← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 4201–4240 · переход к 4206.

стр. 4201

رضي الله عنه، فدخل على زينب بنت جحش الأسدية ﵂ فخطبها فقالت: لست بناكحته، فقال رسول الله ﷺ : «بلى فانكحيه» قالت: يا رسول الله أؤامر نفسي؟ فبينما هما يتحدثان أنزل الله هذه الآية على رسول الله ﷺ وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ الآية. قالت: قد رضيته لي يا رسول الله منكحا؟ قال رسول الله ﷺ : «نعم» قالت: إذا لا أعصي رسول الله ﷺ قد أنكحته نفسي. وقال ابن لهيعة عن أبي عمرة عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: خطب رسول الله ﷺ زينب بنت جحش لزيد بن حارثة ﵁ فاستنكفت منه، وقالت: أنا خير منه حسبا- وكانت امرأة فيها حدّة- فأنزل الله تعالى: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ الآية كلها. وهكذا قال مجاهد وقتادة ومقاتل ابن حيان أنها نزلت في زينب بنت جحش ﵂ حين خطبها رسول الله ﷺ على مولاه زيد بن حارثة ﵁ فامتنعت، ثم أجابت). وذكر ابن كثير بعد ذلك قولا آخر سنذكره فيما بعد. ٢ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ .. آية (٣٧)] وبمناسبة قوله تعالى: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ ... قال ابن كثير: (وكان رسول الله ﷺ قد زوّجه بابنة عمّته زينب بنت جحش الأسدية ﵂، وأمها أميمة بنت عبد المطلب، وأصدقها عشرة دنانير، وستين درهما، وخمارا، وملحفة، ودرعا، وخمسين مدا من طعام، وعشرة أمداد من تمر قاله مقاتل بن حيان، فمكثت عنده قريبا من سنة أو فوقها، ثم وقع بينهما، فجاء زيد يشكوها إلى رسول الله ﷺ فجعل رسول الله ﷺ يقول له: «أمسك عليك زوجك واتق الله» قال الله تعالى: وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ ذكر ابن أبي حاتم وابن جرير هاهنا آثارا عن بعض السلف ﵃، أحببنا أن نضرب عنها صفحا؛ لعدم صحتها فلا نوردها، وقد روى الإمام أحمد هاهنا أيضا حديثا من رواية حماد بن زيد عن ثابت عن أنس ﵁ فيه غرابة تركنا سياقه أيضا. وقد روى البخاري أيضا بعضه مختصرا عن أنس بن مالك قال: إن هذه الآية وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ نزلت في شأن زينب بنت جحش، وزيد بن حارثة ﵄. وروى ابن أبي حاتم عن علي بن الحسين عن الحسن في قوله تعالى: وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ فذكرت له، فقال: لا ولكن الله تعالى أعلم نبيّه أنها ستكون من أزواجه قبل أن يتزوجها، فلما أتاه زيد رضي الله عنه

стр. 4202

ليشكوها إليه قال: «اتق الله وأمسك عليك زوجك» فقال (أي الله تعالى) قد أخبرتك أني مزوجكها، وتخفي في نفسك ما الله مبديه، وهكذا روي عن السدي أنه قال نحو ذلك) اه. ... من هذين النقلين نعرف أنّ بعض الكلام الذي يقال في هذا المقام كلام ساقط لا أصل له، من مثل أنّ رسول الله ﷺ أحب زينب، فأعلمت زينب زوجها، فطلّقها من أجل رسول الله ﷺ . إن مثل هذا الكلام يشبه ما يرويه اليهود عليهم لعنة الله عن رسلهم وحاشاهم. وبهذه المناسبة أقول: إنه حيث توجد روايتان فإن المبشّرين والمستشرقين وأذنابهم يختارون الرواية المظلمة مضمونا، ولو كانت باطلة سندا، ويتركون الرواية ذات المضمون المنير وإن كانت صحيحة سندا، وللأسف فقد استطاعوا أن يضللوا بعض الناس من خلال سيطرتهم على مناهج التدريس، وعلى الإعلام، ليس فقط في قضايا العصر النبوي بل في قضايا التاريخ الإسلامي كله. وبعد هذه المقدمة فلنفسّر الآيات. ... وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بالإسلام الذي هو أجلّ النعم وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ بالإعتاق والتبنّي، ثمّ بالتولّي بأن كنت مولاه، فهو متقلّب في نعمة الله ونعمة رسوله ﷺ وهو زيد بن حارثة أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ أي زينب بنت جحش وَاتَّقِ اللَّهَ فلا تطلّقها، وهو نهي تنزيه؛ إذ الأولى ألا يطلق، قال ذلك رسول الله ﷺ لما شكا زيد من كبرها وترفّعها وإيذائها له بذلك وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ أي تخفي في نفسك نكاحها إن طلقها زيد، وهو الذي أبداه الله تعالى وأعلمه لرسوله ﷺ أن زينب ستكون من أزواجه كما رأينا وَتَخْشَى النَّاسَ أي وتخشى قالة الناس إنه نكح امرأة متبناه وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فلا تبال إذا أطعت أمر الله بشيء فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً أي حاجة وأربا، أي فلما لم يبق لزيد فيها حاجة وتقاصرت عنها همته وطلّقها وانقضت عدتها زَوَّجْناكَها قال ابن كثير: (أي لما فرغ منها وفارقها زوجناكها، وكان الذي ولي تزويجها منه هو الله ،

стр. 4203

بمعنى: أنه أوحى إليه أن يدخل عليها بلا ولي، ولا عقد، ولا مهر، ولا شهود من البشر). وسنرى ذلك في الفوائد. ثم بيّن الله حكمة ذلك لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً أي إذا أدركوا منهنّ حاجة، وبلوغ مراد وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا أي وكان أمر الله الذي يريد أن يكونه مكوّنا لا محالة، وهو مثل لما أراد كونه من تزويج رسول الله ﷺ زينب. قال ابن كثير: (أي وكان هذا الأمر الذي وقع قد قدّره الله تعالى وحتّمه، وهو كائن لا محالة، وكانت زينب في علم الله ستصير من أزواج النبي ﷺ ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ أي فيما أحل له وأمر له وهو نكاح زينب امرأة زيد، أو قدّر له من عدد النساء. قال ابن كثير: (أي فيما أحل له وأمره به من تزويج زينب ﵂ التي طلقها دعيّه زيد بن حارثة ﵁ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ أي في الأنبياء الذين مضوا من قبل. قال ابن كثير: (أي هذا حكم الله تعالى في الأنبياء قبله، لم يكن ليأمرهم بشيء وعليهم في ذلك حرج، وهذا ردّ على من توهّم من المنافقين نقصا في تزويجه امرأة زيد مولاه ودعيّه الذي كان قد تبنّاه) وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً أي قضاء مقضيا، وحكما مبتوتا. قال ابن كثير: (أي وكان أمره الذي يقدّره كائنا لا محالة، وواقعا لا محيد عنه ولا معدل، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن) الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ إلى خلقه ويؤدونها بأمانة وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ أي يخافونه ولا يخافون أحدا سواه، فلا تمنعهم سطوة أحد عن إبلاغ رسالات الله وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً أي وكفى بالله ناصرا ومعينا، أو كافيا للمخاوف، أو محاسبا على الصغيرة والكبيرة ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ أي لم يكن أبا رجل منكم حقيقة حتى يثبت بينه وبينه ما يثبت بين الأب وولده من حرمة الصهر والنكاح وَلكِنْ كان رَسُولَ اللَّهِ. وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ أي آخرهم يعني: لا ينبأ أحد بعده، وعيسى ممّن نبئ قبله، وحين ينزل ينزل عاملا بشريعة محمد ﷺ كأنه بعض أمته، وفهم من الآية أن زيدا لما كان واحدا من رجالهم الذين ليسوا بأولاده حقيقة فحكمه حكمهم في كونه داخلا في أبوة الرسول ﷺ العامّة للمؤمنين، فيما يرجع إلى وجوب التوقير، والتعظيم له عليهم، ووجوب الشفقة والنصيحة لهم عليه، لا في سائر الأحكام الثابتة بين الآباء والأبناء وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً وقد أخبر بما أخبر عنه هنا علما منه أن محمدا ﷺ لن يكون له ولد يبلغ مبالغ الرجال،

стр. 4204

ومن ثمّ فالطاهر، والطيّب، والقاسم، وإبراهيم، توفّوا صبيانا، وليس بعده نبي. ... كلمة في السياق: جاءت قصة زينب ﵂ في سياق المقطع الثالث فأدّت مجموعة معان في محلها: ١ - أرتنا أن زواج الرسول ﷺ مسألة يتدخل فيها الله تدخلا مباشرا، ومن ثمّ فإنّ هذا درس لنساء الرسول ﷺ في معرفة ذلك، ودرس للمؤمنين فيعطوا هذا الموضوع حقه من الفهم والعلم والاحترام والتوقير، وهذا أول مظاهر ارتباط الآيات الأخيرة بمقطعها. ٢ - أرتنا الآيات حكمة زواج الرسول ﷺ بزينب؛ وفي ذلك درس أن رسول الله ﷺ إذا تزوج فإنّه يفعل ذلك لحكمة، وهذا يقتضي من أزواجه أدبا، ومن المؤمنين معرفة وأدبا وتسليما. ٣ - تعطينا هذه الآيات نموذجا من نماذج التربية الربانية لرسول الله ﷺ في سياق السّورة المبدوءة بالأمر بالتقوى، والاتباع، ورفض طاعة الكافرين والمنافقين، والتوكل؛ فترينا موضوعا تطبيقيا لكيفية أن أمر الله فيه المصلحة الخالصة الكاملة؛ ومن ثم فلا ينبغي لأحد أن يتلكّأ عنه مهما كانت الضغوط الاجتماعية الكافرة والمنافقة عنيفة. ٤ - كما تعطينا الآيات دروسا في الإيمان والإسلام، والمواصفات العليا للمسلم الكامل الذي مرت مواصفاته في آية إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ كما تعطينا درسا عمليا في مواقف المسلمين الكاملين في التسليم في كل حال، والطاعة في كل حال، والصبر على كل حال. وعلى هذا فالمقطع يتكامل في بدايته ونهايته ووسطه، إذ ارتقى بالمسلم والمسلمة إلى الكمال من خلال الأوامر والتقرير والعرض. وسنذكر في الفوائد تعليقات لها علاقة في السياق تأتي في محلها. فلننقل بعض فوائد المقطع: ...

