذا جئتهم بآية من آيات القرآن قالوا: جئتنا بزور وباطل).
كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ أي مثل ذلك الطبع:
وهو الختم يطبع الله على قلوب الجهلة الذين علم الله منهم اختيار الضلال، حتى إنّهم ليسمّون الأشياء بأضدادها فيسمّون المحقّ مبطلا، والظالم عادلا، والعادل ظالما،
стр. 4067
فهم أعرق خلق الله في الجهالة والباطل.
...
كلمة في السياق:
١ - إنّ مجئ قوله تعالى: وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ بعد ما ذكر من قول الكافرين يوم القيامة فيه إشارة إلى أنّ الحجة في الدنيا قد قامت عليهم بهذا القرآن، فتراخي العمر، ومرورهم بكل طور، كان كافيا للتدبر والاعتبار، ونزول القرآن كان كافيا للإيمان، ولكن العلة فيهم.
٢ - نلاحظ أن المقطع الثالث انتهى بالكلام عن موت قلوب الكافرين وعماهم وصممهم كما رأينا فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ* وَما أَنْتَ بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ وفي هذا المقطع تأكيد لهذا الصمم، والعمى كذلك وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ مع بيان أن هذا الختم على قلوبهم إنما كان بسبب ظلمهم ومواقفهم من أهل الإيمان، وبعد أن تبيّنت مواقف الكافرين، وثبت فسادها، وقامت عليهم الحجة، تأتي الآية الأخيرة في السورة وهي مبدوءة بقوله تعالى: فَاصْبِرْ فلنر الآية:
..
فَاصْبِرْ أي على مخالفتهم وعنادهم وأذاهم وعداوتهم إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ بنصرتك على أعدائك، وإظهار دين الإسلام على كل دين، وجعله العاقبة لك، ولمن اتبعك في الدنيا والآخرة حَقٌّ لا بد من إنجازه والوفاء به.
وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ أي لا يحملنك هؤلاء الذين لا يوقنون بالآخرة على الخفة واستعجال النصر، أو لا يحملنّك على الخفّة والقلق جزعا مما يقولون ويفعلون؛ فإنهم ضلّال شاكّون لا يستبعد منهم ذلك قال ابن كثير: (أي بل اثبت على ما بعثك الله به؛ فإنّه الحقّ الذي لا مرية فيه، ولا تعدل عنه، وليس فيما سواه هدى يتبع، بل الحق كله منحصر فيه).
стр. 4068
كلمة في السياق:
١ - إن الأمر فَاصْبِرْ واضح الصلة بما قبله مباشرة، حيث جاء بعد ذكر موقف الكافرين من الآيات والقرآن، وهذا يقتضي صبرا، كما أنه واضح الصلة بكل السّورة؛ إذ السورة في كل مقام من مقاماتها تستدعي الصبر، من انتظار غلبة الروم، إلى انتظار نصر الله، إلى الصبر في إقامة الوجه لدين الله، إلى غير ذلك.
٢ - إن قوله تعالى: إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ واضح الصلة بما قبله مباشرة؛ إذ ما قبله حديث عما يكون للكافرين يوم القيامة، وهو وعد للرسول ﷺ والمؤمنين. كما أنه واضح الصلة بالسورة كلها، ففي السورة قوله تعالى: وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ وهو وعد. وفي السورة قوله تعالى: وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ* بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ* وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ ....
٣ - وقوله تعالى: وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ واضح الصلة بما قبله مباشرة؛ إذ ما قبله كلام عن الذين لا يوقنون. كما أنه واضح الصلة في السورة كلها؛ إذ السورة كلها تتحدث عن الإيمان باليوم الآخر، واليقين فيه. وهكذا نجد أن الآية التي ختمت بها السورة تصل بداية السورة بوسطها بنهايتها. كما أنها شديدة الصلة بما قبلها مباشرة.
كلمة في المقطع الأخير:
نلاحظ أن المقطع الأخير كان جاريا على نسق المقاطع الثلاثة السابقة إن في بدايته، أو في مضمونه، مع اشتماله على خاتمة تضئ على ما قبلها من السورة كلها، وهو على صلة بمحور السورة؛ إذ هو نوع تفصيل لقضايا من الإيمان بالغيب. فقد ورد فيه كلام عن الله، وعن اليوم الآخر، وعن القرآن، وعن الرسول ﷺ ، وعن الملائكة، وعن القدر، وكل ذلك قد جاء ضمن نسق السياق الخاص للسورة. فلنذكر الآن بعض ال فوائد التي لها علاقة بالمقطع.
فوائد:
١ - [كلام ابن كثير عند الآية (٥٤) وقراءة ضُعف بالضم ودرس لمن يخلط بين القراءات]
بمناسبة قوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً قال ابن كثير: (روى الإمام أحمد
стр. 4069
عن عطية العوفي قال: قرأت على ابن عمر اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً فقال: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً ثم قال: قرأت على رسول الله ﷺ كما قرأت عليّ، فأخذ عليّ كما أخذت عليك، ورواه أبو داود والترمذي وحسّنه من حديث فضيل به، ورواه أبو داود من حديث عبد الله بن جابر عن عطية عن أبي سعيد بنحوه). هذه الرواية تفيد أن الرسول ﷺ كان إذا أقرأ أحدا حرفا من أحرف القرآن السبعة كان يتشدّد فيه. وإذا كانت القراءات السبع الآن هي بقية الأحرف السبعة فينبغي لقارئ القرآن أن يقرأ على قراءة من القراءات، لا أن يخلط بينها، وليس حراما، ولكنه مخالفة للسنة، إلا في مقام تعليم أو لغرض صحيح.
٢ - [العلم والإيمان مقترنان بدليل آية وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ]
من قوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ نفهم أنه لا بد من علم، ولا بد من إيمان. فعلم بلا إيمان لا قيمة له بل هو الكفر، وإيمان بلا علم تعريض النفس للضلالة. ومن ثم فعلى المربّين أن يلاحظوا ذلك، فيسيروا بالطالب في هذا وهذا، وللأسف فقد مرّت فترات انفصل فيها السير العلمي عن السير الإيماني، فصرت تجد الشيخ الذي يسلك بالمريد طريق الإيمان دون أن يقدم له علما، أو الشيخ الذي يعلّم دون أن يربي الإيمان. وصارت المسألة وكأنها صراع بين صوفية وفقهاء، ولا كمال إلا في تصوّف صحيح محرر، وفقه مدلّل، يقيّد ذلك كله التزام كامل بنصوص الكتاب والسنة.
٣ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ .. ]
بمناسبة قوله تعالى: فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ... يذكر ابن كثير هذه القصة قال: (قال سعيد عن قتادة: نادى رجل من الخوارج عليا ﵁ وهو في صلاة الغداة فقال: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ [الزمر: ٦٥] فأنصت له عليّ حتى فهم ما قاله، فأجابه وهو في الصلاة: فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ).
٤ - [كلام ابن كثير حول ما روي في فضل سورة الروم واستحباب قراءتها في الفجر]
بمناسبة الكلام عن سورة الروم قال ابن كثير:
(ما روي في فضل هذه السورة الشريفة واستحباب قراءتها في الفجر)
روى الإمام أحمد ... عن شيبان أبا روح يحدث عن رجل من أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلم
стр. 4070
أن رسول الله ﷺ صلى بهم الصبح فقرأ فيها الروم فأوهم، فلما انصرف قال: «إنّه يلبّس علينا القرآن، فإنّ أقواما منكم يصلون معنا لا يحسنون الوضوء، فمن شهد منكم الصلاة معنا فليحسن الوضوء». وهذا إسناد حسن ومتن حسن، وفيه سرّ عجيب. ونبأ غريب، وهو أنه ﷺ تأثّر بنقصان وضوء من ائتم به. فدلّ ذلك على أن صلاة المأموم متعلقة بصلاة الإمام).
كلمة أخيرة في سورة الروم:
إن سورة الروم، هي وسورة العنكبوت، وسورة لقمان، وسورة الم السجدة، كلها تفصّل في مقدمة سورة البقرة. وقد رأينا كيف فصّلت سورة العنكبوت لهذه المقدمة، وعرضنا سورة الروم، ورأينا كذلك كيف فصّلت في هذه المقدمة.
...
وقد رأينا أنّ سورة الروم تتألف من مقدمة، وأنّ المقدمة والمقاطع الأربعة فصّلت في موضوع الإيمان بالله واليوم الآخر، وما يقتضيه الإيمان بالله واليوم الآخر، وفصّلت في مواضيع أخرى من مقدمة سورة البقرة.
...
إلّا أنّ الذي أخذ الحيّز الرئيسي من السورة هو موضوع اليوم الآخر؛ إذ هو الذي انصبّ عليه السّياق الرئيسي من السورة، بل لاحظنا أنّه لارتباط موضوع الإيمان باليوم الآخر، بموضوع الإيمان بالله، جاء الكلام عن اليوم الآخر في سياق الكلام عن الله .
...
جاء في مقدّمة سورة البقرة قوله تعالى: وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ وقد ختمت سورة الرّوم بقوله تعالى: وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ فكأنها تفصّل بشكل رئيسي ذلك الجزء من المقدمة، ولكن لما كان الإيمان باليوم الآخر يقتضي الإيمان بالله، ويقتضي إقامة الوجه لدين الله، ويقتضي إقامة الصلاة، ويقتضي الإنفاق، ويقتضي الإيمان بالكتاب؛ فمن ثمّ عالجت السورة هذه المعاني في سياقها. فكما ارتبط موضوع الإيمان باليوم الآخر بما قبله في مقدمة سورة البقرة، فقد ارتبط كذلك الكلام عن هذه
стр. 4071
القضايا في سورة الروم. ومن ثمّ قلنا إن السورة تفصيل للآيات الأولى من سورة البقرة: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ* وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ* أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (البقرة: ١ - ٥).
