Полный текст (6 440 стр.). Показаны 4236–4275 · переход к 4241.
стр. 4236
صلّى الله عليه وسلم كثير كما روى البخاري عن عائشة قالت: كنت أغار من اللاتي وهبن أنفسهن للنبي ﷺ وأقول: أتهب المرأة نفسها، فلما أنزل الله تعالى: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ قلت: ما أرى ربك إلا يسارع في هواك. وقد روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: لم يكن عند رسول الله ﷺ امرأة وهبت نفسها له. ورواه ابن جرير عن أبي كريب عن يونس ابن بكير أي أنه لم يقبل واحدة ممن وهبت نفسها له، وإن كان ذلك مباحا له، ومخصوصا به، لأنه مردود إلى مشيئته كما قال الله تعالى: إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها أي إن اختار ذلك). بمناسبة قوله تعالى: خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قال ابن كثير: (قال عكرمة: أي لا تحل الموهوبة لغيرك، ولو أن امرأة وهبت نفسها لرجل لم تحل حتى يعطيها شيئا، وكذا قال مجاهد والشعبي وغيرهما، أي أنها إذا فوّضت المرأة نفسها إلى رجل فإنه متى دخل بها وجب عليه لها مهر مثلها، كما حكم به رسول الله ﷺ في بروع بنت واشق لما فوّضت فحكم لها رسول الله ﷺ بصداق مثلها، لما توفي عنها زوجها، والموت والدخول سواء في تقرير المهر، وثبوت مهر المثل في المفوضة لغير النبي ﷺ ، فأمّا هو ﵊ فإنه لا يجب عليه للمفوضة شئ، ولو دخل بها، لأن له أن يتزوج بغير صداق، ولا ولي، ولا شهود، كما في قصة زينب بنت جحش ﵂ ولهذا قال قتادة في قوله خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ يقول: ليس لامرأة تهب نفسها لرجل بغير ولي ولا مهر إلا للنبي ﷺ .
٣ - [ما قدم به ابن كثير للآية الأولى من المقطع السابع]
قدّم ابن كثير للآية الأولى من المقطع بقوله:
(يقول تعالى مخاطبا نبيه ﷺ بأنه قد أحل له من النساء أزواجه اللاتي أعطاهن مهورهن، وهي الأجور هاهنا كما قاله مجاهد وغير واحد، وقد كان مهره لنسائه اثنتي عشرة أوقية، ونشّا: وهو نصف أوقية، فالجميع خمسمائة درهم، إلا أم حبيبة بنت أبي سفيان فإنه أمهرها عنه النجاشي رحمه الله تعالى أربعمائة دينار، وإلا صفية بنت حيي فإنه اصطفاها من سبي خيبر، ثم أعتقها وجعل عتقها صداقها، وكذلك جويرية بنت الحارث المصطلقية أدى عنها كتابتها إلى ثابت بن قيس بن شمّاس وتزوّجها- ﵅ أجمعين).
٤ - [كلام النسفي حول الاتجاهات في تفسير آية تُرْجِي مَنْ تَشاءُ .. ]
رأينا أثناء التفسير أن هناك اتجاهين رئيسين في تفسير قوله تعالى: تُرْجِي
стр. 4237
مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ وهناك اتجاهات أخرى في الآية، وقد لخّص النّسفي كل الاتجاهات في الآية مفسّرا قوله تعالى: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ فقال: (بمعنى تترك مضاجعة من تشاء منهن، وتضاجع من تشاء، أو تطلّق من تشاء، وتمسك من تشاء، أو لا تقسم لأيتهن شئت، وتقسم لمن شئت، أو تترك تزوج من شئت من نساء أمتك، وتتزوّج من شئت، وهذه قسمة جامعة لما هو الغرض لأنه إما أن يطلّق وإما أن يمسك، فإذا أمسك ضاجع، أو ترك، وقسم، أو لم يقسم، وإذا طلّق وعزل، فإما أن يخلي المعزولة لا يبتغيها أو يبتغيها.
وروي أنه أرجى منهن جويرية، وسودة، وصفية، وميمونة، وأم حبيبة، وكان يقسم لهن ما شاء كما شاء، وكانت ممن آوى إليه عائشة، وحفصة، وأم سلمة، وزينب، أرجى خمسا، وآوى أربعا، وروي أنه كان يسوّي مع ما أطلق له، وخيّر فيه، إلا سودة فإنها وهبت ليلتها لعائشة، وقالت لا تطلقني حتى أحشر في زمرة نسائك).
٥ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ]
بمناسبة قوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ قال ابن كثير:
(أي من الميل إلى بعضهن دون بعض، مما لا يمكن دفعه كما روى الإمام أحمد ...
عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يقسم بين نسائه، فيعدل ثم يقول: «اللهم هذا فعلي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك». رواه أهل السنن الأربعة وزاد أبو داود بعد قوله: «فلا تلمني فيما تملك ولا أملك» يعني القلب. وإسناده صحيح ورجاله كلهم ثقات).
٦ - [هل آية لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ .. منسوخة أم لا؟ والتدليل على ذلك]
رأينا في تفسير قوله تعالى: لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ ... أن الاتجاه الرئيسي في الآية أنها منسوخة، إلا أن هناك اتجاها في الفهم يوجه الآية بما يجمع بين الآيات بلا نسخ. وقد ذكر ابن كثير أدلة القائلين بالنسخ ثم ذكر الأقوال الأخرى. قال ابن كثير:
(روى الإمام أحمد عن عائشة ﵂ قالت: ما مات رسول الله ﷺ حتى أحلّ الله له النّساء، ورواه أيضا من حديث ابن جريج عن عطاء عن عبيد بن عمير عن عائشة، ورواه الترمذي والنسائي في سننيهما. وروى ابن أبي حاتم عن أم سلمة أنها قالت: لم يمت رسول الله ﷺ حتى أحل الله له أن يتزوج من النساء ما شاء، إلا ذات محرم. وذلك قوله تعالى: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ الآية فجعلت هذه ناسخة للتي بعدها في التلاوة، كآيتي عدة الوفاة في سورة البقرة، الأولى ناسخة
стр. 4238
للتي بعدها والله أعلم، وقال آخرون: بل معنى الآية لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ أي من بعد ما ذكرنا لك من صفة النساء اللاتي أحللنا لك، من نسائك اللاتي آتيت أجورهن، وما ملكت يمينك، وبنات العم والعمات والخال والخالات والواهبة وما سوى ذلك من أصناف النساء، فلا يحل لك، وهذا مروي عن أبيّ بن كعب ومجاهد في رواية عنه وعكرمة والضحاك في رواية وأبي رزين في رواية عنه وأبي صالح والحسن وقتادة في رواية والسدي وغيرهم. روى ابن جرير عن رجل من الأنصار قال: قلت لأبيّ بن كعب: أرأيت لو أن أزواج النبي ﷺ توفين أما كان له أن يتزوج؟ فقال: وما يمنعه من ذلك؟ قال: قلت: قول الله تعالى: لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ فقال: إنما أحل الله له ضربا من النساء فقال: تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ إلى قوله تعالى: إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ ثم قيل له: لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ ورواه عبد الله بن أحمد، وروى الترمذي عن ابن عباس قال: نهي رسول الله ﷺ عن أصناف من النساء إلا ما كان من المؤمنات المهاجرات، بقوله تعالى: لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ فأحل الله فتياتكم المؤمنات، وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي، وحرم كل ذات دين غير الإسلام، ثم قال وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ الآية. وقال تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ إلى قوله تعالى: خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وحرم ما سوى ذلك من أصناف النساء. وقال مجاهد لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ أي من بعد ما سمّى لك من مسلمة ولا يهودية ولا نصرانية ولا كافرة.
وقال أبو صالح لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ أمر أن لا يتزوج أعرابية ولا عربية، ويتزوج بعد من نساء تهامة، وما شاء من بنات العم والعمة، والخال والخالة، إن شاء ثلاثمائة، وقال عكرمة لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ أي التي سمّى الله. واختار ابن جرير ﵀ أن الآية عامّة فيمن ذكر من أصناف النساء، وفي اللواتي في عصمته وكن تسعا، وهذا الذي قاله جيد ولعله مراد كثير ممن حكينا عنه من السلف، فإن كثيرا منهم روي عنه هذا وهذا ولا منافاة والله أعلم. ثم أورد ابن جرير على نفسه ما روى أن رسول الله ﷺ طلّق حفصة، ثم راجعها، وعزم على فراق سودة حتى وهبت يومها لعائشة، ثم أجاب بأن هذا كان قبل نزول قوله تعالى: لا يَحِلُّ لَكَ
النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ
الآية، وهذا الذي قاله من أن هذا كان
стр. 4239
قبل نزول الآية صحيح، ولكن لا يحتاج إلى ذلك، فإن الآية إنما دلت على أنه لا يتزوج بمن عدا اللواتي في عصمته، وأنه لا يستبدل بهن غيرهن، ولا يدل ذلك على أنه لا يطلق واحدة منهن من غير استبدال فالله أعلم، فأما قضية سودة ففي الصحيح عن عائشة ﵂ وهي سبب نزول قوله تعالى: وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً الآية. وأما قضية حفصة فروى أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه من طرق ... عن عمر أن رسول الله ﷺ طلّق حفصة ثم راجعها، وهذا إسناد قوي. وروى الحافظ أبو يعلى عن ابن عمر قال: دخل عمر على حفصة وهي تبكي فقال: ما يبكيك؟ لعلّ رسول الله ﷺ طلقك، إنه كان طلقك مرة ثم راجعك من أجلي. والله لئن كان طلقك مرة أخرى لا أكلمك أبدا. ورجاله على شرط الصحيحين.
٧ - [اتجاه آخر في تفسير آية وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ]
رأينا أن في قوله تعالى وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ نهيا عن الطلاق، وعن الاستبدال بالزوجة المطلقة زوجة أخرى، وهناك اتجاه ذكره ابن كثير بقوله:
(وقد روى الحافظ أبو بكر البزار حديثا مناسبا ذكره هاهنا عن أبي هريرة قال: كان البدل في الجاهلية أن يقول الرجل للرجل: بادلني امرأتك أبادلك بامرأتي، أي تنزل لي عن امرأتك وأنزل لك عن امرأتي فأنزل الله وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ قال: فدخل عيينة بن حصن الفزاري على النبي ﷺ وعنده عائشة فدخل بغير إذن فقال له رسول الله ﷺ : «فأين الاستئذان؟» فقال: يا رسول الله ما استأذنت على رجل من مضر منذ أدركت، ثم قال: من هذه الحميراء إلى جنبك؟ فقال رسول الله ﷺ : «هذه عائشة أم المؤمنين، قال: أفلا أنزل لك عن أحسن الخلق؟ قال: «يا عيينة إن الله قد حرم ذلك» فلما أن خرج قالت عائشة: من هذا؟ قال: «هذا أحمق مطاع، وإنه على ما ترين لسيّد قومه». ثم قال البزار: إسحاق بن عبد الله ليّن الحديث جدا، وإنما ذكرناه لأنا لم نحفظه إلا من هذا الوجه وبيّنا العلة فيه).