стр. 4205

فوائد: ١ - [روايات في سبب نزول آية يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ .. ] في سبب نزول قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها وفي ما فعله الرسول ﷺ في التخيير نذكر هذه الروايات: (روى البخاري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أخبرته، أن رسول الله ﷺ جاءها حين أمره الله تعالى أن يخيّر أزواجه، قالت: فبدأ بي رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: «إني ذاكر لك أمرا فلا عليك أن لا تستعجلي حتى تستأمري أبويك» وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه قالت: ثم قال: «إن الله تعالى قال: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ» إلى تمام الآيتين فقلت له: ففي أي هذا أستأمر أبوي! فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة. وكذا رواه معلقا عن أبي سلمة عن عائشة ﵂ فذكره وزاد قالت ثم فعل أزواج النبي ﷺ مثل ما فعلت). (وروى الإمام أحمد عن عائشة ﵂ قالت: خيّرنا رسول الله ﷺ فاخترناه، فلم يعدّها علينا شيئا. أخرجاه من حديث الأعمش، وروى الإمام أحمد عن جابر ﵁ قال: أقبل أبو بكر ﵁ يستأذن على رسول الله ﷺ والناس ببابه جلوس، والنبي ﷺ جالس، فلم يؤذن له، ثم أقبل عمر ﵁ فاستأذن فلم يؤذن له، ثم أذن لأبي بكر وعمر ﵄، فدخلا والنبي ﷺ جالس، وحوله نساؤه، وهو ﷺ ساكت، فقال عمر ﵁: لأكلّمنّ النبي ﷺ لعله يضحك، فقال عمر ﵁: يا رسول الله لو رأيت ابنة زيد- امرأة عمر- سألتني النفقة آنفا، فوجأت عنقها فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه وقال: «هن حولي يسألنني النفقة» فقام أبو بكر ﵁ إلى عائشة ليضربها، وقام عمر ﵁ إلى حفصة كلاهما يقولان تسألان النبي ﷺ ما ليس عنده! فنهاهما رسول الله ﷺ ، فقلن: والله لا نسأل رسول الله ﷺ بعد هذا المجلس ما ليس عنده، قال: وأنزل الله الخيار، فبدأ بعائشة ﵂ فقال: «إني أذكر لك أمرا ما أحب أن تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك» قالت: وما هو؟ قال فتلا عليها يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ الآية. قالت عائشة ﵂: أفيك أستأمر أبوي؟ بل أختار الله تعالى ورسوله، وأسألك أن لا تذكر لامرأة من نسائك ما اخترت، فقال ﷺ : «إن الله تعالى لم يبعثني معنّفا، ولكن بعثني معلّما ميسرا،

стр. 4206

لا تسألني امرأة منهن عما اخترت إلا خبّرتها» انفرد بإخراجه مسلم دون البخاري فرواه هو والنسائي من حديث زكريا بن إسحاق المكي به). قال ابن كثير: (قال عكرمة وكان تحته يومئذ تسع نسوة، خمس من قريش: عائشة، وحفصة، وأم حبيبة، وسودة، وأم سلمة، ﵅، وكانت تحته ﷺ صفية بنت حيي النضيرية، وميمونة بنت الحارث الهلالية، وزينب بنت جحش الأسدية، وجويرية بنت الحارث المصطلقية، ﵅ وأرضاهن أجمعين). ٢ - [كلام ابن كثير والمؤلف وصاحب الظلال حول قوله تعالى وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ .. ] بمناسبة قوله تعالى: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ قال ابن كثير: (أي الزمن بيوتكن فلا تخرجن لغير حاجة، ومن الحوائج الشرعية الصلاة في المسجد بشرطه، كما قال رسول الله ﷺ : «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وليخرجن وهنّ تفلات- وفي رواية- وبيوتهن خير لهن». وروى الحافظ أبو بكر البزار عن أنس ﵁ قال: جئن النساء إلى رسول الله ﷺ فقلن: يا رسول الله ذهب الرجال بالفضل والجهاد في سبيل الله تعالى، فما لنا عمل ندرك به عمل المجاهدين في سبيل الله تعالى، فقال رسول الله ﷺ : «من قعدت- أو كلمة نحوها- منكن في بيتها فإنها تدرك عمل المجاهدين في سبيل الله تعالى». ثم قال: لا نعلم رواه عن ثابت إلا روح ابن المسيب وهو رجل من أهل البصرة مشهور. وروى البزار أيضا عن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان، وأقرب ما تكون بروحة ربها وهي في قعر بيتها». ورواه الترمذي. وروى البزار بإسناده المتقدم وأبو داود أيضا عن النبي ﷺ قال: «صلاة المرأة في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها، وصلاتها في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها». وهذا إسناد جيد). أقول: ومن الحوائج الشرعية زيارة أبيها وأمها، ومن الحوائج الشرعية خروجها لطلب العلم المفروض فرض عين أو فرض كفاية بشرطه، ومن الحوائج الشرعية خروجها لسؤال عالم لم يستطع زوجها أن يكفيها مئونة سؤاله، ومن الحوائج الشرعية قيامها بخدمة نفسها إذا لم تجد من يكفيها ... قال صاحب الظلال في قوله تعالى: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ: (من وقر، يقر. أي ثقل واستقر. وليس معنى هذا الأمر ملازمة البيوت

стр. 4207

فلا يبرحنها إطلاقا. إنما هي إيماءة لطيفة إلى أن يكون البيت هو الأصل في حياتهن، وهو المقر. وما عداه استثناء طارئ لا يثقلن فيه ولا يستقررن. إنما الحاجة تقضى. وبقدرها. والبيت هو مثابة المرأة التي تجد فيها نفسها على حقيقتها كما أرادها الله تعالى. غير مشوهة ولا منحرفة ولا ملوثة، ولا مكدودة في غير وظيفتها التي هيأها الله لها بالفطرة. «ولكي يهيئ الإسلام للبيت جوه ويهيئ للفراخ الناشئة فيه رعايتها، أوجب على الرجل النفقة، وجعلها فريضة، كي يتاح للأم من الجهد، ومن الوقت، ومن هدوء البال، ما تشرف به على هذه الفراخ الزغب، وما تهيأ به للمثابة نظامها وعطرها وبشاشتها. فالأم المكدودة بالعمل للكسب، المرهقة بمقتضيات العمل، المقيدة بمواعيده، المستغرقة الطاقة فيه .. لا يمكن أن تهب للبيت جوه وعطره، ولا يمكن أن تمنح الطفولة النابتة فيه حقها ورعايتها. وبيوت الموظفات والعاملات ما تزيد على جو الفنادق والخانات؛ وما يشيع فيها ذلك الأرج الذي يشيع في البيت. فحقيقة البيت لا توجد إلا أن تخلقها امرأة، وأرج البيت لا يفوح إلا أن تطلقه زوجة، وحنان البيت لا يشيع إلا أن تتولاه أم. والمرأة أو الزوجة أو الأم التي تقضي وقتها وجهدها وطاقتها الروحية في العمل لن تطلق في جو البيت إلا الإرهاق والكلال والملال. وإن خروج المرأة لتعمل كارثة على البيت قد تبيحها الضرورة. أما أن يتطوّع بها الناس وهم قادرون على اجتنابها، فتلك هي اللعنة التي تصيب الأرواح والضمائر والعقول، في عصور الانتكاس والشرور والضلال. فأما خروج المرأة لغير العمل. خروجها للاختلاط ومزاولة الملاهي. والتسكّع في النوادي والمجتمعات ... فذلك هو الارتكاس في الحمأة الذي يرد البشر إلى مراتع الحيوان! ولقد كان النساء على عهد رسول الله- ﷺ يخرجن للصلاة غير ممنوعات شرعا من هذا. ولكنه كان زمان فيه عفة، وفيه تقوى. وكانت المرأة تخرج إلى الصلاة متلفعة لا يعرفها أحد، ولا يبرز من مفاتنها شئ. ومع هذا فقد كرهت عائشة لهن أن يخرجن بعد وفاة رسول الله- ﷺ ! في الصحيحين عن عائشة- ﵂ أنها قالت: «كان نساء المؤمنين يشهدن الفجر مع رسول الله- ﷺ ثم يرجعن متلفعات بمروطهن ما يعرفن

стр. 4208

من الغلس. وفي الصحيحين أيضا أنها قالت: لو أدرك رسول الله- ﷺ ما أحدث النساء لمنعهن من المساجد، كما منعت نساء بني إسرائيل! فماذا أحدث النساء في حياة عائشة- ﵂؟ وماذا كان يمكن أن يحدثن حتى ترى أن رسول الله- ﷺ كان مانعهن من الصلاة؟! ماذا بالقياس إلى ما نراه في هذه الأيام؟!). ٣ - [تحقيق المؤلف حول كون أزواج النبي ﷺ من أهل بيته بمناسبة الآية (٣٣)] رأينا في تفسير قوله تعالى: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ أنّ هذه الآية تدل على أن أزواجه ﵊ من أهل بيته، وكونها في أزواجه ﵊ لا يعني أن آل البيت هنا لا يراد بها إلا أزواجه ﵊. فكلمة آل البيت كلمة أعمّ، وسياق ورودها هو الذي يحدّد ما يدخل فيها. وفي هذه الآية قال ابن كثير: (وقوله تعالى: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ... نص في دخول أزواج النبي ﷺ في أهل البيت هاهنا؛ لأنهن سبب نزول هذه الآية، وسبب النزول داخل فيه قولا واحدا، إما وحده على قول، أو مع غيره على الصحيح. وروى ابن جرير عن عكرمة أنه كان ينادي في السوق إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً. نزلت في نساء النبي ﷺ خاصة، وهكذا روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ قال: نزلت في نساء النبي ﷺ خاصة، وقال عكرمة: من شاء باهلته أنّها نزلت في شأن نساء النبي ﷺ فإن كان المراد أنهن كن سبب النزول دون غيرهن فصحيح، وإن أريد أنهن المراد فقط دون غيرهن ففي هذا نظر؛ فإنه قد وردت أحاديث تدل على أن المراد أعمّ من ذلك). ثمّ ذكر ابن كثير أحاديث كثيرة تدلّ على ذلك، وختم كلامه بذكر رواية تخصّص غير نسائه ﷺ بلقب أهل البيت وعلّق على ذلك قال: (روى مسلم في صحيحه عن يزيد بن حبان قال: انطلقت أنا وحصين بن سبرة وعمرو بن مسلمة إلى زيد بن أرقم ﵁، فلما جلسنا إليه قال له حصين لقد لقيت يا زيد خيرا كثيرا، رأيت رسول الله ﷺ ، وسمعت حديثه، وغزوت معه، وصليت خلفه، لقد لقيت يا زيد خيرا كثيرا. حدّثنا يا زيد ما سمعت من رسول الله قال: يا ابن أخي والله لقد كبرت سني، وقدم عهدي، ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله ﷺ ،

стр. 4209

فما حدثتكم فاقبلوا، وما لا فلا تكلّفوا فيه، ثم قال: قام فينا رسول الله ﷺ يوما خطيبا بماء يدعى خمّا بين مكة والمدينة، فحمد الله تعالى، وأثنى عليه، ووعظ وذكّر، ثم قال: «أما بعد ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولها كتاب الله تعالى، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به- فحث على كتاب الله ورغّب فيه- ثم قال: وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي» ثلاثا. فقال له حصين: ومن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده، قال: ومن هم؟ قال: هم آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس ﵃، قال: كل هؤلاء حرم الصدقة بعده؟ قال: نعم. ثم رواه عن محمد بن الريان عن حسان بن إبراهيم عن سعيد بن مسروق عن يزيد بن حبان عن زيد بن أرقم ﵁ فذكر الحديث بنحو ما تقدم وفيه: فقلت له: من أهل بيته نساؤه؟ قال: لا، وايم الله إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر، ثم يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها، أهل بيته أصله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده. هكذا وقع في هذه الرواية، والأولى أولى، والأخذ بها أحرى. وهذه الثانية تحتمل أنه أراد تفسير الأهل المذكورين في الحديث الذي رواه إنما المراد بهم آله الذين حرموا الصدقة، أو أنّه ليس المراد بالأهل الأزواج فقط، بل هم مع آله، وهذا الاحتمال أرجح جمعا بينها وبين الرواية التي قبلها، وجمعا أيضا بين القرآن والأحاديث المتقدمة- إن صحت-؛ فإن في بعض أسانيدها نظرا والله أعلم، ثم الذي لا شك فيه من تدبر القرآن أن نساء النبي ﷺ داخلات في قوله تعالى إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً فإن سياق الكلام معهن ولهذا قال تعالى بعد هذا كله: وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ أي واعملن بما ينزل الله ﵎ على رسوله ﷺ في بيوتكن من الكتاب والسنة. قاله قتادة وغير واحد: واذكرن هذه النعمة التي خصصتن بها من بين الناس، أن الوحي ينزل في بيوتكن دون سائر الناس، وعائشة الصديقة بنت الصديق ﵄ أولاهن بهذه النعمة، وأحظاهن بهذه الغنيمة، وأخصهن من هذه الرحمة العميمة، فإنه لم ينزل على رسول الله ﷺ الوحي في فراش امرأة سواها، كما نص على ذلك صلوات الله وسلامه عليه، قال بعض العلماء: لأنه لم يتزوج بكرا سواها، ولم ينم معها رجل في فراشها سواه ﷺ ، ورضي الله عنها فناسب أن تخصص بهذه المزية، وأن تفرد بهذه المرتبة العلية، وإذا

