Полный текст (6 440 стр.). Показаны 4131–4170 · переход к 4136.
стр. 4131
والعين المفتوحة والحسّ المتوفز والقلب البصير، ترى الحسن والإحسان في هذا الوجود بتجمعه؛ وتراه في كل أجزائه وأفراده. والتأمل في خلق الله حيثما اتّجه النظر أو القلب أو الذهن، يمنح الإنسان رصيدا ضخما من ذخائر الحسن والجمال، ومن إيقاعات التناسق والكمال، تجمع السعادة من أطرافها بأحلى ما في ثمارها من مذاق؛ وتسكبها في القلب البشري؛ وهو يعيش في هذا المهرجان الإلهي الجميل البديع المتقن، يتملّى آيات الإحسان والإتقان في كل ما يراه وما يسمعه وما يدركه في رحلته على هذا الكوكب. ويتّصل من وراء أشكال هذا العالم الفانية بالجمال الباقي.
ولا يدرك القلب شيئا من هذا النعيم في رحلته الأرضية إلا حين يستيقظ من همود العادة، ومن ملالة الألفة. وإلا حين يتسمّع لإيقاعات الكون من حوله، ويتطلّع إلى إيحاءاته. وإلا حين يبصر بنور الله فتتكشّف له الأشياء عن جواهرها الجميلة كما خرجت من يد الله المبدعة. وإلا حين يتذكر الله كلما وقعت عينه أو حسّه على شئ من بدائعه؛ فيحس بالصلة بين المبدع وما أبدع؛ فيزيد شعوره بجمال ما يرى وما يحس، لأنه يرى حينئذ من ورائه جمال الله وجلاله.
إن هذا الوجود جميل. وإن جماله لا ينفد. وإن الإنسان ليرتقي في إدراك هذا الجمال والاستمتاع به إلى غير ما حدود. قدر ما يريد. وفق ما يريده له مبدع الوجود.
وإن عنصر الجمال لمقصود قصدا في هذا الوجود. فإتقان الصنعة يجعل كمال الوظيفة في كل شئ يصل إلى حد الجمال. وكمال التكوين يتجلى في صورة جميلة في كل
عضو، وفي كل خلق .. انظر .. هذه النحلة. هذه الزهرة. هذه النجمة. هذا الليل.
هذا الصبح. هذه الظلال. هذه السحب. هذه الموسيقى السارية في الوجود كله.
هذا التناسق الذي لا عوج فيه ولا فطور!
إنها رحلة ممتعة في هذا الوجود الجميل الصنع البديع التكوين؛ يلفتنا القرآن إليها لنتملّاها، ونستمتع بها؛ وهو يقول: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ .. فيوقظ القلب لتتّبع مواضع الحسن والجمال في هذا الوجود الكبير .. ).
٣ - [كلام صاحب الظلال بمناسبة آية وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ]
وعند قوله تعالى: وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ قال صاحب الظلال:
стр. 4132
(غير أنه يحسن- بهذه المناسبة- تقرير أن نظرية النشوء والارتقاء لدارون القائلة: بأن الأنواع تسلسلت من الخلية الواحدة إلى الإنسان في أطوار متوالية؛ وأن هناك حلقات نشوء وارتقاء متّصلة تجعل أصل الإنسان المباشر حيوانا فوق القردة العليا ودون الإنسان .. أن هذه النظرية غير صحيحة في هذه النقطة وأن كشف عوامل الوراثة- التي لم يكن دارون قد عرفها- تجعل هذا التطور من نوع إلى نوع ضربا من المستحيل. فهناك عوامل وراثة كامنة في خلية كل نوع تحتفظ له بخصائص نوعه؛ وتحتّم أن يظل في دائرة النوع الذي نشأ منه، ولا يخرج قط عن نوعه ولا يتطوّر إلى نوع جديد. فالقط أصله قط وسيظل قطا على توالي القرون. والكلب كذلك.
والثور. والحصان. والقرد. والإنسان. وكل ما يمكن أن يقع- حسب نظريات الوراثة- هو الارتقاء في حدود النوع نفسه. دون الانتقال إلى نوع آخر. وهذا يبطل القسم الرئيسي في نظرية دارون التي فهم ناس من المخدوعين باسم العلم أنها حقيقة غير قابلة للنقض في يوم من الأيام!).
كلمة في السياق: [حول صلة المجموعة الأولى بالمقدمة وبالمحور]
لقد حدّثتنا الآيات عن الله أنه الخالق، وأنّه المدبّر، وأنه عالم الغيب والشهادة، وأنه الذي أحسن خلق كل شئ، وأنه خالق الإنسان، والجاعل له السمع والأبصار والأفئدة.
وهذا كله يقتضي أن يدبر الله أمر عباده، وأن يرسل لهم رسولا، وأن ينزل عليهم وحيا، ومن ثمّ كان هذا القرآن.
وحدثتنا الآيات عن التذكر والشكر أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ. قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ والتذكّر والشكر يحتاجان إلى مذكّر ودليل على الشكر، ومن ثمّ كان هذا القرآن.
فالمجموعة بكل ما فيها- وما فيها أكثر مما ذكرناه- تؤكّد ما مر في المقدمة بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ.
إنها تذكر وتقرّر أنّ شأن الله عظيم، وأنّ من شأنه تعالى أن يرسل رسولا، وأن ينزل كتابا. فإذا تذكّر الإنسان هذا، ورأى خصائص هذا القرآن، عرف أنّ هذا القرآن من عند الله لا شك في ذلك ولا ريب. وإذ قرر الله في نهاية الآيات السابقة قلة شكر
стр. 4133
الإنسان: ... وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ في سياق الحديث عن ذاته جل وعلا، تأتي الآن آيات تحدّثنا عن مظهر من مظاهر انعدام الشكر وهو الكفر باليوم الآخر، الذي هو أثر عن الكفر بآيات الله. ومن ثمّ تأتي بعدها آيات تذكر علامة الإيمان بآيات الله فنعرف بذلك حال من يشك ويرتاب، وحال من لا يشك ولا يرتاب. ثم تأتي آيات تقارن بين هؤلاء وهؤلاء، وتذكر مآل هؤلاء وهؤلاء، وبذلك تدعو من خلال السياق إلى الإيمان وترك الريب، وهذا هو مضمون المجموعة الثانية في هذه السورة.
***
стр. 4134
المجموعة الثانية وتمتد من الآية (١٠) إلى نهاية الآية (٢٢) وهذه هي:
٣٢/ ٢٢ - ١٠
стр. 4135
٣٢/ ٢٢
التفسير:
وَقالُوا أي: الكافرون مستبعدين المعاد أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أي تمزّقت أجسادنا، وتفرّقت في أجزاء الأرض، وذهبت أي: صرنا ترابا وذهبنا مختلطين بتراب الأرض، لا نتميّز منه كما يضل الماء في اللبن، أو غبنا في الأرض بالدفن فيها أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أي أإنا لنعود بعد تلك الحال؟ يستبعدون ذلك، وهذا إنّما هو بعيد بالنسبة إلى قدرهم العاجزة لا بالنسبة إلى قدرة الذي بدأهم وخلقهم من العدم، الذي أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون، ولهذا قال تعالى: بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ أي جاحدون. قال النسفي: (لما ذكر كفرهم بالبعث أضرب عنه إلى ما هو أبلغ وهو أنّهم كافرون بجميع ما يكون في العاقبة لا بالبعث وحده)
قُلْ مبيّنا لهم حقيقة ما أمامهم يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ أي وكّل بقبض أرواحكم ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ أي بعد ذلك مبعوثين للحساب والجزاء. وهذا معنى لقاء
الله، والتوفي: استيفاء النفس وهي الروح
وَلَوْ تَرى يا محمد أو أيها الإنسان إِذِ الْمُجْرِمُونَ أي الكافرون ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ من الذّلّ والحياء والنّدم والخجل عِنْدَ رَبِّهِمْ أي عند حساب ربهم يقولون رَبَّنا أَبْصَرْنا أي صدق وعدك ووعيدك وَسَمِعْنا أي منك تصديق رسلك، أو كنّا عميا وصما فأبصرنا وسمعنا، أو نحن الآن نسمع قولك ونطيع أمرك فَارْجِعْنا إلى الدنيا نَعْمَلْ صالِحاً أي نؤمن ونطيع إِنَّا مُوقِنُونَ بالبعث والحساب الآن، وقد كذبوا، فلو ردّوا لعادوا لما نهوا عنه. وقد علم الله ذلك منهم
وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها في الدنيا أي لو شئنا أعطينا كل نفس ما عندنا من اللطف الذي لو كان منهم اختيار ذلك لاهتدوا، لكن لم نعطهم ذلك اللطف لما علمنا منهم اختيار الكفر وإيثاره وَلكِنْ حَقَّ أي وجب الْقَوْلُ مِنِّي بما علمت أنّه يكون منهم ما يستوجبون به جهنّم، وهو ما علم منهم أنّهم يختارون الردّ والتكذيب لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ أي من الصنفين، قرارهم النار لا محيد لهم عنها ولا محيص لهم منها. قال النسفي: (وفي تخصيص الإنس والجن إشارة إلى أنّه عصم ملائكته عن عمل يستوجبون به جهنم)
فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ
стр. 4136
هذا أي يقال لأهل النار على سبيل التقريع والتوبيخ: ذوقوا هذا العذاب بسبب تكذيبكم به، واستبعادكم وقوعه، وتناسيكم له، إذ عاملتموه معاملة من هو ناس له إِنَّا نَسِيناكُمْ أي تركناكم في العذاب كالمنسي. قال ابن كثير: (أي سنعاملكم معاملة النّاسي لأنه تعالى لا ينسى شيئا ولا يضل عنه شئ، بل من باب المقابلة) وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ أي العذاب الدائم الذي لا انقطاع له بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ من الكفر والمعاصي، أي بسبب كفركم وتكذيبكم. وبعد أن بيّن الله حال الكافرين ومآلهم يذكر الآن علامة الإيمان بالقرآن مما يشير إلى أن من ذكر سابقا ليسوا مؤمنين بالقرآن. فالسياق إذن سائر على نسق واحد هو تبيان قضية نفي الريب في القرآن وتعميق الإيمان.
إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا أي يصدّق بها ولا يرتاب الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها أي وعظوا بها خَرُّوا سُجَّداً أي سجدوا لله تواضعا وخشوعا وشكرا على ما رزقهم من الإسلام. قال ابن كثير: أي استمعوا لها وأطاعوها قولا وفعلا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ أي ونزّهوا الله عما لا يليق به وأثنوا عليه حامدين له وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ عن الإيمان والسجود واتّباع آيات الله والانقياد لها فهم لا يستكبرون كما يفعل الجهلة من الكفرة الفجرة، قال الألوسي: قال أبو حبان:
(هذه السجدة من عزائم سجود القرآن)
تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ أي ترتفع وتتنحّى عن الفرش ومضاجع النوم. قال ابن كثير: يعني بذلك قيام الليل، وترك النوم، والاضطجاع على الفرش الوطيئة. يَدْعُونَ رَبَّهُمْ أي داعين ربهم عابدين له خَوْفاً وَطَمَعاً أي لأجل خوفهم من سخطه وطمعهم في رحمته وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ في طاعة الله تعالى، فيجمعون بين القربات اللازمة والمندوبة
فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ أي لا يعلم أحد ما أعدّ لهؤلاء من الكرامة ممّا تقرّ به أعينهم جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ أي جوزوا جزاء بذلك بسبب ما كانوا يعملونه من الأعمال الصالحة. وبعد أن ذكر الله علامة الإيمان بالقرآن، قارن بين المؤمنين والكافرين، وحال كلّ، ومآل كلّ،
أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً أي كافرا لا يَسْتَوُونَ أي من كان في نور الطاعة والإيمان لا يستوي مع من هو في ظلمة الكفر والعصيان. قال ابن كثير: يخبر تعالى عن عدله وكرمه أنّه لا يساوي في حكمه يوم القيامة من كان مؤمنا بآياته، متّبعا لرسله
стр. 4137
بمن كان فاسقا أي خارجا عن طاعة ربه، مكذبا رسل الله إليه. ثمّ فصّل الله تعالى في حكمهم
أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى أي التي فيها المساكن والدور والغرف العالية نُزُلًا أي ضيافة وكرامة وعطاء بِما كانُوا يَعْمَلُونَ أي بسبب أعمالهم الصالحة
وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النَّارُ أي ملجؤهم ومنزلهم النار كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها وَقِيلَ لَهُمْ أي يقول لهم خزنة النار ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ دل هذا على أن المراد بالفاسق في السياق الكافر
وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى أي في الدنيا من قلق واضطراب وحيرة ومحنة وعذاب أنواعه شتى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ أي دون عذاب الآخرة. أي نذيقهم عذاب الدنيا قبل أن يصلوا إلى الآخرة لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ أي لعلهم يتوبون عن الكفر
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها أي لا أظلم ممن ذكّره الله بآياته، وبيّنها له ووضّحها، ثم بعد ذلك تركها وجحدها وأعرض عنها، وتناساها كأنه لا يعرفها إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ أي سأنتقم من من فعل ذلك أشدّ الانتقام. وفي ختام المجموعة بهذه الآية دليل على أن سياق السورة الرئيسي منصبّ على موضوع الإيمان بالقرآن، ويؤكد هذا المعني أن المجموعة الثالثة والأخيرة تبتدئ بذكر إيتاء الله الكتاب لموسى، وإذ تكلمنا عن سياق المجموعة الثانية أثناء التفسير وقبله. فلنذكر المجموعة الثالثة مباشرة.
...
***
стр. 4138
المجموعة الثالثة وتمتدّ من الآية (٢٣) إلى نهاية الآية (٣٠) أي إلى آخر السورة وهذه هي:
٣٢/ ٣٠ - ٢٣
التفسير:
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ أي التوراة، فليس القرآن بدعا من الكتب فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ أي في شك مِنْ لِقائِهِ أي من لقاء موسى الكتاب أو من لقاء موسى ليلة المعراج، أو يوم القيامة، أو لقاء موسى ربه في الآخرة، والأول أليق بسياق السورة التي تنفي أن يكون هذا القرآن فيه ريب، فكذلك كتاب موسى ﵇ لا ريب في تلقي موسى له من رب العالمين وَجَعَلْناهُ أي وجعلنا الكتاب المنزل على موسى هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ قوم موسى كما أن هذا القرآن أنزل ليكون نذيرا للعرب قوم محمد أولا
وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أي من بني إسرائيل أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا أي يهدون الناس ويدعونهم إلى ما في التوراة من دين الله وشرائعه بأمر
стр. 4139
الله لَمَّا صَبَرُوا حين صبروا وَكانُوا بِآياتِنا أي التوراة يُوقِنُونَ أي يعلمون علما لا يخالجه شك. قال ابن كثير: (قال بعض العلماء: بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين). وقد دلّت الآية على أنّ الإيمان بآيات الله ينبغي أن يرافقه صبر
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ أي هو يقضي بين الأنبياء وأممهم، أو بين المؤمنين والفاسقين يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ فيظهر المحق من المبطل. ومن ذكر هذه الآية تعرف لماذا يحتاج اليقين إلى مرافقة الصبر، وما ذلك إلا لأن اليقين يستوجب محاربة أعداء الله، وإقامة الحجة عليهم، وذلك يستدعي الأذى، وفكان لا بد من الصبر الذي باجتماعه مع اليقين تكون الإمامة والقدوة، وإذ اتضح من السياق أنّ الفاسقين هم خصماء أئمة الدين أهل الصبر واليقين فإن السياق يتجه لإقامة الحجة عليهم:
أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ كعاد وثمود وقوم لوط يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ أي يمرّون على ديارهم وبلادهم إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أي لعلامات واضحات هاديات أَفَلا يَسْمَعُونَ المواعظ فيتعظوا، دلّت الآية على أنّ مجرّد الاعتبار بما جرى للسابقين كاف للهداية لمن كان له سمع
أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ أي نجري المطر والأنهار إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ أي الأرض التي جرز نباتها أي قطع؛ إمّا لعدم الماء، أو لأنّه رعي فَنُخْرِجُ بِهِ أي بالماء زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أي من الزرع أَنْعامُهُمْ من عصفه وَأَنْفُسُهُمْ من حبّه أَفَلا يُبْصِرُونَ بأعينهم فيستدلوا على الله وعلى إحيائه الموتى فيؤمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر، لكنّهم لصممهم وعماهم لا يؤمنون، ويسألون متعنّتين
وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ أي النصر أو الفصل بالحكومة إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في أنّه كائن، يقولون هذا استعجالا واستبعادا وتكذيبا وعنادا
قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ أي يوم القيامة وهو يوم الفصل بين المؤمنين وأعدائهم لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ لمّا كان غرضهم من السؤال عن وقت الفتح الاستعجال على وجه التكذيب والاستهزاء أجيبوا على حسب ما عرف من غرضهم في سؤالهم فقيل لهم: لا تستعجلوا به ولا تستهزءوا، فكأني بكم وقد حصلتم في ذلك اليوم وآمنتم فلا ينفعكم الإيمان، أو استنظرتم في إدراك العذاب فلم تنظروا.
ثم تختم السورة بآية تحدّد كيف ينبغي أن يكون موقف أهل الإيمان من أهل الكفر:
стр. 4140
فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ أي فتول عن هؤلاء الكافرين وبلّغ ما أنزل إليك من ربك وَانْتَظِرْ النصرة وهلاكهم إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ الغلبة عليكم وهلاككم وسترى أنت عاقبة صبرك عليهم، وعلى أداء رسالة الله في نصرتك وتأييدك، وسيجدون غبّ ما ينتظرونه فيك وفي أصحابك. وبهذا انتهت السورة.
كلمة في السياق: [حول صلة السورة بمحورها من سورة البقرة]
لاحظنا بشكل عام صلة السّورة بقوله تعالى من مقدّمة سورة البقرة: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ.
ومن المناسب أن نتذكّر أن مقدّمة سورة البقرة وصفت الكافرين بأنّهم سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ لاحظ صلة ذلك بقوله تعالى هنا: أَفَلا يَسْمَعُونَ أَفَلا يُبْصِرُونَ.
ولنا عودة على السياق فلننقل الآن ما يتيسر نقله من ال فوائد:
فوائد:
١ - [مناقشة لقضية هامة جدا مأخوذة من آية اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ .. ]
هناك قضية مهمّة جدا تذكر بمناسبة قوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ إذ إن أهل الكتاب يفصّلون في أمر هذه الستة أيام. أن يوم الأحد كان كذا، ويوم الاثنين كان كذا. ويقولون- تعالى الله عن قولهم- إن الله استراح يوم السبت. وهذا القول وحده دليل على فساد ما قبله.
وقد سرى بعض تفصيلهم إلى المسلمين، ونقله بعضهم على أنه حديث صحيح.
والأمر ليس كذلك. وقد ذكر هذا الموضوع ابن كثير في سورة البقرة، ونبهنا عليه هناك، وأعاده هنا فلننبه إلى ذلك. قال ابن كثير: (وقد أورد النسائي هاهنا حديثا عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ أخذ بيدي فقال: «إن الله خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ثم استوى على العرش في اليوم السابع، فخلق التربة يوم السبت، والجبال يوم الأحد، والشجر يوم الاثنين، والمكروه يوم الثلاثاء، والنور يوم الأربعاء، والدواب يوم الخميس، وآدم يوم الجمعة في آخر ساعة من
النهار بعد العصر، وخلقه من أديم الأرض أحمرها وأسودها، وطيبها وخبيثها؛ من أجل ذلك جعل الله من بني آدم الطيب والخبيث» هكذا أورد هذا الحديث إسنادا ومتنا، وقد
стр. 4141
أخرج مسلم والنسائي أيضا عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بنحو من هذا السياق، وقد علّله البخاري في كتاب التاريخ الكبير فقال: وقال بعضهم أبو هريرة عن كعب الأحبار وهو أصحّ، وكذا علّله غير واحد من الحفّاظ والله أعلم.
