Полный текст (6 440 стр.). Показаны 4271–4310 · переход к 4276.
стр. 4271
وأيضا قد أشير فيما تقدم إلى سؤال الكفار عن الساعة على جهة الاستهزاء، وهاهنا قد حكي عنهم إنكارها صريحا، والطعن بمن يقول بالمعاد على أتمّ وجه، وذكر مما يتعلق بذلك ما لم يذكر هناك. وفي البحر أن سبب نزولها أن أبا سفيان قال لكفار مكة لما سمعوا لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ: كأن محمدا يتوعّدنا بالعذاب بعد أن نموت، ويتخوّفنا بالبعث، واللات والعزى لا تأتينا الساعة أبدا، ولا نبعث، فقال الله تعالى: قل يا محمد بلى وربي لتبعثن، قاله مقاتل، وباقي السورة تهديد لهم وتخويف، ومن هذا ظهرت المناسبة بين هذه السورة والتي قبلها. انتهى).
وقال صاحب الظلال في تقديمه لسورة سبأ:
(القضايا التي تعالجها السور المكيّة في صور شتى، تعرض في كل سورة في مجال كوني، مصحوبة بمؤثرات منوعة، جديدة على القلب في كل مرّة. ومجال عرضها في سورة سبأ هذه هو ذلك المجال، ممثلا في رقعة السماوات والأرض الفسيحة، وفي عالم الغيب المجهول المرهوب. وفي ساحة الحشر الهائلة. وفي أعماق النفس المطوية اللطيفة. وفي صحائف التاريخ المعلومة والمجهولة، وفي مشاهد من ذلك التاريخ عجيبة غريبة. وفي كل منها مؤثر موح للقلب البشري، موقظ له من الغفلة والضيق والهمود).
...
وبعد، فلنبدأ عرض السورة.
стр. 4272
المقدمة وتشمل الآية الأولى والثانية وهذه هي البسملة:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٣٤/ ٢ - ١
التفسير:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ قال ابن كثير: (يخبر تعالى عن نفسه الكريمة أنّ له الحمد المطلق في الدنيا والآخرة؛ لأنّه المنعم المتفضّل على أهل الدنيا والآخرة، المالك لجميع ذلك، الحاكم في جميع ذلك) وقال النسفي: (وإنّما يحمد أهل الجنة سرورا بالنعيم، وتلذذا بما نالوا من الأجر العظيم) وقال: (غير أن الحمد هنا «أي في الدنيا» واجب لأن الدنيا دار تكليف وثمّ «أي في الآخرة» لا، لعدم التكليف) وَهُوَ الْحَكِيمُ في أقواله وأفعاله، وشرعه وقدره الْخَبِيرُ الذي لا تخفى عليه خافية، ولا يغيب عنه شئ، وقال مالك عن الزهري: خبير بخلقه، حكيم بأمره
يَعْلَمُ ما يَلِجُ أي ما يدخل فِي الْأَرْضِ من حب مبذور، وقطر نازل في أعماق الأرض وأجزائها، وما يدفن فيها من أموات، ودفائن وغير ذلك وَما يَخْرُجُ مِنْها من نبات ومعادن ومياه جوفية وغير ذلك وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ من مطر ورزق وبركات، وأوامر ونواه وقدر وَما يَعْرُجُ فِيها أي وما يصعد إليها من الملائكة والدعوات، والأعمال الصالحة وغير ذلك وَهُوَ الرَّحِيمُ بإنزال ما يحتاجون إليه الْغَفُورُ لما يجترئون عليه، وقال ابن كثير: (الرحيم بعباده؛ فلا يعاجل عصيانهم بالعقوبة، الغفور عن ذنوب التائبين إليه المتوكّلين).
стр. 4273
نقل: [عن صاحب الظلال حول آية يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ .. ]
قال صاحب الظلال ﵀ عند قوله تعالى:
يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ، وَما يَخْرُجُ مِنْها، وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ، وَما يَعْرُجُ فِيها: (ويقف الإنسان أمام هذه الصفحة المعروضة في كلمات قليلة، فإذا هو أمام حشد هائل عجيب من الأشياء، والحركات، والأحجام، والأشكال، والصور، والمعاني، والهيئات، لا يصمد لها الخيال!
ولو أن أهل الأرض جميعا وقفوا حياتهم كلها يتتبّعون ويحصون ما يقع في لحظة واحدة، مما تشير إليه الآية لأعجزهم تتبعه وإحصاؤه عن يقين!
فكم من شئ في هذه اللحظة الواحدة يلج في الأرض؟ وكم من شئ في هذه اللحظة يخرج منها؟ وكم من شئ في هذه اللحظة ينزل من السماء؟ وكم من شئ في هذه اللحظة يعرج فيها؟
كم من شئ يلج في الأرض؟ كم من حبة تختبئ، أو تخبأ في جنبات الأرض؟
كم من دودة ومن حشرة ومن هامة ومن زاحفة تلج في الأرض في أقطارها المترامية؟
كم من قطرة ماء ومن ذرة غاز، ومن إشعاع كهرباء تندس في الأرض في أرجائها الفسيحة؟ وكم وكم مما يلج في الأرض وعين الله عليه ساهرة لا تنام؟
وكم يخرج منها؟ كم من نبتة تنبثق؟ وكم من نبع يفور؟ وكم من بركان يتفجّر؟
وكم من غاز يتصاعد؟ وكم من مستور ينكشف؟ وكم من حشرة تخرج من بيتها المستور؟ وكم وكم مما يرى ومما لا يرى، ومما يعلمه البشر ومما يجهلونه وهو كثير؟
وكم مما ينزل من السماء؟ كم من نقطة مطر؟ وكم من شهاب ثاقب؟ وكم من شعاع محرق، وكم من شعاع منير؟ وكم من قضاء نافذ ومن قدر مقدور؟ وكم من رحمة تشمل الوجود وتخص بعض العبيد. وكم من رزق يبسطه الله لمن يشاء من عباده ويقدر .. وكم وكم مما لا يحصيه إلا الله.
وكم مما يعرج فيها؟ كم من نفس صاعد من نبات أو حيوان أو إنسان أو خلق آخر مما لا يعرفه الإنسان؟ وكم من دعوة إلى الله معلنة أو مستسرة لم يسمعها إلا الله في علاه.
стр. 4274
وكم من روح من أرواح الخلائق التي نعلمها أو نجهلها متوفّاة. وكم من ملك يعرج بأمر من روح الله؟ وكم من روح يرف في هذا الملكوت لا يعلمه إلا الله؟
ثم كم من قطرة بخار صاعدة من بحر، ومن ذرة غاز صاعدة من جسم؟ وكم وكم مما لا يعلمه سواه؟!
كم في لحظة واحدة؟ وأين يذهب علم البشر وإحصاؤهم لما في اللحظة الواحدة ولو قضوا الأعمار الطوال في العدّ والإحصاء؟ وعلم الله الشامل يحيط بهذا كله في كل مكان وفي كل زمان .. وكل قلب وما فيه من نوايا وخواطر وما له من حركات وسكنات تحت عين الله، وهو مع هذا يستر ويغفر .. وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ.
وإن آية واحدة من القرآن كهذه الآية لمما يوحي بأن هذا القرآن ليس من قول البشر).
كلمة في السياق: [حول صلة مقدمة السورة بسورة الأنعام وبالمحور]
أخبرنا الله في مقدّمة السورة عن استحقاقه للحمد؛ لأنه المالك، والعليم، والحكيم، والخبير، والرّحيم، والغفور، فموضوع وجوده بديهية، وموضوع حمده وشكره بديهية، وهذه المقدمة التي تأتي بين يدي مناقشة أقوال الكافرين تشعر أنّ كفر الكافرين، وعدم شكر الجاحدين في غير محله، هذا بالنّسبة لمحلّ المقدّمة في سياق السورة. أمّا محلّ هذه المقدّمة بالنسبة للسّياق العام، فإنّ السورة تفصّل في محور سورة الأنعام كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ التي تفيد: أنّ الكفر مستنكر، ومتعجب منه، وتأتي مقدّمة السورة هنا لتبين بأن الله يستحق الحمد بدل الكفر.
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فهو يستحق الحمد على ذلك كله؛ لنعمه وكماله، فكيف يكفره الكافرون، ولا يشكره الجاحدون!
فمقدّمة السّورة تبيّن ما يستحقه الله لكماله وإنعامه، فالصلة بين محور السورة والمقدمة واضحة، والصلة بين مقدّمة السورة ومقاطعها كذلك واضحة، فلننتقل إلى المقطع الأول.