стр. 4210

كان أزواجه من أهل بيته فقرابته أحق بهذه التسمية كما تقدم في الحديث «وأهل بيتي أحق». ٤ - [كلام النسفي حول حكم التخيير في الطلاق] وما حكم التخيير في الطلاق، أي لو قال قائل لزوجته: اختاري نفسك. قال النسفي: (وحكم التخيير في الطلاق أنه إذا قال لها اختاري فقالت: اخترت نفسي أن تقع تطليقة بائنة، وإذا اختارت زوجها لم يقع شيء وعن علي ﵁ إذا اختارت زوجها فواحدة رجعية، وإن اختارت نفسها فواحدة بائنة) على خلاف في ذلك بين العلماء .. [٥، ٦ - سبب نزول آية إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ .. وكلام ابن كثير حولها] ٥ - في سبب نزول قوله تعالى: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ روى الإمام أحمد عن أم سلمة زوج النبي ﷺ قالت: قلت للنبي ﷺ : ما لنا لا نذكر في القرآن كما يذكر الرجال؟ قالت: فلم يرعني منه ذات يوم إلا ونداؤه على المنبر، قالت: وأنا أسرّح شعري، فلففت شعري ثم خرجت إلى حجرتي- حجرة بيتي- فجعلت سمعي عند الجريد، فإذا هو يقول عند المنبر «يا أيها الناس إن الله تعالى يقول إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ» إلى آخر الآية وهكذا رواه النسائي وابن جرير من حديث عبد الواحد بن زياد به. وروى النسائي أيضا عن أم سلمة ﵂ قالت للنبي ﷺ : يا نبي الله ما لي أسمع الرجال يذكرون في القرآن والنساء لا يذكرن؟ فأنزل الله تعالى: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وقد رواه ابن جرير عن أم سلمة ﵂ قالت: قلت يا رسول الله أيذكر الرجال في كل شئ ولا نذكر؟ فأنزل الله تعالى: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ الآية. ٦ - عند قوله تعالى: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ قال ابن كثير: (فقوله تعالى: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ دليل على أن الإيمان خير، والإسلام هو أخص منه لقوله تعالى: قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات: ١٤] وفي الصحيحين: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» فيسلبه الإيمان ولا يلزم من ذلك كفره بإجماع المسلمين، فدل على أنه أخص منه كما قررناه في أول شرح البخاري). ٧ - [كلام ابن كثير بمناسبة قوله تعالى وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ] عند قوله تعالى: وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ قال ابن كثير:

стр. 4211

(روى ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ قال: «إذا أيقظ الرجل امرأته من الليل فصليا ركعتين كانا تلك الليلة من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات» وقد رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث الأعمش ... عن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ عن النبي ﷺ بمثله. وروى الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: قلت يا رسول الله أي العباد أفضل درجة عند الله تعالى يوم القيامة؟ قال ﷺ : «الذاكرون الله كثيرا والذاكرات» قال: قلت: يا رسول الله ومن الغازي في سبيل الله تعالى؟ قال: «لو ضرب بسيفه في الكفار والمشركين حتى ينكسر ويختضب دما لكان الذاكرون الله تعالى أفضل منه». وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يسير في طريق مكة فأتى على جمدان فقال: «هذا جمدان سيروا فقد سبق المفردون» قالوا وما المفردون؟ قال ﷺ : «الذاكرون الله كثيرا والذاكرات» ثم قال ﷺ : «اللهم اغفر للمحلّقين» قالوا: والمقصرين. قال ﷺ : «اللهم اغفر للمحلّقين» قالوا: والمقصرين. قال: «والمقصرين» تفرّد به من هذا الوجه ورواه مسلم دون آخره. وقال الإمام أحمد عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ : «ما عمل آدمي عملا قط أنجى له من عذاب الله تعالى من ذكر الله » وقال معاذ ﵁ قال رسول الله ﷺ : «ألا أخبركم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من تعاطي الذهب والفضة، ومن أن تلقوا عدوكم غدا فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟» قالوا: بلى يا رسول الله قال ﷺ : «ذكر الله » وروى الإمام أحمد عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: إن رجلا سأله فقال: أي المجاهدين أعظم أجرا يا رسول الله؟ قال ﷺ : «أكثرهم لله تعالى ذكرا» قال: فأي الصائمين أكثر أجرا؟ قال ﷺ : «أكثرهم لله ذكرا» ثم ذكر الصلاة، والزكاة، والحج، والصدقة، وكل ذلك يقول رسول الله ﷺ : «أكثرهم لله ذكرا» فقال أبو بكر لعمر ﵄: ذهب الذاكرون بكل خير فقال رسول الله ﷺ : «أجل»). ٨ - [سبب نزول آية وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ .. ] رأينا أن سبب نزول قوله تعالى: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ هو قصة زينب وزيد ﵄ كما ذكرناها، إلا أن بعضهم يذكر سببا آخر. وقد ذكر ابن كثير الرواية الأخرى، وعلّق عليها، وذكر بمناسبة الآية بعض القصص قال:

стр. 4212

(وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: نزلت في أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ﵂، وكانت أول من هاجر من النساء- يعني بعد صلح الحديبية- فوهبت نفسها للنبي ﷺ فقال: قد قبلت، فزوجها زيد بن حارثة ﵁ يعني والله أعلم بعد فراقه زينب، فسخطت هي وأخوها، وقال: إنما أردنا رسول الله ﷺ ، فزوجنا عبده، قال: فنزل القرآن وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً إلى آخر الآية قال: وجاء أمر أجمع من هذا النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ قال: فذاك خاص وهذا أجمع. وروى الإمام أحمد عن أنس ﵁ قال: خطب النبي ﷺ على جليبيب امرأة من الأنصار إلى أبيها فقال: حتى أستأمر أمّها فقال النبي ﷺ : «فنعم إذا» قال: فانطلق الرجل إلى امرأته، فذكر ذلك لها فقالت: لاها الله إذن ما وجد رسول الله ﷺ إلا جليبيبا وقد منعناها من فلان وفلان، قال:- والجارية في سترها تسمع- قال: فانطلق الرجل يريد أن يخبر رسول الله ﷺ بذلك، فقالت الجارية: أتريدون أن تردوا على رسول الله ﷺ أمره، إن كان قد رضيه لكم فأنكحوه، قال: فكأنها جلت عن أبويها وقالا: صدقت فذهب أبوها إلى رسول الله ﷺ فقال: إن كنت رضيته فقد رضيناه قال ﷺ : «فإني قد رضيته»، قال: فزوجها، ثم فزع أهل المدينة فركب جليبيب فوجدوه قد قتل، وحوله ناس من المشركين قد قتلهم، قال أنس ﵁: فلقد رأيتها وإنها لمن أنفق بنت بالمدينة. ... قال ثابت ﵁: فما كان في الأنصار أيم أنفق منها. وحدث إسحاق ابن عبد الله بن أبي طلحة ثابتا: هل تعلم ما دعا لها رسول الله ﷺ ؟ فقال: قال: «اللهم صبّ عليها صبّا، ولا تجعل عيشها كدّا»، وكذا كان فما كان في الأنصار أيّم أنفق منها. هكذا أورده الإمام أحمد بطوله، وأخرج منه مسلم والنسائي في الفضائل قصة قتله. وذكر الحافظ أبو عمر بن عبد البر في الاستيعاب: أن الجارية لما قالت في خدرها: أتردّون على رسول الله ﷺ أمره؟ نزلت هذه الآية وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ. وقال ابن جريج: أخبرني عامر بن مصعب عن طاوس قال: إنه سأل ابن عباس عن ركعتين بعد العصر فنهاه، وقرأ ابن عباس ﵄: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا

стр. 4213

قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ فهذه الآية عامة في جميع الأمور، وذلك أنه إذا حكم الله ورسوله بشيء فليس لأحد مخالفته، ولا اختيار لأحد هاهنا، ولا رأي ولا قول. كما قال ﵎: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً. وفي الحديث: «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به». ولهذا شدّد في خلاف ذلك فقال: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِيناً كقوله تعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ. ٩ - [كلام ابن كثير عن زيد- ﵁ -] وبمناسبة الكلام عن زيد في الآيات قال ابن كثير عنه: (وكان سيدا كبير الشأن، جليل القدر، حبيبا إلى النبي ﷺ يقال له الحبّ، ويقال لابنه أسامة الحبّ ابن الحبّ. قالت عائشة ﵂: ما بعثه رسول الله ﷺ في سرية إلا أمّره عليهم، ولو عاش بعده لاستخلفه، رواه الإمام أحمد. وروى البزار عن أسامة بن زيد قال: كنت في المسجد فأتاني العباس وعلي بن أبي طالب ﵄ فقالا: يا أسامة استأذن لنا على رسول الله ﷺ قال: فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته فقلت: علي والعباس يستأذنان. فقال ﷺ : أتدري ما حاجتهما؟ قلت: لا يا رسول. قال ﷺ : «لكني أدري». قال: فأذن لهما. قالا: يا رسول الله جئناك لتخبرنا أي أهلك أحب إليك؟ قال ﷺ : «أحب أهلي إليّ فاطمة بنت محمد» قالا: يا رسول الله ما نسألك عن فاطمة، قال ﷺ : «فأسامة بن زيد بن حارثة الذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه». ١٠ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً .. ] بمناسبة قوله تعالى: فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها قال ابن كثير: (أي لما فرغ منها وفارقها زوجناكها، وكان الذي ولي تزويجها منه هو الله . بمعنى: أنه أوحى أن يدخل عليها بلا ولي، ولا عقد، ولا مهر، ولا شهود من البشر. روى الإمام أحمد عن أنس ﵁ قال: لما انقضت عدة زينب ﵂ قال رسول الله ﷺ لزيد بن حارثة: «اذهب فاذكرها علي» فانطلق حتى أتاها وهي تخمّر عجينها. قال: فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن انظر إليها وأقول: إن رسول الله ﷺ ذكرها، فوليتها ظهري، ونكصت على عقبي، وقلت: يا زينب أبشري أرسلني رسول الله ﷺ يذكرك. قالت: ما أنا