ولننتقل إلى المقطع الثامن.
***
стр. 4240
المقطع الثامن ويمتدّ من الآية (٥٣) إلى نهاية الآية (٥٨) وهذا هو:
٣٣/ ٥٨ - ٥٣
التفسير:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ أي إلا مأذونا
стр. 4241
لكم، أو إلا وقت أن يؤذن لكم إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ أي نضجه، قال قتادة ومجاهد وغيرهما: أي غير متحيّنين نضجه واستواءه. أي لا ترقبوا الطعام إذا طبخ حتى إذا قارب الاستواء تعرضتم للدخول فإنّ هذا مما يكرهه الله ويذمّه، وهذا دليل على تحريم التطفل وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا أي فتفرقوا.
في صحيح مسلم عن رسول الله ﷺ قال: «إذا دعا أحدكم أخاه فليجب عرسا أو غيره»، وفي الصحيح: «لو دعيت إلى ذراع لأجبت، ولو أهدي إلى كراع لقبلت، فإذا فرغتم من الذي دعيتم إليه فخففوا عن أهل المنزل، وانتشروا في الأرض» وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ نهوا عن أن يطيلوا الجلوس، يستأنس بعضهم ببعض لأجل حديث يحدثه به إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ أي من أجل إخراجكم وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ أي لا يمتنع منه ولا يتركه ترك الحييّ منكم، ولهذا نهاكم عن ذلك، وزجركم عنه، يعني: أن إخراجكم حق ما ينبغي أن يستحيا منه، قال النسفي: (هذا أدب أدّب الله به الثقلاء) وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ أي إذا سألتم نساء رسول الله ﷺ لدلالة بيوت النبي لأن فيها نساءه مَتاعاً أي عارية أو حاجة فَسْئَلُوهُنَّ المتاع مِنْ وَراءِ حِجابٍ. قال ابن كثير:
(أي وكما نهيتكم عن الدخول عليهن، كذلك لا تنظروا إليهن بالكلية، ولو كان لأحدكم حاجة يريد تناولها منهن فلا ينظر إليهن، ولا يسألهن حاجة إلا من وراء حجاب) ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ من خواطر الشيطان، وعوارض الفتن وَما كانَ لَكُمْ أي وما صح لكم أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً أي وما صح لكم إيذاء رسول الله ﷺ ، ولا نكاح أزواجه من بعد موته إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً أي ذنبا عظيما. قال ابن كثير:
(هذه آية الحجاب، وفيها أحكام وآداب شرعية).
ثم قال تعالى: إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً من إيذاء النبي ﷺ أو من نكاحهن أَوْ تُخْفُوهُ في أنفسكم فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً فيعاقبكم به،
ثمّ بيّن الله الدائرة التي لا يجب الاحتجاب منها فقال: لا جُناحَ أي لا إثم عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ وَلا أَبْنائِهِنَّ وَلا إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ أَخَواتِهِنَّ وَلا نِسائِهِنَّ أي نساء المؤمنات وَلا ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ قال ابن كثير: (يعني به أرقاءهن من الذكور والإناث، كما تقدّم التنبيه عليه، وإيراد الحديث فيه، قال سعيد بن المسيب: إنما يعني به الإماء فقط، رواه ابن أبي حاتم).
стр. 4242
أقول: وهذا الأخير هو مذهب الحنفية، ومعنى الآية: أنّه لا إثم عليهن في ألا يحتجبن من هؤلاء. قال النسفي: (ولم يذكر العم والخال لأنهما يجريان مجرى الوالدين. وقال:
وعبيدهن عند الجمهور كالأجانب). ثم قال تعالى: وَاتَّقِينَ اللَّهَ فيما أمرتن به من الاحتجاب والاستتار واحتطن فيه إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً أي عالما. قال ابن عطاء: الشهيد: الذي يعلم خطرات القلوب، كما يعلم حركات الجوارح. وقال ابن كثير في الآية: (أي واخشينه في الخلوة والعلانية، فإنه شهيد على كل شئ، لا تخفى عليه خافية؛ فراقبن الرقيب)
إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ قال البخاري: قال أبو العالية: صلاة الله تعالى ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة الدعاء. وقال ابن عباس: يصلون يبرّكون. وقال الترمذي: وروي عن سفيان الثوري وغير واحد من أهل العلم قالوا: صلاة الرب الرحمة، وصلاة الملائكة الاستغفار، قال ابن كثير: (والمقصود من هذه الآية أن الله أخبر عباده بمنزلة عبده ونبيه عنده في الملإ الأعلى، بأنه يثني عليه عند الملائكة المقرّبين، وأن الملائكة تصلي عليه، ثم أمر تعالى أهل العالم السفلي بالصلاة والتسليم عليه؛ ليجتمع الثناء عليه من أهل العالمين العلوي والسفلي جميعا).
أقول: ومجئ هذه الآية في هذا السياق إشارة إلى وجوب التقيد بالآداب والأحكام السابقة مع رسول الله ﷺ ، فإذا كان الله وملائكته يصلون على الرسول ﷺ فإن على المؤمنين أن يفعلوا ذلك يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً أي اجمعوا بين الصلاة عليه والتسليم: اللهم صلى على سيدنا محمد وآله وسلم، وقال النسفي: (أو انقادوا لأمره وحكمه انقيادا)
إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أي الذين يؤذون رسول الله ﷺ ، وذكر اسم الله للتشريف، أو عبّر بإيذاء الله ورسوله عن فعل ما لا يرضى به ورسوله، كالكفر وإنكار النبوة لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ أي طردهم من رحمته في الدارين وَأَعَدَّ لَهُمْ في الآخرة عَذاباً مُهِيناً أي مذلا
وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا أي ينسبون إليهم ما هم براء منه، لم يعملوه، ولم يفعلوه، وأطلق التحريم في إيذاء الله ورسوله، وقيده هنا بغير ما اكتسبوا، لأن إيذاء الله ورسوله لا يكون حقا أبدا، وأما إيذاء المؤمنين والمؤمنات فمنه حق كالحدّ والتعزير، ومنه باطل فَقَدِ احْتَمَلُوا أي تحمّلوا بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً أي ظاهرا.
стр. 4243
كلمة في السياق: [حول صلة المقطع الثامن بسورة المائدة وبالمحور وبالمقطع السابع]
١ - كنّا ذكرنا أن المقطع المبدوء ب يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا من سورة الأحزاب يكون ألصق بسورة المائدة ومحورها، ولعلّ هذا المقطع يؤكّد هذا الذي ذكرناه بشكل أوضح، وذلك أن محور سورة المائدة هو قوله تعالى:
إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها* فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ، وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ* الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ لاحظ الصلة بين قوله تعالى في آيتي المحور إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما ... وبين قوله تعالى في هذا المقطع وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ ولاحظ الصلة بين معاني المقطع، وبين قوله تعالى في المحور وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ فالتثقيل على رسول الله ﷺ وإيذاؤه، وإيذاء المؤمنين، كل ذلك من قطع ما أمر الله به أن يوصل.
٢ - لاحظ الصلة بين هذا المقطع والذي قبله، فالمقطع السابع كان حديثا عن أزواج رسول الله ﷺ ، وهذا المقطع في مسراه الرئيسي كان حديثا عن آداب المؤمنين مع بيوته، وأزواجه ﵊.
فوائد:
١ - [سبب نزول آية الحجاب وهي يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ .. ]
في سبب نزول قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ ... قال ابن كثير: (هذه آية الحجاب، وفيها أحكام وآداب شرعية، وهي مما وافق تنزيلها قول عمر بن الخطاب ﵁ كما ثبت ذلك في الصحيحين عنه أنه قال: وافقت ربي في ثلاث: قلت: يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى؛ فأنزل الله تعالى وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى. وقلت: يا رسول الله إن نساءك يدخل عليهن البرّ والفاجر، فلو حجبتهن؛ فأنزل الله آية الحجاب. وقلت لأزواج النبي ﷺ لما تمالأن عليه في الغيرة: عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ فنزلت كذلك. وفي رواية لمسلم ذكر أسارى بدر، وهي قضية رابعة.