стр. 4275
المقطع الأول ويمتدّ من الآية (٣) إلى نهاية الآية (٦) وهذا هو:
٣٤/ ٦ - ٣
التفسير:
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا بالله لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ هذا منهم نفي للبعث، وإنكار لمجئ الساعة قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ أي ليس الأمر إلا إتيانها، أكّد مجيئها بحرف الجواب (بلى) وبالقسم بالله، وباللام، وبنون التوكيد، وهذا غاية التوكيد؛ للتدليل على صحّة المجئ، وفيه بيان أنّ إنكارهم بلغ الغاية، حتى احتاج الجواب إلى هذه المؤكّدات عالِمِ الْغَيْبِ أتبع التوكيد القسمي بهذا الوصف؛ لأنّ عظمة المقسم به تؤذن بقوة حال المقسم عليه، وهو إتيان الساعة، وبشدّة ثباته واستقامته، لأنّه بمنزلة الاستشهاد على الأمر، وكلما كان المستشهد به أرفع منزلة كانت الشهادة أقوى وآكد، والمستشهد عليه أثبت وأرسخ، ولمّا كانت قيامة الساعة من مشاهير الغيوب، وأدخلها في الخفية، كان الوصف بما يرجع إلى علم الغيب أولى وأحق لا يَعْزُبُ عَنْهُ أي لا يغيب عنه مِثْقالُ ذَرَّةٍ أي قدر ذرة فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ من مثقال ذرة وَلا أَكْبَرُ من مثقال ذرة إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ أي إلا وهو مذكور في اللوح المحفوظ، فالجميع مندرج تحت علمه، ومسجّل،
стр. 4276
فلا يخفى عليه شئ، فالعظام وإن تلاشت وتفرّقت وتمزّقت فهو عالم أين ذهبت، وأين تفرّقت، ثم يعيدها كما بدأها أول مرة، فإنه بكل شئ عليم، وهكذا عرفنا من خلال ما وصف الله ذاته في الآية دليل على قيام الساعة،
ثم بين تعالى حكمته في إعادة الأبدان وقيام الساعة بقوله لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ لما قصدوا فيه من مدارج الإيمان وَرِزْقٌ كَرِيمٌ لما صبروا عليه من مناهج الإحسان
وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أي سعوا في ردّ القرآن مسابقين ظانّين أنّهم يفوتوننا، قال ابن كثير في تفسير الآية: أي سعوا في الصدّ عن سبيل الله، وتكذيب رسله أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ أي لهم عذاب مؤلم، ذكرت هاتان الآيتان تعليلا لإتيان الساعة، فالحكمة في ذلك أن ينعّم السعداء من المؤمنين، ويعذّب الأشقياء من الكافرين
وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ أي الصدق وَيَهْدِي هذا الكتاب إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ وهو دين الله قال ابن كثير: (هذه حكمة أخرى «أي من حكم إتيان الساعة» معطوفة على التي قبلها، وهي أن المؤمنين بما أنزل على الرسل إذا شاهدوا قيام الساعة، ومجازاة الأبرار والفجار بالذي كانوا قد علموه من كتب الله تعالى في الدنيا، رأوه حينئذ عين اليقين ... ) فمن حكم إتيان اليوم الآخر أن يرى أهل العلم أن القرآن حق، وأنه هاد إلى صراط الله العزيز، أي المنيع الجناب الذي لا يغالب، ولا يمانع، بل قد قهر كل شئ وغلبه، الحميد في جميع أقواله وأفعاله وشرعه وقدره، فهو المحمود في ذلك كله جلّ وعلا، وهناك اتجاه يقول: إنّ الآية الأخيرة مستأنفة، وليست معطوفة على ما قبلها، فهي تقرّر أن أهل العلم يعلمون أن القرآن حق، ويهدي إلى صراط الله، وعلى هذا فالآية تقرر أن هذا القرآن حق، يعرف ذلك العالمون، وإذ كان الأمر كذلك، وإذ كان القرآن الذي هو حق يقرّر مجئ الساعة، فذلك دليل على أنّ الساعة آتية.
نقل: [عن صاحب الظلال بمناسبة قوله تعالى وَيَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ]
قال صاحب الظلال عند قوله تعالى: وَيَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ:
(وصراط العزيز الحميد هو المنهج الذي أراده للوجود؛ واختاره للبشر لينسّق خطاهم مع خطى هذا الكون الذي يعيشون فيه. وهو الناموس الذي يهيمن على أقدار هذا الكون كله، بما فيه من الحياة البشرية التي لا تنفصل في أصلها ونشأتها،
стр. 4277
ولا في نظامها وحركتها عن هذا الكون وما فيه ومن فيه.
يهدي إلى صراط العزيز الحميد بما ينشئه في إدراك المؤمن من تصور للوجود وروابطه وعلاقاته وقيمه؛ ومكان هذا الإنسان منه، ودوره فيه؛ وتعاون أجزاء هذا الكون من حوله- وهو معها- في تحقيق مشيئة الله وحكمته في خلقه؛ وتناسق حركات الجميع وتوافقها في الاتجاه إلى بارئ الوجود.
ويهدي إلى صراط العزيز الحميد بتصحيح منهج التفكير، وإقامته على أسس سليمة، متّفقة مع الإيقاعات الكونية على الفطرة البشرية؛ بحيث يؤدي هذا المنهج بالفكر البشري إلى إدراك طبيعة هذا الكون وخواصّه وقوانينه، والاستعانة بها، والتجاوب معها بلا عداء ولا اصطدام ولا تعويق.
ويهدي إلى صراط العزيز الحميد بمنهجه التربوي الذي يعدّ الفرد للتجاوب والتناسق مع الجماعة البشرية. ويعدّ الجماعة البشرية للتجاوب والتناسق- أفرادا وجماعات- مع مجموعة الخلائق التي تعمر هذا الكون! ويعدّ هذه الخلائق كلها للتجاوب والتناسق مع طبيعة الكون الذي تعيش فيه .. كل ذلك في بساطة ويسر ولين.
ويهدي إلى صراط العزيز الحميد بما فيه من نظم وتشريعات مستقيمة مع فطرة الإنسان وظروف حياته ومعاشه الأصيلة، متناسقة مع القوانين الكلية التي تحكم بقية الأحياء، وسائر الخلائق؛ فلا يشذّ عنها الإنسان بنظمه وتشريعاته. وهو أمة من هذه الأمم في نطاق هذا الكون الكبير.
إن هذا الكتاب هو الدليل إلى هذا الصراط. الدليل الذي وضعه خالق الإنسان وخالق الصراط، العارف بطبيعة هذا وذاك. وإنك لتكون حسن الطالع وأنت تقوم برحلة في طريق لو حصلت على دليل من وضع المهندس الذي أنشأ هذا الطريق.
فكيف بمنشئ الطريق ومنشئ السالك في الطريق!؟).
كلمة في السياق: [حول صلة المقطع الأول بمقدمة السورة وبالمحور]
في مقدمة السورة قرر الله أن له الحمد في الآخرة كما رأينا، وهذا إثبات لليوم الآخر، ثم جاء المقطع الأول يذكر كفر الكافرين بالآخرة، ويردّ عليهم، ويذكر حكمة مجئ اليوم الآخر، ففيما بين المقدمة والمقطع الأول صلة ظاهرة، وأما صلة المقطع بمحور السورة فذلك أنّ محور السورة هو كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً
стр. 4278
فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ فقد قرر الله أن البشر راجعون إليه، وقد جاء الرجوع إليه في المحور بصيغة التقرير في سياق الإنكار والتعجيب ممّن يكفر بالله، وجاء هذا المقطع ليقرر أن الكافرين لا يؤمنون بالرجوع إليه، ويردّ عليهم، ومن المقطع ومحور السورة نفهم أنّ الكفر باليوم الآخر فرع الكفر بالله .
...
فائدة: [حول الآيات الثلاث في القرآن كله التي يقسم الله سبحانه بربوبيته على وقوع المعاد]
بمناسبة قوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ .... قال ابن كثير: (هذه إحدى الآيات الثلاث التي لا رابع لهنّ مما أمر الله تعالى رسوله ﷺ أن يقسم بربه العظيم على وقوع المعاد لمّا أنكره من أنكره من أهل الكفر والعناد، فإحداهن في سورة يونس ﵇ وهي قوله تعالى:
وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ، والثانية هذه وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ، والثالثة في سورة التغابن وهي قوله تعالى: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وَذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ.
ولننتقل إلى المقطع الثاني.
***
стр. 4279
المقطع الثاني ويمتدّ من الآية (٧) إلى نهاية الآية (٣٠) وهذا هو:
المجموعة الأولى ٣٤/ ٣٠ - ٧ المجموعة الثانية ٣٤/ ١٠ - ١٣
стр. 4280
٣٤/ ١٤ المجموعة الثالثة ٣٤/ ١٥ - ٢١ المجموعة الرابعة
стр. 4281
٣٤/ ٢٢ - ٢٨ المجموعة الخامسة ٣٤/ ٢٩ - ٣٠
ملاحظة في السياق: [حول وحدة موضوعات المقطع بدليل وحدة بدايته ونهايته]
يلاحظ أن المقطع تكلّم في بدايته بشكل صريح عن اليوم الآخر:
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ... وأن المقطع في نهايته تكلم عن اليوم الآخر بشكل صريح:
وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ....
وجاءت في الوسط ثلاث مجموعات: مجموعة تكلّمت عن داود وسليمان عليهما
стр. 4282
السلام، ومجموعة تكلّمت عن سبأ، ومجموعة صدرت فيها أوامر لرسول الله ﷺ أن يقول فيها كلاما، ومن ثمّ ففقراتها مبدوءة ب (قل ... ) وسنرى محلّ كلّ في السياق الخاص والعام، وإنّما سجّلنا هذه الملاحظة لنؤكّد على وحدة المقطع، بدليل وحدة بدايته ونهايته، ممّا يشير إلى أنّ ما سيق في الوسط يخدم ما جاء في أوله وآخره، وسنعرضه على أنّه خمس مجموعات: مقدّمة، وخاتمة، وثلاث مجموعات في الوسط.