стр. 4214

بصانعة شيئا حتى أؤامر ربي ، فقامت إلى مسجدها، ونزل القرآن، وجاء رسول الله ﷺ فدخل عليها بغير إذن، ولقد رأيتنا حين دخلت على رسول الله ﷺ أطعمنا عليها الخبز واللحم، فخرج الناس وبقي رجال يتحدثون في البيت بعد الطعام، فخرج رسول الله ﷺ واتّبعته، فجعل ﷺ يتتبّع حجر نسائه يسلّم عليهن، ويقلن يا رسول الله كيف وجدت أهلك؟ فما أدري أنا أخبرته أن القوم قد خرجوا أو أخبر. فانطلق حتى دخل البيت فذهبت أدخل معه فألقى الستر بيني وبينه، ونزل الحجاب، ووعظ القوم بما وعظوا به لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ الآية كلها. ورواه مسلم والنسائي. وقد روى البخاري ﵀ عن أنس بن مالك ﵁ قال: إن زينب بنت جحش ﵂ كانت تفخر على أزواج النبي ﷺ فتقول: زوّجكنّ أهاليكن، وزوّجني الله تعالى من فوق سبع سماوات. وقدمنا في سورة النساء عن محمد بن عبد الله بن جحش قال: تفاخرت زينب وعائشة ﵄ فقالت زينب ﵂: أنا التي نزل تزويجي من السماء. وقالت عائشة ﵂: أنا التي نزل عذري من السماء. فاعترفت لها زينب ﵂. وروى ابن جرير عن الشعبي قال: كانت زينب ﵂ تقول للنبي ﷺ : إني لأدلي عليك بثلاث: ما من نسائك امرأة تدلي بهن: إن جدي وجدك واحد، وإني أنكحنيك الله من السماء، وإن السفير جبريل ﵊. ١١ - [كلام ابن كثير حول آية لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ .. وتعليق المؤلف] بمناسبة قوله تعالى: لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً قال ابن كثير: (أي إنما أبحنا لك تزويجها، وفعلنا ذلك؛ لئلا يبقى حرج على المؤمنين في تزويج مطلقات الأدعياء، وذلك أن رسول الله ﷺ كان قبل النبوة قد تبنّى زيد بن حارثة ﵁ فكان يقال زيد بن محمد. فلما قطع الله تعالى هذه النسبة بقوله تعالى: وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ إلى قوله تعالى: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ثم زاد ذلك بيانا وتأكيدا بوقوع تزويج رسول الله ﷺ بزينب بنت جحش ﵂ لما طلقها زيد بن حارثة ﵁. ولهذا قال تعالى في آية التحريم: وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ [النساء: ٢٣] ليحترز من الابن الدّعي فإنّ ذلك كان كثيرا فيهم). أقول: لاحظنا من هذه الفائدة ومما سبقها أن هناك ثلاث قضايا في هذه السورة مترابطة فيما بينها: قضية تحريم التبني الوارد في أول السورة، وموضوع نكاح الرسول

стр. 4215

صلّى الله عليه وسلم زينب الذي هو هدم لقاعدة التبني، وموضوع عدم دخول بيت الرسول ﷺ والجلوس فيه إلا بشروط. ونلاحظ أن المعاني الثلاثة جاءت متفرقة مع أن القصة واحدة والقضية واحدة. وذلك يدلنا على أن كل معنى في القرآن إنما يوضع في محله، ليؤدّي دوره الخاص والعام، في سياق السورة الخاص والعام. فالوحدة القرآنية شئ أعمّ من وحدة الموضوع الواحد، إنّ الوحدة القرآنية لتشبه الوحدة الموجودة في هذا الكون، فلم يخلق الله الحديد وحده، ولا النحاس وحده، ولكنه خلق هذا الكون كما نراه، وجعل فيه من التناسق والتكامل ما لا ينقضي منه العجب، وكما أن الكون كتاب الله المفتوح، فالقرآن كتاب الله المقروء. وقد جعل الله في هذا القرآن من التكامل والتناسق ما لا يحاط به. ١٢ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ .. وتعليق المؤلف على ذلك] بمناسبة قوله تعالى: الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ. قال ابن كثير: (وسيد الناس في هذا المقام، بل في كل مقام محمد رسول الله ﷺ فإنه قام بأداء الرسالة، وإبلاغها إلى أهل المشارق والمغارب إلى جميع أنواع بني آدم، وأظهر الله تعالى كلمته ودينه وشرعه على جميع الأديان والشرائع فإنه قد كان النبي قبله إنما يبعث إلى قومه خاصة، وأما هو ﷺ فإنه بعث إلى جميع الخلق عربهم وعجمهم قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً [الأعراف: ١٥٨] ثم ورث مقام البلاغ عنه أمّته من بعده، فكان أعلى من قام بها بعده أصحابه ﵃؛ بلّغوا عنه كما أمرهم به في جميع أقواله وأفعاله وأحواله، في ليله ونهاره، وحضره وسفره، وسره وعلانيته، فرضي الله عنهم وأرضاهم. ثم ورثه كل خلف عن سلفهم إلى زماننا هذا. فبنورهم يقتدي المهتدون، وعلى منهجهم يسلك الموفّقون. فنسأل الله الكريم المنان أن يجعلنا من خلفهم. روى الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يحقرن أحدكم نفسه أن يرى أمرا لله فيه مقال ثم لا يقوله، فيقول الله ما يمنعك أن تقول منه؟ فيقول: رب خشيت الناس فيقول: فأنا أحق أن يخشى». ورواه ابن ماجه. أقول: وقد دلت الآية على أن أحدا لا يستطيع أن يقوم بأعباء البلاغ كاملة إلا من خلا قلبه من خشية البشر. ١٣ - [تحقيق حول موضوع ختم النبوة والرسالة بسيدنا محمد ﷺ بمناسبة الآية (٤٠)] بمناسبة قوله تعالى: وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ أقول: إن موضوع ختم النبوة والرسالة بسيدنا محمد ﷺ موضوع معلوم من الدين

стр. 4216

بالضرورة، فهو مجمع عليه، ومنكره كافر، وقد دأب الزنادقة والملاحدة خلال العصور على محاولة التشكيك فيه؛ لفتح الطريق أمام نبوات كاذبة، رأينا نموذجا عنها في دعوة الكذاب الأشر غلام أحمد القادياني. وقد ذكر ابن كثير عند هذه الآية أحاديث تؤكد موضوع ختم النبوة. قال: (فهذه الآية نص في أنه لا نبيّ بعده ﷺ فلا رسول بالطريق الأولى والأحرى؛ لأن مقام الرسالة أخصّ من مقام النبوة، فإنّ كلّ رسول نبيّ، ولا ينعكس، وبذلك وردت الأحاديث المتواترة عن رسول الله ﷺ من حديث جماعة من الصحابة ﵃. روى الإمام أحمد عن أبي بن كعب ﵁ عن النبي ﷺ قال: «مثلي في النبيين كمثل رجل بنى دارا فأحسنها وأكملها، وترك فيها موضع لبنة لم يضعها، فجعل الناس يطوفون بالبنيان ويعجبون منه، ويقولون: لو تمّ موضع هذه اللبنة؟ فأنا في النبيين موضع تلك اللبنة». ورواه الترمذي وقال حسن صحيح. (حديث آخر) روى الإمام أحمد عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الرسالة والنبوة قد انقطعت فلا رسول بعدي ولا نبي». قال فشق ذلك على الناس. فقال: «ولكن المبشّرات» قالوا: يا رسول الله وما المبشرات؟ قال: «رؤيا الرجل المسلم، وهي جزء من أجزاء النبوة» وهكذا رواه الترمذي وقال صحيح غريب. (حديث آخر) روى أبو داود الطيالسي عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل بني دارا فأكملها وأحسنها، إلا موضع لبنة، فكان من دخلها فنظر إليها قال: ما أحسنها إلا موضع هذه اللبنة، فأنا موضع اللبنة، ختم بي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام». ورواه البخاري ومسلم والترمذي وقال الترمذي: صحيح غريب من هذا الوجه. (حديث آخر) روى الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مثلي ومثل النبيين كمثل رجل بنى دارا فأتمها، إلا لبنة واحدة، فجئت أنا فأتممت تلك اللبنة». انفرد به مسلم. (حديث آخر) روى الإمام أحمد عن أبي الطفيل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا نبوة بعدي إلا المبشرات» قيل: وما المبشرات يا رسول الله؟ قال: «الرؤيا الحسنة- أو قال- الصالحة».

стр. 4217

(حديث آخر) روى الإمام أحمد ... عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل ابتنى بيوتا فأكملها وأحسنها وأجملها، إلا موضع لبنة من زاوية من زواياها، فجعل الناس يطوفون ويعجبهم البنيان ويقولون: ألا وضعت هاهنا لبنة فيتم بنيانك- قال رسول الله ﷺ : فكنت أنا اللبنة». أخرجاه من حديث عبد الرزاق. (حديث آخر) روى الإمام مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «فضّلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون» ورواه الترمذي وابن ماجه. وقال الترمذي: حسن صحيح. (حديث آخر) روى الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى دارا فأتمها، إلا موضع لبنة واحدة، فجئت أنا فأتممت تلك اللبنة». ورواه مسلم. (حديث آخر) روى الإمام أحمد عن العرباض بن سارية ﵁ قال: قال لي النبي ﷺ : «إني عند الله لخاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته». (حديث آخر) قال الزهري: أخبرني محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن لي أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله تعالى بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الذي ليس بعده نبي» أخرجاه في الصحيحين. وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو قال: خرج علينا رسول الله ﷺ يوما كالمودّع فقال: «أنا محمد النبي الأمي- ثلاثا- ولا نبي بعدي؛ أوتيت فواتح الكلم، وجوامعه، وخواتمه، وعلمت كم خزنة النار، وحملة العرش؛ وتجوّز بي، وعوفيت، وعوفيت أمتي، فاسمعوا وأطيعوا ما دمت فيكم؛ فإذا ذهب بي فعليكم بكتاب الله تعالى، أحلوا حلاله وحرموا حرامه». تفرد به الإمام أحمد. والأحاديث في هذا كثيرة، فمن رحمة الله تعالى بالعباد إرسال محمد ﷺ إليهم، ثم من تشريفه لهم ختم الأنبياء والمرسلين به، وإكمال الدين الحنيف له. وقد أخبر الله ﵎ في كتابه ورسوله ﷺ في السنة المتواترة عنه أنه لا نبي بعده؛ ليعلموا أنّ كلّ من ادّعى هذا المقام بعده فهو كذّاب أفّاك دجّال ضالّ مضلّ، ولو تحرق وشعبذ وأتى

стр. 4218

بأنواع السحر والطلاسم والنيرنجيات، فكلها محال وضلال عند أولي الألباب، كما أجرى الله على يد الأسود العنسي باليمن، ومسيلمة الكذاب باليمامة من الأحوال الفاسدة، والأقوال الباردة، ما علم كل ذي لب وفهم وحجى أنهما كاذبان ضالان، لعنهما الله، وكذلك كل مدّع لذلك إلى يوم القيامة حتى يختموا بالمسيح الدجال، فكل واحد من هؤلاء الكذابين يخلق الله تعالى معه من الأمور ما يشهد العلماء والمؤمنون بكذب من جاء بها، وهذا من تمام لطف الله تعالى بخلقه فإنهم بضرورة الواقع لا يأمرون بمعروف، ولا ينهون عن منكر، إلا على سبيل الاتفاق، أو لما لهم فيه من المقاصد إلى غيره، ويكون في غاية الإفك والفجور في أقوالهم وأفعالهم، كما قال تعالى: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ* تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ الآية [الشعراء: ٢٢١، ٢٢٢]، وهذا بخلاف حال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فإنهم في غاية البر، والصدق، والرشد، والاستقامة، والعدل فيما يقولونه، ويأمرون به، وينهون عنه، مع ما يؤيدون به من الخوارق للعادات، والأدلة الواضحات، والبراهين الباهرات، فصلوات الله وسلامه عليهم دائما مستمرا، ما دامت الأرض والسموات). قال ابن كثير: روى ابن جرير عن عائشة ﵂ أنها قالت: «لو كتم محمد ﷺ شيئا مما أوحي إليه من كتاب الله تعالى لكتم وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ». أقول: إن كلام عائشة ﵂ فيه إشارة إلى علامة من علامات نبوته ﵊، وهي ما نراه في هذا القرآن من عتاب لرسول الله ﷺ أحيانا بمثل هذا الأسلوب الفوقي المتعالي، مما يدلك- وحده- على أن هذا القرآن من عند الله ، وأن محمدا عبده ورسوله. ولننتقل إلى المقطع الرابع. ***