٢ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ .. ]
بمناسبة قوله تعالى: قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ قال ابن كثير: (الظاهر من هذه الآية أن ملك الموت شخص معيّن من الملائكة كما هو المتبادر من حديث البراء المتقدم ذكره في سورة إبراهيم ﵇، وقد سمّي في بعض الآثار بعزرائيل وهو المشهور، قاله قتادة وغير واحد، وله أعوان. وهكذا ورد في الحديث أن أعوانه ينتزعون الأرواح من سائر الجسد حتى إذا بلغت الحلقوم تناولها ملك الموت، قال مجاهد: حويت له الأرض فجعلت مثل الطست، يتناول منها متى يشاء. ورواه زهير بن محمد عن النبي ﷺ بنحوه مرسلا. وقاله ابن عباس ﵄، وروى ابن أبي حاتم ... عن جعفر بن محمد قال: سمعت أبي يقول: نظر رسول الله ﷺ إلى ملك الموت عند رأس رجل من الأنصار فقال له النبي ﷺ :
«يا ملك الموت أرفق بصاحبي فإنه مؤمن» فقال ملك الموت: يا محمد طب نفسا وقرّ عينا فإني بكل مؤمن رفيق، واعلم أن ما في الأرض بيت مدر ولا شعر، في بر وبحر إلا وأنا أتصفّحهم في كل يوم خمس مرات، حتى أني أعرف بصغيرهم وكبيرهم منهم بأنفسهم، والله يا محمد لو أني أردت أن أقبض روح بعوضة ما قدرت على ذلك حتى يكون الله هو الآمر بقبضها. قال جعفر: بلغني أنّه إنّما يتصفّحهم عند مواقيت الصلاة، فإذا حضرهم عند الموت فإن كان ممن يحافظ على الصلاة دنا منه الملك، ودفع عنه الشيطان، ولقّنه الملك لا إله إلا الله محمد رسول الله في تلك الحال العظيمة).
٣ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ .. ]
بمناسبة قوله تعالى: تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ ... قال ابن كثير: (وروى الإمام أحمد ... عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: «عجب ربنا من رجلين: رجل ثار من وطائه ولحافه من بين حبّه وأهله إلى صلاته؛ رغبة فيما عندي وشفقة مما عندي، ورجل غزا في سبيل الله تعالى فانهزموا، فعلم ما عليه من الفرار، وما له في الرجوع، فرجع حتى أهريق دمه؛ رغبة فيما عندي وشفقة مما عندي، فيقول الله للملائكة: انظروا إلى عبدي رجع رغبة فيما عندي ورهبة مما عندي، حتى أهريق دمه». وهكذا رواه أبو داود في الجهاد عن موسى ابن إسماعيل عن حماد بن سلمة بنحوه. وروى الإمام أحمد ... عن معاذ بن جبل قال:
стр. 4142
كنت مع النبي ﷺ في سفر فأصبحت يوما قريبا منه ونحن نسير فقلت: يا نبي الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار قال: «لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسّره الله عليه، تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت ثم قال: ألا أدلّك على أبواب الخير؟ الصّوم جنّة، والصدقة تطفئ الخطيئة، وصلاة الرجل في جوف الليل» ثم قرأ: تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ حتى بلغ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ثم قال: «ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟» فقلت: بلى يا رسول الله. فقال: «رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله» ثم قال: «ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ فقلت: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسانه ثم قال: «كفّ عليك هذا» فقلت: يا رسول الله وإنّا لمؤاخذون بما نتكلّم به؟ فقال: «ثكلتك أمّك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم- أو قال على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم؟» ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجه في سننهم من طرق عن معمّر به، وقال الترمذي: حسن صحيح. ورواه ابن جريج من حديث شعبة بن الحكم قال: سمعت عروة بن الزبير يحدّث عن معاذ بن جبل أن رسول الله ﷺ قال له: «ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنّة، والصدقة تكفّر الخطيئة، وقيام العبد في جوف الليل» وتلا هذه الآية: تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ. ورواه أيضا من حديث الثوري عن منصور بن المعتمر عن الحكم عن ميمون بن أبي شبيب عن معاذ عن النبي ﷺ بنحوه. ومن حديث الأعمش عن حبيب ابن أبي ثابت والحكم عن ميمون بن أبي شبيب عن معاذ مرفوعا بنحوه، ومن حديث حماد بن سلمة عن عاصم بن أبي النجود عن شهر عن معاذ أيضا عن النبي ﷺ في قوله تعالى: تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ قال: «قيام العبد من الليل». وروي ابن أبي حاتم ... عن معاذ بن جبل قال: كنت مع النبي ﷺ في غزوة تبوك فقال:
«إن شئت نبّأتك بأبواب الخير: الصوم جنّة، والصدقة تطفئ الخطيئة، وقيام الرجل في جوف الليل» ثم تلا رسول الله ﷺ : تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ الآية. ثم روى ... عن أسماء بنت يزيد قالت: قال رسول الله ﷺ : «إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة، جاء مناد فنادى بصوت يسمع الخلائق: سيعلم أهل الجمع اليوم من أولى بالكرم، ثم يرجع فينادي: ليقم الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع- الآية- فيقومون وهم قليل». وروى البزار ... عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: قال
стр. 4143
بلال لمّا نزلت هذه الآية: تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ الآية كنا نجلس في المجلس وناس من أصحاب رسول الله ﷺ يصلون بعد المغرب إلى العشاء، فنزلت هذه الآية: تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ ثم قال: لا نعلم روى زيد بن أسلم عن بلال سواه وليس له طريق عن بلال غير هذه الطريق.
٤ - [كلام ابن كثير والمؤلف بمناسبة آية وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى .. ]
بمناسبة قوله تعالى: وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ قال ابن كثير: (قال ابن عباس يعني بالعذاب الأدنى مصائب الدنيا وأسقامها وآفاتها وما يحلّ بأهلها مما يبتلي الله به عباده ليتوبوا إليه، وروى مثله عن أبي بن كعب وأبي العالية والحسن وإبراهيم النخعي والضحاك وعلقمة وعطية ومجاهد وقتادة وعبد الكريم الجزري وخصيف، وقال ابن عباس في رواية عنه: يعني به إقامة الحدود عليهم. وقال البراء بن عازب ومجاهد وأبو عبيدة: يعني به عذاب القبر. وروى النسائي عن عبد الله في: وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ قال: سنون إصابتهم. وروى عبد الله ابن الإمام أحمد ... عن أبي بن كعب في هذه الآية وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ قال: القمر والدّخان قد مضيا والبطشة واللزام، ورواه مسلم من حديث شعبة به موقوفا نحوه. وعند البخاري عن ابن مسعود نحوه، وقال عبد الله بن مسعود نحوه أيضا في رواية عنه:
العذاب الأدنى ما أصابهم من القتل والسبي يوم بدر، وكذا قال مالك عن زيد بن أسلم.
قال السدي وغيره: لم يبق بيت بمكة إلا دخله الحزن على قتيل لهم أو أسير، فأصيبوا أو هزموا، ومنهم من جمع له الأمران).
أقول: ما ذكر نموذج على ما يفعله الله بمن يعرض عن كتابه من عذاب أدنى.
٥ - [حديث بمناسبة آية وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ .. ]
بمناسبة قوله تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ قال ابن كثير: (روى ابن جرير ... عن معاذ بن جبل قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ثلاث من فعلهن فقد أجرم: عقد لواء في غير حق، أو عق والديه، أو مشى مع ظالم ينصره فقد أجرم، يقول الله تعالى: إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ» رواه ابن أبي حاتم من حديث إسماعيل بن عياش، وهذا حديث غريب جدا).
٦ - [أقوال حول قوله تعالى وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ .. ]
رأينا أن هناك أكثر من قول في قوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ
стр. 4144
فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ ولم يذكر ابن كثير إلا قولين: أحدهما أن المراد لقاء موسى ربه. والثاني: أن المراد لقاء رسولنا ﵊ لموسى. قال ابن كثير:
قال قتادة: يعني به ليلة الإسراء. ثم روى عن أبي العالية الرياحي قال: حدثني ابن عمّ نبيكم- يعني ابن عباس- قال: قال رسول الله ﷺ : «رأيت ليلة أسري بي موسى بن عمران رجلا آدم طوالا جعدا كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى رجلا مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض، سبط الرأس، ورأيت مالكا خازن النار والدّجال» في آيات أراهنّ الله إياه فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ أنه قد رأى موسى ولقي موسى ليلة أسري به.
٧ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا .. ]
بمناسبة قوله تعالى: وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ قال ابن كثير: أي لما كانوا صابرين على أوامر الله، وترك زواجره، وتصديق رسله، واتباعهم فيما جاءوهم به، كان منهم أئمة يهدون إلى الحق بأمر الله، ويدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ثمّ لمّا بدّلوا، وحرّفوا، وأوّلوا سلبوا ذلك المقام، وصارت قلوبهم قاسية، يحرّفون الكلم عن مواضعه، فلا عمل صالحا، ولا اعتقادا صحيحا، ولهذا قال تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ قال قتادة وسفيان: لما صبروا عن الدنيا، وكذلك قال الحسن بن صالح: قال سفيان: هكذا كان هؤلاء ولا ينبغي للرجل أن يكون إماما يقتدى به حتى يتجافى عن الدنيا، قال وكيع: قال سفيان: لا بد للدين من العلم، كما لا بد للجسد من الخبز.
