← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 4166–4205 · переход к 4171.

стр. 4166

النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ فأيما مؤمن ترك مالا فليرثه عصبته من كانوا، وإن ترك دينا أو ضياعا فليأتني فأنا مولاه» تفرد به البخاري ورواه أيضا في (الاستقراض) وابن جرير وابن أبي حاتم. ورواه أحمد ... عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ بنحوه. وروى الإمام أحمد ... عن الزهري في قوله تعالى: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ عن أبي سلمة عن جابر بن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ كان يقول: «أنا أولى بكل مؤمن من نفسه؛ فأيما رجل مات وترك دينا فإليّ، ومن ترك مالا فهو لورثته» ورواه أبو داود عن أحمد بن حنبل به نحوه). ٦ - [كلام ابن كثير بمناسبة قوله تعالى وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ .. ] بمناسبة قوله تعالى: وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ ... قال ابن كثير: (أي في الحرمة والاحترام، والتوقير والإكرام والإعظام، ولكن لا تجوز الخلوة بهن، ولا ينتشر التحريم إلى بناتهن وأخواتهن بالإجماع، وإن سمّى بعض العلماء بناتهن أخوات المؤمنين، كما هو منصوص الشافعي ﵁ في المختصر، وهو من باب إطلاق العبارة لا إثبات الحكم، وهل يقال لمعاوية ﵁ وأمثاله خال المؤمنين؟ فيه قولان للعلماء ﵃، ونص الشافعي ﵁ على أنه يقال ذلك، وهل يقال له ﷺ أبو المؤمنين فيدخل النساء في جمع المذكر السالم تغليبا؟ فيه قولان، صح عن عائشة ﵂ أنها قالت: لا يقال ذلك، وهذا أصح الوجهين في مذهب الشافعي ﵁. وقد روي عن أبي بن كعب، وابن عباس ﵄ أنهما قرءا: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم). وروي نحو هذا عن معاوية ومجاهد وعكرمة والحسن وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعي ﵁، حكاه البغوي وغيره، واستأنسوا عليه بالحديث الذي رواه أبو داود ﵀ ... عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنما أنا لكم بمنزلة الوالد؛ أعلّمكم فإذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها، ولا يستطب بيمينه» وكان يأمر بثلاثة أحجار وينهى عن الرّوث والرّمّة. وأخرجه النسائي وابن ماجه، والوجه الثاني أنه لا يقال ذلك، واحتجوا بقوله تعالى: ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ). ٧ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ .. ] بمناسبة قوله تعالى: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ قال ابن كثير: (أي في حكم الله مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ أي القرابات أولى بالتوارث من المهاجرين والأنصار، وهذه ناسخة لما كان قبلها من التوارث بالحلف

стр. 4167

والمؤاخاة التي كانت بينهم، كما قال ابن عباس وغيره: كان المهاجري يرث الأنصاري دون قراباته وذوي رحمه؛ للأخوّة التي آخى بينهما رسول الله ﷺ . وكذا قال سعيد بن جبير وغير واحد من السّلف والخلف. وقد أورد فيه ابن أبي حاتم حديثا عن الزبير بن العوام فقال ﵁: أنزل الله فينا خاصّة معشر قريش والأنصار وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ وذلك أنا معشر قريش لما قدمنا المدينة قدمنا ولا أموال لنا، فوجدنا الأنصار نعم الإخوان، فواخيناهم ووارثناهم، فآخى أبو بكر ﵁ خارجة بن زيد. وآخى عمر ﵁ فلانا، وآخى عثمان ﵁ رجلا من بني زريق بن سعد الزرقي، ويقول بعض الناس غيره، قال الزبير ﵁: وواخيت أنا كعب بن مالك، فجئته فابتعلته، فوجدت السلاح قد ثقله فيما يرى، فو الله يا بنيّ لو مات يومئذ عن الدنيا ما ورثه غيري، حتى أنزل الله تعالى هذه الآية فينا معشر قريش- والأنصار خاصة- فرجعنا إلى مواريثنا). ٨ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ .. ] بمناسبة قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ ... قال ابن كثير: (فبدأ في هذه الآية بالخاتم لشرفه صلوات الله عليه، ثم رتّبهم بحسب وجودهم صلوات الله عليهم. روى ابن أبي حاتم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ في قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ الآية: قال النبي ﷺ : «كنت أوّل النبيين في الخلق، وآخرهم في البعث فبدأ بي قبلهم». سعيد بن بشير- أحد رجال السند- فيه ضعف، وقد رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة به مرسلا وهو أشبه، ورواه بعضهم عن قتادة موقوفا والله أعلم. وروى أبو بكر البزار عن أبي هريرة ﵁ قال: خيار ولد آدم خمسة: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وخيرهم محمد ﷺ . موقوف وحمزة- أحد رجال السند- فيه ضعف. وقد قيل إن المراد بهذا الميثاق الذي أخذ منهم حين أخرجوا في صورة الذرّ من صلب آدم ﵊، كما قال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب قال: ورفع أباهم آدم فنظر إليهم يعني ذريته، وإن فيهم الغني والفقير وحسن الصورة ودون ذلك، فقال: ربّ لو سوّيت بين عبادك فقال: إني أحببت أن أشكر. ورأى فيهم الأنبياء مثل السرج عليهم النّور، وخصوا بميثاق آخر من الرسالة والنبوة، وهو الذي يقول الله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وهذا قول مجاهد أيضا، وقال ابن عباس: الميثاق الغليظ: العهد). ولننتقل إلى المقطع الثاني في السورة.

стр. 4168

المقطع الثاني ويمتدّ من الآية (٩) إلى نهاية الآية (٢٧) وهذا هو: ٣٣/ ٢٧ - ٩

стр. 4169

٣٣/ ١٩ - ٢٧ ملاحظات في السياق: [حول صلة المقطع الأول بالثاني وصلتهما بسورتي النساء والمائدة وبالمحور] ١ - قلنا إنّ سورة الأحزاب تفصّل حيث فصّلت سورة النساء وسورة المائدة،

стр. 4170

وإن مقطعا من مقاطعها يفصّل في مقام تفصيل سورة النساء، ومقطعا يفصّل في مقام تفصيل سورة المائدة. ورأينا صلة المقطع الأول بتفصيل سورة النساء، ونلاحظ أن المقطع الثاني بدأ بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً. ثم يسير المقطع في تفصيل هذا الموضوع، والآية الأولى في هذا المقطع تذكّرنا بقوله تعالى في سورة المائدة: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (الآية: ١١). ٢ - لاحظنا أن سورة المائدة فصّلت في قوله تعالى من سورة البقرة: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ. ومن ثمّ فقد بدأت بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (المائدة: ١) ونلاحظ أنه قبل هذا المقطع الذي يفصّل في سورة المائدة جاء قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ ... مما يذكّرنا كذلك بموضوع سورة المائدة فهذه الآية جسر اتصال بين المقطع الأول والمقطع الثاني، وجسر اتصال بين محور سورة النساء ومحور سورة المائدة. ٣ - في سورة المائدة نقرأ قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ ... (المائدة: ١١) ويصعب على القارئ العادي أن يعرف صلة هذه الآية بموضوع نقض العهد، والوفاء الذي هو محور سورة المائدة، ولكنّه عند ما يقرأ المقطع الثاني في سورة الأحزاب ويرى أن هذا المقطع يحدّثنا عن الوفاء بالعقود في سياق حادثة الأحزاب: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ... فعندئذ يدرك الصلة بشكل أوضح بين موضوع العقود وموضوع تذكر نعمة الله، إذ همّ قوم أن يبسطوا أيديهم فكفّ الأيدي عنهم. ٤ - إن ما ذكرناه من وجود سمت سورتي النساء والمائدة على التناوب في سورة

стр. 4171

الأحزاب لا يعني أنّه ليس لسورة الأحزاب سياقها الخاص بها. فلسورة الأحزاب سياقها الخاص، وروحها الخاصة مع دلالتها على طريق التقوى، وهو موضوع سورة النساء، ومع إبعادها عن طريق الضلال وهو موضوع سورة المائدة. ٥ - وهذه كلمة سريعة حول الصلة بين المقطع الأول والثاني من سورة الأحزاب: إن المقطع الأول أمر بالتقوى، وعدم طاعة الكافرين، وأمر باتباع الكتاب، وأمر بالتوكل على الله، وأمر بهدم قاعدة التبنّي، وذكّر بميثاق الله مع الرسل، ثمّ جاء المقطع الثاني وهو يبيّن فضل الله على المؤمنين في ساعات المحنة، وفي ذلك نوع تذكير أن على المؤمنين أن يطيعوا ويطمئنوا، فالله معهم إن كانوا صادقين. ثم إن المقطع الأول انتهى بقوله تعالى: لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ ويأتي المقطع الثاني ليبيّن علامة الصدق: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ والصلات بين المقطعين أوسع من ذلك، وستراها إن شاء الله تعالى. وبعد هذه الملاحظات فلنبدأ التفسير: ... التفسير: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ أي ما أنعم الله به عليكم يوم الأحزاب، وهو يوم الخندق، وذلك في شوال سنة خمس من الهجرة، على الصحيح المشهور إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ أي الأحزاب وهم: قريش، وغطفان، وقريظة، والنضير فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً أي الملائكة لَمْ تَرَوْها بعث الله عليهم صبا باردة في ليلة شاتية، فأمطرتهم وأسفّت التّراب في وجوههم، وقطعت الأطناب، وأطفأت النيران، وأكفأت القدور، وماجت الخيل بعضها في بعض، وألقت الملائكة في قلوبهم الرعب والخوف، فكان أن هربوا وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً أي وكان بعملكم أيها المؤمنون من التحصّن بالخندق، والثبات على معاونة النبي ﷺ بصيرا. ثمّ فصّل الله الحادثة فقال: إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ أي من أعلى الوادي من قبل المشرق، وكان الآتون من هذه الجهة بني غطفان وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ أي من أسفل الوادي من قبل المغرب، وكان الآتون من قبل المغرب قريش،

стр. 4172

أو الآتون من فوق: الأحزاب قريش وغطفان، والمراد بمن أسفل منهم بنو قريظة وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ أي مالت عن سننها ومستوى نظرها حيرة، أو عدلت عن كل شئ فلم تلتفت إلا إلى عدوّها لشدّة الرّوع وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ الحنجرة: هي منتهى الحلقوم، وهذا مثل لاضطراب القلوب من شدة الخوف والفزع وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ظن المؤمنون أن الله يبتليهم فخافوا الزلل وضعف الاحتمال، وظن المنافقون أن المسلمين سيستأصلون هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ أي امتحنوا بالصبر على الإيمان وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً أي وحرّكوا بالخوف تحريكا بليغا. ثم بيّن الله أقوال الكافرين المعبّرة عن ظنونهم وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ الخالصو النفاق وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أي نفاق، ولكن لم يستوعب قلوبهم كلها ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً أي وعدا يغرّ. قال معتب بن قشير أخو بني عمرو ابن عوف: كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا لا يقدر على أن يذهب إلى الغائط وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أي من المنافقين يا أَهْلَ يَثْرِبَ أي يا أهل المدينة لا مُقامَ لَكُمْ أي لا قرار لكم هاهنا، ولا مكان تقومون فيه أو تقيمون فَارْجِعُوا أي عن الإيمان إلى الكفر، أو من عسكر رسول الله ﷺ إلى المدينة وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ هم بنو حارثة قالوا: بيوتنا نخاف عليها السّرّاق، وذكر ابن إسحاق: أن القائل لذلك هو أوس بن قيظى يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ أي ذات عورة، والعورة: الخلل أي ليس دونها ما يحجبها عن العدو فهم يخشون عليها منهم وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ كما يزعمون إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً أي هربا من الزحف اعتذروا بأنّ بيوتهم عرضة للعدو والسارق، لأنها غير محصنة، فاستأذنوه ليحصنونها ثم يرجعوا إليه، فأكذبهم الله بأنهم لا يخافون ذلك؛ وإنما يريدون الفرار من القتال وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ أي ولو دخل الأعداء عليهم المدينة مِنْ أَقْطارِها أي جوانبها. أي ولو دخلت هذه العساكر المتحزّبة التي يفرون خوفا منها مدينتهم أو بيوتهم من نواحيها كلها، وانثالت على أهاليهم وأولادهم ناهبين سابين ثُمَّ سُئِلُوا عند ذلك الْفِتْنَةَ أي الردّة والرجعة إلى الكفر ومقاتلة المسلمين لَآتَوْها أي لأعطوها وَما تَلَبَّثُوا بِها بإجابتها إِلَّا يَسِيراً ريثما يكون السؤال والجواب من غير توقف، والمعنى: أنّهم لا يتعلّلون بإعوار بيوتهم إلا ليفروا عن نصرة رسول الله ﷺ والمؤمنين، وعن مصافّة الأحزاب الذين ملئوهم هولا ورعبا؛ بدليل أن هؤلاء الأحزاب كما هم لو كبسوا عليهم أرضهم وديارهم

