← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 4096–4135 · переход к 4101.

стр. 4096

وقال يعلى بن سماك عن أم الدرداء عن أبي الدرداء يبلغ به قال: ما من شئ أثقل في الميزان من خلق حسن، وكذا رواه عطاء عن أم الدرداء به، وعن مسروق عن عبد الله بن عمرو مرفوعا: «إن من خياركم أحسنكم خلقا». حدثنا عبد الله ابن أبي الدنيا عن الحسن بن علي قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله ليعطي العبد من الثواب على حسن الخلق كما يعطي المجاهد في سبيل الله، يغدو عليه الأجر ويروح». عن مكحول عن أبي ثعلبة مرفوعا: «إن أحبكم إليّ وأقربكم مني مجلسا أحاسنكم أخلاقا، وإن أبغضكم إليّ وأبعدكم مني منزلا في الجنة مساويكم أخلاقا؛ الثرثارون المتشدقون المتفيهقون». وعن جابر مرفوعا: «ألا أخبركم بأكملكم إيمانا؟ أحاسنكم أخلاقا الموطئون أكنافا الذين يؤلفون ويألفون». وعن بكر بن أبي الفرات قال: قال رسول الله ﷺ : «ما حسّن الله خلق رجل وخلقه فتطعمه النار». وعن عبد الله ابن غالب الحداني عن أبي سعيد مرفوعا: «خصلتان لا يجتمعان في مؤمن البخل وسوء الخلق». وقال ميمون بن مهران: عن رسول الله ﷺ : «ما من ذنب أعظم عند الله من سوء الخلق» وذلك أن صاحبه لا يخرج من ذنب إلا وقع في آخر. وعن عبد الرحمن بن إسحاق عن رجل من قريش قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من ذنب أعظم عند الله من سوء الخلق؛ إن الخلق الحسن ليذيب الذنوب كما تذيب الشمس الجليد، وإن الخلق السيئ ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل». وقال عبد الله ابن إدريس عن أبيه عن جده عن أبي هريرة مرفوعا: «إنكم لا تسعون الناس بأموالكم ولكن يسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق». وقال محمد بن سيرين: حسن الخلق عون على الدين. [فصل في ذم الكبر] قال علقمة عن ابن مسعود رفعه: «لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر، ولا يدخل النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان». وقال إبراهيم بن أبي عبلة عن أبي سلمة عن عبد الله بن عمرو مرفوعا: «من كان في قلبه مثقال ذرّة من كبر أكبّه الله على وجهه في النار». وعن إياس بن سلمة عن أبيه مرفوعا: «لا يزال الرجل يذهب بنفسه حتى يكتب عند الله من الجبارين فيصيبه ما أصابهم من العذاب». وعن أنس قال: كان أبو بكر يخطبنا فيذكر بدء خلق الإنسان حتى إن أحدنا ليقذر نفسه يقول: خرج من مجرى البول مرتين. وقال الشعبي: من قتل اثنين فهو جبار ثم تلا: أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ [القصص: ١٩]، وقال الحسن: عجبا

стр. 4097

لابن آدم يغسل الخرء بيده في اليوم مرتين ثم يتكبّر يعارض جبار السموات. وعن علي ابن الحسن عن الضحاك بن سفيان فذكر حديث ضرب مثل الدنيا بما يخرج من ابن آدم. وقال الحسن عن يحيى عن أبي قال: إن مطعم بن آدم ضرب مثلا للدنيا، وإن فرّخه (١) وملّحه. وقال محمد بن الحسين بن علي ﵁: ما دخل قلب رجل شئ من الكبر إلا نقص من عقله بقدر ذلك. وقال يونس بن عبيد: ليس مع السجود كبر، ولا مع التوحيد نفاق، ونظر طاوس إلى عمر بن عبد العزيز وهو يختال في مشيته وذلك قبل أن يستخلف فطعن طاوس في جنبه بأصبعه، وقال: ليس هذا شأن من في بطنه خرء، فقال له كالمعتذر إليه: يا عم لقد ضرب كل عضو مني على هذه المشية حتى تعلمتها. قال أبو بكر بن أبي الدنيا: كان بنو أمية يضربون أولادهم حتى يتعلموا هذه المشية. [فصل في الاختيال] عن ابن أبي ليلى عن ابن بريدة عن أبيه مرفوعا: «من جرّ ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه» ورواه عن إسحاق بن إسماعيل عن سفيان عن زيد ابن أسلم عن ابن عمر مرفوعا مثله. وحدثنا محمد بن بكار حدثنا عبد الرحمن ابن أبي الزناد عن أبيه عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعا: «لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جرّ إزاره، وبينما رجل يتبختر في برديه أعجبته نفسه خسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة». كلمة في السياق: [حول صلة قصة لقمان بموضوع السورة الرئيسي وبالمحور] ١ - تأتي قصة لقمان ﵇ في سياق الكلام عن القرآن الحكيم الذي هو هدى ورحمة للمحسنين، فتقص علينا نموذجا من وصايا الحكماء، وفي قصّ هذا النموذج في هذا السياق برهان على أن هذا القرآن حكيم؛ إذ يختار لنا الحكمة، وبرهان على أن هذا القرآن حكيم، إذ أوامره ونواهيه وأخباره كلها هي التي يوصي بها كل حكيم. وإذا تأملنا في الوصايا التي أوصى بها لقمان ﵇ ابنه فإنها- زيادة على كونها نموذجا على الحكمة- أوامر ونواه تعلّم الإحسان، وإدخال الوصية بالوالدين، والأمر باتّباع سبيل المؤمنين بين هذه الأوامر والنواهي يؤكد هذا المعنى. فالآيات تعلّمنا أن

стр. 4098

للإحسان دخلا في العبادة، وفي العشرة مع الوالدين، وفي التعامل مع أهل الإيمان، وفي المراقبة، وفي الصلاة، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي الصبر والتواضع، وفي ترك تصعير الخد، وترك المشي المرح، وأنّ من الإحسان القصد في المشي، وغض الصوت في الكلام، وكلها آداب، وهي مظاهر من الإحسان والهداية، وهذا مظهر جديد من مظاهر صلة قصة لقمان ﵇ بالسياق. وهناك مظهر آخر. لقد وجّهنا الله تعالى من خلال قصة لقمان ﵇ هذه التوجيهات التي جاءت في معرض وصية الوالد للولد. وهذا مظهر من مظاهر حكمة هذا القرآن؛ إذ يوجّه عن طريق الوصف، والقصة، وبشكل مباشر، وبشكل غير مباشر، وبالأمر أحيانا، وبالعرض أحيانا، وبالإخبار أحيانا. فالقصة إذن برهان جديد على حكمة هذا القرآن. ٢ - جاء في سورة البقرة قوله تعالى: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وقد عرض الله علينا في قصة لقمان نموذجا لإنسان آتاه الله الحكمة وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ فمن عرف هذه المعاني التي جاءت هنا، وتحقّق بها، وألزم نفسه النّصح بها لأولاده وللعامّة فإنّه حكيم، وإذن فقد أعطانا الله بهذه الآيات ميزانا نزن به حكمة الحكماء، ونتعرّف بذلك على من وفّقه الله تعالى فآتاه الحكمة. فوائد: ١ - [هل كان لقمان نبيا أم عبدا صالحا من غير نبوة ؟] بمناسبة ذكر لقمان ﵇ في السورة قال ابن كثير: (اختلف السلف في لقمان ﵇ هل كان نبيا، أم عبدا صالحا من غير نبوة؟ على قولين الأكثرون على الثاني، وقال سفيان الثوري عن الأشعث عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان لقمان عبدا حبشيا نجّارا. وقال قتادة عن عبد الله بن الزبير قلت لجابر بن عبد الله: ما انتهى إليكم في شأن لقمان؟ قال: كان قصيرا أفطس الأنف من النّوبة، وقال يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب قال: كان لقمان من سودان مصر، ذو مشافر، أعطاه الله الحكمة، ومنعه النّبوة، وقال الأوزاعي: حدثني عبد الرحمن بن حرملة قال: جاء رجل أسود إلى سعيد بن المسيب يسأله فقال له سعيد بن المسيب: لا تحزن من أجل أنك أسود، فإنه كان من أخير الناس ثلاثة من السودان: بلال، ومهجع مولى عمر بن الخطاب، ولقمان الحكيم كان أسود نوبيا

стр. 4099

ذا مشافر، وروى ابن جرير ... عن خالد الرجعي قال: كان لقمان عبدا حبشيا نجارا فقال له مولاه: اذبح لنا هذه الشاة فذبحها. قال: أخرج لنا أطيب مضغتين فيها فأخرج اللسان والقلب، ثم مكث ما شاء الله. ثم قال: اذبح لنا هذه الشاة فذبحها، فقال: أخرج لنا أخبث مضغتين فيها فأخرج اللسان والقلب. فقال له مولاه: أمرتك أن تخرج أطيب مضغتين فيها فأخرجتهما، وأمرتك أن تخرج أخبث مضغتين فيها فأخرجتهما، فقال لقمان: إنه ليس من شئ أطيب منهما إذا طابا، ولا أخبث منهما إذا خبثا. وقال شعبة عن الحاكم عن مجاهد: كان لقمان عبدا صالحا ولم يكن نبيا، وقال الأعمش: قال مجاهد: كان لقمان عبدا أسود عظيم الشفتين مشقق القدمين، وقال حكّام بن سالم عن سعيد الزبيدي عن مجاهد: كان لقمان الحكيم عبدا حبشيا، غليظ الشفتين، مصفّح القدمين، قاضيا على بني إسرائيل، وذكر غيره أنه كان قاضيا على بني إسرائيل في زمان داود ﵇. وروى ابن جرير ... عن عمرو بن قيس قال: كان لقمان عبدا أسود غليظ الشفتين، مصفّح القدمين، فأتاه رجل وهو في مجلس ناس يحدثهم فقال له: ألست الذي كنت ترعى معي الغنم في مكان كذا وكذا؟ قال: نعم. وروى فما بلغ بك ما أرى؟ قال: صدق الحديث، والصمت عما لا يعنيني، وقال ابن أبي حاتم ... عن جابر قال: إنّ الله رفع لقمان الحكيم بحكمته، فرآه رجل كان يعرفه قبل ذلك، فقال له: ألست عبد بني فلان الذي كنت ترعى بالأمس؟ قال: بلى. قال: فما بلغ بك ما أرى؟ قال: قدر الله، وأداء الأمانة، وصدق الحديث، وتركي ما لا يعنيني. فهذه الآثار منها ما هو مصرّح فيه بنفي كونه نبيا، ومنها ما هو مشعر بذلك، لأن كونه عبدا قد مسّه الرق ينافي كونه نبيا. لأن الرسل كانت تبعث في أحساب قومها. ولهذا كان جمهور السلف على أنه لم يكن نبيا، وإنما ينقل كونه نبيا عن عكرمة- إن صح السند إليه- فإنّه رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث وكيع عن إسرائيل عن جابر عن عكرمة قال: كان لقمان نبيا وجابر هذا هو ابن يزيد الجعفي وهو ضعيف والله أعلم. وقال عبد الله بن عياش القتباني عن عمر مولى غفرة قال: وقف رجل على لقمان الحكيم فقال: أنت لقمان أنت عبد بني الحسحاس؟ قال: نعم. قال: أنت راعي الغنم؟ قال: نعم. قال: أنت الأسود؟ قال: أما سوادي فظاهر فما الذي يعجبك من أمري؟ قال: وطء الناس بساطك، وغشيهم بابك، ورضاهم بقولك. قال: يا ابن أخي إن صغيت إلى ما أقول لك كنت كذلك. قال لقمان: غضّي بصري، وكفّي لساني، وعفّة طعمتي، وحفظي فرجي، وقولي بصدقي، ووفائي