تفسير المجموعة الأولى
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يعنون محمدا ﷺ ، وإنما نكّروه مع أنه كان مشهورا علما في قريش، وكان إنباؤه بالبعث شائعا عندهم؛ تجاهلا به، وبأمره يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ أي فرّقتم كل تفريق، أي تفرّقت أجسادكم في الأرض، وذهبت فيها كل مذهب، أي يحدّثكم بأعجوبة من الأعاجيب أنكم تبعثون وتنشئون خلقا جديدا بعد أن تكونوا رفاتا وترابا، قد تمزّقت أجسادكم إِنَّكُمْ أي بعد هذه الحال لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أي تعودون أحياء ترزقون بعد ذلك، قال ابن كثير: (هذا
إخبار من الله عن استبعاد الكفرة الملحدين قيام الساعة، واستهزائهم بالرسول ﷺ في إخباره بذلك ... وهو في هذا الإخبار لا يخلو أمره عن قسمين: إما أن يكون قد تعمّد الافتراء على الله تعالى أنّه قد أوحى إليه ذلك أو أنّه لم يتعمّد لكن لبّس عليه كما يلبّس على المعتوه المجنون ... ) ومن ثمّ قال تعالى حكاية عن قولهم في رسوله:
أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أي أهو مفتر على الله كذبا فيما ينسب إليه من ذلك أَمْ بِهِ جِنَّةٌ أي أم به جنون يوهمه ذلك ويلقيه على لسانه؟! قال تعالى نافيا هذا وهذا: بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ أي في الكفر المفضي بهم إلى عذاب الله وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ من الحق في الدنيا، أي ليس الأمر كما زعموا ولا كما ذهبوا إليه بل محمد ﷺ هو الصادق البارّ الرّائد الذي جاء بالحق، وهم الكذبة الجهلة الأغبياء السائرون في طريق العذاب، والضالّون الضلال البعيد؛ لبعدهم عن الجادّة. قال النسفي في الآية: (قال : ليس محمد ﷺ من الافتراء والجنون في شئ، وهو مبرّأ منهما، بل هؤلاء القائلون الكافرون بالبعث واقعون في عذاب النار، وفيما يؤديهم إليه من الضلال عن الحق، وهم غافلون عن ذلك، وذلك أجنّ الجنون، جعل وقوعهم في العذاب رسيلا لوقوعهم في الضلال، كأنهما كائنان في وقت واحد، لأن الضلال لما كان العذاب من لوازمه جعلا كأنّهما
стр. 4283
مقترنان)
ثم أتمّ الله الجواب بلفت نظرهم إلى مظاهر قدرته في خلق السموات والأرض، وإلى قدرته تعالى على تعذيبهم في الدنيا، وفي ذلك إقامة حجة عليهم، وإنذار لهم فقال: أَفَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ فلو أنهم رأوا لأيقنوا بقدرة الله التي لا يعجزها شئ، وبالتالي لأيقنوا باليوم الآخر، ولكن أعمتهم الألفة، فلم يعودوا يشاهدون عظمة الخلق والخالق إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ أي قطعا، ومن المعلوم أن النيازك التي تصطدم بالجو يوميا لو أنها تصل إلى الأرض بأن كان حجمها أكبر مما هي عليه فإن حياة الإنسان على الأرض تكون مهددة يوميا. وقد وصلت بعض النيازك إلى الأرض فأحدثت فيها حفرا كبيرة، قال ابن كثير: (أي لو شئنا لفعلنا بهم ذلك الخسف، أو الإسقاط؛ بظلمهم وقدرتنا عليهم، ولكن نؤخر ذلك لحلمنا وعفونا) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً أي لدلالة لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ أي فظن لبيب، رجّاع إلى الله، مطيع له قال النسفي: (إذ المنيب لا يخلو من النظر في آيات الله، على أنه قادر على كل شئ، من البعث، ومن عقاب من يكفر به) وقال ابن كثير في قوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ: ( ... على قدرة الله تعالى على بعث الأجساد، ووقوع المعاد، لأن من قدر على خلق هذه السموات في ارتفاعها واتّساعها، وهذه الأرضين في انخفاضها وأطوالها وأعراضها، إنه لقادر على إعادة الأجسام، ونشر الرميم من العظام ... ) وقد دلت الآية على أن من اتصف بصفة الإنابة إلى الله بالتوبة الدائمة، هو الذي يرى في السموات والأرض آية على قدرة الله على الخلق، والبعث، وآية على قدرته على التعذيب والانتقام.
...
كلمة في السياق: [حول موضوع المجموعة وصلتها بالمقطع الأول وبمقدمة السورة وبالمحور]
١ - أقامت هذه المجموعة الحجّة على منكري البعث من خلال لفت النّظر إلى قدرة الله على العذاب في الدنيا، بإنزال الكسف من السماء، وبالخسف في الأرض، فالقادر على ذلك، قادر على التعذيب في اليوم الآخر، وقادر بالتالي على إيجاد اليوم الآخر، ولقد جاء الكلام عن اليوم الآخر في مقدّمة السّورة، وفي المقطع الأول، وفي هذه المجموعة، فالسّياق واحد في السّورة، وصلة ذلك بمحور السّورة من سورة البقرة واضحة، ففي المحور جاء قوله تعالى: ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.
стр. 4284
٢ - إنّ محور سورة سبأ هو قوله تعالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.
إن صيغة الاستفهام في هذه الآية تفيد الإنكار والتعجيب، فالكفر مستنكر، والكفر عجيب، وإذا كان الكفر بالله مستنكرا، فالأصل إذن هو الإيمان، وإذا كان الكفر بالله عجيبا، فالأصل إذا هو الشكر، فإذا أدركنا هذه المعاني عرفنا سرّ مجئ قصة داود وسليمان المؤمنين الشاكرين في هذا السياق، وأدركنا سرّ مجئ قوله تعالى هاهنا: اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ.
إنّ قصة داود وسليمان ﵉ في هذا السياق ترينا الموقف السّليم للإنسان السّليم: إنّه الشّكر وليس الكفر، وصلة ذلك بسياق السورة وبمحورها واضحة.
فلنر المجموعة الثانية من المقطع الثاني.
***
стр. 4285
تفسير المجموعة الثانية
وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا ثم بيّن ما هو هذا الفضل يا جِبالُ أي قلنا يا جبال أَوِّبِي مَعَهُ أي رجّعي معه التسبيح قال النسفي: ومعنى تسبيح الجبال أن الله تعالى يخلق فيها تسبيحا، فيسمع منها كما يسمع من المسبّح معجزة لداود ﵇ وَالطَّيْرَ أي قلنا للطير أوّبي معه كذلك وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ أي وجعلناه له ليّنا كالطين المعجون، يصرفه بيده كيف يشاء من غير نار، ولا ضرب بمطرقة
أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ أي أمرناه أن اعمل دروعا سابغات، أي واسعة تامّة وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ السّرد نسج الدروع ومعنى: وقدّر في السرد: أي لا تجعل المسامير دقاقا فتفلق، ولا غلاظا فتفصم الحلق، واجعله بقدر وَاعْمَلُوا أي يا آل داود، ويا داود صالِحاً أي عملا خالصا يصلح للقبول، أي في الذي أعطاهم الله من النعم إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ أي
مراقب لكم، بصير بأعمالكم وأقوالكم، لا يخفى عليّ من ذلك شئ، وسأجازيكم عليه
وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ أي وسخّرنا لسليمان الريح غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ أي جريها بالغداة مسيرة شهر، وجريها بالعشي كذلك، وهل هذا التسخير بأن تطيعه في الإمطار وتسيير السفن، أو تسخيرها بأن تحمله من مكان إلى مكان؟ ليس هنالك نصّ قاطع في هذا إلا أن عامة المفسّرين يذكرون الثاني فقط. قال ابن كثير: (لما ذكر تعالى ما أنعم به على داود، عطف بذكر ما أعطى ابنه سليمان عليهما الصلاة والسلام، من تسخير الريح له، تحمل بساطه، غدوها شهر ورواحها شهر) وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ أي عين النحاس وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ أي وسخّرنا له الجن يعملون بين يديه بإذن ربه، أي بقدره وتسخيره لهم وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ أي ومن يعدل من الشياطين عَنْ أَمْرِنا الذي أمرنا به، من طاعة سليمان نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ أي الحريق
يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ أي مساجد، أو مساكن حسنة وَتَماثِيلَ أي وصورا مجسّدة كالسّباع والطيور وغير ذلك، قال النسفي: (وكان التصوير مباحا حينئذ) وَجِفانٍ جمع جفنة كَالْجَوابِ جمع جابية: وهي الحياض الكبار وَقُدُورٍ راسِياتٍ أي ثابتات في أماكنها لا تتحرك ولا تتحوّل عن أماكنها لعظمها اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً أي وقلنا لهم اعملوا شكرا على ما أنعم به عليكم في الدين والدنيا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ أي المتوفر على أداء الشكر، الباذل وسعه فيه، قد شغل به قلبه ولسانه وجوارحه، اعتقادا واعترافا وكدحا، وهذا
стр. 4286
إخبار عن الواقع
فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ أي على سليمان الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ أي ما دلّ الجن وآل داود عَلى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ أي الأرضة تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ أي عصاه فَلَمَّا خَرَّ أي سقط سليمان ﵇ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أي علمت الجن أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ كما كانوا يتوهّمون، ويوهمون الناس ما لَبِثُوا بعد موت سليمان ﵇ فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ أي في العذاب المذلّ، وليس عن رسولنا ﵊ أو في كتاب الله ما يبيّن لنا كيف تمّ الحادث، وما مقدار الزمن الكائن بين الوفاة والاكتشاف عقب السقوط، وإنما هي روايات مرجعها علماء أهل الكتاب، وليس في ذكرها عبرة ولا عظة، وإنّما العبرة والعظة موجودتان فيما ذكر الله .
...