стр. 4173

وعرض عليهم الكفر، وقيل لهم كونوا على المسلمين، لسارعوا إليه، وما تعلّلوا بشيء، وما ذلك إلا لمقتهم الإسلام، وحبّهم الكفر وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ أي من قبل الخوف لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ منهزمين وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُلًا أي مطلوبا مقتضى حتى يوفى به. قال ابن كثير: (ثم أخبرهم أن فرارهم لا يؤخر آجالهم، ولا يطوّل أعمارهم، بل ربما كان ذلك سببا في تعجيل أخذهم غرّة) قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا قال النسفي: (أي إن كان حضر أجلكم لم ينفعكم الفرار، وإن لم يحضر وفررتم لم تمتّعوا في الدنيا إلا قليلا، وهو مدّة أعماركم، وذلك قليل) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ أي يمنعكم مِنَ اللَّهِ أي مما أراد الله إنزاله بكم إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً في أنفسكم من قتل أو غيره أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً أي إطالة عمر في عافية وسلامة، أي من يمنع الله من أن يرحمكم إن أراد بكم رحمة، أو من أن يعذبكم إن أراد تعذيبكم وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً أي ناصرا، أي ليس لهم ولا لغيرهم من دون الله مجير ولا مغيث قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ أي من يعوّق عن نصرة رسول الله ﷺ أي يمنع وهم المنافقون وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ في الظاهر من المسلمين، أي أصحابهم وعشرائهم وخلطائهم هَلُمَّ إِلَيْنا أي إلى ما نحن فيه من الإقامة في الظلال والثمار، وهم مع ذلك لا يَأْتُونَ الْبَأْسَ أي الحرب إِلَّا قَلِيلًا أي إلا إتيانا قليلا. أي يحضرون ساعة رياء، ويقفون قليلا مقدار ما يرى شهودهم، ثم ينصرفون أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ أي بخلاء بالمودة والشفقة والنفقة لمصلحة القتال فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ من قبل العدو رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ في تلك الحالة تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ يمينا وشمالا كما ينظر المغشي عليه من معالجة سكرات الموت؛ حذرا وخوفا كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ أي من شدة خوفه وجزعه. وهكذا خوف هؤلاء الجبناء من القتال فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ أي فإذا زال ذلك الخوف وأمنوا خاطبوكم مخاطبة شديدة، وآذوكم في الكلام؛ منتقدين معترضين مجرّحين مطالبين راغبين طامعين أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أي على المال والغنيمة، قائلين في خطابهم: وفّروا قسمتنا فإنّا قد شاهدناكم وقاتلنا معكم، وبمكاننا غلبتم عدوكم، فهم في الحرب أجبن شئ، وفي السلم أطمع شئ. قال قتادة: أما عند الغنيمة فأشح قوم وأسوأه مقاسمة أعطونا أعطونا قد شهدنا معكم، وأما عند البأس فأجبن قوم وأخذله للحق أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا في الحقيقة بل بالألسنة فَأَحْبَطَ اللَّهُ

стр. 4174

أَعْمالَهُمْ أي فأبطل بإضمارهم الكفر ما أظهروه من الأعمال وَكانَ ذلِكَ أي إحباط أعمالهم عَلَى اللَّهِ يَسِيراً أي هيّنا سهلا عنده يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا أي لجبنهم يظنّون أنّ الأحزاب لم ينهزموا ولم ينصرفوا، مع أنهم قد انصرفوا، فهم يحسبون أنهم منهم قريب، وأن لهم عودة. قال ابن كثير: (وهذا أيضا من صفاتهم القبيحة في الجبن والخور والخوف) وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ كرّة ثانية يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ البادون: جمع البادي وهم المقيمون في البادية، أي يتمنى المنافقون لجبنهم أنهم خارجون من المدينة إلى البادية، حاصلون بين الأعراب؛ ليأمنوا على أنفسهم، ويعتزلوا مما فيه الخوف من القتال يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ أي يسألون كل قادم منهم من جانب المدينة عن أخباركم، وعما جرى عليكم وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ وكان قتال ما قاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا رياء وسمعة. أي ولو كانوا بين أظهركم لما قاتلوا معكم إلا قليلا لكثرة جبنهم وذلتهم، وضعف يقينهم لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ أي قدوة حسنة في أقواله وأفعاله وأحواله ﷺ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ أي لمن كان يخاف الله، ويخاف اليوم الآخر، أي يأمل ثواب الله، ونعيم اليوم الآخر وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً في كل حال في الخوف والرّجاء، والشدّة والرّخاء، في الليل والنهار. ثمّ أخبر تعالى عن عباده المؤمنين المصدّقين بموعود الله لهم بأن لهم العاقبة في الدنيا والآخرة: وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أي هذا ما وعدنا الله ورسوله من الابتلاء والاختبار والامتحان، الذي يعقبه النصر القريب. قال ابن عباس ﵁ وقتادة يعنون قوله تعالى في سورة البقرة أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ. وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وهذا تتمة قول المؤمنين لما جاء الأحزاب واضطرب المسلمون ورعبوا، علم الصادقون أن هذا كله موعود الله، وعلموا أن الغلبة والنصرة قد وجبت لهم، إذ وجد هذا الزلزال الشديد وَما زادَهُمْ ما رأوا من اجتماع الأحزاب عليهم ومجيئهم إِلَّا إِيماناً بالله وبمواعيده وَتَسْلِيماً لقضائه وقدره، ولمّا ذكر الله عن المنافقين أنهم نقضوا العهد الذي كانوا عاهدوا الله عليه من أنّهم لا يولون الأدبار، وصف المؤمنين بأنهم استمروا على العهد والميثاق فقال: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ أي فيما عاهدوه عليه فَمِنْهُمْ

стр. 4175

مَنْ قَضى نَحْبَهُ أي أجله، أي مات شهيدا كحمزة ومصعب وأنس بن النضر ﵃ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ الموت أي على الشهادة كعثمان وطلحة وَما بَدَّلُوا العهد تَبْدِيلًا ولا غيروه لا المستشهد، ولا من ينتظر الشهادة، وفيه تعريض لمن بدّلوا من أهل النفاق ومرضى القلوب كما مرّ في قوله تعالى: وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ. لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ أي بوفائهم بالعهد وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ إذا لم يتوبوا أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إن تابوا إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً بقبول التوبة رَحِيماً يعفو الحوبة. قال ابن كثير: (أي إنما يختبر عباده بالخوف والزلزال؛ ليميز الخبيث من الطيب، فيظهر أمر هذا بالفعل، وأمر هذا بالفعل، مع أنه تعالى يعلم الشئ قبل كونه، ولكن لا يعذّب الخلق بعلمه فيهم، حتى يعملوا بما يعلمه منهم) وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا أي الأحزاب بِغَيْظِهِمْ أي مغيظين لَمْ يَنالُوا خَيْراً أي لم ينالوا ظفرا، أي لم يظفروا بالمسلمين، وسمّاه خيرا بزعمهم وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ أي بالريح والملائكة وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً أي قادرا غالبا وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ أي عاونوا الأحزاب مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أي من بني قريظة مِنْ صَياصِيهِمْ أي من حصونهم جمع: صيصية وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ أي الخوف فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وهم الرجال وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً وهم النساء والذراري وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ المراد بالأموال المواشي والنّقود والأمتعة وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها دخل في ذلك كل أرض تفتح للإسلام إلى يوم القيامة، فهي بشارة وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً أي قادرا. وبهذا انتهى المقطع الثاني. كلمة في السياق: رأينا في هذا المقطع مظهرا من مظاهر الوفاء بالعهد، ومظهرا من مظاهر نقضه، ورأينا في المقطع مظهرا من مظاهر النفاق، ومظهرا من مظاهر الإيمان، ورأينا في المقطع الطريق العملي للتحقق بكمال الإيمان، بذكر طريق القدوة برسول الله ﷺ . ورأينا في المقطع صورة عملية للامتحان الشديد الذي يعقبه نصر. ورأينا في المقطع صورة عملية للتوكل الصحيح، ولذلك كله محله في السياق العام والخاص للسورة؛ ففي سياق السورة الخاص نجد تعليلا للأوامر الأولى في السورة إذ أمرت بالتقوى، وترك طاعة

стр. 4176

الكافرين والمنافقين، وأمرت باتباع كتاب الله، وأمرت بالتوكل. وفي سياق السورة العام نجد أن المقطع قد أعطانا النموذج العملي لموضوع الابتلاء الذي مر معنا في سورة العنكبوت، ونموذجا على مواقف المنافقين التي مرّت معنا في تلك السورة، وأعطانا نموذجا عمليا لنصر الله المؤمنين الذي مرّ معنا في سورة الروم، وفي السياق القرآني العام نجد تفصيلا لمحور السورة من سورة البقرة، إذ دلّنا المقطع على طريق التحرر من أخلاق النفاق، وعرّفنا على علامات الوفاء بالعهد، وهو محور سورة المائدة من سورة البقرة. فوائد: ١ - [الثبات على الحق والصدق مع الله يؤديان إلى النصر مهما كانت قوة الأعداء] نلاحظ أن القرآن الكريم سجّل لنا معركة بدر، ومعركة أحد، وإجلاء بني النضير، ومعركة الأحزاب، وصلح الحديبية، وغزوة حنين، وغزوة تبوك، وفي كل معركة عبرة رئيسية لهذه الأمة؛ إذ حياة الرسول ﷺ هي النموذج الكامل لكل صور الحياة التي تلابس سير الأمة الإسلامية؛ فغزوة بدر عبرتها الرئيسية أن لله نصرا خاصا ينزله على عباده المؤمنين، إذا تحققوا بشروطه، ولو كانت الموازين العادية للنصر ليست متوفرة لهم. وعبرة أحد الرئيسية أن أي إخلال بطاعة القيادة يترتب عليه خلل. وعبرة الأحزاب الرئيسية أنه متى تألّب أعداء الله على المسلمين فإنه سيبعث لهم فرجا من حيث لا يحتسبون، إذا ثبتوا وصدقوا. وعبرة حنين الرئيسية أن أي خلل نفسي تخرج به النفس الإسلامية عن ربانيتها، واعتمادها على الله وحده يؤدّي إلى الهزيمة. وعبرة غزوة تبوك أن المسلم عليه في كل حال أن يشارك في الجهاد مهما كان الوضع قاسيا. وعبرة صلح الحديبية أن يرى المسلم في قرار قيادته الإسلامية الحكمة، ويسلّم له ولو كان غير مرتاح له. وفي المقطع الذي مرّ معنا والذي سجّل قصة الأحزاب درس من أعظم دروس الحرب والسلام لهذه الأمة، فهو درس يرتقي به المسلم إلى الذروة العليا من التقوى إذا تحقق به، ويتخلّص به من رواسب الكفر والنفاق، إذا استوعبه والتزمه. ٢ - [ميزان صدق الصادقين، والطريق لتحقق الكمال الأعلى للنفوس] من دروس المقطع أنه أعطانا ميزانا لصدق الصادقين، ودلّنا على الطريق إلى التحقق بالكمال الأعلى. أما الميزان فهو قوله تعالى: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا فهذه علامة الصادق إما شهيد وإما أنّه ينتظر الشهادة.