стр. 4219

المقطع الرابع ويمتدّ من الآية (٤١) إلى نهاية الآية (٤٤) وهذا هو: ٣٣/ ٤٤ - ٤١ كلمة في السياق: [حول صلة المقطع الرابع بسورة المائدة وبالمحور] ١ - لقد رأينا أنّ مقاطع سورة الأحزاب يتناوب فيها الخطابان: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ* يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا* ورأينا أن المقطع الذي يبدأ ب يا أَيُّهَا النَّبِيُّ* هو أشبه بسورة النساء، والمقطع الذي يبدأ ب يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا* أشبه بسورة المائدة. ٢ - لاحظ الصلة بين قوله تعالى هاهنا هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وبين قوله تعالى في المقطع الثاني من سورة المائدة: قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. ٣ - سترى صلة هذا المقطع بمحور سورة المائدة من سورة البقرة بعد الحديث عن تفسيره. التفسير: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً أي أول النهار وَأَصِيلًا أي آخره، أمر أولا بالذكر الكثير بشكل مطلق بالليل والنهار، وفي البر والبحر، وفي السفر والحضر، والغنى والفقر، والسقم والصحة، والسر والعلانية، وعلى كل حال، وخصّ البكور والأصائل بالتسبيح؛ لأن ملائكة الليل وملائكة النهار

стр. 4220

يجتمعون فيهما، والتسبيح من جملة الذكر، وخصّه الله بالذكر إبانة لفضله، لأن معناه تنزيه ذات الله تعالى عما لا يجوز عليه من الصفات، ويدخل في الذكر الصلوات، وقراءة القرآن، ومجالس العلم، والتسبيح، والتهليل، والتحميد، والتكبير، والاستغفار، والصلاة على رسول الله ﷺ ، والدعاء، والطاعات عامّة، والعبادات، وهناك حدّ أدنى من الذكر هو الفرائض، والحد الأعلى منه لا حدّ له، ولا بدّ لمريد الله تعالى من إقامة الفرائض، وأن يخصص لنفسه حدا من الأوراد والطاعات يداوم عليه. تلك كانت سنّة رسول الله ﷺ وأهل بيته، كما سنرى هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ أي هو الذي يرحمكم، ويرأف بكم وَمَلائِكَتُهُ يدعون لكم لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ من ظلمات المعصية، إلى نور الطاعة، ومن ظلمات الكفر، إلى نور الإسلام، ومن ظلمات الشك والحيرة، إلى نور اليقين والطمأنينة، ومن ظلمات الحس، إلى نور الغيب، ومن ظلمات النفس، إلى نورانية القلب، ومن ظلمات الضلال، إلى نور الهداية وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً، أما الكافرون فإنه يعاملهم بعدله في الآخرة. وفي ختم الآية بهذا دليل على أن المراد بالصلاة في هذه الآية الرحمة، فالله رحيم بعباده المؤمنين في الدنيا والآخرة، قال ابن كثير: (أمّا في الدنيا فإنّه هداهم إلى الحق الذي جهله غيرهم، وبصّرهم الطريق الذي ضلّ عنه وحاد عنه من سواهم، من الدعاة إلى الكفر أو البدعة، وأتباعهم من الطغام، وأمّا رحمته بهم في الآخرة فأمّنهم من الفزع الأكبر، وأمر ملائكته يتلقونهم بالبشارة بالفوز بالجنة، والنّجاة من النار، وما ذاك إلا لمحبته تعالى لهم، ورأفته بهم) تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ أي يرونه يوم القيامة سَلامٌ أي يقول لهم ﵎: السلام عليكم وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً أي الجنة وما فيها من المآكل والمشارب، والملابس والمساكن، والمناكح والملاذ، والمناظر مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. ... كلمة في السياق: قلنا: إن مقاطع سورة الأحزاب تفصّل بالتناوب في سورة النساء، وفي سورة المائدة، وهذا المقطع يفصّل في سورة المائدة، فلنتذكر محور سورة المائدة الذي جاء فيه قوله تعالى: يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ الَّذِينَ

стр. 4221

يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ .... لقد بيّن هذا المقطع أن سبب الهداية هو: صلاة الله وملائكته على المؤمنين هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ ... ومجئ هذا النص في سياق الأمر اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ... يشير إلى أن الذكر الكثير هو الطريق لصلاة الله علينا. فالمقطع إذن فصّل في الطريق العملي الذي ينبغي أن يسلكه راغب الهداية؛ لينأى عن الضلال، هذا ما له علاقة بصلة هذا المقطع بالسياق القرآني العام. وأمّا صلته بما قبله فمن حيث إن المقطع السابق ذكر علامات الإيمان، ومما ذكره. وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ ... فناسب أن يؤمر المؤمنون أمرا خاصا بالذكر الكثير؛ ليبين لهم محلّه وأهميته في دين الله، وليبين لهم الطريق للتحقق، فقد جاء من قبل قوله تعالى: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً ... فالذكر الكثير طريق الاقتداء برسول الله ﷺ وهو إحدى صفات المسلمين، فأفرد بمقطع خاص به بعد أن مهّدت السورة لذلك. فوائد: ١ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً .. ] بمناسبة قوله تعالى: اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا. قال ابن كثير: (روى الإمام أحمد عن أبي سعيد الحمصي قال: سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: دعاء سمعته من رسول الله ﷺ لا أدعه: «اللهم اجعلني أعظّم شكرك، وأتّبع نصيحتك، وأكثر ذكرك، وأحفظ وصيتك». ورواه الترمذي عن أبي هريرة ﵁ فذكر مثله وقال: غريب وهكذا رواه الإمام أحمد أيضا عن أبي هريرة ﵁ فذكره. وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن بشر قال: جاء أعرابيان إلى رسول الله ﷺ فقال أحدهما: يا رسول الله أي الناس خير؟ قال ﷺ : «من طال عمره وحسن عمله» وقال الآخر: يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثرت علينا فمرني بأمر أتشبّث به قال ﷺ : لا يزال لسانك رطبا بذكر الله تعالى. وروى الترمذي وابن ماجه الفصل الثاني من حديث معاوية بن صالح به، وقال الترمذي حديث حسن غريب. وروى الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ قال: «أكثروا ذكر الله تعالى حتى يقولوا مجنون». وروى الطبراني

стр. 4222

عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «اذكروا الله ذكرا كثيرا حتى يقول المنافقون إنكم تراءون». وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من قوم جلسوا مجلسا لم يذكروا الله تعالى فيه إلا رأوه حسرة يوم القيامة». وعن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً إن الله تعالى لم يفرض على عباده فريضة إلا جعل لها حدا معلوما، ثمّ عذر أهلها في حال العذر، غير الذكر؛ فإن الله تعالى لم يجعل له حدا ينتهي إليه، ولم يعذر أحدا في تركه، إلا مغلوبا على تركه فقال: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ بالليل والنهار، في البر والبحر، وفي السفر والحضر، والغنى والفقر، والسقم والصحة، والسر والعلانية، وعلى كل حال). ٢ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ .. وتعليق المؤلف على ذلك] بمناسبة قوله تعالى: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ ... قال ابن كثير: (هذا تهييج إلى الذّكر، أي أنه سبحانه يذكركم فاذكروه أنتم كقوله : كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ* فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ [البقرة: ١٥١، ١٥٢] وقال النبي ﷺ : «يقول الله تعالى: من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه». والصلاة من الله تعالى ثناؤه على العبد عند الملائكة حكاه البخاري عن أبي العالية ورواه أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عنه، وقال غيره: الصلاة من الله الرحمة. وقد يقال: لا منافاة بين القولين والله أعلم. وأما الصلاة من الملائكة فبمعنى الدعاء للناس، والاستغفار كقوله ﵎: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ* رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ* وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ الآيات. [غافر: ٧ - ٩]). أقول: في كتاب (جند الله ثقافة وأخلاقا) ذكرت أن الطريق إلى الهداية هو صلاة الله علينا، وصلاة الله علينا لها أسبابها فعلينا أن نتعرض لهذه الأسباب، وقد ذكرت من أسبابها الواردة في الكتاب والسنة: الصلاة على رسول الله ﷺ ، والصبر، والاسترجاع، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، وغير ذلك. وذكرنا هناك أدلة كل

стр. 4223

ما ذكرناه فليراجع. ٣ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً] بمناسبة قوله تعالى: وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً قال ابن كثير: (روى الإمام أحمد عن أنس ﵁ قال: مرّ رسول الله ﷺ في نفر من أصحابه ﵃ وصبي في الطريق، فلما رأت أمّه القوم خشيت على ولدها أن يوطأ، فأقبلت تسعى وتقول: ابني ابني، وسعت فأخذته فقال القوم: يا رسول الله ما كانت هذه لتلقي ابنها في النار قال: فخفضهم رسول الله ﷺ وقال: «لا والله لا يلقي حبيبه في النار» إسناده على شرط الصحيحين ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، ولكن في صحيح الإمام البخاري عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله ﷺ رأى امرأة من السبي قد أخذت صبيا لها فألصقته إلى صدرها وأرضعته فقال ﷺ : «أترون هذه تلقي ولدها في النار وهي تقدر على ذلك؟» قالوا: لا. قال ﷺ : «فو الله لله أرحم بعباده من هذه بولدها»). ... ولننتقل إلى المقطع الخامس. ***

стр. 4224

المقطع الخامس ويمتدّ من الآية (٤٥) إلى نهاية الآية (٤٨) وهذا هو: ٣٣/ ٤٨ - ٤٥ كلمة في السياق: [حول صلة المقطع الخامس بسورة النساء وبسياق السورة وبالمحور] ١ - هذا المقطع مبدوء ب (يا أيها النبي) فهو ألصق بسورة النساء ومحورها من سورة البقرة وسنرى ذلك تفصيلا. ٢ - لاحظ الصلة بين قوله تعالى هاهنا: وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ وَدَعْ أَذاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا وبين قوله تعالى في أول السورة: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً ... وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا. ٣ - بعد أمر المؤمنين بالذكر، وبعد وعد الله إياهم فقد جاء الخطاب لرسول الله ﷺ بأنه بشير ونذير، وشاهد وسراج منير، فالمقطعان يكمّل أحدهما الآخر، ففي الأول تبشير، وفي الثاني كلام عن البشير النذير. ... التفسير: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً أي على من بعثت إليهم على تكذيبهم وتصديقهم أي فقولك مقبول عند الله لهم وعليهم، كما يقبل قول الشاهد العدل في الحكم. وقال ابن كثير في تفسير الشاهد هنا: (أي لله بالوحدانية، وأنه لا إله غيره، وعلى الناس بأعمالهم يوم القيامة) وَمُبَشِّراً أي بشيرا للمؤمنين

стр. 4225

بجزيل الثواب وَنَذِيراً أي للكافرين من وبيل العقاب وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ أي داعيا الخلق إلى عبادة ربهم عن أمره لك بذلك، لا متكلفا فيه من عند نفسك، أو داعيا إلى الله بتيسيره وَسِراجاً مُنِيراً قال ابن كثير: (أي وأمرك ظاهر فيما جئت به من الحق كالشمس في إشراقها وإضاءتها، لا يجحدها إلا معاند). قال النسفي في الآيتين: (أو شاهدا بوحدانيتنا ومبشّرا برحمتنا، ونذيرا بنقمتنا، وداعيا إلى عبادتنا، وسراجا وحجة ظاهرة لحضرتنا) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيراً أي ثوابا عظيما وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ أي لا تطعهم ولا تسمع منهم في الذي يقولونه وَدَعْ أَذاهُمْ أي اجعل إيذاءهم إيّاك في جانب ولا تبال بهم، ولا تخف من إيذائهم وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا أي فإنه يكفيكهم وكفى به مفوّضا إليه. قال النسفي تعليقا على الآيات: (وقيل إن الله تعالى وصفه بخمسة أوصاف، وقابل كلا منها بخطاب مناسب له؛ قابل الشاهد بقوله: وبشّر المؤمنين، لأنه يكون شاهدا على أمته، وهم يكونون شهداء على سائر الأمم، وهو الفضل الكبير، والمبشر بالإعراض عن الكافرين والمنافقين؛ لأنه إذا أعرض عنهم أقبل جميع إقباله على المؤمنين، وهو مناسب للبشارة، والنذير بدع أذاهم؛ لأنه إذا ترك أذاهم في الحاضر والأذى لا بدّ له من عقاب عاجل أو آجل كانوا منذرين به في المستقبل، والداعي إلى الله بتيسيره بقوله: وتوكل على الله؛ فإن من توكّل على الله يسّر عليه كل عسير، والسراج المنير بالاكتفاء به وكيلا، لأن من أناره الله برهانا على جميع خلقه كان جديرا بأن يكتفي به عن جميع خلقه). كلمة في السياق: قلنا إنّ هذا المقطع يفصّل في محور سورة النساء، لاحظ الآن ما يلي: بعد قوله تعالى في سورة البقرة يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ... يأتي قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا ... ثم يأتي قوله تعالى: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ ... وهاهنا نجد أنّ الله وصف رسوله ﷺ بالبشير والنذير، وأمره بالتبشير وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ... فالمقطع بعد أن يقرّر صفات رسول الله ﷺ يأمر بالتبشير، وكل ذلك يتعلق بمحور سورة النساء من سورة البقرة حيث ينتهي ذاك المحور بقوله تعالى: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ ....