وقال ابن بنت الشافعي: قرأ أبي على عمي أو عمي على أبي: سئل سفيان عن قول علي ﵁: الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، ألم تسمع قوله: وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا قال لما أخذوا برأس الأمر صاروا رءوسا. قال بعض العلماء: بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين؛ ولهذا قال تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ الآية [الجاثية: ١٦، ١٧]. كما قال هنا: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ أي من الاعتقادات والأعمال.
٨ - [المقصود بالأرض في آية أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ .. ]
بمناسبة قوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ يمثل كثير من المفسرين لهذه الأرض بأرض مصر، وطبعا ليس المراد بها أرض مصر فقط.
стр. 4145
قال ابن كثير: (بل هي بعض المقصود وإن مثّل بها كثير من المفسرين فليست هي المقصودة وحدها، ولكنها مرادة قطعا من هذه الآية؛ فإنّها في نفسها أرض رخوة غليظة تحتاج من الماء ما لو نزل عليها مطرا لتهدّمت أبنيتها، فيسوق الله تعالى إليها النيل بما يتحمّله من الزيادة الحاصلة من أمطار بلاد الحبشة، وفيه طين أحمر فيغشى أرض مصر، وهي أرض سبخة مرملة، محتاجة إلى ذلك الماء، وذلك الطين أيضا، لينبت الزرع فيه، فيستغلون كل سنة على ماء جديد ممطور في غير بلادهم، وطين جديد من غير أرضهم، فسبحان الحكيم الكريم المنان المحمود أبدا. وقال ابن لهيعة عن قيس ابن حجاج عمن حدثه قال: لما فتحت مصر أتى أهلها عمرو بن العاص- وكان أميرا بها حين دخل بؤونة من أشهر العجم- فقالوا: يا أيها الأمير إنّ لنيلنا هذا سنّة لا يجري إلّا بها. قال وما ذاك؟ قالوا: إذا كانت اثنتا عشرة ليلة خلت من هذا الشهر عمدنا إلى جارية بكر بين أبويها، فأرضينا أبويها، وجعلنا عليها من الحليّ والثّياب أفضل ما يكون، ثم ألقيناها في النّيل. فقال لهم عمرو: إنّ هذا لا يكون في الإسلام؛ إن
الإسلام يهدم ما كان قبله، فأقاموا بؤونة والنيل لا يجري حتى همّوا بالجلاء، فكتب عمرو إلى عمر بن الخطاب بذلك، فكتب إليه عمر إنّك قد أصبت بالذي فعلت، وقد بعثت إليك ببطاقة داخل كتابي هذا فألقها في النّيل، فلمّا قدم كتابه أخذ عمرو البطاقة ففتحها فإذا فيها: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى نيل أهل مصر. أما بعد: فإنك إن كنت إنما تجري من قبلك فلا تجر، وإن كان الله الواحد هو الذي يجريك فنسأل الله أن يجريك. قال فألقى البطاقة في النيل، فأصبحوا يوم السبت وقد أجرى الله النيل ستة عشر ذراعا في ليلة واحدة، وقد قطع الله تلك السّنّة عن أهل مصر إلى اليوم. رواه الحافظ أبو القاسم اللالكائى الطبري في كتاب السنة له. ولهذا قال تعالى:
أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ كما قال تعالى: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ* أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا الآية. [عبس: ٢٥، ٢٦]).
٩ - [قولان في تفسير الفتح في آية وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ .. ]
في تفسير الفتح في قوله تعالى: وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قولان. القول الأول: أن المراد به النصر في الدنيا. والقول الثاني:
أن المراد به اليوم الآخر، وابن كثير جعل المراد كلا من الاثنين. قال ابن كثير: (أي متى تنصر علينا يا محمد؟ كما تزعم أن لك وقتا تدال علينا وينتقم لك منا فمتى يكون هذا؟ ما نراك أنت وأصحابك إلا مختفين خائفين ذليلين). قال الله تعالى: قُلْ يَوْمَ
стр. 4146
الْفَتْحِ أي إذا حلّ بكم بأس الله وسخطه وغضبه في الدنيا والآخرة لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ. كما قال تعالى: فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ [غافر: ٨٣]. ومن زعم أن المراد من هذا فتح مكة فقد أبعد النجعة، وأخطأ فأفحش؛ فإن يوم الفتح قد قبل رسول الله ﷺ إسلام الطلقاء وقد كانوا قريبا من ألفين، ولو كان المراد فتح مكة لما قبل إسلامهم لقوله تعالى: قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ وإنما المراد الفتح الذي هو القضاء والفصل كقوله: فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً الآية [الشعراء: ١١٨]. وكقوله: قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِّ الآية [سبأ: ٢٦]. وقال تعالى: وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ [إبراهيم: ١٥] وقال تعالى: وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا [البقرة: ٨٩]. وقال تعالى: إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ [الأنفال: ١٩].
١٠ - [كلام ابن كثير حول فضل سورة السجدة]
وفي سورة السجدة قال ابن كثير: روى البخاري ... عن أبي هريرة قال:
كان النبي ﷺ يقرأ في الفجر يوم الجمعة الم تَنْزِيلُ السجدة وهَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ. ورواه مسلم أيضا من حديث سفيان الثوري به. وروى الإمام أحمد ... عن جابر قال: كان النبي ﷺ لا ينام حتى يقرأ الم تَنْزِيلُ السجدة وتَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ تفرّد به أحمد.
كلمة أخيرة في سورة السجدة وزمرتها:
لاحظنا أن السياق الخاص لسورة السجدة صبّ في موضوع رئيسي هو موضوع الإيمان الجازم بهذا القرآن؛ إلا أننا قلنا من قبل إن كل سورة من هذه السور الأربع المبدوءة ب (الم) صبّ سياقها في موضوع رئيسي من مواضيع الآيات الأولى من سورة البقرة، ولكنه تحدّث عنه مرتبطا ببقية المواضيع، وهذا الذي نلاحظه في سورة السجدة.
فقد كان لقوله تعالى: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* حظّه من التفصيل كما رأينا.
وكان لقوله تعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ
стр. 4147
يُنْفِقُونَ حظّه من التفصيل كذلك. تذكّر قوله تعالى: إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ* تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ.
وكان لقوله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ حظّه من التفصيل كذلك، تذكّر قوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ ....
وكان لقوله تعالى: وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ حظه من التفصيل كذلك تذكّر قوله تعالى: وَقالُوا أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ ... وقوله تعالى: وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ ... فاليوم الآخر أخذ حيّزا كبيرا من السورة.
وقد تعرّضت السورة لموضوع الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر. ففصّلت في كل موضوع نوع تفصيل اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ... ، قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ ... ، تَنْزِيلُ الْكِتابِ ... ، لِتُنْذِرَ قَوْماً ... ، وَقالُوا أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ ... ، وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها ....
...
وكنّا ذكرنا أنّ مقدّمة سورة البقرة تحدّثت عن المتقين والكافرين والمنافقين، وأنّ السور الأربع إذ تفصّل في صفات المتقين، فإنّها تفصّل كذلك فيما قابل ذلك من صفات الكافرين.
ومن ثم نجد في سورة السجدة كلاما كثيرا عن الكافرين:
عن ادعائهم أن القرآن مفترى، وعن كفرهم باليوم الآخر، وعن فسوقهم، وعن العذاب العظيم المعدّ لهم، وعن غير ذلك مما يذكّرنا بقوله تعالى في أول سورة البقرة: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (البقرة: ٦، ٧).
خذ مثلا قوله تعالى: وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ أَفَلا يَسْمَعُونَ أَفَلا يُبْصِرُونَ.
стр. 4148
فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ.
وبهذا نعرف كيف أن سورة السجدة فصّلت في مقدمة سورة البقرة كلها، وبهذا نعرف كذلك أن هذه الزمرة المؤلفة من السور الأربع قد فصّلت في مقدمة سورة البقرة كلها، كل منها قد فصّلت وكمّلت غيرها؛ بحيث اتضح كثير من مضامين هذه المقدمة.
...
وكما جاء بعد مقدمة سورة البقرة قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (البقرة: ٢١) لتدل على طريق التحقق بالمعاني التي تضمنتها المقدمة، فإنّه بعد السور الأربع تأتي سورة الأحزاب مبدوءة بقوله تعالى:
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً لتدل على الطريق العملي للتحقق، لاحظ أن في الآية الأولى من سورة الأحزاب قوله تعالى:
وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ والكفر والنفاق هما أحد المواضيع الثلاثة التي تحدثت عنها مقدمة سورة البقرة، وتحدثت عنها السور الأربع، إلا أنّ النّفاق لم يتحدث عنه إلا في سورة العنكبوت؛ لأنّ النّفاق هو الكفر القلبي، مع التظاهر بغيره، فمرجعه إلى الكفر. وقد آن الأوان لنسجّل ملاحظة:
رأينا أن سورة البقرة سارت ضمن سياق محدّد:
تحدّثت عن المتقين والكافرين والمنافقين.
دعت الناس جميعا لسلوك الطريق المؤدي إلى التقوى.
بيّنت الأخلاق التي تحول دون التقوى.
أنكرت على من يكفر، ذكرت ظاهرة العناية. وهكذا ... وكل موضوع من مواضيعها مرتبط بما قبله وما بعده.
ثم جاء بعد سورة البقرة تتمّة القسم الأول من أقسام القرآن- وهو قسم الطوال- ففصّل على نفس النسق.
فصّلت سورة آل عمران في المقدمة.
стр. 4149
جاءت سورة النساء لتدل على الطريق.
جاءت سورة المائدة لتبعد عن الخطأ.
جاءت سورة الأنعام لتنفي الكفر، وتقيم الحجة بظاهرة العناية.
وهكذا على نفس الوتيرة الموجودة في سورة البقرة، وهكذا قل في كل قسم من أقسام القرآن.