стр. 4177

وأما الطريق فهو قوله تعالى: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً فالطريق للتأسي الكامل برسول الله ﷺ في أقواله، وأفعاله، وأحواله، هو الرجاء والذكر الكثير. وفي كتابنا (جند الله ثقافة وأخلاقا) بيان ذلك. ٣ - [صورة من صور النفاق ساعة المحنة] ومن دروس المقطع أنه أعطانا صورة من صور النفاق في ساعات المحنة: شك في موعود الله، تيئيس للمسلمين، استعداد للكفر، نقض للعهد، تخذيل عن القتال، بخل عن الإنفاق، جبن في مواطن القتال، نقد جارح، وألسنة حداد على المؤمنين، طمع في الغنائم، رغبة بالنفس عن المشاركة في الحرب الفعلية، قتال قليل. وفي المقابل أعطانا صورة عن الإيمان في ساعات المحنة: تأس برسول الله ﷺ ، إيمان وتسليم، وفاء بالعهود. ٤ - [تصحيح فهم خاطئ بمناسبة آية قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ .. ] من مواطن الخطأ في الفهم ما فهمه بعضهم من قوله تعالى: قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا إذ فهم بعضهم أن من فرّ من الموت أو القتل يزيد عمره، وهو فهم مخالف للنصوص والإجماع، ولم يقل به إلا المعتزلة؛ إذ النصوص كثيرة في أن الإنسان لا يموت ولا يقتل إلا بأجله. قال تعالى: أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ [النساء: ٧٨] وقال: فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [الأعراف: ٣٤] وقال: قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ [آل عمران: ١٥٤] وقال: لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا ... [آل عمران: ١٥٦]. ٥ - [الخيانة الداخلية ساعة المعركة جزاؤها الإعدام] من دروس المقطع: أن الخيانة الداخلية في ساعة المعركة جزاؤها الإعدام كما فعل رسول الله ﷺ في بني قريظة كما سنرى. ٦ - [كلام ابن كثير حول بعض صور من غزوة الخندق] يذكر ابن كثير صورا من السيرة عن غزوة الخندق يحتاجها شرح الآيات وهي نقول لا تغني عن قراءة السيرة في هذا الموضوع. قال ابن كثير: (وكان سبب قدوم الأحزاب أن نفرا من أشراف يهود بني النضير الذين كانوا قد أجلاهم رسول الله ﷺ من المدينة إلى خيبر، منهم سلام بن أبي

стр. 4178

الحقيق، وسلام بن مشكم، وكنانة بن الربيع خرجوا إلى مكة فاجتمعوا بأشراف قريش، وألّبوا على حرب النبي ﷺ ، ووعدوهم من أنفسهم النصر والإعانة، فأجابوهم إلى ذلك، ثم خرجوا إلى غطفان فدعوهم فاستجابوا لهم أيضا، وخرجت قريش في أحابيشها ومن تابعها، وقائدهم أبو سفيان صخر بن حرب، وعلى غطفان عيينة بن حصن بن بدر، والجميع قريب من عشرة آلاف، فلما سمع رسول الله ﷺ بمسيرهم أمر المسلمين بحفر الخندق حول المدينة، مما يلي الشرق، وذلك بإشارة سلمان الفارسي ﵁، فعمل المسلمون فيه واجتهدوا، ونقل معهم رسول الله ﷺ التراب وحفر، وكان في حفره ذلك آيات ودلائل واضحات، وجاء المشركون فنزلوا شرقي المدينة، قريبا من أحد، ونزلت طائفة منهم في أعالي أرض المدينة، كما قال تعالى: إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وخرج رسول الله ﷺ ومن معه من المسلمين، وهم نحو من ثلاثة آلاف- وقيل سبعمائة- فأسندوا ظهورهم إلى سلع، ووجوههم إلى نحو العدو، والخندق حفير ليس فيه ماء بينهم وبينهم يحجب الخيالة والرجالة أن تصل إليهم، وجعل النساء والذراري في آطام المدينة، وكانت بنو قريظة- وهم طائفة من اليهود- لهم حصن شرقي المدينة، ولهم عهد من النبي وذمة، وهم قريب من ثمانمائة مقاتل، فذهب إليهم حيي بن أخطب النضري، فلم يزل بهم حتى نقضوا العهد، ومالئوا الأحزاب على رسول الله ﷺ ، فعظم الخطب، واشتد الأمر، وضاق الحال، كما قال الله ﵎: هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً ومكثوا محاصرين للنبي ﷺ وأصحابه قريبا من شهر، إلا أنهم لا يصلون إليهم، ولم يقع بينهم قتال، إلا أن عمرو بن عبد ودّ العامري- وكان من الفرسان الشجعان المشهورين في الجاهلية- ركب ومعه فوارس فاقتحموا الخندق، وخلصوا إلى ناحية المسلمين، فندب رسول الله ﷺ خيل المسلمين إليه، فيقال إنه لم يبرز إليه أحد، فأمر عليا ﵁ فخرج إليه، فتجاولا ساعة، فقتله علي ﵁، فكان علامة على النصر. ثم أرسل الله على الأحزاب ريحا شديدة الهبوب، قوية حتى لم يبق لهم خيمة ولا شئ، ولا توقد لهم نار، ولا يقر لهم قرار، حتى ارتحلوا خائبين خاسرين، كما قال الله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً قال مجاهد وهي الصبا، ويؤيده الحديث الآخر «نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور» وقال ابن جرير: عن عكرمة قال: قالت الجنوب للشمال ليلة الأحزاب انطلقي ننصر رسول

стр. 4179

الله ﷺ ، فقالت الشمال: إن الحرة لا تسري بالليل، قال فكانت الريح التي أرسلت عليهم الصبا. ورواه ابن أبي حاتم ... عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ فذكره، وروى ابن جرير أيضا عن نافع عن عبد الله بن عمر ﵄ أرسلني خالي عثمان ابن مظعون ﵁ ليلة الخندق في برد شديد، وريح إلى المدينة فقال ائتنا بطعام ولحاف، قال: فاستأذنت رسول الله ﷺ فأذن لي، وقال: «من أتيت من أصحابي فمرهم يرجعوا» قال: فذهبت والريح تسفي كل شئ، فجعلت لا ألقى أحدا إلا أمرته بالرجوع إلى النبي ﷺ ، قال: فما يلوي أحد منهم عنقه، قال: وكان معي ترس لي فكانت الريح تضربه عليّ، وكان فيه حديد، قال: فضربته الريح حتى وقع بعض ذلك الحديد على كفّي فأنفذها إلى الأرض. وقوله: وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها هم الملائكة زلزلتهم وألقت في قلوبهم الرعب والخوف، فكان رئيس كل قبيلة يقول: يا بني فلان إليّ فيجتمعون إليه، فيقول النجاء النجاء، لما ألقى الله في قلوبهم من الرعب، وروى محمد بن إسحاق عن محمد ابن كعب القرظي قال: قال فتى من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان ﵁: يا أبا عبد الله رأيتم رسول الله ﷺ وصحبتموه؟ قال: نعم يا ابن أخي، قال وكيف كنتم تصنعون؟ قال والله لقد كنا نجهد، قال الفتى: والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض ولحملناه على أعناقنا. قال: قال حذيفة ﵁: يا ابن أخي والله رأيتنا مع رسول الله ﷺ بالخندق، وصلى رسول الله ﷺ هويا من الليل، ثم التفت فقال: «من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم؟ - يشترط له النبي ﷺ أن يرجع- أدخله الله الجنة» قال: فما قام رجل، ثم صلى رسول الله ﷺ هويا من الليل ثم التفت إلينا فقال مثله، فما قام منا رجل، ثم صلى رسول الله ﷺ هويا من الليل ثم التفت إلينا فقال: «من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع؟ - يشترط له رسول الله ﷺ الرجعة- أسأل الله تعالى أن يكون رفيقي في الجنة» فما قام رجل من القوم من شدة الخوف، وشدة الجوع، وشدة البرد، فلما لم يقم أحد دعاني رسول الله ﷺ فلم يكن لي بد من القيام حين دعاني فقال ﷺ : «يا حذيفة اذهب فادخل في القوم، فانظر ما يفعلون، ولا تحدثن شيئا حتى تأتينا» قال: فذهبت فدخلت في القوم والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل، لا تقر لهم قرارا ولا نارا، ولا بناء، فقام أبو سفيان فقال: يا معشر قريش لينظر كل امرئ من جليسه. قال حذيفة رضي الله

стр. 4180

عنه: فأخذت بيد الرجل الذي إلى جنبي فقلت: من أنت؟ فقال: أنا فلان بن فلان، ثم قال أبو سفيان: يا معشر قريش إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام. لقد هلك الكراع والخف، وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من هذه الريح ما ترون، والله ما تطمئن لنا قدر، ولا تقوم لنا نار، ولا يستمسك لنا بناء؛ فارتحلوا فإني مرتحل، ثم قام إلى جمله وهو معقول فجلس عليه، ثم ضربه فوثب به على ثلاث، فما أطلق عقاله إلا وهو قائم، ولولا عهد رسول الله صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إليّ أن لا تحدث شيئا حتى تأتيني لو شئت لقتلته بسهم؛ قال حذيفة ﵁: فرجعت إلى رسول الله ﷺ وهو قائم يصلي في مرط لبعض نسائه مرحل فلما رآني أدخلني بين رجليه وطرح عليّ طرف المرط، ثم ركع وسجد وإني لفيه، فلما سلّم أخبرته الخبر، وسمعت غطفان بما فعلت قريش فانشمروا راجعين إلى بلادهم. وقد رواه مسلم في صحيحه من حديث الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال: كنا عند حذيفة ابن اليمان ﵁ فقال له رجل: لو أدركت رسول الله ﷺ قاتلت معه وأبليت. فقال له حذيفة: أنت كنت تفعل ذلك؟ لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ ليلة الأحزاب في ليلة ذات ريح شديدة وقرّ، فقال رسول الله ﷺ : «أرجل يأتي بخبر القوم يكون معي يوم القيامة» فلم يجبه منا أحد ثم الثانية، ثم الثالثة مثله، ثم قال ﷺ : «يا حذيفة قم فائتنا بخبر من القوم» فلم أجد بدّا إذ دعاني باسمي أن أقوم، فقال: «ائتني بخبر القوم ولا تذعرهم عليّ» قال: فمضيت كأنما أمشي في حمام حتى أتيتهم، فإذا أبو سفيان يصلي ظهره بالنار، فوضعت سهما في كبد قوسي وأردت أن أرميه ثم ذكرت قول رسول الله صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: «لا تذعرهم عليّ» ولو رميته لأصبته، قال: فرجعت كأنما أمشي في حمام فأتيت رسول الله صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ثم أصابني البرد حين فرغت، وقررت فأخبرت رسول الله صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وألبسني من فضل هناة كانت عليه يصلي فيها، فلم أزل نائما حتى الصبح، فلما أن أصبحت قال رسول الله ﷺ : «قم يا نومان». ورواه يونس ابن بكير عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم قال: إن رجلا قال لحذيفة ﵁: نشكو إلى الله صحبتكم لرسول الله ﷺ ؛ إنكم أدركتموه ولم ندركه، ورأيتموه ولم نره، فقال حذيفة ﵁: ونحن نشكو إلى الله إيمانكم به ولم تروه، والله لا تدري يا ابن أخي لو أدركته كيف كنت تكون! لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ ليلة الخندق في ليلة باردة مطيرة، ثم ذكر نحو ما تقدم مطولا. وروى بلال بن