...
إن المعاني التي تعرّضت لها مقدمة سورة البقرة معان متداخلة مع بعضها، متواصلة فيما بينها، مترابطة في مواضيعها. ومن ثم تجد هذه السور الأربع كل سورة تفصّل من هذه المقدمة موضوعا رئيسيا، ولكنّها تتحدّث عنه رابطة إيّاه بغيره من معاني المقدّمة، ومن ثمّ تلاحظ أن كل سورة من السورة الأربع التي تؤلّف زمرة (الم) في هذا القسم تفصّل موضوعا من مواضيع المقدمة بشكل رئيسي، وتتعرض لصلة هذا الموضوع بغيره من مواضيع المقدمة بشكل ما، بحيث تغطي السور الأربع المقدمة بشكل متكامل.
...
فصّلت سورة العنكبوت في موضوع أثر الإيمان بالغيب وبالكتاب بشكل رئيسي، وفصّلت سورة الروم في موضوع الإيمان باليوم الآخر بشكل رئيسي، وسنرى أن سورة لقمان ستفصّل من المقدمة موضوعا بشكل رئيسي، وسنرى أن سورة السجدة تفصّل من المقدمة موضوعا بشكل رئيسي، وكلها تضع الأساس والهدف الذي تأتي سورة الأحزاب لتفصّل في طريق السير لتحقيقه، فكما أن مقدمة سورة البقرة عرضت الأساس والهدف، وجاءت الآيات بعدها: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ...
لتفصّل في طريق السير لتحقيقه فكذلك هذه السور وسورة الأحزاب.
...
إن مقدمة سورة البقرة عرضت لما ينبغي التحلي به، والتخلي عنه، وبعد المقدمة جاء الأمر الذي يبيّن طريق التخلي والتحلي. والسور الأربع من هذه المجموعة عرضت لما ينبغي التحلي به والتخلي عنه. وستأتي سورة الأحزاب لتدلّ على الطريق الذي ينبغي سلوكه للتحقّق والتخلّق.
стр. 4072
سورة لقمان
وهي السّورة الحادية والثلاثون بحسب الرّسم القرآني وهي السّورة الثالثة من المجموعة الأولى من قسم المثاني وآياتها أربع وثلاثون آية وهي مكيّة وهي السّورة الثالثة من زمرة (الم) في قسم المثاني
стр. 4073
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله وآله وأصحابه ربّنا تقبّل منّا، إنّك أنت السّميع العليم
стр. 4074
قال الألوسي في تقديمه لسورة لقمان:
(أخرج ابن الضريس. وابن مردويه. والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس ﵄ أنه قال: أنزلت سورة لقمان بمكة، ولا استثناء في هذه الرواية.
وفي رواية النحاس في تاريخه عن استثناء ثلاث آيات منها وهي وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ إلى تمام الثلاث فإنها نزلت بالمدينة، وذلك أنه صلّى الله تعالى عليه وسلم لما هاجر قال له أحبار اليهود: بلغنا أنك تقول: وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا أعنيتنا أم قومك؟ قال: «كلّا عنيت» فقالوا: إنك تعلم أننا أوتينا التوراة، وفيها بيان كل شئ فقال ﵊: «ذلك في علم الله تعالى قليل» فأنزل الآيات.
ونقل الداني عن عطاء، وأبو حيان عن قتادة أنهما قالا: هي مكية إلا آيتين هما وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ إلى آخر الآيتين، وقيل: هي مكية إلا آية وهي قوله تعالى: الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ فإن إيجابهما بالمدينة، وأنت تعلم أن الصلاة فرضت بمكة ليلة الإسراء، كما في صحيح البخاري وغيره، فما ذكر من أن إيجابهما بالمدينة غير مسلّم، ولو سلم فيكفي كونهم مأمورين بها بمكة ولو ندبا، فلا يتم التقريب فيها، نعم المشهور أن الزكاة إيجابها بالمدينة، فلعل ذلك القائل أراد أن إيجابهما معا تحقق بالمدينة، لا أن إيجاب كل منهما تحقق فيها، ولا يضر في ذلك أن إيجاب الصلاة كان بمكة، وقيل: إن الزكاة إيجابها كان بمكة كالصلاة، وتقدير الأنصباء هو الذي كان بالمدينة؛ وعليه فلا تقريب فيهما.
وآيها ثلاث وثلاثون في المكي والمدني، وأربع وثلاثون في عدد الباقين.
وسبب نزولها على ما في البحر: أن قريشا سألت عن قصة لقمان مع ابنه، وعن بر والديه فنزلت. ووجه مناسبتها لما قبلها على ما فيه أيضا أنه قال تعالى فيما قبل: وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ (الروم: ٥٨) وأشار إلى ذلك في مفتتح هذه السورة، وأنه كان في آخر ما قبلها وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ (الروم: ٥٨) وفيها وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً وقال الجلال السيوطي: ظهر لي في اتصالها بما قبلها مع المؤاخاة في الافتتاح ب (الم) أن قوله تعالى: هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ متعلق بقوله تعالى فيما قبل: وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ لَقَدْ
стр. 4075
لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ (الروم: ٥٦) الآية. فهذا عين إيقانهم بالآخرة، وهم المحسنون الموصوفون بما ذكر، وأيضا ففي كلتا السورتين جملة من الآيات وابتداء الخلق.
وذكر في السابقة فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ وقد فسر بالسماع وذكر هنا وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ وقد فسر بالغناء وآلات الملاهي. اه.
وسيأتي- إن شاء الله تعالى- الكلام في ذلك، وأقول في الاتصال أيضا: إنه قد ذكر فيما تقدم قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ (الروم: ٢٧) وهنا قوله سبحانه: ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ وكلاهما يفيد سهولة البعث وقرر ذلك هنا عز قائلا: إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ وذكر سبحانه هناك قوله تعالى: وَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (الروم: ٣٣)، وقال هنا:
وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ فذكر سبحانه في كل من الآيتين قسما لم يذكره في الأخرى إلى غير ذلك.
وما ألطف هذا الاتصال من حيث إن السورة الأولى ذكر فيها مغلوبية الروم، وغلبتهم المبنيتين على المحاربة، بين ملكين عظيمين من ملوك الدنيا تحاربا عليها وخرجا بذلك عن مقتضى الحكمة، فإن الحكيم لا يحارب على دنيا دنية لا تعدل عند الله تعالى جناح بعوضة، وهذه ذكر فيها قصة عبد مملوك- على كثير من الأقوال- حكيم زاهد في الدنيا، غير مكترث بها، ولا ملتفت إليها، أوصى ابنه بما يأبى المحاربة، ويقتضي الصبر والمسالمة، وبين الأمرين من التقابل ما لا يخفى.).
وقال صاحب الظلال في تقديمه لسورة لقمان:
(جاء هذا القرآن الكريم ليخاطب الفطرة البشرية بمنطقها. نزله الذي خلق هذه الفطرة، والذي يعلم ما يصلح لها وما يصلحها، ويعلم كيف يخاطبها، ويعرف مداخلها ومساربها. جاء يعرض على هذه الفطرة الحقيقة المكنونة فيها من قبل؛ والتي تعرفها قبل أن تخاطب بهذا القرآن، لأنها قائمة عليها أصلا في تكوينها الأول ..
تلك هي حقيقة الاعتراف بوجود الخالق وتوحيده، والتوجه إليه وحده بالإنابة والعبادة مع موكب الوجود كله المتجه إلى خالقه بالحمد والتسبيح .. إنما تغشى على الفطرة غواش من دخان هذه الأرض؛ وتغمرها غمرات من فورة اللحم والدم؛ وتنحرف بها
стр. 4076
عن الطريق دفعات من الهوى والشهوة. هنا يجئ هذا القرآن ليخاطب الفطرة بمنطقها الذي تعرفه؛ ويعرض عليها الحقيقة التي غفلت عنها بالأسلوب الذي تألفه؛ ويقيم على أساس هذه الحقيقة منهاج الحياة كله، مستقيما مع العقيدة، مستقيما مع الفطرة، مستقيما على الطريق إلى الخالق الواحد المدبر الخبير .. ).
كلمة في سورة لقمان ومحورها:
إن سورة لقمان تفصّل- كزمرتها- في مقدمة سورة البقرة، حتى إن مقدمتها لتكاد تكون نفس الآيات الأولى من مقدمة سورة البقرة، مع تركيز خاص حول الاهتداء بكتاب الله، ومن ثمّ تحدّثنا عن الموقف المقابل والأسباب النفسية لذلك، وإذ تصف الآية الأولى هذا القرآن بالحكمة، وإذ كان في ذلك دعوة لاتّباع كتاب الله، فإنّ الكلام عن حكمة الله، وعن إيتاء الله الحكمة لخلقه، يأخذ حيّزا من السّورة، وكأنه يشير إلى أن مقتضى اتّصاف الله بالحكمة أن يكون كتابه حكيما، وإذ كان كتابه حكيما
فإن ذلك يقتضي من الإنسان اتّباعه.
...