ومن ثمّ تجد في هذا القسم زمرة الم تقابل مقدمة سورة البقرة. وسورة الأحزاب تقابل: يا أَيُّهَا النَّاسُ .... كما سنرى. فزمرة الم هنا تذكر الصفات والخصائص، وتأتي سورة الأحزاب لتدلّ على طريق التحقق بالصفات والخصائص، ولكن بما يكمّل ما قبله. فمثلا مقدمة سورة البقرة فصّلتها من قبل سورة آل عمران، وسورة يونس، وسورة الحجر، وسورة طه، وسورة الأنبياء. ثم سور زمرة (الم) من هذا القسم. فالزمرة هذه إذن مسبوقة بتفصيل، ومن ثمّ فإنها تفصّل بمعان جديدة زائدة.
وكذلك فإنّ يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ فصّلتها سورة النساء، وسورة هود، وسورة الحج. والآن تأتي سورة الأحزاب. فسورة الأحزاب مسبوقة بما فصّل محورها. ومن ثمّ فهي تفصّل بمعان جديدة مكمّلة أخواتها، ولكنّها بالنسبة لما قبلها مباشرة تدلّ على طريق التحقّق فيه، وبتوضيح أكثر نقول:
إنّك إذا أردت أن تعرف معاني مقدمة سورة البقرة فعليك أن ترى كل سورة فصّلتها، وإذا أردت أن تعرف معاني: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ .... فعليك أن تعرف معاني كل سورة فصّلتها، ولكن إذا أردت أن تعرف الطريق إلى التحقق بمعان وردت في سورة- أو سور- تقابل المقدمة فعليك أن ترى السورة التي جاءت تقابل يا أَيُّهَا النَّاسُ ... مباشرة بعدها. فكلّما سرت في القرآن رأيت جديدا منبثقا عن أصل، ومرتبطا بأصل، وعلى ضوء ذلك نقبل على سورة الأحزاب.
***
стр. 4150
سورة الأحزاب
وهي السّورة الثالثة والثلاثون بحسب الرّسم القرآني وهي السّورة الخامسة من المجموعة الأولى من قسم المثاني وآياتها ثلاث وسبعون آية وهي مدنيّة
стр. 4151
بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله وآله وأصحابه ربّنا تقبّل منّا، إنّك أنت السّميع العليم
стр. 4152
قال الألوسي في تقديمه لسورة الأحزاب:
(أخرج البيهقي في الدلائل وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال:
نزلت سورة الأحزاب بالمدينة، وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله، وهي ثلاث وسبعون آية قال الطبرسي: بالإجماع، وقال الداني: هذا متفق عليه) ... (ووجه اتصالها بما قبلها على ما قال الجلال السيوطي تشابه مطلع هذه ومقطع تلك، فإن تلك ختمت بأمر النبي ﷺ بالإعراض عن الكافرين وانتظار عذابهم، وهذه بدئت بأمره ﵊ بالتقوى وعدم طاعة الكافرين والمنافقين، واتباع ما أوحي إليه، والتوكل عليه .
...
كلمة في سورة الأحزاب ومحورها:
أول ملاحظة نلاحظها في سورة الأحزاب أن النداءين يا أَيُّهَا النَّبِيُّ* يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا* يتناوبان في السورة تناوبا مطردا، إلا في آخر السورة إذ تتكرر يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا* مرّتين: مرة لتأخذ نوبتها وراء نداء يا أَيُّهَا النَّبِيُّ* ومرّة لتقابل بداية السورة؛ إذا تبدأ السورة ب يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لاحظ تناوب النداءين:
١ - يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً [الآية: ١].
١ - يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً [الآية: ٩].
٢ - يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا [الآية: ٢٨].
٢ - يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً* وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الآيتان: ٤١، ٤٢].
٣ - يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً* وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً [الآيتان: ٤٥، ٤٦].
٣ - يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ
стр. 4153
أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَمِيلًا [الآية: ٤٩].
٤ - يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمَّاتِكَ وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ اللَّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً [الآية: ٥٠].
٤ - يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً [الآية: ٥٣].
٥ - يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً [الآية: ٥٩].
٥ - يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً [الآية: ٦٩].
٦ - يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً [الآية: ٧٠].
...
وتلاحظ في السورة ملامح من سورة النساء، وملامح من سورة المائدة؛ تبدأ سورة النساء ب يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ ... وتبدأ سورة الأحزاب ب يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وكما تتحدث سورة النساء في مقطعها الأول عن قضايا لها علاقة في الأسرة فكذلك المقطع الأول من سورة الأحزاب.
وتلاحظ في سورة المائدة قوله تعالى:
стр. 4154
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ [المائدة: ١١].
وتلاحظ أنّ المقطع الثاني من سورة الأحزاب:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً. فالمقطع الأول من الأحزاب عليه ملامح سورة النساء، والمقطع الثاني عليه ملامح سورة المائدة. وهكذا بالتناوب، وهو موضوع سنرى تفصيلاته أثناء العرض. ومن ثمّ فابتداء نقول: إنّ سورة الأحزاب تفصّل من البقرة ما فصّلت فيه سورتا النّساء والمائدة بآن واحد.
فهي تفصّل في محوري سورتي النساء والمائدة، وتفصّل معاني موجودة في سورتي النساء والمائدة، وهو موضوع سنرى تفصيلاته إن شاء الله.
لقد رأينا أن سورة النساء فصّلت في قوله تعالى من سورة البقرة:
يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (البقرة: ٢١). وأن سورة المائدة فصّلت في قوله تعالى من البقرة:
الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (البقرة: ٢٧).
وما بين الآيتين من سورة البقرة ناله حظ من التفصيل في سورتي النساء والمائدة، وإذ كانت سورة الأحزاب تفصّل في محوري سورتي النساء والمائدة فإن كل ما
بين المحورين كذلك يناله حظ من التفصيل؛ فسورة الأحزاب تفصّل في الآيات المذكورة وما استكن فيها مما فصلته سور أخرى، وهو لون من ألوان التفصيل في القرآن الذي وصفه الله تعالى بقوله: كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ وإن هذه الألوان من التفصيل لتدلّنا على أن هذا القرآن من عند الله. فالحمد لله على نعمة الإيمان والقرآن.
...
ومهما تكلّمنا في هذه المقدمة فلن يغنينا عن التفصيل عند مناسبته، وقد يكون من المناسب أن نذكر هاهنا الآيات التي تشكل محور سورة الأحزاب في سورة البقرة:
стр. 4155
يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ* الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (البقرة: ٢١).
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (البقرة: ٢٤).
إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ* الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (البقرة: ٢٦، ٢٧).
وسنعرض سورة الأحزاب على أن كل ما صدّر بكلمة (يا أيها) يشكّل مقطعا من مقاطعها ما عدا النداءين الأخيرين فإنّهما كالمقطع الواحد، ومن ثمّ فإن السورة تتألف من عشرة مقاطع.
...
وإذا كانت سورتا النساء والمائدة تكمّلان بعضهما فإنّ سورة الأحزاب ترينا هذا التكامل وتؤكّده، وترينا كيف أنّ سورة المائدة تكمّل ما بدأته سورة النساء، وهكذا سنجد السورة يتناوب فيها الكلام؛ فهذا مقطع يحقّق هدفا من أهداف سورة النساء، وهذا مقطع يحقق هدفا من أهداف سورة المائدة.
المقطع الأول من سورة الأحزاب ويمتدّ من الآية (١) إلى نهاية الآية (٨) وهذا هو مع البسملة:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٣٣/ ٨ - ١
стр. 4156
٣٣/ ٨ - ١
التفسير:
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قال النسفي: أي يا أيها المخبر عنا، المأمون على أسرارنا، المبلّغ خطابنا إلى أحبابنا. وإنما لم يقل يا محمد كما قال يا آدم، يا موسى؛ تشريفا له وتنويها بفضله وتصريحه باسمه في قوله تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ونحوه لتعليم الناس بأنّه رسول الله اتَّقِ اللَّهَ أي اثبت على تقوى الله، ودم عليه، وازدد منه؛ فهو باب
стр. 4157
لا يدرك مداه. قال ابن كثير: (قال طلق بن حبيب: التقوى: أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله، على نور من الله، مخافة عذاب الله) وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ قال ابن كثير: أي لا تسمع منهم ولا تستشرهم إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً أي فهو أحقّ أن تتّبع أوامره وتطيعه فإنّه عليم بعواقب الأمور، حكيم في أقواله وأفعاله
وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ أي من قرآن وسنة إِنَّ اللَّهَ الذي أوحى إليك كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً أي لا تخفى عليه خافية من أعمالكم
وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ في جميع أمورك وأحوالك وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا أي واكتف بالله وكيلا أي حافظا موكولا إليه كل أمر، أو المعنى: وكفى به وكيلا لمن توكّل عليه وأناب إليه.