стр. 4181

يحيى العبسي عن حذيفة ﵁ نحوه ذلك أيضا وقد أخرجه الحاكم والبيهقي في الدلائل عن عبد العزيز بن أخي حذيفة قال: ذكر حذيفة ﵁ مشاهدهم مع رسول الله ﷺ فقال جلساؤه: أما والله لو شهدنا ذلك لكنا فعلنا وفعلنا. فقال حذيفة: لا تمنوا ذلك لقد رأيتنا ليلة الأحزاب ونحن صافون قعودا وأبو سفيان ومن معه من الأحزاب فوقنا، وقريظة اليهود أسفل منا نخافهم على ذرارينا، وما أتت علينا قط أشد ظلمة ولا أشد ريحا في صوت ريحها أمثال الصواعق، وهي ظلمة ما يرى أحدنا إصبعه، فجعل المنافقون يستأذنون النبي ﷺ ويقولون: إن بيوتنا عورة وما هي بعورة، فما يستأذنه أحد منهم إلا أذن له؛ ويأذن لهم فيتسللون ونحن ثلاثمائة أو نحو ذلك إذ استقبلنا رسول الله ﷺ رجلا رجلا، حتى أتى عليّ وما عليّ جنّة من العدو ولا من البرد إلا مرط لامرأتي ما يجاوز ركبتي، قال فأتاني ﷺ وأنا جاث على ركبتي فقال: «من هذا؟» فقلت حذيفة قال: «حذيفة» فتقاصرت الأرض، فقلت: بلى يا رسول الله كراهية أن أقوم فقمت فقال: «إنه كائن في القوم خبر فائتني بخبر القوم» قال: وأنا من أشد الناس فزعا، وأشدهم قرّا، قال: فخرجت فقال رسول الله ﷺ : «اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله، ومن فوقه ومن تحته» قال: فو الله ما خلق الله تعالى فزعا ولا قرّا في جوفي إلا خرج من جوفي؛ فما أجد فيه شيئا، قال: فلما وليت قال ﷺ : «يا حذيفة لا تحدثن في القوم شيئا حتى تأتيني» قال: فخرجت حتى إذا دنوت من عسكر القوم نظرت في ضوء نار لهم توقد، فإذا رجل أدهم ضخم يقول بيده على النار ويمسح خاصرته، ويقول الرحيل الرحيل، ولم أكن أعرف أبا سفيان قبل ذلك، فانتزعت سهما من كنانتي أبيض الريش فأضعه في كبد قوسي لأرميه به في ضوء النار، فذكرت قول رسول الله ﷺ لا تحدثن فيهم شيئا حتى تأتيني، قال فأمسكت ورددت سهمي إلى كنانتي، ثم إني شجعت نفسي حتى دخلت العسكر فإذا أدنى الناس مني بنو عامر يقولون: يا آل عامر الرحيل الرحيل، لا مقام لكم. وإذا الريح في عسكرهم ما تجاوز عسكرهم شبرا، فو الله إني لأسمع صوت الحجارة في رحالهم وفرشهم، الريح تضربهم بها، ثم خرجت نحو النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلم فلما انتصفت في الطريق- أو نحوا من ذلك- إذا أنا بنحو من عشرين فارسا أو نحو ذلك معتمين فقال: أخبر صاحبك أن الله تعالى كفاه القوم، فرجعت إلى رسول الله ﷺ وهو مشتمل في شملة يصلي، فو الله ما عدا أن رجعت راجعني القرّ وجعلت أقرقف فأومأ إليّ رسول الله ﷺ بيده وهو يصلي،

стр. 4182

فدنوت منه فأسبل عليّ شملة وكان رسول الله ﷺ إذا حزبه أمر صلى، فأخبرته خبر القوم، وأخبرته أني تركتهم يرتحلون وأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً. وأخرج أبو داود في سننه كان رسول الله ﷺ إذا حزبه أمر صلى، من حديث عكرمة بن عمار به، وقوله تعالى: إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ أي الأحزاب وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ تقدم عن حذيفة ﵁ أنهم بنو قريظة وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ أي من شدة الخوف والفزع وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا قال ابن جرير: ظن بعض من كان مع رسول الله ﷺ أن الدائرة على المؤمنين، وأن الله سيفعل ذلك، وقال محمد بن إسحاق في قوله تعالى: وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا وظن المؤمنون كل ظن ونجم النفاق حتى قال معتب بن قشير أخو بني عمرو بن عوف: كان محمد يعدنا أن نأكل كسرى وقيصر، وأحدنا لا يقدر على أن يذهب إلى الغائط، وقال الحسن في قوله : وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ظنون مختلفة، ظن المنافقون أن محمدا ﷺ وأصحابه يستأصلون، وأيقن المؤمنون أن ما وعد الله ورسوله حق، وأنه سيظهره على الدين كله ولو كره المشركون. وروى ابن أبي حاتم عن أبي سعيد ﵁ قال: قلنا يوم الخندق يا رسول الله هل من شئ نقول فقد بلغت القلوب الحناجر؟ قال ﷺ : «نعم، قولوا اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا»، قال: فضرب وجوه أعدائه بالريح فهزمهم الريح، وكذا رواه الإمام أحمد بن حنبل عن أبي عامر العقدي. ٧ - [سبب نزول قوله تعالى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا .. ] في سبب نزول قوله تعالى: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ قال ابن كثير: قال أنس: عمي أنس ابن النضر ﵁ سميت به لم يشهد مع رسول الله ﷺ يوم بدر، فشق عليه وقال أول مشهد شهده رسول الله ﷺ غبت عنه، لئن أراني الله تعالى مشهدا فيما بعد مع رسول الله ﷺ ليرين الله ما أصنع. قال: فهاب أن يقول غيرها فشهد مع رسول الله ﷺ يوم أحد، فاستقبل سعد بن معاذ ﵁ فقال له أنس ﵁: يا أبا عمرو: أين؟ واها لريح الجنة إني أجده دون أحد، قال: فقاتلهم حتى قتل ﵁، قال: فوجد في جسده بضع وثمانون بين ضربة وطعنة ورمية، فقالت أخته عمتي الربيع بنت النضر فما عرفت أخي إلا ببنانه، قال: فنزلت هذه الآية مِنَ

стр. 4183

الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا قال فكانوا يرون أنها نزلت فيه، وفي أصحابه ﵃. ورواه مسلم والترمذي والنسائي وابن جرير من حديث حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس ﵁ به نحوه، وروى ابن أبي حاتم عن أنس ﵁ قال: إن عمّه- يعني أنس بن النضر- ﵁ غاب عن قتال بدر، فقال: غبت عن أول قتال قاتله رسول الله ﵌ المشركين لئن أشهدني الله قتالا للمشركين ليرين الله تعالى ما أصنع، قال: فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون فقال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء- يعني أصحابه- وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء- يعني المشركين- ثم تقدم فلقيه سعد يعني ابن معاذ ﵁ دون أحد فقال: أنا معك، قال سعد ﵁: فلم أستطع أن أصنع ما صنع، فلما قتل: فوجد فيه بضع وثمانون ضربة سيف، وطعنة رمح، ورمية سهم، وكانوا يقولون فيه وفي أصحابه نزلت فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ. وأخرجه الترمذي في التفسير والنسائي، وقال الترمذي حسن. وقد رواه البخاري في المغازي وابن جرير عن أنس ﵁ به ولم يذكر نزول الآية، وروى ابن أبي حاتم عن طلحة ﵁ قال: لما أن رجع رسول الله ﷺ من أحد صعد المنبر فحمد الله تعالى وأثنى عليه، وعزى المسلمين بما أصابهم، وأخبرهم بما لهم فيه من الأجر والذخر، ثم قرأ هذه الآية مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ الآية كلها، فقام إليه رجل من المسلمين فقال يا رسول الله من هؤلاء؟ فأقبلت وعليّ ثوبان أخضران حضرميان فقال: «أيها السائل هذا منهم»). ٨ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ] بمناسبة قوله تعالى: وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ قال ابن كثير: (ولهذا كان رسول الله يقول: «لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده وأعزّ جنده، وهزم الأحزاب وحده فلا شئ بعده» أخرجاه من حديث أبي هريرة ﵁. وفي الصحيحين من حديث إسماعيل بن أبي خالد عن عبد الله ابن أبي أوفى ﵁ قال: دعا رسول الله ﷺ على الأحزاب فقال: «اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم». وفي قوله : وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ إشارة إلى وضع الحرب بينهم وبين قريش، وهكذا وقع بعدها لم يغزهم المشركون بل غزاهم المسلمون في بلادهم. قال محمد

стр. 4184

ابن إسحاق: لما انصرف أهل الخندق عن الخندق قال رسول الله ﷺ فيما بلغنا: «لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا، ولكنكم تغزونهم» فلم تغز قريش بعد ذلك وكان رسول الله ﷺ هو يغزوهم بعد ذلك حتى فتح الله تعالى مكة. وهذا الحديث الذي ذكره محمد بن إسحاق حديث صحيح. كما روى الإمام أحمد ... عن سليمان بن صرد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ يوم الأحزاب: «الآن نغزوهم ولا يغزونا» وهكذا رواه البخاري في صحيحه). ٩ - [كلام ابن كثير بمناسبة قوله تعالى وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ .. الآيتان (٢٦، ٢٧)] بمناسبة قوله تعالى: وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً* وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً. قال ابن كثير: (قد تقدم أن بني قريظة لمّا قدمت جنود الأحزاب، ونزلوا على المدينة نقضوا ما كان بينهم وبين رسول الله ﷺ من العهد وكان ذلك بسفارة حيي ابن أخطب النضري- لعنه الله- دخل حصنهم ولم يزل بسيدهم كعب بن أسد حتى نقض العهد، وقال له فيما قال: ويحك قد جئتك بعز الدهر، أتيتك بقريش وأحابيشها، وغطفان وأتباعها، ولا يزالون هاهنا حتى يستأصلوا محمدا وأصحابه؛ فقال له كعب: بل والله أتيتني بذل الدهر، ويحك يا حيي إنك مشئوم فدعنا منك، فلم يزل يفتل في الذروة والغارب حتى أجابه واشترط له حيي إن ذهب الأحزاب ولم يكن من أمرهم شئ أن يدخل معهم في الحصن فيكون له أسوتهم، فلما نقضت قريظة، وبلغ ذلك رسول الله ﷺ ساءه، وشقّ عليه وعلى المسلمين جدا، فلما أيّده الله تعالى ونصره، وكبت الأعداء، وردهم خائبين بأخسر صفقة، ورجع رسول الله ﷺ إلى المدينة مؤيّدا منصورا، ووضع الناس السلاح، فبينما رسول الله ﷺ يغتسل من وعثاء تلك المرابطة في بيت أم سلمة ﵂ إذ تبدّى له جبريل ﵊ معتجرا بعمامة من إستبرق، على بغلة عليها قطيفة من ديباج فقال: أوضعت السلاح يا رسول الله؟ قال ﷺ : «نعم» قال: لكن الملائكة لم تضع أسلحتها، وهذا الآن رجوعي من طلب القوم، ثم قال: إن الله ﵎ يأمرك أن تنهض إلى بني قريظة، وفي رواية فقال له: عذيرك من مقاتل أوضعتم السلاح؟ قال: «نعم» قال: لكنا لم نضع أسلحتنا بعد، انهض إلى هؤلاء قال ﷺ : «أين؟» قال: بني قريظة، وكانت على أميال من المدينة، وذلك بعد صلاة الظهر، وقال ﷺ :