стр. 4226

فوائد: ١ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ .. ] قال ابن كثير: (روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: لما نزلت يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وقد كان أمر عليا ومعاذا ﵄ أن يسيرا إلى اليمن فقال: «انطلقا فبشّرا ولا تنفّرا، ويسّرا ولا تعسّرا، إنه قد أنزل علي يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً». ورواه الطبراني بإسناده مثله، وقال في آخره: «فإنه قد أنزل عليّ يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا على أمتك، ومبشرا بالجنة، ونذيرا من النار، وداعيا إلى شهادة أن لا إله إلا الله بإذنه، وسراجا منيرا بالقرآن»). ٢ - [مهمة رسول الله ﷺ كما حددتها الآيات] حددت الآيات مهمة رسول الله ﷺ وهي الشهادة والتبشير والإنذار، والدعوة إلى الله والإضاءة، وينبغي لورّاث رسول الله ﷺ أن يكون لهم حظ من ذلك كله. ٣ - [هل الدعوة إلى الله تحتاج إلى إذن خاص؟ بمناسبة آية وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ] يستدل بعضهم بقوله تعالى: وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ على أن الدعوة إلى الله تحتاج إلى إذن خاص. وأقول: إن رسول الله ﷺ قد أذن إذنا عاما لكل مسلم، بل أمر كل مسلم أن يدعو إلى الله ضمن إمكانياته. قال ﵊: «بلّغوا عني ولو آية ... » أما الإجازة من الشيوخ بالعلم والتربية، فهذا أدب متوارث في هذه الأمة، فإن كان المراد بالإذن الخاص هذا فهو صحيح. ولننتقل إلى المقطع السادس وهو آية واحدة. ***

стр. 4227

المقطع السادس وهو الآية (٤٩) وهذه هي: ٣٣/ ٤٩ التفسير: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ أي تزوجتم الْمُؤْمِناتِ أي عقدتم عليهن ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ أي تدخلوا بهن والخلوة الصحيحة كالمس فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها أي تستوفون عددها. قال النسفي: (فيه دليل على أن العدّة تجب على النساء للرجال) فَمَتِّعُوهُنَّ إما بدفع نصف المهر إن كان المهر مسمى بالعقد، أو بدفع المتعة الخاصة بكسائها وإهدائها شيئا، والمتعة الخاصة تجب للتي طلقها قبل الدخول بها ولم يسم لها مهرا دون غيرها وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَمِيلًا بأن لا تمسكوهن ضرارا، وبأن تخرجوهن من منازلكم إن كن فيها إذ لا عدّة لكم عليهن. كلمة في السياق: [حول صلة المقطع السادس بسورة المائدة وبالسياق القرآني العام وبالمحور] تأتي هذه الآية بعد المقطع الخامس كمقطع مستقل، فهي نموذج على إضاءة هذا الإسلام للإنسان طريقه في كل شئ وَسِراجاً مُنِيراً. وتأتي كنموذج على حكم من أحكام الإسلام الذي يدعو إليه رسول الله ﷺ فصلتها بما قبلها لا تخفى. وأمّا محلّها في السّياق القرآني العام فهي آتية على حسب الترتيب الذي ذكرناه، مفصّلة في محور سورة المائدة، المبدوءة بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ فهي تفصّل في قضية مرتبطة بعقد الزواج الذي سمّاه الله ميثاقا غليظا، ومن ثمّ فالإخلال بمثل هذا يدخل في قوله تعالى: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ ... وهو محور سورة المائدة.

стр. 4228

فوائد: يبحث العلماء عند هذه الآية مباحث كثيرة ولنذكر نموذجين: قال النسفي عند هذه الآية: (والنكاح هو الوطء في الأصل، وتسمية العقد نكاحا لملابسته له؛ من حيث إنه طريق إليه، كتسمية الخمر إثما لأنها سببه، وكقول الراجز أسنمة الآبال في سحابه، سمى الماء بأسنمة الآبال لأنه سبب سمن الآبال وارتفاع أسنمتها، ولم يرد لفظ النكاح في كتاب الله تعالى إلا في معنى العقد، لأنه في معنى الوطء من باب التصريح به ومن آداب القرآن الكناية عنه بلفظ الملامسة، والمماسة، والقربان، والتغشي، والإتيان. وفي تخصيص المؤمنات مع أن الكتابيات تساوي المؤمنات في هذا الحكم إشارة إلى أن الأولى بالمؤمن أن ينكح مؤمنة). وقال ابن كثير: (هذه الآية الكريمة فيها أحكام كثيرة، منها إطلاق النكاح على العقد وحده، وليس في القرآن آية أصرح في ذلك منها، وقد اختلفوا في النكاح هل هو حقيقة في العقد وحده، أو في الوطء، أو فيهما؟ على ثلاثة أقوال، واستعمال القرآن إنما هو في العقد، والوطء بعده إلا في هذه الآية فإنه استعمل في العقد وحده، لقوله ﵎: إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وفيها دلالة لإباحة طلاق المرأة قبل الدخول بها، وقوله تعالى: الْمُؤْمِناتِ خرج مخرج الغالب؛ إذ لا فرق في الحكم بين المؤمنة والكتابية في ذلك بالاتفاق، وقد استدل ابن عباس ﵄، وسعيد بن المسيب، والحسن البصري وعلي بن الحسين زين العابدين وجماعة من السلف بهذه الآية على أن الطلاق لا يقع إلا إذا تقدّمه نكاح؛ لأن الله تعالى قال: إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ فعقّب النّكاح بالطلاق، فدلّ على أنّه لا يصح، ولا يقع قبله، وهذا مذهب الشافعي وأحمد بن حنبل، وطائفة كثيرة من السلف والخلف رحمهم الله تعالى، وذهب مالك وأبو حنيفة رحمهما الله تعالى إلى صحة الطلاق قبل النكاح فيما إذا قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق، فعندهما متى تزوجها طلقت منه، واختلفا فيما إذا قال كل امرأة أتزوجها فهي طالق فقال مالك: لا تطلق حتى يعيّن المرأة، وقال أبو حنيفة ﵀: كل امرأة يتزوجها بعد هذا الكلام تطلق منه، فأما الجمهور فاحتجوا على عدم وقوع الطلاق بهذه الآية. روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄ قال: إذا قال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق، قال: ليس بشيء من أجل أن الله تعالى يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا

стр. 4229

نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ الآية، وعن ابن عباس ﵄ قال: إنما قال الله : إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ ألا ترى أن الطلاق بعد النكاح وهكذا روى ابن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: قال الله تعالى: إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ فلا طلاق قبل النكاح، وقد ورد الحديث بذلك عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : «لا طلاق لابن آدم فيما لا يملك» رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي هذا حديث حسن، وهو أحسن شئ روي في هذا الباب، وهكذا روى ابن ماجه عن عليّ والمسور بن مخرمة ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا طلاق قبل النكاح»، وقوله : فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها هذا أمر مجمع عليه بين العلماء: أن المرأة إذا طلقت قبل الدخول بها لا عدّة عليها، فتذهب فتتزوج من فورها من شاءت، ولا يستثنى من هذا إلا المتوفى عنها زوجها، فإنها تعتد منه أربعة أشهر وعشرا، وإن لم يكن دخل بها بالإجماع أيضا، وقوله تعالى: فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَمِيلًا المتعة هاهنا أعم من أن تكون نصف الصداق المسمى، أو المتعة الخاصة إن لم يكن قد سمى لها. قال الله تعالى: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ وقال : لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ وفي صحيح البخاري عن سهل بن سعد وأبي أسيد ﵄ قالا: إن رسول الله ﷺ تزوّج أميمة بنت شراحيل فلما أن دخلت عليه ﷺ بسط يده إليها فكأنما كرهت ذلك؛ فأمر أبا أسيد أن يجهّزها ويكسوها ثوبين رازقيين. قال علي بن أبي طلحة ﵄: إن كان سمى لها صداقا فليس لها إلا النصف، وإن لم يكن سمى لها صداقا أمتعها على قدر عسره ويسره وهو السراح الجميل). ولننتقل إلى المقطع السابع. ***

стр. 4230

المقطع السابع ويمتدّ من الآية (٥٠) إلى نهاية الآية (٥٢) وهذا هو: ٣٣/ ٥٢ - ٥٠ ملاحظات في السياق: [حول صلة المقطع السابع بسورة النساء وبالمحور] قلنا إن سورة الأحزاب تتناوب فيها المقاطع فمقطع فيه نفس سورة النساء، ومقطع فيه نفس سورة المائدة، وعلى حسب ما ذكرنا فالمقطع الذي بين أيدينا فيه نفس سورة النساء، لأنّه مبدوء بقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لاحظ ما يلي: ١ - إن أول آية في سورة النساء تنتهي بقوله تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ

стр. 4231

الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً. ونلاحظ هنا أن آخر آية في المقطع تنتهي بقوله تعالى: وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً. ٢ - جاء في سورة النساء قوله تعالى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ في حق المؤمنين وهاهنا جاء خطاب لرسول الله ﷺ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ .... ٣ - جاء في حق المسلمين عامة قوله تعالى في سورة النساء: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ ... وهاهنا جاء خطاب لرسول الله ﷺ لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ .... ٤ - كثيرون من الناس يتصوّرون أن الزّواج يتنافى مع العبادة بل يزعم بعضهم أن الزواج يتنافى مع مقام رجل الدّين وقد جاء هذا المقطع بهدم هذه المزاعم في سورة تهدّم الكثير من عادات الجاهلية وأفكارها، ومن هذه الحيثية فالمقطع مرتبط بقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ وهو محور سورة النساء من سورة البقرة. التفسير: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ أي مهورهن وإيتاء المهر إعطاؤه عاجلا أو فرضه وتسميته في العقد وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ أي وأباح لك التسري بالمملوكات، سواء في ذلك ما أخذ من المغانم، أو ما ملكه بطريق أخرى، وقد ملك صفية وجويرية فأعتقهما وتزوجهما. قال ابن كثير: (وملك ريحانة بنت شمعون النضرية، ومارية القبطية أم ابنه إبراهيم ﵉، وكانتا من السراري ﵄ وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمَّاتِكَ وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ اللَّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ فهم بعضهم أنّه لا يحل له من بنات عمّه وعماته وأخواله وخالاته إلا من هاجرن إلى المدينة وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ أي وأحللنا لك من وقع لها أن تهب لك نفسها، ولا تطلب مهرا من النساء المؤمنات إن اتفق ذلك إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها أي إن أراد النبي ﷺ استنكاحها كأنه قال: أحللناها لك إن وهبت لك نفسها، وأنت تريد أن تستنكحها، لأن هبتها نفسها هبة، والهبة تقتضي قبولا من المهدى له، خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ

стр. 4232

الْمُؤْمِنِينَ فالزواج بلا مهر خاص به ﵊، ولذلك فإن المهر واجب على غيره وإن لم يسمّه أو نفاه، قال ابن كثير في الآية: (أي ويحل لك أيها النبي المرأة المؤمنة إن وهبت نفسها لك أن تتزوجها بغير مهر إن شئت ذلك) قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ أي ما أوجبنا من المهور على أمتك في زوجاتهم، أو ما أوجبنا عليهم في أزواجهم من الحقوق. قال ابن كثير: (أي من حصرهم في أربع نسوة حرائر، وما شاءوا من الإماء واشتراط الولي والمهر والشهود عليهم وهم الأمة، وقد رخّصنا لك في ذلك فلم نوجب عليك شيئا منه) وَما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ بالشراء وغيره من وجوه الملك، أي قد علمنا ما فرضناه عليهم في أزواجهم وإمائهم، وخصّصناك بأحكام خاصة دون المؤمنين لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ أي ضيق وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً بالتوسعة على عباده. دلّت الآية على أن الحكمة في التوسعة على رسول الله ﷺ في أمر الزواج هي نفي الحرج عنه بحكم أن مسئولياته واسعة، وعلاقاته الاجتماعية متشابكة، ومهمته صعبة، وليس غيره مثله في هذا كله تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ أي تؤخر من تشاء من الواهبات وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ أي تضم أي وتمسك إليك من تشاء، من شئت قبلتها، ومن شئت رددتها وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ أي ومن رددتها فأنت فيها أيضا بالخيار بعد ذلك، إن شئت عدت فيها فآويتها فلا إثم عليك في ذلك. قال ابن كثير: (وقال آخرون: بل المراد بقوله تعالى تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ الآية. أي من أزواجك لا حرج عليك أن تترك القسم لهن فتقدم من شئت، وتؤخر من شئت، وتترك من شئت ... ومع هذا كان النبي ﷺ يقسم لهن، ولهذا ذهب طائفة من الفقهاء من الشافعية وغيرهم، إلى أنه لم يكن القسم واجبا عليه ﷺ ، واحتجوا بهذه الآية ... ). واختار ابن جرير أن الآية عامة في الواهبات وفي النساء اللاتي عنده أنه مخيّر فيهنّ إن شاء قسم، وإن شاء لم يقسم. قال ابن كثير: (وهذا الذي اختاره حسن جيد قوي وفيه جمع بين الأحاديث) ذلِكَ أَدْنى أي أقرب أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ أي ذلك التفويض إلى مشيئتك أقرب إلى قرّة أعينهنّ، وقلة حزنهنّ ورضاهنّ جميعا، لأنهنّ إذا علمن أنّ هذا التفويض من عند الله اطمأنّت نفوسهنّ، وذهب التغاير، وحصل الرضا، وقرّت العيون. قال ابن كثير: (أي إذا علمن أنّ الله تعالى قد وضع عنك الحرج في القسم فإن شئت قسمت وإن شئت لم تقسم، لا جناح عليك في أيّ ذلك فعلت ثم مع هذا أن تقسم لهن

стр. 4233

اختيارا منك لا أنه على سبيل الوجوب، فرحن بذلك واستبشرن به وحملن جميلك في ذلك واعترفن بمنتك عليهن في قسمتك لهن، وتسويتك بينهن، وإنصافك لهن، وعدلك فيهن وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ أي من الميل إلى بعضهن دون بعض مما لا يمكن دفعه). قال النسفي: فيه وعيد لمن لم ترض منهنّ بما دبّر الله من ذلك وفوّض إلى مشيئة رسوله وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً بذات الصدور حَلِيماً لا يعاجل بالعقوبة، فهو حقيق بأن يتقى ويحذر لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ قال النسفي: من بعد التسع؛ لأن التسع نصاب رسول الله ﷺ من الأزواج، كما أن الأربع نصاب أمته وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ أي بالطلاق مِنْ أَزْواجٍ أي ولا أن تستبدل بهؤلاء التسع أزواجا أخر بكلهن أو بعضهن كرامة لهن، وجزاء على ما اخترن ورضين وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ أي فلا يحللن لك إِلَّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ استثنى مما حرم عليه الإماء وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً أي حافظا. وهو تحذير عن مجاوزة حدوده وذهبت عائشة وأم سلمة ﵄ أن حكم هذه الآية قد نسخ، وأبيح لرسول الله ﷺ أن يتزوج ما شاء، إلا أنه لم يفعل. وقد قال ابن كثير في مقدمة كلامه عن هذه الآية: (ذكر غير واحد من العلماء كابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة وابن زيد وابن جرير وغيرهم أن هذه الآية نزلت مجازاة لأزواج النبي ﷺ ، ورضا عنهن على حسن صنيعهن في اختيارهن الله ورسوله والدار الآخرة لما خيّرهن رسول الله ﷺ كما تقدم في الآية، فلما اخترن رسول الله ﷺ كان جزاؤهن أن الله تعالى قصره عليهن، وحرّم عليه أن يتزوج بغيرهن، أو يستبدل بهن أزواجا غيرهن، ولو أعجبه حسنهن، إلا الإماء والسراري، فلا حرج عليه فيهن، ثم إنه تعالى رفع عنه الحرج في ذلك، ونسخ حكم هذه الآية، وأباح له التزوج، ولكن لم يقع منه بعد ذلك تزوج؛ لتكون المنة لرسول الله ﷺ عليهن). كلمة في السياق: سجّلت هذه الآيات أحكاما في موضوع زواج رسول الله ﷺ مبينة أن رسول الله ﷺ لم يكن يفعل إلا ما أحلّه الله له، فالإنكار على رسول الله ﷺ في هذا الأمر إنكار على الله ، ومن ثمّ ورد في الآية الثانية قوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ وفي ذلك تحذير أيما تحذير.

стр. 4234

فالآيات هذه تبيّن لنا أحكاما من أحكام الله ينبغي الإيمان بها والتسليم لها، فإذا تذكّرنا أن محور هذه الآيات هو محور سورة النساء يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أدركنا أن زواج رسول الله ﷺ هو من العبادة، ومن التقوى، وفي عصرنا حيث ركّز أعداء الله كثيرا على موضوع زواج رسول الله ﷺ بأكثر من واحدة، نعرف حكمة البيان في هذه الآيات، وصلة ذلك بمحور السّورة، وقد بيّنا في كتابنا (الرسول ﷺ حكمة تعدد زوجات النبي ﷺ فليراجع. يبقى أن نعرف صلة هذه الآيات بسياق السورة الخاص: جاءت قبل هذا المقطع آية تتحدّث عن بعض أحكام النكاح في الإسلام، ثمّ جاء هذا المقطع وفيه أحكام خاصة في شأن زواج رسول الله ﷺ فالصلة قائمة بين المقطع وما سبقه بشكل مباشر. وإذا تذكّرنا بداية السورة الآمرة بالتقوى، وترك طاعة الكافرين والمنافقين، والآمرة باتباع الوحي وبالتوكّل، فإننا نجد المقطع بمجموعه مرتبطا بهذه المقدمة، ألا نرى أن الكافرين والمنافقين يطعنون بهذا الجانب من حياة رسول الله ﷺ ، وأن مجموع الأحكام الواردة في الآيات من الوحي الواجب الاتباع، الموجب للتوكل، الذي يشكل جزءا من التقوى. فوائد: ١ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمَّاتِكَ .. ] بمناسبة قوله تعالى: وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمَّاتِكَ وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ اللَّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ قال ابن كثير: (روى ابن أبي حاتم عن أم هانئ قالت: خطبني رسول الله ﷺ فاعتذرت إليه فعذرني، ثم أنزل الله تعالى: إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمَّاتِكَ وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ اللَّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ قلت: فلم أكن أحل له لم أكن ممّن هاجرن معه كنت من الطلقاء). ٢ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِ] بمناسبة قوله تعالى: وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ قال ابن كثير: (وقد روى الإمام أحمد عن سهل بن سعد الساعدي قال: إنّ رسول الله ﷺ جاءته امرأة فقالت: يا رسول الله إني قد وهبت نفسي لك، فقامت قياما طويلا، فقام رجل فقال: يا رسول الله زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة، فقال رسول الله

стр. 4235

صلّى الله عليه وسلم: «هل عندك من شئ تصدقها إياه؟» فقال: ما عندي إلا إزاري هذا، فقال رسول الله ﷺ : «إن أعطيتها إزارك جلست لا إزار لك، فالتمس شيئا» فقال: لا أجد شيئا، فقال: «التمس ولو خاتما من حديد» فالتمس فلم يجد شيئا، فقال له النبي ﷺ : «هل معك من القرآن شئ؟» قال: نعم سورة كذا وسورة كذا- لسور يسميها- فقال له النبي ﷺ : «زوجتكها بما معك من القرآن» أخرجاه من حديث مالك. وروى الإمام أحمد عن ثابت قال: كنت مع أنس جالسا وعنده ابنة له فقال أنس: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: يا نبي الله هل لك فيّ حاجة؟ فقالت ابنته: ما كان أقل حياءها، فقال: هي خير منك رغبت في النبي ﷺ فعرضت عليه نفسها. انفرد بإخراجه البخاري. وروى الإمام أحمد أيضا عن أنس بن مالك أن امرأة أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله ابنة لي كذا وكذا فذكرت من حسنها وجمالها فآثرتك بها، فقال: «قد قبلتها» فلم تزل تمدحها حتى ذكرت أنها لم تصدع ولم تشك شيئا قط فقال: «لا حاجة لي في ابنتك» لم يخرجوه. وروى ابن أبي حاتم عن عائشة قالت: التي وهبت نفسها للنبي ﷺ خولة بنت حكيم. وروى ابن وهب عن هشام ابن عروة عن أبيه أن خولة بنت حكيم بن الأوقص من بني سليم كانت من اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله ﷺ . وفي رواية له عن سعيد بن عبد الرحمن عن هشام عن أبيه: كنا نتحدث أن خولة بنت حكيم كانت وهبت نفسها لرسول الله ﷺ وكانت امرأة صالحة، فيحتمل أن أم سليم هي خولة بنت حكيم، أو هي امرأة أخرى. وروى ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب وعمرو بن الحكم وعبد الله بن عبيدة قالوا: تزوّج رسول الله ﷺ ثلاث عشرة امرأة، ستا من قريش: خديجة، وعائشة، وحفصة، وأم حبيبة، وسودة، وأم سلمة، وثلاثا من بني عامر بن صعصعة، وامرأتين من بني هلال بن عامر: ميمونة بنت الحارث وهي التي وهبت نفسها للنبي ﷺ وزينب أم المساكين، وامرأة من بني بكر بن كلاب من القرظيات، وهي التي اختارت الدنيا. وامرأة من بني الجون وهي التي استعاذت منه، وزينب بنت جحش الأسدية، والسبيّتين صفية بنت حيي بن أخطب، وجويرية بنت الحارث بن عمرو بن المصطلق الخزاعية. وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن ابن عباس وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ قال: هي ميمونة بنت الحارث. فيه انقطاع هذا مرسل. والمشهور أن زينب التي كانت تدعى أم المساكين هي زينب بنت خزيمة الأنصارية، وقد ماتت عند النبي ﷺ في حياته. والله أعلم. والغرض من هذا أن اللاتي وهبن أنفسهن للنبي