وفي وسط السورة يأتي الكلام عن لقمان، وإيتائه الحكمة، ويعرض الله لنا نماذج من وصاياه الحكيمة، التي تنسجم مع موضوع السورة، ليحدثنا الله بعد ذلك عن نعمه التي تقتضي شكرا، والشكر لا يكون إلا باتّباع كتاب الله، وهكذا من خلال الكلام عن الحكمة والنّعمة، تعمّق السورة موضوع اتّباع الكتاب والشروط اللازمة لهذا الاتّباع، وقصة لقمان في الوسط تأتي لتضئ على ما قبلها وما بعدها، وتأتي لتكون نموذجا لما قبلها وما بعدها. ومن ثم فدورها كبير في السورة، ومع تعميق اتّباع الكتاب من خلال الحكمة والنعمة تختتم السورة بالكلام عن علم الله المحيط، وذلك من خلال ذكر مفاتح الغيب التي لا يعلمها إلا الله، وفي هذا كذلك دعوة لاتّباع كتاب الله، فإذا كان الله تعالى وحده هو الذي يعلم الغيب فهذا يعني أنّه لا أحكم منه ولا أعلم، ومن ثمّ فلا أحكم من كتابه.
...
إن مقدمة سورة البقرة تتألف من عشرين آية قسم منها في المتقين، وقسم منها في الكافرين، وقسم منها في المنافقين. وكل صفة للمتقين يقابلها صفة للكافرين
стр. 4077
أو صفة للمنافقين. ونلاحظ في هذه السور الأربع أنّها تعمّق في سياقها الرئيسي موضوعا من موضوعات الآيات الواردة في المتقين، وتتحدث خلال ذلك عما يقابل ذلك. ومن ثمّ فإن السور الأربع- وإن كانت في سياقها الرئيسي- تفصّل في الآيات الأولى لمقدمة سورة البقرة، فإنّها تفصّل- في الحقيقة- في مقدمة سورة البقرة كلها.
ومن ثمّ نجد في سورة العنكبوت كلاما عن الكافرين والمنافقين، ونجد في سورة الروم كلاما عن الكافرين، ونجد في سورتي لقمان والسجدة كلاما عن الكافرين. فالتفصيل في النهاية لمقدمة سورة البقرة كلها، أي للعشرين آية الأولى من سورة البقرة.
...
إنّك لتجد في سورة لقمان نموذجا كاملا على هذا الذي ذكرناه، وهو أنّ التفصيل للآيات الأولى من المقدمة تفصيل للمقدمة كلها. إذ تجد في سورة لقمان- كما في سورة البقرة- آيات في المتقين، يعقبها كلام مبدوء بقوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ ... * وهي نفس الكلمة التي ذكرت في بداية الكلام عن المنافقين في مقدمة سورة البقرة، فكأن الكلام عن المنافقين دمج في الكلام عن الكافرين في سورة لقمان؛ لأنّ: الكفر والنفاق شئ واحد في النهاية.
...
وكما رأينا أنّه من خلال الكلام عن الله قرّرت سورة الروم في سياقها موضوع اليوم الآخر، وبقية المواضيع. فإنّ سورة لقمان كذلك تقرّر مواضيعها من خلال الكلام عن الله . فنقطة البداية الصحيحة إذن دائما هي المعرفة الصحيحة لله، وقبل هذه المعرفة الصحيحة فكل شئ يبقى في غير محله. وكل تصوّر يكون فيه قصور.
...
كنّا ذكرنا من قبل أنّ أي سورة عند ما تفصّل في محور من سورة البقرة فإنّها تفصّل في هذا المحور، وفي امتدادات معانيه في سورة البقرة، ولقد جاء في سورة البقرة قوله تعالى: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً (الآية: ٢٦٩) وإيتاء الله الحكمة مرتبط بإيتائه الكتاب، ومرتبط بتوفيق الله للإنسان وسورة لقمان تفصّل في هذا وهذا، فقد وصف الله كتابه بالحكمة، وأعطانا نموذجا على إيتائه الحكمة لعبد من عباده وَلَقَدْ
стр. 4078
آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ ففي السورة نموذج للحكمة في الكتاب، ونموذج للحكمة عند الحكيم، وفي السّورة تعريف لنا على ماهيّة الحكمة، وفي السّورة بيان لما ينبغي أن يقابل الإنسان به نعمة الحكمة من شكر.
وسنرى أثناء عرضنا للسورة مزيد بيان.
...
تتألف سورة لقمان من ثلاثة مقاطع فلنبدأ عرض المقطع الأول منها.
стр. 4079
المقطع الأول من سورة لقمان ويمتدّ من الآية (١) إلى نهاية الآية (١١) وهذا هو مع البسملة:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ٣١/ ١١ - ١
التفسير:
الم تِلْكَ آياتُ أي هذه آيات الْكِتابِ أي القرآن الْحَكِيمِ أي ذي الحكمة، وكيف لا يكون حكيما وهو كتاب الله الحكيم. فهو حكيم
стр. 4080
في أحكامه، وحكيم في معالجاته، وحكيم في ترتيب آياته، وحكيم في ترتيب سوره، وحكيم في ألفاظه، وحكيم في طريقة مخاطباته، وحكيم فيما تحتمله آياته من وجوه، وحكيم في مرونة ألفاظه حتى تسع الزمان والمكان، وحكيم في كونه يضع كل شئ في محله، ويجعل أهله يضعون الأشياء في مواضعها
هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ فهو هاد، وهو الرحمة، ولكن لمن اتصف بصفة الإحسان، فهؤلاء يهديهم في كل شئ، فينالون رحمة الله في الدنيا والآخرة، فيخرجون من كل ظلمة وعذاب، ولا عذاب كالحيرة والشكّ،
ثم وصف الله المحسنين بقوله: الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ دلّ هذا على أنّه لا إحسان إلا بإقامة صلاة، وإيتاء زكاة، وإيقان بالآخرة.
فإذا وجدت هذه وجد الإحسان، ووجد الاهتداء بالقرآن، فنال أصحاب ذلك رحمة الله أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ أي على بصيرة وبيّنة ومنهج واضح جليّ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ في الدنيا والآخرة.
كلمة في السياق: [وفي طريقة القرآن في العرض]
قلنا إنّ محور سورة لقمان هو الآيات الأولى من مقدمة سورة البقرة: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ* وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ* أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (البقرة: ١ - ٥).
لاحظ الصلة الكاملة بين مقدمة سورة لقمان ومقدمة سورة البقرة ثم لاحظ أنّ الفوارق تخدم قضية التفصيل فلنلاحظ:
جاء في مقدمة سورة البقرة قوله تعالى: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ يقابل هذا في سورة لقمان الم* تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ* هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ لقد جاء وصف القرآن في سورة لقمان بأنّه حكيم، وكونه حكيما فهذا يفيد أنّه من عند الله بلا ريب. ونلاحظ أنه في سورة البقرة ورد قوله: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ بينما في سورة لقمان قال: هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ فالقرآن للمتقين هدى. ولكنه للمحسنين هدى ورحمة. وعلى هذا فمن لم يتحقق بمقام الإحسان «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» لا يأخذ حظّه الكامل من رحمة الله بهذا القرآن. ونلاحظ أن: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ
стр. 4081
بِالْغَيْبِ لم تتعرّض لها سورة لقمان؛ لأن قضية الإيمان تحدّثت عنها سورة العنكبوت، ومن قبل سورة آل عمران، ولأن إقامة الصلاة والإنفاق هما الرمز العملي على الإيمان بالغيب فكان الكلام عنهما كلاما عنه. ونلاحظ التشابه بين قوله تعالى في سورة البقرة وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ وبين قوله تعالى في سورة لقمان الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ مع فارق هو أنه في سورة البقرة ذكر الإنفاق بشكل عام، وهاهنا ذكر إيتاء الزكاة، مما يدل على أن إيتاء الزكاة ركن الإنفاق. ثم نلاحظ أنه في سورة البقرة قد ورد: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ إلا أنه في سورة لقمان لم يذكر هذا؛ لأن هذا الموضوع تحدثت عنه سورة العنكبوت، وسورة آل عمران.
ثم نلاحظ التشابه الكامل بين قوله تعالى في سورة البقرة:
وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ* أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وقوله تعالى في خاتمة الآيات التي مرّت معنا من سورة لقمان وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ* أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ إذ وردت الألفاظ نفسها.
...
ولنمض في التفسير:
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ أي يشتري كلّ كلام يصدّ عن آيات الله واتّباع سبيله، والاشتراء: إمّا من الشّراء، وإمّا من الاستبدال والاختيار لِيُضِلَّ. أي ليصدّ النّاس عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي عن الدخول في الإسلام، واستماع القرآن بِغَيْرِ عِلْمٍ أي جهلا منه بما عليه من الوزر بذلك وَيَتَّخِذَها هُزُواً أي ويتخذ سبيل الله هزوا، يستهزئ بها أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ أي مذل. فكما استهانوا بآيات الله وسبيله، فإنهم يهانون يوم القيامة في العذاب الدائم المستمر
وَإِذا تُتْلى أي تقرأ عَلَيْهِ أي على هذا المشتري لهو الحديث آياتُنا أي القرآن وَلَّى مُسْتَكْبِراً أي أعرض عن تدبّرها متكبّرا، رافعا نفسه عن الإصغاء إلى القرآن. قال ابن كثير: (إذا تليت عليه الآيات القرآنية ولّى عنها، وأعرض وأدبر، وتصامم- وما به من صمم- كأنّه ما سمعها؛ لأنّه يتأذّى بسماعها؛ إذ لا انتفاع له بها ولا أرب له فيها كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً أي ثقلا.