نقول: [عن صاحب الظلال حول قصة سليمان ﵇ في السورة]
قال صاحب الظلال:
(وتسخير الريح لسليمان تتكاثر حوله الروايات، وتبدو ظلال الإسرائيليات واضحة في تلك الروايات- وإن تكن كتب اليهود الأصلية لم تذكر شيئا عنها- والتحرّج من الخوض في تلك الروايات أولى. والاكتفاء بالنص القرآني أسلم. مع الوقوف به عند ظاهر اللفظ لا نتعدّاه. ومنه يستفاد أن الله سخر الريح لسليمان، وجعل غدوها أي توجهها غادية إلى بقعة معينة (ذكر في سورة الأنبياء أنها الأرض المقدسة) يستغرق شهرا، ورواحها أي انعكاس اتجاهها في الرواح يستغرق شهرا كذلك. وفق مصلحة تحصل من غدوّها ورواحها، يدركها سليمان- ﵇ ويحققها بأمر الله ... ولا نملك أن نزيد هذا إيضاحا حتى لا ندخل في أساطير لا ضابط لها ولا تحقيق.
وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ .. والقطر: النحاس. وسياق الآيات يشير إلى أن هذا كان معجزة خارقة كإلانة الحديد لداود. وقد يكون ذلك بأن فجّر الله له عينا بركانية من النحاس المذاب من الأرض. أو بأن ألهمه الله إذابة النحاس حتى يسيل ويصبح قابلا للصبّ والطرق. وهو فضل من الله كبير.
وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ ...
стр. 4287
وكذلك سخّر له طائفة من الجن يعملون بأمره بإذن ربه. والجن: كل مستور لا يراه البشر. وهناك خلق سماهم الله الجن ولا نعرف نحن من أمرهم شيئا إلا ما ذكره الله عنهم، وهو يذكر هنا أن الله سخّر طائفة منهم لنبيه سليمان- ﵇ فمن عصى منهم ناله عذاب الله).
وقال ﵀ عند قوله تعالى: فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ* فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ:
(وقد روي أنه كان متّكئا على عصاه حين وافاه أجله؛ والجن تروح وتجئ مسخّرة فيما كلفها إياه من عمل شاق شديد؛ فلم تدرك أنه مات، حتى جاءت دابة الأرض. قيل إنها الأرضة، التي تتغذى بالأخشاب، وهي تلتهم أسقف المنازل وأبوابها وقوائمها بشراهة فظيعة، في الأماكن التي تعيش فيها. وفي صعيد مصر قرى تقيم منازلها دون أن تضع فيها قطعة خشب واحدة خوفا من هذه الحشرة التي لا تبقي على المادة الخشبية ولا تذر. فلمّا نخرت عصا سليمان لم تحمله فخرّ على الأرض. وحينئذ فقط علمت الجن موته. وعندئذ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ .. فهؤلاء هم الجن الذين يعبدهم بعض الناس. هؤلاء هم سخرة لعبد من عباد الله. وهؤلاء هم محجوبون عن الغيب القريب؛ وبعض الناس يطلب عندهم أسرار الغيب البعيد!).
كلمة في السياق: [حول المجموعة وصلتها بما قبلها وبالمحور وعلة ورود قصة داود وسليمان مع قصة سبأ هنا]
١ - نلاحظ أن هذه المجموعة ختمت بقوله تعالى: اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ* فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ فلنتذكر صلة هذا بمقدمة السورة، قرّر الله في الآية الأولى من السورة استحقاقه للحمد الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ ... وفي الآية الثانية قرّر الله اختصاصه بالعلم يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ
مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها ...
وقد جاءت قصة سليمان وداود ﵉ لتقرر استحقاقه للشكر، وختمت قصة داود وسليمان بما ينفي أن يكون غيره عالما بالغيب حتى ولو كانوا الجن الذين بلغ
стр. 4288
من قوّتهم أن صنعوا لسليمان هذه الأشياء الضخمة التي تحدّثت عنها الآيات.
٢ - ختمت الآية السابقة على قصة داود وسليمان ﵉ بقوله تعالى:
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ فالعبودية لله والإنابة له صفتان بهما تعرف آيات الله في الكون، وإذ يقصّ الله علينا قصة داود ﵇ التي فيها وَاعْمَلُوا صالِحاً وقصة سليمان ﵇ التي فيها اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً ...
فإن ذلك يشير إلى أن المقام الأعلى للإنسان هو العمل الصالح، وهو الشكر، وأن ما يعطيه الله للإنسان ينبغي أن يقابل بالعمل الصالح وبالشكر. فالمجموعة تعلّمنا أنّ أدب أكرم الخلق مع الله العبودية؛ فلا يستنكفنّ أحد منها؛ فإنها باب الآيات الدالة على الله وعلى اليوم الآخر.
٣ - يلاحظ أن المقطع الأول ختم بقوله تعالى: وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ.
وأن المقطع الثاني بدأ بذكر سخرية الكافرين برسول الله ﷺ لأنه يدعو إلى اليوم الآخر هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ وتأتي هذه المجموعة بعد ذلك لترينا نماذج من عطاء الله لرسله عليهم الصلاة والسلام، وهو عطاء عجيب عظيم معجز، من تأويب للجبال والطير، وإلانة للحديد، وتسخير للريح والجن، فإذا ما أكرم الله محمدا ﷺ بهذا القرآن المعجز، فليس ذلك ببدع من الأمر، فعطاء الله ليس له حدود، فكيف يسخرون من محمد ﵊.
مما مرّ ندرك صلة المجموعة بما قبلها سواء في ذلك المجموعة السابقة عليها، أو المقطع الأول، أو المقدمة.
٤ - لاحظ مجئ كلمة الإنابة في آخر المجموعة الأولى، وأوّل هذه المجموعة:
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ثم جاء بعدها مباشرة وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ فكلمة: أوّبي معه تفيد أن داود ﵇ كان يئوب إلى الله، وعلى هذا فبعد أن قال الله إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ أعطانا نموذجا على العبد المنيب في داود وابنه سليمان ﵉، وأعطانا نماذج على ما يكرم الله به عباده الأوّابين إذا أنابوا إليه، من عطاء ليس له حدود،
стр. 4289
فالمجموعة إذن ترفع هممنا لنكون أوّابين من أجل أن نرى آيات الله، لنؤمن بالله واليوم الآخر حقّ الإيمان، وهذا مظهر آخر من مظاهر ارتباط المجموعة بما قبلها.
٥ - وإذا اتضح كل ما مرّ، وعرفنا صلة المجموعة بما قبلها، يبقى أن نتذكر صلة هذه المجموعة بمحور السورة من سورة البقرة:
إن الصلة واضحة، فالمحور ينكر على من يكفر بالله فلا يشكره، والمجموعة تقدّم النموذج على الشكر، وعدم الكفران، لاحظ: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ* هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ. وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ إلى قوله تعالى اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ.
فمحور السورة ذكّرنا بنعم الله العامة، وقصة داود وسليمان ﵉ تذكرنا بنعم الله الخاصة، وهذا كله يقتضي شكرا، فإذا كان المحور ينكر على الكافرين، فالمجموعة تقدّم لنا نموذجا للشاكرين، ونموذجا لعطاء الله لهم.
٦ - وإذا كانت قصة داود وسليمان ﵉ نموذجا على الشكر، ففي المجموعة اللاحقة تأتي قصة سبأ كنموذج على الكفر بالله، الذي هو سبب الكفر بالآخرة، وهو موضوع سنراه، فلنر الآن بعض الفوائد.
فائدتان: [حول الآيتين يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ، اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً]
١ - بمناسبة قوله تعالى: يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ قال ابن كثير:
(وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ سمع صوت أبي موسى الأشعري يقرأ من الليل، فوقف فاستمع لقراءته، ثم قال ﷺ : «لقد أوتي هذا مزمارا من مزامير آل داود»، وقال أبو عثمان النهدي ما سمعت صوت صنج ولا بربط ولا وتر أحسن من صوت أبي موسى الأشعري ﵁.
٢ - بمناسبة قوله تعالى: اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً قال ابن كثير: (فيه دلالة على أن الشكر يكون بالفعل كما يكون بالقول والنية كما قال الشاعر:
أفادتكم النّعماء مني ثلاثة ... يدي ولساني والضمير المحجبا
стр. 4290
قال أبو عبد الرحمن السلمي: الصلاة شكر، والصيام شكر، وكل خير تعمله لله شكر، وأفضل الشكر: الحمد. رواه ابن جرير. وروى هو وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي قال: الشكر تقوى الله تعالى والعمل الصالح).