стр. 4185

«لا يصلينّ أحد منكم العصر إلا في بني قريظة» فسار الناس فأدركتهم الصلاة في الطريق، فصلى بعضهم في الطريق، وقالوا لم يرد منا رسول الله ﷺ إلا تعجيل المسير، وقال آخرون لا نصليها إلا في بني قريظة فلم يعنّف واحدا من الفريقين، وتبعهم رسول الله ﷺ وقد استخلف على المدينة ابن أم مكتوم ﵁، وأعطى الراية لعلي بن أبي طالب ﵁. ثم نازلهم رسول الله ﷺ وحاصرهم خمسا وعشرين ليلة، فلما طال عليهم الحال نزلوا على حكم سعد بن معاذ سيد الأوس ﵁ لأنهم كانوا حلفاء في الجاهلية، واعتقدوا أنه يحسن إليهم في ذلك، كما فعل عبد الله بن أبيّ بن سلول في مواليه بني قينقاع حين استطلقهم من رسول الله ﷺ ، فظن هؤلاء أن سعدا سيفعل فيهم كما فعل ابن أبيّ في أولئك، ولم يعلموا أن سعدا ﵁ كان قد أصابه سهم في أكحله أيام الخندق، فكواه رسول الله ﷺ في أكحله وأنزله في قبة في المسجد ليعوده من قريب، وقال سعد ﵁ فيما دعا به: اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها، وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فافجرها، ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة، فاستجاب الله تعالى دعاءه وقدر عليهم أن نزلوا على حكمه باختيارهم طلبا من تلقاء أنفسهم، فعند ذلك استدعاه رسول الله ﷺ من المدينة ليحكم فيهم، فلما أقبل وهو راكب على حمار قد وطئوا له عليه جعل الأوس يلوذون به ويقولون: يا سعد إنهم مواليك؛ فأحسن فيهم ويرقّقونه عليهم ويعطّفونه وهو ساكت لا يرد عليهم، فلما أكثروا عليه قال ﵁: لقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم. فعرفوا أنه غير مستبقيهم، فلما دنا من الخيمة التي فيها رسول الله ﷺ قال رسول الله ﷺ : «قوموا إلى سيّدكم» فقام إليه المسلمون، فأنزلوه إعظاما وإكراما واحتراما له في محل ولايته ليكون أنفذ لحكمه فيهم، فلما جلس قال له رسول الله ﷺ : «إن هؤلاء- وأشار إليهم- قد نزلوا على حكمك فاحكم فيهم بما شئت». فقال ﵁: وحكمي نافذ عليهم؟ قال ﷺ : «نعم». قال: وعلى من في هذه الخيمة؟ قال: «نعم». قال: وعلى من هاهنا- وأشار إلى الجانب الذي فيه رسول الله ﷺ وهو معرض بوجهه عن رسول الله ﷺ إجلالا وإكراما وإعظاما- فقال له رسول الله ﷺ : «نعم». فقال ﵁: حكمي أني أحكم أن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذريتهم وأموالهم. فقال له رسول الله ﷺ : «لقد حكمت بحكم الله تعالى من فوق سبعة أرقعة». وفي رواية: «لقد حكمت بحكم الله». ثم أمر رسول الله ﷺ بالأخاديد فخدّت في

стр. 4186

الأرض، وجيء بهم مكتفين، فضرب أعناقهم، وكانوا ما بين السبعمائة إلى الثمانمائة، وسبى من لم ينبت منهم من النساء وأموالهم، وهذا كله مقرر مفصّل بأدلته وأحاديثه وبسطه في كتاب السيرة التي أفردناها موجزا وبسيطا ولله الحمد والمنة. ولهذا قال تعالى: وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ أي عاونوا الأحزاب وساعدوهم على حرب رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ يعني بني قريظة من اليهود من بعض أسباط بني إسرائيل كان قد نزل آباؤهم الحجاز قديما طمعا في اتباع النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فعليهم لعنة الله، وقوله تعالى: مِنْ صَياصِيهِمْ يعني حصونهم. كذا قال مجاهد وعكرمة وعطاء وقتادة والسدي وغيرهم من السلف، ومنه سمي صياصي البقر وهي قرونها لأنها أعلى شئ فيها وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ وهو الخوف لأنهم كانوا مالئوا المشركين على حرب النبي صلّى الله تعالى عليه وسلم، وليس من يعلم كمن لا يعلم، وأخافوا المسلمين، وراموا قتلهم ليعزوهم في الدنيا فانعكس عليهم الحال، وانقلب إليهم القتال، انشمر المشركون، ففازوا بصفقة المغبون، فكما راموا العزّ ذلوا، وأرادوا استئصال المسلمين فاستؤصلوا، وأضيف إلى ذلك شقاوة الآخرة فصارت الجملة أن هذه هي الصفقة الخاسرة، ولهذا قال تعالى: فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً فالذين قتلوا هم المقاتلة، والأسراء هم الأصاغر والنساء. وروى الإمام أحمد عن عطية القرظي قال: عرضت على النبي ﷺ يوم قريظة فشكّوا فيّ فأمر النبي ﷺ أن ينظروا هل أنبت بعد، فنظروني فلم يجدوني أنبت، فخلى عني وألحقني بالسبي، وكذا رواه أهل السنن كلهم من طرق عن عبد الملك بن عمير به، وقال الترمذي حسن صحيح، ورواه النسائي وقوله تعالى: وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ أي جعلها لكم من قتلكم لهم وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها قيل خيبر، وقيل مكة. رواه مالك عن زيد ابن أسلم، وقيل فارس والروم، وقال ابن جرير: يجوز أن يكون الجميع مرادا وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً روى الإمام أحمد عن علقمة بن وقاص قال: أخبرتني عائشة ﵂ قالت: خرجت يوم الخندق أقفو الناس فسمعت وئيد الأرض ورائي، فإذا أنا بسعد بن معاذ ﵁ ومعه ابن أخيه الحارث بن أوس يحمل مجنة، قالت: فجلست إلى الأرض فمرّ سعد ﵁ وعليه درع من حديد، قد خرجت منه أطرافه، فأنا أتخوّف على أطراف سعد، قالت: وكان سعد رضي الله عنه من أعظم الناس وأطولهم فمرّ وهو يرتجز ويقول:

стр. 4187

لبّث قليلا يشهد الهيجا حمل ... ما أحسن الموت إذا حان الأجل قالت فقمت فاقتحمت حديقة، فإذا فيها نفر من المسلمين، وإذا فيها عمر ابن الخطاب ﵁، وفيهم رجل عليه تسبغة له- تعني المغفر-، فقال عمر ﵁: ما جاء بك؟ لعمري والله إنك لجريئة، وما يؤمّنك أن يكون بلاء أو يكون تخوّر، قالت: فما زال يلومني حتى تمنيت أن الأرض انشقت بي ساعتئذ فدخلت فيها، فرفع الرجل التسبغة عن وجهه، فإذا هو طلحة بن عبيد الله ﵁ فقال: يا عمر ويحك إنك قد أكثرت منذ اليوم، وأين التحوز أو الفرار إلا إلى الله تعالى قالت: ورمى سعدا ﵁ رجل من قريش يقال له ابن العرقة بسهم له، وقال له خذها وأنا ابن العرقة، فأصاب أكحله، فقطعه، فدعا الله تعالى سعد ﵁ فقال: اللهم لا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة، قالت وكانوا حلفاءه ومواليه في الجاهلية، قالت: فرقأ كلمه، وبعث الله تعالى الريح على المشركين، وكفى الله المؤمنين القتال، وكان الله قويا عزيزا، فلحق أبو سفيان ومن معه بتهامة، ولحق عيينة ابن بدر ومن معه بنجد، ورجعت بنو قريظة فتحصّنوا في صياصيهم، ورجع رسول الله ﷺ إلى المدينة، وأمر بقبة من أدم فضربت على سعد ﵁ في المسجد، قالت: فجاءه جبريل ﵇ وإن على ثناياه لنقع الغبار، فقال: أو قد وضعت السلاح؟ لا والله ما وضعت الملائكة بعد السلاح، اخرج إلى بني قريظة فقاتلهم، قالت: فلبس رسول الله ﷺ لأمته، وأذن في الناس بالرحيل أن يخرجوا، فمرّ على بني تميم وهم جيران المسجد فقال: «من مرّ بكم» قالوا مرّ بنا دحية الكلبي، وكان دحية الكلبي يشبه لحيته وسنه ووجهه جبريل ﵊، فأتاهم رسول الله ﷺ فحاصرهم خمسا وعشرين ليلة، فلما اشتد حصارهم، واشتد البلاء، قيل لهم انزلوا على حكم رسول الله ﷺ ، فاستشاروا أبا لبابة بن عبد المنذر، فأشار إليهم أنه الذبح، قالوا ننزل على حكم سعد بن معاذ ﵁. فقال رسول الله ﷺ : «انزلوا على حكم سعد بن معاذ» فنزلوا وبعث رسول الله ﷺ إلى سعد بن معاذ ﵁ فأتي به على حمار عليه إكاف من ليف قد حمل عليه، وحفّ به قومه، فقالوا: يا أبا عمرو حلفاؤك ومواليك وأهل الكتاب ومن قد علمت، قالت: فلا يرجع إليهم شيئا، لا يلتفت إليهم، حتى إذا دنا من دورهم التفت إلى قومه فقال: قد آن لي أن لا أبالي في الله لومة لائم. قالت: قال أبو سعيد: فلما طلع قال رسول الله ﷺ : «قوموا إلى سيدكم فأنزلوه» فقال عمر ﵁: سيدنا الله. قال: «أنزلوه»

стр. 4188

فأنزلوه، وقال رسول الله ﷺ : «احكم فيهم» قال سعد ﵁: فإني أحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم، وتقسّم أموالهم. فقال رسول الله ﷺ : «لقد حكمت فيهم بحكم الله تعالى وحكم رسوله» ثم دعا سعد ﵁: فقال اللهم إن كنت أبقيت على نبيّك من حرب قريش شيئا فأبقني لها، وإن كنت قطعت الحرب بينه وبينهم فاقبضني إليك، قال فانفجر كلمه، وكان قد برئ منه إلا مثل الخرص، ورجع إلى قبته التي ضرب عليه رسول الله ﷺ ، قالت عائشة ﵂: فحضره رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر ﵄ قالت: فو الذي نفس محمد بيده إني لأعرف بكاء أبي بكر ﵁ من بكاء عمر ﵁ وأنا في حجرتي وكانوا كما قال الله تعالى: رُحَماءُ بَيْنَهُمْ قال علقمة: فقلت: أي أمه فكيف كان رسول الله ﷺ يصنع؟ قالت: كانت عينه لا تدمع على أحد، ولكنه كان إذا وجد فإنما هو آخذ بلحيته ﷺ ، وقد أخرج البخاري ومسلم ... عن عائشة ﵂ نحوا من هذا ولكنه أخصر منه وفيه دعا سعد ﵁. ١٠ - [تحقيق ابن كثير حول أسماء المدينة بمناسبة آية وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ .. ] بمناسبة قوله تعالى: وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ قال ابن كثير: (يعني المدينة كما جاء في الصحيح: «أريت في المنام دار هجرتكم أرض بين حرتين، فذهب وهلي أنّها هجر فإذا هي يثرب» وفي لفظ المدينة. فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد ... عن البراء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من سمّى المدينة يثرب فليستغفر الله تعالى إنما هي طابة هي طابة» تفرّد به الإمام أحمد، وفي إسناده ضعف. والله أعلم. ويقال إنما كان أصل تسميتها يثرب برجل نزلها من العماليق يقال له يثرب بن عبيد بن مهلائيل بن عوض بن عملاق ابن لاذ بن إرم بن سام بن نوح. قاله السهيلي، قال: وروي عن بعضهم أنه قال: إن لها في التوراة أحد عشر اسما: المدينة، وطابة، وطيبة، والمسكينة، والجابرة، والمحبة، والمحبوبة، والقاصمة، والمجبورة، والعذراء، والمرحومة. وعن كعب الأحبار قال: إنا نجد في التوراة يقول الله تعالى للمدينة: يا طيبة، ويا طابة، ويا مسكينة لا تقلّي الكنوز أرفع أحاجرك على أحاجر القرى). ١١ - [من تعليقات صاحب الظلال حول المقطع الثاني] من تعليقات صاحب الظلال على المقطع الذي مرّ معنا ما يلي: (إن النص القرآني يغفل أسماء الأشخاص، وأعيان الذوات، ليصوّر نماذج البشر وأنماط الطباع. ويغفل تفصيلات الحوادث وجزئيات الوقائع، ليصوّر القيم الثابتة