стр. 4100

بعهدي، وتكرمتي ضيفي، وحفظي جاري، وتركي ما لا يعنيني، فذاك الذي صيّرني إلى ما ترى. وروى ابن أبي حاتم ... عن أبي الدرداء أنه قال يوما وذكر لقمان الحكيم فقال: ما أوتي عن أهل ولا مال ولا حسب ولا خصال، ولكنه كان رجلا صمصامة (١) سكّيتا طويل التفكير عميق النظر لم ينم نهارا قط، ولم يره أحد قط يبزق ولا يتنخّع ولا يبول ولا يتغوّط ولا يغتسل ولا يعبث ولا يضحك، وكان لا يعيد منطقا نطقه إلا أن يقول حكمة يستعيده إياها أحد. وكان قد تزوج وولد له أولاد، فماتوا فلم يبك عليهم، وكان يغشى السلطان ويأتي الحكام لينظر ويتفكر ويعتبر فبذلك أوتي ما أوتي. وقد ورد أثر غريب عن قتادة رواه ابن أبي حاتم ... عن قتادة قال: خيّر الله لقمان الحكيم بين النبوة والحكمة فاختار الحكمة على النّبوة قال: فأتاه جبريل وهو نائم فذرّ عليه الحكمة- أو رشّ عليه الحكمة- وقال: فأصبح ينطق بها، وقال سعيد: فسمعت عن قتادة يقول: قيل للقمان كيف اخترت الحكمة على النبوة وقد خيّرك ربك؟ فقال: إنه لو أرسل إليّ بالنبوة عزمة لرجوت فيه الفوز منه، ولكنت أرجو أن أقوم بها، ولكنه خيّرني فخفت أن أضعف عن النبوة فكانت الحكمة أحبّ إليّ، فهذا من رواية سعيد بن بشير وفيه ضعف قد تكلموا فيه بسببه فالله أعلم). ٢ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ] بمناسبة قوله تعالى: لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ قال ابن كثير: (روى البخارى ... عن عبد الله قال: لما نزلت الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ شقّ ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ وقالوا: أيّنا لم يلبس إيمانه بظلم؟ فقال رسول الله ﷺ : «إنه ليس بذاك ألا تسمع لقول لقمان: يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ). ٣ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ] بمناسبة قوله تعالى: وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ قال ابن كثير: (كما قال تعالى: وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ [البقرة: ٢٣٣] ومن هاهنا استنبط ابن عباس وغيره من الأئمة أن أقل مدة الحمل ستة أشهر لأنه قال في الآية الأخرى: وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً [الأحقاف: ١٥] وإنما يذكر تعالى تربية الوالدة وتعبها ومشقّتها في سهرها ليلا ونهارا، ليذكر الولد بإحسانه المتقدم إليه كما قال تعالى: وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما

стр. 4101

كَما رَبَّيانِي صَغِيراً [الإسراء: ٢٤]). ٤ - [كلام النسفي بمناسبة آية أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ .. ] بمناسبة قوله تعالى: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ قال النسفي: (وقد نبّه الله تعالى على أن الحكمة الأصلية والعلم الحقيقي هو العمل بهما، وعبادة الله والشكر له؛ حيث فسّر إيتاء الحكمة بالحث على الشكر وقيل لا يكون الرجل حكيما حتى يكون حكيما في قوله وفعله ومعاشرته وصحبته، وقال السري السقطي: الشكر أن لا تعصي الله بنعمه، وقال الجنيد: أن لا ترى معه شريكا في نعمه. وقيل هو الإقرار بالعجز عن الشكر. والحاصل: أن شكر القلب المعرفة، وشكر اللسان الحمد، وشكر الأركان الطاعة، ورؤية العجز في الكل دليل قبول الكل). ٥ - [حديث بمناسبة قوله تعالى إِلَيَّ الْمَصِيرُ] بمناسبة قوله تعالى: إِلَيَّ الْمَصِيرُ روى ابن أبي حاتم ... عن سعيد ابن وهب قال: قدم علينا معاذ بن جبل وكان بعثه النبي ﷺ فقام وحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «إني رسول رسول الله ﷺ إليكم، أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وأن تطيعوني لا آلوكم خيرا، وإنّ المصير إلى الله، وإلى الجنّة أو إلى النّار، وإقامة فلا ظعن، وخلود فلا موت». ٦ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي .. ] بمناسبة قوله تعالى: وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ قال ابن كثير: (روى الطبراني ... عن سعد بن مالك قال: أنزلت فيّ هذه الآية وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما الآية. قال: كنت رجلا برّا بأمّي، فلما أسلمت قالت: يا سعد ما هذا الذي أراك قد أحدثت! لتدعن دينك هذا أو لا آكل ولا أشرب حتى أموت فتعيّر بي فيقال: يا قاتل أمّه، فقلت: لا تفعلي يا أمّه؛ فإني لا أدع ديني هذا لشيء، فمكثت يوما وليلة لم تأكل، فأصبحت قد جهدت، فمكثت يوما آخر وليلة لم تأكل، فأصبحت قد جهدت، فمكثت يوما وليلة أخرى لا تأكل، فأصبحت قد اشتد جهدها، فلما رأيت ذلك قلت: يا أمّه تعلمين- والله- لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفسا نفسا ما تركت ديني هذا لشئ، فإن شئت فكلي، وإن شئت لا تأكلي. فأكلت). ٧ - [كلام ابن كثير حول آية إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ .. وتعليق المؤلف] بمناسبة قوله تعالى: إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ قال ابن كثير: (وقد زعم بعضهم أن المراد بقوله: فَتَكُنْ

стр. 4102

فِي صَخْرَةٍ أنها صخرة تحت الأرضين السبع. وذكره السدي بإسناده ذلك المطروق عن ابن مسعود وابن عباس وجماعة من الصحابة إن صح ذلك، ويروى هذا عن عطية العوفي، وأبي مالك، والثوري، والمنهال بن عمرو وغيرهم. وهذا- والله أعلم- كأنه متلقى من الإسرائيليات التي لا تصدّق ولا تكذّب. والظاهر- والله أعلم- أن المراد هذه الحبة في حقارتها لو كانت داخل صخرة فإنّ الله سيبديها ويظهرها بلطيف علمه. كما روى الإمام أحمد ... عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ قال: «لو أن أحدكم يعمل في صخرة صمّاء ليس لها باب ولا كوّة لخرج عمله للنّاس كائنا ما كان»). أقول: إنّ مثل هذه الأقوال التي نقلها ابن كثير، والتي نراها كثيرا عند المفسرين ينبغي ألّا نتردّد في شأنها فهي تمثّل ثقافة أصحابها، وثقافة العصر التي قيلت فيه، ومن ثمّ فلا يصح أن نربط بين الخطأ فيها وبين كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وهما الحق الذي لا يخالطه باطل أو خطأ. ٨ - [رواية للطبراني بمناسبة آية إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ] بمناسبة قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ روى الحافظ أبو القاسم الطبراني ... عن ثابت بن قيس بن شماس قال: ذكر الكبر عند رسول الله ﷺ فشدّد فيه فقال: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ. فقال رجل من القوم: والله يا رسول الله إني لأغسل ثيابي فيعجبني بياضها، ويعجبني شراك نعلي، وعلاقة سوطي فقال: «ليس ذلك الكبر، إنما الكبر أن تسفّه الحق وتغمط الناس». ٩ - [حديث بمناسبة آية إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ] بمناسبة قوله تعالى: إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ قال ابن كثير: (وروى النسائي ... عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله، وإذا سمعتم نهيق الحمير فتعوّذوا بالله من الشيطان؛ فإنها رأت شيطانا»). ١٠ - [تعليق ابن كثير على قصة لقمان ﵇] علّق ابن كثير على قصة لقمان بقوله: فهذه وصايا نافعة جدا، وهي من قصص القرآن العظيم عن لقمان الحكيم وقد روي عنه من المواعظ أشياء كثيرة فلنذكر منها أنموذجا ودستورا إلى ذلك. روى الإمام أحمد ... عن ابن عمر قال: أخبرنا رسول الله ﷺ قال: «إنّ لقمان الحكيم كان يقول: إنّ الله إذا استودع شيئا حفظه». وروى ابن أبي حاتم ... عن القاسم ابن مخيمرة أن رسول الله ﷺ قال: «قال لقمان الحكيم لابنه وهو يعظه: يا بني إيّاك

стр. 4103

والتقنّع فإنّه مخوفة بالليل مذمّة بالنّهار». وروى أيضا عن الترمذي بن يحيى قال: قال لقمان لابنه: يا بني إن الحكمة أجلست المساكين مجالس الملوك. وروى أيضا عن عون بن عبد الله قال: قال لقمان لابنه: يا بني إذا أتيت نادي قوم فارمهم بسهم الإسلام يعني السلام، ثم اجلس في ناحيتهم فلا تنطق حتى تراهم قد نطقوا، فإن أفاضوا في ذكر الله فأجل سهمك معهم، وإن أفاضوا في غير ذلك فتحوّل عنهم إلى غيرهم. وقال أيضا ... عن حفص بن عمر قال: وضع لقمان جرابا من خردل إلى جانبه وجعل يعظ ابنه موعظة ويخرج خردلة، حتى نفد الخردل فقال: يا بني لقد وعظتك موعظة لو وعظها جبل تفطّر، قال فتفطّر ابنه. وروى أبو القاسم الطبراني ... عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «اتخذوا السودان فإن ثلاثة منهم من سادات أهل الجنة: لقمان الحكيم والنجاشي وبلال المؤذن». وقال الطبراني: أراد الحبش. *** المقطع الثالث ويمتد من الآية (٢٠) إلى الآية (٣٤) وهو نهاية السورة وهذا هو: ٣١/ ٣٤ - ٢٠