وقد روى البخاري عن أنس بن مالك قال: قال عمر بن الخطاب: يا رسول الله
стр. 4244
يدخل عليك البرّ والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب؛ فأنزل الله آية الحجاب، وكان وقت نزولها في صبيحة عرس رسول الله ﷺ بزينب بنت جحش التي تولّى الله تزويجها بنفسه، وكان ذلك في ذي القعدة من السنة الخامسة في قول قتادة والواقدي وغيرهما، وزعم أبو عبيدة معمر بن المثنى، وخليفة بن خياط: أن ذلك كان في سنة ثلاث. فالله أعلم. روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال:
لما تزوج رسول الله ﷺ زينب بنت جحش، دعا القوم فطعموا، ثم جلسوا يتحدثون، فإذا هو يتهيأ للقيام فلم يقوموا، فلمّا رأى ذلك قام، فلما قام من قام قعد ثلاثة نفر، فجاء النبي ﷺ ليدخل فإذا القوم جلوس، ثم إنهم قاموا، فانطلقوا فجئت فأخبرت النبي ﷺ أنهم قد انطلقوا، فجاء حتى
دخل، فذهبت أدخل فألقى الحجاب بيني وبينه، فأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا الآية. وقد رواه أيضا في موضع آخر ومسلم والنسائي من طرق عن معتمر بن سليمان به ثم رواه البخاري منفردا به من حديث أيوب عن أبي قلابة عن أنس ﵁ بنحوه. ثم روى عن أنس بن مالك قال: بنى النبي ﷺ بزينب بنت جحش بخبز ولحم، فأرسلت على الطعام داعيا، فيجئ قوم فيأكلون ويخرجون، ثم يجئ قوم فيأكلون ويخرجون، فدعوت حتى ما أجد أحدا أدعوه، فقلت: يا رسول الله ما أجد أحدا أدعوه قال: «ارفعوا طعامكم» وبقي ثلاثة رهط يتحدّثون في البيت، فخرج النبي ﷺ فانطلق إلى حجرة عائشة ﵂ فقال: «السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته» قالت: وعليك السلام ورحمة الله، كيف وجدت أهلك يا رسول الله بارك الله لك؟ فتقرى حجر نسائه كلهن يقول لهن كما يقول لعائشة، ويقلن له كما قالت عائشة، ثم رجع النبي ﷺ فإذا ثلاثة رهط في البيت يتحدثون، وكان النبي ﷺ شديد الحياء، فخرج منطلقا نحو حجرة عائشة، فما أدري أخبرته أم أخبر القوم، فخرجوا فرجع حتى إذا وضع رجله في أسكفة الباب داخله والأخرى خارجه، أرخى الستر بيني وبينه، وأنزلت آية الحجاب. انفرد به البخاري من بين أصحاب الكتب الستة، سوى النسائي في اليوم والليلة، وقد تقدم في أفراد مسلم من حديث سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس. وروى ابن أبي حاتم عن أنس بن مالك قال:
أعرس رسول الله ﷺ ببعض نسائه فصنعت أم سليم حيسا، ثم جعلته في تور فقالت:
اذهب بهذا إلى رسول الله ﷺ وأقرئه مني السلام، وأخبره أن هذا منا له قليل. قال
стр. 4245
أنس: والناس يومئذ في جهد، فجئت به فقلت: يا رسول الله بعثت بهذا أم سليم إليك، وهي تقرئك السلام، وتقول: أخبره أن هذا منا له قليل، فنظر إليه ثم قال:
«ضعه» فوضعته في ناحية البيت ثم قال: «اذهب فادع فلانا وفلانا» فسمى رجالا كثيرا وقال: «ومن لقيت من المسلمين» فدعوت من قال لي، ومن لقيت من المسلمين، فجئت والبيت والصفة والحجرة ملأى من الناس، فقلت: يا أبا عثمان كم كانوا؟ فقال كانوا زهاء ثلاثمائة. قال أنس: فقال لي رسول الله ﷺ : جئ به، فجئت به إليه، فوضع يده عليه ودعا وقال: «ما شاء الله- ثم قال- ليتحلّق عشرة عشرة، وليسمّوا، وليأكل كلّ إنسان مما يليه» فجعلوا يسمّون ويأكلون، حتى أكلوا كلهم، فقال لي رسول الله ﷺ : «ارفعه» قال: فجئت فأخذت التور فنظرت فيه، فما أدري أهو حين وضعت أكثر أم حين أخذت. قال: وتخلف رجال يتحدثون في بيت رسول الله ﷺ ، وزوج رسول الله ﷺ التي دخل بها معهم مولية وجهها إلى الحائط، فأطالوا الحديث، فشقوا على رسول الله، وكان أشد الناس حياء، ولو أعلموا، كان ذلك عليهم عزيزا، فقام رسول الله ﷺ على حجره وعلى نسائه، فلما رأوه قد جاء ظنوا أنهم قد ثقلوا عليه، ابتدروا الباب فخرجوا، وجاء رسول الله ﷺ حتى أرخى الستر ودخل البيت، وأنا في الحجرة، فمكث رسول الله ﷺ في بيته يسيرا، وأنزل الله عليه القرآن، فخرج وهو يتلو هذه الآية: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ الآية. قال أنس: فقرأهن عليّ قبل الناس، فأنا أحدث الناس بهن عهدا» ... وقد رواه مسلم والترمذي والنسائي ... ، وروى الإمام أحمد عن أنس لما انقضت عدة زينب قال رسول الله ﷺ لزيد: «اذهب فاذكرها عليّ» قال: فانطلق زيد حتى أتاها- قال: وهي تخمّر عجينها- فلما رأيتها عظمت في صدري. وذكر تمام الحديث كما قدمناه عند قوله تعالى: فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً وزاد في آخره: ووعظ القوم بما وعظوا به. قال هاشم في حديثه:
لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ الآية. وروى ابن جرير عن عائشة قالت: إن أزواج رسول الله ﷺ كن يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى المناصع- وهو صعيد أفيح- وكان عمر يقول لرسول الله ﷺ حجّب نساءك، فلم يكن رسول الله ﷺ ليفعل، فخرجت سودة بنت زمعة زوج رسول الله ﷺ وكانت امرأة طويلة، فناداها عمر بصوته الأعلى: قد عرفناك يا سودة، حرصا على أن ينزل الحجاب قالت: فأنزل الله الحجاب. هكذا وقع في هذه الرواية، والمشهور أن هذا كان بعد
стр. 4246
نزول الحجاب كما رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: خرجت سودة بعد ما ضرب الحجاب لحاجتها، وكانت امرأة جسيمة لا تخفى على من يعرفها، فرآها عمر بن الخطاب فقال:
يا سودة أما والله ما تخفين علينا، فانظري كيف تخرجين، قالت: فانكفأت راجعة ورسول الله ﷺ في بيتي، وإنه ليتعشّى وفي يده عرق، فدخلت فقالت: يا رسول الله إني خرجت لبعض حاجتي فقال لي عمر: كذا وكذا، قالت: فأوحى الله إليه، ثم رفع عنه، وإنّ العرق في يده ما وضعه فقال: «إنه قد أذن لكنّ أن تخرجن لحاجتكن» لفظ البخاري. فقوله تعالى: لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ حظر على المؤمنين أن يدخلوا منازل رسول الله ﷺ بغير إذن كما كانوا قبل ذلك يصنعون في بيوتهم في الجاهلية، وابتداء الإسلام، حتى غار الله لهذه الأمة، فأمرهم بذلك، وذلك من إكرامه تعالى هذه الأمة، ولهذا قال رسول الله ﷺ : «إياكم والدخول على النساء» الحديث.
٢ - [سبب نزول آية وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ ... ]
في سبب نزول قوله تعالى: وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً قال ابن كثير: (روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله تعالى: وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ قال: نزلت في رجل همّ أن يتزوج بعض نساء النبي ﷺ بعده. قال رجل لسفيان: أهي عائشة؟ قال: قد ذكروا ذلك. وكذا قال مقاتل بن حيان وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وذكر بسنده عن السدي أن الذي عزم على ذلك طلحة بن عبيد الله ﵁ حتى نزل التنبيه على تحريم ذلك،
ولهذا أجمع العلماء قاطبة على أن من توفي عنها رسول الله ﷺ من أزواجه أنه يحرم على غيره تزوجها من بعده، لأنهن أزواجه في الدنيا والآخرة، وأمهات المؤمنين- كما تقدم- واختلفوا فيمن دخل بها ثم طلّقها في حياته، هل يحل لغيره أن يتزوجها؟ على قولين مأخذهما هل دخلت هذه في عموم قوله مِنْ بَعْدِهِ أم لا؟ فأما من تزوجها ثم طلقها قبل أن يدخل بها فما نعلم في حلها لغيره- والحالة هذه- نزاعا والله أعلم، وروى ابن جرير عن عامر أن نبي الله ﷺ مات وقد ملك قيلة ابنة الأشعث- يعني ابن قيس- فتزوجها عكرمة بن أبي جهل بعد ذلك، فشق ذلك على أبي بكر مشقة شديدة فقال له عمر: يا خليفة رسول الله إنّها ليست من نسائه، إنها لم يخيّرها رسول الله ﷺ ، ولم يحجبها، وقد برّأها الله منه بالردة التي ارتدت مع قومها، فاطمأن أبو بكر ﵁، وسكن. وقد عظّم الله ﵎ ذلك، وشدد فيه وتوعّد عليه بقوله: إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً).
стр. 4247
٣ - [حول عدم ذكر العم والخال في آية الحجاب في سورة النور أو في سورة الأحزاب]
يلاحظ أنه في آية الحجاب في سورة النور، وفي آية الحجاب في سورة الأحزاب لم يذكر اسم العم والخال من جملة المحارم. وذكرنا هناك إنهما لم يذكرا لأنّ حكمهما حكم الأب، وهو تعليل النسفي، وهناك تعليل آخر ذكره ابن كثير وهو يقتضي الاحتياط في الظهور أمام العم والخال. قال ابن كثير: (وقد سأل بعض السلف فقال: لم لم يذكر العم والخال في هاتين الآيتين؟ فأجاب عكرمة والشعبي بأنهما لم يذكرا لأنهما قد يصفان ذلك لبنيهما، روى ابن جرير ... عن الشعبي وعكرمة في قوله تعالى: لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ الآية. قلت: ما شأن العم والخال لم يذكرا؟ قال: لأنهما ينعتانها لأبنائهما، وكرها أن تضع خمارها عند خالها وعمّها).
٤ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ .. ]
بمناسبة قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً تكلم ابن كثير كلاما طويلا قال: وقد جاءت الأحاديث المتواترة عن رسول الله ﷺ بالأمر بالصلاة عليه، وكيفية الصلاة عليه ونحن نذكر منها إن شاء الله ما تيسّر، ثمّ ذكر ابن كثير روايات كثيرة، وذكر خلالها أقوال العلماء في كثير من أحكام الصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وختم نقوله بذكر مسألة، وفصل، وفرع، المسألة في استحباب كتابة الصلاة عليه ﷺ أثناء الكتابة إذا ذكر اسمه ﷺ ، والفصل في الصلاة على غير الأنبياء وأنها جائزة تبعا للصلاة عليه، وأما استقلالا فقد ذكر النووي أنها مكروهة تنزيها، والفرع في استحباب الجمع بين الصلاة والتسليم عليه، ونحن ذاكرون لك من هذا مختارات، وفيما بين يدي ذلك أقول: لقد ندبنا إلى الصلاة على رسول الله ﷺ بشكل مطلق، ويتأكّد النّدب إذا ذكر ﵊، واعتبرها بعضهم من الواجبات، ويتأكد النّدب في ابتداء الدّعاء، وأواسطه، وخواتيمه، ويتأكّد النّدب في أن يصلي الإنسان عليه في المجلس الواحد ولو مرّة، ويتأكّد الندب في الصلاة على خلاف في ذلك في القعود الأول، وبعضهم اعتبر الصلاة عليه في القعود الثاني من الفرائض، ويستحب الجمع بين الصلاة والتسليم عليه، ونحن مقيّدون في الصلاة بالصلوات الإبراهيمية، وهي أفضل الصيغ في الصلاة عليه ﷺ ، أمّا خارج الصلاة، فالصيغ الواردة كثيرة، ومن قال: اللهم صل على محمد وعلى آله وسلّم فقد أجر، وحقّق الأمر، ومن المستحبات أن يجمع الإنسان الصلاة على الآل مع الصلاة عليه ﷺ .
...