стр. 4189

والسنن الباقية. هذه التي لا تنتهي بانتهاء الحادث، ولا تنقطع بذهاب الأشخاص، ولا تنقضي بانقضاء الملابسات، ومن ثمّ تبقى قاعدة ومثلا لكل جيل وكل قبيلة. ويحفل بربط المواقف والحوادث بقدر الله المسيطر على الأحداث والأشخاص، ويظهر فيها يد الله القادرة وتدبيره اللطيف، ويقف عند كل مرحلة في المعركة للتوجيه والتعقيب والربط بالأصل الكبير. ومع أنه كان يقصّ القصة على الذين عاشوها، وشهدوا أحداثها، فإنه كان يزيدهم بها خبرا، ويكشف لهم من جوانبها ما لم يدركوه وهم أصحابها وأبطالها! ويلقي الأضواء على سراديب النفوس ومنحنيات القلوب ومخبآت الضمائر؛ ويكشف للنور الأسرار والنوايا والخوالج المستكنة في أعماق الصدور. ذلك إلى جمال التصوير، وقوّته، وحرارته، مع ... التصوير ... للجبن والخوف والنفاق والتواء الطباع! ومع الجلال الرائع والتصوير الموحي للإيمان والشجاعة والصبر والثقة في نفوس المؤمنين. إن النّص القرآني معدّ للعمل- لا في وسط أولئك الذين عاصروا الحادث وشاهدوه فحسب. ولكن كذلك للعمل في كل وسط بعد ذلك، وفي كل تاريخ. معدّ للعمل في النفس البشرية إطلاقا كلما واجهت مثل ذلك الحادث أو شبهه في الآماد الطويلة، والبيئات المنوعة. بنفس القوّة التي عمل بها في الجماعة الأولى. ولا يفهم النصوص القرآنية حق الفهم إلا من يواجه مثل الظروف التي واجهتها أول مرة. هنا تتفتّح النصوص عن رصيدها المذخور، وتتفتّح القلوب لإدراك مضامينها الكاملة. وهنا تتحوّل تلك النصوص من كلمات وسطور إلى قوى وطاقات. وتنتفض الأحداث والوقائع المصورة فيها. تنتفض خلائق حيّة، موحية، دافعة، تعمل في واقع الحياة، وتدفع بها إلى حركة حقيقية، في عالم الواقع وعالم الضمير. إن القرآن ليس كتابا للتلاوة ولا للثقافة ... وكفى ... إنما هو رصيد من الحيوية الدافعة؛ وإيحاء متجدد في المواقف والحوادث! ونصوصه مهيأة للعمل في كل لحظة، متى وجد القلب الذي يتعاطف معه ويتجاوب، ووجد الظرف الذي يطلق الطاقة المكنونة في تلك النصوص ذات السر العجيب! وإن الإنسان ليقرأ النص القرآني مئات المرات؛ ثم يقف الموقف، أو يواجه

стр. 4190

الحادث، فإذا النص القرآني جديد، يوحي إليه بما لم يوح من قبل قط، ويجيب على السؤال الحائر، ويفتي في المشكلة المعقدة، ويكشف الطريق الخافي، ويرسم الاتجاه القاصد، ويفئ بالقلب إلى اليقين الجازم في الأمر الذي يواجهه، وإلى الاطمئنان العميق. وليس ذلك لغير القرآن في قديم ولا حديث). ***

стр. 4191

المقطع الثالث ويمتدّ من الآية (٢٨) إلى نهاية الآية (٤٠) وهذا هو: ٣٣/ ٤٠ - ٢٨

стр. 4192

٣٣/ ٣٥ - ٤٠ كلمة في السياق: [حول صلة مقاطع السورة بسورتي النساء والمائدة، وإضافة جديدة لموضوع الوحدة القرآنية] ١ - رأينا أن للمقطع الأول في سورة الأحزاب صلة بالمقطع الأول من سورة النساء: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ ... النّساء. يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ... الأحزاب. لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ ... النساء. وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ ... الأحزاب.

стр. 4193

وقد ختم المقطع الأول في سورة النساء بقوله تعالى: وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً. وختم المقطع الأول في سورة الأحزاب بقوله تعالى: وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً أَلِيماً. ٢ - ورأينا أنّ للمقطع الثاني في سورة الأحزاب صلة بالمقطع الأول من سورة المائدة: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ المائدة. وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ ... مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ الأحزاب. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ المائدة. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ الأحزاب. ... فالصلة قائمة بين المقطع الأول من سورة النساء، والمقطع الأول من سورة الأحزاب، وبين المقطع الثاني من سورة الأحزاب، والمقطع الأول من سورة المائدة، وكنّا قلنا من قبل: إن مقاطع سورة الأحزاب تتناوب؛ فمقطع له صلة بسورة النساء، ومقطع له صلة بسورة المائدة، وعلى هذا فالمقطع الثالث في سورة الأحزاب له صلة بسورة النساء: ... يبدأ المقطع الثاني في سورة النساء بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ. وها هو المقطع الثالث من سورة الأحزاب يقول: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَ

стр. 4194

وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ ... ... وفي المقطع الثاني من سورة النساء: وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ. وفي المقطع الثالث من سورة الأحزاب: فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ .... فالصلة قائمة بين المقطع الثالث من سورة الأحزاب والمقطع الثاني من سورة النساء. ٣ - وبمناسبة الكلام عن صلات مقاطع سورة الأحزاب بسورتي النساء والمائدة نحب أن نذكر جزءا آخر من نظريتنا في فهم الوحدة القرآنية، لقد ذكرنا من قبل أنّ لكل سورة بعد سورة البقرة محورها من سورة البقرة وأن هذه السور تفصّل في المحور وارتباطاته وامتداداته، وهاهنا نضيف: أنّه عند ما تفصّل سورة سابقة بمحور، فإنّ السورة اللاحقة إذا فصّلت في المحور نفسه فإن تفصيلها ينصب على المحور وعلى السور التي فصّلت المحور من قبل؛ فتجد شبكة العلاقات بين المحور وامتداداته وارتباطاته، والسور التي فصّلته على أشدها. ٤ - قلنا إن مقاطع سورة الأحزاب تفصّل بالتناوب في محوري سورة النساء وسورة المائدة، وهذا المقطع له صلة بمحور سورة النّساء، ونلاحظ أن لهذا المقطع صلة بقضايا النّساء وهو موضوع من أهم المواضيع التي تظهر فيها الطاعة الحقيقية لله . فإذا كان محور سورة النساء من سورة البقرة هو قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ فهذا المقطع يعطينا صورة كاملة عن التقوى وأهلها وصفاتهم من خلال الخطاب للقدوة العليا للبشر رسول

стр. 4195

الله ﷺ ولأهل بيته. ٥ - من خلال ما ذكرناه هاهنا وما ذكرناه من قبل ندرك أنّه مع كثرة صلات السور ببعضها فإنّ ذلك لا يؤثّر على وحدة السورة، سواء في ذلك تكامل معانيها، أو وحدة سياقها، أو وحدة جرسها، أو وحدة روحانيتها، لاحظ ما يلي: أ- بدأت سورة الأحزاب بأوامر منها الأمر بالتوكّل، وجاء المقطع الثاني يعمّق موضوع التوكّل، وختم المقطع الثاني بذكر توريث الله المؤمنين الأرض، ولذلك صلاته ببعضه، ومن ذكر إرث الأرض ينتقل السياق ليربي أزواج النّبي ﷺ على الزهد في الدنيا. ب- بدأت السورة بالنّهي عن طاعة الكافرين والمنافقين، وجاء المقطع الثاني ليبيّن لنا بعض أخلاقيات المنافقين، وجاء المقطع الثالث ليذكر تفصيلا أخلاقيات أهل الإيمان. ج- جاء في المقطع الأول إلغاء قاعدة التبنّي، وسيأتي في المقطع الثالث ما ينهي قاعدة التبني من أساسها. التفسير: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها أي السعادة وكثرة الأموال فَتَعالَيْنَ أي أقبلن بإرادتكن واختياركن لأحد الأمرين، ولم يرد نهوضهن إليه بأنفسهن أُمَتِّعْكُنَّ أي أعطكن متعة الطلاق وَأُسَرِّحْكُنَّ أي وأطلقكن سَراحاً جَمِيلًا لا ضرار فيه وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً وقد اخترن- رضوان الله عنهن- الله ورسوله والدار الآخرة فجمع الله تعالى لهن بين خير الدنيا وسعادة الآخرة. كلمة في السياق: إن هذا الخطاب في سياق السورة المبدوءة ب يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ... يدل على أن هذا التخيير من التقوى المأمور بها رسول الله ﷺ ؛ إذ إنّ إرادة الحياة الدنيا خلق من أخلاق الكافرين، وهي أخلاق لا ينبغي أن تصيب بيت رسول الله ﷺ ومن هنا نعرف كيف أن سورة الأحزاب كسورة النساء تبني قضية التقوى، ولنعد

стр. 4196

إلى التفسير. ... فبعد الخطاب المباشر لرسول الله ﷺ يتّجه الخطاب لأزواج رسول الله ﷺ ليدلهنّ على المقام الأعلى لتقوى النساء يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ أي بسيّئة بليغة في القبح مُبَيِّنَةٍ أي ظاهر فحشها، قال ابن كثير: (قال ابن عباس ﵁ وهي النشوز وسوء الخلق، وعلى كل تقدير فهو شرط، والشرط لا يقتضي الوقوع) وإنما قال ابن كثير ذلك ليبيّن عصمة أزواج الأنبياء من الزنا يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ في الدنيا والآخرة. قال النسفي: (ضعفي عذاب غيرهن من النساء؛ لأن ما قبح من سائر النساء كان أقبح منهن، فزيادة قبح المعصية تتبع زيادة الفضل، وليس لأحد من النساء مثل فضل نساء النبي ﷺ ، ولذا كان الذم للعاصي العالم أشد من العاصي الجاهل، لأن المعصية من العالم أقبح، ولذا فضل حد الأحرار على العبيد ولا يرجم الكافر). وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً أي وكان تضعيف العذاب لهنّ سهلا هيّنا عليه وَمَنْ يَقْنُتْ أي ومن يطع مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ أي مثلي ثواب غيرها؛ لأنها قدوة، فلها أجر العمل، وأجر الإمامة وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقاً كَرِيماً أي جليل القدر وهو الجنة يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ أي لستن كجماعة واحدة من جماعات النساء إذا تقصّيت أمّة النساء جماعة جماعة لم توجد فيهن جماعة واحدة تساويكن في الفضل إِنِ اتَّقَيْتُنَّ أي إن أردتن التقوى، أو إن كنتن متقيات فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ يعني بذلك ترقيق الكلام إذا خاطبن الرجال. قال النسفي: (أي إذا كلمتن الرجال من وراء الحجاب فلا تجئن بقولكن خاضعا أي لينا خنثا مثل كلام المريبات) فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ أي ريبة وفجور وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفاً قال النسفي: حسنا مع كونه خشنا، وقال ابن كثير: قال ابن زيد: قولا حسنا جميلا معروفا في الخير، ومعنى هذا: أنّه لا ينبغي أن تخاطب المرأة الأجانب بكلام فيه ترخيم، فلا تخاطب الأجانب كما تخاطب زوجها وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ أي الزمن بيوتكن، فلا تخرجن لغير حاجة وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى أي القديمة، أي ولا تبرجن تبرجا مثل تبرج النساء في الجاهلية الأولى، وهي الزمان الذي ولد فيه إبراهيم ﵇، أو ما بين آدم ونوح ﵉، والجاهلية