стр. 4104

٣١/ ٢٣ - ٣٤

стр. 4105

ملاحظة في السياق: [حول تقسيم المقطع الثالث إلى ثلاث مجموعات وخاتمة] نلاحظ أن المقطع الأخير يتألف من ثلاث مجموعات وخاتمة. المجموعات الثلاث تبدأ بداية متشابهة. المجموعة الأولى تبدأ ب أَلَمْ تَرَوْا .... المجموعة الثانية والثالثة تبدءان ب أَلَمْ تَرَ .... الخاتمة مبدوءة ب يا أَيُّهَا النَّاسُ .... فلنر التفسير. تفسير المجموعة الأولى أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ من شموس وأقمار ونجوم وغير ذلك. وَما فِي الْأَرْضِ من بحار وأنهار ومعادن ودوابّ وغير ذلك. وَأَسْبَغَ أي وأتمّ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً بالمشاهدة وَباطِنَةً مما لا يعلم إلا بدليل. وقيل الظاهرة: كالبصر والسّمع واللسان وسائر الجوارح، والباطنة: كالقلب والعقل والفهم وما أشبه ذلك. وقيل: تخفيف الشرائع وتضعيف الذرائع والخلق والخلق، ونيل العطايا وصرف البلايا، وقبول الخلق ورضا الرب. وقيل: الظاهرة ما سوّى من خلقك، والباطنة ما ستر من عيوبك. وقال ابن كثير: (وأسبغ عليهم نعمه الظاهرة والباطنة من إرسال الرّسل، وإنزال الكتب، وإزالة الشّبه والعلل، ثمّ مع هذا ما آمن الناس كلهم، بل منهم من يجادل في الله أي في توحيده وإرساله الرسل، ومجادلته في ذلك بغير علم ولا مستند من حجّة صحيحة، ولا كتاب مأثور صحيح). ولهذا قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ كسبي وَلا هُدىً فطري وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ أي مبين مضئ وَإِذا قِيلَ لَهُمُ أي لهؤلاء المجادلين في توحيد الله اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ أي القرآن والوحي قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أي لم يكن لهم حجّة إلا اتّباع الآباء الأقدمين أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ أي أيتبعونهم ولو كان الشيطان يدعوهم إلى النار، أي أيتبعونهم حتى في حال دعاء الشيطان إياهم إلى العذاب

стр. 4106

وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ أي ومن يخلص وجهه لله بانقياده لأمره، واتباعه لشرعه، وهو محسن في عمله باتباع ما به أمر، وترك ما عنه زجر فَقَدِ اسْتَمْسَكَ أي تمسّك وتعلّق بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى قال ابن كثير: (أي فقد أخذ موثقا من الله متينا أنّه لا يعذّبه). والعروة: هي ما يعلّق به الشئ، والوثقى: تأنيث الأوثق. وفسر بعضهم الآية بأنّه من يفوّض أمره لله، ويتوكّل عليه، وهو محسن بعمله فإنه مستمسك بالعروة الوثقى. قال النسفي: (مثّل حال المتوكّل بحال من أراد أن يتدلّى من شاهق، فاحتاط لنفسه بأن استمسك بأوثق عروة من حبل متين مأمون انقطاعه) وَإِلَى اللَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ أي هي صائرة إليه فيجازي عليها وَمَنْ كَفَرَ ولم يسلم وجهه لله فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ أي فلا يهمنّك كفر من كفر إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أي فنعاقبهم على أعمالهم إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ أي إن الله يعلم ما في صدور عباده فيفعل بهم على حسبه نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا أي زمانا قليلا في الدنيا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ أي نلجئهم إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ أي شديد فظيع صعب شاقّ على النفوس، شبّه إلزامهم التعذيب، وإرهاقهم إياه، باضطرار المضطر إلى الشئ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ هذا إلزام لهم على إقرارهم بأن الذي خلق السموات والأرض هو الله وحده، وأنه يجب أن يكون له الحمد والشكر وألا يعبد معه غيره بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ أن ذلك يلزمهم وإذا نبّهوا عليه لم ينتبهوا لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فالكل خلقه وملكه إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ الغني عن حمد الحامدين، الحميد المستحق للحمد وإن لم يحمده أحد لَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ أي ولو أن أشجار الأرض أقلام، والبحر ممدود بسبعة أبحر، وكتبت بتلك الأقلام، وبذلك المداد كلمات الله لما نفدت كلماته، ونفدت الأقلام والمداد إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ لا يعجزه شئ حَكِيمٌ في خلقه وأمره وأقواله وأفعاله وشرعه وجميع شئونه ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ أي إلا كخلق نفس واحدة، وبعث نفس واحدة. أي سواء في قدرته القليل والكثير، فلا يشغله شأن عن شأن إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لأقوالهم بَصِيرٌ بأفعالهم كسمعه وبصره بالنسبة إلى نفس واحدة. فكذلك قدرته عليهم كقدرته على نفس واحدة.

стр. 4107

نقل: [عن صاحب الظلال بمناسبة آية أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ .. ] قال صاحب الظلال عند قوله تعالى: أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً: (التناسق بين حاجات الإنسان على الأرض وتركيب هذا الكون يقطع بأنّ هذا التناسق لا يمكن أن يكون فلتة ولا مصادفة؛ وأنه لا مفر من التسليم بالإرادة الواحدة المدبّرة، التي تنسّق بين تركيب هذا الكون الهائل وحاجات البشر على هذا الكوكب الصغير الضئيل .. الأرض .. ! إن الأرض كلها لا تبلغ أن تكون ذرة صغيرة في بناء الكون. والإنسان في هذه الأرض خليقة صغيرة هزيلة ضعيفة بالقياس إلى حجم هذه الأرض، وبالقياس إلى ما فيها من قوى ومن خلائق حيّة وغير حيّة، لا يعد الإنسان من ناحية حجمه ووزنه وقدرته المادية شيئا إلى جوارها. ولكن فضل الله على هذا الإنسان ونفخته فيه من روحه، وتكريمه له على كثير من خلقه .. هذا الفضل وحده قد اقتضى أن يكون لهذا المخلوق وزن في نظام الكون وحساب. وأن يهيئ الله له القدرة على استخدام الكثير من طاقات هذا الكون وقواه، ومن ذخائره وخيراته. وهذا هو التسخير المشار إليه في الآية، في معرض نعم الله الظاهرة والباطنة، وهي أعم من تسخير ما في السماوات وما في الأرض. فوجود الإنسان ابتداء نعمة من الله وفضل؛ وتزويده بطاقاته واستعداداته ومواهبه هذه نعمة من الله وفضل؛ وإرسال رسله وتنزيل كتبه فضل أكبر ونعمة أجل؛ ووصله بروح الله من قبل هذا كله نعمة من الله وفضل؛ وكل نفس يتنفسه، وكل خفقة يخفقها قلبه، وكل منظر تلتقطه عينه، وكل صوت تلتقطه أذنه، وكل خاطر يهجس في ضميره، وكل فكرة يتدبرها عقله ... إن هي إلا نعمة ما كان لينالها لولا فضل الله. وقد سخّر الله لهذا المخلوق الإنساني ما في السماوات، فجعل في مقدوره الانتفاع بشعاع الشمس ونور القمر وهدى النجوم، وبالمطر والهواء والطير السابح فيه. وسخّر له ما في الأرض. وهذا أظهر وأيسر ملاحظة وتدبرا. فقد أقامه خليفة في هذا الملك الطويل العريض، ومكّنه من كل ما تذخر به الأرض من كنوز. ومنه ما هو ظاهر ومنه ما هو مستتر. ومنه ما يعرفه الإنسان ومنه ما لا يدرك إلا آثاره؛ ومنه ما لم يعرفه أصلا من أسرار القوى التي ينتفع بها دون أن يدري. وإنه لمغمور في كل لحظة

стр. 4108

من لحظات الليل والنهار بنعم الله السابغة الوافرة التي لا يدرك مداها، ولا يحصي أنماطها .. ومع هذا كله فإن فريقا من الناس لا يشكرون ولا يذكرون ولا يتدبرون ما حولهم، ولا يوقنون بالمنعم المتفضل الكريم). كلمة في السياق: [حول صلة المجموعة الأولى من المقطع بسياق السورة وبالمحور] ١ - إن المقطعين الأوّلين في السورة قررا حكمة هذا القرآن، وقررا ضرورة الإحسان، وكل ذلك في سياق ضرورة الاهتداء بكتاب الله، ثمّ جاءت هذه المجموعة لتبيّن كذلك ضرورة الاهتداء بكتاب الله من خلال لفت نظر الناس إلى نعم الله التي تقتضي شكرا. ففي الآية الأولى: أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً تقرّر وجوب الشكر، ثم جاءت الآية الثانية وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ ... لتدلّ على طريق الشكر ثمّ جاءت الآية الثالثة لتبين صورة الشكر وحقيقته وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ .... ثمّ جاءت الآية السادسة فألزمت بضرورة الشكر وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ .... ثمّ جاءت الآية الثامنة فتحدثت عن كلمات الله، وختمت الآية بقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ وفي ذلك تأكيد لحكمة الله وإحاطة علمه وهذا يؤكد موضوع حكمة القرآن وضرورة اتباعه. وختمت المجموعة بقوله تعالى: ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ ... وذلك تذكير بضرورة الاتباع لوجود الحساب، وبضرورة الشكر لوجود الحساب، وتأكيد لسعة علم الله تعالى وإحاطة قدرته، وكل ذلك يوجب الإحسان، والشكر لله، والاتباع لكتابه، واعتقاد حكمته. وهكذا نجد أن السورة قررت حكمة القرآن وضرورة اتباعه ومواصفات المتبعين، وكل ذلك ضمن سياق يخدم محور السورة. الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ....