стр. 4248
(روى مسلم عن أبي مسعود الأنصاري قال: أتانا رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلم ونحن في مجلس سعد بن عبادة فقال له بشير بن سعد: أمرنا الله أن نصلي عليك يا رسول الله، فكيف نصلي عليك؟ قال: فسكت رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وسلم، حتى تمنينا أنه لم يسأله، ثم قال رسول الله ﵌:
«قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم؛ وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، والسلام كما قد علمتم» وقد رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن جرير وقال الترمذي حسن صحيح. وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن عامر بن ربيعة يحدث عن أبيه قال:
سمعت النبي ﷺ يقول: «من صلى عليّ صلاة لم تزل الملائكة تصلي عليه ما صلى عليّ، فليقلل عبد من ذلك أو ليكثر» ورواه ابن ماجه.
وروى الترمذي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «ما جلس قوم مجلسا لم يذكروا الله فيه، ولم يصلوا على نبيهم، إلا كان عليهم ترة يوم القيامة، فإن شاء عذبهم، وإن شاء غفر لهم» تفرّد به الترمذي من هذا الوجه، ورواه الإمام أحمد عن أبي هريرة مرفوعا مثله ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن. روى الإمام أحمد عن عبد الله بن أبي طلحة عن أبيه أن رسول الله ﷺ جاء ذات يوم والسرور يرى في وجهه فقالوا: يا رسول الله إنا لنرى السرور في وجهك، فقال: «إنه أتاني الملك فقال:
يا محمد أما يرضيك أن ربك يقول إنه لا يصلي عليك أحد من أمتك إلا صليت عليه عشرا، ولا يسلم عليك أحد من أمتك إلا سلمت عليه عشرا؟ قال:
بلى» ورواه النسائي.
وروى الترمذي عن الطفيل بن أبيّ بن كعب عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ إذا ذهب ثلثا الليل قام فقال: «يا أيها الناس اذكروا الله اذكروا الله، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه، جاء الموت بما فيه» قال أبيّ: قلت يا رسول الله إني أكثر الصلاة عليك فكم أجعل لك من صلاتي؟ قال: «ما شئت» قلت: الربع؟
قال: «ما شئت فإن زدت فهو خير لك» قلت: فالنصف؟ قال: «ما شئت فإن زدت فهو خير لك» قلت: فالثلثين؟ قال: «ما شئت فإن زدت فهو خير لك» قلت: أجعل لك صلاتي
كلها قال: «إذن تكفى همك ويغفر لك ذنبك» ثم قال هذا حديث حسن. وروى الترمذي عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله ﷺ قال:
«أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم عليّ صلاة» تفرّد بروايته الترمذي ﵀ ثم قال
стр. 4249
هذا حديث حسن غريب.
وتستحب الصلاة عليه ﷺ عند دخول المسجد والخروج منه للحديث الذي رواه الإمام أحمد عن فاطمة بنت رسول الله ﷺ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا دخل المسجد صلى على محمد وسلم ثم قال: «اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك»، وإذا خرج صلى على محمد وسلم ثم قال: «اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك».
وتستحب الصلاة عليه بعد سماع الأذان والدعاء، وتستحب الصلاة عليه في يوم الجمعة).
٥ - [حول آية إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ .. ]
عند قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً قال ابن كثير: (قال عكرمة في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ نزلت في المصوّرين. وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «يقول الله : يؤذيني ابن آدم، يسبّ الدهر وأنا الدهر أقلّب ليله ونهاره». ومعنى هذا أن الجاهلية كانوا يقولون يا خيبة الدهر فعل بنا كذا وكذا، فيسندون أفعال الله تعالى إلى الدهر، ويسبّونه، وإنما الفاعل لذلك هو الله ، فنهى عن ذلك. هكذا قرره الشافعي وأبو عبيدة وغيرهما من العلماء ﵏، وقال العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ نزلت في الذين طعنوا على النبي ﷺ في تزويجه صفية بنت حيي ابن أخطب. والظاهر أن الآية عامة في كل من آذاه بشيء، ومن آذاه فقد آذى الله، كما أن من أطاعه فقد أطاع الله. كما روى الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن المغفّل المزني قال: قال رسول الله ﷺ : «الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضا بعدي، فمن أحبّهم فبحبّي أحبّهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه»).
٦ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ .. ]
بمناسبة قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً قال ابن كثير: (وهذا هو البهت الكبير، أن يحكي أو ينقل عن المؤمنين والمؤمنات ما لم يفعلوه على سبيل العيب والتنقيص لهم، ومن أكثر من يدخل في هذا الوعيد الكفرة بالله ورسوله، ثم الرافضة الذين ينتقصون الصحابة ويعيبونهم بما قد برأهم الله منه، ويصفونهم بنقيض ما أخبر الله عنهم، فإن الله عزّ وجل
стр. 4250
قد أخبر أنه قد رضي عن المهاجرين والأنصار ومدحهم، وهؤلاء الجهلة الأغبياء يسبّونهم وينتقصونهم، ويذكرون عنهم ما لم يكن ولا فعلوه أبدا، فهم في الحقيقة منكسو القلوب، يذمون الممدوحين، ويمدحون المذمومين، وروى أبو داود عن أبي هريرة أنه قيل: يا رسول الله ما الغيبة؟ قال: «ذكرك أخاك بما يكره». قيل:
أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهّته». وهكذا رواه الترمذي ثم قال حسن صحيح، وقد روى ابن أبي حاتم عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ لأصحابه: «أي الربا أربى عند الله؟». قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «أربى الربا عند الله استحلال عرض امرئ مسلم». ثم قرأ: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً).
...
ولننتقل إلى المقطع التاسع.
***
стр. 4251
المقطع التاسع ويمتدّ من الآية (٥٩) إلى نهاية الآية (٦٨) وهذا هو:
٣٣/ ٥٩ - ٦٨
كلمة في السياق: [حول صلة المقطع التاسع بسورة النساء وبالمقطع الثامن وبالمحور]
١ - هذا المقطع مبدوء بقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ فهو ألصق بسورة النساء ومحورها لاحظ ما يلي:
جاء في سورة النساء قوله تعالى عن المنافقين: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وهاهنا جاء قوله تعالى: مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا
стр. 4252
تَقْتِيلًا.
وفي محور سورة النساء جاء قوله تعالى: فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ وهاهنا جاء قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً ....
٢ - جاء في المقطع الثامن إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ... وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا ... وجاء هاهنا ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وجاء هاهنا عقوبة المرجفين: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ فالصلة بين المقطع والذي قبله واضحة.
التفسير:
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ قال ابن كثير: (يقول تعالى آمرا رسوله ﷺ أن يأمر النساء المؤمنات، خاصة أزواجه وبناته لشرفهن، بأن يدنين عليهن من جلابيبهن ليتميزن عن سمات نساء الجاهلية، وسمات الإماء). وقد اختلفت عبارات المفسرين في تفسير الجلباب فقيل: الملحفة، وقيل: هو الرداء فوق الخمار، وقيل هو ما يستر الكل. ولنا عودة على هذا في الفوائد. قال النسفي في الآية: (أي ترخي بعض جلبابها وفضله على وجهها تتقنّع حتى تتميّز من الأمة، أو المراد أن يتجلببن ببعض ما لهن من الجلابيب، وألّا تكون المرأة متبذّلة في درع وخمار كالأمة، ولها جلبابان فصاعدا في بيتها).
أقول: وعلى هذا القول فإن الأمر في الآية يفيد أنّ على المرأة المؤمنة أن تلبس جلبابا فوق ثيابها التي تلبسها في بيتها عادة، وأن تدني هذا الجلباب بحيث يستر. قال عكرمة:
تغطّي نحرها بجلبابها تدنيه عليها، وفوق ذلك يكون الخمار، وبعضهم يرى أن الجلباب ينبغي أن يستر الخمار كذلك، وأن يدنى على الوجه، وهو موضوع سنرى تفصيلاته في الفوائد. ثم بيّن الله حكمة هذا الأمر ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ أي أولى وأجدر بأن يعرفن أنهنّ حرائر، ومسلمات؛ فلا يتعرّض لهنّ.
وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً قال النسفي: أي لما سلف في أيام الجاهلية حيث لم يكن عندهن علم بذلك
لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر
стр. 4253
وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أي فجور. قال عكرمة وغيره: هم الزناة هاهنا، ولعلهم أخذوه من قوله تعالى: فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ. وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ أي مروّجو الإشاعات الكاذبة لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ أي لنأمرنك بقتالهم، أو لنسلطنك عليهم، وذكر هذا الموضوع هنا فيه نوع إشارة إلى ما سبقه من إيذاء الله ورسوله ﷺ ، ومن إيذاء المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا، فهؤلاء يستحقون ما ذكرته هذه الآية ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها أي في المدينة إِلَّا قَلِيلًا زمانا
مَلْعُونِينَ أي مطرودين مبعدين أَيْنَما ثُقِفُوا أي وجدوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا قال النسفي: التشديد يدل على التكثير، وهذه أوسع آية في التعزير.
والمعنى لئن لم ينته المنافقون عن عداوتهم وكيدهم والفسقة عن فجورهم، والمرجفون عما يؤلفون من أخبار السوء، لنأمرنك بأن تفعل الأفعال التي تسوؤهم، ثم بأن تضطرهم إلى طلب الجلاء عن المدينة، وإلى ألا يساكنوك فيها إلا زمانا قليلا ريثما يرتحلون، وحتى بعد هذا كله فإنهم ملعونون مستحقون للقتل حيث كانوا
سُنَّةَ اللَّهِ أي سنّ الله في أمثالهم أن يقتّلوا أينما وجدوا فِي الَّذِينَ خَلَوْا أي مضوا مِنْ قَبْلُ. قال ابن كثير: أي هذه سنته في المنافقين إذا تمرّدوا على نفاقهم وكفرهم ولم يرجعوا عمّا هم فيه أن أهل الإيمان يسلّطون عليهم ويقهرونهم وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا أي لا يبدل الله سنته بل يجريها مجرى واحدا في الأمم.
كلمة في السياق:
إن محور هذا المقطع هو محور سورة النساء الذي بدايته يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أي لتكونوا من فئة المتقين فتخرجوا عن فئة الكافرين والمنافقين، وقد جاء في هذا المقطع أمر من الأوامر التي تقتضيها التقوى، وهو الستر، وجاء كلام عن المنافقين وتهديد لهم، والآن يأتي كلام عن الكافرين، وتهديد لهم، وتذكير بأن سبب كفرهم طاعة سادتهم وكبرائهم، وذلك كله مرتبط بموضوع العبادة والتقوى، فمن عبادة الله أن تطيعه وألا تطيع من يعصيه.