стр. 4082
أي فالسماع وعدمه في حقّه سواء فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ يوم القيامة، فكما تألّم بسماع كتاب الله وآياته. فإنّه سيناله العذاب الأليم يوم القيامة.
كلمة في السياق:
بعد الآيات الأولى من مقدمة سورة البقرة ورد قوله تعالى:
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (البقرة: ٦، ٧).
والصلة واضحة بين هاتين الآيتين وبين قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ* وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ.
وفي آيات سورة لقمان زيادة تفصيل حول الطبيعة الكافرة، والسلوك الكافر، والتصرّف الكافر. إنّ الصلة واضحة بين سورة لقمان ومحورها، هذا مع أنّ لسورة لقمان سياقها الخاص؛ لقد بدأت سورة لقمان بوصف القرآن بأنه حكيم، ثم تحدّثت عمن يهتدي به، ثم تحدّثت عن موقف الكافرين من هذا القرآن. وتحدّثت عمّا أعدّ الله
للمؤمنين وما أعد للكافرين، وكان حديثها عمّا أعدّ الله للمؤمنين بقولها وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ والآن يأتي السياق ليفصّل هذا الفلاح. فلنمض في التفسير.
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ اجتمع لهم الإيمان والعمل الصالح من صلاة وإنفاق لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ أي الجنات التي يتنعّمون فيها بأنواع الملاذّ والمسارّ من المآكل، والمشارب، والملابس، والمساكن، والمراكب، والنّساء، والنّضرة، والسّماع الذي لم يخطر ببال أحد
خالِدِينَ فِيها أي وهم في ذلك مقيمون دائما، لا يظعنون ولا يبغون عنها حولا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا أي هذا كائن لا محالة لأنه من وعد الله، والله لا يخلف الميعاد؛ لأنه الكريم المنّان، الفعّال لما يشاء، القادر على كل شئ وَهُوَ الْعَزِيزُ الذي قهر كل شئ ودان له كل شئ الْحَكِيمُ في أقواله وأفعاله، الذي جعل القرآن هدى للمؤمنين.
стр. 4083
كلمة في السياق:
١ - بعد إنذار الكافرين جاءت هاتان الآيتان لتبشّر المؤمنين وتلك سنّة من سنن هذا القرآن.
٢ - من الملاحظ أن المنحى الرئيسي للسورة هو الكلام عن حكمة هذا القرآن.
وقد استقرت الآيتان على الحكمة إذ ختمت بقوله تعالى: وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
ومن ثمّ نجد الآن الآيات اللاحقة تتحدث عما يبرهن على حكمة الله الذي أنزل هذا القرآن وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ* خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ... فالآيتان كانتا جسرا للعودة إلى الكلام عن الحكمة الموجودة بهذا القرآن من خلال الكلام عن حكمة الله منزّل هذا القرآن.
ولنعد إلى التفسير:
خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها قال الحسن وقتادة: ليس لها عمد مرئية ولا غير مرئية. وعلى هذا القول فالله يلفت النظر إلى إمساك السموات بقدرته. وقال ابن عباس وعكرمة ومجاهد: لها عمد لا ترونها، وعلى هذا القول فالإشارة إلى العمد غير المرئية إشارة إلى قانون الجاذبية. وعلى هذا القول أيضا فالله يلفت النظر إلى إمساك السموات بقدرته؛ وذلك من مظاهر عزّته وحكمته وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أي جبالا ثابتات أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ أي كيلا تضطرب الأرض بكم، وهذا شئ أعطاه العلم في عصرنا معناه الواسع؛ إذ تبيّن للعلماء أنّه لولا الجبال لكانت القشرة الأرضية معرّضة للتّشققات الكثيرة، والزلازل الكثيرة، وبالتالي تتعذّر الحياة وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ قال ابن كثير: (أي وذرأ فيها من أصناف الحيوانات مما لا يعلم عدد أشكالها وألوانها إلا الذي خلقها) وفي هذا والذي قبله مظاهر تدل على حكمة الله وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ أي صنف كَرِيمٍ أي حسن المنظر. وفي ذلك مظهر من مظاهر حكمته
هذا إشارة إلى ما ذكره في الآية السابقة من مخلوقاته خَلْقُ اللَّهِ أي مخلوقه فَأَرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ أي مما تعبدون وتدعون من الأصنام والأنداد. قال النسفي: (بكّتهم بأنّ هذه الأشياء العظيمة ممّا خلقه الله، فأروني ما خلقته آلهتكم حتى استوجبوا عندكم العبادة) بَلِ الظَّالِمُونَ يعني المشركين بالله، العابدين معه غيره فِي ضَلالٍ أي جهل وعمى مُبِينٍ أي واضح ظاهر
стр. 4084
لا خفاء به.
كلمة في السياق:
جاءت هذه الآيات في سياق الكلام عن الحكمة، فقد جاءت بين قوله تعالى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وبين ما سيأتي من قوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ ومن ثمّ فهي تتحدّث عن مظاهر من حكمة الله الذي أنزل هذا القرآن، فهي تدلّل على أنّ هذا القرآن حكيم من خلال التدليل على حكمة الله منزل هذا الكتاب. وهي تؤدّي دورا آخر، فهي من خلال الكلام عن الله ومظاهر قدرته وإنعامه وإحكامه تدلّل على أنه وحده واجب العبادة، وأمّا غيره فلا يستحقها، وفي ذلك تأكيد لضرورة اتباع كتابه بالتحقق بشروط الاتّباع، من إحسان، وصلاة، وزكاة، ويقين باليوم الآخر، فذلك هو الاقتضاء الفطري لمعرفة الله ، وبهذا انتهى المقطع الأول ليأتي المقطع الثاني وفيه قصة لقمان ﵇.
فوائد: [كلام ابن كثير وصاحب الظلال والمؤلف حول آية وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ .. ]
للمفسرين كلام كثير في قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فما هو لهو الحديث؟ وما هو شراؤه؟ وما صلة ذلك في الإضلال عن سبيل الله؟ لننقل لك من كلام المفسّرين ما يتضح لك به هذا النّص.
١ - قال ابن كثير: (لما ذكر تعالى حال السعداء وهم الذين يهتدون بكتاب الله، وينتفعون بسماعه كما قال تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ الآية.
[الزمر: ٢٣] عطف بذكر حال الأشقياء الذين أعرضوا عن الانتفاع بسماع كلام الله، وأقبلوا على استماع المزامير والغناء، بالألحان وآلات الطرب، كما قال ابن مسعود في قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قال:
هو والله الغناء.
روى ابن جرير عن سعيد بن جبير، عن أبي الصهباء البكري أنه سمع عبد الله ابن مسعود وهو يسأل عن هذه الآية وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ
اللَّهِ
فقال عبد الله بن مسعود: الغناء والله الذي لا إله إلا هو، يرددها ثلاث مرات. وعن أبي الصهباء أنه سأل ابن مسعود عن قول الله: وَمِنَ النَّاسِ
стр. 4085
مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ قال: الغناء، وكذا قال ابن عباس، وجابر، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومجاهد، ومكحول، وعمرو بن شعيب، وعلي بن بذيمة. وقال الحسن البصري: نزلت هذه الآية وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ في الغناء والمزامير، وقال قتادة: قوله وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ والله لعله لا ينفق فيه مالا ولكن شراؤه استحبابه، بحسب المرء من الضلالة أن يختار حديث الباطل على حديث الحق، وما يضر على ما ينفع.
وقال الضحاك في قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ قال:
يعني الشرك، وبه قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، واختار ابن جرير أنه كل كلام يصدّ عن آيات الله، واتباع سبيله، وقوله تعالى: لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي إنما يصنع هذا للتخالف للإسلام وأهله. وقوله تعالى: وَيَتَّخِذَها هُزُواً قال مجاهد: ويتخذ سبيل الله هزوا، يستهزئ بها، وقال قتادة: يعني ويتخذ آيات الله هزوا وقول مجاهد أولى).
...
٢ - وقال صاحب الظلال:
(ولهو الحديث كل كلام يلهي القلب ويأكل الوقت، ولا يثمر خيرا ولا يؤتي حصيلة تليق بوظيفة الإنسان المستخلف في هذه الأرض لعمارتها بالخير والعدل والصلاح. هذه الوظيفة التي يقرر الإسلام طبيعتها وحدودها ووسائلها، ويرسم لها الطريق. والنص عام لتصوير نموذج من الناس موجود في كل زمان وفي كل مكان.
وبعض الروايات تشير إلى أنه كان تصويرا لحادث معيّن في الجماعة الإسلامية الأولى.
وقد كان النضر بن الحارث يشتري الكتب المحتوية لأساطير الفرس وقصص أبطالهم وحروبهم؛ ثم يجلس في طريق الذاهبين لسماع القرآن من رسول الله- ﷺ محاولا أن يجذبهم إلى سماع تلك الأساطير والاستغناء بها عن قصص القرآن الكريم. ولكن النص أعم من هذا الحادث الخاص إذا صح أنه وارد فيه. وهو يصوّر فريقا من الناس واضح السمات، قائما في كل حين. وقد كان قائما على عهد الدعوة الأولى في الوسط المكي الذي نزلت فيه هذه الآيات.