كلمة في السياق:
إن مجموع الأوامر التي صدرت لرسول الله ﷺ ولأمته من خلال شخصه الكريم في هذه الآيات هي التقوى، وترك طاعة الكافرين والمنافقين، واتّباع الوحي، والتوكل، والصلة بين هذه الأوامر واضحة. فالتقوى لا تكون مع طاعة الكافرين والمنافقين. إذ الكافرون والمنافقون يرغبون أن يحرفوا المؤمنين. والتقوى واتباع الوحي متلازمان كما ورد في أول آية من سورة البقرة الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ والتقوى وترك طاعة الكافرين والمنافقين واتّباع الوحي كلها تحتاج إلى توكل على الله، وتفويض أمر له ومعرفة له. ومن ثمّ جاء الأمر بالتوكل، وجاء قوله تعالى:
وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً وإِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً وإذ استقرّت هذه المعاني يبدأ السياق بهدم قاعدة التبنّي المتعارف عليها عند العرب، والتي كانت عميقة عندهم، والتي سيترتب على هدمها قيل وقال، فناسب ذلك أن يسبق الكلام عنها هذه المقدّمة، وتلك إحدى حكم وجود هذه المقدّمة، هذا وإن لهذه المقدّمة صلة بمحور سورة الأحزاب من سورة البقرة، فقد رأينا أنّه قد جاء في مقدمة سورة البقرة ذكر المتقين والكافرين والمنافقين. ثم جاء قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا
رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
أي لتكونوا من الفئة الأولى. وهاهنا يأتي الأمر بالتقوى، وترك طاعة الكافرين والمنافقين، ويأتي الأمر باتّباع الكتاب، وبالتوكّل، وكل ذلك يخدم قضية التفصيل في موضوع التقوى والطريق إليها، وإذا كانت السور الأربع السابقة على سورة الأحزاب قد فصّلت في
стр. 4158
المقدمة، فذكرت التقوى والكفر والنفاق، فإن مقدمة سورة الأحزاب تحدّد الطريق العملي للسلوك:
١ - تقوى الله. ٢ - عدم الطاعة للكافرين والمنافقين.
٣ - اتّباع الكتاب والسنة. ٤ - التوكّل على الله.
ولنعد إلى التفسير:
ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ هذه توطئة للمقصود؛ فكما لا يكون للشّخص الواحد قلبان في جوفه، وكما لا تصير زوجته التي يظاهر منها بقوله: أنت عليّ كظهر أمّي أمّا له. كذلك لا يصير الدعيّ ولدا للرجل إذا تبناه فدعاه ابنا له وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللَّائِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أي الذين تدعونهم أولادكم وما هم بأولادكم حقيقة أَبْناءَكُمْ قال النسفي:
(أي ما جمع الله قلبين في جوف، ولا زوجية وأمومة في امرأة، ولا بنوة ودعوة في رجل، والمعنى: أنه تعالى كما لم يجعل لإنسان قلبين- لأنه لا يخلو إما أن يفعل بأحدهما مثل ما يفعل بالآخر فعلا من أفعال القلوب فأحدهما فضلة غير محتاج إليه، وإما أن يفعل بهذا غير ما يفعل بذاك فذلك يؤدّي إلى اتصاف الجملة بكونه (أي صاحب القلبين) مريدا كارها عالما موقنا شاكا في حالة واحدة- لم يحكم أيضا أن تكون المرأة الواحدة أمّا لرجل زوجا له، لأن الأم مخدومة والمرأة خادمة، وبينهما منافاة، وأن يكون الرجل الواحد دعيّا لرجل وابنا له؛ لأن البنوّة أصالة في النسب، والدعوة إلصاق عارض بالتسمية لا غير، ولا يجتمع في الشئ الواحد أن يكون أصيلا غير أصيل).
ومن كلام النسفي نفهم أنّ المراد بالقلب في الآية القلب الذي هو محلّ العلم، والظن، والشك، واليقين، فالمنفي هو القلب الذي هذا شأنه، فهذا لا يتعدّد عند الإنسان قطعا بنصّ الآية، أما القلب الحسيّ فالمشاهد أنّه لا يتعدّد كذلك، وفي قوله تعالى: ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ قال صاحب الظلال:
(إنه قلب واحد، فلا بد له من منهج واحد يسير عليه. ولا بد له من تصوّر كلي واحد للحياة وللوجود يستمد منه. ولا بد له من ميزان واحد يزن به القيم، ويقوّم به الأحداث والأشياء. وإلا تمزّق وتفرّق ونافق والتوى، ولم يستقم على اتجاه.
стр. 4159
ولا يملك الإنسان أن يستمد آدابه وأخلاقه من معين؛ ويستمد شرائعه وقوانينه من معين آخر؛ ويستمد أوضاعه الاجتماعية أو الاقتصادية من معين ثالث؛ ويستمد فنونه وتصوّراته من معين رابع .. فهذا الخليط لا يكوّن إنسانا له قلب. إنما يكوّن مزقا وأشلاء ليس لها قوام!
وصاحب العقيدة لا يملك أن تكون له عقيدة حقا، ثم يتجرد من مقتضياتها وقيمها الخاصة في موقف واحد من مواقف حياته كلها، صغيرا كان هذا الموقف أم كبيرا. لا يملك أن يقول كلمة، أو يتحرك حركة، أو ينوي نية، أو يتصوّر تصوّرا، غير محكوم في هذا كله بعقيدته- إن كانت هذه العقيدة حقيقة واقعة في كيانه- لأن الله لم يجعل له سوى قلب واحد، يخضع لناموس واحد، ويستمد من تصور واحد، ويزن بميزان واحد.
لا يملك صاحب العقيدة أن يقول عن فعل فعله: فعلت كذا بصفتي الشخصية.
وفعلت كذا بصفتي الإسلامية! كما يقول رجال السياسة أو رجال الشركات.
أو رجال الجمعيات الاجتماعية أو العلمية وما إليها في هذه الأيام! إنه شخص واحد له قلب واحد، تعمره عقيدة واحدة. وله تصوّر واحد للحياة، وميزان واحد للقيم.
وتصوّره المستمد من عقيدته متلبس بكل ما يصدر عنه، في كل حالة من حالاته على السواء.
وبهذا القلب الواحد يعيش فردا، ويعيش في الأسرة، ويعيش في الجماعة، ويعيش في الدولة. ويعيش في العالم. يعيش سرا وعلانية. ويعيش عاملا وصاحب عمل.
ويعيش حاكما ومحكوما. ويعيش في السراء والضراء .. فلا تتبدّل موازينه، ولا تتبدّل قيمه، ولا تتبدل تصوراته. ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ.
ومن ثمّ فهو منهج واحد، وطريق واحد، ووحي واحد، واتجاه واحد.
وهو استسلام لله وحده. فالقلب الواحد لا يعبد إلهين. ولا يخدم سيّدين، ولا ينهج نهجين، ولا يتجه اتجاهين. وما يفعل شيئا من هذا إلا أن يتمزّق ويتفرّق ويتحوّل إلى أشلاء وركام!).
ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ أي إن قولكم للزوجة هي أم، وللدعي هو ابن قول تقولونه بألسنتكم، لا حقيقة له؛ إذ الابن يكون بالولادة، وكذا الأم وَاللَّهُ
стр. 4160
يَقُولُ الْحَقَّ أي يقول ما هو حق ظاهره وباطنه وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ أي سبيل الحق
ثم بيّن ما هو الحق في هذه المسألة، فبيّن أن دعاءهم لآبائهم هو أدخل الأمرين في القسط والعدل فقال: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ أي أعدل عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ أي فإن لم تعلموا لهم آباء تنسبونهم إليهم فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ أي فهم إخوانكم في الدين، وأولياؤكم في الدين فقولوا: هذا أخي وهذا مولاي، ويا أخي ويا مولاي، يريد الأخوة في الدين والولاية فيه. قال ابن كثير: (أمر تعالى برد أنساب الأدعياء إلى آبائهم إن عرفوا، فإن لم يعرفوا فهم إخوانهم في الدين ومواليهم، أي عوضا عمّا فاتهم من النسب) وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أي إثم فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ أي لا إثم عليكم فيما فعلتموه من ذلك مخطئين جاهلين قبل ورود النّهي، ولكن
الإثم عليكم فيما تعمّدتموه بعد النهي، أو لا جناح عليكم إذا نسبتم بعضهم إلى غير أبيه خطأ بعد الاجتهاد واستفراغ الوسع، فإنّ الله قد وضع الحرج في الخطأ، ورفع إثمه، وإنما الإثم على من تعمّد الباطل وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً أي لا يؤاخذكم بالخطإ ويقبل توبة المتعمّد، وبمناسبة هذا الحكم يقرر الله أحكاما أخرى:
النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ أي أحق بهم من أنفسهم في كل شئ وحكمه أنفذ عليهم من حكم أنفسهم؛ فعليهم أن يبذلوها دونه ودون ما أوحي إليه، ويجعلوها فداءه، فإذا أمر أمرا أو نهى عن نهي فعليهم أن يسارعوا إلى الطاعة، أو هو أولى بهم بمعنى: أرأف بهم وأعطف عليهم وأنفع لهم. وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ أي في الحرمة والاحترام، والتوقير والإكرام والإعظام. قال ابن كثير:
(ولكن لا تجوز الخلوة بهنّ ولا ينتشر التحريم إلى بناتهنّ وأخواتهنّ بالإجماع). وقال النسفي: وأزواجه أمهاتهم في تحريم نكاحهن، ووجوب تعظيمهن، وهن فيما وراء ذلك كالإرث ونحوه كالأجنبيات، ولهذا لم يتعدّ التحريم إلى بناتهن وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ أي في حكم الله وقضائه، أو في اللوح المحفوظ، أو فيما فرض الله مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ أي القرابات أولى بالتوارث من المهاجرين والأنصار. قال ابن كثير: (وهذه ناسخة لما كان قبلها من التوارث بالحلف والمؤاخاة التي كانت بينهم). وقال النسفي: (وكان المسلمون في صدر الإسلام يتوارثون بالولاية في الدين، وبالهجرة لا بالقرابة، ثم نسخ ذلك وجعل التوارث بحق القرابة). والمعنى: الأقرباء من هؤلاء بعضهم أولى بأن يرث بعضا
стр. 4161
من الأجانب، أو أولو الأرحام بحق القرابة أولى بالميراث من المؤمنين من الأنصار بحق الولاية في الدين، ومن المهاجرين بحق الهجرة إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً قال ابن كثير: (أي ذهب الميراث وبقي النّصر والبرّ والصّلة والإحسان والوصية).