...
لاحظ صلة المقطع ببداية سورة الأحزاب وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ فالكافرون والمنافقون يستحقون القتل، فكيف يطاعون؟ وفيما يأتي من المقطع بيان
стр. 4254
لعاقبة طاعة الكافرين وَقالُوا رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا.
...
إن ارتباط المقطع بمحور السورة واضح، وارتباطه بما قبله واضح وارتباطه بسياق السورة واضح.
يَسْئَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ سؤال استعجال، أو سؤال امتحان قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ قد استأثر به فلا يعلمه نبي مرسل ولا ملك مقرّب وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً أي تكون شيئا قريبا، وفي هذا بيان أنّ الساعة قريبة الوقوع، وفي ذلك تهديد للمستعجلين، وإسكات للممتحنين
إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ أي أبعدهم من رحمته وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً أي نارا شديدة في الدار الآخرة
خالِدِينَ فِيها أَبَداً أي ماكثين مستمرين فلا خروج لهم منها، ولا زوال لهم عنها قال النسفي:
(هذا يردّ مذهب الجهمية لأنهم يزعمون أنّ الجنّة والنّار تفنيان) لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً أي ليس لهم مغيث ولا معين ينقذهم مما هم فيه
يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ أي تصرف في الجهات كما ترى الشئ يدور في القدر إذا غلت، وخصت الوجوه بالذكر لأن الوجه أكرم موضع على الإنسان من جسده يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا فنتخلص من هذا العذاب، تمنّوا حين لا ينفعهم التمني
وَقالُوا رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا أي رؤساءنا وَكُبَراءَنا أي ذوي الأنساب منا، أو علماءنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا أي اتبعنا السادة وهم الأمراء والكبراء من المشيخة، وخالفنا
الرسل، واعتقدنا أن عندهم شيئا، وأنهم على شئ، فإذا هم ليسوا على شئ
رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ عذاب الضلال والإضلال أي بكفرهم وإغوائهم إيّانا وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً أي العنهم أشدّ اللّعن وأعظمه.
كلمة في السياق:
في هذا المقطع أمر للمؤمنات في وجوب الستر، والستر في المجتمع الإسلامي ضروري لإقامة التقوى عند الذكور والإناث، وفي المقطع تهديد للكافرين والمنافقين الذين لا همّ لهم إلا نشر الفاحشة والفجور والإشاعات، ولذلك صلاته ببعضه وبالمحور، وأما صلته بما قبله فواضحة. فما قبله كان كلاما عن حجاب أمهات المؤمنين
стр. 4255
وجاء هنا الأمر بالحجاب للجميع.
وكنّا ذكرنا من قبل جوانب أخرى من الترابط.
فوائد:
١ - [حول الجلباب ومقصوده بمناسبة آية يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ .. ]
بمناسبة قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ قال ابن كثير: (والجلباب هو الرداء فوق الخمار. قاله ابن مسعود وعبيدة وقتادة والحسن البصري وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وعطاء الخراساني وغير واحد، اليوم، قال الجوهري الجلباب: الملحفة. قالت امرأة من هذيل ترثي قتيلا لها:
تمشي النسور إليه وهي لاهية ... مشي العذارى عليهن الجلابيب
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رءوسهن بالجلابيب، ويبدين عينا واحدة.
وقال محمد بن سيرين: سألت عبيدة السلماني عن قول الله يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ فغطّى وجهه ورأسه وأبرز عينه اليسرى. وقال عكرمة: تغطي ثغرة نحرها بجلبابها تدنيه عليها. وروى ابن أبي حاتم عن أم سلمة قالت: لما نزلت هذه الآية يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ خرج نساء الأنصار كأن على رءوسهن الغربان من السكينة، وعليهن أكسية سود يلبسنها. وقد قال الله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ، وروي عن سفيان الثوري أنه قال: لا بأس بالنظر إلى زينة نساء أهل الذمة، وإنما نهي عن ذلك لخوف الفتنة، لا لحرمتهن، واستدل بقوله تعالى: وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ وقوله: ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ أي إذا فعلن ذلك عرفن أنهن حرائر، لسن بإماء ولا عواهر).
٢ - [حول القراءتين لكلمة كَبِيراً في قوله تعالى وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً]
بمناسبة قوله تعالى: وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً ذكر ابن كثير أن هناك قراءتين في قوله تعالى: كَبِيراً الأولى «كبيرا» والثانية «كثيرا». قال ابن كثير:
هما قريبا المعنى كما في حديث عبد الله بن عمرو أن أبا بكر قال: يا رسول الله علمني دعاء أدعو به في صلاتي. قال: «قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني فإنك أنت الغفور الرحيم».
стр. 4256
أخرجاه في الصحيحين. يروى كثيرا وكبيرا وكلاهما بمعنى صحيح، واستحب بعضهم أن يجمع الداعي بين اللفظين في دعائه، وفي ذلك نظر، بل الأولى أن يقول هذا تارة، وهذا تارة، كما أن القارئ مخيّر بين القراءتين أيتهما قرأ حسن وليس له الجمع بينهما والله أعلم. وروى أبو القاسم الطبراني عن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه في تسمية من شهد مع عليّ ﵁: الحجاج بن عمرو بن غزية وهو الذي كان يقول عند اللقاء: يا معشر الأنصار أتريدون أن تقولوا لربنا إذا لقيناه رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا* رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً).
أقول: دلّ قول ابن كثير على أنه ليس للقارئ أن يخلط بين قراءتين بآن واحد لأن الرسول ﷺ كان يقرئ كل قراءة على حدة.
٣ - [كيفية التعامل مع المنافقين بمناسبة قوله تعالى لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ .. ]
أعطانا قوله تعالى: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلَّا قَلِيلًا* مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا* سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا أعطتنا هذه الآيات مدى واسعا في موضوع تعزير هذه الأنواع من الناس، ومن ثمّ فإننا نحب أن نسجّل الملاحظات التالية:
أ- إن الرسول ﷺ لم يلجأ إلى قتل المنافقين مع استحقاقهم ذلك، حتى لا يقال إن محمدا يقتل أصحابه.
ب- إن الرسول ﷺ بسياسته للمنافقين، وبحسن معاملته لهم، وتوجيهه، استطاع أن ينقذ الكثيرين منهم من النفاق، ويكفى أن نعرف أنه يوم أحد انفصل عن الجيش الإسلامي مع رأس النفاق عبد الله بن أبي أكثر من ثلاثمائة، بينما أخبرنا حذيفة أن الذين كتب عليهم النفاق وليس لهم عنه منكص آحاد. وقد مرّ ذكر ذلك في سورة التوبة.
ج- من الملاحظتين السابقتين ندرك أن استعمال القتل في حق المنافقين، ومن عطف عليهم في الآيات، إنما هو حيث تكون ضرورة، ومن باب «آخر الدواء الكي» على أن هناك حالات يتهدّد فيها أمن الأمة الإسلامية، أو الدولة الإسلامية بالخطر، ففي مثل هذه الحالات يجب أن يكون الحزم هو المقدّم.
стр. 4257
د- وهناك حالات فقدان الحكم الإسلامي، فهل السياسة العملية الحكيمة للدعوة الإسلامية- وهي في سيرها إلى إنهاء النظام الكافر، أو المرتد، أو الباغي، أو الفاسق- أن تلجأ إلى قتل أمثال هؤلاء الناس، أو أن تؤجل؟ هذا موضوع متروك لقرار القيادة الراشدة.
وبمناسبة ما ذكرناه قد يقول قائل هذه الآيات خاصة برسول الله ﷺ وله وحده حق الأخذ بها. أقول: إن قوله تعالى: مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا أخرج المسألة عن كونها خصوصية من خصوصيات رسول الله ﷺ صحيح إن النفاق غيب، ولكن مواصفات المنافقين معروفة لنا.
***
стр. 4258
المقطع العاشر ويمتدّ من الآية (٦٩) إلى نهاية الآية (٧٣) أي إلى نهاية السورة وهذا هو:
٣٣/ ٧٣ - ٦٩
كلمة في السياق: [حول التسلسل بين موضوعات المقاطع في السورة وصلة المقطع العاشر ببداية السورة وبالمحور وترابط آيات المقطع]
١ - في المقطع الثامن جاء قوله تعالى: وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ ... وفي المقطع التاسع جاء قوله تعالى: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ.
وهاهنا يأتي قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى ... فالسياق واحد.
٢ - بدأت السورة بقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ... وهاهنا جاء قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً ....
٣ - في هذا المقطع نهي عن إيذاء رسول الله ﷺ ، وأمر بالتقوى، والقول السّديد، ووصف للإنسان بالظلم والجهل، ولذلك صلته بمحور السورة من سورة
стр. 4259
البقرة في شقيه محور سورة النساء، ومحور سورة المائدة.
٤ - مجئ الأمر بالتقوى، والقول السديد بعد النّهي عن إيذاء الرّسول ﷺ يوحي بأننا مطالبون بشيئين: ترك الكلام المؤذي وقول الكلام السّديد، ولذلك صلته ببعضه بعضا.
٥ - ذكر التكليف وثقله في هذا المقطع له صلة بمحور السورة من سورة البقرة من حيث إننا هناك كلّفنا وهاهنا ذكر ثقل التكليف وحكمته.
التفسير:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى بوصفه ما ليس فيه، وبذكره بما يؤذيه فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا أي من مضمون القول ومؤداه، وهو الأمر المعيب وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً أي ذا جاه ومنزلة.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ أي اخشوه وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً أي صدقا وصوابا، أو قاصدا إلى الحق، لأن السداد: القصد إلى الحق، والقول بالعدل قال ابن كثير: (مستقيما لا اعوجاج فيه ولا انحراف، ووعدهم أنهم إذا فعلوا ذلك أثابهم عليه بأن يصلح لهم أعمالهم، أي يوفّقهم للأعمال الصالحة، وأن يغفر لهم الذنوب الماضية، وما قد يقع منهم في المستقبل يلهمهم التوبة منها) ومن ثمّ قال
يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ أي يقبل طاعتكم، أو يوفقكم لصالح العمل وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ أي يمحها، دل ذلك على أن حفظ اللّسان، وسداد القول، مع تقوى الله، رأس كل خير. قال النسفي: والمعنى: (راقبوا الله في حفظ ألسنتكم، وتسديد قولكم؛ فإنكم إن فعلتم ذلك أعطاكم ما هو غاية الطلبة، من تقبّل حسناتكم، والإثابة عليها، ومن مغفرة سيئاتكم وتكفيرها) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً في الدنيا والآخرة.