***
стр. 4291
تفسير المجموعة الثالثة
لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ أي في موضع سكناهم، وهو بلدهم وأرضهم التي كانوا مقيمين فيها باليمن آيَةٌ أي علامة دالّة على قدرة الله وإحسانه، ووجوب شكره هذه الآية جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ أي جماعتان من البساتين، جماعة عن يمين بلدهم، وأخرى عن شمالها، وكل واحدة من الجماعتين في تقاربها وتضامّها كأنها جنّة واحدة، كما تكون بساتين البلاد العامرة كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ هكذا قال أنبياء الله المبعوثون إليهم بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ أي هذه البلدة التي فيها رزقكم بلدة طيبة، وربكم الذي رزقكم، وطلب شكركم رب غفور لمن شكره
فَأَعْرَضُوا عن دعوة أنبيائهم، وعن شكر ربهم فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ أي المطر الشديد، أو سيل الوادي المسمّى بالعرم، الذي بنوا في نهايته سدّهم وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ المذكورتين جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ أي ثمر خَمْطٍ أي بشع وَأَثْلٍ الأثل: شجر يشبه الطرفاء، والأثل لا ثمر له وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ السّدر: شجر النبق، قال الحسن: قلّل السدر لأنّه أكرم ما بدّلوا، لأنه يكون في الجنان، قال ابن كثير: (فهذا الذي صار أمر تينك الجنتين إليه بعد الثمار النضيجة والمناظر الحسنة والظلال العميقة، والأنهار الجارية تبدّلت إلى شجر الأراك، والطرفاء والسدر ذي الشوك الكثير، والثمر القليل، وذلك بسبب كفرهم، وشركهم بالله، وتكذيبهم الحق، وعدولهم عنه إلى الباطل
ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا أي بسبب كفرهم وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ أي وهل نجازي مثل هذا الجزاء إلا من كفر النّعمة، ولم يشكرها، أو كفر بالله
وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ أي بين سبأ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها وهي الشام قُرىً ظاهِرَةً أي متواصلة يرى بعضها من بعض لتقاربها، فهي ظاهرة لأعين الناظرين، أو ظاهرة للسابلة لم تبعد عن مسالكهم، حتى تخفى عليهم وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ أي وجعلنا هذه القرى على مقدار معلوم يقيل المسافر في قرية، ويروح في أخرى إلى أن يبلغ الشام سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ أي الأمن حاصل لهم في سيرهم ليلا ونهارا. قال النسفي: أي سيروا فيها إن شئتم بالليل وإن شئتم بالنهار، فإن الأمن فيها لا يختلف باختلاف الأوقات، أو سيروا فيها آمنين لا تخافون عدوا ولا جوعا ولا عطشا، وإن تطاولت مدة سفركم، وامتدت أياما وليالي
فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا قالوا: يا ليتها كانت بعيدة فنسير على
стр. 4292
نجائبنا، ونربح في التجارات، ونفاخر في الدواب والأسباب، بطروا النعمة، وملوا العافية، فطلبوا الكدّ والتعب وَظَلَمُوا بما قالوا أَنْفُسَهُمْ بكفرهم فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ أي يتحدّث الناس بهم ويتعجبون من أحوالهم وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ أي وفرّقناهم تفريقا اتخذه الناس مثلا مضروبا يقولون ذهبوا أيدي سبأ، وتفرقوا أيادي سبأ، كما سترى في الفوائد إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ عن المعاصي وعلى البلاء شَكُورٍ للنّعم، قال النسفي: أو لكل مؤمن لأن الإيمان نصفان: نصفه شكر، ونصفه صبر
وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ أي حقق عليهم ظنه، أو وجده صادقا فَاتَّبَعُوهُ أي أهل سبأ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قلّل المؤمنين لقلّتهم بالإضافة إلى الكفار
وَما كانَ لَهُ أي لإبليس عَلَيْهِمْ أي على الذين صار ظنّه فيهم صدقا مِنْ سُلْطانٍ أي من حجّة قال الحسن البصري: والله ما ضربهم بعصا ولا أكرههم على شئ وما كان إلا غرورا وأماني، دعاهم إليها فأجابوه إِلَّا لِنَعْلَمَ موجودا ما علمناه معدوما والتغيّر على المعلوم لا على العلم مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ قال ابن كثير: (أي إنّما سلّطناه عليهم ليظهر أمر من هو مؤمن بالآخرة وقيامها، والحساب فيها والجزاء؛ فيحسن عبادة ربّه في الدنيا، ممّن هو منها في شك وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ أي محافظ عليه، فليحذر العاصي وليشكر المؤمن.
كلمة في السياق: [حول موضوع المجموعة وصلتها بما قبلها وبما بعدها وبالمحور]
١ - نلاحظ أن المجموعة الأولى من هذا المقطع انتهت بقوله تعالى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ونلاحظ أن المجموعة التي مرت معنا تبدأ بقوله تعالى لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ مما يشير إلى ارتباط المجموعة الثالثة بمقدمة المقطع، ونلاحظ أنه بعد ما قصّ الله علينا عقوبة سبأ قال إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ فإذا تذكّرنا أن قوله تعالى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ جاء في معرض ذكر قدرة الله على العقوبة، ندرك الصلة بين مقدّمة المقطع مع المجموعة، ونلاحظ أن المجموعة انتهت بقوله تعالى وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ مما يدل على أن موضوع اليوم الآخر الذي بدأ به المقطع هو الهدف من سوق القصة؛ فكفر النعمة سببه الشّك في الآخرة.
стр. 4293
٢ - إن هناك ارتباطا بين رؤية الآية، والشكر لله، والإنابة إليه، وهناك ارتباط بين الشكر لله وبين الإيمان باليوم الآخر، وهذا من أوائل المعاني التي تقدمها لنا المجموعة الثالثة، فالمقطع بدأ بذكر قول للكافرين يفيد استبعادهم لليوم الآخر، ثمّ ردّ عليه، ثمّ جاءت قصة داود نموذجا على الشكر، ثم جاءت قصة سبأ نموذجا على الكفر، فالمجموعة الثانية ذكرت نموذجا لمن يرى الآيات التي تدل على الله، وعلى اليوم الآخر، والمجموعة الثالثة ذكرت نموذجا لمن يعمى عن رؤية الآيات التي تدل على الله، وعلى اليوم الآخر، ومن ثم ذكرت المجموعة الثانية ما يستحقه من يرى، وذكرت المجموعة الثالثة ما يستحقه من لا يرى.
٣ - في المجموعتين الثانية والثالثة ذكر ضمنا دليل جديد من أدلّة اليوم الآخر، فالله مستحق للشكر، والقيام بالشكر مرتبط بوجود يوم آخر، وإيمان به، والله المحيط علما بكل شئ، والعليم بالإنسان قضى أن يكون يوم آخر؛ لأنّه بدون ذلك لا يقوم الإنسان بحق الله.
٤ - فلتتأمل الآن صلة مجموعة سبأ بمحور السورة من سورة البقرة:
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. إنّ المجموعة تعطينا نموذجا على الكفر الواضح الفاقع مع وجود كل ما ينافيه،
وتعطينا التعليل لهذا الكفر وهو الشك باليوم الآخر.
فالصلة قائمة بين المجموعة وما قبلها، وبين المجموعة ومحور السورة من سورة البقرة.
٥ - الملاحظ أن ما بعد مجموعة سبأ تأتي مجموعة يتوجه فيها الخطاب لرسول الله ﷺ أن يقول للكافرين قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ ... قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ ...
فلم انتقل السياق من الكلام عن سبأ إلى هذا الخطاب المباشر؟ إن الجواب يكمن في بداية المقطع، لقد بدأ المقطع بذكر سخرية الكافرين من رسول الله ﷺ لأنه يدعو إلى الإيمان باليوم الآخر وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ وقد ردّ الله عليهم، ولفت نظرهم، وأقام الحجة، وذكر ما يعطي الشاكرين بذكر قصة داود وسليمان، وذكر ما يعاقب به الكافرين في قصة سبأ؛ ليردّهم عن الكفر إلى الشكر، ثم بعد ذلك يأمر رسوله ﷺ أن يردّ
стр. 4294
عليهم، وهكذا تأتي المجموعة الرابعة في المقطع استمرارا للمقطع، ومتصلة به، وقبل أن نعرضها فلنذكر بعض ال فوائد:
فوائد:
[١، ٢ - تقديم ابن كثير لقصة سبأ وتحقيق حول اسم (سبأ) أهو رجل أم امرأة أم أرض ؟]
١ - قدم ابن كثير لقصة سبأ بقوله:
(كانت سبأ ملوك اليمن وأهلها، وكانت التبابعة منهم، وبلقيس صاحبة سليمان ﵊ من جملتهم، وكانوا في نعمة وغبطة في بلادهم وعيشهم، واتّساع أرزاقهم وزروعهم وثمارهم، وبعث الله ﵎ إليهم الرسل، تأمرهم أن يأكلوا من رزقه بتوحيده وعبادته، فكانوا كذلك ما شاء الله تعالى، ثم أعرضوا عمّا أمروا به، فعوقبوا بإرسال السيل والتفرّق في البلاد أيدي سبأ شذر مذر).
٢ - روى الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن وعلة قال: سمعت ابن عباس يقول:
إن رجلا سأل رسول الله ﷺ عن سبأ ما هو، أرجل أم امرأة أم أرض؟ قال ﷺ :
«بل هو رجل ولد له عشرة فسكن اليمن منهم ستة، والشام منهم أربعة، ما اليمانيون فمذحج، وكندة، والأزد، والأشعريون، وأنمار، وحمير، وأما الشامية فلخم، وجذام، وعاملة، وغسان»، وروى الإمام أحمد أيضا وعبد بن حميد عن فروة ابن مسيك ﵁ قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله أقاتل بمقبل قومي مدبرهم؟ قال رسول الله ﷺ : «نعم فقاتل بمقبل قومك مدبرهم» فلمّا ولّيت دعاني فقال: «لا تقاتلهم حتى تدعوهم إلى الإسلام» فقلت: يا رسول الله أرأيت سبأ أواد هو أو جبل أو ما هو؟ قال ﷺ : «بل رجل من العرب ولد له عشرة، فتيامن ستة، وتشاءم أربعة، تيامن الأزد، والأشعريون، وحمير، وكندة، ومذحج، وأنمار الذين يقال لهم بجيلة وخثعم، وتشاءم لخم، وجذام، وعاملة، وغسان». وقد قال ابن كثير في قوله ﵊: «فتيامن منهم ستة وتشاءم منهم أربعة»:
(أي بعد ما أرسل الله تعالى عليهم سيل العرم، منهم من أقام ببلادهم، ومنهم من نزح عنها إلى غيرها) ثم قال ابن كثير: (وكان من أمر السّد أنّه كان الماء يأتيهم من بين جبلين، وتجتمع إليه أيضا سيول أمطارهم وأوديتهم، فعمد ملوكهم الأقادم فبنوا بينهما سدا عظيما محكما، حتى ارتفع الماء، وحكم على حافات ذينك الجبلين، فغرسوا الأشجار، واستغلوا الثمار، في غاية ما يكون من الكثرة والحسن، كما ذكر غير واحد من السلف- منهم قتادة- أن المرأة كانت تمشي تحت الأشجار، وعلى رأسها مكتل
стр. 4295
- أو زنبيل- وهو الذي تختزن فيه الثمار، فيتساقط من الأشجار في ذلك ما يملؤه من غير أن يحتاج إلى كلفة ولا قطاف؛ لكثرته ونضجه واستوائه، وكان هذا السّد بمأرب، بلدة بينها وبين صنعاء ثلاث مراحل، ويعرف بسد مأرب).