стр. 4197

الأخرى ما بين عيسى ومحمد ﷺ ، أو الجاهلية الأولى الكفر قبل الإسلام، والجاهلية الأخرى جاهلية الفسوق والفجور في الإسلام. وقال مجاهد في التبرج: كانت المرأة تخرج تمشي بين يدي الرجال. فذلك تبرج الجاهلية. وفسّر قتادة تبرج الجاهلية الأولى بأن نساءها كن يخرجن لهن مشية وتكسّر وتغنج. وفسّر مقاتل بن حيان التّبرج فقال: والتبرّج أنها تلقي الخمار على رأسها، ولا تشده فيواري قلائدها، وقرطها، وعنقها، ويبدو ذلك كله منها ... وقد فعل نساء الجاهلية المعاصرة ما هو أبشع وأسفه وأخسّ، وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ خصّ الصلاة والزكاة بالأمر، ثم عمّ بجميع الطاعات؛ تفصيلا لهما لأنّ من واظب عليهما جرّتاه إلى ما وراءهما إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ إرادة تشريع لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ أي يا أهل البيت وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً أي من نجاسة الآثام، بيّن أنّه إنما نهاهنّ وأمرهن ووعظهنّ لئلا يقارف أهل بيت رسول الله ﷺ المآثم، وليتصوّنوا عنها بالتقوى، واستعار للذنوب الرجس، وللتقوى الطهر، لأنّ عرض المقترف للمقبّحات يتلوّث بها كما يتلوث بدنه بالأرجاس، وأما المحسنات فالعرض منهنّ نقي كالثوب الطاهر. وفي الآية دليل على أن نساء النبي ﷺ من أهل بيته. وفي الفوائد كلام عن مثل هذا. وفي الآية تنفير لأولي الألباب عن المناهي، وترغيب لهم في الأوامر وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ أي القرآن وَالْحِكْمَةِ أي السنة. إذ كن يسمعن كلام رسول الله ﷺ مع القرآن إِنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفاً عالما بغوامض الأشياء خَبِيراً أي عالما بحقائقها، أي هو عالم بأفعالكن وأقوالكن؛ فاحذرن مخالفة أمره ونهيه، ومعصية رسوله. ... كلمة في السياق: وهكذا نلاحظ أن الأوامر قد صدرت لزوجات الرسول ﷺ وهن القدوة العليا للمسلمات: ١ - بإرادة الله ورسوله ﷺ والدار الآخرة. ٢ - بالتنزّه عن الفواحش كلها. ٣ - بعدم الخضوع بالقول واللين فيه، هذا مع الكلم الطيب.

стр. 4198

٤ - القرار في البيوت، إلا لحاجة مشروعة، وعدم التبرج. ٥ - إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة. ٦ - الطاعة لله والرسول. ٧ - ذكر الكتاب والسنة. وإذا استقرت هذه المعاني تأتي الآن آية تتحدّث عن الصفات العليا للرجل والمرأة؛ الصفات التي يستحق بها أهلها مغفرة الله وجنّته، وهكذا يصل السياق إلى أن يرفع الرجل والمرأة إلى ذرى التقوى، بالدلالة على الطريق، وبتقرير تفصيلات ذلك. ... إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ قال النسفي: (المسلم هو الداخل في السلم بعد الحرب، المنقاد الذي لا يعاند، أو المفوّض أمره إلى الله تعالى، المتوكل عليه) فمن أسلم وجهه إلى الله، وانقاد له، ولم يعاند حكما من أحكامه، وفوّض أمره إلى الله، وتوكّل عليه فذلك المسلم وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ المؤمن هو المصدّق بالله ورسوله ﷺ والمصدّق لله ورسوله في كل شئ. وقد دلّت الآية على أنّ الإيمان غير الإسلام، وهو أخصّ منه، ولنا في الفوائد عودة على هذا وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ القنوت: هو الطاعة في سكون، وعلى هذا فالقانتون هم القائمون في الطاعة، قال ابن كثير: (فالإسلام بعده مرتبة يرتقى إليها وهي الإيمان، ثم القنوت ناشئ عنهما) وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقاتِ قال النسفي: في النّيات والأقوال والأعمال. وخصها ابن كثير في هذا المقام في الأقوال فقال: هذا في الأقوال فإن الصدق خصلة محمودة، ولهذا كان بعض الصحابة ﵃ لم تجرّب عليه كذبة، لا في الجاهلية ولا في الإسلام، وهو علامة على الإيمان، كما أن الكذب أمارة على النفاق وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِراتِ على الطاعات، وعن السيئات، وعلى الامتحانات، قال ابن كثير: (هذه سجية الأثبات وهي الصبر على المصائب، والعلم بأنّ المقدّر كائن لا محالة، وتلقي ذلك بالصبر والثبات، وإنما الصبر عند الصدمة الأولى: أي أصعبه في أول وهلة، ثم ما بعده أسهل منه، وهو صدق السجيّة وثباتها) وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ أي المتواضعين لله بالقلوب والجوارح، أو الخائفين. قال ابن كثير: (الخشوع: السكون والطمأنينة، والتؤدة والوقار، والتواضع، والحامل

стр. 4199

عليه الخوف من الله تعالى، ومراقبته) وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ فرضا ونفلا وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِماتِ قال ابن كثير: (في الحديث الذي رواه ابن ماجه: «والصوم زكاة البدن» أي يزكّيه ويطهّره وينقّيه من الأخلاط الرديئة طبعا وشرعا .. ) ويدخل في الصوم هنا صوم الفريضة والنافلة، ومن ثمّ قال سعيد بن جبير: من صام رمضان وثلاثة أيام من كل شهر دخل في قوله تعالى: وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِماتِ ولما كان الصوم من أكبر العون على كسر الشهوة ناسب أن يذكر بعده وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ عما لا يحلّ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ قال النسفي: (بالتسبيح والتحميد، والتهليل والتكبير، وقراءة القرآن، والاشتغال بالعلم من الذكر) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ أي هيّأ مَغْفِرَةً منه لذنوبهم وَأَجْراً عَظِيماً وهو الجنة. والمعنى: أن الجامعين والجامعات لهذه الطّاعات أعدّ الله لهم مغفرة وأجرا عظيما على طاعاتهم. ... كلمة في السياق: بعد أن أمر الله تعالى نساء رسوله ﵊ وهن القدوة العليا للمسلمات بما أمر ذكر في الآية الأخيرة الخصائص العليا لكل مسلم ومسلمة، وما أعدّه الله لمن اجتمعت له هذه الخصائص، ولما كان أول هذه الخصائص الإسلام تأتي بعد ذلك آية تبيّن مظهرا من مظاهر هذا الإسلام. ... وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ أي وما صح لرجل مؤمن، ولا امرأة مؤمنة إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً من الأمور أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ أي أن يختاروا من أمرهم ما شاءوا، بل من واجبهم أن يجعلوا رأيهم تبعا لرأيه، واختيارهم تلوا لاختياره. قال ابن كثير: (فهذه الآية عامّة في جميع الأمور؛ وذلك أنه إذا حكم الله ورسوله بشيء فليس لأحد مخالفته، ولا اختيار لأحد هاهنا، ولا رأي ولا قول ... ولهذا شدد في خلاف ذلك فقال: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِيناً) قال النسفي: (فإن كان العصيان عصيان رد وامتناع عن القبول فهو ضلال كفر، وإن كان عصيان فعل مع قبول الأمر واعتقاد الوجوب فهو ضلال خطأ وفسوق).

стр. 4200

كلمة في السياق: ١ - بمناسبة الآية السابقة يورد ابن كثير قوله تعالى في سورة النساء: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً لأن المقام واحد، وهذا يؤكد ما ذكرناه من أن هذا المقطع عليه طابع سورة النساء؛ فهو يفصّل في مقامها ومحورها. ٢ - بعد ما مرّ من سياق المقطع، واستقر عليه السياق من وجوب التسليم لله والرسول ﷺ يقصّ علينا الله قصة تزويجه زينب بنت جحش من رسول الله ﷺ ، بعد تطليق زيد لها. ومجئ هذه القصة في هذا السياق تعليم لنا أن الاستسلام لله هو الحكمة الخالصة، لأن الله يعلم وغيره لا يعلم، وأن الاستسلام لرسول الله ﷺ هو الحكمة الخالصة لأن رسول الله ﷺ مكلّف ومبلّغ عن الله. وفي هذا السياق يذكر الله بعض خصائص الرسل ﵈، وبعض خصائص رسوله محمد ﷺ ، وكل ذلك لتعميق معنى الاستسلام لله ورسوله، ومن ثمّ ندرك جهل وسفه المبشّرين النصارى والمستشرقين إذ جعلوا من الآيات التالية محل طعن على رسول الله ﷺ ، وما ذلك إلا من عمى القلب؛ لأن الفهم الصحيح لها يعمّق معنى الإيمان برسول الله ﷺ ، والاستسلام له كما سنرى. ٣ - من خلال أسباب النزول نرى أن الآية السابقة مقدمة للآيات الآتية، لأنها كلها في موضوع واحد هو موضوع زيد وزينب عليهما الرضوان. ولما كانت أسباب النزول ضرورية لفهم الآيات فإننا سنذكرها هنا كفائدة مستقلة سابقة على أخواتها في نهاية المقطع كمقدمة لتفسير الآيات الآتية. .. فوائد: ١ - [سبب نزول قوله تعالى وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ .. ] في سبب نزول قوله تعالى: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ قال ابن كثير: (قال العوفي عن ابن عباس ﵄ قوله تعالى: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ الآية. وذلك أن رسول الله ﷺ انطلق ليخطب على فتاه زيد بن حارثة