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ .. يشتريه بماله ويشتريه بوقته،
стр. 4086
ويشتريه بحياته. يبذل تلك الأثمان الغالية في لهو رخيص، يفني عمره المحدود، الذي لا يعاد ولا يعود، يشتري هذا اللهو لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُواً فهو جاهل محجوب، لا يتصرف عن علم، ولا يرمي عن حكمة؛ وهو سيئ النية والغاية، يريد ليضل عن سبيل الله. يضل نفسه ويضل غيره بهذا اللهو الذي ينفق فيه الحياة. وهو سيئ الأدب يتخذ سبيل الله هزوا، ويسخر من المنهج الذي رسمه الله للحياة وللناس. ومن ثمّ يعالج القرآن هذا الفريق بالمهانة والتهديد قبل أن يكمل رسم الصورة: أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ .. ووصف العذاب بأنه مهين مقصود هنا للرد على سوء الأدب والاستهزاء بمنهج الله وسبيله القويم).
أقول: وعلى كل حال فقد فهمنا أن للهو الحديث صلة في الإضلال عن سبيل الله سواء كان لهو الحديث غناء أو سمرا بباطل، أو سمرا بكفر، وسواء تمثّل ذلك بقصيدة، أو ديوان شعر، أو قصة، أو غير ذلك، ولا شك أن الذي يبذل جهدا أو مالا لإشاعة ذلك بقصد الإضلال أو الصدّ عن سبيل الله فإنه ممن يضل عن سبيل الله.
***
стр. 4087
المقطع الثاني وهو قصة لقمان ويمتدّ من الآية (١٢) إلى نهاية الآية (١٩) وهذا هو:
٣١/ ١٩ - ١٢
بين يدي قصة لقمان ﵇:
جاءت قصة لقمان ﵇ بعد ما تقرّر أن القرآن حكيم من عند حكيم،
стр. 4088
ومن ثمّ تأتي القصة لتعرّفنا على أدب تلقي الحكمة من الله تعالى وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ، وجاءت لترينا نماذج من حكمة الحكماء كنموذج على انطباق حكمة الحكماء مع ما أمر به القرآن، وكنموذج على الحكمة في هذا القرآن أصلا. وتأتي القصة لترينا أدب الحكماء في نشر الحكمة وتعميمها. وفي ذلك إشارة إلى أن القرآن يجب أن يوصى به، وأن ينشر ويبلّغ. ومن ثمّ فإنّ قصّة لقمان ﵇ التي تشكل المقطع الثاني في سورة لقمان تأتي لتخدم سياق السورة الخاص والعام من جوانب متعدّدة فلنرها:
التفسير:
وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ وهي الإصابة في القول والعمل كما قال النسفي.
وقال ابن كثير: أي الفهم والعلم والتدبير أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ أي أمرناه أن يشكر الله على ما آتاه الله ومنحه، ووهبه من الفضل الذي خصّصه به عمّن سواه من أبناء جنسه، وأهل زمانه وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ أي إنما يعود نفع ذلك وثوابه إليه وَمَنْ كَفَرَ أي النعمة فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ أي غير محتاج إلى الشكر حَمِيدٌ أي حقيق بأن يحمد
وإن لم يحمده أحد. قال ابن كثير:
(أي غني عن العباد لا يتضرّر بذلك ولو كفر أهل الأرض كلهم جميعا؛ فإنه الغني عما سواه، فلا إله إلا الله ولا نعبد إلا إيّاه).
كلمة في السياق:
في قوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ إشارة إلى أنه ليس بدعا أن ينزل الله هذا القرآن الحكيم، فإن من سنّته أن يختار من يشاء فيعطيه الحكمة. وفي ذلك إشارة إلى أن من أخذ القرآن الحكيم فإنه يؤتى الحكمة كما أوتي لقمان ﵇.
وفي قوله تعالى: أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ تصريح بأن إيتاء الله الحكمة يقتضي شكرا، وهذا يفيد أن علينا أن نقابل نعمة الله علينا بهذا القرآن الحكيم بأن نشكر الله، وأن شكر ذلك عائد نفعه إلينا، أما الله فغني عن العالمين. وبعد الآية الأولى من قصة لقمان ﵇ يعرض الله علينا وصية لقمان لابنه. وهذا يفيد أن من الشكر لنعمة إيتاء الحكمة أن يوصي الإنسان بها أولاده ويربيهم عليها. وفي ذلك درس لنا، أن علينا أن نربي أولادنا على أخذ هذا القرآن والعمل به، فذلك من جملة الشكر على النعمة،
стр. 4089
وإذ كان الولد هو أحب الخلق إلى الوالد فإن يوصي لقمان ابنه بما سيأتي فإن هذا يفيد أن هذه الوصايا هي ذروة الحكمة؛ إذ لا يوصي أب ابنه إلا بأغلى ما عنده:
وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ أي واذكر إذ قال لقمان لابنه وَهُوَ يَعِظُهُ أي في حالة وعظه له يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ قال ابن كثير:
أي هو أعظم أنواع الظلم. وقال النسفي: لأنه تسوية بين من لا نعمة إلا وهي منه، ومن لا نعمة له أصلا
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ أي حملته وهي تهن وهنا على وهن، أي تضعف ضعفا فوق ضعف، أي يتزايد ضعفها ويتضاعف؛ لأن الحمل كلما ازداد أو عظم ازدادت ثقلا وضعفا وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أي فطامه عن الرضاع لتمام عامين أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ هذا تفسير للوصية، أي وصيناه بشكرنا وبشكر والديه، وفصل بين الوصية ومضمونها بالتذكير بما تكابده الأم وتعانيه من المشاقّ في حمله وفصاله هذه المدّة الطويلة؛ تذكيرا بحقّها العظيم مفردا إِلَيَّ الْمَصِيرُ أي مصيرك إليّ، وحياتك عليّ، فإني سأجزيك على ذلك أوفر جزاء
وَإِنْ جاهَداكَ أي إن حرصا عليك كلّ الحرص عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ أي ما ليس له صفة الألوهية، أي وإن حرصا على أن تتابعهما على دينهما الباطل فَلا تُطِعْهُما أي فلا تقبل منهما ذلك، ولا يمنعك ذلك من أن تصاحبهما في الدنيا محسنا إليهما، ومن ثمّ قال: وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً قال النسفي: (أي صحابا معروفا حسنا، بخلق جميل، وحلم واحتمال، وبر وصلة) وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ قال ابن كثير: يعني المؤمنين. وقال النسفي: (أي واتبع سبيل المؤمنين في دينك ولا تتبع سبيلهما فيه، وإن كنت مأمورا بحسن مصاحبتهما في الدنيا). وقال ابن عطاء: صاحب من ترى عليه أنوار خدمتي ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ أي مرجعك ومرجعهما فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فأجازيك على إيمانك وأجازيهما على كفرهما.
كلمة في السياق:
يلاحظ أن هاتين الآيتين جاءتا في ثنايا وصايا لقمان ﵇ ككلام مستأنف لله فما حكمة ذلك؟
قال النسفي: (وقد اعترض بهاتين الآيتين على سبيل الاستطراد تأكيدا لما في وصية لقمان من النهي عن الشرك يعني: إنا وصيناه بوالديه، وأمرناه ألا يطيعهما
стр. 4090
في الشرك- وإن جهدا كل الجهد- لقبحه). أقول: وذكر هذه الوصية في هذا المقام إشارة إلى أن كمال الحكمة يقتضي أن تذكر الوصية بالوالدين مباشرة بعد النّهي عن الشرك. ومن ثمّ فكثيرا ما يقرن الله تعالى بين الإخلاص في العبادة والوصية بالوالدين، ولا يبعد أن يكون لقمان ﵇ أوصى ابنه هذه الوصية من خلال نقل كلام الله الموحى به على لسان الرسل السابقين، وقد عرضها على ابنه هذا العرض على لسان الوحي عن الله؛ لما في ذلك من مصلحة إذ هو الوالد فكان ذلك أبعد عن الشبهة وذلك من مظاهر حكمته وكمال أدبه والله أعلم.
يا بُنَيَّ إِنَّها إن القصة أو الشأن أو المظلمة أو الخطيئة إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ أي إن كانت مثلا في الصغر كحبّة خردل، فكانت مع صغرها في أخفى موضع وأحرزه، كجوف صخرة في سماوات، أو في أرض، يحضرها الله يوم القيامة؛ فيحاسب بها عاملها إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ يصل علمه إلى كل خفي خَبِيرٌ عالم بكنه كل خفي، أو لطيف باستخراجها، خبير بمستقرها. قال ابن كثير: (أي لطيف العلم؛ فلا تخفى عليه الأشياء، وإن دقّت ولطفت وتضاءلت. خبير بدبيب النمل في الليل البهيم). وفي هذه الوصية تربية على المراقبة التي هي أحد مقامي الإحسان.
يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ أي بحدودها وفروضها وأوقاتها وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ قال ابن كثير: (أي بحسب طاقتك وجهدك) وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ أي من الأذى إذا أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر، أو على ما أصابك من المحن فإنّها تورث المنح، علم أن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر لا بد أن يناله من الناس أذى فأمره بالصبر إِنَّ ذلِكَ أي الصبر على أذى الناس، أو الذي وصيتك به مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ أي مما عزمه الله من الأمور، أي قطعه قطع إيجاب وإلزام، أي أمر به أمرا حتما. قال النسفي: وأصله من معزومات الأمور أي:
مقطوعاتها ومفروضاتها. وهذا دليل على أن هذه الطاعات كانت مأمورا بها في سائر الأمم.
وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ أي لا تتكبّر فتحتقر عباد الله، وتعرض عنهم بوجهك إذا كلّموك. قال النسفي: والمعنى: أقبل على الناس بوجهك تواضعا، ولا تولّهم شق وجهك وصفحته كما يفعله المتكبّرون وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً أي خيلاء متكبّرا جبّارا عنيدا، لا تفعل ذلك يبغضك الله ولهذا قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ
стр. 4091
لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ أي متكبر معجب في نفسه فَخُورٍ أي على غيره بتعداد مناقبه تطاولا
وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ القصد: التوسط بين الغلوّ والتقصير. أي:
اعدل فيه حتى يكون مشيا بين مشيين، لا تدبّ دبيب المتماوتين، ولا تثب وثوب الشّطار. قال ابن كثير: (أي امش مقتصدا مشيا ليس بالبطيء المتثبط، ولا بالسريع المفرط، بل عدلا وسطا بين بين) وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ أي انقص منه، أي اخفض صوتك. قال ابن كثير: أي لا تبالغ في الكلام، ولا ترفع صوتك فيما لا فائدة فيه. ولهذا قال تعالى: إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ أي أوحشها لَصَوْتُ الْحَمِيرِ لأن أوله زفير، وآخره شهيق كصوت أهل النار، وفي تشبيه الرافعين أصواتهم بالحمير، وتمثيل أصواتهم بالنهاق، تنبيه على أن رفع الصوت في غاية الكراهة. قال ابن كثير في الآية: (قال مجاهد وغير واحد: إن أقبح الأصوات لصوت الحمير. أي غاية من رفع صوته أنه يشبّه بالحمير في علوّه ورفعه، ومع هذا فهو بغيض إلى الله تعالى. وهذا التشبيه بالحمير يقتضي تحريمه وذمّه غاية الذم؛ لأن رسول الله ﷺ قال: «ليس منّا مثل السوء العائد في هبته كالكلب يقئ ثم يعود في قيئه»).
نقول:
١ - [كلام صاحب الظلال بمناسبة آية يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ .. ]
قال صاحب الظلال عند قوله تعالى: يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ:
(وما يبلغ تعبير مجرد عن دقّة علم الله وشموله، وعن قدرة الله سبحانه، وعن دقّة الحساب وعدالة الميزان ما يبلغه هذا التعبير المصور. وهذا فضل طريقة القرآن المعجزة الجميلة الأداء، العميقة الإيقاع ... حبة من خردل صغيرة ضائعة لا وزن لها ولا قيمة. فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ صلبة محشورة فيها لا تظهر ولا يتوصل إليها.
أَوْ فِي السَّماواتِ في ذلك الكيان الهائل الشاسع الذي يبدو فيه النجم الكبير ذو الجرم العظيم نقطة سابحة أو ذرة تائهة. أَوْ فِي الْأَرْضِ ضائعة في ثراها وحصاها لا تبين. يَأْتِ بِهَا اللَّهُ ... فعلمه يلاحقها، وقدرته لا تفلتها إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ. تعقيب يناسب المشهد الخفي اللطيف.
ويظل الخيال يلاحق تلك الحبة من الخردل في مكامنها تلك العميقة الوسيعة؛ ويتملّى علم الله الذي يتابعها. حتى يخشع القلب وينيب، إلى اللطيف الخبير بخفايا الغيوب. وتستقر من وراء ذلك تلك الحقيقة التي يريد الله إقرارها في القلب. بهذا
стр. 4092
الأسلوب العجيب).
٢ - [كلام صاحب الظلال بمناسبة آية وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ .. ]
وقال صاحب الظلال عند قوله تعالى:
وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ، وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ* وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ، وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ. إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ:
(والصعر: داء يصيب الإبل فيلوي أعناقها. والأسلوب القرآني يختار هذا التعبير للتنفير من الحركة المشابهة للصعر. حركة الكبر والازورار، وإمالة الخد للناس في تعال واستكبار!
والمشي في الأرض مرحا هو المشي في تخايل ونفخة وقلّة مبالاة بالناس.
وهي حركة كريهة يمقتها الله ويمقتها الخلق. وهي تعبير عن شعور مريض بالذات، يتنفّس في مشية الخيلاء! إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ.
ومع النهي عن مشية المرح، بيان للمشية المعتدلة القاصدة: وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ. والقصد هنا من الاقتصاد وعدم الإسراف. وعدم إضاعة الطاقة في التبختر والتثني والاختيال. ومن القصد كذلك. لأن المشية القاصدة إلى هدف، لا تتلكأ ولا تتخايل ولا تتبختر، إنما تمضي لقصدها في بساطة وانطلاق.
والغض من الصوت فيه أدب وثقة بالنفس واطمئنان إلى صدق الحديث وقوّته.
وما يزعق أو يغلظ في الخطاب إلا سيئ الأدب، أو شاك في قيمة قوله، أو قيمة شخصه؛ يحاول إخفاء هذا الشك بالحدة والغلظة والزعاق!).
٣ - [كلام ابن كثير بمناسبة وصايا لقمان ﵇ لابنه وفصول في الخمول والتواضع، وفي الشهرة، وفي حسن الخلق، وفي ذم الكبر، وفي الاختيال]
بمناسبة وصايا لقمان ﵇ لابنه عقد ابن كثير ثلاثة فصول وبابا في الخمول والتواضع، وفي الشهرة وفي حسن الخلق، وفي ذمّ الكبر، وفي الاختيال وهذه هي:
(فصل في الخمول والتواضع) وذلك متعلق بوصية لقمان ﵇ لابنه وقد جمع في ذلك الحافظ أبو بكر بن أبي الدنيا كتابا مفردا، ونحن نذكر منه مقاصده قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر، عن حفص بن عبد الله بن أنس، عن جده أنس
стр. 4093
ابن مالك قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ربّ أشعث ذي طمرين يصفح (١) عن أبواب الناس إذا أقسم على الله لأبرّه» ثم رواه من حديث جعفر بن سليمان عن ثابت وعلي بن زيد عن أنس عن النبي ﷺ فذكره وزاد «منهم البراء بن مالك» وروى أيضا عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «طوبى للأتقياء الأثرياء، الذين إذا حضروا لم يعرفوا، وإذا غابوا لم يفتقدوا، أولئك مصابيح مجردون من كل فتنة غبراء مشتتة»، وروى أبو بكر بن سهل التميمي عن عمر ﵁ أنه دخل المسجد فإذا هو بمعاذ بن جبل يبكي عند قبر رسول الله ﷺ فقال له: ما يبكيك يا معاذ؟
قال: حديث سمعته من رسول الله ﵌: سمعته يقول: «إن اليسير من الرياء شرك، وإن الله يحب الأتقياء الأخفياء الأثرياء، الذين إذا غابوا لم يفقدوا، وإذا حضروا لم يعرفوا، قلوبهم مصابيح الهدى، ينجون من كل غبراء مظلمة». وعن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي صلّى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: «ربّ ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره، لو قال: اللهم إني أسالك الجنة لأعطاه الله الجنة، ولم يعطه من الدنيا شيئا»، وروى أيضا عن سالم بن أبي الجعد قال: قال رسول الله ﷺ : «إن من أمتي لو أتى باب أحدكم يسأله دينارا أو درهما أو فلسا لم يعطه، ولو سأل الله الجنة لأعطاه إياها، ولو سأله الدنيا لم يعطه إياها ولم يمنعها إياه لهوانه عليه؛ ذو طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره» وهذا مرسل من هذا الوجه، وروى أيضا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌:
«إن من ملوك الجنة من هو أشعث أغبر ذو طمرين لا يؤبه له، الذين إذا استأذنوا على الأمراء لم يؤذن لهم، وإذا خطبوا النساء لم ينكحوا، وإذا قالوا لم ينصت لهم، حوائج أحدهم تتجلجل في صدره، لو قسّم نوره يوم القيامة بين الناس لوسعهم». قال وأنشدني عمر ابن أبي شيبة عن ابن عائشة قال: قال عبد الله بن المبارك:
ألا ربّ ذي طمرين في منزل غدا ... زرابيّه مبثوثة ونمارقه
قد اطردت أنواره حول قصره ... وأشرق والتفت عليه حدائقه
وروى أيضا عن أبي أمامة مرفوعا: «قال الله: من أغبط أوليائي عندي مؤمن
стр. 4094
خفيف الحاذ (١)، ذو حظ من صلاة، أحسن عبادة ربه وأعطاه في السر، وكان غامضا في الناس لا يشار إليه بالأصابع إن صبر على ذلك» قال ثم نقد (٢) رسول الله ﷺ بيده وقال: «عجّلت منيته، وقلّ تراثه وقلّت بواكيه». وعن عبد الله بن عمرو قال: أحب عباد الله إلى الله الغرباء، قيل: ومن الغرباء؟ قال: الفرّارون بدينهم يجمعون يوم القيامة إلى عيسى بن مريم. وقال الفضيل بن عياض: بلغني أن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: ألم أنعم عليك، ألم أعطك، ألم أسترك؟ ألم ... ألم ... ألم أجمل ذكرك، ثم قال الفضيل: إن استطعت أن لا تعرف فافعل، وما عليك أن لا يثنى عليك، وما عليك أن تكون مذموما عند الناس محبوبا عند الله. وكان ابن محيريز يقول: اللهم إني أسألك ذكرا خاملا، وكان الخليل بن أحمد يقول: اللهم اجعلني عندك من أرفع خلقك، واجعلني في نفسي من أوضع خلقك، وعند الناس من أوسط خلقك.