стр. 4236

صلّى الله عليه وسلم كثير كما روى البخاري عن عائشة قالت: كنت أغار من اللاتي وهبن أنفسهن للنبي ﷺ وأقول: أتهب المرأة نفسها، فلما أنزل الله تعالى: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ قلت: ما أرى ربك إلا يسارع في هواك. وقد روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: لم يكن عند رسول الله ﷺ امرأة وهبت نفسها له. ورواه ابن جرير عن أبي كريب عن يونس ابن بكير أي أنه لم يقبل واحدة ممن وهبت نفسها له، وإن كان ذلك مباحا له، ومخصوصا به، لأنه مردود إلى مشيئته كما قال الله تعالى: إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها أي إن اختار ذلك). بمناسبة قوله تعالى: خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قال ابن كثير: (قال عكرمة: أي لا تحل الموهوبة لغيرك، ولو أن امرأة وهبت نفسها لرجل لم تحل حتى يعطيها شيئا، وكذا قال مجاهد والشعبي وغيرهما، أي أنها إذا فوّضت المرأة نفسها إلى رجل فإنه متى دخل بها وجب عليه لها مهر مثلها، كما حكم به رسول الله ﷺ في بروع بنت واشق لما فوّضت فحكم لها رسول الله ﷺ بصداق مثلها، لما توفي عنها زوجها، والموت والدخول سواء في تقرير المهر، وثبوت مهر المثل في المفوضة لغير النبي ﷺ ، فأمّا هو ﵊ فإنه لا يجب عليه للمفوضة شئ، ولو دخل بها، لأن له أن يتزوج بغير صداق، ولا ولي، ولا شهود، كما في قصة زينب بنت جحش ﵂ ولهذا قال قتادة في قوله خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ يقول: ليس لامرأة تهب نفسها لرجل بغير ولي ولا مهر إلا للنبي ﷺ . ٣ - [ما قدم به ابن كثير للآية الأولى من المقطع السابع] قدّم ابن كثير للآية الأولى من المقطع بقوله: (يقول تعالى مخاطبا نبيه ﷺ بأنه قد أحل له من النساء أزواجه اللاتي أعطاهن مهورهن، وهي الأجور هاهنا كما قاله مجاهد وغير واحد، وقد كان مهره لنسائه اثنتي عشرة أوقية، ونشّا: وهو نصف أوقية، فالجميع خمسمائة درهم، إلا أم حبيبة بنت أبي سفيان فإنه أمهرها عنه النجاشي رحمه الله تعالى أربعمائة دينار، وإلا صفية بنت حيي فإنه اصطفاها من سبي خيبر، ثم أعتقها وجعل عتقها صداقها، وكذلك جويرية بنت الحارث المصطلقية أدى عنها كتابتها إلى ثابت بن قيس بن شمّاس وتزوّجها- ﵅ أجمعين). ٤ - [كلام النسفي حول الاتجاهات في تفسير آية تُرْجِي مَنْ تَشاءُ .. ] رأينا أثناء التفسير أن هناك اتجاهين رئيسين في تفسير قوله تعالى: تُرْجِي

стр. 4237

مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ وهناك اتجاهات أخرى في الآية، وقد لخّص النّسفي كل الاتجاهات في الآية مفسّرا قوله تعالى: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ فقال: (بمعنى تترك مضاجعة من تشاء منهن، وتضاجع من تشاء، أو تطلّق من تشاء، وتمسك من تشاء، أو لا تقسم لأيتهن شئت، وتقسم لمن شئت، أو تترك تزوج من شئت من نساء أمتك، وتتزوّج من شئت، وهذه قسمة جامعة لما هو الغرض لأنه إما أن يطلّق وإما أن يمسك، فإذا أمسك ضاجع، أو ترك، وقسم، أو لم يقسم، وإذا طلّق وعزل، فإما أن يخلي المعزولة لا يبتغيها أو يبتغيها. وروي أنه أرجى منهن جويرية، وسودة، وصفية، وميمونة، وأم حبيبة، وكان يقسم لهن ما شاء كما شاء، وكانت ممن آوى إليه عائشة، وحفصة، وأم سلمة، وزينب، أرجى خمسا، وآوى أربعا، وروي أنه كان يسوّي مع ما أطلق له، وخيّر فيه، إلا سودة فإنها وهبت ليلتها لعائشة، وقالت لا تطلقني حتى أحشر في زمرة نسائك). ٥ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ] بمناسبة قوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ قال ابن كثير: (أي من الميل إلى بعضهن دون بعض، مما لا يمكن دفعه كما روى الإمام أحمد ... عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يقسم بين نسائه، فيعدل ثم يقول: «اللهم هذا فعلي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك». رواه أهل السنن الأربعة وزاد أبو داود بعد قوله: «فلا تلمني فيما تملك ولا أملك» يعني القلب. وإسناده صحيح ورجاله كلهم ثقات). ٦ - [هل آية لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ .. منسوخة أم لا؟ والتدليل على ذلك] رأينا في تفسير قوله تعالى: لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ ... أن الاتجاه الرئيسي في الآية أنها منسوخة، إلا أن هناك اتجاها في الفهم يوجه الآية بما يجمع بين الآيات بلا نسخ. وقد ذكر ابن كثير أدلة القائلين بالنسخ ثم ذكر الأقوال الأخرى. قال ابن كثير: (روى الإمام أحمد عن عائشة ﵂ قالت: ما مات رسول الله ﷺ حتى أحلّ الله له النّساء، ورواه أيضا من حديث ابن جريج عن عطاء عن عبيد بن عمير عن عائشة، ورواه الترمذي والنسائي في سننيهما. وروى ابن أبي حاتم عن أم سلمة أنها قالت: لم يمت رسول الله ﷺ حتى أحل الله له أن يتزوج من النساء ما شاء، إلا ذات محرم. وذلك قوله تعالى: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ الآية فجعلت هذه ناسخة للتي بعدها في التلاوة، كآيتي عدة الوفاة في سورة البقرة، الأولى ناسخة

стр. 4238

للتي بعدها والله أعلم، وقال آخرون: بل معنى الآية لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ أي من بعد ما ذكرنا لك من صفة النساء اللاتي أحللنا لك، من نسائك اللاتي آتيت أجورهن، وما ملكت يمينك، وبنات العم والعمات والخال والخالات والواهبة وما سوى ذلك من أصناف النساء، فلا يحل لك، وهذا مروي عن أبيّ بن كعب ومجاهد في رواية عنه وعكرمة والضحاك في رواية وأبي رزين في رواية عنه وأبي صالح والحسن وقتادة في رواية والسدي وغيرهم. روى ابن جرير عن رجل من الأنصار قال: قلت لأبيّ بن كعب: أرأيت لو أن أزواج النبي ﷺ توفين أما كان له أن يتزوج؟ فقال: وما يمنعه من ذلك؟ قال: قلت: قول الله تعالى: لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ فقال: إنما أحل الله له ضربا من النساء فقال: تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ إلى قوله تعالى: إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ ثم قيل له: لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ ورواه عبد الله بن أحمد، وروى الترمذي عن ابن عباس قال: نهي رسول الله ﷺ عن أصناف من النساء إلا ما كان من المؤمنات المهاجرات، بقوله تعالى: لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ فأحل الله فتياتكم المؤمنات، وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي، وحرم كل ذات دين غير الإسلام، ثم قال وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ الآية. وقال تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ إلى قوله تعالى: خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وحرم ما سوى ذلك من أصناف النساء. وقال مجاهد لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ أي من بعد ما سمّى لك من مسلمة ولا يهودية ولا نصرانية ولا كافرة. وقال أبو صالح لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ أمر أن لا يتزوج أعرابية ولا عربية، ويتزوج بعد من نساء تهامة، وما شاء من بنات العم والعمة، والخال والخالة، إن شاء ثلاثمائة، وقال عكرمة لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ أي التي سمّى الله. واختار ابن جرير ﵀ أن الآية عامّة فيمن ذكر من أصناف النساء، وفي اللواتي في عصمته وكن تسعا، وهذا الذي قاله جيد ولعله مراد كثير ممن حكينا عنه من السلف، فإن كثيرا منهم روي عنه هذا وهذا ولا منافاة والله أعلم. ثم أورد ابن جرير على نفسه ما روى أن رسول الله ﷺ طلّق حفصة، ثم راجعها، وعزم على فراق سودة حتى وهبت يومها لعائشة، ثم أجاب بأن هذا كان قبل نزول قوله تعالى: لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ الآية، وهذا الذي قاله من أن هذا كان

стр. 4239

قبل نزول الآية صحيح، ولكن لا يحتاج إلى ذلك، فإن الآية إنما دلت على أنه لا يتزوج بمن عدا اللواتي في عصمته، وأنه لا يستبدل بهن غيرهن، ولا يدل ذلك على أنه لا يطلق واحدة منهن من غير استبدال فالله أعلم، فأما قضية سودة ففي الصحيح عن عائشة ﵂ وهي سبب نزول قوله تعالى: وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً الآية. وأما قضية حفصة فروى أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه من طرق ... عن عمر أن رسول الله ﷺ طلّق حفصة ثم راجعها، وهذا إسناد قوي. وروى الحافظ أبو يعلى عن ابن عمر قال: دخل عمر على حفصة وهي تبكي فقال: ما يبكيك؟ لعلّ رسول الله ﷺ طلقك، إنه كان طلقك مرة ثم راجعك من أجلي. والله لئن كان طلقك مرة أخرى لا أكلمك أبدا. ورجاله على شرط الصحيحين. ٧ - [اتجاه آخر في تفسير آية وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ] رأينا أن في قوله تعالى وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ نهيا عن الطلاق، وعن الاستبدال بالزوجة المطلقة زوجة أخرى، وهناك اتجاه ذكره ابن كثير بقوله: (وقد روى الحافظ أبو بكر البزار حديثا مناسبا ذكره هاهنا عن أبي هريرة قال: كان البدل في الجاهلية أن يقول الرجل للرجل: بادلني امرأتك أبادلك بامرأتي، أي تنزل لي عن امرأتك وأنزل لك عن امرأتي فأنزل الله وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ قال: فدخل عيينة بن حصن الفزاري على النبي ﷺ وعنده عائشة فدخل بغير إذن فقال له رسول الله ﷺ : «فأين الاستئذان؟» فقال: يا رسول الله ما استأذنت على رجل من مضر منذ أدركت، ثم قال: من هذه الحميراء إلى جنبك؟ فقال رسول الله ﷺ : «هذه عائشة أم المؤمنين، قال: أفلا أنزل لك عن أحسن الخلق؟ قال: «يا عيينة إن الله قد حرم ذلك» فلما أن خرج قالت عائشة: من هذا؟ قال: «هذا أحمق مطاع، وإنه على ما ترين لسيّد قومه». ثم قال البزار: إسحاق بن عبد الله ليّن الحديث جدا، وإنما ذكرناه لأنا لم نحفظه إلا من هذا الوجه وبيّنا العلة فيه). ولننتقل إلى المقطع الثامن. ***

стр. 4240

المقطع الثامن ويمتدّ من الآية (٥٣) إلى نهاية الآية (٥٨) وهذا هو: ٣٣/ ٥٨ - ٥٣ التفسير: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ أي إلا مأذونا
следующие страницы →