стр. 4109

٢ - لاحظ الآن الصلة بين قوله تعالى في أوائل السّورة: الم* تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ* هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ وبين قوله تعالى في هذه المجموعة: وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ لتتأكد أن موضوع اتّباع الكتاب أساس في السّياق، ولننتقل إلى المجموعتين الثانية والثالثة. تفسير المجموعتين الثانية والثالثة أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ أي يدخل هذا في هذا، وهذا في هذا، على نظام هو غاية في الدّقة وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى أي إلى يوم القيامة وَأَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فلا يخفى عليه الظاهر والخفي ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ أي ذلك الوصف الذي وصف به عجائب قدرته وحكمته التي يعجز عنها الأحياء القادرون العالمون. فكيف بالجماد الذي يدعونه من دون الله، إنما هو بسبب أنه هو الحق الثابت الإلهية، وأن من دونه باطل الإلهية وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الشأن الْكَبِيرُ السلطان. قال ابن كثير: (أي العلي الذي لا أعلى منه، الكبير الذي هو أكبر من كل شئ فكل خاضع بالنسبة إليه). أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ أي السفينة تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ أي بإحسانه ورحمته. أو بالريح لأن الريح من نعم الله لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ أي ليريكم من عجائب قدرته في البحر إذا ركبتموها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ على بلائه شَكُورٍ لنعمائه وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ أي غطّاهم موج كَالظُّلَلِ أي كالجبال والغمام، والظلة: كل ما أظلك من جبل أو سحاب أو غيرها دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ أي موحّدين له الطاعة فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ أي باق على الإيمان والإخلاص الذي كان منه ولم يعد إلى الكفر، أو مقتصد في الإخلاص الذي كان عليه في البحر يعني: أن ذلك الإخلاص الحادث عند الخوف لا يبقى لأحد قط فالمقتصد على هذا هو المتوسّط في العمل، أو صاحب العمل القليل النادر. قال ابن كثير: (ويحتمل أن يكون مرادا هنا ويكون من باب الإنكار على من شاهد تلك الأهوال والأمور العظام، والآيات الباهرات في البحر، ثم بعد ما أنعم الله عليه بالخلاص كان ينبغي أن يقابل ذلك بالعمل التام والدءوب في العبادة، والمبادرة إلى الخيرات. فمن اقتصد بعد ذلك كان مقصرا والحالة هذه، والله أعلم) وَما يَجْحَدُ

стр. 4110

بِآياتِنا أي بحقّيتها أي بالقرآن إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ أي غدّار، والختر: أقبح الغدر كَفُورٍ أي جحود للنعم لا يشكرها بل يتناساها ولا يذكرها. كلمة في السياق: [حول صلة المجموعتين الثانية والثالثة ببعضهما البعض وبالمحور] ١ - جاءت المجموعة الثانية بعد قوله تعالى: ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ومن ثمّ فقد ذكر فيها دليلان على قدرة الله المطلقة، إن إيلاج الليل بالنهار، وتسخير الشمس والقمر، لدليلان على قدرة الله المطلقة. كما أن في ذلك دليلا على أنّ الله هو الحق بقوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ. وهكذا نجد أن السّياق في السورة متعانق. ٢ - والمجموعتان لفتتا النظر إلى نعم الله التي تقتضي شكرا مظهره الإيمان بكتاب الله واتباعه، ومن ثمّ ختمت الآيات بقوله تعالى: وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ فالمجموعتان تجريان على نسق السورة في ضرورة اتباع كتاب الله بعد أن أثبت الله حكمة هذا القرآن. وهكذا نجد أنّ السورة: قرّرت حكمة هذا القرآن، وقرّرت أنّ المحسنين يهتدون به ويرحمون ثمّ وصفت المحسنين، ثم أثبتت أن هذا القرآن حكيم من خلال الكلام عن أفعال الله ، ومن خلال قصة لقمان، ثم سارت الآيات لتحدثنا عن نعم الله التي تقتضي إحسانا، وتقتضي شكرا أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ. فإذا استقرت هذه المعاني فإنّه تأتي بعد ذلك آيتان هما خاتمة السورة تدعوان إلى الله وخشيته، وعدم الاغترار بالدنيا والشيطان، وتقرّران أنّ الله يعلم مفاتح الغيب. وبذلك تكون السورة قد فصّلت الكثير في الآيات الأولى سورة البقرة: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ... فلنر الخاتمة.

стр. 4111

تفسير خاتمة المقطع الثالث والسورة يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ بالخوف منه؛ وذلك باتّباع كتابه، وإقام الصلاة، وايتاء الزكاة وَاخْشَوْا يَوْماً هو يوم القيامة لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ أي لا يجزي فيه، أي لا يقضي عنه شيئا وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً أي وكذلك الولد لو أراد فداء والده بنفسه لم يقبل منه إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ أي إن وعد الله بالبعث والحساب والجزاء حقّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا أي لا تلهينّكم بالطمأنينة فيها عن الدار الآخرة فلا تلهينّكم بزينتها ولذاتها؛ فإنّ نعمتها دانية ولذاتها فانية وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ أي الشيطان ثم ذكر تعالى أنّه وحده هو الذي يعلم مفاتح الغيب ليدلّل بذلك على أنّ وعده حق، وأن ما يغر عن وعده كاذب إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ أي وقت قيامها وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ في إبّانه من غير تقديم ولا تأخير، وفي الفوائد كلام عن هذه الآية وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ علما كاملا أذكر أم أنثى، تامّ أم ناقص، وغير ذلك وَما تَدْرِي نَفْسٌ برة أو فاجرة ماذا تَكْسِبُ غَداً من خير أو شر، وربما كانت عازمة على خير فعملت شرا، وعازمة على شر فعملت خيرا وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ أي أين تموت فربّما أقامت بأرض وضربت أوتادها وقالت لا أبرحها فترمي بها مرامي القدر حتى تموت في مكان لم يخطر ببالها إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بالغيوب خَبِيرٌ بما كان ويكون. وهكذا انتهى المقطع الثالث، وانتهت بنهايته السورة وقد رأينا أنّ السورة تألفت من ثلاثة مقاطع، كل مقطع أدّى دوره في خدمة سياق السورة ضمن محورها. [نقل: عن صاحب الظلال بمناسبة خاتمة السورة] قال صاحب الظلال: (وهكذا تنتهى السورة، كما لو كانت رحلة هائلة بعيدة الآماد والآفاق والأغوار والأبعاد. ويئوب القلب من هذه الرحلة المديدة البعيدة، الشاملة الشاسعة، وئيد الخطى لكثرة ما طوّف، ولجسامة ما يحمل، ولطول ما تدبّر وما تفكّر، في تلك العوالم والمشاهد والحيوات! وهي بعد سورة لا تتجاوز الأربع والثلاثين آية. فتبارك الله خالق القلوب، ومنزل هذا القرآن شفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة للمؤمنين .. ).

стр. 4112

فوائد: ١ - [كل شئ في الأرض والسماوات مسخر للإنسان بدليل آية أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ .. (٢٠)] قال الله : أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وهذا يفيد أنّ كل شئ في السموات والأرض مسخّر للإنسان، فالسّماوات مسخّرة للإنسان إذ يمتّع بها ناظريه، ويتعرف بها على الله ، ويروي من خلال التعرّف عليها ظمأه إلى المعرفة، ثمّ إنّ نظام الكون مرتبط بعضه ببعض بقوانين الجاذبية، وذلك من مظاهر تسخير السموات، وبدون الشمس والقمر تتعذّر الحياة، وذلك من مظاهر التسخير، ومن النجوم تصل إلى الأرض إشعاعات، وبالنجوم يهتدي الإنسان، وكل ذلك نوع تسخير، وفي عصرنا وصل الإنسان إلى القمر، وما ندري ماذا سيكون في المستقبل، فهل سيصل الإنسان إلى كواكب أخرى؟ وما ندري كم سيكون في ذلك من فوائد، وفي ذلك كله نوع تسخير، أما تسخير كل ما في الأرض للإنسان من بحار وتراب، وظاهر وباطن، فهو واضح بأدنى تأمّل. ٢ - [إحدى معجزات القرآن في طريقة التصوير] ذكرنا في كتابنا (الرسول) في باب المعجزة القرآنية: أن من مظاهر الإعجاز في هذا القرآن أنّك تجد فيه صورا لا يمكن أن تكون وليدة البيئة العربية، أو وليدة الفكر الإنساني، وضربنا على ذلك أمثلة منها قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ فليراجع البحث هناك. ٣ - [حول ما أثير من تساؤلات عند الآية إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ .. وتعليق المؤلف] يثير بعض الناس أسئلة كثيرة حول آية إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ وسبب الأسئلة أنّ الأحاديث النّبوية تذكر أنّ هذه الخمسة لا يعلمها إلا الله، فهم يرون أنّ نزول الغيث قد يعرفه الإنسان قبيل نزوله، وأن هناك إمكانيات لمعرفة ما في الأرحام في بعض شهور الحمل، وبسبب من مثل ذلك يتساءلون. أقول: إنّ توقّع نزول المطر من خلال الأعراض الجوّية لا يعتبر علما بالغيب، وقد كان العربي منذ القديم يستطيع من خلال حاسّة الشم، أو من خلال الفراسة في الغيوم أن يعرف قضية نزول المطر، وهذا كله من باب العلم بالأسباب، ولا يدخل في الآية. قال النسفي: (وما يدرك بالدليل لا يكون غيبا، على أنّه مجرد الظن والظنّ غير العلم)، وعلى هذا فكون الإنسان قد عرف شيئا ممّا له علاقة بعالم الأسباب

стр. 4113

في شأن المطر فإنه لا يكون عارفا بكل ما له علاقة بالمطر ونزوله في كل وقت وكل حال، أمّا الله فمن الأزل يعلم كم وفي ومتى في كل عام، فالجانب الذي لا يتوصّل إليه الإنسان من خلال عالم الأسباب من هذه الظاهرة هو الجانب الغيبي، مع ملاحظة أنّ ما يصل إليه الإنسان هو أشبه بالظن، وأما إنزال المطر بواسطة إطلاق نوع من القنابل إلى الجو فهذا لا ينفي أن الله هو منزل المطر؛ لأن الأسباب كلها إنما هي بقدرة الله وإرادته وعلمه. وأما إمكانية أن يعرف الإنسان شيئا عن الجنين فهذا ليس غريبا، ولكن هذه المعرفة محدودة ضمن عالم الأسباب الذي لا يعتبر من عالم الغيب، فهذا الملك يعرف عن الجنين قبل ولادته، فمثل هذا لا ينقض العلم المطلق لله في هذا الشأن، فالله يعلم عن الجنين قبل خلقه، ويعلم ذرات البويضات، وتشكلها، وماذا سيكون منها، ثم ما بعد ذلك وما قبله مما لا يعرف الإنسان منه شيئا، فمعرفة البشر الجزئية لا تنفي أن الله وحده هو الذي يعلم، كما أن معرفة الملك بالجنين وهو في بطن أمه لا تنفي أن الله وحده هو الذي يعلم كل شئ عن الجنين. قال ابن كثير: (وكذلك إنزال الغيث لا يعلمه إلا الله، ولكن إذا أمر به علمه الملائكة الموكلون بذلك، ومن يشاء الله من خلقه، وكذلك لا يعلم ما في الأرحام مما يريد أن يخلقه تعالى سواه، ولكن إذا أمر بكونه ذكرا أو أنثى، أو شقيا أو سعيدا، علم الملائكة الموكلون بذلك، ومن شاء الله من خلقه). ٤ - [كلام ابن كثير حول ما سمي بمفاتيح الغيب الخمسة] قال ابن كثير في آية إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ... قد وردت السنّة بتسمية هذه الخمس مفاتيح الغيب. روى الإمام أحمد ... عن أبي بريدة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خمس لا يعلمهنّ إلا الله : إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ، وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ، وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ، وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً، وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ». هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجوه. وروى الإمام أحمد ... عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهنّ إلا الله: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ، وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ، وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ، وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً، وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ. انفرد بإخراجه البخاري فرواه في كتاب الاستسقاء في صحيحه، ورواه في التفسير من وجه آخر ... عن عبد الله بن عمر قال: قال النبي