[باب ما جاء في الشهرة] عن أنس عن رسول الله ﷺ أنه قال: «حسب امرئ من الشر- إلا من عصم الله- أن يشير الناس إليه بالأصابع في دينه ودنياه، وإن الله لا ينظر إلى صوركم ولكن إلى قلوبكم وأعمالكم». وروي مثله عن إسحاق بن البهلول عن جابر بن عبد الله مرفوعا مثله، وروي عن الحسن مرسلا نحوه فقيل للحسن: فإنه يشار إليك بالأصابع، فقال: إنما المراد من يشار إليه في دينه بالبدعة، وفي دنياه بالفسق. وعن عليّ ﵁ قال: لا تبدأ لأن تشتهر، ولا ترفع شخصك لتذكر وتعلم، واكتم واصمت تسلم، تسر الأبرار، وتغيظ الفجار. وقال إبراهيم بن أدهم ﵀: ما صدق الله من أحب الشهرة، وقال أيوب: ما صدق الله عبد إلا سرّه أن لا يشعر بمكانه، وقال محمد بن العلاء:
من أحب الله أحب أن لا يعرفه الناس، وقال سماك بن سلمة: إيّاك وكثرة الأخلّاء، وقال أبان بن عثمان: إن أحببت أن يسلم إليك دينك فأقل من المعارف. كان أبو العالية إذا جلس إليه أكثر من ثلاثة نهض وتركهم. وقال: حدثنا عليّ بن الجعد أخبرنا شعبة عن عوف عن أبي رجاء قال: رأى طلحة قوما يمشون معه فقال: ذباب طمع وفراش النار. وقال ابن إدريس عن هارون بن أبي عنترة عن سليم بن حنظلة قال: بينا نحن حول أبي إذ علاه عمر بن الخطاب بالدرة وقال: إنها مذلة للتابع، وفتنة للمتبوع،
стр. 4095
وقال ابن عون عن الحسن: خرج ابن مسعود فاتبعه أناس فقال: والله لو تعلمون ما أغلق عليه بابي ما اتبعني منكم رجلان. وقال حماد بن زيد: كنّا إذا مررنا على المجلس ومعنا أيوب فسلم ردوا ردا شديدا، فكان ذلك نعمة. وقال عبد الرزاق عن معمر: كان أيوب يطيل قميصه فقيل له في ذلك فقال: إن الشهرة فيما مضى كانت في طول القميص، واليوم في تشميره. واصطنع مرة نعلين على حذو نعلي النبي ﵌ فلبسهما أياما، ثم خلعهما وقال: لم أر الناس يلبسونهما، وقال إبراهيم النخعي: لا تلبس من الثياب ما يشهر في ألفتها ولا ما يزدريك السفهاء.
وقال الثوري: كانوا يكرهون من الثياب الجياد التي يشتهر بها ويرفع الناس إليه فيها أبصارهم، والثياب الرديئة: التي يحتقر فيها ويستذل دينه. وحدثنا خالد بن خداش حدثنا حماد عن أبي حسنة صاحب الزيادي قال: كنا عند أبي قلابة إذ دخل عليه رجل عليه أكسية، فقال: إياكم وهذا الحمار النهاق. وقال الحسن ﵀: إن قوما جعلوا الكبر في قلوبهم والتواضع في ثيابهم، فصاحب الكساء بكسائه أعجب من صاحب المطرق (١) بمطرقه ما لهم تفاقدوا، وفي بعض الأخبار أن موسى ﵇ قال لبني إسرائيل: ما لكم تأتوني عليكم ثياب الرهبان وقلوبكم قلوب الذئاب، البسوا ثياب الملوك وألينوا قلوبكم بالخشية.
(فصل في حسن الخلق) قال أبو التياح ﵁: كان رسول الله ﷺ من أحسن الناس خلقا. وعن عطاء عن ابن عمر قيل: يا رسول الله أي المؤمنين
أفضل؟ قال: «أحسنهم خلقا». وعن أنس مرفوعا: «إن العبد ليبلغ بحسن خلقه درجات الآخرة، وشرف المنازل، وإنه لضعيف العبادة، وإنه ليبلغ بسوء خلقه درك جهنم وهو عابد». وعن سيار بن هارون عن حميد عن أنس مرفوعا: «ذهب حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة». وعن عائشة مرفوعا: «إن العبد ليبلغ بحسن خلقه درجة قائم الليل صائم النهار». وروى ابن أبي الدنيا عن أبي هريرة ﵁ سئل رسول الله ﷺ عن أكثر ما يدخل الناس الجنة فقال:
«تقوى الله وحسن الخلق» وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار فقال: «الأجوفان:
الفم والفرج». وقال أسامة بن شريك: كنت عند رسول الله ﷺ فجاءته الأعراب من كل مكان فقالوا: يا رسول الله ما خير ما أعطي الإنسان؟ قال: «حسن الخلق».
стр. 4096
وقال يعلى بن سماك عن أم الدرداء عن أبي الدرداء يبلغ به قال: ما من شئ أثقل في الميزان من خلق حسن، وكذا رواه عطاء عن أم الدرداء به، وعن مسروق عن عبد الله بن عمرو مرفوعا: «إن من خياركم أحسنكم خلقا». حدثنا عبد الله ابن أبي الدنيا عن الحسن بن علي قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله ليعطي العبد من الثواب على حسن الخلق كما يعطي المجاهد في سبيل الله، يغدو عليه الأجر ويروح».
عن مكحول عن أبي ثعلبة مرفوعا: «إن أحبكم إليّ وأقربكم مني مجلسا أحاسنكم أخلاقا، وإن أبغضكم إليّ وأبعدكم مني منزلا في الجنة مساويكم أخلاقا؛ الثرثارون المتشدقون المتفيهقون». وعن جابر مرفوعا: «ألا أخبركم بأكملكم إيمانا؟ أحاسنكم أخلاقا الموطئون أكنافا الذين يؤلفون ويألفون». وعن بكر بن أبي الفرات قال: قال رسول الله ﷺ : «ما حسّن الله خلق رجل وخلقه فتطعمه النار». وعن عبد الله ابن غالب الحداني عن أبي سعيد مرفوعا: «خصلتان لا يجتمعان في مؤمن البخل وسوء الخلق». وقال ميمون بن مهران: عن رسول الله ﷺ : «ما من ذنب أعظم عند الله من سوء الخلق» وذلك أن صاحبه لا يخرج من ذنب إلا وقع في آخر. وعن عبد الرحمن بن إسحاق عن رجل من قريش قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من ذنب أعظم عند الله من سوء الخلق؛ إن الخلق الحسن ليذيب الذنوب كما تذيب الشمس الجليد، وإن الخلق السيئ ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل». وقال عبد الله ابن إدريس عن أبيه عن جده عن أبي هريرة مرفوعا: «إنكم لا تسعون الناس بأموالكم ولكن يسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق». وقال محمد بن سيرين: حسن الخلق عون على الدين.
[فصل في ذم الكبر] قال علقمة عن ابن مسعود رفعه: «لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر، ولا يدخل النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان».
وقال إبراهيم بن أبي عبلة عن أبي سلمة عن عبد الله بن عمرو مرفوعا: «من كان في قلبه مثقال ذرّة من كبر أكبّه الله على وجهه في النار». وعن إياس بن سلمة عن أبيه مرفوعا: «لا يزال الرجل يذهب بنفسه حتى يكتب عند الله من الجبارين فيصيبه ما أصابهم من العذاب». وعن أنس قال: كان أبو بكر يخطبنا فيذكر بدء خلق الإنسان حتى إن أحدنا ليقذر نفسه يقول: خرج من مجرى البول مرتين. وقال الشعبي: من قتل اثنين فهو جبار ثم تلا: أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ [القصص: ١٩]، وقال الحسن: عجبا
стр. 4097
لابن آدم يغسل الخرء بيده في اليوم مرتين ثم يتكبّر يعارض جبار السموات. وعن علي ابن الحسن عن الضحاك بن سفيان فذكر حديث ضرب مثل الدنيا بما يخرج من ابن آدم. وقال الحسن عن يحيى عن أبي قال: إن مطعم بن آدم ضرب مثلا للدنيا، وإن فرّخه (١) وملّحه. وقال محمد بن الحسين بن علي ﵁: ما دخل قلب رجل شئ من الكبر إلا نقص من عقله بقدر ذلك. وقال يونس بن عبيد: ليس مع السجود كبر، ولا مع التوحيد نفاق، ونظر طاوس إلى عمر بن عبد العزيز وهو يختال في مشيته وذلك قبل أن يستخلف فطعن طاوس في جنبه بأصبعه، وقال:
ليس هذا شأن من في بطنه خرء، فقال له كالمعتذر إليه: يا عم لقد ضرب كل عضو مني على هذه المشية حتى تعلمتها. قال أبو بكر بن أبي الدنيا: كان بنو أمية يضربون أولادهم حتى يتعلموا هذه المشية.
[فصل في الاختيال] عن ابن أبي ليلى عن ابن بريدة عن أبيه مرفوعا: «من جرّ ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه» ورواه عن إسحاق بن إسماعيل عن سفيان عن زيد ابن أسلم عن ابن عمر مرفوعا مثله. وحدثنا محمد بن بكار حدثنا عبد الرحمن ابن أبي الزناد عن أبيه عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعا: «لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جرّ إزاره، وبينما رجل يتبختر في برديه أعجبته نفسه خسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة».
كلمة في السياق: [حول صلة قصة لقمان بموضوع السورة الرئيسي وبالمحور]
١ - تأتي قصة لقمان ﵇ في سياق الكلام عن القرآن الحكيم الذي هو هدى ورحمة للمحسنين، فتقص علينا نموذجا من وصايا الحكماء، وفي قصّ هذا النموذج في هذا السياق برهان على أن هذا القرآن حكيم؛ إذ يختار لنا الحكمة، وبرهان على أن هذا القرآن حكيم، إذ أوامره ونواهيه وأخباره كلها هي التي يوصي بها كل حكيم.