[(٣، ٥ - حول عدد الأنبياء المرسلين لسبأ، وإرسال العرم على قومه، وأثر حول عقاب الله لهم]
٣ - قال ابن كثير: (وقال محمد بن إسحاق عن وهب بن منبه: بعث الله تعالى إليهم «أي إلى سبأ» ثلاثة عشر نبيا. وقال السدي: أرسل الله إليهم اثني عشر ألف نبي والله أعلم). أقول: نحن نؤمن بكل نبي دون أن نتقيّد بعدد فيما لم يرد فيه نص قطعي.
٤ - قال ابن كثير: (وذكر غير واحد منهم ابن عباس ووهب بن منبه وقتادة والضحاك أن الله لما أراد عقوبتهم بإرسال العرم عليهم، بعث على السّد دابّة من الأرض يقال لها الجرذ نقبته ... ).
٥ - بمناسبة ما عاقب الله به سبأ ذكر ابن كثير: ما أخرجه ابن أبي حاتم بسنده عن ابن خيرة- وكان من أصحاب علي ﵁ قال:
جزاء المعصية: الوهن في العبادة، والضيق في المعيشة، والتعسّر في اللذة، قيل:
وما التعسر في اللذة؟ قال: لا يصادف لذّة حلالا إلا جاءه من ينغّصه إياها).
٦ - [كلام ابن كثير بمناسبة قوله تعالى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ]
بمناسبة قوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ قال ابن كثير: (روى الإمام أحمد عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «عجبت من قضاء الله تعالى للمؤمن؛ إن أصابه خير حمد ربه وشكر، وإن أصابته مصيبة حمد ربه وصبر، يؤجر المؤمن في كل شئ حتى في اللقمة يرفعها إلى في امرأته». وقد رواه النسائي في اليوم والليلة، من حديث أبي إسحاق السبيعي به، وهو حديث عزيز من رواية عمر بن سعد عن أبيه ولكن له شاهد في الصحيحين من
حديث أبي هريرة ﵁ «عجبا للمؤمن لا يقضي الله تعالى له قضاء إلا كان خيرا له، إن أصابته سرّاء شكر فكان خيرا له؛ وإن أصابته ضرّاء صبر فكان خيرا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن». قال عبد: حدثنا يونس عن سفيان عن قتادة إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ قال: كان مطرف يقول: نعم العبد الصبّار الشكور، الذي إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر.
٧ - [كلام ابن كثير بمناسبة آية وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ]
عند قوله تعالى وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ قال ابن كثير: (قال ابن عباس ﵄ وغيره: هذه الآية كقوله تعالى إخبارا عن إبليس حين امتنع
стр. 4296
من السجود لآدم ﵊ ثم قال: أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: ٦٢] وقال: ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ [الأعراف: ١٧] والآيات في هذا كثيرة، وقال الحسن البصري لما أهبط الله آدم ﵊ من الجنة، ومعه حواء، هبط إبليس فرحا بما أصاب منهما، وقال: إذا أصبت من الأبوين ما أصبت فالذرية أضعف وأضعف، وكان ذلك ظنا من إبليس، فأنزل الله وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فقال عند ذلك إبليس: لا أفارق ابن آدم ما دام فيه الروح، أعده وأمنّيه وأخدعه، فقال الله تعالى: «وعزتي وجلالي لا أحجب عنه التوبة ما لم يغرغر بالموت، ولا يدعوني إلا أجبته، ولا يسألني إلا أعطيته، ولا يستغفرني إلا غفرت له». رواه ابن أبي حاتم).
***
стр. 4297
تفسير المجموعة الرابعة
قُلِ للكافرين ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي من الآلهة التي عبدت من دونه، والمعنى: ادعوا الذين عبدتموهم من دون الله من الأصنام والملائكة، وسمّيتموهم باسمه، والتجئوا إليهم فيما يعروكم كما تلتجئون إليه، وانتظروا استجابتهم لدعائكم كما تنتظرون استجابته، ثم أجاب عنهم بقوله لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ من خير أو شر، أو نفع أو ضر فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ أي وما لهم في هذين الجنسين من شركة في الخلق، ولا في الملك وَما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ أي وما له تعالى من آلهتهم من معين يعينه على تدبير خلقه، يريد أنهم على هذه الصفة من العجز فكيف يصح أن يدعوا كما يدعى ويرجوا كما يرجى!
ثم قال تعالى: وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ الله، يعني:
إلا لمن وقع الإذن للشفيع لأجله، هذا إخبار منه تعالى عن عظمته وجلاله، وكبريائه لا يجترئ أحد أن يشفع عنده تعالى في شئ إلا بعد إذنه له في الشفاعة حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ أي حتى إذا كشف الفزع عن قلوب الشافعين والمشفوع لهم بكلمة يتكلم بها رب العزة، في إطلاق الإذن قالُوا أي سأل بعضهم بعضا ماذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ أي قال القول الحق، وهو الإذن بالشفاعة لمن ارتضى وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ أي ذو العلو والكبرياء، ليس لملك ولا نبي أن يتكلم ذلك اليوم إلا بإذنه، أو يشفع إلا لمن ارتضى، فإذا كان هذا شأن الله في العظمة، وذاك شأن آلهتهم في العجز، فكيف يعبدون غير الله، ويتركون عبادة الله، وكيف يكفرون بالله؟.
قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بما ينزل من المطر، وينبت من الزرع، أمره بأن يقرّرهم بقوله مَنْ يَرْزُقُكُمْ ثم أمره بأن يتولى الإجابة والإقرار عنهم قُلِ اللَّهُ وذلك للإشعار بأنهم مقرّون به بقلوبهم، إلا أنهم ربما أبوا أن يتكلّموا به؛ لأنّهم إن تفوّهوا بأنّ الله رازقهم، لزمهم أن يقال لهم: فما لكم لا تعبدون من يرزقكم، وتؤثرون عليه من لا يقدر على الرزق؟ ثم أمره أن يقول لهم بعد الإلزام والإلجام، الذي إن لم يزد على إقرارهم بألسنتهم، لم يتقاصر عنه وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ومعناه: وإنّ أحد الفريقين من الموحّدين، ومن المشركين، لعلى أحد الأمرين من الهدى أو الضلال، وفي مجيئه بعد ما تقدم، دلالة غير خفيّة على من هو من الفريقين على الهدى، ومن هو في الضلال المبين، ولكن
стр. 4298
التعريض أوصل بالمجادل إلى الغرض، قال ابن كثير: (أي واحد من الفريقين مبطل والآخر محقّ؟ لا سبيل إلى أن تكونوا أنتم ونحن على الهدى، أو على الضلال، بل واحد منا مصيب، ونحن قد أقمنا البرهان على التوحيد، فدل على بطلان ما أنتم عليه من الشرك)
ثم أمره أن يقول: قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا إن كان ما نحن فيه إجرام وَلا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ إن كان لكم أعمال تسألون عنها، وهو نوع من الخطاب غاية في هضم النفس، والتأدب مع المخاطبين، مع المفاصلة الكاملة ومن ثمّ قال ابن كثير: (معناه التبري منهم أي لستم منا ولا نحن منكم، بل ندعوكم إلى الله تعالى، وإلى توحيده، وإفراد العبادة له، فإن أجبتم فأنتم منّا ونحن منكم وإن كذّبتم فنحن برءاء منكم، وأنتم برءاء منا)
قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا أي يوم القيامة يجمع بين الخلائق في صعيد واحد ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِّ أي يحكم بيننا بالعدل بلا جور ولا ميل وَهُوَ الْفَتَّاحُ أي الحاكم الْعَلِيمُ أي العالم بالعمل والحكم قال ابن كثير: أي الحاكم العادل، العالم بحقائق الأمور
قُلْ يا محمد لهؤلاء الكافرين أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ أي بالله شُرَكاءَ في العبادة كَلَّا أي ارتدعوا عن هذا القول، وتنبهوا عن ضلالكم بَلْ هُوَ اللَّهُ لا غيره الْعَزِيزُ أي الغالب، فلا يشاركه أحد الْحَكِيمُ في تدبيره
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ أي لجميع الخلائق من المكلفين بَشِيراً وَنَذِيراً أي تبشر من أطاعك بالجنة، وتنذر من عصاك بالنار وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ فيحملهم جهلهم على مخالفتك.
..
نقول: قال صاحب الظلال في حديثه عن هذه المجموعة:
(إنها جولة قصيرة حول قضية الشرك والتوحيد. ولكنها جولة تطوّف بالقلب البشري في مجال الوجود كله، ظاهره وخافيه، حاضره وغيبه، سمائه وأرضه، دنياه وآخرته، وتقف به مواقف مرهوبة ترجف فيها الأوصال؛ ويغشاها الذهول من الجلال. كما تقف به أمام رزقه وكسبه، وحسابه وجزائه. وفي زحمة التجمع والاختلاط. وفي موقف الفصل والعزل والتميز والانفراد .. كل أولئك في إيقاعات قوية، وفواصل متلاحقة، وضربات كأنها المطارق: قُلِ .. قُلْ .. قُلْ .. كل
стр. 4299
قولة منها تدمغ بالحجة، وتصدع بالبرهان في قوة وسلطان).