قال النسفي في هذا النص: (والمراد بالأولياء المؤمنون والمهاجرون للولاية في الدين وقال في الآية: أي لكن فعلكم إلى أوليائكم معروفا جائز وهو أن توصوا لمن أحببتم من هؤلاء بشيء، فيكون ذلك بالوصية لا بالميراث) كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً أي التوارث بالأرحام كان مسطورا في اللوح. قال ابن كثير: (أي هذا الحكم- وهو أن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض- حكم من الله مقدر، مكتوب في الكتاب الأوّل، الذي لا يبدّل ولا يغيّر، قاله مجاهد وغير واحد وإن كان تعالى قد شرع خلافه في وقت؛ لما له في ذلك من الحكمة البالغة وهو يعلم أنه سينسخه إلى ما هو جار في قدره الأزلي، وقضائه القدري الشرعي. والله أعلم).
...
كلمة في السياق:
بدأت السورة بخطاب رسول الله ﷺ آمرة إياه بالتقوى، واتباع وحي الله والتوكل عليه، وناهية له عن طاعة الكافرين والمنافقين. ثمّ ذكر الله حكما أبطل فيه عادة التبني، وعوّض عن ذلك بتعميق معاني الإخاء الديني، والبنوّة الدينية، ثمّ بيّن أن التوارث يكون بالقرابة الحقيقية لا بغيرها، حتى ولو كانت إخوة دين، ليبين أن نفي عادة التبني إنما كان من أجل أحكام أصيلة في شرع الله، فالتبني يتعارض مع موضوع الإرث بالقرابة، ويتعارض مع موضوع المحرميّة بالقرابة، وغير ذلك من أحكام الإسلام الدائمة، وإذ تقررت هذه الأحكام يعود السياق إلى مخاطبة رسول الله ﷺ كما بدأت السورة:
...
وَإِذْ أي واذكر حين أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ جميعا مِيثاقَهُمْ في إقامة دين الله تعالى، وإبلاغ رسالته، واتباع شرعه، والنأي عن المخالفين، والتوكّل على الله وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ نصّ على هؤلاء الخمسة لأنهم أولو العزم، من باب عطف الخاص على العام. قال النسفي: (وقدم رسول الله
стр. 4162
صلّى الله عليه وسلم على نوح ومن بعده لأن هذا العطف لبيان فضيلة هؤلاء، لأنهم أولو العزم، وأصحاب الشرائع، فلما كان محمد ﷺ أفضل هؤلاء قدّم عليهم، ولولا ذلك لقدّم من قدّمه زمانه). وقال ابن كثير: (فبدأ في هذه الآية بالخاتم؛ لشرفه صلوات الله وسلامه عليه، ثم رتّبهم بحسب وجودهم صلوات الله عليهم) وَأَخَذْنا مِنْهُمْ أي من الأنبياء مِيثاقاً غَلِيظاً أي عهدا قويا شديدا.
ثم بيّن تعالى حكمة العهد والميثاق الغليظ فقال: لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ أي وإنما فعلنا ذلك ليسأل الله الأنبياء عما قالوه لقومهم، وبلّغوهم إياه، لتقوم عليهم الحجة، ولا يبقى للخلق عذر، أو ليسأل الله المصدّقين للأنبياء عن تصديقهم، وذلك يكون إذا بذل الرسل طاقتهم في الدعوة، فلا يبقى لأحد حجة، أو ليسأل الأنبياء ما الذي أجابتهم أممهم بعد أن أدّوا رسالات الله وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ من أمم الرسل عَذاباً أَلِيماً أي موجعا.
والمعنى: أنّ الله أكد على الأنبياء الدعوة إلى دينه لأجل إثابة المؤمنين وتعذيب الكافرين.
كلمة في السياق:
١ - جاء الأمر بتهديم عادة التبني والتعليل لذلك بين خطابين لرسول الله ﷺ ، خطاب في ابتداء السورة يأمر بالتقوى، واتّباع الوحي، والتوكل، وخطاب في نهاية المقطع يذكّر بعهد الله وميثاقه على الرسل ليبلغوا، وكل ذلك يشير إلى أنّ إلغاء التبني هو حكم الله الجازم، الذي ينبغي تبليغه، والالتزام به، ووضع هذا الحكم بين هذين الخطابين يشير إلى أن هذا الموضوع من المواضيع التي تحتاج إلى معالجة محكمة؛ لأنّ تعلّق الناس بها شديد.
٢ - إن المقطع الذي مرّ معنا يفصّل في قوله تعالى من سورة البقرة: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ومن ثمّ فإن من العبادة الموصّلة للتقوى الالتزام بما مرّ في المقطع من معان؛ فليتفطّن إلى ذلك، إنّ الله هو الذي خلق الإنسان، وجعله أبا وابنا، وعلى الإنسان أن يتّقي الله وأن يطيع، وأن
يتوكل على خالقه.
٣ - قلنا إن سورة الأحزاب تأتي مقاطعها على تناوب، فمقطع يفصّل على طريقة سورة النساء، ومقطع يفصّل على طريقة سورة المائدة، والملاحظ أن المقطع
стр. 4163
الأول من سورة الأحزاب يشبه المقطع الأول من سورة النساء في أكثر من مقام: فمثلا قال تعالى في سورة النساء:
وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ... (الآية: ٢).
فالمقطع الأول من سورة النساء فيه تفصيل لأحكام الأسرة، ومن ذلك الإرث، والمقطع الأول من سورة الأحزاب يتحدّث عن أحكام في الأسرة، والإرث، والمقطع الأول من سورة النساء ينتهي بقوله تعالى: أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (الآية: ١٨) إذ يأتي بعده مباشرة نداء يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً (الآية:
١٩). والمقطع الأول من سورة الأحزاب ينتهي بقوله تعالى: وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً أَلِيماً ثم يأتي بعده مباشرة نداء يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا ....
وقبل أن ننتقل إلى المقطع الثاني في سورة الأحزاب فلنذكر بعض ال فوائد:
...
فوائد:
١ - [سبب نزول قوله تعالى ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ .. ]
في سبب نزول قوله تعالى: ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللَّائِي تُظاهِرُونَ ... الآية. قال ابن كثير:
(فإنها نزلت في شأن زيد بن حارثة ﵁ مولى النبي ﷺ ، كان النبي ﷺ قد تبناه قبل النبوّة، فكان يقال له: زيد بن محمد، فأراد الله تعالى أن يقطع هذا الإلحاق، وهذه النّسبة بقوله تعالى: وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ كما قال تعالى في أثناء السورة ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً. وقال هاهنا ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ يعني:
تبنيكم لهم قول لا يقتضي أن يكون ابنا حقيقيا؛ فإنه مخلوق من صلب رجل آخر، فما يمكن أن يكون له أبوان، كما لا يمكن أن يكون للبشر الواحد قلبان).
وقال ابن كثير: (وقد ذكر غير واحد أن هذه الآية نزلت في رجل من قريش، كان يقال له ذو القلبين، وأنه كان يزعم أن له قلبين، كل منهما بعقل وافر، فأنزل الله تعالى هذه الآية ردا عليه. وهكذا روى العوفي عن ابن عباس، وقاله مجاهد وعكرمة والحسن وقتادة، واختاره ابن جرير. وروى الإمام أحمد ... عن قابوس بن أبي ظبيان أن أباه حدثه قال: قلت لابن عباس أرأيت قول الله تعالى: ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ
стр. 4164
مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ما معنى ذلك؟ قال: قام رسول الله ﷺ يوما يصلي، فخطر خطرة؛ فقال المنافقون الذين يصلون معه: ألا ترون له قلبين، قلبا معكم وقلبا معهم، فأنزل الله تعالى: ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وهكذا رواه الترمذي وقال: وهذا حديث حسن، وكذا رواه ابن جرير وابن أبي حاتم. وقال عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري في قوله تعالى: ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ قال: بلغنا أن ذلك كان في زيد بن حارثة، ضرب له مثل. يقول ليس ابن رجل آخر ابنك. وكذا قال مجاهد وقتادة وابن زيد أنها نزلت في زيد بن حارثة ﵁، وهذا يوافق ما قدّمناه من التفسير والله أعلم).
٢ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ .. ]
بمناسبة قوله تعالى: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ قال ابن كثير: (هذا أمر ناسخ لما كان في ابتداء الإسلام من جواز ادّعاء الأبناء الأجانب وهم الأدعياء، فأمر ﵎ بردّ نسبهم إلى آبائهم في الحقيقة، وأن هذا هو العدل والقسط والبر. روى البخاري ﵀ ... عن عبد الله بن عمر قال: إن زيد بن حارثة ﵁ مولى رسول الله ﷺ ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد، حتى نزل القرآن ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي. وقد كانوا يعاملونهم معاملة الأبناء من كل وجه، في الخلوة بالمحارم، وغير ذلك، ولهذا قالت سهلة بنت سهيل امرأة أبي حذيفة ﵄: يا رسول الله إنا كنا ندعوا سالما ابنا. وإن الله قد أنزل ما أنزل، وإنه كان يدخل عليّ، وإني أجد في نفس أبي حذيفة من ذلك شيئا، فقال ﷺ : «أرضعيه تحرمي عليه» الحديث. ولهذا لما نسخ هذا الحكم أباح ﵎ زوجة الدّعي، وتزوج رسول الله ﷺ بزينب بنت جحش مطلقة زيد بن حارثة ﵁.
٣ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ]
بمناسبة قوله تعالى: وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ قال ابن كثير: (فإن الله تعالى وضع الحرج في الخطأ ورفع إثمه، كما أرشد إليه في قوله ﵎ آمرا عباده أن يقولوا رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا [سورة البقرة: ٢٨٦] وثبت في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال: «قال الله : قد فعلت». وفي صحيح البخاري عن عمرو بن العاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر». وفي الحديث الآخر: «إن الله تعالى رفع عن أمتي الخطأ والنسيان، والأمر الذي يكرهون عليه»، وقال ﵎ هاهنا: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ
стр. 4165
بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً أي وإنما الإثم على من تعمّد الباطل، كما قال : لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ* الآية.