стр. 4114

صلّى الله عليه وسلم: «مفاتح الغيب خمس». ثم قرأ إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ انفرد به أيضا. ورواه الإمام أحمد ... عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «أوتيت مفاتيح كل شئ إلا الخمس: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ، وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ، وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ، وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً، وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ، إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ». وروى الإمام أحمد ... عن عبد الله بن سلمة قال: قال عبد الله بن مسعود: أوتي نبيكم ﷺ مفاتيح كل شئ غير خمس: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ، وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ، وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ، وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً، وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ، إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ. وروى البخاري عند تفسير هذه الآية ... عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يوما بارزا للناس، إذ أتاه رجل يمشي فقال يا رسول الله: ما الإيمان؟ قال: «الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، ولقائه، وتؤمن بالبعث الآخر» قال يا رسول الله: ما الإسلام؟ قال: «الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان» قال يا رسول الله: ما الإحسان؟ قال: «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك» قال يا رسول الله: متى الساعة؟ قال: «ما المسئول عنها بأعلم من السائل ولكن سأحدثك عن أشراطها: إذا ولدت الأمة ربّتها فذاك من أشراطها. وإذا كان الحفاة العراة رءوس الناس فذاك من أشراطها، في خمس لا يعلمهنّ إلا الله إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ الآية»، ثم انصرف الرجل فقال: «ردّوه عليّ» فأخذوا ليردّوه فلم يروا شيئا فقال: «هذا جبريل جاء ليعلم الناس دينهم». ورواه البخاري أيضا في كتاب الإيمان ومسلم من طرق) ثمّ ذكر ابن كثير روايات أخرى تؤكد الموضوع نفسه. ٥ - [حديث بمناسبة آية وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ] وبمناسبة قوله تعالى: وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ قال ابن كثير: (وقد جاء في الحديث: «إذا أراد الله قبض عبد بأرض جعل له إليها حاجة» ثمّ ذكر روايات كثيرة لهذا الحديث. ٦ - [من تحقيقات الألوسي بمناسبة قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ .. ] من تحقيقات الألوسي في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ... هذه الفقرة: وفي شرح المناوي الكبير للجامع الصغير في الكلام على حديث بريدة السابق،

стр. 4115

خمس لا يعلمهن إلا الله على وجه الإحاطة والشمول، كلّيا وجزئيا فلا ينافيه اطلاع الله تعالى بعض خواصّه على بعض المغيبات، حتى من هذه الخمس، لأنها جزئيات معدودة، وإنكار المعتزلة لذلك مكابرة. انتهى. ويعلم مما ذكرنا وجه الجمع بين الأخبار الدالة على استئثار الله تعالى بعلم ذلك، وبين ما يدل على خلافه كبعض إخباراته ﵊ بالمغيبات التي هي من هذا القبيل، يعلم ذلك من راجع نحو الشفاء، والمواهب اللّدنية، مما ذكر فيه معجزاته ﷺ ، وإخباره ﵊ بالمغيبات، وذكر القسطلاني أنه إذا أمر بالغيث وسوقه إلى ما شاء من الأماكن علمته الملائكة الموكلون به، ومن شاء سبحانه من خلقه ، وكذا إذا أراد ﵎ خلق شخص في رحم، يعلم سبحانه الملك الموكل بالرحم بما يريد جل وعلا، كما يدل عليه ما أخرجه البخاري عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: «إن الله تعالى وكّل بالرحم ملكا يقول: يا رب نطفة، يا رب علقة، يا رب مضغة، فإذا أراد الله تعالى أن يقضي خلقه قال: أذكر أم أنثى؟ شقي أم سعيد؟ فما الرزق والأجل؟ فيكتب في بطن أمه، فحينئذ يعلم بذلك الملك ومن شاء الله تعالى من خلقه » وهذا لا ينافي الاختصاص والاستئثار بعلم المذكورات بناء على ما سمعت منا من أن المراد بالعلم الذي استأثر سبحانه به العلم الكامل بأحوال كل على التفصيل، فما يعلم به الملك ويطلع عليه بعض الخواص يجوز أن يكون دون ذلك العلم، بل هو كذلك في الواقع بلا شبهة، وقد يقال فيما يحصل للأولياء من العلم بشيء مما ذكر إنه ليس بعلم يقيني، قال: على القاري في شرح الشفا: الأولياء وإن كان قد ينكشف لهم بعض الأشياء لكن علمهم لا يكون يقينيا، وإلهامهم لا يفيد إلا أمرا ظنيا، ومثل هذا عندي بل هو دونه بمراحل علم النجومي ونحوه بواسطة أمارات عنده بنزول الغيث، وذكورة الحمل، أو أنوثته، أو نحو ذلك، ولا أرى كفر من يدّعي مثل هذا العلم فإنه ظن عن أمر عادي، وقد نقل العسقلاني في فتح الباري عن القرطبي أنه قال: من ادّعى علم شئ من الخمس غير مسنده إلى رسول الله ﷺ كان كاذبا في دعواه، وأما ظن الغيب فقد يجوز من المنجم وغيره إذا كان عن أمر عادي وليس ذلك بعلم، وعليه فقول القسطلاني: من ادعى علم شئ منها فقد كفر بالقرآن العظيم، ينبغي أن يحمل العلم فيه على نحو العلم الذي استأثر الله تعالى به دون مطلق العلم الشامل للظن وما يشبهه). أقول: كلّ ما أطلع الله عليه عباده بشكل مباشر، أو عن طريق قوانين هذا الكون وأسبابه- إذا كان قطعيا- فإنّه لا يكون ممّا استأثر بعلمه، وإذا كان ظنيا فإن ذلك

стр. 4116

لا يعتبر علما، وكلّ ما أطلع الله عليه عباده لا يخرج عن كونه أجزاء بالنسبة للعلم الشامل، فالمتهوّكون في الآية مخطئون. كلمة أخيرة في سورة لقمان: رأينا أنّ سورة لقمان تألّفت من ثلاثة مقاطع واضحة المعالم قد تكاملت فيها المعاني، وممّا جاء في السورة: أن هذا القرآن حكيم؛ لأنه من عند الله الحكيم الذي من سنّته أن ينزل الحكمة على من يشاء من عباده، وأنّ هذا القرآن فيه الهدى والرحمة، وأن النّاس قسمان: مهتد وهم المحسنون، وضال وهم الجاحدون. وأن المحسنين هم الذين قابلوا نعم الله بما تستحقه فشكروها. وأن الآخرين هم الذين قابلوا نعم الله بالجحود فكفروها. وبعد أن استقرت هذه المعاني أمرت السورة النّاس جميعا أن يتقوا الله، ولا تقوى إلا بإيمان، وصلاة، وزكاة، واتّباع كتاب كما ذكرت ذلك مقدمة سورة البقرة: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (البقرة: ١ - ٣). ... وجاءت قصة لقمان في وسط السّورة لتبيّن الجوانب العملية للشكر على إيتاء الحكمة، فكان ما قبلها مقدمة لها، وكان ما بعدها حثّا على تطبيق ما ورد فيها من معان لا يستقيم شكر الإنسان إلا بها. ... وقد فصّلت السورة في الآيات الأولى من سورة البقرة: فنال قوله تعالى: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ حظا من التفصيل يظهر في تبيان أن المتقين هم المحسنون، وفي تبيان كون القرآن حكيما، وهذا ينفي أن يكون فيه ريب، وفي كون المستمسكين به مستمسكين بالعروة الوثقى. ونال قوله تعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ حظا من التفصيل وخاصة عند ما

стр. 4117

ذكرت السورة مفاتح الغيب وأنها عند الله. ونال قوله تعالى: وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ حظا من التفصيل إذ فهم أنّ الزكاة هي المقصودة بالإنفاق، وأن الصلاة قد أوصى بها كل حكيم. ونال قوله تعالى: وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ حظا من التدليل والتفصيل في مثل قوله تعالى: ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ ... وفي مثل قوله تعالى: إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ. وهكذا نجد أنّ للسورة سياقها الخاص بها، كما أنّها مرتبطة بالسياق القرآني العام، وهكذا نجد التكامل في هذا القرآن، ونجد الوحدة. ... وفي السور الأربع المبدوءة ب (الم) من هذه المجموعة نجد التكامل واضحا، بحيث إنّ كل سورة فصّلت ضمن سياقها الخاص بها ما أكملت به عمل أخواتها، ويكفي كتدليل على هذا التكامل أن تتأمّل ما سأذكره لك الآن. أول البقرة: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ. وأول سورة لقمان: الم* تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ. وأول سورة السجدة: الم* تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ. لاحظ أنّ كلمة هُدىً الواردة في آية البقرة وردت في سورة لقمان ولم ترد في سورة السجدة، وأنّ كلمة لا رَيْبَ فِيهِ الواردة في آية البقرة وردت في أول السجدة ولم ترد في أول لقمان، وإذن فسورة السجدة تكمّل التفصيل للآية الأولى من البقرة: هذه تفصّل بشكل أخص في موضوع الاهتداء، وهذه تفصّل بشكل أخص في موضوع الريب، ومن مثل هذا ندرك صحة اتجاهنا في فهم الوحدة القرآنية، وفي فهم السياق الخاص لكل سورة، وفي فهم التكامل بين السور، والحمد لله رب العالمين.

стр. 4118

سورة السّجدة وهي السّورة الثانية والثلاثون بحسب الرّسم القرآني وهي السّورة الرابعة من المجموعة الأولى من قسم المثاني وآياتها ثلاثون آية وهي مكيّة وهي السّورة الرابعة من زمرة (الم) في قسم المثاني

стр. 4119

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله وآله وأصحابه ربّنا تقبّل منّا، إنّك أنت السّميع العليم

стр. 4120

١ - قال الألوسي في تقديمه لسورة (الم السّجدة): (وتسمى المضاجع أيضا كما في الإتقان، وفي مجمع البيان أنها كما تسمى سورة السجدة تسمى سجدة لقمان لئلا تلتبس بحم السجدة. وأطلق القول بمكّيتها، وأخرج ابن الضريس، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس أنها نزلت بمكة. وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير مثله. وجاء في رواية أخرى عن الحبر استثناء، وأخرج النحاس عنه رضي الله تعالى عنه أنه قال: نزلت سورة السجدة بمكة سوى ثلاث آيات أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً ... إلى تمام الآيات الثلاث، وروي مثله عن مجاهد، والكلبي؛ واستثنى بعضهم أيضا آيتين أخريين وهما قوله تعالى: تَتَجافى جُنُوبُهُمْ ... الخ، واستدل عليه ببعض الروايات في سبب النزول وستطّلع على ذلك إن شاء الله تعالى، واستبعد استثناؤهما لشدة ارتباطهما بما قبلهما. وهي تسع وعشرون آية في البصري وثلاثون في الباقية. ووجه مناسبتها لما قبلها اشتمال كلّ على دلائل الألوهية، وفي البحر لما ذكر سبحانه فيما قبل دلائل التوحيد وهو الأصل الأول، ثم ذكر جل وعلا المعاد وهو الأصل الثاني، وختم جل شأنه به السورة، ذكر تعالى في بدء هذه السورة الأصل الثالث وهو النبوة، وقال الجلال السيوطي في وجه الاتصال بما قبلها: إنها شرح لمفاتح الغيب الخمسة التي ذكرت في خاتمة ما قبل، فقوله تعالى: ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ شرح قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ولذلك عقّب بقوله سبحانه: عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ وقوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ شرح قوله سبحانه: وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وقوله ﵎: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ الآيات شرح قوله ﷻ : وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وقوله : يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها شرح قوله تعالى: وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً وقوله جل وعلا: أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ إلى قوله تعالى: قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ شرح قوله سبحانه: وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ اه، ولا يخلو عن نظر. وجاء في فضلها أخبار كثيرة، أخرج أبو عبيد. وابن الضريس من مرسل المسيب بن رافع أن النبي صلّى الله تعالى عليه وسلم قال: «تجئ الم تنزيل- وفي رواية- الم السجدة يوم القيامة لها جناحان تظل صاحبها وتقول: لا سبيل عليه لا سبيل عليه».

стр. 4121

وأخرج الدارمي. والترمذي. وابن مردويه عن طاوس قال: الم السجدة، وتبارك الذي بيده الملك تفضلان على كل سورة في القرآن بستين حسنة، وفي رواية عن ابن عمر تفضلان ستين درجة على غيرهما من سور القرآن. وأخرج أبو عبيد في فضائله. وأحمد. وعبد بن حميد. والدارمي. والترمذي. والنسائي. والحاكم وصححه وابن مردويه عن جابر قال: «كان النبي صلّى الله تعالى عليه وسلم لا ينام حتى يقرأ الم تنزيل السجدة وتبارك الذي بيده الملك». وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم: «من قرأ تبارك الذي بيده الملك، والم تنزيل السجدة بين المغرب والعشاء الآخرة فكأنما قام ليلة القدر». وروى نحوه هو والثعلبي والواحدي من حديث أبي بن كعب، والثعلبي دونهم من حديث ابن عباس، وتعقب ذلك الشيخ ولي الدين قائلا: لم أقف عليه وهذه الروايات كلها موضوعة، لكن رأيت في الدر المنثور أن الخرائطي أخرج في مكارم الأخلاق من طريق حاتم بن محمد عن طاوس أنه قال: ما على الأرض رجل يقرأ الم تنزيل السجدة، وتبارك الذي بيده الملك في ليلة إلا كتب له مثل أجر ليلة القدر، قال حاتم: فذكرت ذلك لعطاء فقال: صدق طاوس، والله ما تركتهن منذ سمعت بهن إلا أن أكون مريضا، ولم أقف على ما قيل في هذا الخبر صحة وضعفا ووضعا، وفيه أخبار كثيرة في فضلها غير هذا، والله أعلم بحالها وكان ﵊ يقرؤها و (هل آتى) في صلاة فجر الجمعة وهو مشعر بفضلها، والحديث في ذلك صحيح لا مقال فيه ... ). ٢ - وقال صاحب الظلال في تقديمه لسورة السجدة: (ترسم السورة صورا للنفوس المؤمنة في خشوعها وتطلّعها إلى ربها. وللنفوس الجاحدة في عنادها ولجاجها؛ وتعرض صورا للجزاء الذي يتلقاه هؤلاء وهؤلاء، وكأنها واقع مشهود حاضر للعيان، يشهده كل قارئ لهذا القرآن. وفي كل هذه المعارض والمشاهد تواجه القلب البشري بما يوقظه ويحرّكه ويقوده إلى التأمل والتدبر مرة، وإلى الخوف والخشية مرة، وإلى التطلّع والرجاء مرة. وتطالعه تارة بالتحذير والتهديد، وتارة بالإطماع، وتارة بالإقناع .. ثم تدعه في النهاية.

стр. 4122

تحت هذه المؤثرات وأمام تلك البراهين. تدعه لنفسه يختار طريقه، وينتظر مصيره على علم وعلى هدى وعلى نور). كلمة في سورة السجدة ومحورها: تبدأ السورة بقوله تعالى: الم تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ والصلة واضحة بين هذه الآية وبين أول آية في سورة البقرة: الم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ. ثم تأتي الآية اللاحقة في سورة السجدة: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ. فهي تمضي على نفس النّسق تلاحق الريب والشك، ثمّ تبين حكمة إنزال القرآن، ثم تمضي السورة تحدثنا عن الله بما يزيدنا معرفة به، وفي ذلك تدليل على أنّه لا بدّ من وحي؛ ومن ثمّ فلا يستغرب أن ينزل الله هذا القرآن، ثم تحدّثنا السّورة عن سبب من أسباب كفر الكافرين بهذا القرآن وتردّه. ثم تحدّثنا عن علامة الإيمان الجازم بهذا القرآن، ثمّ تقارن بين المؤمنين والكافرين، وما أعد لهؤلاء وهؤلاء، ثم تبيّن أنّه لا أحد أظلم ممن ذكّر بآيات الله ثم أعرض عنها، ثم تذكر معاني أخرى. وهكذا تسير السورة في سياقها الرئيسي مفصّلة في موضوع أن هذا القرآن من عند الله بعرض كلّ ما يزيل الريب في ذلك. ... ومن تأمّل موضوع السورة الرئيسي أدرك أنّ سور هذه الزمرة تكمّل بعضها، فلكلّ منها موضوعه الرئيسي من مجموعة المواضيع التي تحدثت عنها مقدمة سورة البقرة، وقد عرض كل موضوع، ومحلّه من بقية المواضيع، بشكل لا ينتهي منه العجب. فسورة العنكبوت تحدّثت عن آثار الإيمان بشكل رئيسي. وسورة الروم تحدّثت عن موضوع اليوم الآخر بشكل رئيسي. وسورة لقمان تحدّثت عن الاهتداء بالقرآن بشكل رئيسي.

стр. 4123

وتأتي سورة السجدة لتتحدث عن انتفاء الريب عن هذا القرآن بشكل رئيسي ولكن كل موضوع رئيسي عرض بكل ما يلزمه، وبكل ما يتّصل به، وكل ذلك بهذا الشكل العجيب الذي تجد الحرف والكلمة والآية والمجموعة والمقطع وكل شئ في محلّه، وذلك مظهر من مظاهر الإعجاز. ... لقد رأينا أن القرآن يتألف من أقسام. وبعض الأقسام يتألف من مجموعات. وبعض الأقسام تجد فيها زمرا. فمثلا تجد زمرة (الر). وتجد زمرة (طس). وتجد في القسم الذي نحن فيه زمرة (الم) ثم زمرة (حم) وهكذا. ... تجد القسم يكمل بعضه. وتجد مجموعات القسم تكمّل بعضها. وتجد الزمرة فيما بين ذلك كله نمط واحد. ... تجد لكل سورة سياقها الخاص، وروحها الخاصة، وتجد لكل زمرة روحها الخاصة، وتجد للمجموعة روحها الخاصة، وتجد للقسم روحه الخاصة، ثمّ إنك تجد للسورة في زمرتها روحها الخاصة، وروحها التي هي قاسم مشترك مع مجموعتها، وتجد للزمرة روحها الخاصة وروحها التي هي قاسم مشترك مع قسمها، وتجد لكل قسم روحه الخاصة به وروحه التي هي قاسم مشترك مع القرآن كله فسبحان الله منزّل هذا القرآن. وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ [الشورى: ٥٢].

стр. 4124

تتألف سورة السجدة من مقدمة وثلاث مجموعات وها نحن نبدأ بعرض المقدّمة. مقدمة سورة السجدة وتتألف من ثلاث آيات وهذه هي مع البسملة: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٣٢/ ٣ - ١ التفسير: الم تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ أي لا شك فيه ولا مرية أنه منزل مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ لأنه معجز للبشر ومثله أبعد شئ من الريب أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ أي اختلقه محمد ﷺ ، معناه: بل يقولون افتراه وفي ذلك إنكار لقولهم وتعجيب منهم لظهور إعجازه في عجز بلغائهم عن مثل سورة منه بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لا كما ادّعوا تعنّتا وجهلا أنّ محمّدا افتراه، ثمّ بيّن الله الحكمة في إنزاله فقال: لِتُنْذِرَ قَوْماً أي العرب بخاصّة ابتداء ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ أي لعلهم يتّبعون الحق. نقل: قال صاحب الظلال مفسّرا هذه الآيات: («ألف. لام. ميم» .. هذه الأحرف التي يعرفها العرب المخاطبون بهذا الكتاب؛ ويعرفون ما يملكون أن يصوغوا منها ومن نظائرها من كلام، ويدركون الفارق الهائل بين ما يملكون أن يصوغوه منها وبين هذا القرآن؛ وهو فارق يدركه كل خبير بالقول، وكل من يمارس التعبير باللفظ عن المعاني والأفكار. كما يدرك أن