وقال صاحب الظلال عند قوله تعالى:
قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ. قُلِ: اللَّهُ. وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ:
(والرزق مسألة واقعة في حياتهم. ورزق السماء من مطر وحرارة وضوء ونور ..
ذلك فيما كان يعرفه المخاطبون، ووراءه كثير من الأصناف والألوان تتكشّف آنا بعد آن .. ورزق الأرض من نبات وحيوان وعيون ماء وزيوت ومعادن وكنوز .. وغيرها مما يعرفه القدامى ويتكشّف غيره على مدار الزمان .. ).
كلمة في السياق: [حول موضوع المجموعة وصلتها بالمحور وصلة آياتها ببعضها البعض]
١ - هذه الأوامر المتعاقبة لرسول الله ﷺ قررت أن الله وحده يستحق العبادة لعظمته، وأنه يستحق العبادة لإنعامه، وقررت المفاصلة بين المؤمنين والكافرين، وقررت أن الله سيحكم بين الطرفين، وأن غيره ليس له معه شركة، ثم ختمت المجموعة بتبيان عموم رسالة محمد ﷺ ، وفي هذا إقامة حجة على وجوب شكر الله ، والحذر من كفره، كما أن فيه حجة جديدة على ضرورة اليوم الآخر؛ فالحكم بين المؤمنين والكافرين، ونصرة الرسل عليهم الصلاة والسلام، وتصديقهم، كل ذلك يقتضي مجئ اليوم الآخر، ونلاحظ أنّ الآية اللاحقة هي وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ مما يشير إلى أن السياق سائر في موضوع اليوم الآخر.
٢ - وإذن فقد أكّدت هذه المجموعة معاني عظمة الله، واستحقاقه العبادة والشكر، كما أكّدت موضوع مجئ اليوم الآخر، كما حددت الآية الأخيرة منها مهمّة الرسول ﷺ بأنها الإنذار والتبشير بهذا اليوم.
٣ - لاحظ الآن الصلة بين قوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ ... وبين قوله تعالى: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ ... قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ ... قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ...
ثم وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً هناك هجوم على رسول الله ﷺ ، وهاهنا ردّ من رسول الله ﷺ عليهم وإقامة حجة.
стр. 4300
٤ - ثم لاحظ الصلة بين محور السورة كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وبين ما جاء من آيات في هذه المجموعة: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ ... قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ ....
...
فالصلة بين مجموعات المقطع على أشدها، والصلة بين مجموعات المقطع ومحور السورة قائمة، ولم يبق عندنا من المقطع إلا خاتمته وهي المجموعة الخامسة، وهي آيتان.
***
стр. 4301
تفسير المجموعة الخامسة
وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ أي يوم القيامة الذي تحدّثت عنه بداية المقطع، والذي أشير إليه بقوله تعالى قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ ... ، والذي هو مظهر البشارة والنذارة إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فيما تقولونه من مجئ اليوم الآخر؟
قُلْ لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ قال ابن كثير: (أي لكم ميعاد مؤجّل، معدود محرّر، لا يزاد ولا ينقص، فإذا جاء لا يؤخر ساعة ولا يقدّم) وقال النسفي: (أي لا يمكنكم التأخر عنه بالاستمهال، ولا التقدم إليه بالاستعجال، ووجه انطباق هذا الجواب على سؤالهم: أنهم سألوا عن ذلك وهم منكرون له تعنّتا، لا استرشادا، فجاء الجواب على طريق التهديد، مطابقا للسؤال، على سبيل الإنكار والتعنيف، وأنهم مرصدون ليوم يفاجئهم، فلا يستطيعون تأخرا عنه ولا تقدما عليه) وبهذا انتهى المقطع.
كلمة في السياق: [حول صلة المجموعة بمقطعها وبالمحور]
بعد أن قامت الحجة على الكافرين بأن يوم القيامة آت، وبعد أن اتضحت حكمته، وبعد أن عرف محلّه، كان آخر ما عرضه علينا المقطع هو سؤال الكافرين عن ميعاده، فكأنهم بعد ما قامت عليهم الحجة أرادوا أن يطلقوا سهما أخيرا، فجاءهم الجواب الحاسم الذي هم عنه غافلون، هذا بالنسبة لصلة الآيتين الأخيرتين بسياق المقطع، أما
صلتهما بمحور السورة: فذلك أن الله قال: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ... ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ فهم هنا يسألون عن ميعاد هذا الرجوع، ويأتيهم الجواب على ذلك، فالصلة كاملة وواضحة بين المجموعة الأخيرة ومحورها. ولنذكر بعض ال فوائد المتعلّقة بالمجموعتين: الرابعة، والخامسة.
...
فوائد:
١ - [كلام ابن كثير حول موضوع الشفاعة بمناسبة آية وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا .. ]
بمناسبة قوله تعالى: وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ قال ابن كثير: (ثبت في الصحيحين من غير وجه عن رسول الله ﷺ وهو سيد ولد آدم، وأكبر شفيع عند الله تعالى- أنه حين يقوم المقام المحمود ليشفع في الخلق كلهم، أن يأتي ربهم لفصل القضاء قال: «فأسجد لله تعالى فيدعني ما شاء الله أن يدعني،
стр. 4302
ويفتح عليّ بمحامد لا أحصيها الآن، ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفّع».
٢ - [مناقشة حول تفسير قوله تعالى حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ]
رأينا ماذا يعني قوله تعالى حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ ... في محله بالنسبة لأهل الآخرة، لكنّ هذا المقام مقام دائم لأهل الملكوت الأعلى، وقد وردت الأحاديث في ذلك، إلّا أنّ بعضهم ظنّ أنّ هذه الأحاديث مفسّرة للآية في سياقها ومحلّها، وليس كذلك، ولكنّ مقام النّاس يوم القيامة يشبه حال الملائكة الدائم في تلقيهم عن الله ، ومن ثمّ جاءت الأحاديث تعبّر بقوله تعالى حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ عن تلقي الملائكة الدائم، فظنّ من ظنّ أنّها تفسير للآية في سياقها، والذي يبدو لي أن الأمر ليس كذلك، ولننقل ثلاثة أحاديث ذكرها ابن كثير في هذا المقام، مع ملاحظة أن ابن كثير يرى هذا الرأى الذي لم نره:
روى البخاري عند تفسير هذه الآية الكريمة في صحيحه عن سفيان عن عمرو قال:
سمعت عكرمة قال: سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: إن نبي الله ﷺ قال: «إذا قضى الله تعالى الأمر في السماء، ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فزّع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال: الحق وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترق السمع، ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض- ووصف سفيان بيده فحرفها ونشر بين أصابعه- فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة، فيقال:
أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا كذا وكذا؟ فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء».
حديث آخر: روى الإمام أحمد ... عن ابن عباس ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ جالسا في نفر من أصحابه- قال عبد الرزاق: من الأنصار- فرمي بنجم فاستنار، فقال ﷺ : «ما كنتم تقولون إذا كان مثل هذا في الجاهلية؟» قالوا:
كنا نقول يولد عظيم، أو يموت عظيم- قلت للزهري أكان يرمى بها في الجاهلية؟
قال: نعم ولقد غلّظت حين بعث النبي ﷺ قال: فقال رسول الله ﷺ : «فإنها لا يرمى بها لموت أحد، ولا لحياته، ولكن ربنا ﵎ إذا قضى أمرا سبّح حملة العرش، ثم سبّح أهل السماء الذين يلونهم، حتى يبلغ التسبيح السماء الدنيا، ثم
стр. 4303
يستخبر أهل السماء الذين يلون حملة العرش، فيقول الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم، ويخبر أهل كل سماء سماء حتى ينتهي الخبر إلى هذه السماء، وتخطف الجن السمع؛ فيرمون، فما جاء به على وجهه فهو حق، ولكنهم يفرقون فيه ويزيدون».
حديث آخر: روى ابن أبي حاتم ... عن النواس بن سمعان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أراد الله ﵎ أن يوحي بأمره تكلّم بالوحي، فإذا تكلّم أخذت السموات منه رجفة- أو قال رعدة- شديدة من خوف الله تعالى، فإذا سمع بذلك أهل السموات صعقوا، وخروا لله سجدا، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل ﵇، فيكلّمه الله من وحيه بما أراد، فيمضي به جبريل ﵊ على الملائكة، كلما مرّ بسماء سماء يسأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول ﵇: قال الحق وهو العلي الكبير، فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل، فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله تعالى من السماء والأرض».
٣ - [فضل النبي ﷺ على جميع الأنبياء بعالمية الدعوة]
بمناسبة قوله تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً قال ابن كثير: (روى ابن أبي حاتم ... عن عكرمة قال: سمعت ابن عباس ﵄ يقول: إن الله تعالى فضّل محمدا ﷺ على أهل السماء، وعلى الأنبياء، قالوا:
يا ابن عباس فيم فضّله الله على الأنبياء؟ قال ﵁: إن الله تعالى قال:
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ [إبراهيم: ٤] وقال للنبي ﷺ : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ فأرسله الله تعالى إلى الجن والإنس. وهذا الذي قاله ابن عباس ﵄ قد ثبت في الصحيحين رفعه عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا؛ فأيّما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحلّ لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة». وفي الصحيح أيضا أن رسول الله ﷺ قال: «بعثت إلى الأسود والأحمر» قال مجاهد يعني: الجن والإنس، وقال غيره يعني: العرب والعجم والكل صحيح).
ولننتقل إلى المقطع الثالث.