стр. 4201

رضي الله عنه، فدخل على زينب بنت جحش الأسدية ﵂ فخطبها فقالت: لست بناكحته، فقال رسول الله ﷺ : «بلى فانكحيه» قالت: يا رسول الله أؤامر نفسي؟ فبينما هما يتحدثان أنزل الله هذه الآية على رسول الله ﷺ وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ الآية. قالت: قد رضيته لي يا رسول الله منكحا؟ قال رسول الله ﷺ : «نعم» قالت: إذا لا أعصي رسول الله ﷺ قد أنكحته نفسي. وقال ابن لهيعة عن أبي عمرة عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: خطب رسول الله ﷺ زينب بنت جحش لزيد بن حارثة ﵁ فاستنكفت منه، وقالت: أنا خير منه حسبا- وكانت امرأة فيها حدّة- فأنزل الله تعالى: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ الآية كلها. وهكذا قال مجاهد وقتادة ومقاتل ابن حيان أنها نزلت في زينب بنت جحش ﵂ حين خطبها رسول الله ﷺ على مولاه زيد بن حارثة ﵁ فامتنعت، ثم أجابت). وذكر ابن كثير بعد ذلك قولا آخر سنذكره فيما بعد. ٢ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ .. آية (٣٧)] وبمناسبة قوله تعالى: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ ... قال ابن كثير: (وكان رسول الله ﷺ قد زوّجه بابنة عمّته زينب بنت جحش الأسدية ﵂، وأمها أميمة بنت عبد المطلب، وأصدقها عشرة دنانير، وستين درهما، وخمارا، وملحفة، ودرعا، وخمسين مدا من طعام، وعشرة أمداد من تمر قاله مقاتل بن حيان، فمكثت عنده قريبا من سنة أو فوقها، ثم وقع بينهما، فجاء زيد يشكوها إلى رسول الله ﷺ فجعل رسول الله ﷺ يقول له: «أمسك عليك زوجك واتق الله» قال الله تعالى: وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ ذكر ابن أبي حاتم وابن جرير هاهنا آثارا عن بعض السلف ﵃، أحببنا أن نضرب عنها صفحا؛ لعدم صحتها فلا نوردها، وقد روى الإمام أحمد هاهنا أيضا حديثا من رواية حماد بن زيد عن ثابت عن أنس ﵁ فيه غرابة تركنا سياقه أيضا. وقد روى البخاري أيضا بعضه مختصرا عن أنس بن مالك قال: إن هذه الآية وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ نزلت في شأن زينب بنت جحش، وزيد بن حارثة ﵄. وروى ابن أبي حاتم عن علي بن الحسين عن الحسن في قوله تعالى: وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ فذكرت له، فقال: لا ولكن الله تعالى أعلم نبيّه أنها ستكون من أزواجه قبل أن يتزوجها، فلما أتاه زيد رضي الله عنه

стр. 4202

ليشكوها إليه قال: «اتق الله وأمسك عليك زوجك» فقال (أي الله تعالى) قد أخبرتك أني مزوجكها، وتخفي في نفسك ما الله مبديه، وهكذا روي عن السدي أنه قال نحو ذلك) اه. ... من هذين النقلين نعرف أنّ بعض الكلام الذي يقال في هذا المقام كلام ساقط لا أصل له، من مثل أنّ رسول الله ﷺ أحب زينب، فأعلمت زينب زوجها، فطلّقها من أجل رسول الله ﷺ . إن مثل هذا الكلام يشبه ما يرويه اليهود عليهم لعنة الله عن رسلهم وحاشاهم. وبهذه المناسبة أقول: إنه حيث توجد روايتان فإن المبشّرين والمستشرقين وأذنابهم يختارون الرواية المظلمة مضمونا، ولو كانت باطلة سندا، ويتركون الرواية ذات المضمون المنير وإن كانت صحيحة سندا، وللأسف فقد استطاعوا أن يضللوا بعض الناس من خلال سيطرتهم على مناهج التدريس، وعلى الإعلام، ليس فقط في قضايا العصر النبوي بل في قضايا التاريخ الإسلامي كله. وبعد هذه المقدمة فلنفسّر الآيات. ... وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بالإسلام الذي هو أجلّ النعم وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ بالإعتاق والتبنّي، ثمّ بالتولّي بأن كنت مولاه، فهو متقلّب في نعمة الله ونعمة رسوله ﷺ وهو زيد بن حارثة أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ أي زينب بنت جحش وَاتَّقِ اللَّهَ فلا تطلّقها، وهو نهي تنزيه؛ إذ الأولى ألا يطلق، قال ذلك رسول الله ﷺ لما شكا زيد من كبرها وترفّعها وإيذائها له بذلك وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ أي تخفي في نفسك نكاحها إن طلقها زيد، وهو الذي أبداه الله تعالى وأعلمه لرسوله ﷺ أن زينب ستكون من أزواجه كما رأينا وَتَخْشَى النَّاسَ أي وتخشى قالة الناس إنه نكح امرأة متبناه وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فلا تبال إذا أطعت أمر الله بشيء فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً أي حاجة وأربا، أي فلما لم يبق لزيد فيها حاجة وتقاصرت عنها همته وطلّقها وانقضت عدتها زَوَّجْناكَها قال ابن كثير: (أي لما فرغ منها وفارقها زوجناكها، وكان الذي ولي تزويجها منه هو الله ،

стр. 4203

بمعنى: أنه أوحى إليه أن يدخل عليها بلا ولي، ولا عقد، ولا مهر، ولا شهود من البشر). وسنرى ذلك في الفوائد. ثم بيّن الله حكمة ذلك لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً أي إذا أدركوا منهنّ حاجة، وبلوغ مراد وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا أي وكان أمر الله الذي يريد أن يكونه مكوّنا لا محالة، وهو مثل لما أراد كونه من تزويج رسول الله ﷺ زينب. قال ابن كثير: (أي وكان هذا الأمر الذي وقع قد قدّره الله تعالى وحتّمه، وهو كائن لا محالة، وكانت زينب في علم الله ستصير من أزواج النبي ﷺ ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ أي فيما أحل له وأمر له وهو نكاح زينب امرأة زيد، أو قدّر له من عدد النساء. قال ابن كثير: (أي فيما أحل له وأمره به من تزويج زينب ﵂ التي طلقها دعيّه زيد بن حارثة ﵁ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ أي في الأنبياء الذين مضوا من قبل. قال ابن كثير: (أي هذا حكم الله تعالى في الأنبياء قبله، لم يكن ليأمرهم بشيء وعليهم في ذلك حرج، وهذا ردّ على من توهّم من المنافقين نقصا في تزويجه امرأة زيد مولاه ودعيّه الذي كان قد تبنّاه) وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً أي قضاء مقضيا، وحكما مبتوتا. قال ابن كثير: (أي وكان أمره الذي يقدّره كائنا لا محالة، وواقعا لا محيد عنه ولا معدل، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن) الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ إلى خلقه ويؤدونها بأمانة وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ أي يخافونه ولا يخافون أحدا سواه، فلا تمنعهم سطوة أحد عن إبلاغ رسالات الله وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً أي وكفى بالله ناصرا ومعينا، أو كافيا للمخاوف، أو محاسبا على الصغيرة والكبيرة ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ أي لم يكن أبا رجل منكم حقيقة حتى يثبت بينه وبينه ما يثبت بين الأب وولده من حرمة الصهر والنكاح وَلكِنْ كان رَسُولَ اللَّهِ. وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ أي آخرهم يعني: لا ينبأ أحد بعده، وعيسى ممّن نبئ قبله، وحين ينزل ينزل عاملا بشريعة محمد ﷺ كأنه بعض أمته، وفهم من الآية أن زيدا لما كان واحدا من رجالهم الذين ليسوا بأولاده حقيقة فحكمه حكمهم في كونه داخلا في أبوة الرسول ﷺ العامّة للمؤمنين، فيما يرجع إلى وجوب التوقير، والتعظيم له عليهم، ووجوب الشفقة والنصيحة لهم عليه، لا في سائر الأحكام الثابتة بين الآباء والأبناء وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً وقد أخبر بما أخبر عنه هنا علما منه أن محمدا ﷺ لن يكون له ولد يبلغ مبالغ الرجال،

стр. 4204

ومن ثمّ فالطاهر، والطيّب، والقاسم، وإبراهيم، توفّوا صبيانا، وليس بعده نبي. ... كلمة في السياق: جاءت قصة زينب ﵂ في سياق المقطع الثالث فأدّت مجموعة معان في محلها: ١ - أرتنا أن زواج الرسول ﷺ مسألة يتدخل فيها الله تدخلا مباشرا، ومن ثمّ فإنّ هذا درس لنساء الرسول ﷺ في معرفة ذلك، ودرس للمؤمنين فيعطوا هذا الموضوع حقه من الفهم والعلم والاحترام والتوقير، وهذا أول مظاهر ارتباط الآيات الأخيرة بمقطعها. ٢ - أرتنا الآيات حكمة زواج الرسول ﷺ بزينب؛ وفي ذلك درس أن رسول الله ﷺ إذا تزوج فإنّه يفعل ذلك لحكمة، وهذا يقتضي من أزواجه أدبا، ومن المؤمنين معرفة وأدبا وتسليما. ٣ - تعطينا هذه الآيات نموذجا من نماذج التربية الربانية لرسول الله ﷺ في سياق السّورة المبدوءة بالأمر بالتقوى، والاتباع، ورفض طاعة الكافرين والمنافقين، والتوكل؛ فترينا موضوعا تطبيقيا لكيفية أن أمر الله فيه المصلحة الخالصة الكاملة؛ ومن ثم فلا ينبغي لأحد أن يتلكّأ عنه مهما كانت الضغوط الاجتماعية الكافرة والمنافقة عنيفة. ٤ - كما تعطينا الآيات دروسا في الإيمان والإسلام، والمواصفات العليا للمسلم الكامل الذي مرت مواصفاته في آية إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ كما تعطينا درسا عمليا في مواقف المسلمين الكاملين في التسليم في كل حال، والطاعة في كل حال، والصبر على كل حال. وعلى هذا فالمقطع يتكامل في بدايته ونهايته ووسطه، إذ ارتقى بالمسلم والمسلمة إلى الكمال من خلال الأوامر والتقرير والعرض. وسنذكر في الفوائد تعليقات لها علاقة في السياق تأتي في محلها. فلننقل بعض فوائد المقطع: ...

стр. 4205

فوائد: ١ - [روايات في سبب نزول آية يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ .. ] في سبب نزول قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها وفي ما فعله الرسول ﷺ في التخيير نذكر هذه الروايات: (روى البخاري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أخبرته، أن رسول الله ﷺ جاءها حين أمره الله تعالى أن يخيّر أزواجه، قالت: فبدأ بي رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: «إني ذاكر لك أمرا فلا عليك أن لا تستعجلي حتى تستأمري أبويك» وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه قالت: ثم قال: «إن الله تعالى قال: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ» إلى تمام الآيتين فقلت له: ففي أي هذا أستأمر أبوي! فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة. وكذا رواه معلقا عن أبي سلمة عن عائشة ﵂ فذكره وزاد قالت ثم فعل أزواج النبي ﷺ مثل ما فعلت). (وروى الإمام أحمد عن عائشة ﵂ قالت: خيّرنا رسول الله ﷺ فاخترناه، فلم يعدّها علينا شيئا. أخرجاه من حديث الأعمش، وروى الإمام أحمد عن جابر ﵁ قال: أقبل أبو بكر ﵁ يستأذن على رسول الله ﷺ والناس ببابه جلوس، والنبي ﷺ جالس، فلم يؤذن له، ثم أقبل عمر ﵁ فاستأذن فلم يؤذن له، ثم أذن لأبي بكر وعمر ﵄، فدخلا والنبي ﷺ جالس، وحوله نساؤه، وهو ﷺ ساكت، فقال عمر ﵁: لأكلّمنّ النبي ﷺ لعله يضحك، فقال عمر ﵁: يا رسول الله لو رأيت ابنة زيد- امرأة عمر- سألتني النفقة آنفا، فوجأت عنقها فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه وقال: «هن حولي يسألنني النفقة» فقام أبو بكر ﵁ إلى عائشة ليضربها، وقام عمر ﵁ إلى حفصة كلاهما يقولان تسألان النبي ﷺ ما ليس عنده! فنهاهما رسول الله ﷺ ، فقلن: والله لا نسأل رسول الله ﷺ بعد هذا المجلس ما ليس عنده، قال: وأنزل الله الخيار، فبدأ بعائشة ﵂ فقال: «إني أذكر لك أمرا ما أحب أن تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك» قالت: وما هو؟ قال فتلا عليها يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ الآية. قالت عائشة ﵂: أفيك أستأمر أبوي؟ بل أختار الله تعالى ورسوله، وأسألك أن لا تذكر لامرأة من نسائك ما اخترت، فقال ﷺ : «إن الله تعالى لم يبعثني معنّفا، ولكن بعثني معلّما ميسرا،
следующие страницы →