وإذا تأملنا في الوصايا التي أوصى بها لقمان ﵇ ابنه فإنها- زيادة على كونها نموذجا على الحكمة- أوامر ونواه تعلّم الإحسان، وإدخال الوصية بالوالدين، والأمر باتّباع سبيل المؤمنين بين هذه الأوامر والنواهي يؤكد هذا المعنى. فالآيات تعلّمنا أن
стр. 4098
للإحسان دخلا في العبادة، وفي العشرة مع الوالدين، وفي التعامل مع أهل الإيمان، وفي المراقبة، وفي الصلاة، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي الصبر والتواضع، وفي ترك تصعير الخد، وترك المشي المرح، وأنّ من الإحسان القصد في المشي، وغض الصوت في الكلام، وكلها آداب، وهي مظاهر من الإحسان والهداية، وهذا مظهر جديد من مظاهر صلة قصة لقمان ﵇ بالسياق.
وهناك مظهر آخر. لقد وجّهنا الله تعالى من خلال قصة لقمان ﵇ هذه التوجيهات التي جاءت في معرض وصية الوالد للولد. وهذا مظهر من مظاهر حكمة هذا القرآن؛ إذ يوجّه عن طريق الوصف، والقصة، وبشكل مباشر، وبشكل غير مباشر، وبالأمر أحيانا، وبالعرض أحيانا، وبالإخبار أحيانا. فالقصة إذن برهان جديد على حكمة هذا القرآن.
٢ - جاء في سورة البقرة قوله تعالى: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وقد عرض الله علينا في قصة لقمان نموذجا لإنسان آتاه الله الحكمة وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ فمن عرف هذه المعاني التي جاءت هنا، وتحقّق بها، وألزم نفسه النّصح بها لأولاده وللعامّة فإنّه حكيم، وإذن فقد أعطانا الله بهذه الآيات ميزانا نزن به حكمة الحكماء، ونتعرّف بذلك على من وفّقه الله تعالى فآتاه الحكمة.
فوائد:
١ - [هل كان لقمان نبيا أم عبدا صالحا من غير نبوة ؟]
بمناسبة ذكر لقمان ﵇ في السورة قال ابن كثير:
(اختلف السلف في لقمان ﵇ هل كان نبيا، أم عبدا صالحا من غير نبوة؟ على قولين الأكثرون على الثاني، وقال سفيان الثوري عن الأشعث عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان لقمان عبدا حبشيا نجّارا. وقال قتادة عن عبد الله بن الزبير قلت لجابر بن عبد الله: ما انتهى إليكم في شأن لقمان؟ قال: كان قصيرا أفطس الأنف من النّوبة، وقال يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب قال: كان لقمان من سودان مصر، ذو مشافر، أعطاه الله الحكمة، ومنعه النّبوة، وقال الأوزاعي:
حدثني عبد الرحمن بن حرملة قال: جاء رجل أسود إلى سعيد بن المسيب يسأله فقال له سعيد بن المسيب: لا تحزن من أجل أنك أسود، فإنه كان من أخير الناس ثلاثة من السودان: بلال، ومهجع مولى عمر بن الخطاب، ولقمان الحكيم كان أسود نوبيا
стр. 4099
ذا مشافر، وروى ابن جرير ... عن خالد الرجعي قال: كان لقمان عبدا حبشيا نجارا فقال له مولاه: اذبح لنا هذه الشاة فذبحها. قال: أخرج لنا أطيب مضغتين فيها فأخرج اللسان والقلب، ثم مكث ما شاء الله. ثم قال: اذبح لنا هذه الشاة فذبحها، فقال:
أخرج لنا أخبث مضغتين فيها فأخرج اللسان والقلب. فقال له مولاه: أمرتك أن تخرج أطيب مضغتين فيها فأخرجتهما، وأمرتك أن تخرج أخبث مضغتين فيها فأخرجتهما، فقال لقمان: إنه ليس من شئ أطيب منهما إذا طابا، ولا أخبث منهما إذا خبثا. وقال شعبة عن الحاكم عن مجاهد: كان لقمان عبدا صالحا ولم يكن نبيا، وقال الأعمش: قال مجاهد: كان لقمان عبدا أسود عظيم الشفتين مشقق القدمين، وقال حكّام بن سالم عن سعيد الزبيدي عن مجاهد: كان لقمان الحكيم عبدا حبشيا، غليظ الشفتين، مصفّح القدمين، قاضيا على بني إسرائيل، وذكر غيره أنه كان قاضيا على بني إسرائيل في زمان داود ﵇. وروى ابن جرير ... عن عمرو بن قيس قال: كان لقمان عبدا أسود غليظ الشفتين، مصفّح القدمين، فأتاه رجل وهو في مجلس ناس يحدثهم فقال له: ألست الذي كنت ترعى معي الغنم في مكان كذا وكذا؟ قال: نعم. وروى فما بلغ بك ما أرى؟ قال: صدق الحديث، والصمت عما لا يعنيني، وقال ابن أبي حاتم ... عن جابر قال: إنّ الله رفع لقمان الحكيم بحكمته، فرآه رجل كان يعرفه قبل ذلك، فقال له: ألست عبد بني فلان الذي كنت ترعى بالأمس؟ قال:
بلى. قال: فما بلغ بك ما أرى؟ قال: قدر الله، وأداء الأمانة، وصدق الحديث، وتركي ما لا يعنيني. فهذه الآثار منها ما هو مصرّح فيه بنفي كونه نبيا، ومنها ما هو مشعر بذلك، لأن كونه عبدا قد مسّه الرق ينافي كونه نبيا. لأن الرسل كانت تبعث في أحساب قومها. ولهذا كان جمهور السلف على أنه لم يكن نبيا، وإنما ينقل كونه نبيا عن عكرمة- إن صح السند إليه- فإنّه رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث وكيع عن إسرائيل عن جابر عن عكرمة قال: كان لقمان نبيا وجابر هذا هو ابن يزيد الجعفي وهو ضعيف والله أعلم. وقال عبد الله بن عياش القتباني عن عمر مولى غفرة قال:
وقف رجل على لقمان الحكيم فقال: أنت لقمان أنت عبد بني الحسحاس؟ قال: نعم.
قال: أنت راعي الغنم؟ قال: نعم. قال: أنت الأسود؟ قال: أما سوادي فظاهر فما الذي يعجبك من أمري؟ قال: وطء الناس بساطك، وغشيهم بابك، ورضاهم بقولك. قال: يا ابن أخي إن صغيت إلى ما أقول لك كنت كذلك. قال لقمان: غضّي بصري، وكفّي لساني، وعفّة طعمتي، وحفظي فرجي، وقولي بصدقي، ووفائي
стр. 4100
بعهدي، وتكرمتي ضيفي، وحفظي جاري، وتركي ما لا يعنيني، فذاك الذي صيّرني إلى ما ترى. وروى ابن أبي حاتم ... عن أبي الدرداء أنه قال يوما وذكر لقمان الحكيم فقال: ما أوتي عن أهل ولا مال ولا حسب ولا خصال، ولكنه كان رجلا صمصامة (١) سكّيتا طويل التفكير عميق النظر لم ينم نهارا قط، ولم يره أحد قط يبزق ولا يتنخّع ولا يبول ولا يتغوّط ولا يغتسل ولا يعبث ولا يضحك، وكان لا يعيد منطقا نطقه إلا أن يقول حكمة يستعيده إياها أحد. وكان قد تزوج وولد له أولاد، فماتوا
فلم يبك عليهم، وكان يغشى السلطان ويأتي الحكام لينظر ويتفكر ويعتبر فبذلك أوتي ما أوتي. وقد ورد أثر غريب عن قتادة رواه ابن أبي حاتم ... عن قتادة قال: خيّر الله لقمان الحكيم بين النبوة والحكمة فاختار الحكمة على النّبوة قال: فأتاه جبريل وهو نائم فذرّ عليه الحكمة- أو رشّ عليه الحكمة- وقال: فأصبح ينطق بها، وقال سعيد:
فسمعت عن قتادة يقول: قيل للقمان كيف اخترت الحكمة على النبوة وقد خيّرك ربك؟ فقال: إنه لو أرسل إليّ بالنبوة عزمة لرجوت فيه الفوز منه، ولكنت أرجو أن أقوم بها، ولكنه خيّرني فخفت أن أضعف عن النبوة فكانت الحكمة أحبّ إليّ، فهذا من رواية سعيد بن بشير وفيه ضعف قد تكلموا فيه بسببه فالله أعلم).
٢ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ]
بمناسبة قوله تعالى: لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ قال ابن كثير:
(روى البخارى ... عن عبد الله قال: لما نزلت الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ شقّ ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ وقالوا: أيّنا لم يلبس إيمانه بظلم؟
فقال رسول الله ﷺ : «إنه ليس بذاك ألا تسمع لقول لقمان: يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ).
٣ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ]
بمناسبة قوله تعالى: وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ قال ابن كثير:
(كما قال تعالى: وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ [البقرة: ٢٣٣] ومن هاهنا استنبط ابن عباس وغيره من الأئمة أن أقل مدة الحمل ستة أشهر لأنه قال في الآية الأخرى: وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً [الأحقاف: ١٥] وإنما يذكر تعالى تربية الوالدة وتعبها ومشقّتها في سهرها ليلا ونهارا، ليذكر الولد بإحسانه المتقدم إليه كما قال تعالى: وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما