Полный текст (6 440 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
الجمرات وطواف الوداع وأن يذكروا الله، وألا يشتغلوا بعادة من عادات الجاهلية.
وإذ كان التحلل من الإحرام قد تعقبه غفلة؛ فقد نبه في الآيات على الذكر الكثير، ونبه على خلق خطر، وهو حصر الدعوات في هذه الأيام بطلب الدنيا، ونبه على أفضل دعوة يدعى بها في تلك الأيام.
وهل المراد بقوله تعالى: فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ المراد به قضاء المناسك كلها، فيكون هذا توجيها لما ينبغي أن يكون عليه الوضع عند القفول؟. أو المراد به قضاء المناسك يوم النحر بما في ذلك طواف الإفاضة؟. أو المراد به قضاء المناسك يوم النحر دون طواف الإفاضة؟.
يدل على الأخير أن رسول الله ﷺ كان يدعو في طوافه: «ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار». فإذا اعتبرنا هذا تطبيقا للآية كان المراد بقضاء المناسك؛ الذبح يوم النحر. ويمكن أن يراد بالآية قضاء المناسك بما في ذلك الطواف.
ويدل عليه ما ذكره النسفي: «كانوا إذا قضوا مناسكهم وقفوا بين المسجد بمنى، وبين الجبل، فيعدون فضائل آبائهم، ويذكرون محاسن أيامهم». وقال ابن عباس:
كان أهل الجاهلية يقفون في الموسم. فيقول الرجل منهم: كان أبي يطعم، ويحمل الحمالات، ويحمل الديات. ليس لهم ذكر غير فعال آبائهم. فأنزل الله على محمد ﷺ :
فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً.
لكن الأرجح عندنا أن الآيات لها علاقة بما بعد قضاء مناسك يوم النحر، ما عدا الطواف، وعلى هذا فيكون ذكر المناسك هنا من باب ذكر الكل وإرادة الجزء.
المعنى الحرفي:
فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً:
فإذا قضيتم مناسك يوم النحر فاذكروا الله ذكرا مثل ذكركم آباءكم. والمعنى:
فأكثروا من ذكر الله، وبالغوا فيه كما تفعلون في ذكر آبائكم. ومفاخرهم وأيامهم أو كما يلهج الصبي بذكر أبيه وأمه. و (أو) في النص أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً لتحقيق المماثلة في المخبر عنه أو أزيد منه. ثم إنه تعالى أرشد إلى دعائه بعد كثرة ذكره فإنه مظنة الإجابة، وذم من
стр. 457
لا يسأله إلا في أمر دنياه، وهو معرض عن أخراه. وذلك أن قوما من الأعراب يجيئون إلى الموقف فيقولون: اللهم اجعله عام غيث، وعام ولاد حسن. لا يذكرون من أمر الآخرة شيئا. فأنزل الله فيهم: فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا أي: من الذين يشهدون الحج من لا يسأل الله إلا حظوظ الدنيا كالجاه والدنيا وغير ذلك.
وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ أي: من نصيب لأن همه مقصور على الدنيا، لكفره بالآخرة.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ أي: ومن الذين يشهدون الحج من يقول: ربنا آتنا في الدنيا نعمة، وعافية، وعلما، وعبادة، ونحو ذلك، وفي الآخرة عفوا، ومغفرة، وجنة، ونحو ذلك.
واحفظنا من عذاب جهنم. فصار المعنى العام: أكثروا ذكر الله ودعاءه. لأن الناس من بين مقل لا يطلب بذكر الله إلا أغراض الدنيا، ومكثر يطلب خير الدارين. فكونوا من المكثرين الذكر، الطالبين خيري الدنيا والآخرة.
أُولئِكَ أي: الداعون بالحسنتين. لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا أي: من جنس ما كسبوا من الأعمال الحسنة، وهو الثواب الذي هو المنافع الحسنة. وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ: وصف نفسه بسرعة حساب الخلائق على كثرة عددهم، وكثرة أعمالهم، ليدل على كمال قدرته، ووجوب الحذر من نقمته.
فوائد:
١ - روى الحاكم في مستدركه عن سعيد بن جبير قال: «جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إني آجرت نفسي من قوم على أن يحملوني، ووضعت لهم من أجرتي على أن يدعوني أحج معهم. أفيجزي ذلك ذلك. فقال: أنت من الذين قال الله: أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ».
٢ - أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «ما مررت على الركن إلا رأيت عليه ملكا يقول: آمين. فإذا مررتم عليه فقولوا: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار».
٣ - قال ابن كثير: (فجمعت هذه الدعوة كل خير في الدنيا، وصرفت كل شر. فإن الحسنة في الدنيا تشمل كل مطلوب دنيوي، من عافية، ودار رحيبة وزوجة حسنة، ورزق واسع، وعلم نافع، وعمل صالح، ومركب هين، وثناء جميل، إلى غير ذلك مما اشتملت عليه عبارات المفسرين. ولا منافاة بينهما. فإنها كلها مندرجة في
стр. 458
الحسنة في الدنيا. وأما الحسنة في الآخرة؛ فأعلى ذلك دخول الجنة، وتوابعه من الأمن من الفزع الأكبر في العرصات، وتيسير الحساب، وغير ذلك من أمور الآخرة. وأما النجاة من النار؛ فهو يقتضي تيسير أسبابه في الدنيا؛ من اجتناب المحارم والآثام، وترك الشبهات والحرام، وقال القاسم أبو عبد الرحمن: «من أعطي قلبا شاكرا، وجسدا صابرا فقد أوتي في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة ووقي عذاب النار».
٤ - وإذا كانت هذه الدعوة رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً ... قد علمنا أن نقولها في أشرف المواطن، وفي أنقى الأحوال، وأحسنها. فإنه من المناسب أن ندعو الله بها دائما، وفي كل أحوالنا. وبهذا وردت السنة:
روى البخاري عن أنس بن مالك قال: كان النبي ﷺ يقول: «اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار». وفي مسند الإمام أحمد سأل قتادة أنسا: أي دعوة كان أكثر ما يدعوها النبي ﷺ ؟. قال: يقول: «اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار». وفي صحيح مسلم: (وكان أنس إذا أراد أن يدعو بدعوة، دعا بها. وإذا أراد أن يدعو بدعاء دعا بها فيه). أخرج ابن أبي حاتم عن أبي طالوت قال: «كنت عند أنس بن مالك فقال له ثابت: إن إخوانك يحبون أن تدعو لهم. فقال: اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وتحدثوا ساعة حتى إذا أرادوا القيام قال: يا أبا حمزة إن إخوانك يريدون القيام فادع الله لهم. فقال: أتريدون أن أشقق لكم الأمور. إذا آتاكم الله في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ووقاكم عذاب النار؛ فقد آتاكم الخير كله» وروى الإمام أحمد عن أنس أن رسول الله ﷺ عاد رجلا من المسلمين قد صار مثل الفرخ. فقال له رسول الله ﷺ : «هل تدعو الله بشيء أو تسأله إياه؟. قال: نعم؛ كنت أقول:
اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا. فقال رسول الله ﷺ :
«سبحان الله. لا تطيقه- أو لا تستطيعه- فهلا قلت: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، قال: فدعا الله فشفاه» ورواه مسلم.
روى الإمام الشافعي عن عبد الله بن السائب أنه سمع النبي ﷺ يقول فيما بين ركن بني جمح، والركن الأسود: «ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار».
стр. 459
ولنعد إلى السياق:
وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ. وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى. وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
في النص السابق على هذه الآية رأينا أمرا بالذكر بعد قضاء مناسك يوم النحر، وبعد يوم النحر تأتي أيام التشريق الثلاثة، والنسك الذي يتم بها هو رمي الجمار الثلاثة يوميا فيها، ورمي الجمار نفسه ذكر. لأنه طاعة لله. ويرافقه ذكر ودعاء. والدعاء ذكر.
جاء في الحديث الذي رواه أبو داود وغيره: «إنما جعل الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمار، لإقامة ذكر الله ».
فإذا اتضح هذا عرفنا أن المراد بالأمر بالذكر في الأيام المعدودات- والله أعلم- إقامة نسك هذه الأيام، وهو رمي الجمار وما يرافقه، بدليل قوله تعالى بعد الأمر
بالذكر: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ مما يشير إلى أن الأمر له علاقة بالمبيت بمنى، وما يرافق ذلك.
المعنى الحرفي:
وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ: قال ابن عباس: (الأيام المعدودات: أيام التشريق). وأيام التشريق هي الأيام الثلاثة بعد يوم النحر. بدليل الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن رسول الله ﷺ قال: «يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام. وهي أيام أكل وشرب». فدل أن أيام التشريق بعد يوم النحر. وذكر التعجل في يومين دليل على أنها ثلاثة. وذكر الله فيها رمي الجمار، والذكر أثناء الرمي.
والدعاء بعده فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ: من هذه الأيام الثلاثة، فلم يمكث حتى يرمي في اليوم الثالث فيذكر الله بالرمي فيه واكتفى برمي الجمار في يومين من هذه الأيام الثلاثة فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ أي: فلا يأثم بهذا التعجل. وَمَنْ تَأَخَّرَ حتى رمى في اليوم الثالث. فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى أي: لا يأثم بهذا التأخير. فالمؤمن مخير في التعجل والتأخر. وإن كان التأخر أفضل، فقد يقع التخيير بين الفاضل والأفضل كما خير المسافر بين الصوم والإفطار، وإن كان الصوم أفضل. ثم ختم الله آيات المناسك بأمرين: التقوى، والعلم بالحشر فقال: وَاتَّقُوا اللَّهَ في جميع الأمور والأحوال، خاصة وأنتم قد أديتم حجكم الذي به ترجعون كيوم ولدتكم أمهاتكم.
стр. 460
وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ أي: تجمعون إليه حين تبعثون من قبوركم، فاعلموا هذا خاصة وقد رأيتم نموذجا من الحشر الدنيوي الاختياري في موافقكم بعرفات وغيرها مما يذكركم بالحشر الأخروي الإجباري.
فوائد ومسائل وآثار:
١ - .. مر معنا في هذا القسم قوله تعالى وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وقوله تعالى وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ وفي كل من الأمرين نلحظ إرادة وجه الله ، والعمل له بما شرع، وهذا مفرق الطريق بين الإسلام وغيره، فلم يزل الناس ولا يزالون يقاتلون ويحجون، ولكن أن يكون القتال لله وفي سبيله، وأن يكون الحج لله وفي شريعة الحق، فذلك هو ميزة المسلم فكل أعماله لله وبأمره وضمن شريعته وفي ذلك كمال الإنسان.
٢ - في مقطع إبراهيم ﵇ رأينا الحكمة في بناء الكعبة: أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ فهذا البيت بني للطواف والعكوف، والركوع والسجود، وجاء بعد مقطع إبراهيم ﵇ مقطع القبلة لنرى أول مظهر من مظاهر القيام بحقوق البيت، وفي هذا القسم يأتي الأمر بالحج والعمرة ليستكمل المسلم إقامة أمر الله في شأن البيت، ونلاحظ أنه قد جاء الأمر بالحج والعمرة متأخرا كثيرا عن مقطع إبراهيم، وذلك ليأتي بعد كل المقدمات اللازمة له، ففي الحج تعظيم البيت، وفيه رمي الجمار، حيث وسوس إبليس، والحج هو الركن الخامس من أركان الإسلام، فمحله بعد الصوم، وحتى لا تغلب قدسية الحج واجب القتال في الحرم إذا اقتضى الأمر جاء الأمر بالحج مسبوقا بمقطع إبراهيم، ومقطع القبلة، ومقطع الصفا والمروة، ومقطع النهي عن متابعة خطوات الشيطان، وسبق في مقطعه بموضوع الصوم وحكمة وجود الأهلة، وموضوع القتال والإنفاق.
٣ - ومن خلال الحج ندرك مظهرا من مظاهر جعل الله إبراهيم إماما قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً فالسعي بين الصفا والمروة إحياء لفعل أمنا هاجر سرية إبراهيم ﵇، ورمي الجمار إحياء لفعل إبراهيم إذ رجم إبليس عند ما وسوس أثناء إقامة إبراهيم أمر الله في شأن الذبح. والطواف بالبيت فيه تحقيق الحكمة من بناء البيت.
٤ - واضح أن المقصد الأعظم في الحج هو الطواف بالبيت، وإنما بين رسول الله
стр. 461
صلى الله عليه وسلم أهمية الوقوف بعرفات حتى لا يظن أنها ركن ثانوي في الحج ولكن الوقوف في عرفات نفسه إنما هو لتعظيم البيت إذ ذلك الوقوف هو مركز التجمع للانطلاق نحو البيت.
٥ - مما مر معنا ندرك بعض أسرار هذه الرحلة الربانية التي تبدأ بالنية، والتجرد عن لبس المخيط، والتلبية وتنتهي بطواف الوداع والذكر. فالتجرد من اللباس تجرد من الدنيا، والوقوف في عرفات استعداد للانطلاق نحو البيت بلا ذنب، ورمي جمرة العقبة قبل الطواف، ثم رمي الجمار بعده إشارة إلى الصراع المستمر ضد الشيطان، وأن يكون طواف الإفاضة بعد الحلق والذبح والتحلل الجزئي بالعودة إلى اللباس العادي ليكون الطواف على أكمل الحالات ظاهرا وباطنا والحج كله تربية للتسليم الذي هو طابع الإسلام لله رب العالمين.
٦ - الأيام الخمسة. يوم عرفات، ويوم النحر، وأيام التشريق الثلاثة لها أحكام خاصة. منها ما هو مشترك بين الحجاج وغيرهم. ومنها ما هو خاص بالحجاج. ومنها ما هو خاص بغيرهم.
فما تختص به، وهو مشترك بين الحجاج وغيرهم، تكبير التشريق بعد الصلوات المكتوبات. وأشهر أقوال العلماء فيه أنه من صلاة الصبح يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق. وهو آخر النفر الآخر. قال فقهاء الحنفية: يجب تكبير التشريق من بعد صلاة فجر عرفة، إلى ما بعد عصر رابع أيام العيد فور كل صلاة، سواء كان إماما، أو مقتديا، أو منفردا، ذكرا كان أو أنثى- ولكن المرأة لا تجهر به- مسافرا كان أو قرويا. والتكبير عندهم أن يقول مرة واحدة: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله؛ والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
ومن خصوصيات يوم عرفة لغير الحاج استحباب صيامه. أما الحاج فلا يستحب له. ليقوى على الوقوف.
ومن خصوصيات يوم النحر وأيام التشريق عدم جواز صيامها لأحد، ومن خصوصيات يوم النحر لغير الحاج، الأضحية. أما الحاج فلأنه مسافر لا تجب عليه.
ولكن من خصوصياته ذبح الهدي في ذلك اليوم.
ومن خصوصيات يوم النحر لغير الحاج صلاة العيد. أما الحاج فلأنه مسافر، ولأن
стр. 462
منى ليست مصرا فلا تجب عليه.
ومن خصوصيات يوم النحر، وأيام التشريق؛ التكبير الجهري المطلق فيه للحجاج وغيرهم. وقد ثبت أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يكبر في قبته، فيكبر أهل السوق بتكبيره حتى ترتج منى تكبيرا.
ومن خصوصيات يوم عرفات للحاج أنه يوم أداء ركن الوقوف. ومن خصوصيات ليلة النحر، أنها ليلة الإفاضة من عرفات، والجمع بين الصلاتين بمزدلفة، ومن خصوصيات يوم النحر أنه يوم الوقوف بمزدلفة ما بين الفجر والشمس، ويوم الإفاضة إلى منى، ورمي جمرة العقبة فيه.
وهو يوم الذبح ... ويوم الحلق ... ويوم طواف الإفاضة.
ومن خصائص أيام التشريق للحاج. أن فيها المبيت بمنى، ورمي الجمرات. وبانتهاء الكلام عن مناسك الحج يبدأ السياق موضوعا جديدا، هو الموضوع الختامي للقسم الثاني في سورة البقرة. وهو موضوع الفقرة السادسة.
كلمة بين يدي الفقرة السادسة:
بعد آية البر خوطب المؤمنون مرتين بصيغة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا* ودلوا في كل مرة على طريق مؤد إلى التقوى. وبعد الخطاب الأول ذكر شئ له علاقة بالتقوى كثمرة من ثمارها. وبعد الخطاب الثاني ذكرت أشياء لها علاقة بالتقوى كثمرة من ثمارها، أو أثر من آثارها. ثم جاء الكلام عن الحج، وهو طريق من طرق الوصول إلى التقوى. وقد ختمت آياته بالأمر بالتقوى كما رأينا. وبالكلام عن الحج تكون سورة البقرة قد تحدثت عن أركان الإسلام الخمسة. الثلاثة الأولى في آياتها الأول. وفي القسم الثاني تحدثت عن الصيام والحج، كما تحدثت عن اتباع الهدى المتمثل بالكتاب الذي هو الثمرة المباشرة للتقوى. وعن مجموعة أمور مرتبطة بهذا الموضوع. والمفروض بعد هذا البيان المتسلسل العجيب أن يصفو الإنسان لله خالصا. ولا نقصد بالإنسان هنا.
الكافر الخالص، لأن ذلك انتهى أمره كما رأينا في مقدمة سورة البقرة بل المراد هو الإنسان المنتسب للإسلام ولكن الواقع أن الناس يبقون صنفين. فصنف يبقى منافقا مع كل هذا البيان. وصنف يخلص لله خلوصا تاما. والحديث عن هذين الصنفين هو الذي يختم به القسم الثاني وهو مضمون الفقرة السادسة.
стр. 463
الفقرة السادسة:
[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٠٤ الى ٢٠٧]
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ (٢٠٤) وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ (٢٠٥) وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ (٢٠٦) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (٢٠٧)
هذه الآيات عامة في المنافقين كلهم، وفي المؤمنين كلهم. هذا قول قتادة، ومجاهد، والربيع بن أنس، وغير واحد. قال ابن كثير: وهو الصحيح.
المعنى الحرفي:
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ أي: يروقك، ويعظم في قلبك. ومنه الشئ العجيب الذي يعظم في النفس. فِي الْحَياةِ الدُّنْيا: يعجبك حلو كلامه في أمر الدنيا، أو في كل ما هو من معنى الدنيا. ودخل في ذلك علومها، وأمورها ..
وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ أي: يحلف ويقول: الله شاهد على ما في قلبي من الإسلام، ومحبة الله والرسول. ومعناه أنه يظهر للناس الإسلام، ويبارز الله بما في قلبه من الكفر والنفاق. قال ابن عباس: معناه: إذا أظهر للناس الإسلام، حلف وأشهد الله لهم أن الذي في قلبه موافق للسانه. وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ: وهو شديد العداوة للمسلمين. هذا إذا فسرنا الخصام بالمخاصمة. أما إذا اعتبرنا الخصام جمع خصم.
فيكون المعنى: وهو أشد الخصوم خصومة. والألد في اللغة: الأعوج. وهكذا المنافق في حال خصومته، يكذب، ويزور على الحق، ولا يستقيم معه، بل يفتري، ويفجر.
روى البخاري عن رسول الله ﷺ : «إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم».
وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ: ذاك قوله،
стр. 464
وهذا فعله. فهو أعوج المقال؛ كاذبه، سيئ الفعال، كلامه كذب، واعتقاده فاسد، وأفعاله قبيحة. وَإِذا تَوَلَّى ... أي: إذا كان له سلطان. فعل ما يفعله ولاة السوء من الفساد في الأرض بإهلاك الحرث والنسل. أو أنه يظهر الظلم حتى يمنع الله بشؤم ظلمه القطر، فيهلك الحرث والنسل. والمهم أن المنافق ليس له همة إلا الفساد في الأرض، وإهلاك الحرث: وهو محل نماء الزرع والثمار، والنسل: وهو نتاج الحيوانات؛ إهلاك للناس لأنه لاقوام للناس إلا بهما. وسعى في الآية بمعنى قصد. وما أصدق هذا في
منافقي عصرنا. يحلفون أنهم مسلمون، وأنهم لا يريدون إلا الخير، وهم شديدو الخصومة للإسلام والمسلمين. وإذا كانت لهم سلطة لم يكن لهم هم إلا في الإفساد بالخروج عن الشريعة، وإهلاك الحرث والنسل بسبب الظلم تحت شعاراتهم الخبيثة ولقد رأينا من آثار حكمهم هلاك الحرث وهلاك النسل. وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ: ولا أهله فهو لا يحب من هذه صفته، ولا من يصدر منه ذلك.
وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ أي: إذا وعظ هذا الفاجر في مقاله وفعاله، وقيل له: اتق الله، وانزع عن قولك، وفعلك، وارجع إلى الحق، امتنع، وأبى، وأخذته الحمية، والغضب بالإثم. أي: بسبب ما اشتمل عليه من الآثام. أو أخذته العزة من أجل الإثم الذي في قلبه، وهو الكفر، أو حملته النخوة وحمية الجاهلية على الإثم الذي ينهى عنه، وألزمته ارتكابه فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ: أي هي كافيته عقوبة. وَلَبِئْسَ الْمِهادُ: أي ولبئس الفراش جهنم.
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ: لما أخبر عن المنافقين بصفاتهم الذميمة. ذكر صفات المؤمنين الحميدة.
من أسباب النزول:
قال ابن عباس، وأنس بن مالك، وأبو عثمان النهدي، وعكرمة، وجماعة: «نزلت في صهيب بن سنان الرومي. وذلك أنه لما أسلم بمكة، وأراد الهجرة منعه الناس أن يهاجر بماله. وإن أحب أن يتجرد منه ويهاجر فعل. فتخلص منهم وأعطاهم ماله.
فأنزل الله هذه الآية. فتلقاه عمر بن الخطاب وجماعة إلى طرف الحرة فقالوا له: ربح البيع. فقال: وأنتم فلا أخسر الله تجارتكم. وما ذاك. فأخبروه أن الله أنزل فيه هذه الآية».
стр. 465
قال سعيد بن المسيب: أقبل صهيب مهاجرا نحو النبي ﷺ . فاتبعه نفر من قريش. فنزل عن راحلته، وانتثل ما في كنانته، ثم قال: يا معشر قريش: قد علمتم أني من أرماكم رجلا. وأنتم والله لا تصلون إلي حتى أرمي بكل سهم في كنانتي ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي منه شئ، ثم افعلوا ما شئتم وإن شئتم دللتكم على مالي وقنيتي بمكة، وخليتم سبيلي. قالوا: نعم. فلما قدم على النبي ﷺ قال: «ربح البيع». قال: ونزلت: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي ....
وفي رواية ابن مردويه عن أبي عثمان النهدي عن صهيب قال: لما أردت الهجرة من مكة إلى النبي ﷺ قالت لي قريش: يا صهيب قدمت إلينا ولا مال لك. وتخرج أنت ومالك. والله لا يكون ذلك أبدا. فقلت لهم: أرأيتم إن دفعت إليكم مالي تخلون عني؟. قالوا: نعم. فدفعت إليهم مالي، فخلوا عني. فخرجت حتى قدمت المدينة.
فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: «ربح صهيب، ربح صهيب- مرتين-». وبهذه المناسبة نقول: ذكر بعض المفسرين أن هذه الآية نزلت في صهيب، وذكروا كذلك أن آية: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ... : نزلت في الأخنس بن شريق.
والقاعدة: أن خصوص السبب لا يمنع عموم اللفظ. فالعبرة لعموم اللفظ، وما يمكن أن يدخل تحته من أفراد. ويكون سبب النزول فردا من هذه الأفراد. وفي موضوعنا هذا نستطيع أن نقول: إن الأخنس بن شريق كان نموذجا على ذاك النوع المنافق من الناس. وكان صهيب يمثل نموذج المؤمن الذي تنطبق عليه هذه الآية. ولكن العبرة للعموم. ولذلك قال ابن كثير في هذه الآية:
وأما الأكثرون، فحملوا ذلك على أنها نزلت في كل مجاهد في سبيل الله. واستشهد على ذلك أنه لما حمل هشام بن عامر بين الصفين، أنكر عليهم بعض الناس فرد عليه عمر ابن الخطاب، وأبو هريرة، وغيرهما، وتلوا هذه الآية: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي ....
قال النسفي بمناسبة الكلام عن هذه الآية: نزلت في صهيب ... أو فيمن يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر حتى يقتل.
المعنى الحرفي للآية الأخيرة:
стр. 466
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ. أي يبيعها. ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ أي:
مبتغيا في ذلك رضوان الله. وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ: إذ ييسرهم لهذا المقام، ويلطف بهم ليتحققوا به، ويثيبهم على ذلك.
فائدة:
أخرج ابن جرير عن نوف البكالي- وكان ممن يقرأ الكتب، قال: «إني لأجد صفة ناس من هذه الأمة في كتاب الله المنزل: قوم يحتالون على الدنيا بالدين. ألسنتهم أحلى من العسل. وقلوبهم أمر من الصبر. يلبسون للناس مسوك (أي جلود) الضأن، وقلوبهم قلوب الذئاب. يقول الله تعالى: فعلي يجترءون، وبي يغترون حلفت بنفسي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم فيها حيران» قال القرطبي: تدبرتها في القرآن، فإذا هم المنافقون. فوجدتها: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ....
وبهذه الآيات ينتهي القسم الثاني من أقسام سورة البقرة. ونلاحظ تشابها بينها وبين نهاية مقدمة السورة. ونهاية القسم الأول. ونلاحظ أنه ذكر في الفقرة الأخيرة صنفان من الناس، منافق ومؤمن. وفي مقدمة سورة البقرة ذكر: مؤمن، وكافر، ومنافق.
فإذا تذكرنا المجموعة الأخيرة في القسم الثاني: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً: وهي في الكافرين. أدركنا مظهرا من مظاهر التكامل والتناسق في السورة إذ ذكرت هذه الفقرة منافقا ومؤمنا فقط وبانتهاء القسم الثاني نصل إلى القسم الثالث الذي يبدأ بالأمر بالدخول في الإسلام كله، بعد أن وضعت السورة كل الأسس التي يحتاجها بناء الإسلام.
كلمة في القسم الثاني وما سبقه من السورة:
لقد أكمل القسم الثاني معاني القسم الأول، ومعاني مقدمة سورة البقرة فتكاملت المعاني في المقدمة والقسمين لتوصلنا إلى القسم الثالث، ومن مظاهر هذا التكامل أنه بانتهاء القسم الثاني مرت معنا أركان الإسلام الخمسة وهي في العقائد والعبادات، وإذ كانت العبادات لا تقبل بلا أكل الحلال فقد مر معنا شئ عن أكل الحلال، وإذ كانت العقائد والعبادات هي أساس الاستقامة وإذ كان الشيطان بالمرصاد لسالك طريق الاستقامة؛ فقد جاء التعريف بخطوات الشيطان والنهي عنها، وإذ كان يخشى على هذه
стр. 467
الأمة أن تقع فيما وقعت فيه أمم أخرى؛ فقد نبهت على ذلك؛ وإذ كانت هناك أمم ستسعى لإضلال هذه الأمة؛ فقد نبهت هذه الأمة على نماذج من وسائل هؤلاء وأقاويلهم وكل ذلك يأتي سابقا للقسم الثالث الذي يبدأ بالدعوة إلى الدخول في الإسلام كله، وذلك بعد أن ذكرت كل المقدمات اللازمة لهذه الدعوة وقبول تفصيلاتها.
لقد بدأت السورة في تصنيف الناس إلى متقين، وكافرين، ومنافقين، ثم دعت الناس جميعا للسير في طريق العبادة لله ليكونوا من المتقين وسار السياق موضحا، وقاصا، وواعظا، ولافتا النظر، ومناقشا للآخرين، ومؤكدا معاني، وذاكرا نماذج، وداعيا إلى تفصيلات حتى استقر السياق على آية البر التي حددت المواصفات الرئيسية للمتقين، من إيمان، لصلاة، لزكاة، لإنفاق، لصبر، لوفاء عهد.
ثم نادى السياق المؤمنين مرتين: مرة في شأن القصاص، ومرة في شأن الصيام.
وبين أن القصاص طريق للتقوى. وأن الصيام طريق للتقوى، وذكرت الوصية بين النداءين، ثم ذكر الصيام والحج. وهما الركنان الرابع والخامس في الإسلام. وبدونهما لا يكون الإنسان تقيا، ومعهما تتأكد التقوى. وما بين الكلام عن الصيام والحج ذكرت قضايا تصحح مفاهيم عن التقوى. فذكر القتال، والإنفاق في سبيل الله.
وذكر غير ذلك. والصلة بين القتال والإنفاق، وبين الصوم والحج واضحة. فالصوم صبر. قال ﷺ : «الصوم نصف الصبر». والقتال يحتاج إلى صبر. والحج بذل جهد ومال. وإنفاق المال في الجهاد من هذا النوع.
ثم بعد الحج ذكر السياق صنفين من الناس ليعلم أن التقي هو من باع نفسه كلها لله، وأن المنافق شأنه غير ذلك.
فالسياق تدرج في تربيتنا حتى نصل إلى مقام بيع النفس في سبيل الله. وقبل ذلك حذرنا أن نكون من نوع آخر، ظاهره مسلم، وباطنه منافق خبيث حتى إذا وصلنا إلى مقام بيع النفس لله فصفت النفس خالصة لله، يبدأ قسم جديد بأمر جديد، بخطاب جديد:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً أي: في الإسلام كله.
стр. 468
القسم الثالث من أقسام سورة البقرة
ويمتد من الآية (٢٠٨ - ٢٨٤)
стр. 469
القسم الثالث من أقسام سورة البقرة يبدأ هذا القسم بالآية (٢٠٨) وينتهي بنهاية الآية (٢٨٤) حيث تأتي بعده مباشرة خاتمة السورة. يبدأ القسم بآية هي مفتاح سياقه كله وهي: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ... فهذه الآية دعوة إلى الدخول في الإسلام كله.
والإسلام: عقائد، وعبادات، وشعائر، ومناهج حياة وغير ذلك. فإذا صفت النفس وخلصت كما رأينا في السياق وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ ..
فقد أصبح عندها استعداد لأن تلتزم بأحكام الإسلام كلها، وأن تفهم هذه الأحكام، وأن تستسلم لله فيها. فجاء هذا القسم دعوة للدخول في الإسلام كله، ونهيا عن متابعة خطوات الشيطان، وعرضا لكثير من أحكام الإسلام.
فبعد مقدمة واعظة يذكر القسم أحكاما في الإنفاق. ويقرر فريضة القتال، ويعرض لأحكام في الخمر والميسر، وفي شأن اليتامى، وفي شأن الزواج، وفي شأن الحيض، وفي شأن الأيمان. ويفصل في أحكام كثيرة، لها صلة بالطلاق، وأحكام الوفاة، وكثير من الأمور الزوجية، وبعض أحكام الصلاة، ويذكر القسم أمورا لها صلة بالسياسة، والحرب، والاقتصاد.
إن من أعظم مشكلات العالم المعاصر: قضايا الأسرة، والاجتماع، والأحوال الشخصية وقضايا السلم والحرب، وقضايا الاقتصاد، والقسم حديث عن هذا كله وعن غيره، وكل ذلك يأتي في سياق الأمر بالدخول في الإسلام جميعا. وفي ذلك درس، أي درس للواهمين بأن الإسلام يقبل شريكا في تغطيته لشئون الحياة.
يتألف القسم من مقطعين كبيرين: الأول منهما يبدأ بقوله تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ. وينتهي بالآية (٢٥٣): تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ. مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ.
стр. 470
والمقطع الثاني يبدأ بقوله تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ.
وينتهي بآخر آية في القسم:
لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
والذي دلنا على بداية القسم ونهايته، المعاني أولا، ثم بعض العلامات. فمثلا سبق هذا القسم بفقرة مبدوءة بقوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ ... كما سبق القسم الأول والثاني. فتلك علامة. ولقد ذكر في الآية الأولى منه؛ النهي الذي ورد في بداية القسم الثاني: وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ. فكان ذلك علامة ثانية. ودلنا على المقطع الأول ، عرض المعاني فيه. فإنه لم يرد فيه ما يدل على فصل بين فقراته، ودلنا على المقطع الثاني فيه، أنه كله في شأن المال، أو فيما يخدم أمرا مرتبطا بذلك فلنر المقطع الأول.
المقطع الأول:
يمتد هذا المقطع من الآية (٢٠٨) وينتهي بنهاية الآية (٢٥٣) وفيه مواضيع متعددة، وفقرات كثيرة. وسنعرضه فقرة .. فقرة.
الفقرة الأولى:
تمتد هذه الفقرة من الآية (٢٠٨) إلى نهاية الآية (٢٢٠). وهذه هي:
[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٠٨ الى ٢٢٠]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨) فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٠٩) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٢١٠) سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢١١) زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٢١٢)
كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤) يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢١٥) كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٢١٦) يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢١٧)
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨) يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٠)
стр. 471
كلمة في هذه الفقرة:
تبدأ هذه الفقرة بمقدمة آمرة، ناهية، واعظة. هي بمثابة المقدمة للقسم كله وللمقطع الذي هي فيه. ثم تأتي آيتان هما بمثابة التمهيد لفريضة القتال، ثم تأتي فريضة القتال، ثم سؤال عن أحكام في القتال، ثم قاعدة، ثم أسئلة وأجوبتها.
تبدأ الفقرة بالأمر بالدخول في الإسلام كله. والنهي عن اتباع خطوات الشيطان.
ودواء الزلل إن حدث، ثم تذكر بيوم القيامة، وبعض ما يكون فيه، ثم تحذر من
стр. 472
كفران نعمة الوحي، والبينات والمعجزات، وتحذر من سلوك طريق الكافرين في أمر تزيين الدنيا، وكل ذلك مقدمة لتفصيلات الأحكام الإسلامية في سياق الأمر بالدخول في الإسلام كله، ثم تأتي آية فيها تبيان لحكمة إرسال الرسل، وإنزال الكتب، وتذكير بمنة الله على من يشاء هدايته، وصلة ذلك بتفصيل الأحكام الإسلامية في سياق الأمر بالدخول في الإسلام كله لا تخفى.
وبعد هذا تأتي آيتان بين يدي الآية التي تذكر فريضة القتال، آية تصحح مفهوما خاطئا هو أن يتصور متصور أنه لا ابتلاء، ولا شدة. وآية حول الإنفاق، وصلته بالقتال لا تخفى. وتأتي الآية التي تفرض القتال، ثم آية في تفصيل الجواب حول موضوع مرتبط بالقتال، وفيها ما هو كالتعليل لفريضة القتال. وفي هذا السياق تأتي آية لتصحيح مفهوم الرجاء الذي يغلط فيه أكثر الخلق، فتبين أن الذين يرجون رحمة الله هم من اجتمع لهم إيمان؛ وهجرة؛ وجهاد، حيث تكون الهجرة والجهاد واجبين، ثم تأتي أجوبة على ثلاثة أسئلة: سؤال حول الخمر والميسر، وهما داء العسكريين في العالم كله. وسؤال حول الإنفاق، وهو لا بد منه للقتال. وسؤال عن اليتامى. والحرب تخلف يتامى كثيرين. وبهذا تنتهي الفقرة، وتبدأ فقرة جديدة.
لاحظ الآن أن آخر آية في المقطع الأول من هذا القسم فيها: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ. وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ. لاحظ هذه الآية، ولاحظ أن هذه الفقرة التي هي مقدمة المقطع، ومقدمة القسم فيها كلام عن البينات، وعن الاختلاف، وعن القتال.
فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ.
وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ.
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ. وهذا يؤكد أن ما ذكرناه هو بمجموعه فقرة مترابطة.
وأن تحديدنا لبداية المقطع ونهايته، كان صحيحا.
ولنبدأ عرض آيات الفقرة:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ* فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.
стр. 473
المعنى العام:
يقول الله تعالى آمرا عباده المؤمنين به، المصدقين برسوله أن يأخذوا بجميع عرى الإسلام، وشرائعه، والعمل بجميع أوامره، وترك زواجره ما استطاعوا من ذلك، وأن يجتنبوا ما يأمر الشيطان به. ثم خاطبهم ﷻ محذرا بأنهم إن عدلوا عن الحق بعد ما قامت عليهم الحجج، فليعلموا أن الله عزيز في انتقامه، ولا يفوته هارب، ولا يغلبه غالب. ينتصر ممن كفر به. حكيم في أحكامه، ونقضه وإبرامه.
المعنى الحرفي:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً: أي في الإسلام جميعا. قاله ابن عباس وأبو العالية، والربيع بن أنس. وهو الذي رجحه ابن كثير. وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ: بالاقتداء به، والائتمار بأمره، والاتباع لوساوسه. إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ: أي ظاهر العداوة. قال مطرف: (أغش عباد الله لعبيد الله الشيطان). وما أوضح عداوته لمن تأمل ما يدعو إليه!!. وأي عدو أعدى ممن يدعوك إلى النار، ويوصلك إليها؟.
فَإِنْ زَلَلْتُمْ: أي ملتم عن الدخول في السلم مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ: أي الحجج الواضحة، والشواهد اللائحة على أن ما دعيتم إلى الدخول فيه هو الحق. فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ: أي غالب لا يمنعه شئ من عذابكم. حَكِيمٌ: في أمره وحجته، لا يعذب إلا بحق.
فائدة:
قرأ قارئ الآية الأخيرة، وختمها ب غَفُورٌ رَحِيمٌ. فقال أعرابي منكرا على القارئ: (الحكيم لا يذكر الغفران عند الزلل والعصيان، لأنه إغراء عليه). فانظر ما أدق هذا الفهم، وما أعظم هذا القرآن الذي لا يكون شئ فيه إلا على غاية الحكمة، والعلو. هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ، وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ. هذا الخطاب فيه تهديد للكافرين، وللذين يتبعون خطوات الشيطان، وللذين يزلون عن طريق الله. هذا تهديد لهم بيوم القيامة، لفصل القضاء بين الأولين والآخرين. فيجزي كل عامل بعمله. إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. فالصلة بين الآية وما قبلها واضحة.
стр. 474
المعنى الحرفي:
هَلْ يَنْظُرُونَ: أي ما ينتظرون. إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ الظلل:
جمع ظلة، وهي ما أظلك. مِنَ الْغَمامِ أي: السحاب وَالْمَلائِكَةُ:
معطوف على لفظ الجلالة، أي وتأتي الملائكة. وَقُضِيَ الْأَمْرُ: أي وتم أمر إهلاك من يستأهل الهلاك بالحكم عليه بالعذاب. وفرغ منه. وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ: فهو مرجعها كلها. إذ هي كلها بعلمه، وإرادته، وقدرته. وإذ ملك العباد بعض الأمور في الدنيا، فإنها يوم القيامة إليه جميعا.
فوائد:
١ - ذكر ابن جرير بهذه المناسبة حديثا طويلا لبعضه علاقة بالآية وهذه فقرة منه: «أن الناس إذ اهتموا لموقفهم في العرصات، تشفعوا إلى ربهم بالأنبياء واحدا، واحدا، من آدم فمن بعده. فكلهم يحيد عنها، حتى ينتهوا إلى محمد ﷺ . فإذا جاءوا إليه قال: أنا لها، أنا لها. فيذهب فيسجد لله تحت العرش، ويشفع عند الله في أن يأتي لفصل القضاء بين العباد فيشفعه الله ويأتي في ظلل من الغمام بعد ما تنشق السماء الدنيا، وينزل من فيها من الملائكة، ثم الثانية، ثم الثالثة إلى السابعة. وينزل حملة العرش، والكروبيون وقال: وينزل الجبار في ظلل من الغمام، والملائكة، ولهم زجل من تسبيحهم يقولون: سبحان ذي الملك والملكوت، سبحان ذي العزة والجبروت، سبحان الحي الذي لا يموت، سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت.
سبوح قدوس، رب الملائكة والروح، سبوح قدوس، سبحان ربنا الأعلى، سبحان ذي السلطان والعظمة، سبحانه سبحانه أبدا أبدا».
٢ - يدور صراع كبير بين اتجاهين حول هذه الآية عند قوله تعالى: إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ: اتجاه يحارب أي تقدير في فهم الآية. والاتجاه الثاني يقدر محذوفا هنا أخذا من آية النحل إذ يقول تعالى هناك: أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ فيقولون هذه الآية شبيهة بالآية تلك. فتلك من باب البيان لها. وعلى هذا فالتقدير هنا: هل ينظرون إلا أن يأتيهم أمر الله بفصل القضاء، وبالتعذيب وبالبأس، في ظلل من الغمام، وتأتي الملائكة؟ والجميع متفقون على تنزيه الله عن صفات الحوادث. وأنه ليس كمثله شئ في ذاته، وصفاته، وأفعاله. ولنا عودة على هذا الموضوع.
стр. 475
٣ - إن مجئ هذه الآية هنا بعد الأمر بالدخول في الإسلام كله، وعدم اتباع خطوات الشيطان، يشير إلى أن الإنسان ما لم يتذكر موقفه بين يدي الله يوم القيامة، فإنه لا يقيم أمر الله ونهيه. وإن لفت النظر إلى هذا الموضوع بعد تلك الآية يدل على أن علينا أن نرقي مشاعر الإنسان في تذكر اليوم الآخر، حتى يمكن أن يكون وقافا عند حدود الله، وما لم يستطع المسلم أن يرتقي بقلبه إلى مثل هذه التصورات، يكون بعيدا، ولا تظهر قدرة المربين كقدرتهم على نقل الإنسان إلى هذه الأحوال. قال حنظلة: (نكون عند الرسول ﷺ فيذكرنا بالجنة والنار فكأنا رأي عين)، أخرجه مسلم.
٤ - إن من مصادر الخطأ في باب المعرفة، أن نتجاوز قدرنا في باب التصورات والقوانين فنخضع الذات الإلهية، وصفاتها لتصورات مقيسة على الخلق. إذ كل ما خطر ببالك، فالله بخلاف ذلك. أو نخضع عالم الآخرة، لقوانين الحياة الدنيا. فللآخرة قوانينها الخاصة التي قد تتفق مع قوانين الحياة الدنيا أو لا تتفق. سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ.
ما الرابط بين هذه الآية وما قبلها؟ جاء قبلها أمر بالدخول في الإسلام كله. ونهي عن اتباع خطوات الشيطان، وتهديد لنا في حالة الزلل مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ.
وهل يكون مع الحجج الواضحة زلل؟. نعم يكون. وهل تستبدل أمة النعمة بالكفران؟. نعم تستبدل. وهل يعاقب الله أمة أنعم عليها بأن هداها، وبعث لها رسلا؟. نعم يعاقب. فهؤلاء بنو إسرائيل، سلهم كم أنزل عليهم من آية بينة. ومع ذلك بدلوا نعمة الله من بعد ما جاءتهم. فكيف كان الأمر؟. كان العقاب. لأن جلال الله عظيم. فيا هذه الأمة: إياك وقد جاءتك البينات أن تستبدلي نعمة الله، فقومي بحق الله بتنفيذ أمره واجتناب نهيه. ولا تتبدلي نعمة الله عليك كفرا، فتحرفي، وتبدلي، وتفسقي أو تكفري. فإن فعلت فإن الله سيعاقبك كما عاقب بني إسرائيل.
المعنى العام:
يذكر تعالى مخبرا عن بني إسرائيل، كم شاهدوا مع موسى من آية بينة، أي حجة قاطعة بصدقه فيما جاءهم به. كاليد، والعصا، وفلقه البحر وضربه الحجر، وما كان
стр. 476
من تظليل الغمام عليهم في شدة الحر، ومن إنزال المن والسلوى، وغير ذلك من الآيات البينات، الدالات على وجود الفاعل المختار، وصدق من جرت هذه الخوارق على يديه. ومع هذا أعرض كثير منهم عنها. وبدلوا نعمة الله كفرا. فاستبدلوا بالإيمان بها، الكفر بها والإعراض عنها. فاستحقوا بذلك عقوبة الله في الدنيا، وعقوبته في الآخرة.
المعنى الحرفي:
سَلْ: أي اسأل، وهو أمر للرسول ﷺ أو لكل أحد. بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ: على أيدي أنبيائهم. وهي معجزاتهم. وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ: وتبديلهم إياها، أن الله أظهرها لتكون أسباب هداهم. فاختاروا الضلال بدل الهدى. وأعظم نعم الله: آياته وشريعته. فآياته سبب الهدى، والنجاة من الضلالة.
وشريعته سبب الهدى في كل شأن. مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ: أي من بعد ما عرفها، وصحت عنده فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ: أي لمن استحق عقابه.
فائدة:
يدخل في تبديل نعمة الله: أن نستبدل بقانون إسلامي قانونا غير إسلامي، وبدستور الإسلام دستورا غير إسلامي، وبنظام الله نظام البشر، وبالأخلاق الإسلامية الأخلاق الجاهلية، وبمفاهيم الإسلام مفاهيم الجاهلية. وقد فعلت أمتنا هذا كله.
فهل تستغرب بعد ذلك عقابا ينزله الله بنا؟! اللهم إنا نسألك رحمتك.
زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ. وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ.
قد يتساءل متسائل: ما أسباب الزلل؟. وما أسباب استبدال نعمة الله بغيرها؟ في هذه الآية الجواب. فإذا أدركنا هذا، عرفنا الرابطة بين هذه الآية وما قبلها في الفقرة.