...
وفي الصلة بين النهي عن الإيذاء، وبين الأمر بالتقوى، والقول السّديد، يقول النسفي: (وهذه الآية مقرّرة للتي قبلها؛ بنيت تلك على النهي عمّا يؤذي رسول الله ﷺ ، وهذه على الأمر باتقاء الله في حفظ اللسان، ليترادف عليهم النهي والأمر، مع اتباع النهي ما يتضمن الوعيد من قصة موسى ﵇، واتباع الأمر الوعد
стр. 4260
البليغ، فيقوى الصارف عن الأذى والداعي إلى تركه).
...
إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ أي الطاعة. أي الفرائض. أي التكليف عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: الأمانة الفرائض، عرضها الله على السموات والأرض والجبال إن أدوها أثابهم، وإن ضيّعوها عذّبهم، فكرهوا ذلك، وأشفقوا منه من غير معصية، ولكن تعظيما لدين الله، أن لا يقوموا بها، ثم عرضها على آدم فقبلها بما فيها وهو قوله تعالى:
وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ ومعنى الآية أن ما كلفه الإنسان بلغ من عظمه أنه عرض على أعظم ما خلق الله من الأجرام وأقواه فأبى حمله، وأشفق منه، وحمله الإنسان على ضعفه إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا حيث حمل الأمانة، ثم لم يف بها، وضمنها ثم خاس بضمانه فيها، فهو ظلوم لنفسه؛ إذ يخالف، غرّ بأمر الله؛ إذ يعصي جهلا
لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ الذين ظلموا وجهلوا فخانوا الأمانة وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ لوفائهم وأدائهم وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً للتائبين رَحِيماً بعباده المؤمنين. دلّت الآية على أن الحكمة من التكليف تعذيب العاصي وإثابة الطائع.
كلمة في السياق:
في كتابنا (جند الله ثقافة وأخلاقا) تحدثنا عن التقوى، وقلنا إن الإسلام نظام شامل كامل يسع شئون الحياة كلها، وله في كل قضية حكم، ومجموع هذه الأحكام هي الإسلام، وما يطالب به كل إنسان من هذا الإسلام الواسع هو التقوى.
فالتقوى: هي التكليف الذي كلف الله به كل إنسان على حدة، ومن ثمّ فالتقوى هي التكليف، والتكليف الذي كلّف به كل إنسان على حدة هو أمانته التي حمّلها.
قال ابن كثير بعد أن ذكر الأقوال الكثيرة في تعريف الأمانة: (وكل هذه الأقوال لا تنافي بينها بل هي متّفقة، وراجعة إلى أنها التكليف، وقبول الأوامر، والنواهي بشرطها، وهو أنه إن قام بذلك أثيب وإن تركها عوقب. فقبلها الإنسان على ضعفه وجهله وظلمه، إلا من وفق الله وبالله المستعان). وهذه الأمانة مظهرها طاعة الله ورسوله ﷺ في الأمر والنهي، فإذا اتضح هذا عرفنا محل الآيات الأخيرة في السياق
стр. 4261
الخاص والعام. فبعد أن قال الله تعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً بيّن أهمية هذه الطاعة التي هي الأمانة، التي هي التكليف، وبيّن خطورتها، وبعد أن أمر بالتقوى بيّن هاهنا أهمية التقوى، وسمّاها الأمانة، ومن هذا كله نعلم صلة المقطع كله بقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ.
فوائد:
[١، ٢ - كلام ابن كثير حول الآية (٦٩) وتعليق هام للمؤلف]
١ - بمناسبة قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً قال ابن كثير: (روى البخاري عند تفسير هذه الآية عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن موسى كان رجلا حييّا وذلك قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً» هكذا أورد هذا الحديث هاهنا مختصرا جدا. وقد رواه في أحاديث الأنبياء بهذا السند بعينه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إن موسى ﵇ كان رجلا حييّا ستّيرا، لا يرى من جلده شئ؛ استحياء منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل، فقالوا: ما يتستّر هذا التّستّر إلا من عيب في جلده، إما برص، وإما أدرة، وإما آفة، وإن الله أراد أن يبرئه مما قالوا لموسى ﵇، فخلا يوما وحده فخلع ثيابه على حجر ثم اغتسل، فلما فرغ أقبل على ثيابه ليأخذها، وإن الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر، فجعل يقول ثوبي حجر، ثوبي حجر، حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل، فرأوه عريانا أحسن ما خلق الله ، وأبرأه مما يقولون، وقام الحجر فأخذ ثوبه فلبسه، وطفق بالحجر ضربا بعصاه، فو الله إن بالحجر لندبا من أثر ضربه ثلاثا أو أربعا أو خمسا- قال- فذلك قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً» وهذا سياق حسن مطول، وهذا الحديث من أفراد البخاري دون مسلم.
٢ - وبمناسبة هذه الآية قال ابن كثير: (وروى الإمام أحمد عن عبد الله قال: قسم رسول الله ﷺ ذات يوم قسما، فقال رجل من الأنصار إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله، قال: فقلت: يا عدو الله، أما لأخبرنّ رسول الله ﷺ بما قلت، فذكرت ذلك للنّبي ﷺ فاحمرّ وجهه، ثم قال: «رحمة الله على موسى فقد
стр. 4262
أوذي بأكثر من هذا فصبر». أخرجاه في الصحيحين. وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ لأصحابه: «لا يبلغني أحد عن أحد من أصحابي شيئا، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر» فأتى رسول الله ﷺ مال فقسمه، قال: فمررت برجلين وأحدهما يقول لصاحبه: والله ما أراد محمد بقسمته وجه الله، ولا الدار الآخرة، قال فثبتّ حتى سمعت ما قالا، ثم أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، إنك قلت لنا: لا يبلغني أحد عن أصحابي شيئا، وإني مررت بفلان وفلان وهما يقولان كذا وكذا فاحمرّ وجه رسول الله ﷺ وشق عليه، ثم قال:
«دعنا منك لقد أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر»).
وبمناسبة هذه الآية أقول:
إنه لا أضر على العمل الإسلامي من إيذاء القيادة الإسلامية، لأن أي عمل عام يكتب له نجاح في العادة بقدر توفر الثقة في قياداته، وفي العادة فإن الثقة لا تنتقل إلى الأمّة إلا من خلال الصف الإسلامي، فبقدر ما تحسن القيادات العمل، وبقدر ما تتوفر الثقة بالقيادات، فإن الأهداف تكون قابلة للتحقيق، ومن ثمّ فإن تحطيم القيادات الإسلامية كارثة محققة، إلا إذا كانت هذه القيادات غير رشيدة أو غير صالحة.
وعلى هذا فإن المسلم يجب أن يحتاط في كل كلمة تمس الثقة بين قيادة المسلمين وقاعدتهم، وعليه أن يعطي هذا الموضوع أهمية أكبر من أهمية موضوع الغيبة العادية.
إن الغيبة العادية لها إثمها الكبير عند الله، حتى إنه «لا يدخل الجنة قتات»، فكيف إذا كان في هذه الغيبة تدمير لكيان العمل الإسلامي.
وقد لاحظ علماء التربية هذا المعنى، فاعتبروا السم القاتل للقلب هو اعتراض المريد على الشيخ، وحذروا من مجالسة المعترضين والمنكرين على أولياء الله إلا بحق
الشرع القطعي، وعندئذ فحق الشرع هو المقدّم، ولكن بالطريق الذي حدده الشارع.
إن عملية البناء عملية صعبة، وعملية التهديم سهلة، وإن أخطر ما تصادفه الجماعات أن يتوجه أفرادها إلى التهديم، فهذا أسهل شئ وأبشعه.
٣ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً]
بمناسبة قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً قال ابن كثير: (روى ابن أبي حاتم عن أبي موسى الأشعري قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الظهر، فلما انصرف، أومأ إلينا بيده، فجلسنا فقال: «إن الله تعالى
стр. 4263
أمرني أن آمركم أن تتقوا الله، وتقولوا قولا سديدا، ثم أتى النساء فقال: إن الله أمرني أن آمركن أن تتقين الله، وتقلن قولا سديدا»).
٤ - [كلام ابن كثير بمناسبة قوله تعالى إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ .. ]
بمناسبة قوله تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ ... قال ابن كثير:
(روى ابن جرير ... عن ابن عباس أنه قال هذه الآية إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها قال عرضت على آدم فقال: خذها بما فيها، فإن أطعت غفرت لك، وإن عصيت عذبتك، قال:
قبلت، فما كان إلا مقدار ما بين العصر إلى الليل من ذلك اليوم حتى أصاب الخطيئة، وقد روى الضحاك عن ابن عباس قريبا من هذا وفيه نظر، وانقطاع بين الضحاك وبين ابن عباس، والله أعلم. وهكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير والضحاك والحسن البصري وغير واحد: إن الأمانة هي الفرائض، وقال آخرون هي الطاعة، وقال أعمش عن أبي الضحى عن مسروق قال: قال أبيّ بن كعب: من الأمانة أن المرأة اؤتمنت على فرجها، وقال قتادة الأمانة الدين والفرائض والحدود، وقال بعضهم الغسل من الجنابة، وروى مالك عن زيد بن أسلم قال: الأمانة ثلاثة: الصلاة، والصوم، والاغتسال من الجنابة. وكل هذه الأقوال لا تنافي بينها، بل هي متّفقة وراجعة إلى أنها التكليف، وقبول الأوامر والنواهي بشرطها، وهو أنه إن قام بذلك أثيب، وإن تركها عوقب، فقبلها الإنسان على ضعفه وجهله، وظلمه، إلا من وفق الله وبالله المستعان.