وفي الحديث المتقدم: «من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلمه إلّا كفر» وفي القرآن المنسوخ فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم. وروى الإمام أحمد ... عن ابن عباس عن
عمر ﵁ أنه قال: إن الله تعالى بعث محمدا ﷺ بالحق، وأنزل معه الكتاب، فكان فيما أنزل عليه آية الرجم، فرجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده، ثم قال: قد كنا نقرأ (ولا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم) وأن رسول الله ﷺ قال: «لا تطروني كما أطري عيسى ابن مريم ﵇ فإنما أنا عبد الله فقولوا عبده ورسوله» وربما قال معمر: «كما أطرت النصارى ابن مريم» رواه في الحديث الآخر:
«ثلاث في الناس كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت، والاستسقاء بالنجوم»).
٤ - [كلام النسفي حول موضوع التبني إن وجد اليوم]
قال النسفي: (وإذا وجد التبني (أي الآن) فإن كان المتبنى مجهول النسب، وأصغر سنا منه، ثبت نسبه منه، وعتق إن كان عبدا له، وإن كان أكبر سنا منه لم يثبت النسب، وعتق عند أبي حنيفة ﵁، وأما المعروف النسب فلا يثبت نسبه بالتبني وعتق إن كان عبدا).
٥ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ .. ]
بمناسبة قوله تعالى: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ... قال ابن كثير: (قد علم الله شفقة رسوله ﷺ على أمته، ونصحه لهم، فجعله أولى بهم من أنفسهم، وحكمه فيهم كان مقدّما على اختيارهم لأنفسهم، كما قال تعالى:
فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [النساء: ٦٥] وفي الصحيح: «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين» وفي الصحيح أيضا أن عمر ﵁ قال: يا رسول الله والله لأنت أحبّ إليّ من كل شئ إلا من نفسي، فقال ﷺ : «لا يا عمر حتى أكون أحبّ إليك من نفسك».
فقال يا رسول الله والله لأنت أحبّ إليّ من كل شئ حتى من نفسي فقال ﷺ :
«الآن يا عمر» ولهذا قال تعالى في هذه الآية: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ.
وروى البخاري عند هذه الآية الكريمة ... عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة، اقرءوا إن شئتم:
стр. 4166
النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ فأيما مؤمن ترك مالا فليرثه عصبته من كانوا، وإن ترك دينا أو ضياعا فليأتني فأنا مولاه» تفرد به البخاري ورواه أيضا في (الاستقراض) وابن جرير وابن أبي حاتم. ورواه أحمد ... عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ بنحوه. وروى الإمام أحمد ... عن الزهري في قوله تعالى: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ عن أبي سلمة عن جابر بن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ كان يقول: «أنا أولى بكل مؤمن من نفسه؛ فأيما رجل مات وترك دينا فإليّ، ومن ترك مالا فهو لورثته» ورواه أبو داود عن أحمد بن حنبل به نحوه).
٦ - [كلام ابن كثير بمناسبة قوله تعالى وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ .. ]
بمناسبة قوله تعالى: وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ ... قال ابن كثير:
(أي في الحرمة والاحترام، والتوقير والإكرام والإعظام، ولكن لا تجوز الخلوة بهن، ولا ينتشر التحريم إلى بناتهن وأخواتهن بالإجماع، وإن سمّى بعض العلماء بناتهن أخوات المؤمنين، كما هو منصوص الشافعي ﵁ في المختصر، وهو من باب إطلاق العبارة لا إثبات الحكم، وهل يقال لمعاوية ﵁ وأمثاله خال المؤمنين؟
فيه قولان للعلماء ﵃، ونص الشافعي ﵁ على أنه يقال ذلك، وهل يقال له ﷺ أبو المؤمنين فيدخل النساء في جمع المذكر السالم تغليبا؟ فيه قولان، صح عن عائشة ﵂ أنها قالت: لا يقال ذلك، وهذا أصح الوجهين في مذهب الشافعي ﵁. وقد روي عن أبي بن كعب، وابن عباس ﵄ أنهما قرءا: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم).
وروي نحو هذا عن معاوية ومجاهد وعكرمة والحسن وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعي ﵁، حكاه البغوي وغيره، واستأنسوا عليه بالحديث الذي رواه أبو داود ﵀ ... عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
«إنما أنا لكم بمنزلة الوالد؛ أعلّمكم فإذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها، ولا يستطب بيمينه» وكان يأمر بثلاثة أحجار وينهى عن الرّوث والرّمّة. وأخرجه النسائي وابن ماجه، والوجه الثاني أنه لا يقال ذلك، واحتجوا بقوله تعالى: ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ).
٧ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ .. ]
بمناسبة قوله تعالى: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ قال ابن كثير: (أي في حكم الله مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ أي القرابات أولى بالتوارث من المهاجرين والأنصار، وهذه ناسخة لما كان قبلها من التوارث بالحلف
стр. 4167
والمؤاخاة التي كانت بينهم، كما قال ابن عباس وغيره: كان المهاجري يرث الأنصاري دون قراباته وذوي رحمه؛ للأخوّة التي آخى بينهما رسول الله ﷺ . وكذا قال سعيد بن جبير وغير واحد من السّلف والخلف. وقد أورد فيه ابن أبي حاتم حديثا عن الزبير بن العوام فقال ﵁: أنزل الله فينا خاصّة
معشر قريش والأنصار وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ وذلك أنا معشر قريش لما قدمنا المدينة قدمنا ولا أموال لنا، فوجدنا الأنصار نعم الإخوان، فواخيناهم ووارثناهم، فآخى أبو بكر ﵁ خارجة بن زيد. وآخى عمر ﵁ فلانا، وآخى عثمان ﵁ رجلا من بني زريق بن سعد الزرقي، ويقول بعض الناس غيره، قال الزبير ﵁: وواخيت أنا كعب بن مالك، فجئته فابتعلته، فوجدت السلاح قد ثقله فيما يرى، فو الله يا بنيّ لو مات يومئذ عن الدنيا ما ورثه غيري، حتى أنزل الله تعالى هذه الآية فينا معشر قريش- والأنصار خاصة- فرجعنا إلى مواريثنا).
٨ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ .. ]
بمناسبة قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ ... قال ابن كثير: (فبدأ في هذه الآية بالخاتم لشرفه صلوات الله عليه، ثم رتّبهم بحسب وجودهم صلوات الله عليهم. روى ابن أبي حاتم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ في قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ الآية: قال النبي ﷺ : «كنت أوّل النبيين في الخلق، وآخرهم في البعث فبدأ بي قبلهم». سعيد بن بشير- أحد رجال السند- فيه ضعف، وقد رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة به مرسلا وهو أشبه، ورواه بعضهم عن قتادة موقوفا والله أعلم. وروى أبو بكر البزار عن أبي هريرة ﵁ قال: خيار ولد آدم خمسة: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وخيرهم محمد ﷺ . موقوف وحمزة- أحد رجال السند- فيه ضعف. وقد قيل إن المراد بهذا الميثاق الذي أخذ منهم حين أخرجوا في صورة الذرّ من صلب آدم ﵊، كما قال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب قال: ورفع أباهم آدم فنظر إليهم يعني ذريته، وإن فيهم الغني والفقير وحسن الصورة ودون ذلك، فقال: ربّ لو سوّيت بين عبادك فقال:
إني أحببت أن أشكر. ورأى فيهم الأنبياء مثل السرج عليهم النّور، وخصوا بميثاق آخر من الرسالة والنبوة، وهو الذي يقول الله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وهذا قول مجاهد أيضا، وقال ابن عباس: الميثاق الغليظ: العهد). ولننتقل إلى المقطع الثاني في السورة.
стр. 4168
المقطع الثاني ويمتدّ من الآية (٩) إلى نهاية الآية (٢٧) وهذا هو:
٣٣/ ٢٧ - ٩
стр. 4169
٣٣/ ١٩ - ٢٧
ملاحظات في السياق: [حول صلة المقطع الأول بالثاني وصلتهما بسورتي النساء والمائدة وبالمحور]
١ - قلنا إنّ سورة الأحزاب تفصّل حيث فصّلت سورة النساء وسورة المائدة،
стр. 4170
وإن مقطعا من مقاطعها يفصّل في مقام تفصيل سورة النساء، ومقطعا يفصّل في مقام تفصيل سورة المائدة. ورأينا صلة المقطع الأول بتفصيل سورة النساء، ونلاحظ أن المقطع الثاني بدأ بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً. ثم يسير المقطع في تفصيل هذا الموضوع، والآية الأولى في هذا المقطع تذكّرنا بقوله تعالى في سورة المائدة: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (الآية: ١١).
٢ - لاحظنا أن سورة المائدة فصّلت في قوله تعالى من سورة البقرة:
الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ.
ومن ثمّ فقد بدأت بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (المائدة: ١) ونلاحظ أنه قبل هذا المقطع الذي يفصّل في سورة المائدة جاء قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ ... مما يذكّرنا كذلك بموضوع سورة المائدة فهذه الآية جسر اتصال بين المقطع الأول والمقطع الثاني، وجسر اتصال بين محور سورة النساء ومحور سورة المائدة.
٣ - في سورة المائدة نقرأ قوله تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ ... (المائدة: ١١) ويصعب على القارئ العادي أن يعرف صلة هذه الآية بموضوع نقض العهد، والوفاء الذي هو محور سورة المائدة، ولكنّه عند ما يقرأ المقطع الثاني في سورة الأحزاب ويرى أن هذا المقطع يحدّثنا عن الوفاء بالعقود في سياق حادثة الأحزاب: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ... فعندئذ يدرك الصلة بشكل أوضح بين موضوع العقود وموضوع تذكر نعمة الله، إذ همّ قوم أن يبسطوا أيديهم فكفّ الأيدي عنهم.
٤ - إن ما ذكرناه من وجود سمت سورتي النساء والمائدة على التناوب في سورة
следующие страницы →