إن سبب الزلل، واستبدال نعمة الله كفرا، إنما هو الحياة الدنيا، وزينتها، وشهواتها، والكبر الموجود في قلوب الكافرين مما يجعلهم يحتقرون أهل الإيمان، ويزدرونهم، فيستكبرون بالتالي عن متابعتهم، أو الكون منهم. وذلك أول خطوة من خطوات الشيطان. ولئن فات أهل الإيمان شئ من الدنيا وحظها بسبب الالتزام بشرع
стр. 477
الله، فإن الله يعوضهم عن ذلك الآخرة. وقد يعطي الله عباده المؤمنين، الدنيا والآخرة.
المعنى العام:
يخبر تعالى عن تزيينه الحياة الدنيا للكافرين، الذين رضوا بها، واطمأنوا إليها، وجمعوا الأموال، ومنعوها عن مصارفها التي أمروا بها مما يرضي الله عنهم. وسخروا من الذين آمنوا، الذين أعرضوا عنها، وأنفقوا ما حصل لهم منها في طاعة ربهم، وبذلوه ابتغاء وجه الله. فلهذا فازوا بالمقام الأسعد والحظ الأوفر يوم معادهم. فكانوا فوق أولئك في محشرهم، ومنشرهم، ومستقرهم، ومأواهم. فاستقروا في الدرجات، في أعلى عليين. وخلد أولئك في الدركات، في أسفل سافلين. ومن شأنه ﷻ أن يرزق من يشاء من خلقه، ويعطيه عطاء كثيرا، جزيلا بلا حصر، ولا تعداد في الدنيا والآخرة.
المعنى الحرفي:
زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا: المزين على الحقيقة؛ هو الله الخالق لكل شئ. وقد زين الحياة الدنيا للكافرين عقوبة لهم، بأن جعل عندهم استعدادا للاستغراق في شهواتها، وبأن سلط عليهم الشيطان، يحسنها في أعينهم، ويحببها إليهم بوساوسه. فيصبحون، ولا يريدون غيرها. وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا: أي وهم يسخرون ممن
لا حظ له فيها. أو ممن يطلب غيرها، وهم أهل الإيمان. وَالَّذِينَ اتَّقَوْا: أي تحققوا بالتقوى حالا وعملا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ: لأن المتقين في جنة عالية. وهم في نار هاوية. وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ: أي بغير تقتير. فمن شأنه ﷻ أن يوسع على من أراد التوسعة عليهم في الدنيا وفي الآخرة. وإذا وسع على أحد في الدنيا، فإنما ذلك ابتلاء ليستخرج شكر المؤمن ويستدرج الكافر، وإذا ضيق على أحد في الدنيا، فإن كان كافرا فلعله يرجع، وإن كان مؤمنا فليصبر، وليعلم عباده أن التوسعة في الدنيا ليست ملازمة للكرامة.
فوائد:
١ - الفارق الرئيسي بين أهل الكفر، وأهل الإيمان في الهدف أن الكافر ليس له هدف إلا في الدنيا: مال، شهوات، جاه ... أما المؤمن، فليس له هدف إلا وجه
стр. 478
الله، ونيل رضوانه في الآخرة، والدنيا بالنسبة له طريق ومعبر وممر.
٢ - في مسند الإمام أحمد عن النبي ﷺ أنه قال: «الدنيا دار من لا دار له.
ومال من لا مال له. ولها يجمع من لا عقل له». كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.
المعنى العام:
كان الناس على ملة آدم حتى عبدوا الأصنام، فبعث الله إليهم الرسل، وتتابع إرسال الرسل بالتبشير والإنذار. وأنزل مع الرسل الكتاب المرجع للناس في شئونهم كلها، وجعل الكتاب من الوضوح والحجة بحيث لا يمترى فيه، ومع ذلك اختلف الناس بعد ما قامت الحجج عليهم. وما حملهم على ذلك إلا البغي من بعضهم على بعض. أما أهل الإيمان فإن الله تولى هدايتهم إلى الحق عند الاختلاف، فكانوا على ما جاءت به الرسل قبل الاختلاف. فأقاموا على الأمر الأول الذي كان قبل الاختلاف، واعتزلوا الاختلاف. وكانوا بذلك شهداء على الناس في كل عصر، وحجة على الخلق.
وذلك شأن الله. يهدي من يشاء من خلقه إلى صراطه المستقيم عدلا، وفضلا.
المعنى الحرفي:
كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً: أي متفقين جماعة واحدة على الإسلام الخالص من بعد آدم. ثم حدث الخلاف. ويدل على ذلك ما جاء في الآية بعد لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ. ويدل على ذلك القول الأصح عن ابن عباس قال: «كان بين نوح وآدم، عشرة قرون. كلهم على شريعة الحق، فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين». فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ. أي فأرسل الرسل ﵈ مبشرين بالثواب للمؤمنين، ومنذرين بالعقاب للكافرين. وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ: قال النسفي: (أي أنزل مع كل واحد منهم كتابه بتبيان الحق) لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ: أي ليحكم الكتاب بين الناس في دين الإسلام الذي اختلفوا فيه بعد الاتفاق، فيرجعون إلى الإسلام، ويبقون عليه.
وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ: أي في الحق. إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ: أي إلا الذين أوتوا هذا
стр. 479
الحق المتمثل بكتاب الله وهدي الرسل. مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ: من بعد ما قامت الحجج عليهم على صدقه. بَغْياً بَيْنَهُمْ: هذا سبب خلافهم: حسدا بينهم، وظلما لحرصهم على الدنيا، وقلة إنصاف منهم. فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ أي: فهدى الله الذين آمنوا للحق الذي اختلف فيه من اختلف بإذنه وقال ابن جرير: (أي بعلمه بهم، وبما هداهم له). وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ: من خلقه. إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ: لا عوج فيه ظاهرا وباطنا، عقائد وعبادات، ومناهج حياة، شعائر وشرائع ومشاعر.
فوائد
١ - قال أبو العالية: (في هذه الآية: المخرج من الشبهات، والضلالات، والفتن). وذلك أن هذه الآية بينت أن سبب الاختلاف هو الحسد. فمن أراد الحق فعليه أن يتحرر من الحسد. ومن أراد الحق، فليحقق الإيمان في نفسه. فإن الله- يهدي أهل الإيمان إلى الحق في قضايا الاختلاف، رحمة بهم.
٢ - بمناسبة هذه الآية يروي عبد الرزاق حديثا يرويه أبو هريرة تفسيرا لقوله تعالى: فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ: قال ﵊: «نحن الآخرون الأولون يوم القيامة. نحن أول الناس دخولا الجنة. بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا. وأوتيناه من بعدهم. فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه.
فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه. فهدانا الله له. فالناس لنا فيه تبع. فغدا لليهود، وبعد غد للنصارى». يفهم من الحديث أنه ما من قضية اختلف فيها الناس من أمر الدين، إلا وفي كتابنا بيان الحق فيها.
٣ - في صحيح البخاري ومسلم عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان إذا قام من الليل يصلي يقول: «اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون. اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك. إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم». وفي الدعاء المأثور:
«اللهم أرنا الحق حقا، وارزقنا اتباعه. وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه. ولا تجعله ملتبسا علينا فنضل. واجعلنا للمتقين إماما».
٤ - قال تعالى في الآية: وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ. يقول المفسرون:
стр. 480
«المقصود هنا جنس الكتاب». فهل يفهم من ذلك أن كل رسول أنزل معه ما يمكن أن يسمى كتابا، إما حقيقة وإما مجازا؟. فإذا كان الأمر كذلك، وعلمنا أنه ما من أمة، إلا وأرسل لها رسول، كما نص القرآن. عرفنا سر وجود كتب فيها معان إسلامية عند أمم كالفرس، والهنود، وغيرهم. غير التوراة، والإنجيل، والزبور. ولكنها خولطت، وغيرت، وبدلت، كما حدث للتوراة، والإنجيل، والزبور.
٥ - الصلة ما بين هذه الآية وما قبلها واضح. فالمقطع دعوة إلى الدخول في الإسلام كله. وعدم اتباع خطوات الشيطان. وهذه الآية تزيد هذا المعنى وضوحا. إذ الدخول في الإسلام كله هو الوضع الصحيح للبشرية والدخول في الإسلام كله، اتباع للكتاب كله، وتحكيم له في كل شئ، والدخول في الإسلام كله يقتضي أن تكون صورة الإسلام المبينة في الكتاب واضحة، وترك اتباع خطوات الشيطان يقتضي عدم الاختلاف في الكتاب. ويقتضي ترك الحسد والبغي، والدخول في الإسلام كله يحتاج إلى هداية خاصة من الله. وهذه يعطيها الله لأهل الإيمان. فلنؤمن. فالارتباط بين هذه الآية، وما قبلها على غاية الوضوح. وتأتي الآن آيتان فيهما تصحيح مفهوم، وإجابة على سؤال. وهما بمثابة التمهيد لفرضية القتال.
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ* يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ. وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ. ارتباط الآيتين بما قبلهما واضح. وذلك أن الدخول في الإسلام كله يقتضي صراعا. ويستتبع تضحيات، ومواقف. ويقابل من أعداء الله بمجابهة، ويترتب على ذلك ما يترتب.
وإذا كان كثيرون من الناس قد يتوهمون أن حمل دين الله يقتضي أن يعيش الإنسان في منتهى الراحة، والدعة، والأمن. فإن الآية الأولى جاءت لتصحيح هذا المفهوم.
ثم تأتي الآية التالية لتبين جانبا من دين الله كرد على سؤال له علاقة في الإنفاق.
وارتباط هذا بما بعده واضح، فالارتباط بين الصبر والتحمل، والرغبة بالنصر والإنفاق، وبين القتال، الذي هو موضوع المجموعة التالية لا يحتاج إلى مزيد تأمل.
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ
стр. 481
وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ؟ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ.
المعنى العام:
ينكر الله على المؤمنين أن يتصوروا أن دخول الجنة يكون دون ابتلاء، أو اختبار، أو احتمال. ويبين ﷻ أن الابتلاء هو سنة الله في الذين قبلنا من الأمم.
وابتلاء الله إنما يكون بالأمراض، والأسقام، والآلام والمصائب، والخوف من الأعداء، والفتنة عن الدين. وبين الله أن من سنة الله أن يستمر هذا الابتلاء حتى يصل الضيق والشدة إلى منتهاه. ويكاد يفرغ صبر أهل الإيمان ويتساءلون: متى يكون النصر. عندئذ ينزل الله نصره، ويبعث فرجه.
المعنى الحرفي:
أَمْ حَسِبْتُمْ: أم هنا بمعنى: بل. والتقدير: (بل حسبتم). والهمزة فيها للتقرير، وإنكار الحسبان، واستبعاده. والحسبان: الظن. بدأت الآية بإنكار مثل هذا التصور. أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ: أي أن تستأهلوا دخول الجنة. وَلَمَّا يَأْتِكُمْ:
أي ولم يأتكم. وفي (لما) هنا معنى التوقع يعني أن إتيان ذلك متوقع منتظر. مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ: أي حال الذين مضوا من قبلكم من النبيين والمؤمنين.
والتي هي مثل في الشدة. مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا: هذا بيان للمثل.
وهو استئناف. كأن قائلا قال: كيف ذلك المثل؟. فقيل: مستهم .. والبأساء:
الفقر. والضراء: السقم. ومعنى زلزلوا: حركوا بأنواع البلايا، وأزعجوا إزعاجا شبيها بالزلزلة؛ بالفزع والخوف. حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ؟: أي بلغ بهم الضجر إلى الغاية التي قالوا بها: مَتى نَصْرُ اللَّهِ؟. لم يبق لهم صبر حتى قالوا ذلك. ومعناه: طلب النصر، وتمنيه، واستطالة زمان الشدة.