وروى ابن جرير أيضا عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال:
«القتل في سبيل الله يكفّر الذنوب كلها- أو قال- يكفّر كل شئ إلا الأمانة، يؤتى بصاحب الأمانة فيقال له: أدّ أمانتك فيقول: أنّى يا رب وقد ذهبت الدنيا؟ فيقال له: أدّ أمانتك فيقول: أنّى يا رب وقد ذهبت الدنيا؟ فيقال أدّ أمانتك، فيقول: أنّى يا رب وقد ذهبت الدنيا؟ فيقول: اذهبوا به إلى أمه الهاوية، فيذهب به إلى الهاوية فيهوي فيها حتى ينتهي إلى قعرها، فيجدها هنالك كهيئتها، فيحملها فيضعها على عاتقه، فيصعد بها إلى شفير جهنم، حتى إذا رأى أنه قد خرج زلت قدمه، فهوي في أثرها أبد الآبدين» قال: والأمانة في الصلاة، والأمانة في الصوم، والأمانة في الوضوء، والأمانة في الحديث، وأشد ذلك الودائع. فلقيت البراء فقلت:
ألا تسمع ما يقول أخوك عبد الله؟ فقال: صدق، وقال شريك: وحدثنا عياش
стр. 4264
العامري عن زاذان عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ بنحوه ولم يذكر الأمانة في الصلاة، وفي كل شئ، إسناده جيد ولم يخرجوه. ومما يتعلّق بالأمانة الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن حذيفة ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ حديثين، قد رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر، حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم نزل القرآن فعلموا من القرآن، وعلموا من السنة. ثم حدثنا عن رفع الأمانة فقال: «ينام الرجل النومة، فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر المجل كجمر دحرجته على رجلك، تراه منتبرا، وليس فيه شئ- قال ثم أخذ حصي فدحرجه على رجله قال- فيصبح الناس يتبايعون لا يكاد أحد يؤدّي الأمانة حتى يقال إن في بني فلان رجلا أمينا، حتى يقال للرجل ما أجلده وأظرفه وأعقله، وما في قلبه حبة خردل من إيمان، ولقد أتى علي زمان وما أبالي أيكم بايعت إن كان مسلما ليردنه على دينه، وإن كان نصرانيا أو يهوديا ليردنه على ساعيه، فأما اليوم فما كنت أبايع منكم إلا فلانا وفلانا» وأخرجاه في الصحيحين من حديث الأعمش به. وروى الإمام أحمد أيضا ... عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال:
«أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا: حفظ أمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة طعمة» هكذا رواه الإمام أحمد في مسند عبد الله بن عمرو ابن العاص رضي الله تعالى عنهما، وقد روى الطبراني في مسند عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ ... عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا: حفظ أمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة طعمة» فزاد في الإسناد ابن حجيرة وجعله في مسند ابن عمر ﵄، وقد ورد النهي عن الحلف بالأمانة. قال عبد الله بن المبارك في كتاب الزهد: عن خناس بن سحيم- أو قال جبلة بن سحيم- قال: أقبلت مع زياد بن حدير من الجابية فقلت في كلامي: لا والأمانة، فجعل زياد يبكي ويبكي، فظننت أني أتيت أمرا عظيما فقلت له: أكان يكره هذا؟ قال: نعم كان عمر بن الخطاب ينهى عن الحلف بالأمانة أشد النهي، وقد ورد في ذلك حديث مرفوع رواه أبو داود عن ابن بريدة عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله: «من حلف بالأمانة فليس منا». تفرّد به أبو داود ﵀.
٥ - [حول ما ورد في عدد آيات سورة الأحزاب وما نسخ منها]
ذكر ابن كثير: (روى الإمام أحمد عن زر قال: قال لي أبي بن كعب: كأين تقرأ سورة الأحزاب أو كأين تعدّها؟ قال: قلت: ثلاثا وسبعين آية، فقال: قط؟!
стр. 4265
لقد رأيتها وإنها لتعادل سورة البقرة، ولقد قرأنا فيها: «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله، والله عزيز حكيم». ورواه النسائي من وجه آخر. وهذا إسناد حسن وهو يقتضي أنه قد كان فيها قرآن ثم نسخ لفظه، وحكمه أيضا، والله أعلم. أقول: إن حكم الرجم لم ينسخ وأقول: إن مثل هذا النوع من النسخ يشير إلى أن هناك حاجات محلية مؤقتة للمجتمع الإسلامي كان ينزل فيها قرآن حتى إذا أدى دوره نسخ).
كلمة أخيرة في سورة الأحزاب:
١ - إن سورة الأحزاب فصّلت في الطريق العملي للتقوى، وحرّرت مما يتناقض معها، ومن ثمّ فإنّ على الدارس أن يخرج منها وهو أكثر فهما للتقوى وأكثر التزاما.
٢ - لاحظنا من قبل أن سورة المائدة فصّلت في محورها، وفي حيّز محور سورة النساء، ومن ثمّ جاءت سورة الأحزاب تفصّل في محوري سورتي النساء والمائدة، لأن كلّا من السورتين تكمّل الأخرى.
٣ - وردت في سورة الأحزاب توجيهات مباشرة لرسول الله ﷺ ، وعلى ورّاث النبوة أن يلاحظوا هذه التوجيهات، إلا ما هو خاص بشخص رسول الله ﷺ ، ووردت توجيهات للمؤمنين في التأدّب مع رسول الله ﷺ فعلى المؤمنين أن يلاحظوها مع ورّاث النبوة، ما لم يكن شئ خاص برسول الله ﷺ .
٤ - إن علينا أن نتذكّر بمناسبة هذه السورة المعنى العميق والعظيم والعجيب للوحدة القرآنية في إطار السورة الواحدة، أو في إطار القرآن كله. إنّ وحدة الموضوع عملية سهلة، ولكن أن توجد مثل هذه الوحدة في القرآن فذلك الذي يجل عن الإمكان البشري، إن الله قد جعل في هذا الكون وحدة عجيبة، وترك للجهد البشري أن يضم أجزاء إلى بعضها؛ ليشكّل أنواعا من الوحدات بحسب احتياجاته، إلى ما لا يتناهى، وهكذا القرآن، إنك لتجد فيما بين آياته أنواعا من الوحدة، وفيما بين سوره أنواعا من الوحدة، وكل ذلك عجيب ومعجز، وترك للجهد البشري أن يضم أجزاء إلى بعضها بما يناسب احتياجات إنسان، أو احتياجات جيل، بما لا يتناهى، وهذا محل جهد العلماء، إن في السلوك، أو في الأخلاق، أو في العبادات، أو في المعاملات، أو في العقائد، أو في أصول الاستنباط،
стр. 4266
أو غير ذلك. إن الإدراك الصحيح لهذا الموضوع يجعل الإنسان على مدارج الفهم الصحيح عن الله في آياته في الكون، وفي الإنسان وفي القرآن.
٥ - من دروس سورة الأحزاب أنها تعرّفنا كيف يتعامل المسلم مع الأحداث اليومية، وكيف يتعامل مع المحن على أي مستوى، وكيف ينبغي أن يكون حاله القلبي، وسلوكه اليومي.
وسورة الأحزاب تحدّد أطر الحياة في المجتمع الإسلامي، وتحدّد الأخلاقيات العليا للمرأة، وهي مجموعة قضايا ينبغي أن نعيها حق الوعي في عصرنا.
إن هناك إطارا للسلوك الأعلى للمرأة، وهناك إطار هو الحد الأدنى لسلوكيات المرأة، والمسلم والمسلمة اللذان تضطرهما بعض الظروف لقبول الحد الأدنى عليهما أن ينظرا باحترام إلى من يسير في إطار السلوك الأعلى.
٦ - إن سورة الأحزاب تذكّرنا بأن على الإنسان أن يحاسب نفسه، وأن يبقى على ذكر، وعلى وجل من كل إحساس غريب، وتصوّر غريب، ومن كل فكر دخيل على القلب، والنفس، والشعور واللاشعور، إنها تذكّرنا بأن نكون مسلمين، مستسلمين لله ورسوله ﷺ ، مؤمنين في كل حال، ملتزمين على كل مستوى. والحمد لله رب العالمين.
***
стр. 4267
سورة سبأ
وهي السّورة الرابعة والثلاثون بحسب الرّسم القرآني وهي السّورة السادسة من المجموعة الأولى من قسم المثاني وآياتها أربع وخمسون آية وهي مكيّة
стр. 4268
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله وآله وأصحابه ربّنا تقبّل منّا، إنّك أنت السّميع العليم
стр. 4269
كلمة في سورة سبأ ومحورها:
بعد سورة المائدة تأتي سورة الأنعام في القسم الأول من أقسام القرآن، وهي مبدوءة بقوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وهاهنا بعد سورة الأحزاب- التي فصلت في محور سورتي النساء والمائدة- تأتي سورتان مبدوءتان بقوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ* هما سورتا سبأ وفاطر، ومن ثمّ فالسورتان تفصّلان في محور سورة الأنعام الذي هو:
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ* هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
إلا أننا نلاحظ بشكل واضح أن هاتين الآيتين اللتين شكلتا محور سورة الأنعام، هما الآن يشكّلان محورين لسورتي: سبأ وفاطر، فالآية الأولى تشكّل محور سورة سبأ، والثانية تشكّل محور سورة فاطر، يظهر هذا بأدنى تأمّل:
فالملاحظ أن سورة سبأ تبدأ بمقدمة، ثم يأتي قوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ ....
وهو موضوع له علاقة بقوله تعالى من سورة البقرة:
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.
وسورة فاطر تبدأ بمقدمة ثم يأتي قوله تعالى:
يا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ.
وهو موضوع له علاقة بقوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
ومن ثمّ قلنا: إن كلّا من السورتين تفصل آية من الآيتين فصّلت فيهما سورة الأنعام المبدوءة بنفس بداية السورتين، ومن ارتباط الآيتين ببعضهما في المعنى، ومن تفصيلهما من قبل سورة الأنعام، ومن البداية المشتركة بين سورة الأنعام وسورتي سبأ وفاطر نتوقع أن هنا تداخلا في التفصيل؛ لأن سورة فاطر تفصّل في حيّز محور
стр. 4270
سورة سبأ، والسورتان تفصلان في محوري سورتي المائدة والنساء.
تبدأ سورة سبأ بمقدمة، ثمّ تجد فيها لازمة تتكرّر ثلاث مرّات هي قوله تعالى:
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ... * مما يشير إلى أن السير الرئيسي للسورة هو إقامة الحجة على الكافرين فيما يقولون، كما أنّ محور السورة كان فيه إقامة حجة على الكافرين:
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ومن ثمّ فإننا نستطيع أن نقول من البداية: إن السورة تتألف من مقدمة وثلاثة مقاطع:
المقدمة وتمتدّ إلى نهاية الآية الثانية.
المقطع الأول ويبدأ بقوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي ....
المقطع الثاني ويبدأ بقوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ويمتد إلى نهاية الآية (٣٠).
المقطع الثالث ويبدأ بقوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ... ويمتد حتى نهاية السورة.
...