стр. 4125

في النصوص القرآنية قوة خفية، وعنصرا مستكنا، يجعل لها سلطانا وإيقاعا في القلب والحس ليسا لسائر القول المؤلف من أحرف اللغة، مما يقوله البشر في جميع الأعصار. وهي ظاهرة ملحوظة لا سبيل إلى الجدال فيها، لأن السامع يدركها، ويميزها، ويهتز لها، من بين سائر القول، ولو لم يعلم سلفا أن هذا قرآن! والتجارب الكثيرة تؤكد هذه الظاهرة في شتى أوساط الناس. والفارق بين القرآن وما يصوغه البشر من هذه الحروف من كلام، هو كالفارق بين صنعة الله وصنعة البشر في سائر الأشياء. صنعة الله واضحة مميزة، لا تبلغ إليها صنعة البشر في أصغر الأشياء. وأن توزيع الألوان في زهرة واحدة ليبدو معجزة لأمهر الرسامين في جميع العصور .. ألف. لام. ميم .. تَنْزِيلُ الْكِتابِ- لا رَيْبَ فِيهِ- مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ... قضية مقطوع بها، لا سبيل إلى الشك فيها. قضية تنزيل الكتاب من رب العالمين .. ويعجّل السياق بنفي الريب في منتصف الآية، بين المبتدأ فيها والخبر، لأن هذا هو صلب القضية، والنقطة المقصودة في النص. والتمهيد لها بذكر هذه الأحرف المقطّعة يضع المرتابين الشاكّين وجها لوجه أمام واقع الأمر، الذي لا سبيل إلى الجدل فيه. فهذا الكتاب مصوغ من جنس هذه الأحرف التي يعرفون؛ ونمطه هو هذا النمط المعجز الذي لا يمارون في إعجازه، أمام التجربة الواقعة، وأمام موازين القول التي يقر بها الجميع. إن كل آية وكل سورة تنبض بالعنصر المستكن العجيب المعجز في هذا القرآن؛ وتشي بالقوة الخفية المودعة في هذا الكلام. وإن الكيان الإنساني ليهتز ويرتجف ويتزايل ولا يملك التماسك أمام هذا القرآن، كلّما تفتّح القلب، وصغا الحس، وارتفع الإدراك، وارتقت حساسية التلقي والاستجابة. وإن هذه الظاهرة لتزداد وضوحا كلما اتسعت ثقافة الإنسان، ومعرفته بهذا الكون وما فيه ومن فيه. فليست هي مجرد وهلة تأثرية وجدانية غامضة. فهي متحققة حين يخاطب القرآن الفطرة خطابا مباشرا. وهي متحققة كذلك حين يخاطب القلب المجرب، والعقل المثقّف، والذهن الحافل بالعلم والمعلومات. وإن نصوصه ليتّسع مدى مدلولاتها ومفهوماتها وإيقاعاتها على السواء كلما ارتفعت درجة العلم والثقافة والمعرفة، ما دامت الفطرة مستقيمة

стр. 4126

لم تنحرف ولم تطمس عليها الأهواء مما يجزم بأن هذا القرآن [غير بشري] على وجه اليقين، وأنه تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين. أَمْ يَقُولُونَ: افْتَراهُ!. ولقد قالوها فيما زعموه متعنّتين. ولكن السياق هنا يصوغ هذا القول في صيغة المستنكر لأن يقال هذا القول أصلا: أَمْ يَقُولُونَ: افْتَراهُ؟ .. هذه القولة التي لا ينبغي أن تقال؛ فتاريخ محمد- ﷺ فيهم ينفي هذه الكلمة الظالمة من جهة؛ وطبيعة هذا الكتاب ذاتها تنفيه أصلا، ولا تدع مجالا للريب والتشكك: بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ. الحق .. بما في طبيعته من صدق ومطابقة لما في الفطرة من الحق الأزلي؛ وما في طبيعة الكون كله من هذا الحق الثابت، المستقر في كيانه، الملحوظ في تناسقه، واطراد نظامه، وثبات هذا النظام، وشموله وعدم تصادم أجزائه، أو تناثرها، وتعارف هذه الأجزاء وتلاقيها. الحق .. بترجمته لنواميس هذا الوجود الكبير ترجمة مستقيمة؛ وكأنما هو الصورة اللّفظية المعنوية لتلك النواميس الطبيعية الواقعية العاملة في هذا الوجود. الحق .. بما يحققه من اتصال بين البشر الذين يرتضون منهجه وهذا الكون الذي يعيشون فيه ونواميسه الكلّية، وما يعقده بينهم وبين قوى الكون من سلام وتعاون وتفاهم وتلاق. حيث يجدون أنفسهم في صداقة مع كل ما حولهم من هذا الكون الكبير. الحق .. الذي تستجيب له الفطرة حين يلمسها إيقاعه، في يسر وسهولة، وفي غير مشقة ولا عنت. لأنه يلتقي بما فيها من حق أزلي قديم. الحق .. الذي لا يتفرّق ولا يتعارض وهو يرسم منهاج الحياة البشرية كاملا؛ ويلحظ في هذا المنهاج كل قواها وكل طاقاتها، وكل نزعاتها وكل حاجاتها، وكل ما يعتورها من مرض أو ضعف أو نقص أو آفة، تدرك النفوس وتفسد القلوب. الحق .. الذي لا يظلم أحدا في دنيا أو آخرة. ولا يظلم قوة في نفس ولا طاقة. ولا يظلم فكرة في القلب أو حركة في الحياة، فيكفها عن الوجود والنشاط، ما دامت

стр. 4127

متّفقة مع الحق الكبير الأصيل في صلب الوجود. بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ... فما هو من عندك، إنما هو من عند ربك، وهو رب العالمين كما قال في الآية السابقة؛ إنما هذه الإضافة هنا للتكريم. تكريم الرسول الذي يتّهمونه بالافتراء ... ردا على الاتهام الأثيم. وتقريرا للصلة الوثيقة التي تحمل مع معنى التكريم معنى وثاقة المصدر وصحة التلقي. وأمانة النقل والتبليغ. لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ، لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ. والعرب الذين أرسل إليهم محمد- ﷺ لم يرسل إليهم أحد قبله؛ ولا يعرف التاريخ رسولا بين إسماعيل- ﵇ جد العرب الأول وبين محمد- ﷺ وقد نزّل الله عليه هذا الكتاب الحق، لينذرهم به لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ فهدايتهم مرجوة بهذا الكتاب، لما فيه من الحق الذي يخاطب الفطر والقلوب). كلمة في السياق: جاءت مقدمة السورة فقررت نفي الشك عن القرآن، وقررت أنه من عند الله، ونفت أن يكون من عند محمد ﷺ وبيّنت الحكمة في الإنزال وهو الإنذار لأمّة لم يرسل لها من قبل، مع أنّ سنّة الله ألا يبقي أمّة بلا نذير، وإذ تقرّرت هذه المعاني تأتي الآن المجموعة الأولى في السورة لتدلّل بطريقة أخرى على ما مرّ. ***

стр. 4128

المجموعة الأولى وتمتد من الآية (٤) حتى نهاية الآية (٩) وهذه هي: ٣٢/ ٩ - ٤ التفسير: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ فليس من خالق غيره ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ استواء ليس كمثله شئ ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ أي من دون الله مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أي إذا جاوزتم رضاه لم تجدوا لأنفسكم وليا أي ناصرا ينصركم، ولا شفيعا يشفع لكم؛ إذ هو المالك لأزمّة الأمور. الخالق لكل شئ. القادر على كل شئ. فلا وليّ لخلقه سواه، ولا شفيع إلا من بعد إذنه أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ أي أفلا تتّعظون بمواعظ الله. قال ابن كثير: (يعني أيها العابدون غيره، المتوكّلون على من عداه تعالى وتقدّس وتنزّه أن يكون له نظير أو شريك أو وزير أو نديد أو عديل لا إله إلا هو ولا رب سواه) يُدَبِّرُ الْأَمْرَ أي أمر ملكوته مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ أي يتنزل أمره من أعلى السماوات إلى أقصى الأرضين ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ أي ذلك الأمر كله أي يصير إليه ليحكم فيه

стр. 4129

فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ أي من أيام الدنيا. قال ابن كثير: (وترفع الأعمال إلى ديوانها فوق سماء الدنيا ومسافة ما بينها وبين الأرض مسيرة خمسمائة سنة. وقال مجاهد وقتادة والضحاك: النزول من الملك في مسيرة خمسمائة عام وصعوده في مسيرة خمسمائة عام، ولكنّه يقطعها في طرفة عين) ذلِكَ أي المدبّر لهذه الأمور الموصوف بما مر عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أي عالم ما غاب عن العباد وما شاهدوه الْعَزِيزُ أي الغالب أمره الذي قد عزّ كلّ شئ فقهره وغلبه ودانت له المخلوقات الرَّحِيمُ أي البالغ لطفه وتيسيره. قال ابن كثير: (فهو عزيز في رحمته، رحيم في عزته وهذا هو الكمال، العزّة مع الرحمة والرحمة مع العزّة، فهو رحيم بلا ذل) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ أي أحسن خلق كل شئ لأن كل شئ مرتّب على ما اقتضته الحكمة وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ يعني خلق أبا البشر آدم من طين ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ أي ذريته مِنْ سُلالَةٍ أي من نطفة مِنْ ماءٍ أي منّي مَهِينٍ أي ضعيف حقير ممتهن ثُمَّ سَوَّاهُ أي قوّمه وصنعه وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ أي وأدخل فيه من روحه كأنه قال: ونفخ فيه من الشئ الذي اختص هو به وبعلمه وهو الروح: فإضافة الروح إلى الله لتبيان اختصاصها به لا أن لله روحا هذه جزء منها تعالى الله عن ذلك وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ أي العقول لتسمعوا وتبصروا وتعقلوا قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ بهذه القوى التي رزقكموها الله . فالسعيد من استعملها في طاعة ربه . نقول: ١ - [كلام الألوسي بمناسبة آية فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ] عند قوله تعالى فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ قال الألوسي: (وألف سنة على حقيقتها وهي مسافة ما بين الأرض ومحدب السماء الدنيا بالسير المعهود للبشر، فإن ما بين السماء والأرض خمسمائة عام، وثخن السماء كذلك، كما جاء في الأخبار الصحيحة، والملك يقطع ذلك في زمان يسير فالكلام على التشبيه، فكأنه قيل: يريد تعالى الأمر متقنا مراعى فيه الحكمة بأسباب سماوية نازلة آثارها وأحكامها إلى الأرض فيكون كما أراد سبحانه فيعرج ذلك الأمر مع الملك ويرتفع خبره إلى حضرته سبحانه في زمان هو كألف سنة مما تعدّون).

стр. 4130

أقول: إنّ مثل هذه الاتجاهات هي التي دعتني إلى القول بأن السموات السبع غيبية لأنه على تقديرات العلوم المعاصرة فالأبعاد الكونية هائلة، والسموات السبع ليست على مثل هذه الأبعاد فيما يراه الإنسان من خلال بعض النصوص، ومن خلال كلام الإسلاميين، فتعيّن عندي أن السموات السبع موجودة كما أخبرنا عنها ولكنها مغيّبة عنا. ٢ - [كلام صاحب الظلال بمناسبة آية الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ] وقال صاحب الظلال عند قوله تعالى: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ: ( .. واللهم إن هذا هو الحق الذي تراه الفطرة وتراه العين ويراه القلب ويراه العقل. الحق المتمثل في أشكال الأشياء، ووظائفها. وفي طبيعتها منفردة وفي تناسقها مجتمعة. وفي هيئاتها وأحوالها ونشاطها وحركاتها. وفي كل ما يتعلق بوصف الحسن والإحسان من قريب أو من بعيد. سبحانه! هذه صنعته في كل شئ. هذه يده ظاهرة الآثار في الخلائق. هذا كل شئ خلقه يتجلى فيه الإحسان والإتقان؛ فلا تجاوز ولا قصور، ولا زيادة عن حد الإحسان ولا نقص، ولا إفراط ولا تفريط، في حجم أو شكل أو صنعة أو وظيفة. كل شئ مقدر لا يزيد عن حد التناسق الجميل الدقيق ولا ينقص. ولا يتقدّم عن موعده ولا يتأخر. ولا يتجاوز مداه ولا يقصر .. كل شئ من الذرة الصغيرة إلى أكبر الأجرام. ومن الخلية الساذجة إلى أعقد الأجسام. كلها يتجلى فيها الإحسان والإتقان .. وكذلك الأعمال والأطوار والحركات والأحداث. وكلها من خلق الله. مقدرة تقديرا دقيقا في موعدها وفي مجالها وفي مآلها، وفق الخطة الشاملة لسير هذا الوجود من الأزل إلى الأبد مع تدبير الله. كل شئ، وكل خلق، مصنوع ليؤدي دوره المقسوم له في رواية الوجود، معد لأداء هذا الدور إعدادا دقيقا، مزود بالاستعدادات والخصائص التي تؤهّله لدوره تمام التأهيل. هذه الخلية الواحدة المجهّزة بشتى الوظائف. هذه الدودة السابحة المجهّزة بالأرجل أو الشعيرات وبالملاسة والمرونة والقدرة على شق طريقها كأحسن ما يكون. هذه السمكة. هذا الطائر. هذه الزاحفة. هذا الحيوان. ثم هذا الإنسان .. وهذا الكوكب السيار وهذا النجم الثابت. وهذه الأفلاك والعوالم؛ وهذه الدورات المنتظمة الدقيقة المنسّقة العجيبة المضبوطة التوقيت والحركة على الدوام .. كل شئ. كل شئ. حيثما امتد البصر متقن الصنع. بديع التكوين. يتجلى فيه الإحسان والإتقان.

стр. 4131

والعين المفتوحة والحسّ المتوفز والقلب البصير، ترى الحسن والإحسان في هذا الوجود بتجمعه؛ وتراه في كل أجزائه وأفراده. والتأمل في خلق الله حيثما اتّجه النظر أو القلب أو الذهن، يمنح الإنسان رصيدا ضخما من ذخائر الحسن والجمال، ومن إيقاعات التناسق والكمال، تجمع السعادة من أطرافها بأحلى ما في ثمارها من مذاق؛ وتسكبها في القلب البشري؛ وهو يعيش في هذا المهرجان الإلهي الجميل البديع المتقن، يتملّى آيات الإحسان والإتقان في كل ما يراه وما يسمعه وما يدركه في رحلته على هذا الكوكب. ويتّصل من وراء أشكال هذا العالم الفانية بالجمال الباقي. ولا يدرك القلب شيئا من هذا النعيم في رحلته الأرضية إلا حين يستيقظ من همود العادة، ومن ملالة الألفة. وإلا حين يتسمّع لإيقاعات الكون من حوله، ويتطلّع إلى إيحاءاته. وإلا حين يبصر بنور الله فتتكشّف له الأشياء عن جواهرها الجميلة كما خرجت من يد الله المبدعة. وإلا حين يتذكر الله كلما وقعت عينه أو حسّه على شئ من بدائعه؛ فيحس بالصلة بين المبدع وما أبدع؛ فيزيد شعوره بجمال ما يرى وما يحس، لأنه يرى حينئذ من ورائه جمال الله وجلاله. إن هذا الوجود جميل. وإن جماله لا ينفد. وإن الإنسان ليرتقي في إدراك هذا الجمال والاستمتاع به إلى غير ما حدود. قدر ما يريد. وفق ما يريده له مبدع الوجود. وإن عنصر الجمال لمقصود قصدا في هذا الوجود. فإتقان الصنعة يجعل كمال الوظيفة في كل شئ يصل إلى حد الجمال. وكمال التكوين يتجلى في صورة جميلة في كل عضو، وفي كل خلق .. انظر .. هذه النحلة. هذه الزهرة. هذه النجمة. هذا الليل. هذا الصبح. هذه الظلال. هذه السحب. هذه الموسيقى السارية في الوجود كله. هذا التناسق الذي لا عوج فيه ولا فطور! إنها رحلة ممتعة في هذا الوجود الجميل الصنع البديع التكوين؛ يلفتنا القرآن إليها لنتملّاها، ونستمتع بها؛ وهو يقول: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ .. فيوقظ القلب لتتّبع مواضع الحسن والجمال في هذا الوجود الكبير .. ). ٣ - [كلام صاحب الظلال بمناسبة آية وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ] وعند قوله تعالى: وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ قال صاحب الظلال:

стр. 4132

(غير أنه يحسن- بهذه المناسبة- تقرير أن نظرية النشوء والارتقاء لدارون القائلة: بأن الأنواع تسلسلت من الخلية الواحدة إلى الإنسان في أطوار متوالية؛ وأن هناك حلقات نشوء وارتقاء متّصلة تجعل أصل الإنسان المباشر حيوانا فوق القردة العليا ودون الإنسان .. أن هذه النظرية غير صحيحة في هذه النقطة وأن كشف عوامل الوراثة- التي لم يكن دارون قد عرفها- تجعل هذا التطور من نوع إلى نوع ضربا من المستحيل. فهناك عوامل وراثة كامنة في خلية كل نوع تحتفظ له بخصائص نوعه؛ وتحتّم أن يظل في دائرة النوع الذي نشأ منه، ولا يخرج قط عن نوعه ولا يتطوّر إلى نوع جديد. فالقط أصله قط وسيظل قطا على توالي القرون. والكلب كذلك. والثور. والحصان. والقرد. والإنسان. وكل ما يمكن أن يقع- حسب نظريات الوراثة- هو الارتقاء في حدود النوع نفسه. دون الانتقال إلى نوع آخر. وهذا يبطل القسم الرئيسي في نظرية دارون التي فهم ناس من المخدوعين باسم العلم أنها حقيقة غير قابلة للنقض في يوم من الأيام!). كلمة في السياق: [حول صلة المجموعة الأولى بالمقدمة وبالمحور] لقد حدّثتنا الآيات عن الله أنه الخالق، وأنّه المدبّر، وأنه عالم الغيب والشهادة، وأنه الذي أحسن خلق كل شئ، وأنه خالق الإنسان، والجاعل له السمع والأبصار والأفئدة. وهذا كله يقتضي أن يدبر الله أمر عباده، وأن يرسل لهم رسولا، وأن ينزل عليهم وحيا، ومن ثمّ كان هذا القرآن. وحدثتنا الآيات عن التذكر والشكر أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ. قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ والتذكّر والشكر يحتاجان إلى مذكّر ودليل على الشكر، ومن ثمّ كان هذا القرآن. فالمجموعة بكل ما فيها- وما فيها أكثر مما ذكرناه- تؤكّد ما مر في المقدمة بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ. إنها تذكر وتقرّر أنّ شأن الله عظيم، وأنّ من شأنه تعالى أن يرسل رسولا، وأن ينزل كتابا. فإذا تذكّر الإنسان هذا، ورأى خصائص هذا القرآن، عرف أنّ هذا القرآن من عند الله لا شك في ذلك ولا ريب. وإذ قرر الله في نهاية الآيات السابقة قلة شكر

стр. 4133

الإنسان: ... وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ في سياق الحديث عن ذاته جل وعلا، تأتي الآن آيات تحدّثنا عن مظهر من مظاهر انعدام الشكر وهو الكفر باليوم الآخر، الذي هو أثر عن الكفر بآيات الله. ومن ثمّ تأتي بعدها آيات تذكر علامة الإيمان بآيات الله فنعرف بذلك حال من يشك ويرتاب، وحال من لا يشك ولا يرتاب. ثم تأتي آيات تقارن بين هؤلاء وهؤلاء، وتذكر مآل هؤلاء وهؤلاء، وبذلك تدعو من خلال السياق إلى الإيمان وترك الريب، وهذا هو مضمون المجموعة الثانية في هذه السورة. ***

стр. 4134

المجموعة الثانية وتمتد من الآية (١٠) إلى نهاية الآية (٢٢) وهذه هي: ٣٢/ ٢٢ - ١٠

стр. 4135

٣٢/ ٢٢ التفسير: وَقالُوا أي: الكافرون مستبعدين المعاد أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أي تمزّقت أجسادنا، وتفرّقت في أجزاء الأرض، وذهبت أي: صرنا ترابا وذهبنا مختلطين بتراب الأرض، لا نتميّز منه كما يضل الماء في اللبن، أو غبنا في الأرض بالدفن فيها أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أي أإنا لنعود بعد تلك الحال؟ يستبعدون ذلك، وهذا إنّما هو بعيد بالنسبة إلى قدرهم العاجزة لا بالنسبة إلى قدرة الذي بدأهم وخلقهم من العدم، الذي أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون، ولهذا قال تعالى: بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ أي جاحدون. قال النسفي: (لما ذكر كفرهم بالبعث أضرب عنه إلى ما هو أبلغ وهو أنّهم كافرون بجميع ما يكون في العاقبة لا بالبعث وحده) قُلْ مبيّنا لهم حقيقة ما أمامهم يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ أي وكّل بقبض أرواحكم ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ أي بعد ذلك مبعوثين للحساب والجزاء. وهذا معنى لقاء الله، والتوفي: استيفاء النفس وهي الروح وَلَوْ تَرى يا محمد أو أيها الإنسان إِذِ الْمُجْرِمُونَ أي الكافرون ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ من الذّلّ والحياء والنّدم والخجل عِنْدَ رَبِّهِمْ أي عند حساب ربهم يقولون رَبَّنا أَبْصَرْنا أي صدق وعدك ووعيدك وَسَمِعْنا أي منك تصديق رسلك، أو كنّا عميا وصما فأبصرنا وسمعنا، أو نحن الآن نسمع قولك ونطيع أمرك فَارْجِعْنا إلى الدنيا نَعْمَلْ صالِحاً أي نؤمن ونطيع إِنَّا مُوقِنُونَ بالبعث والحساب الآن، وقد كذبوا، فلو ردّوا لعادوا لما نهوا عنه. وقد علم الله ذلك منهم وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها في الدنيا أي لو شئنا أعطينا كل نفس ما عندنا من اللطف الذي لو كان منهم اختيار ذلك لاهتدوا، لكن لم نعطهم ذلك اللطف لما علمنا منهم اختيار الكفر وإيثاره وَلكِنْ حَقَّ أي وجب الْقَوْلُ مِنِّي بما علمت أنّه يكون منهم ما يستوجبون به جهنّم، وهو ما علم منهم أنّهم يختارون الردّ والتكذيب لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ أي من الصنفين، قرارهم النار لا محيد لهم عنها ولا محيص لهم منها. قال النسفي: (وفي تخصيص الإنس والجن إشارة إلى أنّه عصم ملائكته عن عمل يستوجبون به جهنم) فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ
следующие страницы →