والجواب: أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ.
فوائد:
١ - في الحديث الصحيح عن خباب بن الأرت قال: «قلنا يا رسول الله: ألا تستنصر لنا ألا تدعو الله لنا. فقال: إن من كان قبلكم كان أحدهم يوضع المنشار على مفرق رأسه فيخلص إلى قدميه لا يصرفه ذلك عن دينه. ويمشط بأمشاط الحديد ما بين
стр. 482
عظمه ولحمه، لا يصرفه ذلك عن دينه». ثم قال: «والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه. ولكنكم قوم تستعجلون».
٢ - في حديث أبي رزين: «عجب ربك من قنوط عباده وقرب غيثه. فينظر إليهم قانطين، فيظل يضحك. يعلم أن فرجهم قريب».
٣ - عندنا صورة تاريخية كاملة عن سنة الله هذه، من خلال سيرة رسولنا ﷺ وأصحابه. وقد قص علينا القرآن الكثير عمن قبلنا. ولكن تبقى سيرة
رسولنا ﷺ وأصحابه ﵃ هي النموذج العملي، الكامل التفاصيل على هذه السنة.
ففي سورة الأحزاب وصف الله حالهم يوم الأحزاب: وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً.
وفي سورة الحشر، وصف الله المهاجرين فقال: الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ ....
٤ - مما سأل عنه هرقل أبا سفيان من أمر رسولنا ﷺ هذا السؤال قال: هل قاتلتموه؟. قال: نعم. قال: فكيف كانت الحرب بينكم؟. قال: سجالا. يدال علينا، وندال عليه. قال: كذلك الرسل تبتلى ثم تكون لها العاقبة. يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ؟ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ. وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ.
يلاحظ أنه في هذا المقطع قد ذكر القرآن ستة أسئلة وجهت لرسول الله ﷺ .
وذكر السياق جوابها، وهذا أولها. ومجئ الأسئلة ضمن هذا السياق غير مستغرب، فما دامت بداية السياق لها علاقة في الدخول بكل شرائع الإسلام، وعدم اتباع خطوات الشيطان فشئ عادي أن يأتي في السياق أسئلة عن بعض شرائع الإسلام، والأجوبة عليها. وفي هذه الآية سؤال عن كيفية الإنفاق، ومحاله، والأفضلية فيه؟
فجاء الجواب مبينا ذلك، ومبينا ترتيب الأفضلية بما ينسجم مع الفطرة حيث يقدم الأقرب، كما جاء في الحديث: «أمك، وأباك، وأختك، وأخاك، ثم أدناك ..
أدناك». والأحوج: اليتيم أولا، ثم المسكين، ثم ابن السبيل. وليس من داع يدعو إلى القول بأن هذه الآية منسوخة، لأنها في نفقة التطوع. لذلك علق ابن كثير على قول السدي بأن الآية منسوخة بآية الزكاة قال: (وفيه نظر). وصاحب السؤال في هذه
стр. 483
الآية: عمرو بن الجموح ﵁ وكان له مال عظيم. فسأل ماذا ننفق من أموالنا؟ وأين نضعها؟. فكان الجواب هذه الآية!! ..
المعنى الحرفي:
يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ؟: هذا هو السؤال؛ وظاهر السؤال أنه ماذا يكون الإنفاق؟. فجاء الجواب متضمنا هذا، ومتضمنا بيان المصرف. قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ: هذا بيان لما ينفقونه. وهو كل خير. والخير في كثير من آيات القرآن يأتي بمعنى المال. وهو هنا كذلك- والله أعلم- فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ: هذا بيان المصرف. تلا ميمون بن مهران هذه الآية ثم قال: «هذه مواضع النفقة؛ ما ذكر فيها طبلا ولا مزمارا، ولا تصاوير الخشب ولا كسوة الحيطان». فكأنه يشير بهذا إلى قوم ينفقون الكثير على الزينة لمسجد ولغيره، يتقربون فيه إلى الله، مع وجود من يحتاج. فهو ينكر مثل هذا- والله أعلم- وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ: أي مهما صدر منكم من فعل معروف فإن الله يعلمه، وسيجزيكم على ذلك أوفر الجزاء فإنه لا يظلم أحدا مثقال ذرة. ثم تأتي في السياق مجموعة جديدة بعد أن سبقت معانيها بتمهيد. كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ. وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ. وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ. وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ* يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ. قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ. وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ. وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ* إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
في هذا المجموعة، فريضة، وسؤال له علاقة بهذه الفريضة. وقاعدة عامة مرتبطة بهذه الفريضة. والفريضة، فريضة القتال. وهذه الفريضة تأتي بالأهمية بعد الأركان الخمسة مباشرة لقوله ﷺ : «الإسلام ثمانية أسهم: الإسلام سهم، والصلاة سهم، والزكاة سهم، والصوم سهم، والحج سهم، والأمر بالمعروف سهم، والنهي عن المنكر سهم، والجهاد سهم، وقد خاب من لا سهم له». وفي كتابنا (جند الله ثقافة وأخلاقا) بينا أن بين الجهاد، وبين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نوعا من
стр. 484
الترادف، والتلازم. فالجهاد أمر بمعروف خارج حدود أرض الإسلام. والأمر بالمعروف جهاد على الأرض الإسلامية، ونلاحظ أنه في السياق العام في سورة البقرة قد جاءت هذه الفريضة بعد ما ذكر الحج. فالإيمان بالغيب ذكر أولا. ثم الصلاة، ثم الإنفاق الذي منه الزكاة ثم الصوم، ثم الحج وهاهنا تذكر فريضة القتال. ويلاحظ أن هذه الفريضة قد ذكرت في سياق الأمر بالدخول بشرائع الإسلام عامة، وسنرى أنه بدونها لا يبقى إسلام. ومن ثم نفهم حكمة ذكرها في هذا السياق. وإذ تكون أول فريضة منصوص عليها في السياق الجديد يفهم من ذلك أهميتها في موضوع الدخول في الإسلام كله فمن أراد أن يحقق أمر الله في الدخول في الإسلام كله فعليه أن يقاتل أو ينوي القتال:
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ. وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ. وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ. وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ.
المعنى العام:
هذا إيجاب من الله تعالى للجهاد على المسلمين أن يكفوا شر الأعداء عن حوزة الإسلام، مع علمه تعالى بشدة هذه الفريضة عليهم، وكثرة مشقتها لما يترتب عليها من قتل، أو جرح. ولما يكون فيها من مشقة سفر وتنقل، ومجالدة عدو. ولكن الله لا يفرض ما يفرض مراعاة لما يحب عباده أو يكرهون. بل مراعاة لما هو المصلحة لهم في دنياهم وأخراهم. إذ قد يكره العبد شيئا، وفيه الخير. وقد يحب شيئا وفيه الشر. والله وحده هو الذي يعلم، وغيره لا يعلم. فمن ثم هو الذي يشرع. ولا حق لغيره أن يشرع. وفي موضوعنا: ترك القتال، يعقبه استيلاء الكفرة على البلاد والحكم. ويترتب عليه تعطيل أحكام الله. ويترتب عليه اغتيال العقيدة، والشريعة.
وفي القتال تكون كلمة الله هي العليا. وفي ذلك الخير كل الخير.
المعنى الحرفي:
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ: أي فرض وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ أي: وهو مكروه لكم. ووضع المصدر محل اسم المفعول لتبيان فرط الكراهية. وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ: ككراهة للقتال، مع أن فيه إحدى الحسنيين: إما الظفر والغنيمة، وإما الشهادة والجنة. وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ: كحبنا
стр. 485
للقعود عن القتال مع ما فيه من الذل، والفقر، واستئصال الحق، وحرمان الغنيمة والأجر. وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ: أي هو أعلم بما هو خير لكم. وهو أعلم بعواقب الأمور منكم. والأعلم بما فيه صلاحكم في دنياكم وأخراكم. فاستجيبوا له وانقادوا لأمره.
فوائد:
١ - قال الزهري: (الجهاد واجب على كل أحد غزا، أو قعد، فالقاعد عليه إذا استعين، أن يعين، وإذا استغيث أن يغيث. وإذا استنفر أن ينفر، وإن لم يحتج إليه، قعد). قال ابن كثير: ولهذا ثبت في الصحيح: «من مات ولم يغز، ولم يحدث نفسه بالغزو، مات ميتة جاهلية». وقال ﷺ يوم الفتح: «لا هجرة بعد الفتح.
ولكن جهاد ونية. وإذا استنفرتم فانفروا».
٢ - من أقوال الفقهاء في الجهاد: «الجهاد فرض كفاية ابتداء وإن لم يبدأنا الكفار بالقتال». «وإياك أن تتوهم أن فرضيته تسقط عن أهل الهند بقيام أهل الروم مثلا، بل يفرض على الأقرب فالأقرب من العدو إلى أن تقع الكفاية، فلو لم تقع إلا بكل الناس فرض عينا». «والكلام كله في القتال ابتداء ولو لم يهاجمنا الكفار فآية: قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً. (سورة التوبة)
تدل على أن الجهاد فرض على كل من يلي الكفار من المسلمين على الكفاية فلا يسقط بقتال الروم ممن يليهم عن أهل الهند مثلا».
«ويكون القتال فرض عين إن هجم العدو فيخرج الكل من ذكر وامرأة ومديون وغيرهم، ولو بلا إذن زوج أو أب أو صاحب دين، ويأثم الزوج والأب ونحوهما من المنع». «ويجب أن لا يأثم من عزم على الخروج وقعوده لعدم خروج الناس وتكاسلهم أو قعود السلطان أو منعه». (راجع حاشية ابن عابدين).
٣ - تحدث الفقهاء عن صورة ما إذا كنا عاجزين عن مكافأة العدو فذكروا أنه يفترض علينا في هذه الحالة أن نعد العدة ونأخذ بالأسباب الموصلة إلى مكافأتهم وسيأتي معنا في هذا التفسير مزيد بيان في شأن القتال.
٤ - إن القاعدة العامة: أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. فإذا كان قتال الكافرين حتى تكون كلمة الله هي العليا في العالم فريضة. فإن كل المقدمات اللازمة
стр. 486
لذلك تكون من باب الفرائض، من التكوين الجهادي إلى التنظيم المناسب الذي يقيم دولة الإسلام في كل قطر إسلامي، إلى وحدة الأقطار الإسلامية إلى التصنيع والتخطيط إلى التعبئة الشاملة.
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ. وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ.
سبب النزول:
أخرج ابن أبي حاتم عن جندب بن عبد الله: أن رسول ﷺ بعث رهطا وبعث عليهم أبا عبيده بن الجراح. فلما ذهب ينطلق، بكى صبابة إلى رسول الله ﷺ فحبسه فبعث عليهم مكانه عبد الله بن جحش، وكتب له كتابا، وأمره أن لا يقرأ الكتاب حتى يبلغ مكان كذا وكذا. وقال: «لا تكرهن أحدا على السير معك من أصحابك». فلما قرأ الكتاب، استرجع وقال: سمعا وطاعة لله ولرسوله. فخبرهم الخبر، وقرأ عليهم الكتاب. فرجع رجلان وبقي بقيتهم. فلقوا ابن الحضرمي فقتلوه.
ولم يدروا أن ذلك اليوم من رجب، أو من جمادى. فقال المشركون للمسلمين: قتلتم في الشهر الحرام. فأنزل الله: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ ...