نقول:
قال الألوسي ﵀ في تقديمه لسورة سبأ:
(مكية كما روي عن ابن عباس، وقتادة، وفي التحرير هي مكية بإجماعهم، وقال ابن عطية: مكية إلا قوله تعالى: وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وروى الترمذي عن فروة بن مسيكة المرادي قال: أتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله ألا أقاتل من أدبر من قومي؟ الحديث، وفيه وأنزل في سبأ ما أنزل فقال رجل: يا رسول الله وما سبأ؟ الحديث. قال ابن الحصار: هذا يدل على أن القصة مدنية، لأن مهاجرة فروة بعد إسلام ثقيف سنة تسع، ويحتمل أن يكون قوله وأنزل حكاية عما تقدم نزوله قبل هجرته، فلا يأبى كونها مكية. وآياتها خمس وخمسون في الشامي، وأربع وخمسون في الباقين، وما قيل خمس وأربعون سهو من قلم الناسخ. ووجه اتصالها بما قبلها أن الصفات التي أجريت على الله تعالى في مفتتحها مما يناسب الحكم التي في مختتم ما قيل من قوله تعالى: لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ الخ.
стр. 4271
وأيضا قد أشير فيما تقدم إلى سؤال الكفار عن الساعة على جهة الاستهزاء، وهاهنا قد حكي عنهم إنكارها صريحا، والطعن بمن يقول بالمعاد على أتمّ وجه، وذكر مما يتعلق بذلك ما لم يذكر هناك. وفي البحر أن سبب نزولها أن أبا سفيان قال لكفار مكة لما سمعوا لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ: كأن محمدا يتوعّدنا بالعذاب بعد أن نموت، ويتخوّفنا بالبعث، واللات والعزى لا تأتينا الساعة أبدا، ولا نبعث، فقال الله تعالى: قل يا محمد بلى وربي لتبعثن، قاله مقاتل، وباقي السورة تهديد لهم وتخويف، ومن هذا ظهرت المناسبة بين هذه السورة والتي قبلها. انتهى).
وقال صاحب الظلال في تقديمه لسورة سبأ:
(القضايا التي تعالجها السور المكيّة في صور شتى، تعرض في كل سورة في مجال كوني، مصحوبة بمؤثرات منوعة، جديدة على القلب في كل مرّة. ومجال عرضها في سورة سبأ هذه هو ذلك المجال، ممثلا في رقعة السماوات والأرض الفسيحة، وفي عالم الغيب المجهول المرهوب. وفي ساحة الحشر الهائلة. وفي أعماق النفس المطوية اللطيفة. وفي صحائف التاريخ المعلومة والمجهولة، وفي مشاهد من ذلك التاريخ عجيبة غريبة. وفي كل منها مؤثر موح للقلب البشري، موقظ له من الغفلة والضيق والهمود).
...
وبعد، فلنبدأ عرض السورة.
стр. 4272
المقدمة وتشمل الآية الأولى والثانية وهذه هي البسملة:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٣٤/ ٢ - ١
التفسير:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ قال ابن كثير: (يخبر تعالى عن نفسه الكريمة أنّ له الحمد المطلق في الدنيا والآخرة؛ لأنّه المنعم المتفضّل على أهل الدنيا والآخرة، المالك لجميع ذلك، الحاكم في جميع ذلك) وقال النسفي: (وإنّما يحمد أهل الجنة سرورا بالنعيم، وتلذذا بما نالوا من الأجر العظيم) وقال: (غير أن الحمد هنا «أي في الدنيا» واجب لأن الدنيا دار تكليف وثمّ «أي في الآخرة» لا، لعدم التكليف) وَهُوَ الْحَكِيمُ في أقواله وأفعاله، وشرعه وقدره الْخَبِيرُ الذي لا تخفى عليه خافية، ولا يغيب عنه شئ، وقال مالك عن الزهري: خبير بخلقه، حكيم بأمره
يَعْلَمُ ما يَلِجُ أي ما يدخل فِي الْأَرْضِ من حب مبذور، وقطر نازل في أعماق الأرض وأجزائها، وما يدفن فيها من أموات، ودفائن وغير ذلك وَما يَخْرُجُ مِنْها من نبات ومعادن ومياه جوفية وغير ذلك وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ من مطر ورزق وبركات، وأوامر ونواه وقدر وَما يَعْرُجُ فِيها أي وما يصعد إليها من الملائكة والدعوات، والأعمال الصالحة وغير ذلك وَهُوَ الرَّحِيمُ بإنزال ما يحتاجون إليه الْغَفُورُ لما يجترئون عليه، وقال ابن كثير: (الرحيم بعباده؛ فلا يعاجل عصيانهم بالعقوبة، الغفور عن ذنوب التائبين إليه المتوكّلين).
стр. 4273
نقل: [عن صاحب الظلال حول آية يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ .. ]
قال صاحب الظلال ﵀ عند قوله تعالى:
يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ، وَما يَخْرُجُ مِنْها، وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ، وَما يَعْرُجُ فِيها: (ويقف الإنسان أمام هذه الصفحة المعروضة في كلمات قليلة، فإذا هو أمام حشد هائل عجيب من الأشياء، والحركات، والأحجام، والأشكال، والصور، والمعاني، والهيئات، لا يصمد لها الخيال!
ولو أن أهل الأرض جميعا وقفوا حياتهم كلها يتتبّعون ويحصون ما يقع في لحظة واحدة، مما تشير إليه الآية لأعجزهم تتبعه وإحصاؤه عن يقين!
فكم من شئ في هذه اللحظة الواحدة يلج في الأرض؟ وكم من شئ في هذه اللحظة يخرج منها؟ وكم من شئ في هذه اللحظة ينزل من السماء؟ وكم من شئ في هذه اللحظة يعرج فيها؟
كم من شئ يلج في الأرض؟ كم من حبة تختبئ، أو تخبأ في جنبات الأرض؟
كم من دودة ومن حشرة ومن هامة ومن زاحفة تلج في الأرض في أقطارها المترامية؟
كم من قطرة ماء ومن ذرة غاز، ومن إشعاع كهرباء تندس في الأرض في أرجائها الفسيحة؟ وكم وكم مما يلج في الأرض وعين الله عليه ساهرة لا تنام؟
وكم يخرج منها؟ كم من نبتة تنبثق؟ وكم من نبع يفور؟ وكم من بركان يتفجّر؟
وكم من غاز يتصاعد؟ وكم من مستور ينكشف؟ وكم من حشرة تخرج من بيتها المستور؟ وكم وكم مما يرى ومما لا يرى، ومما يعلمه البشر ومما يجهلونه وهو كثير؟
وكم مما ينزل من السماء؟ كم من نقطة مطر؟ وكم من شهاب ثاقب؟ وكم من شعاع محرق، وكم من شعاع منير؟ وكم من قضاء نافذ ومن قدر مقدور؟ وكم من رحمة تشمل الوجود وتخص بعض العبيد. وكم من رزق يبسطه الله لمن يشاء من عباده ويقدر .. وكم وكم مما لا يحصيه إلا الله.
وكم مما يعرج فيها؟ كم من نفس صاعد من نبات أو حيوان أو إنسان أو خلق آخر مما لا يعرفه الإنسان؟ وكم من دعوة إلى الله معلنة أو مستسرة لم يسمعها إلا الله في علاه.
стр. 4274
وكم من روح من أرواح الخلائق التي نعلمها أو نجهلها متوفّاة. وكم من ملك يعرج بأمر من روح الله؟ وكم من روح يرف في هذا الملكوت لا يعلمه إلا الله؟
ثم كم من قطرة بخار صاعدة من بحر، ومن ذرة غاز صاعدة من جسم؟ وكم وكم مما لا يعلمه سواه؟!
كم في لحظة واحدة؟ وأين يذهب علم البشر وإحصاؤهم لما في اللحظة الواحدة ولو قضوا الأعمار الطوال في العدّ والإحصاء؟ وعلم الله الشامل يحيط بهذا كله في كل مكان وفي كل زمان .. وكل قلب وما فيه من نوايا وخواطر وما له من حركات وسكنات تحت عين الله، وهو مع هذا يستر ويغفر .. وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ.
وإن آية واحدة من القرآن كهذه الآية لمما يوحي بأن هذا القرآن ليس من قول البشر).
كلمة في السياق: [حول صلة مقدمة السورة بسورة الأنعام وبالمحور]
أخبرنا الله في مقدّمة السورة عن استحقاقه للحمد؛ لأنه المالك، والعليم، والحكيم، والخبير، والرّحيم، والغفور، فموضوع وجوده بديهية، وموضوع حمده وشكره بديهية، وهذه المقدمة التي تأتي بين يدي مناقشة أقوال الكافرين تشعر أنّ كفر الكافرين، وعدم شكر الجاحدين في غير محله، هذا بالنّسبة لمحلّ المقدّمة في سياق السورة. أمّا محلّ هذه المقدّمة بالنسبة للسّياق العام، فإنّ السورة تفصّل في محور سورة الأنعام كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ التي تفيد: أنّ الكفر مستنكر، ومتعجب منه، وتأتي مقدّمة السورة هنا لتبين بأن الله يستحق الحمد بدل الكفر.
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فهو يستحق الحمد على ذلك كله؛ لنعمه وكماله، فكيف يكفره الكافرون، ولا يشكره الجاحدون!
فمقدّمة السّورة تبيّن ما يستحقه الله لكماله وإنعامه، فالصلة بين محور السورة والمقدمة واضحة، والصلة بين مقدّمة السورة ومقاطعها كذلك واضحة، فلننتقل إلى المقطع الأول.
стр. 4275
المقطع الأول ويمتدّ من الآية (٣) إلى نهاية الآية (٦) وهذا هو:
٣٤/ ٦ - ٣
التفسير:
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا بالله لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ هذا منهم نفي للبعث، وإنكار لمجئ الساعة قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ أي ليس الأمر إلا إتيانها، أكّد مجيئها بحرف الجواب (بلى) وبالقسم بالله، وباللام، وبنون التوكيد، وهذا غاية التوكيد؛ للتدليل على صحّة المجئ، وفيه بيان أنّ إنكارهم بلغ الغاية، حتى احتاج الجواب إلى هذه المؤكّدات عالِمِ الْغَيْبِ أتبع التوكيد القسمي بهذا الوصف؛ لأنّ عظمة المقسم به تؤذن بقوة حال المقسم عليه، وهو إتيان الساعة، وبشدّة ثباته واستقامته، لأنّه بمنزلة الاستشهاد على الأمر، وكلما كان المستشهد به أرفع منزلة كانت الشهادة أقوى وآكد، والمستشهد عليه أثبت وأرسخ، ولمّا كانت قيامة الساعة من مشاهير الغيوب، وأدخلها في الخفية، كان الوصف بما يرجع إلى علم الغيب أولى وأحق لا يَعْزُبُ عَنْهُ أي لا يغيب عنه مِثْقالُ ذَرَّةٍ أي قدر ذرة فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ من مثقال ذرة وَلا أَكْبَرُ من مثقال ذرة إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ أي إلا وهو مذكور في اللوح المحفوظ، فالجميع مندرج تحت علمه، ومسجّل،
следующие страницы →