стр. 4304
المقطع الثالث ويمتدّ من الآية (٣١) إلى نهاية الآية (٥٤) أي إلى نهاية السورة وهذا هو:
المجموعة الأولى ٣٤/ ٥٤ - ٣١ المجموعة الثانية ٣٤/ ٣٤ - ٣٧
стр. 4305
٣٤/ ٣٨ - ٣٩ المجموعة الثالثة ٣٤/ ٤٠ - ٤٢ المجموعة الرابعة ٣٤/ ٤٣ - ٤٥
стр. 4306
المجموعة الخامسة ٣٤/ ٤٦ - ٥٤
كلمة في السياق: [صلة المقاطع الثلاثة ببعضها البعض وموضوعها الرئيسي]
رأينا أنّ السورة تتألف من مقدمة، وثلاثة مقاطع، وأن كل مقطع من المقاطع الثلاثة مبدوء بقوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا.*
بدأ المقطع الأول بقوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ ...
فإنكار الكافرين هاهنا منصبّ على اليوم الآخر.
وبدأ المقطع الثاني بقوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ والإنكار هاهنا منصب على اليوم الآخر، مع الاستهزاء بشخص رسول الله ﷺ .
стр. 4307
وبدأ المقطع الثالث بقوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ فالإنكار فيه منصب على القرآن والوحي، وفيما بين إنكار الآخرة، وإنكار الوحي، وإنكار الرّسالة، تداخل وتلازم، ومن ثمّ فإقامة الحجة في كل واحد منها إقامة حجة على الكلّ، ولذلك نرى أن في كل مقطع من المقاطع الثلاثة كلاما عن هذه الثلاثة، ولكن يبقى لكل مقطع سياقه الرئيسي مع ذلك، فلنر تفسير المقطع الثالث.
تفسير المجموعة الأولى من المقطع الثالث
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ممّا نزل قبل القرآن من كتب الله، وقد يكون المراد بالذي بين يديه ما سيأتي من أمر الآخرة، من قيامة وجنة ونار، ولم يذكر ابن كثير غير المعنى الثاني، وذكر الألوسي الوجهين، قال ابن كثير: (يخبر تعالى عن تمادي الكفار في طغيانهم وعنادهم، وإصرارهم على عدم الإيمان بالقرآن الكريم، وبما أخبر به من أمر المعاد) وعلى هذا فالمقطع الثالث أخبر عن إنكارهم اليوم الآخر من خلال إنكارهم للقرآن. قال النسفي في الآية:
(والمعنى: إنهم جحدوا أن يكون القرآن من عند الله، وأن يكون لما دلّ عليه من الإعادة للجزاء حقيقة) ولما كانت الحجج في المقطعين السابقين كافية، فإنّ نوعا آخر من الردّ يأتي هاهنا، ويبدأ الردّ بعرض مشهد من مشاهد يوم القيامة، يذكر فيه موقفهم الذليل يوم القيامة، إذ يتخاصمون ويتجادلون، قال تعالى: وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ أي: محبوسون يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ في الجدال، أي: يرد بعضهم على بعض القول في الجدال. قال النسفي: (أخبر عن عاقبة أمرهم ومآلهم في الآخرة فقال لرسول الله ﷺ أو للمخاطب: ولو ترى في الآخرة موقفهم وهم يتجاذبون أطراف المحاورة، ويتراجعونها بينهم لرأيت العجب) يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أي: الأتباع لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا منهم وهم قادتهم وسادتهم لَوْلا أَنْتُمْ أي: تصدوننا عن سبيل الله، وتدعوننا إلى الكفر لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ بالله ورسله وما جاءوا به
قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا من القادة والسادة لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أي: للأتباع أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ أنكروا أن يكونوا هم الصادّين لهم عن الإيمان، وأثبتوا أنّهم هم الذين صدّوا بأنفسهم عنه، وأنّهم أتوا من قبل اختيارهم. قال ابن كثير: (أي: نحن ما فعلنا بكم أكثر من
стр. 4308
أنّا دعوناكم فاتّبعتمونا من غير دليل ولا برهان، وخالفتم الادلّة والبراهين والحجج التي جاءت بها الرسل لشهوتكم واختياركم لذلك). بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ أي: بل كنتم كافرين باختياركم، وإيثاركم الضلال على الهدى، لا بقولنا وتسويلنا
وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أي: بل كنتم تمكرون بنا ليلا ونهارا، وتغروننا وتمنوننا وتخبروننا أنا على هدى، وأنا على شئ، فإذا جميع ذلك باطل وكذب، أو بل مكركم في الليل والنهار هو الذي صدّنا عن سبيل الله، أو بل الليل والنهار مكرا بطول السلامة فيهما حتى ظننا أنكم على الحق إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْداداً أي: نظراء وآلهة، وتقيموا لنا شبها وأشياء من المحال تضلوننا بها، والمعنى:
ما كان الإجرام من جهتنا، بل من جهة مكركم لنا دائما ليلا ونهارا، وحملكم إيانا على الشرك، واتخاذ الأنداد وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ أي الجحيم، فالجميع من السادة والأتباع كلّ ندم على ما سلف، يندم المستكبرون على ضلالهم وإضلالهم، ويندم المستضعفون على ضلالهم واتّباعهم المضلين، وكلمة أَسَرُّوا من كلمات الأضداد، فهي تفيد الإضمار والإظهار، والسياق هو الذي يحدّد المعنى، وهاهنا تحتمل المعنيين، والراجح الإضمار، وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا قال ابن كثير:
(وهي السلاسل التي تجمع أيديهم مع أعناقهم) هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ أي إنما نجازيهم بأعمالهم كل بحسبه، للقادة عذاب بحسبهم، وللأتباع بحسبهم.
...
عرضت هذه المجموعة حال المنكرين سادة وأتباعا يوم القيامة، مبيّنة أنّهم سيندمون على مواقفهم، وسيتعاتبون، وقد دلّتنا الآيات على أنّ قادة الكفر ورؤساءه يمكرون ليلا ونهارا لصدّ الناس عن سبيل الله.
...
فائدة: [كلام ابن كثير بمناسبة آية وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا]
بمناسبة قوله تعالى: وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا قال ابن كثير:
(روى ابن أبي حاتم ... عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن جهنم لمّا سيق إليها أهلها تلقاهم لهبها، ثم لفحتهم لفحة فلم يبق لحم إلا سقط
стр. 4309
على العرقوب» وروى أيضا عن الحسن بن يحيى الخشني قال: ما في جهنم دار ولا مغار، ولا غل ولا قيد ولا سلسلة، إلا اسم صاحبه عليها مكتوب قال: فحدثته أبا سليمان- يعني الداراني رحمة الله عليه- فبكى، ثم قال: ويحك فكيف به لو جمع هذا كله عليه، فجعل القيد في رجليه، والغل في يديه، والسلسلة في عنقه، ثم أدخل النار، وأدخل المغار؟ اللهم سلّم).
***
стр. 4310
تفسير المجموعة الثانية من المقطع الثالث
وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ أي من نبي إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها أي متنعموها ورؤساؤها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ هذه تسلية للنبي ﷺ وبيان لواقع وهو أنه لم يرسل قط إلى أهل قرية رسول إلا قالوا له مثل ما قال كافرو هذه الأمة لرسولها، وقد دلّت هذه الآية على أن المترفين هم الذين يحملون كبر الصدّ عن سبيل الله، كما دلّت على أن ردّ دعوة الرسل، ورفض الإيمان باليوم الآخر، سببه الترف والبطر، وليس سببه شبهة أو حجة، فبدلا من أن تكون النعمة عند هؤلاء سبب شكر، كانت سببا للكفر، وقد عرّف ابن كثير المترفين بقوله: هم أولو النّعمة والحشمة، والثروة والرئاسة. وقال قتادة: هم جبابرتهم وقادتهم، ورءوسهم في الشر.
ثم قال تعالى إخبارا عن المترفين المكذبين وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً أي من المؤمنين وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ أرادوا أنهم أكرم على الله من أن يعذبهم، نظرا إلى أحوالهم في الدنيا، وظنوا أنهم لو لم يكرموا على الله لما رزقهم الله، ولولا أن المؤمنين هانوا عليه لما حرمهم، قال ابن كثير: (افتخروا بكثرة الأموال والأولاد، واعتقدوا أن ذلك دليل على محبة الله تعالى لهم، واعتنائه بهم، وأنه ما كان ليعطيهم هذا في الدنيا ثم يعذبهم في الآخرة، وهيهات لهم ذلك).
وقد أبطل الله ظنهم بأن بيّن أنّ الرزق فضل من الله، يقسمه كيف يشاء، فربّما وسّع على العاصي استدراجا، وضيّق على المطيع امتحانا، وابتلاء، وربما وسّع على المطيع استخراجا لشكره، وضيّق على العاصي استرجاعا له عما هو فيه، وربّما وسّع عليهما أو ضيق عليهما لحكمة، فلا يقاس عليه أمر الثواب في الآخرة، وذلك قوله تعالى: قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ أي يوسّعه لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ أي ويضيق، قال ابن كثير:
(أي يعطي المال لمن يحب ومن لا يحب، فيفقر من يشاء، ويغني من يشاء، وله الحكمة التامّة البالغة، والحجة القاطعة الدامغة) وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ذلك فيظنون التقتير علامة سخط، ويظنون البسط علامة محبة، وليس الأمر كذلك، ومن ثمّ قال تعالى:
وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى أي قربة قال ابن كثير: (أي ليست هذه دليلا على محبتنا لكم، ولا اعتنائنا بكم) إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً أي إنّما يقربكم عندنا زلفى الإيمان والعمل الصالح.
قال النسفي: (يعني أن الأموال لا تقرّب أحدا إلا المؤمن الصالح، الذي ينفقها في سبيل الله، والأولاد لا تقرّب أحدا إلّا من علّمهم الخير، وفقّههم في الدين،
следующие страницы →