المعنى العام:
لما أكثر المشركون في تعيير المسلمين بالقتل في الشهر الحرام، وإذ اشتد ذلك على المسلمين. وخاصة على من شاركوا في القتل، أنزل الله مبينا أن الصد عن سبيل الله، وعن المسجد الحرام، وإخراج أهل المسجد الحرام منه، وأن الكفر بالله أكبر من القتل في الشهر الحرام. وأن فتنة المسلم عن دينه حتى يرد إلى الكفر أكبر من القتل. فليكف المشركون عن استغلال هذه الحادثة، وليطمئن المسلمون. ثم بين الله حقيقة: وهي أن أهل الكفر مقيمون على أخبث الكيد، وأعظمه لأهل الإسلام. وهم مستمرون في قتال أهل الإسلام حتى يرتدوا عن الإسلام. وفي هذا كله بيان لحكمة القتال إذ بدون قتال تكون الفتنة عن دين الله، ويكون استحلال كل
стр. 487
شعيرة، وتكون الردة الشاملة عن دين الله. ثم بين الله عقوبة من يرتد عن دينه، إذ جزاؤه حبوط العمل، والخلود في النار.
المعنى الحرفي:
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ: السائل- كما قال عروة بن الزبير- هم وفد من مشركي قريش بعد الحادثة التي ذكرناها كسبب نزول. سألوا رسول الله ﷺ فقالوا: أيحل القتال في الشهر الحرام؟. فالسؤال إذن عن القتال في الشهر الحرام. والجواب: قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ: أي فيه إثم كبير. قال النسفي:
وأكثر الأقاويل على أنها منسوخة بقوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ. وسواء كان النسخ، أو لم يكن. فإنه يفهم من الآية أن المسلمين يحل لهم الجهاد في كل وقت. وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ: أي منع عن صراط الله.
وَكُفْرٌ بِهِ: أي وكفر بالله. وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ: أي وصد عن المسجد الحرام فالمسجد الحرام معطوف على سبيل الله. وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ: أي وإخراج أهل المسجد الحرام، وهم رسول الله ﷺ والمؤمنون من المسجد الحرام. أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ: هذا خبر لكل ما سبق. فصار المعنى: أن الصد عن سبيل الله والمسجد الحرام، وإخراج أهل المسجد الحرام منه، والكفر بالله، أكبر عند الله من القتل في الشهر الحرام. فهم من هذا أن ما فعلته السرية أقل مما فعله المشركون فما فعلته السرية إذن عدل، وليس ظلما. وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ: أي تعذيب الكفار للمسلمين ليفتنوهم عن دينهم أشد قبحا، وأعظم من القتل في الشهر الحرام. بله غيره. وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ: إلى الكفر. و (حتى) هنا معناها التعليل. أي يقاتلونكم ليردوكم. وهو إخبار عن دوام عداوة الكفار للمسلمين.
وأنهم لا ينفكون عنها حتى يردوهم عن دينهم إِنِ اسْتَطاعُوا أي: إن استطاعوا أن يردوكم عن دينكم فلن يقصروا. والتعبير يشعر بعدم استطاعتهم بفضل الله. وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ: أي ومن يرجع منكم عن الإسلام. فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ: أي فيمت مرتدا. فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ: لما يفوتهم بالردة مما للمسلمين في الدنيا من ثمرات الإسلام وفي الآخرة من الثواب، وحسن المآب. وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ خلودا أبديا. لأنهم ماتوا على الكفر. والكافر لا يخرج من النار أبدا.
стр. 488
فائدة:
١ - فهم من هذه الآية حكمة فرض القتال، وسبب وجوب قتال الكافرين.
وذلك أنهم يصدون عن سبيل الله، ويكفرون به، ويفتنون المسلمين عن دينهم ويحرصون على تكفير المسلمين، واستئصال الإسلام؛ فمن ثم فرض الله علينا قتالهم.
٢ - احتج الشافعي ﵀ بهذه الآية على أن الردة لا تحبط العمل حتى يموت عليها صاحبها. وقال الحنفية: إن الردة تحبط العمل مباشرة، لقوله تعالى: وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ. (سورة المائدة) وسبب الخلاف يرجع إلى خلاف أصولي فعند الشافعي: المطلق يحمل على المقيد. وعند الحنفية أن المطلق لا يحمل على المقيد. ويتفرع على الخلاف في الحبوط المباشر للعمل، أو عدمه ما يلي قال الشافعي:
(إن من ارتد ثم عاد إلى الإسلام لم يحبط عمله، ولا حجه الذي فرغ منه. بل إن مات على الردة، فحينئذ تحبط أعماله. وقال مالك: تحبط بنفس الردة. ويظهر الخلاف في المسلم إذا حج، ثم ارتد، ثم أسلم. فقال مالك: يلزمه الحج. لأن الأول قد حبط بالردة. وقال الشافعي: لا إعادة عليه. لأن عمله باق). ا. هـ من القرطبي.
وقال الحنفية: بمجرد الردة ينفسخ عقد نكاحه. وإذا عاد إلى الإسلام يلزمه عقد جديد على من كانت زوجته. وقال الشافعي: لا يلزمه عقد جديد إن عاد إلى الإسلام.
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ هؤلاء الذين اجتمعت لهم هذه الصفات الثلاثة أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
هذه هي القاعدة التي ختم الله بها هذه المجموعة. وهي تبين أن من اجتمع له الإيمان والهجرة- حيث تجب الهجرة- والجهاد في سبيل الله. فهذا الذي يستأهل رحمة الله، ويرجوها. وفي ذلك من الحض على الجهاد، ومن التخويف من تركه الكثير، وأكثر الناس عن هذه الآية غافلون. فهم يرجون رحمة الله- وهذا طيب- ولكن لا يفكرون في الجهاد ولا يهاجرون إذا وجبت الهجرة.
سبب نزول الآية:
إن المحنة التي مرت بها السرية إذ بقوا فترة وهم في حيرة وقلق قبل نزول الآية السابقة من أن يكونوا قد أثموا، إذ قتلوا في الشهر الحرام- جعلتهم يتطلعون إلى غزوة أخرى
стр. 489
يكون لهم أجر فيها لا نزاع فيه. فأنزل الله فيهم هذه الآية، فوضعهم على أعظم الرجاء. لا فيما يأتي فقط. بل فيما مضى، كذلك قال ابن إسحاق: (فلما تجلى عن عبد الله بن جحش وأصحابه ما كان؛ حين نزل القرآن طمعوا في الأجر، فقالوا يا رسول الله: أنطمع أن تكون لنا غزوة نعطى فيها أجر المجاهدين؟ فأنزل الله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا .... فوضع الله منهم ذلك على أعظم الرجاء).
فوائد:
١ - إن مجئ هذه الآية في نهاية هذه المجموعة، وفي سياق الأمر بالدخول في الإسلام كله. يصحح مفهوما خاطئا يمكن أن يقع فيه المسلمون، وهو الرجاء بلا هجرة ولا جهاد. وفيه تهديد لمن ترك بعض شرائع الإسلام ولو أدى بعضا.
٢ - كانت الهجرة في أول الدعوة الإسلامية مفروضة إلى المدينة. وبعد فتح مكة قال ﷺ «لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية». أي لا هجرة بعد فتح مكة منها.
لأنها أصبحت دار إسلام. ولكن ما حكم الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام؟.
ومن دار البدعة إلى دار السنة؟
قال الحنفية: إنها واجبة من دار الحرب إلى دار الإسلام، ومن دار البدعة إلى دار السنة، وقال الشافعية: حيثما استطعت أن تعلن بالإسلام وتجهر به فأقم. فوجودك
يجعل مكانك دار إسلام. ولكن حيث لا يستطيع الإنسان أن يجهر بدينه، أو حيث يخشى على نفسه، أو أهله الفتنة هل تجب عليه الهجرة أو لا؟. الظاهر إن كان يستطيع الهجرة إلى حيث يأمن فإنه يجب عليه.
ونعود إلى السياق:
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ، قُلْ: فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ* فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.
هاهنا ثلاثة أسئلة وأجوبتها. سؤال حول الخمر والميسر. وسؤال ثان حول الإنفاق. وسؤال ثالث حول اليتامى. والأسئلة الثلاثة جاءت في سياق الأمر بالدخول
стр. 490
في شرائع الإسلام كلها. وهذه أسئلة عن أحكام الإسلام في أمور ثلاثة وأجوبتها.
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ، قُلْ: فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما. روى الإمام أحمد عن عمر أنه قال: «اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا». فنزلت هذه الآية التي في البقرة: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ... فدعي عمر فقرئت عليه. فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا. فنزلت الآية التي في النساء: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى. فكان منادي رسول الله ﷺ إذا أقام الصلاة نادى: أن لا يقربن الصلاة سكران. فدعي عمر.
فقرئت عليه. فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا. فنزلت الآية التي في المائدة.
فدعي عمر فقرئت عليه. فلما بلغ: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ: قال عمر: انتهينا، انتهينا. وفي رواية ابن أبي حاتم بعد قوله انتهينا: إنها تذهب المال، وتذهب العقل».
قال النسفي: (نزل في الخمر أربع آيات. نزل بمكة: وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً ... (سورة النحل) فكان المسلمون يشربونها وهي لهم حلال. ثم إن عمر ونفرا من الصحابة قالوا: يا رسول الله! أفتنا في الخمر، فإنها مذهبة للعقل، مسلبة للمال. فنزل: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ ... فشربها قوم، وتركها آخرون. ثم دعا عبد الرحمن بن عوف جماعة، فشربوا، وسكروا. فأم بعضهم فقرأ: «قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون .. ». فنزل: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى. فقل من يشربها. ثم دعا عتبان بن مالك جماعة، فلما سكروا منها، تخاصموا، وتضاربوا. فقال عمر: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا.
فنزل: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ إلى قوله: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ. فقال عمر: انتهينا يا رب.
المعنى الحرفي:
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ: عن تعاطيهما، وعن حكم الله فيهما.
والخمر: مصدر خمره خمرا إذا ستره. وسميت بذلك، لسترها العقل. والميسر:
القمار، مصدر من يسر كالموعد من وعد. يقال: يسرته، إذا قمرته. واشتقاقه من اليسر، لأنه أخذ من مال الرجل بيسر، وسهولة: بلا كد، ولا تعب. أو من اليسار. لأنه سلب اليسار. قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ: أي يحتويان آثاما عظيمة بسبب التخاصم والتشاتم، وقول الفحش والزور. ولما في الخمر من زوال العقل وفقدان
стр. 491
الاتزان. ولما يترتب على شربها من أخطاء وجرائم. ولما يترتب على شربها من نقصان أوقات الصحو للعبادة ولإقامة الدنيا. ولما في الميسر من خراب البيوت، وتحطيم الأعصاب، ووجود العداوة. وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ ومنافع الخمر من حيث إن فيها أحيانا بعض النفع للجسد في بعض حالاته، وفيها لذة لمن اعتادها، وفيها مصالح اقتصادية في الزرع والتسويق والتجارة. ومنافع الميسر مثل ارتفاق الفقراء، ونيل المال بلا تعب، وقيام كثير من المؤسسات عليها وقد يستفيد من ذلك خلق كثير. وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما. فإذا قورنت المنافع بالمضار الآثمة فإن المضار أكثر. والذي يقول هذا هو الله المحيط علما بكل شئ والذي وحده يملك الحكم الخالي من كل نقص، أو جهل. وهكذا ينتهي الجواب عند هذا الحد. فكانت هذه الآية ممهدة لتحريم الخمر والميسر على البتات. ولم تكن مصرحة بل معرضة. ولكنه التعريض الكافي لرفع الهمم إلى تركها، ولإشعار المسلم بالمكان الأردأ لهاتين القضيتين. إذ ذكر الإثم مشعر بالخطإ ولكن بما يترتب عليهما، وبما تحتويانه. فأصحاب الشرب والقمار، يقترفون فيهما الآثام من وجوه كثيرة. ومن ثم يأثم متعاطيهما قبل التحريم القطعي. فمن الذي يستطيع أن يشرب الخمر، ويلعب الميسر، ولا يفعل أثرا محرما من آثارهما؟!
فوائد:
[١ - ان الميسر نقل للملكية غير معقول]
١ - إن الميسر نقل للملكية غير معقول. فإن تنتقل الملكية بضربة نرد، أو باستقرار رقم، أو ما أشبه ذلك. فذلك كله غير معقول في نقل الملك. لأنه لم يرافقه مقابل. ثم إن الميسر يتساقط حوله، وحول مؤسساته آلاف من الناس، يربحون دون أن يقدموا إنتاجا حقيقيا للأمة.
٢ - صفة الميسر في الجاهلية:
قال النسفي: (كانت لهم عشرة أقداح: سبعة منها عليها خطوط، وهي: الفذ وله سهم. والتوأم: وله سهمان. والرقيب: وله ثلاثة، والحلس: وله أربعة.
والنافس: وله خمسة، والمسبل: وله ستة، والمعلى: وله سبعة وثلاثة أغفال لا نصيب لها. وهي: المنيح، والسفيح، والوغد. فيجعلون الأقداح في خريطة، ويضعونها على
يد عدل. ثم يجلجلها، ويدخل يده، ويخرج باسم رجل، قدحا قدحا منها. فمن خرج له قدح من ذوات الأنصباء أخذ النصيب الموسوم به ذلك القدح. ومن خرج له قدح مما لا نصيب له لم يأخذ شيئا، وغرم ثمن الجزور كله. وكانوا يدفعون تلك
стр. 492
الأنصباء إلى الفقراء، ولا يأكلون منها، ويفتخرون بذلك. ويذمون من لم يدخل فيه). فأنت تلاحظ من صفة الميسر هذه أن ما يسمى باليانصيب اليوم الذي قد يكون قسم منه للفقراء، والقسم الكبير منه يذهب إلى المؤسسات، وإلى من يربح من أصحاب بعض الأرقام. هو من الميسر المحرم. وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ: الْعَفْوَ. أخرج ابن أبي حاتم أن معاذ بن جبل، وثعلبة ﵄ أتيا رسول الله ﷺ فقالا: يا رسول ﷺ ، إن لنا أرقاء وأهلين من أموالنا. فأنزل الله:
وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ: الْعَفْوَ.
والسؤال هنا- والله أعلم- عن مقدار ما ينفقون، وما يتركونه لأنفسهم. فكان الجواب أن ينفقوا ما فضل عن مقدار حاجة أنفسهم وأهليهم. فلا ينفق الإنسان ما يجهده، أو يجهد أهله، ثم يقعد يسأل الناس. روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: (قال رجل يا رسول الله! عندي دينار. قال: «أنفقه على نفسك».
قال: عندي آخر. قال: «أنفقه على أهلك». قال: عندي آخر. قال: «أنفقه على ولدك». قال: عندي آخر. قال: «فأنت أبصر»). وفي صحيح مسلم عن رسول الله ﷺ : «خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى. واليد العليا خير من اليد السفلى. وابدأ بمن تعول». وهل الأمر بإنفاق العفو كان فرضا في أول الإسلام ثم نسخت الفريضة بآية الزكاة، وبقي إنفاق العفو على الندب؟. قاله ابن عباس، ولم يذكر النسفي غيره. أو أن الأمر بإنفاق العفو كان مندوبا في الأصل، وبقي على الندب ثم جاءت آية الزكاة لتحدد المفروض؟. أو أن الأمر بإنفاق العفو كان فرضا، وجاءت آية الزكاة لتحدد هذا العفو الواجب، فآية الزكاة إذن مبينة؟. قاله مجاهد وغيره. قال ابن كثير: وهو أوجه، وعلى كل حال، فالزكاة هي فريضة المال، وفي المال واجبات أخرى. ويبقى إنفاق ما زاد عن الحاجة نافلة. وفي الحديث: «ابن آدم إنك إن تبذل الفضل خير لك، وإن تمسكه شر لك. ولا تلام على كفاف».
كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ* فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ: أي مثل هذا التبيين المار بينه الله لكم لعلكم تتفكرون فيما يتعلق بالدارين. فتأخذون بما هو أصلح لكم، أو تتفكرون في الدارين، فتؤثرون أبقاهما، وأكثرهما منافع. فصار المعنى العام: كما فصل لكم هذه الأحكام، وبينها، وأوضحها، كذلك يبين لكم سائر الآيات في أحكامه، ووعده، ووعيده، لعلكم تتفكرون في شأن الدنيا، وفنائها. وأنها دار بلاء، ثم دار فناء. وإقبال الآخرة، وبقائها. وأنها دار جزاء، ثم دار بقاء فتعلمون
стр. 493
فضل الآخرة على الدنيا، وتؤثرون الآخرة عليها. نفهم من هذا أن من حكم نزول القرآن العظيم بآياته كلها، إثارة تفكير الإنسان. فمن لم يستثر القرآن تفكيره في أمر الدنيا والآخرة، فإنه لا يكون قد حقق الحكمة من هذا البيان الواضح في القرآن.
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى، قُلْ: إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.
عن ابن عباس قال: لما نزلت: وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (سورة الأنعام) وإِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً. (سورة النساء) انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه، وشرابه من شرابه. فجعل يفضل له الشئ من طعامه فيحبس له حتى يأكله، أو يفسد. فاشتد ذلك عليهم. فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ . فأنزل الله:
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى، قُلْ: إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ ... رواه أبو داود والنسائي.
المعنى الحرفي:
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى ... أي: عن مخالطتهم في الطعام والشراب، بجعل الطعام والشراب مشتركا بين اليتيم ووصيه، وأمثال ذلك. والجواب قُلْ: إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ: أي مداخلتهم على وجه الإصلاح خير لهم ولأموالهم وخير من مجانبتهم ويحتمل أن يكون المراد بالإصلاح عزل طعامهم وشرابهم على حدة. وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ: أي وإن خلطتم طعامكم بطعامهم، وشرابكم بشرابهم فلا بأس عليكم، لأنهم إخوانكم في الدين. قالت عائشة: «إني لأكره أن يكون مال اليتيم عندي على حدة حتى أخلط طعامه بطعامي، وشرابه بشرابي». وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ: لأموالهم. مِنَ الْمُصْلِحِ: لها. أي: يعلم من قصده ونيته الإفساد، أو الإصلاح، فيجازيه على حسب مداخلته، فاحذروه.
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ: العنت هو المشقة، والحرج. أي: لو شاء الله لضيق عليكم، وأحرجكم. ولكنه وسع عليكم، وخفف عنكم، وأباح لكم مخالطتهم بالتي هي أحسن. بل جوز الأكل منه للفقير بالمعروف، إما بشرط ضمان البدل، لمن أيسر، أو مجانا، كما سيأتي بيانه في سورة النساء. إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ. أي: غالب. يقدر أن يعنت عباده ويحرجهم إن شاء ويعاقبهم إن خالفوا في الدنيا وفي الآخرة.
حَكِيمٌ: لا يكلف عباده إلا وسعهم.
стр. 494
كلمة في السياق:
ما الصلة بين الأسئلة الثلاثة، والآيات التي قبلها مباشرة؟. إن المجموعة التي سبقت هذه الأسئلة كان موضوعها الرئيسي هو القتال. وآخر آية منها تحدثت عن الهجرة والجهاد.
ادرس ظواهر الهجرة في العالم، تجد أنها تنتشر بسببها عادتا شرب الخمر، والميسر، ثم هي تحتاج إلى أعلى درجات الإنفاق. وتجد كثرة اليتامى أثناءها. وادرس
حياة الجند، وقضايا القتال تجد أن القتال يحتاج إلى أعلى درجات الإنفاق. وأن اليتامى يكثرون بسبب القتال، وأن أكثر جنود العالم يسكرون ويقامرون فإن تأتي هذه الأسئلة، ويجاب عليها في هذا السياق، فلذلك أسبابه الكثيرة. وكنا ذكرنا من قبل، أن الموضوع الرئيسي للقسم الثالث كله في مقطعيه هو الدخول في الإسلام كله. ومن ثم نعرف سر ذكر الأسئلة في هذا السياق، والإجابة عليها. فإذا جاءت فريضة القتال في هذا السياق، أو جاء التمهيد لتحريم الخمر. أو جاءت الإباحة لمخالطة اليتامى. فكل ذلك جامعه أنه من الإسلام الذي يأمر السياق بالدخول فيه كله.
فصول شتى:
فصل في أن الإسلام هو السلام:
يلاحظ أن قوله ﷻ : ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً قد فسر في أنه أمر بالدخول في الإسلام. وسنرى أنه في أكثر من مكان في القرآن يعبر عن الإسلام؛ بالسلام. كقوله تعالى: وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً (سورة النساء) أي: لا تقولوا لمن قال لكم لا إله إلا الله، لست مؤمنا. وفي ذلك دليل على أنه لا سلام إلا بهذا الإسلام. صحيح أن الإسلام فرض القتال على المسلمين، وأن الجهاد في الإسلام هو بذل الجهد في القتال من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا.
ولكن ذلك كله من أجل أن يعم السلام العالم. فعند ما تكون كلمة الله هي العليا في العالم كله. عندئذ يتحقق السلام على هذه الأرض في صوره كلها. السلام في محيط الأسرة، والسلام في نفس الفرد، والسلام بين المسلمين وغير المسلمين ممن يعيشون في ظل الدولة المسلمة، والسلام بين العامل ورب العمل، والسلام بين الحاكم والمحكوم، وذلك لا يكون إلا إذا كانت كلمة الله هي الحاكمة. وكلمة الله حق وعدل. فالله كلف كل إنسان أن يدخل في الإسلام ليحقق السلام في ذاته، وكلف المسلمين أن يخضعوا العالم لكلمة الله ليتم السلام بانتصار الإسلام.
стр. 495
فصل في الحذر من الدراسات الموجهة في شأن الأديان:
رأينا قوله تعالى: كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ورأينا اتجاهات المفسرين فيها. وبهذه المناسبة نحب أن نشير إلى نقطة مهمة هي: إن الغالبية العظمى من الدارسين في الآثار، والباحثين عن الديانات، والمشتغلين بالمقارنة بين الأديان، ينطلقون من نظرة مسبقة. وعلى ضوء ذلك يبحثون، ويحللون، ويعللون. وأسوأ هؤلاء أصحاب الفكر الشيوعي. فهؤلاء ينطلقون من نظريتهم في التطور التاريخي ليضعوا الأحداث في بوتقتها. فليست المكتشفات، ولا الآثار، ولا الروايات هي التي توجه النظرية، أو المقارنة بل كل شئ يكتشف هو لصالح هذه النظرية. ومن ثم فإن علينا أن نكون حذرين جدا ونحن نقرأ كل دراسة للتاريخ القديم، وكل دراسة مقارنة للأديان.
الفقرة الثانية من المقطع الأول من القسم الثالث:
تتألف هذه الفقرة من خمس آيات. من الآية (٢٢١) إلى نهاية الآية (٢٢٥) وهذه هي:
[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٢١ الى ٢٢٥]
وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١) وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢) نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣) وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤) لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥)
следующие страницы →